صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور
المؤلف : عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

فقال : آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها ، وزويت عنا الآخرة فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل وقال : « بل يؤثرون » بالياء .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة { بل تؤثرون الحياة الدنيا } قال : اختار الناس العاجلة إلا من عصم الله { والآخرة خير } في الخير { وأبقى } في البقاء .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة { بل تؤثرون الحياة الدنيا } قال : يعني هذه الأمة ، وإنكم ستؤثرون الحياة الدنيا .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا إله إلا الله تمنع العباد من سخط الله ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم ، فإذا آثروا صفقة دنياهم ، ثم قالوا : لا إله إلا الله ردت عليها وقال الله كذبتم » .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا يلقى الله أحد بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلا دخل الجنة ما لم يخلط معها غيرها ، رددها ثلاثاً قال قائل من قاصية الناس : بأبي أنت وأمي يا رسول الله : وما يخلط معها غيرها؟ قال : حب الدنيا وأثرة لها وجمعا لها ورضا بها وعمل الجبارين » .
وأخرج أحمد عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من أحب دنياه أضر بآخرته ، ومن أحب آخرته أضر بدنياه ، فآثروا ما يبقى على ما يفنى » .
وأخرج أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، لها يجمع من لا عقل له » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن موسى بن يسار رضي الله عنه أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله جل ثناؤه لم يخلق خلقاً أبغض إليه من الدنيا ، وإنه منذ خلقها لم ينظر إليها » .
وأخرج البيهقي عن الحسن رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « حب الدنيا رأس كل خطيئة » .
أخرج البزار وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزلت { إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى } قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : « هي كلها في صحف إبراهيم وموسى » .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { إن هذا لفي الصحف الأولى } قال : نسخت هذه السورة من صحف إبراهيم وموسى ، ولفظ سعيد : هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى ، ولفظ ابن مردويه : وهذه السورة وقوله :

(10/245)


{ وإبراهيم الذي وفى } [ النجم : 37 ] إلى آخر السورة من صحف إبراهيم وموسى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أن هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى مثل ما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه { إن هذا لفي الصحف الأولى } يقول : قصة هذه السورة في الصحف الأولى .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه { إن هذا لفي الصحف الأولى } قال : تتابعت كتب الله كما تسمعون إن الآخرة خير وأبقى .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { إن هذا لفي الصحف الأولى } الآية قال : في الصحف الأولى إن الآخرة خير من الدنيا .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه { إن هذا لفي الصحف الأولى } قال : هو الآيات .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه { إن هذا لفي الصحف الأولى } قال : في كتب الله كلها .
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر عن أبي ذر رضي الله عنه قال : « قلت يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟ قال مائة كتاب وأربعة كتب ، أنزل على شيث خمسين صحيفة ، وعلى ادريس ثلاثين صحيفة ، وعلى إبراهيم عشر صحائف ، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف ، وأنزل التوراة والإِنجيل والزبور والفرقان . قلت يا رسول الله : فما كانت صحف إبراهيم؟ قال : أمثال كلها أيها الملك المتسلط المبتلي المغرور لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض ، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم ، فإني لا أردها ولو كانت من كافر ، وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له ثلاث ساعات ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ويتفكر فيما صنع ، وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال ، فإن في هذه الساعة عوناً لتلك الساعات واستجماعاً للقلوب وتفريغاً لها ، وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه مقبلاً على شأنه حافظاً للسانه ، فإن من حسب كلامه من عمله أقل الكلام إلا فيما يعنيه ، وعلى العاقل أن يكون طالباً لثلاث مرمة لمعاش ، أو تزوّد لمعاد ، أو تلذذ في غير محرم . قلت يا رسول الله : فما كانت صحف موسى؟ قال : كانت عبراً كلها عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح ، ولمن أيقن بالموت ثم يضحك ، ولمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم يطمئن إليها ، ولمن أيقن بالقدر ثم ينصب ، ولمن أيقن بالحساب ثم لا يعمل . قلت يا رسول الله : هل أنزل عليك شيء مما كان في صحف إبراهيم وموسى؟ قال : يا أبا ذر نعم { قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى } » .

(10/246)


وأخرج البغوي في معجمه « عن عبد الرحمن بن أبي شبرة رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم مع أبيه فسأله عن أشياء فقال : يا رسول الله كم توتر؟ قال : بثلاث ركعات تقرأ فيها ب { سبح اسم ربك الأعلى } و { قل يا أيها الكافرون } [ الكافرون : 1 ] و { قل هو الله أحد } [ الاخلاص : 1 ] » .
وأخرج الطبراني عن عبدالله بن الحارث بن عبد المطلب قال : صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا المغرب فقرأ في الركعة الأولى { سبح اسم ربك الأعلى } وفي الثانية : ب { قل يا أيها الكافرون } .

(10/247)


هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16) أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)

وأخرج مالك ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن النعمان بن بشير أنه سئل بم كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الجمعة مع سورة الجمعة؟ قال : { هل أتاك حديث الغاشية } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الغاشية القيامة .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في { هل أتاك حديث الغاشية } قال : الساعة { وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة } قال : تعمل وتنصب في النار { تسقى من عين آنية } قال : هي التي قد طال أنيها { ليس لهم طعام إلا من ضريع } قال : الشبرق .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة { هل أتاك حديث الغاشية } قال : حديث الساعة { وجوه يومئذ خاشعة } قال : ذليلة في النار { عاملة ناصبة } قال : تكبرت في الدنيا عن طاعة الله فأعملها وأنصبها في النار { تسقى من عين آنية } قال : إناء طبخها منذ خلق الله السموات الأرض { ليس لهم طعام إلا من ضريع } قال : الشبرق شر الطعام وأبشعه وأخبثه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { وجوه يومئذ } قال : يعني في الآخرة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة } قال : يعني اليهود والنصارى تخشع ولا ينفعها عملها { تسقى من عين آنية } قال : تدانى غليانه .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والحاكم عن أبي عمران الجوني قال : مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه براهب ، فوقف ، ونودي الراهب فقيل له : هذا أمير المؤمنين فاطلع فإذا إنسان به من الضر والاجتهاد وترك الدنيا فلما رآه عمر بكى ، فقيل له : إنه نصراني ، فقال : قد علمت ، ولكني رحمته ، ذكرت قول الله { عاملة ناصبة تصلى ناراً حامية } فرحمت نصبه واجتهاده وهو في النار .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله : { عاملة ناصبة } قال : عاملة في الدنيا بالمعاصي تنصب في النار يوم القيامة { إلا من ضريع } قال : الشبرق .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { تصلى ناراً حامية } قال : حارة { تسقى من عين آنية } قال : انتهى حرها { ليس لهم طعام إلا من ضريع } يقول : من شجر من نار .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه { من عين آنية } قال : قد أنى طبخها منذ خلق الله السموات والأرض .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { من عين آنية } قال : قد بلغت إناها وحان شربها ، وفي قوله : { إلا من ضريع } قال : الشبرق اليابس .

(10/248)


وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي { من عين آنية } قال : انتهى حرها فليس فوقه حر .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله : { آنية } قال : حاضرة .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس { ليس لهم طعام إلا من ضريع } قال : الشبرق اليابس .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال : الضريع بلغة قريش في الربيع الشبرق وفي الصيف الضريع .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال : الضريع الشبرق شجرة ذات شوك لاطئة بالأرض .
وأخرج ابن شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي الجوزاء قال : الضريع السلم ، وهو الشوك وكيف يسمن من كان طعامه الشوك؟
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { إلا من ضريع } قال : من حجارة .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { إلا من ضريع } قال : الزقوم .
وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب ، فيستغيثون بالطعام ، فيغاثون بطعام { من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع } » .
وأخرج ابن مردويه بسند واه عن ابن عباس { ليس لهم طعام إلا من ضريع } قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « شيء يكون في النار شبه الشوك أمر من الصبر ، وأنتن من الجيفة ، وأشد حراً من النار ، سماه الله الضريع إذا طعمه صاحبه لا يدخل البطن ولا يرتفع إلى الفم فيبقى بين ذلك ولا يغني من جوع » .
أخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه قرأ في سورة الغاشية { متكئين فيها } ناعمين فيها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله : { لسعيها راضية } قال : رضيت عملها .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { لا تسمع فيها } بالتاء ونصب التاء لاغية منصوبة منونة .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : { لا يسمع فيها لاغية } يقول : لا تسمع أذى ولا باطلاً وفي قوله : { فيها سرر مرفوعة } قال : بعضها فوق بعض { ونمارق } قال : مجالس .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { لا تسمع فيها لاغية } قال : شتماً .
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش { لا تسمع فيها لاغية } قال : مؤذية .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { لا تسمع فيها لاغية } قال : لا تسمع فيها باطلاً ولا مأثماً وفي قوله : { ونمارق } قال : الوسائد وفي قوله : { مبثوثة } قال : مبسوطة .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج { فيها سرر مرفوعة } قال : مرتفعة .

(10/249)


وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله : { ونمارق } قال : الوسائد { وزرابي } قال : البسط .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله : { ونمارق } قال : المرافق .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه { وزرابي } قال : البسط .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه { وزرابيّ مبثوثة } قال : بعضها على بعض .
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن عمار بن محمد قال : صليت خلف منصور بن المعتمر فقرأ { هل أتاك حديث الغاشية } فقرأ فيها { وزرابيّ مبثوثة } متكئين فيها ناعمين .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن أبي الهذيل أن موسى أو غيره من الأنبياء قال : يا رب كيف يكون هذا منك؟ أولياؤك في الأرض خائفون يقتلون ، ويطلبون فلا يعطون ، وأعداؤك يأكلون ما شاؤوا ، ويشربون ما شاؤوا ونحو هذا . فقال : انطلقوا بعبدي إلى الجنة فينظر ما لم ير مثله قط ، إلى أكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابيّ مبثوثة ، وإلى الحور العين ، وإلى الثمار ، وإلى الخدم كأنهم لؤلؤ مكنون . فقال : ما ضر أوليائي ما أصابهم في الدنيا إذا كان مصيرهم إلى هذا؟ ثم قال : انطلقوا بعبدي هذا فانطلق به إلى النار ، فخرج منها عنق فصعق العبد ثم أفاق فقال : ما نفع أعدائي ما أعطيتهم في الدنيا إذا كان مصيرهم إلى هذا؟ قال : لا شيء .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال نبي من الأنبياء : اللهم العبد من عبيدك يعبدك ويطيعك ويجتنب سخطك تزوي عنه الدنيا ، وتعرض له البلاء . والعبد يعبد غيرك ، ويعمل بمعاصيك ، فتعرض له الدنيا وتزوي عنه البلاء . قال : فأوحى الله إليه أن العباد والبلاد لي ، كل يسبح بحمدي فأما عبدي المؤمن فتكون له سيئات فإنما أعرض له البلاء وأزوي عنه الدنيا فتكون كفارة لسيئاته ، وأجزيه إذا لقيني وأما عبدي الكافر فتكون له الحسنات فأزوي عنه البلاء ، وأعرض له الدنيا فيكون جزاء لحسناته وأجزيه بسيئاته حين يلقاني . والله أعلم .
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال : لما نعت الله ما في الجنة عجب من ذلك أهل الضلالة ، فأنزل الله { أفلا ينظرون إلى الإِبل كيف خلقت } وكانت الإِبل عيشاً من عيش العرب وخولاً من خولهم { وإلى السماء كيف رفعت ، وإلى الجبال كيف نصبت } قال : تصعد إلى الجبل الصخور عامة يومك ، فإذا أفضت إلى أعلاه أفضت إلى عيون منفجرة وأثمار متهدلة لم تغرسه الأيدي ولم تعمله الناس نعمة من الله إلى أجل { وإلى الأرض كيف سطحت } أي بسطت يقول : إن الذي خلق هذا قادر على أن يخلق في الجنة ما أراد .
وأخرج عبد بن حميد عن شريح أنه كان يقول لأصحابه : أخرجوا بنا إلى السوق فننظر { إلى الإِبل كيف خلقت } .

(10/250)


أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله ، ثم قرأ { فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر } » .
وأخرج الحاكم وصححه عن جابر قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم « لست عليهم بمصيطر » بالصاد .
وِأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { لست عليهم بمسيطر } يقول : بجبار فاعف عنهم وأصفح .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة { لست عليهم بمسيطر } قال : بقاهر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { لست عليهم بمسيطر } قال : كل عبادي إليّ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه { بمسيطر } قال : بمسلط .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { لست عليهم بمسيطر } قال : جبار { إلا من تولى وكفر } قال : حسابه على الله .
وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس { لست عليهم بمسيطر } نسخ ذلك فقال : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [ التوبة : 5 ] .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { إن إلينا إيابهم } قال : مرجعهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء مثله .
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله : عز وجل { إن إلينا إيابهم } قال : الإِياب المرجع . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم أما سمعت عبيد بن الأبرص يقول :
وكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب
وقال الآخر :
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإِياب المسافر
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي { إن إلينا إيابهم } قال : منقلبهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم } قال : إلى الله الإِياب ، وعلى الله الحساب .

(10/251)


وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13)

أخرج ابن الضريس والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي من طرق عن ابن عباس قال : نزلت { والفجر } بمكة .
وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن الزبير قال : أنزلت { والفجر } بمكة .
وأخرج ابن مردوية عن عائشة قالت : أنزلت { والفجر } بمكة .
وأخرج النسائي عن جابر قال : أفتان يا معاذ أين أنت من { سبح اسم ربك الأعلى } [ الأعلى : 1 ] { والشمس وضحاها } [ الشمس : 1 ] { والفجر } { والليل إذا يغشى } [ الليل : 1 ] .
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبدالله بن الزبير في قوله : { والفجر } قال : قسم أقسم الله به .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ميمون بن مهران قال : إن الله تعالى يقسم بما يشاء من خلقه وليس لأحد أن يقسم إلا بالله .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله : { والفجر } قال : فجر النهار .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله : { والفجر } قال : هو الصبح .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله : { والفجر } قال : طلوع الفجر غداة جمع .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : { والفجر } قال : فجر يوم النحر ، وليس كل فجر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي مثله .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { والفجر } قال : يعني صلاة الفجر .
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب وابن عساكر عن ابن عباس في قوله : { والفجر } قال : هو المحرم أوّل فجر السنة .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم ، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن النعمان قال : « أتى عليّاً رجل فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني بشهر أصومه بعد رمضان . قال : لقد سألت عن شيء ما سمعت أحداً يسأل عنه بعد رجل سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : » إن كنت صائماً شهراً بعد رمضان فصم المحرم ، فإنه شهر الله وفيه يوم تاب فيه قوم وتاب فيه على آخرين « » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والبيهقي عن ابن عباس قال : « قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء فقال : ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا : هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى ، وأغرق فيه آل فرعون ، فصامه موسى شكراً لله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فنحن أحق بموسى منكم ، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه » .
وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي عن الربيع بنت معوّذ بن عفراء قالت :

(10/252)


« أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة من كان أصبح صائماً فليتم صومه ، ومن كان أصبح مفطراً فليصم بقية يومه » قالت فكنا بعد ذلك نصومه ونصوّم صبياننا الصغار ، ونذهب بهم إلى المسجد ، ونجعل لهم اللعبة من العهن ، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه إياها حتى يكون عند الافطار .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والبيهقي عن ابن عباس قال : ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحرى صيام يوم يبتغي فضله على غيره إلا هذا اليوم ، يوم عاشوراء ، أو شهر رمضان .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليس ليوم على يوم فضل في الصيام إلا شهر رمضان ويوم عاشوراء » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الأسود بن يزيد قال : ما رأيت أحداً ممن كان بالكوفة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بصوم يوم عاشوراء من عليّ وأبي موسى .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والبيهقي عن ابن عباس قال : « حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا : يا رسول الله إنه تعظمه اليهود ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا يوم التاسع فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم » .
وأخرج ابن عدي والبيهقي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « صوموا يوم عاشوراء ، وخالفوا فيه اليهود . صوموا قبله يوماً وبعده يوماً » .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لئن بقيت لآمرن بصيام يوم قبله أو بعده يوم عاشوراء » .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال : خالفوا اليهود وصوموا التاسع والعاشر .
وأخرج البيهقي عن أبي جبلة قال : كنت مع ابن شهاب في سفر فصام يوم عاشوراء ، فقيل له : تصوم يوم عاشوراء في السفر وأنت تفطر في رمضان؟ قال : إن رمضان له عدة من أيام أخر ، وإن عاشوراء يفوت .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال : يوم عاشوراء يوم تعظمه اليهود وتتخذه عيدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « صوموه أنتم » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يوم عاشوراء يوم كانت تصومه الأنبياء فصوموه أنتم » .
وأخرج البيهقي عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه طول سنته » .

(10/253)


وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه في سائر سنته » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته » .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من وسع على عياله وأهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته » قال البيهقي : أسانيدها ، وإن كانت ضعيفة ، فهي إذا ضم بعضها إلى بعض أحدثت قوّة .
وأخرج البيهقي عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر قال : كان يقال : من وسع على عياله يوم عاشوراء لم يزالوا في سعة من رزقهم سائر سنتهم .
وأخرج البيهقي وضعفه عن عروة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من اكتحل بالإِثمد يوم عاشوراء لم يرمد أبداً » .
أخرج أحمد والنسائي والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن جابر « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { والفجر وليال عشر والشفع والوتر } قال : إن العشر عشر الأضحى والوتر يوم عرفة ، والشفع يوم النحر » .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس في قوله : { وليال عشر } قال : عشرة الأضحى ، وفي لفظ قال : هي ليال العشر الأول من ذي الحجة .
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عبدالله بن الزبير في قوله : { وليال عشر } قال : أول ذي الحجة إلى يوم النحر .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن مسروق في قوله : { وليال عشر } قال : هي عشر الأضحى ، هي أفضل أيام السنة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد { وليال عشر } قال : عشر ذي الحجة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة مثله .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة مثله .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن الضحاك بن مزاحم في قوله : { وليال عشر } قال : عشر الأضحى أقسم بهن لفضلهن على سائر الأيام .
وأخرج عبد بن حميد عن مسروق { وليال عشر } قال : عشر الأضحى وهي التي وعد الله موسى قوله : { وأتممناها بعشر } [ الأعراف : 142 ] .
وأخرج عبد بن حميد عن طلحة بن عبيدالله أنه دخل على ابن عمر هو وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، فدعاهم ابن عمر إلى الغداء يوم عرفة ، فقال أبو سلمة : أليس هذه الليالي العشر التي ذكر الله في القرآن؟ فقال ابن عمر : وما يدريك؟ قال : ما أشك .

(10/254)


قال : بلى فاشكك .
وأخرج ابن مردويه عن عطية في قوله : { والفجر } قال : هذا الذي تعرفون { وليال عشر } قال : عشر الأضحى { والشفع } قال : يقول الله : { وخلقناكم أزواجاً } [ النبأ : 8 ] { والوتر } قال الله قيل هل تروي هذا عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج البخاري والبيهقي في الشعب عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما من أيام فيهن العمل أحب إلى الله عز وجل أفضل من أيام العشر ، قيل يا رسول الله : ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال : ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل جاهد في سبيل الله بماله ونفسه فلم يرجع من ذلك بشيء » .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من أيام أفضل عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من أيام العشر ، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد » .
وأخرج البيهقي عن الأوزاعي قال : بلغني أن العمل في اليوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله يصام نهارها ويحرس ليلها إلا أن يختص امرؤ بشهادة . قال : الأوزاعي : حدثني بهذا الحديث رجل من بني مخزوم عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج البيهقي من طريق هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر ، أول اثنين من الشهر وخميسين .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من أيام من أيام الدنيا العمل فيها أحب إلى الله من أن يتعبد له فيها من أيام العشر ، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة ، وقيام كل ليلة بقيام ليلة القدر » .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من أيام أفضل عند الله ولا العمل فيهن أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير ، فإنها أيام التهليل والتكبير وذكر الله ، وإن صيام يوم منها يعدل بصيام سنة ، والعمل فيهن يضاعف بسبعمائة ضعف » .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { وليال عشر } قال : هي العشر الأواخر من رمضان .
وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة عن أبي عثمان قال : كانوا يعظمون ثلاث عشرات العشر الأول من المحرم والعشر الأول من ذي الحجة والعشر الأخير من رمضان .
أخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن عمران بن حصين

(10/255)


« أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الشفع والوتر فقال : هي الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن عمران بن حصين { والشفع والوتر } قال : الصلاة المكتوبة منها شفع ومنها وتر .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { والشفع والوتر } قال : إن من الصلاة شفعاً وإن منها وتراً . قال : قال الحسن : هو العدد منه شفع ومنه وتر .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي العالية { والشفع والوتر } قال : ذلك صلاة المغرب الشفع الركعتان والوتر الركعة الثالثة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس مثله .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن { والشفع والوتر } قال : أقسم ربنا بالعدد كله الشفع منه والوتر .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال : الشفع الزوج ، والوتر الفرد .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس { والشفع والوتر } قال : كل شيء شفع فهو اثنان والوتر واحد .
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد { والشفع والوتر } قال : الخلق كله شفع ووتر فأقسم بالخلق .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { والشفع والوتر } قال : الله الوتر وأنتم الشفع .
وأخرج الفريابي وسعيد بن جبير وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { والشفع والوتر } قال : كل خلق الله شفع السماء والأرض والبر والبحر والإِنس والجن والشمس والقمر ونحو هذا شفع ، والوتر الله وحده .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { والشفع والوتر } قال : الله الوتر وخلقه الشفع الذكر والأنثى .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال : الشفع آدم وحواء والوتر الله .
وأخرج عبد بن حميد من طريق اسماعيل عن أبي صالح { والشفع والوتر } قال : خلق الله من كل زوجين اثنين ، والله وتر واحد صمد . قال اسماعيل : فذكرت ذلك للشعبي ، فقال : كان مسروق يقول ذلك .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال : من قال في دبر كل صلاة وإذا أخذ مضجعه الله أكبر الله أكبر عدد الشفع والوتر وعدد كلمات الله التامات الطيبات المباركات ثلاثاً ولا إله إلا الله مثل ذلك كن له في قبره نوراً وعلى الجسر نوراً وعلى الصراط نوراً حتى يدخل الجنة .
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الشفع والوتر فقال : « يومان وليلة يوم عرفة ويوم النحر ، والوتر ليلة النحر ليلة جمع » .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عطاء { والشفع والوتر } قال : هي أيام نسك عرفة والأضحى هما للشفع ، وليلة الأضحى هي الوتر .
وأخرج ابن جرير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(10/256)


« الشفع اليومان والوتر اليوم الثالث » .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير أنه سئل عن الشفع والوتر فقال : الشفع قول الله : { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } [ البقرة : 203 ] والوتر اليوم الثالث : ، وفي لفظ الشفع أوسط أيام التشريق والوتر آخر أيام التشريق .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طرق عن ابن عباس { والشفع والوتر } قال : الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : عرفة وتر ويوم النحر شفع عرفة يوم التاسع والنحر يوم العاشر .
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه قال : الشفع يوم النحر ، والوتر يوم عرفة . أقسم الله بهما لفضلهما على العشر .
أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : { والليل إذا يسر } قال : إذا ذهب .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير { والليل إذا يسر } قال : إذا سار .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد { والليل إذا يسر } قال : إذا سار .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة { والليل إذا يسر } قال : ليلة جمع .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي أنه قيل له : ما { والليل إذا يسر } قال : هذه الإِفاضة اسر يا ساري ولا تبيتن إلا بجمع .
أخرج ابن المنذر عن ابن مسعود أنه قرأ { والفجر } إلى قوله : { إذا يسر } قال : هذا قسم على أن ربك لبالمرصاد .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان من طرق عن ابن عباس في قوله : { قسم لذي حجر } قال : لذي حجا وعقل ونهى .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عكرمة والضحاك مثله .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن { لذي حجر } قال : لذي حلم .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك { لذي حجر } قال : ستر من النار .
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن السدي في قوله : { لذي حجر } قال : لذي لب . قال الحارث بن ثعلبة :
وكيف رجائي أن أتوب وإنما ... يرجى من الفتيان من كان ذا حجر
أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : { ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم } قال : يعني بالإِرم الهالك ألا ترى أنك تقول : إرم بنو فلان { ذات العماد } يعني طولهم مثل العماد .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله : { بعاد إرم } قال : القديمة { ذات العماد } قال : أهل عمود لا يقيمون .

(10/257)


وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : { إرم } قال : أمة { ذات العماد } قال : كان لها جسم في السماء .
وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله : { بعاد إرم } قال : عاد بن إرم نسبهم إلى أبيهم الأكبر .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : كنا نحدث أن إرم قبيلة من عاد كان يقال لهم ذات العماد ، كانوا أهل عمود { التي لم يخلق مثلها في البلاد } قال : ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر ذراعاً طولاً في السماء .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن المقدام بن معد يكرب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر { إرم ذات العماد } فقال : « كان الرجل منهم يأتي إلى الصخرة فيحملها على كاهله فيلقيها على أي حي أراد فيهلكهم » .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : ارم هي دمشق .
وأخرج ابن جرير وعبد بن حميد وابن عساكر عن سعيد المقبري مثله .
وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيب مثله .
وأخرج عبد بن حميد عن خالد الربعي مثله .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي قال : إرم هي الاسكندرية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال : الإِرم هي الهلاك ، إلا ترى أنه يقال : « أرمَّ بنو فلان أي هلكوا . قال ابن حجر : هذا التفسير على قراءة شاذة أرمَّ بفتحتين وتشديد الراء على أنه فعل ماض و { ذات } بفتح التاء مفعوله أي أهلك الله ذات العماد .
وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب { إرم } قال رمهم رماً فجعلهم رمماً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك { ذات العماد } ذات الشدة والقوّة .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { جابوا الصخر بالواد } قال : كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً { وفرعون ذي الأوتاد } قال : الأوتاد الجنود الذين يشيدون له أمره .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله : { جابوا الصخر } قال نقبوا الحجارة في الجبال فاتخذوها بيوتاً . قال : وهل تعرف ذلك العرب؟ قال : نعم أما سمعت قول أمية :
وشق أبصارنا كيما نعيش بها ... وجاب للسمع أصماخاً وآذاناً
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { جابوا الصخر } قال : حرقوا الجبال فجعلوها بيوتاً { وفرعون ذي الأوتاد } قال : كان يتد الناس بالأوتاد { فصب عليهم ربك سوط عذاب } قال : ما عذبوا به .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله : { ذي الأوتاد } قال : وتد فرعون لأمرأته أربعة أوتاد ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت .

(10/258)


وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير { وفرعون ذي الأوتاد } قال : كان يجعل رجلاً هنا ورجلاً هنا ويداً هنا ويداً هنا بالأوتاد .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : إنما سمي فرعون ذا الأوتاد لأنه كان يبني له المنابر يذبح عليها الناس .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال : كان يعذب بالأوتاد .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : كان فرعون إذا أراد أن يقتل أحداً ربطه بأربعة أوتاد على صخرة ثم أرسل عليه صخرة من فوقه فشدخه وهو ينظر إليها قد ربط بكل يد منها قائمة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { وفرعون ذي الأوتاد } قال : ذي البناء قال : وحدثنا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كانت له مظال يلعب تحتها وأوتاد كانت تضرب له .
وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله : { فأكثروا فيها الفساد } قال : بالمعاصي { فصب عليهم ربك سوط عذاب } قال : رجع عذاب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال : كل شيء به فهو سوط عذاب .

(10/259)


إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله : { إن ربك لبالمرصاد } قال : يسمع ويرى .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن { إن ربك لبالمرصاد } قال : بمرصاد أعمال بني آدم .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود في قوله : { والفجر } قال : قسم ، وفي قوله : { إن ربك لبالمرصاد } من وراء الصراط جسور : جسر عليه الأمانة وجسر عليه الرحم وجسر عليه الرب عزّ وجلّ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو نصر السجزي في الإِبانة عن الضحاك قال : إذا كان يوم القيامة يأمر الرب بكرسيه فيوضع على النار فيستوي عليه ثم يقول : أنا الملك الديان وعزتي وجلالي لا يتجاوز اليوم ذو مظلمة بظلامته ولو ضربة بيد فذلك قوله : { إن ربك لبالمرصاد } .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن سالم بن أبي الجعد في قوله : { إن ربك لبالمرصاد } قال : إن لجهنم ثلاث قناطر : قنطرة فيها الأمانة وقنطرة فيها الرحم ، وقنطرة فيها لرب تبارك وتعالى ، وهي المرصاد لا ينجو منها إلا ناجٍ ، فمن نجا من ذلك لم ينج من هذه .
وأخرج ابن جرير عن عمرو بن قيس قال : بلغني أن على جهنم ثلاث قناطر : قنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول يا رب هذا أمين ، هذا خائن . وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول يا رب هذا واصل يا رب ، هذا قاطع . وقنطرة عليها الرب { إن ربك لبالمرصاد } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أيفع بن عبد الكلاعي قال : إن لجهنم سبع قناطر ، والصراط عليهن ، فيحبس الخلائق عند القنطرة الأولى فيقول : قفوهم إنهم مسؤلون ، فيحاسبون على الصلاة ، ويسألون عنها ، فيهلك فيها من هلك وينجو من نجا ، فإذا بلغوا القنطرة الثانية حوسبوا على الأمانة كيف أدوها وكيف خانوها ، فيهلك من هلك وينجو من نجا ، فإذا بلغوا القنطرة الثالثة سئلوا عن الرحم كيف وصلوها وكيف قطعوها ، فيهلك من هلك وينجو من نجا . والرحم يومئذ متدلية إلى الهوى في جهنم تقول : اللهم من وصلني فصله ، ومن قطعني فاقطعه . وهي التي يقول الله : { إن ربك لبالمرصاد } .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رفعه : « إن في جهنم جسراً له سبع قناطر على أوسطه القضاء ، فيجاء بالعبد حتى إذا انتهى إلى القنطرة الوسطى قيل له : ماذا عليك من الديون؟ وتلا هذه الآية { ولا يكتمون الله حديثاً } [ النساء : 42 ] فيقول : رب علي كذا وكذا فيقال له : اقض دينك . فيقول : ما لي شيء . فيقال : خذوا من حسناته ، فلا يزال يؤخذ من حسناته حتى ما يبقى له حسنة . فيقال : خذوا من سيئات من يطلبه فركبوا عليه » .

(10/260)


وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن مقاتل بن سليمان قال : أقسم الله { إن ربك لبالمرصاد } يعني الصراط ، وذلك أن جسر جهنم عليه سبع قناطر على كل قنطرة ملائكة قيام وجوههم مثل الجمر ، وأعينهم مثل البرق ، يسألون الناس في أول قنطرة عن الإِيمان ، وفي الثانية يسألونهم عن الصلوات الخمس ، وفي الثالثة يسألونهم عن الزكاة ، وفي الرابعة يسألونهم عن شهر رمضان ، وفي الخامسة يسألونهم على الحج ، وفي السادسة يسألونهم عن العمرة ، وفي السابعة يسألونهم عن المظالم فمن أتى بما سئل عنه كما أمر جاز على الصراط ، والا حبس ، فذلك قوله : { إن ربك لبالمرصاد } .
أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله : { فأما الإِنسان } الآية ، قال : كلا اكذبتهما جميعاً ما بالغنى أكرمك ، ولا بالفقر أهانك ثم أخبرك بما يهين { بل لا يكرمون اليتيم } الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال : ظن كرامة الله في المال وهو أنه في قلته وكذب إنما يكرم بطاعته ، ويهين بمعصيته ، من أهان .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { حباً جمّاً } قال : كثيراً . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم أما سمعت قول أمية بن خلف :
أن تغفر اللهم تغفر جمّاً ... وأي عبد لك إلا ألمّا
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد { فقدر عليه رزقه } قال : ضيقه عليه .
وأخرج ابن مردويه والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ { بل لا يكرمون اليتيم ولا يحضون } بالياء .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن { ويأكلون التراث } قال : الميراث { أكلاً لماً } قال : نصيبه ونصيب صاحبه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { أكلاً لمّاً } قال : سفاً وفي قوله : { حبّاً جمّاً } قال : شديداً .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : { أكلاً لمّاً } قال : أكلاً شديداً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة بن عبد الله المزني في قوله : { ويأكلون التراث أكلاً لمّاً } قال : اللم الاعتداء في الميراث يأكل ميراثه وميراث غيره .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة { ويأكلون التراث } قال : الميراث { أكلاً لمّاً } قال : شديداً { ويحبون المال حبّاً جمّاً } قال : شديداً .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : { أكلاً لمّاً } قال : اللم اللف ، وفي قوله : { حباً جمّاً } قال : الجم الكثير .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله : { أكلاً لمّاً } قال : من طيب أو خبيث وفي قوله : { حباً جمّاً } قال : فاحشاً .
وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله : { ويأكلون التراث } الآية ، قال : يأكل نصيبي ونصيبك .

(10/261)


وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله : { ويأكلون التراث } الآية ، قال : كانوا لا يورثون النساء ولا يورثون الصغار .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في الآية قال : الأكل اللمّ الذي يلم كل شيء يجده لا يسأل عنه يأكل الذي له والذي لصاحبه ، لا يدري أحلالاً أم حراماً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان رضي الله عنه أنه قال في قوله : { ويحبون المال حبّاً جمّاً } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما منكم من أحد إلا ومال وارثه أحب إليه من ماله . قالوا يا رسول الله : ما منا أحد إلا وماله أحب إليه من مال وارثه . قال : ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، أو لبست فأبليت ، أو أعطيت فأمضيت » .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ { كلا بل لا تكرمون اليتيم } بالتاء ورفع التاء { ولا تحاضون } ممدودة منصوبة التاء بالألف غير مهموزة { وتأكلون التراث } بالتاء { أكلاً لمّاً } مثقلة .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ { كلا بل لا يكرمون اليتيم ، ولا يحضون على طعام المسكين ، ويأكلون التراث أكلاً لمّاً ويحبون المال حبّاً جمّاً } الأربعة بالياء .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ « كلا بل لا يكرمون اليتيم ولا يحضون على طعام المسكين » إلى قوله : « ويحبون المال » بالياء كلها .
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { إذا دكت الأرض دكاً دكاً } قال : تحريكها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال : تحمل الأرض والجبال فيدك بعضها على بعض .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه { وجاء ربك والملك صفاً صفاً } قال : صفوف الملائكة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله : { والملك صفاً صفاً } قال : جاء أهل السموات كل سماء صفاً .
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد قال : « لما نزلت هذه الآية تغير رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف في وجهه حتى اشتد على أصحابه ما رأوا من حاله ، فسأله عليّ ، فقال : جاء جبريل فأقرأني هذه الآية { كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً وجاء ربك والملك صفاً صفاً وجيء يومئذ بجهنم } فقيل : وكيف يجاء بها؟ قال : يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع » .
وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(10/262)


« هل تدرون ما تفسير هذه الآية { كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً وجاء ربك والملك صفاً صفاً وجيء يومئذ بجهنم } قال : إذا كان يوم القيامة تقاد جهنم بسبعين ألف زمام ، بيد سبعين ألف ملك ، فتشرد شردة لولا أن الله حبسها لأحرقت السموات والأرض » .
وأخرج ابن وهب في كتاب الأهوال عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال : « جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فناجاه ، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم منكس الطرف ، فسأله عليّ فقال : » أتاني جبريل فقال لي : { كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً وجاء ربك والملك صفاً صفاً وجيء يومئذ بجهنم } وجيء بها تقاد بسبعين ألف زمام كل زمام ، يقوده سبعون ألف ملك ، فبينما هم كذلك إذ شردت عليهم شردة انقلتت من أيديهم ، فلولا أنهم أدركوها لأحرقت من في الجمع فأخذوها « .
وأخرج مسلم والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » يؤتي بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام ، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها « .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله : { وجيء يومئذ بجهنم } قال : » جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام ، مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودونها « .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله : { يتذكر الإِنسان } قال : يريد التوبة ، وفي قوله : { يا ليتني قدمت لحياتي } يقول : عملت في الدنيا لحياتي في الآخرة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه { يومئذ يتذكر الإِنسان } إلى قوله : { لحياتي } قال : علم والله أنه صادق هناك حياة طويلة لا موت فيها أحسن مما عليه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { يا ليتني قدمت لحياتي } قال : الآخرة .
وأخرج أحمد والبخاري في التاريخ والطبراني عن محمد بن أبي عميرة رضي الله عنه ، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لو أن عبداً جرّ على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هرماً في طاعة الله إلى يوم القيامة لود أنه رد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب .
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد } قال : لا يعذب بعذاب الله أحد ، ولا يوثق وثاق الله أحد .
وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد } .

(10/263)


وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مردويه وابن جرير والبغوي والحاكم وصححه وأبو نعيم عن أبي قلابة عمن أقرأه النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية مالك بن الحويرث أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه ، وفي لفظ ، أقرأ إياه { فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد } منصوبة الذال والثاء .
أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله : { يا أيتها النفس المطمئنة } قال : المؤمنة { ارجعي إلى ربك } يقول : إلى جسدك . قال : نزلت هذه الآية وأبو بكر جالس فقال : يا رسول الله : ما أحسن هذا؟ فقال : أما إنه سيقال لك هذا .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير قال : « قرئت عند النبي صلى الله عليه وسلم : { يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية } فقال أبو بكر : إن هذا لحسن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » أما إن الملك سيقولها : لك عند الموت « » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من طريق ثابت بن عجلان عن سليم بن أبي عامر رضي الله عنه قال : سمعت أبا بكر الصديق يقول : « قرأت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { يا أيتها النفس المطمئنة أرجعي إلى ربك راضية مرضية } فقلت : ما أحسن هذا يا رسول الله ، فقال : » يا أبا بكر أما إن الملك سيقولها : لك عند الموت « » .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من يشتري بئر رومة نستعذب بها غفر الله له ، فاشتراها عثمان ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هل لك أن تجعلها سقاية للناس؟ قال : نعم . فأنزل الله في عثمان { يا أيتها النفس المطمئنة } الآية » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { يا أيتها النفس المطمئنة } قال : نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { يا أيتها النفس المطمئنة } قال : هو النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن بريدة رضي الله عنه في قوله : { يا أيتها النفس المطمئنة } قال : يعني نفس حمزة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما { يا أيتها النفس المطمئنة } قال : المصدقة .
وأخرج سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { يا أيتها النفس المطمئنة } قال : التي أيقنت بأن الله ربها .

(10/264)


وأخرج ابن جرير عن أبي الشيخ الهنائي رضي الله عنه قال : في قراءة أبيّ « يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة فادخلي في عبدي » .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأها « فادخلي في عبدي على التوحيد » .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ارجعي إلى ربك } قال : ترد الأرواح يوم القيامة في الأجساد .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : يسيل واد من أصل العرش ، فتنبت فيه كل دابة على وجه الأرض ، ثم تطير الأرواح فتؤمر أن تدخل الأجساد ، فهو قوله : { ارجعي إلى ربك راضية مرضية } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ارجعي إلى ربك راضية } قال : بما أعطيت من الثواب { مرضية } عنها بعملها { فادخلي في عبادي } المؤمنين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله : { يا أيتها النفس المطمئنة } الآية ، قال : إن الله إذا أراد قبض عبده المؤمن اطمأنت النفس إليه ، واطمأن إليها ، ورضيت عن الله ، ورضي الله عنها أمر بقبضها فأدخلها الجنة وجعلها من عباده الصالحين .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله : { ارجعي إلى ربك } قال : هذا عند الموت رجوعها إلى ربها خروجها من الدنيا ، فإذا كان يوم القيامة قيل لها : { فادخلي في عبادي وادخلي جنتي } .
وأخرج الطبراني وابن عساكر عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل : « قل اللهم إني أسألك نفساً مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك وتقنع بعطائك » .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه { يا أيتها النفس المطمئنة } قال : المخبتة إلى الله .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة والحسن { يا أيتها النفس المطمئنة } إلى ما قال الله المصدقة بما قال .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة { يا أيتها النفس المطمئنة } قال : هذا المؤمن اطمأن إلى ما وعد الله { فادخلي في عبادي } قال : ادخلي في الصالحين وادخلي جنتي .
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه { ارجعي إلى ربك } قال : إلى جسدك .
وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي في الآية قال : إن المؤمن إذا مات رأى منزله من الجنة فيقول تبارك وتعالى : { يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي } إلى جسدك الذي خرجت منه { راضية } ما رأيت من ثوابي مرضياً عنك حتى يسألك منكر ونكير .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه { فادخلي في عبادي } قال : مع عبادي .

(10/265)


وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنه { يا أيتها النفس المطمئنة } الآية قال : بشرت بالجنة عند الموت وعند البعث ويوم الجمع .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : مات ابن عباس رضي الله عنهما بالطائف ، فجاء طير لم تر عين خلقته ، فدخل نعشه ، ثم لم ير خارجاً منه ، فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر لا يدري من تلاها { يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي } .

(10/266)


لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : { لا أقسم بهذا البلد } قال : مكة { وأنت حل بهذا البلد } يعني بهذا النبي صلى الله عليه وسلم ، أحل الله له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحيي من شاء ، فقتل يومئذ ابن خطل صبراً ، وهو آخذ بأستار الكعبة ، فلم يحل لأحد من الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل فيها حراماً بحرمة الله ، فأحل الله له ما صنع بأهل مكة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس { لا أقسم بهذا البلد } قال : مكة { وأنت حل بهذا البلد } قال : أنت يا محمد يحل لك أن تقاتل به ، وأما غيرك فلا .
وأخرج ابن مردويه عن أبي بزرة الأسلمي رضي الله عنه قال : فيَّ نزلت هذه الآية { لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد } خرجت فوجدت عبد الله بن خطل متعلقاً بأستار الكعبة فضربت عنقه بين الركن والمقام .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : « لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة أخذ أبو برزة الأسلمي وهو سعيد بن حرب عبد الله بن خطل وهو الذي كانت قريش تسميه ذا القلبين ، فأنزل الله { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } [ الأحزاب : 4 ] ، فقدمه أبو برزة فضربت عنقه وهو متعلق بأستار الكعبة ، فأنزل الله فيها { لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد } وإنما كان ذلك لأنه قال لقريش : أنا أعلم لكم علم محمد فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني أحب أن تستكتبني قال : فاكتب فكان إذا أملى عليه من القرآن ، وكان الله عليماً حكيماً كتب ، وكان الله حكيماً عليماً ، وإذا أملى عليه وكان الله غفوراً رحيماً كتب وكان الله رحيماً غفوراً . ثم يقول : يا رسول الله اقرأ عليك ما كتبت . فيقول : نعم ، فإذا قرأ عليه وكان الله عليماً حكيماً أو رحيماً غفوراً قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما هكذا أمليت عليك ، وإن الله لكذلك إنه لغفور رحيم ، وإنه لرحيم غفور . فرجع إلى قريش فقال : ليس آمره بشيء كنت آخذ به ، فينصرف فلم يؤمنه ، فكان أحد الأربعة الذين لم يؤمنهم النبي صلى الله عليه وسلم » .
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { لا أقسم } قال : لا رداً عليهم { أقسم بهذا البلد } .
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد { لا أقسم بهذا البلد } يعني مكة { وأنت حل بهذا البلد } يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(10/267)


يقول : أنت في حل مما صنعت فيه .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { وأنت حل بهذا البلد } يقول : لا تؤاخذ بما عملت فيه وليس عليك فيه ما على الناس .
وأخرج عبد بن حميد عن منصور قال : سأل رجل مجاهداً عن هذه الآية { لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد } قال : لا أدري ، ثم فسرها لي فقال : { لا أقسم بهذا البلد } الحرام { وأنت حل بهذا البلد } الحرام ، أحل الله له ساعة من النهار قيل له ما صنعت فيه من شيء فأنت في حل .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن سعيد بن جبير { لا أقسم بهذا البلد } قال : مكة .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح { لا أقسم بهذا البلد } قال : مكة { وأنت حل بهذا البلد } قال : أحلت له ساعة من نهار .
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك مثله .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة { لا أقسم بهذا البلد } قال : مكة { وأنت حل بهذا البلد } قال : أنت به غير حرج ولا آثم .
وأخرج عبد بن حميد عن عطية { لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد } قال : أحلت مكة للنبي صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار ثم حرمت إلى يوم القيامة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن { وأنت حل بهذا البلد } قال : أحلها الله لمحمد صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار يوم الفتح .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك { وأنت حل بهذا البلد } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم يقول : أنت حل بالحرم فاقتل إن شئت أو دع .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عطاء { لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد } قال : إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض ، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة ، لم تحل لبشر إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار ، ولا يختلي خلاها ، ولا يعضد عضاهها ، ولا ينفر صيدها ، ولا تحل لقطتها إلا لمعرف .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد { وأنت حل بهذا البلد } قال : لم يكن بها أحد حلاً غير النبي صلى الله عليه وسلم كل من كان بها حرام لم يحل لهم أن يقاتلوا فيها ، ولا يستحلوا حرمه .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن شرحبيل بن سعد { وأنت حل بهذا البلد } قال : يحرمون أن يقتلوا بها الصيد ويعضدوا بها شجرة ويستحلون اخراجك وقتلك .
وأخرج الحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عباس { لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد } قال : أحل له أن يصنع فيه ما شاء { ووالد وما ولد } يعني بالوالد آدم { وما ولد } ولده .

(10/268)


وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس { ووالد وما ولد } قال : الوالد الذي يلد { وما ولد } العاقر الذي لا يلد من الرجال والنساء .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني { ووالد وما ولد } قال : إبراهيم وما ولد .
وأخرج ابن جرير والطبراني عن ابن عباس في قوله { لا أقسم بهذا البلد } قال : مكة { وأنت حل بهذا البلد } قال : مكة { ووالد وما ولد } قال : آدم { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } قال : في اعتدال وانتصاب .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله : { ووالد وما ولد } قال : آدم وما ولد { لقد خلقنا الإِنسان } قال : وقع ههنا القسم { في كبد } قال : في مشقة يكابد أمر الدنيا وأمر الآخرة { يقول أهلكت مالاً لبداً } قال : كثيراً .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { ووالد وما ولد } قال : الوالد آدم { وما ولد } ولده { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } قال : في شدة { يقول أهلكت مالاً لبداً } قال : كثيراً { أيحسب أن لم يره أحد } قال : لم يقدر عليه أحد .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير { ووالد وما ولد } قال : آدم { وما ولد } ، { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } في نصب .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } قال : في شدة .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق عطاء عن ابن عباس { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } قال : في شدة خلق في ولادته ونبت أسنانه وسوره ومعيشته وختانه .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقسم عن ابن عباس { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } قال : خلق الله الإِنسان منتصباً ، وخلق كل شيء يمشي على أربع .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } قال : منتصب في بطن أمه .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس في قوله : { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } قال : منتصباً في بطن أمه أنه قد وكل به ملك إذا نامت الأمر أو اضطجعت رفع رأسه لولا ذلك لغرق في الدم .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله : { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } قال : في اعتدال واستقامة . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم أما سمعت قول لبيد بن ربيعة :
يا عين هلاّ بكيت اربد إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم رضي الله عنه ، أحسبه عن عبد الله { في كبد } قال : منتصباً .

(10/269)


وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } قال : يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة .
وأخرج ابن المبارك عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } قال : لا أعلم خليقة يكابد من الأمر ما يكابد هذا الإِنسان .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه { لقد خلقنا الإِنسان في كبد } قال : يكابد أمور الدنيا وأمور الآخرة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه { في كبد } قال : شدة وطول .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم رضي الله عنه { في كبد } قال : في السماء خلق آدم .
وأخرج أبو يعلى والبغوي وابن مردويه عن رجل من بني عامر رضي الله عنه قال : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم ، فسمعته يقرأ { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد أيحسب أن لم يره أحد } يعني بفتح السين من يحسب .
وأخرج ابن المنذر عن السدي رضي الله عنه { أيحسب أن لن يقدر } الآية ، قال : الكافر يحسب أن لن يقدر الله عليه ولم يره .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { مالاً لبداً } قال : كثيراً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله : { أهلكت مالاً لبداً } قال : أنفقت مالاً في الصد عن سبيل الله { أيحسب أن لم يره أحد } قال : الأحد : الله عز وجل .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله : { يقول أهلكت مالاً لبداً } قال : أيمن علينا فما فضلناه أفضل { ألم نجعل له عينين } وكذا وكذا .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة { ألم نجعل له عينين } قال : نعم من الله متظاهرة يقررنا بها كيما نشكر .
وأخرج ابن عساكر عن مكحول رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « يقول الله يا ابن آدم قد أنعمت عليك نعماً عظاماً لا تحصي عدها ، ولا تطيق شكرها ، وإن مما أنعمت عليك أن جعلت لك عينين تنظر بهما ، وجعلت لهما غطاء فانظر بعينيك إلى ما أحللت لك ، فإن رأيت ما حرمت عليك فأطبق عليهما غطاءهما ، وجعلت لك لساناً وجعلت له غلافاً فانطق بما أمرتك وأحللت لك ، فإن عرض لك ما حرمت عليك فأغلق عليك لسانك ، وجعلت لك فرجاً وجعلت لك ستراً فأصب بفرجك ما أحللت لك ، فإن عرض لك ما حرمت عليك فأرخ عليك سترك . ابن آدم إنك لا تحمل سخطي ولا تستطيع انتقامي » .
أخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله : { وهديناه النجدين } قال : سبيل الخير والشر .

(10/270)


وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { وهديناه النجدين } قال : عرفناه سبيل الخير والشر .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما { وهديناه النجدين } قال : الهدى والضلالة .
وأخرج سعيد بن منصور عن محمد بن كعب رضي الله عنه مثله .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن علي رضي الله عنه أنه قيل له : إن ناساً يقولون : إن النجدين الثديين . قال : الخير والشر .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة والضحاك رضي الله عنهما مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سنان بن سعيد عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « هما نجدان فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه من طرق عن الحسن رضي الله عنه في قوله { وهديناه النجدين } قال : ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : « أيها الناس إنما هما نجدان نجد الخير ونجد الشر فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير » . وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يا أيها الناس إنما هما نجدان نجد خير ونجد شر ، فما جعل نجد الشر أحب من نجد الخير » .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال : ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : فذكر مثله .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إنما هما نجدان نجد الخير ونجد الشر ، فلا يكن نجد الشر أحب إلى أحدكم من نجد الخير » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { وهديناه النجدين } قال : الثديين .

(10/271)


فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20)

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنه { فلا اقتحم العقبة } قال : جبل في جهنم .
وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : العقبة النار .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال : للناس عقبة دون الجنة واقتحامها فك رقبة الآية .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي رجاء رضي الله عنه قال : بلغني أن العقبة التي ذكر الله في كتابه مطلعها سبعة آلاف سنة ومهبطها سبعة آلاف سنة .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما { فلا اقتحم العقبة } قال : عقبة بين الجنة والنار .
وأخرج ابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه { فلا اقتحم العقبة } قال : عقبة بين الجنة والنار .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن كعب الأحبار قال : العقبة سبعون درجة في جهنم .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد { فلا اقتحم العقبة } قال : ألا أسلك الطريق التي فيها النجاة والخير .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن { فلا اقتحم العقبة } قال : جهنم وما أدراك ما العقبة؟ قال : ذكر لنا أنه ليس من رجل مسلم يعتق رقبة مسلمة إلا كانت فداءه من النار .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه : وما أدراك ما العقبة؟ ثم أخبر عن اقتحامها فقال : فك رقبة « ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرقاب أيها أعظم أجراً؟ قال : أكثر ثمناً » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن أمامكم عقبة كؤداً لا يجوزها المثقلون فأنا أريد أن أتخفف لتلك العقبة » .
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنها قالت : « لما نزلت { فلا اقتحم العقبة } قيل يا رسول الله : ما عند أحدنا ما يعتق إلا عند أحدنا الجارية السوداء تخدمه وتنوء عليه ، فلو أمرناهن بالزنا فزنين ، فجئن بالأولاد فاعتقناهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن آمر بالزنا ، ثم أعتق الولد » .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أنه بلغها قول أبي هريرة رضي الله عنه : « علاقة سوط في سبيل الله أعظم أجراً من عتق ولد زنية ، فقالت عائشة رضي الله عنها : يرحم الله أبا هريرة إنما كان هذا أن الله لما أنزل { فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة } قال : بعض المسلمين ، يا رسول الله : إنه ليس لنا رقبة نعتقها فإنما يكون لبعضنا الخويدم التي لا بد منها فنأمرهن يبغين ، فإذا بغين فولدن ، أعتقنا أولادهن . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » لا تأمروهن بالبغاء لعلاقة سوط في سبيل الله أعظم أجراً من هذا « » .

(10/272)


وأخرج ابن مردويه عن أبي نجيح السلمي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أعتق رقبة فإنه يجزى مكان كل عظم من عظامها عظم من عظامه من النار » .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن عليّ رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أعتق نسمة مسلمة أو مؤمنة وقى الله بكل عضو منها عضواً منه من النار »
وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال : قلت يا نبي الله : أي الرقاب أفضل؟ قال : أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار ، حتى الفرج بالفرج » .
وأخرج أحمد وابن حبان وابن مردويه والبيهقي عن البراء « أن أعرابياً قال لرسول الله علمني عملاً يدخلني الجنة؟ قال : أعتق النسمة وفك الرقبة . قال : أوليستا بواحدة؟ قال : لا إن عتق الرقبة أن تفرد بعتقها ، وفك الرقبة أن تعين في عتقها ، والمنحة الركوب والفيء على ذي الرحم ، فإن لم تطق ذلك فاطعم الجائع واسق الظمآن وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من خير » .
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { يوم ذي مسغبة } قال : مجاعة .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { في يوم ذي مسغبة } قال : مجاعة .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه { في يوم ذي مسغبة } قال : جوع .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن إبراهيم رضي الله عنه { في يوم ذي مسغبة } قال : يوم فيه الطعام عزيز .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وأبي رجاء العطاردي رضي الله عنه أنهما قرآ : « أو أطعم في يوم ذا مسغبة » .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً : « من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان » .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ذا مقربة } أي ذا قرابة ، وفي قوله : { ذا متربة } يعني بعيد التربة أي غريباً من وطنه .

(10/273)


وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { أو مسكيناً ذا متربة } قال : هو المطروح الذي ليس له بيت ، وفي لفظ الحاكم : هو الترب الذي لا يقيه من التراب شيء ، وفي لفظ : هو اللازق بالتراب من شدة الفقر .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه مثله .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما { أو مسكيناً ذا متربة } يقول : شديد الحاجة .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما { أو مسكيناً ذا متربة } يقول : مسكين ذو بنين وعيال ليس بينك وبينه قرابة .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله : { ذا متربة } قال : ذا جهد وحاجة . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت قول الشاعر :
تربت يداك ثم قل نوالها ... وترفعت عنك السماء سحابها
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر « عن النبي صلى الله عليه وسلم { مسكيناً ذا متربة } قال : » الذي مأواه المزابل « » .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه { ذا متربة } قال : كنا نحدث أن المترب ذو العيال الذي لا شيء له .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك رضي الله عنه : ما عمل الناس بعد الفريضة أحب إلى الله من إطعام مسكين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن هشام بن حسان رضي الله عنه في قوله : { وتواصوا بالصبر } قال : على ما افترض الله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما { وتواصوا بالمرحمة } يعني بذلك رحمة الناس كلهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله : { مؤصدة } قال : مغلقة الأبواب .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة { مؤصدة } قال : مطبقة .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير من طرق عن ابن عباس مثله .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة وعطية والضحاك وسعيد بن جبير والحسن وقتادة مثله .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { مؤصدة } قال : مطبقة . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت قول الشاعر :
تحن إلى أجبال مكة ناقتي ... ومن دوننا أبواب صنعا مؤصدة
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد { مؤصدة } قال : هي بلغة قريش أوصد الباب أغلقه .

(10/274)


وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15)

أخرج الحاكم وصححه من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله : { والشمس وضحاها } قال : ضوءها { والقمر إذا تلاها } قال : تبعها { والنهار إذا جلاها } قال : أضاءها { والسماء وما بناها } قال : الله بنى السماء { وما طحاها } قال : دحاها { فألهمها فجورها وتقواها } قال : عرفها شقاءها وسعادتها { وقد خاب من دساها } قال : أغواها .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس { والقمر إذا تلاها } قال : يتلو النهار { والأرض وما طحاها } يقول : ما خلق الله فيها { فألهمها فجورها وتقواها } قال : علمها الطاعة والمعصية .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس { والقمر إذا تلاها } قال : تبعها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن ذي حمامة قال : إذا جاء الليل قال الرب غشي عبادي في خلقي العظيم ولليل مهابة والذي خلقه أحق أن يهاب .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { والأرض وما طحاها } قال : قسمها { فألهمها فجورها وتقواها } قال : بين الخير والشر .
وأخرج الحاكم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس { فألهمها } قال : علمها { فجورها وتقواها } .
وأخرج أحمد ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عمران بن حصين : « أن رجلاً قال يا رسول الله : أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه شيء قد قضي عليهم ومضى عليهم في قدر قد سبق ، أو فيهما يستقبلون ما أتاهم به نبيهم واتخذت عليهم به الحجة؟ قال : بل شيء قضي عليهم . قال : فلم يعملون إذا؟ قال : من كان الله خلقه لواحدة من المنزلتين هيأه لعملها ، وتصديق ذلك في كتاب الله { ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها } » .
وأخرج الطبراني وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا هذه الآية { ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها } وقف ثم قال : اللهم آت نفسي تقواها أنت وليها ومولاها وخير من زكاها » .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ { فألهمها فجورها وتقواها } قال : « اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها . قال وهو في الصلاة » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والنسائي عن زيد بن أرقم قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « اللهم آت نفسي تقواها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها » .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الهاجرة فرفع صوته فقرأ { والشمس وضحاها } ، { والليل إذا يغشى } [ الليل : 1 ] فقال له أبيّ بن كعب : يا رسول الله أمرت في هذه الصلاة بشيء قال : لا ولكني أردت أن أوقت لكم » .

(10/275)


وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { والشمس وضحاها } قال : ضوؤها { والقمر إذا تلاها } قال : تبعها { والنهار إذا جلاها } قال : أضاء { والليل إذا يغشاها } قال : يغشاها الليل { والسماء وما بناها } قال : الله بني السماء والأرض { وما طحاها } قال : دحاها { فألهمها فجورها وتقواها } قال : عرفها شقاءها { قد أفلح من زكاها } قال : أصلحها { وقد خاب من دساها } قال : أغواها { كذبت ثمود بطغواها } قال : بمعصيتها { ولا يخاف عقباها } قال : الله لا يخاف عقباها .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { والشمس وضحاها } قال : إشراقها { والقمر إذا تلاها } قال : يتلوها { والنهار إذا جلاها } قال : حين ينجلي { ونفس وما سواها } قال : سوى خلقها ولم ينقص منه شيئاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة { والشمس وضحاها } قال : هذا النهار { والقمر إذا تلاها } قال : يتلو صبيحة الهلال إذا سقطت رؤي عند سقوطها { والنهار إذا جلاها } قال : إذا غشيها النهار { والليل إذا يغشاها } قال إذا غشيها الليل { والسماء وما بناها } قال وما خلقها { والأرض وما طحاها } قال : بسطها { فألهمها فجورها وتقواها } قال : بين لها الفجور من التقوى { قد أفلح } قال : وقع القسم ههنا { من زكاها } قال : من عمل خيراً فزكاها بطاعة الله { وقد خاب من دساها } قال : من إثمها وفجرها { كذبت ثمود بطغواها } قال : بالطغيان { إذ انبعث أشقاها } قال : أحيمر ثمود . { فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها } قال : يقول الله : خلوا بينها وبين قسم الله الذي قسم لها من هذا الماء { فدمدم عليهم ربهم بذنبهم } قال : ذكر لنا أنه أبى أن يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم ، فلما اشترك القوم في عقرها { فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها } يقول : لا يخاف تبعتها .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية { والقمر إذا تلاها } قال : إذا تبعها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة { والقمر إذا تلاها } قال : إذا تبع الشمس .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح { والأرض وما طحاها } قال : بسطها .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك مثله .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس { ونفس وما سواها } قال : سوى خلقها .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { فألهمها } قال : ألزمها { فجورها وتقواها } .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك { فألهمها فجورها وتقواها } قال : الطاعة والمعصية .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم { فألهمها فجورها وتقواها } قال : الفاجرة ألهمها الفجور ، والتقية ألهمها التقوى .
وأخرج ابن مردويه في قوله : { فألهمها فجورها وتقواها } يقول : بين للعباد الرشد من الغيّ وألهم كل نفس ما خلقها له وكتب عليها .

(10/276)


وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي { قد أفلح من زكاها } الآية ، قال : أفلح من زكاه الله وخاب من دساه الله .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في الآية : قد أفلح من زكى نفسه وأصلحها ، وخاب من أهلكها وأضلها .
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع في الآية ، يقول : أفلح من زكى نفسه بالعمل الصالح ، وخاب من دس نفسه بالعمل السيء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة من { دساها } قال : من خسرها .
وأخرج حسين في الاستقامة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { قد أفلح من زكاها } يقول : قد أفلح من زكى الله نفسه ، { وقد خاب من دساها } يقول : قد خاب من دس الله نفسه فأضله { ولا يخاف عقباها } قال : لا يخاف من أحد تابعه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { وقد خاب من دساها } يعني : مكر بها .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { قد أفلح من زكاها } الآية ، قال : « أفلحت نفس زكاها الله وخابت نفس خيبها الله من كل خير » .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : { كذبت ثمود بطغواها } قال : اسم العذاب الذي جاءها الطغوى ، فقال : كذبت ثمود بعذابها .
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الله بن زمعة قال : « خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر الناقة ، وذكر الذي عقرها ، فقال : { إذا انبعث أشقاها } قال : » انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة « » .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبغوي وأبو نعيم في الدلائل عن عمار بن ياسر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « » ألا أحدثك بأشقى الناس «؟ قال : بلى . قال : » رجلان : أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك على هذا ، يعني ترقوته حتى تبتل منه هذه ، يعني لحيته « » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم مثله من حديث صهيب وجابر بن سمرة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن { ولا يخاف عقباها } قال : ذاك ربنا لا يخاف منهم تبعة بما صنع بهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي { ولا يخاف عقباها } قال : لم يخف الذي عقرها عاقبة ما صنع .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك { ولا يخاف عقباها } قال : لم يخف الذي عقرها عقباها .

(10/277)


وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى (13) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)

أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال : نزلت سورة { والليل إذا يغشى } بمكة .
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله .
وأخرج البيهقي في سننه عن جابر بن سمرة قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر ب { والليل إذا يغشى } ونحوها .
وأخرج ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن ابن عباس : « أن رجلاً كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير ذي عيال ، فكان الرجل إذا جاء فدخل الدار فصعد إلى النخلة ليأخذ منها الثمرة فربما تقع ثمرة فيأخذها صبيان الفقير ، فينزل من نخلته ، فيأخذ الثمرة من أيديهم ، وإن وجدها في فم أحدهم أدخل أصبعه حتى يخرج الثمرة من فيه ، فشكا ذلك الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : اذهب ولقي النبي صلى الله عليه وسلم صاحب النخلة . فقال له : أعطني نخلتك المائلة التي فرعها في دار فلان ، ولك بها نخلة في الجنة . فقال له الرجل : لقد أعطيت وإن لي لنخلاً كثيراً وما فيه نخل أعجب إلي ثمرة منها . ثم ذهب الرجل ولقي رجلاً كان يسمع الكلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب النخلة ، فأتى رسول الله : فقال أعطني ما أعطيت الرجل إن أنا أخذتها . قال : نعم ، فذهب الرجل فلقي صاحب النخلة ولكليهما نخل فقال له صاحب النخلة : أشعرت أن محمداً أعطاني بنخلتي المائلة إلى دار فلان نخلة في الجنة ، فقلت : لقد أعطيت ، ولكن يعجبني ثمرها ، ولي نخل كثير ما فيه نخلة أعجب إليّ ثمرة منها ، فقال له الآخر : أتريد بيعها؟ فقال : لا إلا أن أعطي بها ما أريد ، ولا أظن أعطى . قال : فكم تؤمل فيها؟ قال : أربعين نخلة ، فقال له الرجل : لقد جئت بأمر عظيم تطلب بنخلتك المائلة أربعين نخلة . ثم سكت عنه فقال : أنا أعطيك أربعين نخلة فقال له : أشهد إن كنت صادقاً . فأشهد له بأربعين نخلة بنخلته المائلة ، فمكث ساعة ثم قال : ليس بيني وبينك بيع لم نفترق . فقال له الرجل : ولست بأحق حين أعطيتك أربعين نخلة بنخلتك المائلة . فقال له : أعطيك على أن تعطيني كما أريد تعطينيها على ساق . فسكت عنه ثم قال : هي لك على ساق . قال : ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : يا رسول الله إن النخلة قد صارت لي فهي لك . فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صاحب الدار فقال : النخلة لك ولعيالك . فأنزل الله { والليل إذا يغشى } » إلى آخر السورة .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : إني لأقول هذه السورة نزلت في السماحة والبخل { والليل إذا يغشى } .

(10/278)


وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس { والليل إذا يغشى } قال : إذا أظلم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { والليل إذا يغشى } قال : إذا أقبل فغطى كل شيء .
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن علقمة أنه قدم الشام فجلس إلى أبي الدرداء فقال له أبو الدرداء ممن أنت؟ قال : من أهل الكوفة . قال : كيف سمعت عبد الله يقرأ { والليل إذا يغشى } قال : علقمة : « والذكر والأنثى » فقال أبو الدرداء : أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هكذا . وهؤلاء يريدوني على أني أقرؤها : « خلق الذكر والأنثى » والله لا أتابعهم .
وأخرج البخاري في تاريخ بغداد من طريق الضحاك عن ابن عباس أنه كان يقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت إلا ثمانية عشر حرفاً أخذها من قراءة عبد الله بن مسعود وقال ابن عباس ما يسرني أني تركت هذه الحروف ولو ملئت لي الدنيا ذهبة حمراء منها حرف في البقرة : « من بقلها وقثائها وثومها » . بالثاء وفي الأعراف : « فلنسألن الذين أرسل إليهم قبلك من رسلنا ولنسألن المرسلين » وفي براءة « يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين » . وفي إبراهيم : « وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال » وفي الأنبياء : « وكنا لحكمهم شاهدين » ، وفيها : « وهم من كل جدث ينسلون » وفي الحج « يأتون من كل فج سحيق » وفي الشعراء : « فعلتها إذاً وأنا من الجاهلين » ، وفي النمل : « اعبد رب هذه البلدة التي حرمها » وفي الصافات : « فلما سلما وتله للجبين » وفي الفتح : « وتعزروه وتوقروه وتسبحوه » بالتاء وفي النجم : « ولقد جاء من ربكم الهدى » وفيها : « إن تتبعون إلا الظن » وفي الحديد : « لكي يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء » وفي ن : « لولا أن تداركته نعمة من ربه » على التأنيث وفي إذا الشمس كوّرت : « وإذا الموءودة سألت بأي ذنب قتلت » وفيها : « وما هو على الغيب بضنين » وفي الليل : « والذكر والأنثى » قال : هو قسم فلا تقطعوه .
وأخرج ابن جرير عن أبي إسحاق قال؛ في قراءة عبد الله : « والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن أنه كان يقرؤها { وما خلق الذكر والأنثى } يقول : والذي خلق الذكر والأنثى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله : { إن سعيكم } قال : السعي العمل .
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال : وقع القسم ههنا { إن سعيكم لشتى } يقول : مختلف .

(10/279)


وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن ابن مسعود أن أبا بكر الصديق اشترى بلالاً من أمية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشر أواق ، فأعتقه لله ، فأنزل الله { والليل إذا يغشى إن سعيكم لشتى } سعي أبي بكر وأمية وأبي إلى قوله : { وكذب بالحسنى } قال : لا إله إلا الله إلى قوله : { فسنيسره للعسرى } قال : النار .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله : { فأما من أعطى } من الفضل { واتقى } قال : اتقى ربه { وصدق بالحسنى } قال : صدق بالخلف من الله { فسنيسره لليسرى } قال : الخير من الله { وأما من بخل واستغنى } قال : بخل بماله واستغنى عن ربه { وكذب بالحسنى } قال : بالخلف من الله { فسنيسره للعسرى } قال : للشر من الله .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة { فأما من أعطى } قال : أعطى حق الله عليه { واتقى } محارم الله { وصدق بالحسنى } قال : بموعود الله على نفسه { وأما من بخل } قال : بحق الله عليه { واستغنى } في نفسه عن ربه { وكذب بالحسنى } قال : بموعود الله الذي وعد .
وأخرج ابن جرير من طرق عن ابن عباس { وصدق بالحسنى } قال : أيقن بالخلف .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { وصدق بالحسنى } يقول صدق بلا إله ألا الله { وأما من بخل واستغنى } يقول : من أغناه الله فبخل بالزكاة .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن السلمي { وصدق بالحسنى } قال : بلا إله إلا الله .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { وصدق بالحسنى } قال : بالجنة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم { فسنيسره لليسرى } قال : الجنة .
وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال : كان أبو بكر يعتق على الإِسلام بمكة ، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن ، فقال له أبوه أي بني أراك تعتق أناساً ضعفاء ، فلو أنك تعتق رجالاً جلداً يقومون معك ، ويمنعونك ، ويدفعون عنك . قال : أي أبت إنما أريد ما عند الله . قال : فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه { فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى } .
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر في طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله : { فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى } قال : أبو بكر الصديق { وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى } قال : أبو سفيان بن حرب .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه وابن جرير عن علي بن أبي طالب قال :

(10/280)


« كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فقال : ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار ، فقالوا ، يا رسول الله أفلا نتكل؟ قال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة ، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاء ، ثم قرأ { فأما من أعطى واتقى } إلى قوله : { للعسرى } » .
وأخرج ابن جرير عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : « لما نزلت هذه الآية { إنا كل شيء خلقناه بقدر } [ القمر : 49 ] قال رجل : يا رسول الله ففيم العمل أفي شيء نستأنفه أم في شيء قد فرغ منه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » اعملوا فكل ميسر نيسره لليسرى ونيسره للعسرى « » .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله : { إذا تردّى } قال : إذا تردى ودخل في النار نزلت في أبي جهل . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم أما سمعت قول عدي بن زيد :
خطفته منية فتردى ... وهو في الملك يأمل التعميرا
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة { إذا تردى } قال : في النار .
وأخرج ابن أبي شيبة { وما يغني عنه ماله إذا تردى } قال : في النار .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : { إذا تردى } قال : إذا مات وفي قوله : { ناراً تلظى } قال : توهج .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن جرير عن قتادة في قوله : { إن علينا للهدى } يقول : على الله البيان بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته .
وأخرج سعيد بن منصور والفراء والبيهقي في سننه بسند صحيح عن عبيد بن عمير أنه قرأ : « فأنذرتكم ناراً تتلظى » بالتاءين .
وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال : لتدخلن الجنة إلا من يأبى . قالوا ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ فقرأ { الذي كذب وتولى } .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة قال : لا يبقى أحد من هذه الأمة إلا أدخله الله الجنة إلا من شرد على الله كما يشرد البعير السوء على أهله ، فمن لم يصدقني فإن الله تعالى يقول : { لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى } يقول : لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وتولى عنه .
وأخرج أحمد والحاكم عن أبي أمامة الباهلي أنه سئل عن ألين كلمة سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

(10/281)


« كلكم يدخل الجنة إلا من شرد على الله شرد البعير على أهله » .
وأخرج أحمد والبخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى . قالوا : ومن يأبى يا رسول الله؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى » .
وأخرج أحمد وابن مردويه عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يدخل النار إلا شقيّ . قيل : ومن الشقي؟ قال : الذي لا يعمل لله بطاعة ولا يترك لله معصية » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة أن أبا بكر الصديق أعتق سبعة كلهم يعذب في الله بلال وعامر بن فهيرة والنهدية وابنتها وزنيرة وأم عيسى وأمة بني المؤمل ، وفيه نزلت { وسيجنبها الأتقى } إلى آخر السورة .
وأخرج أحمد ومسلم وابن حبان والطبراني وابن مردويه عن جابر بن عبد الله : « أن سراقة بن مالك قال : يا رسول الله أفي أي شيء نعمل؟ أفي شيء ثبتت فيه المقادير ، وجرت فيه الأقلام أم في شيء نستقبل فيه العمل؟ قال : بل في شيء ثبتت فيه المقادير وجرت فيه الأقلام . قال سراقة : ففيم العمل إذن يا رسول الله؟ قال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له ، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { فأما من أعطى واتقى } إلى قوله : { فسنيسره للعسرى } » .
وأخرج ابن قانع وابن شاهين وعبدان كلهم في الصحابة عن بشير بن كعب الأسلمي « أن سائلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيم العمل قال : » فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير ، فاعملوا ، فكل ميسر لما خلق له ، ثم قرأ { فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى } « » .
وأخرج الحاكم وصححه عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال : قال أبو قحافة لأبي بكر : أراك تعتق رقاباً ضعافاً فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالاً جلداً يمنعونك ويقومون دونك ، فقال : يا أبت إنما أريد وجه الله ، فنزلت هذه الآية فيه : { فأما من أعطى واتقى } إلى قوله : { وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى } .
وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن عديّ وابن مردويه وابن عساكر من وجه آخر عن عامر بن الزبير عن أبيه قال : نزلت هذه الآية { وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى } في أبي بكر الصديق .
وأخرج ابن جرير عن سعيد قال : نزلت { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } في أبي بكر أعتق ناساً لم يلتمس منهم جزاء ولا شكوراً ستة أو سبعة منهم بلال وعامر بن فهيرة .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { وسيجنبها الأتقى } قال : هو أبو بكر الصديق .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله : { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } يقول : ليس به مثابة الناس ولا مجازاتهم إنما عطيته لله .

(10/282)


وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)

أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نزلت سورة { الضحى } بمكة .
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق أبي الحسن البزي المقري قال : سمعت عكرمة بن سليمان يقول : قرأت على اسماعيل بن قسطنطين ، فلما بلغت { والضحى } قال : كبر عند خاتمة كل سورة حتى تختم فإني قرأت على عبد الله بن كثير ، فلما بلغت { والضحى } قال : كبر حتى تختم وأخبره عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك ، وأخبره مجاهد أن ابن عباس رضي الله عنهما أمره بذلك ، وأخبره ابن عباس أن أبيّ بن كعب أمره بذلك ، وأخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بذلك .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير والطبراني والبيهقي وأبو نعيم معاً في الدلائل عن جندب البجلي قال : اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثاً فأتته امرأة فقالت : يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك لم تره قربك ليلتين أو ثلاثاً ، فأنزل الله { والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى } .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن جندب رضي الله عنه قال : أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال المشركون : قد ودع محمد فأنزل الله { ما ودعك ربك وما قلى } .
وأخرج الطبراني عن جندب رضي الله عنه قال : احتبس جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم فقالت بعض بنات عمه : ما أرى صاحبك إلا قد قلاك . فنزلت : { والضحى } إلى { وما قلى } .
وأخرج الترمذي وصححه وابن أبي حاتم واللفظ له عن جندب قال : رمي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر في أصبعه فقال : هل أنت إلا أصبع دميت ، وفي سبيل الله ما لقيت ، فمكث ليلتين أو ثلاثاً لا يقوم فقالت له امرأة : ما أرى شيطانك إلا قد تركك ، فنزلت { والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى } .
وأخرج الحاكم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال : « لما نزلت { تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى } [ المسد : 1 ] إلى { وامرأته حمالة الحطب } [ المسد : 4 ] فقيل لامرأة أبي لهب : إن محمداً قد هجاك . فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في الملأ ، فقالت : يا محمد علام تهوجوني؟ قال : إني والله ما هجوتك ، ما هجاك إلا الله . فقالت : هل رأيتني أحمل حطباً أو رأيت في جيدي حبلاً من مسد؟ ثم انطلقت . فمكثت رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً لا ينزل عليه ، فأتته فقالت : ما أرى صاحبك إلا قد ودعك وقلاك ، فأنزل الله { والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى } » .

(10/283)


وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه أن خديجة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : ما أرى ربك إلا قد قلاك ، فأنزل الله { والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عروة رضي الله عنه قال : أبطأ جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم فجزع جزعاً شديداً فقالت خديجة : أرى ربك قد قلاك مما يرى من جزعك ، فنزلت { والضحى } إلى آخرها .
وأخرج الحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق عروة عن خديجة قالت : لما أبطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي جزع من ذلك فقلت له مما رأيت من جزعه : لقد قلاك ربك مما يرى من جزعك ، فأنزل الله { ما ودعك ربك وما قلى } .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن أبطأ عنه جبريل أياماً ، فعير بذلك ، فقال المشركون : ودعه ربه وقلاه ، فأنزل الله { والضحى والليل إذا سجى } يعني أقبل { ما ودعك ربك وما قلى } .
وأخرج ابن جرير نحوه من مرسل قتادة والضحاك .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { والضحى } قال : ساعة من ساعات النهار { والليل إذا سجى } قال : سكن بالناس .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه { والليل إذا سجى } قال : إذا استوى .
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن رضي الله عنه { إذا سجى } قال : إذا لبس الناس .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما { إذا سجى } قال : إذا أقبل .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه { والليل إذا سجى } قال : إذا أقبل فغطى كل شيء .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { إذا سجى } قال : إذا ذهب { ما ودعك ربك } قال : ما تركك { وما قلى } قال : ما أبغضك .
وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده والطبراني وابن مردويه عن أم حفص عن أمها وكانت خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن جرواً دخل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فدخل تحت السرير ، فمات ، فمكث النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي ، فقال : يا خولة ما حدث في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ جبريل لا يأتيني . فقلت يا نبي الله ما أتى علينا يوم خير منا اليوم ، فأخذ برده فلبسه وخرج ، فقلت في نفسي : لو هيأت البيت وكنسته فأهويت بالمكنسة تحت السرير فإذا بشيء ثقيل ، فلم أزل حتى بدا لي الجرو ميتاً فأخذته بيدي فألقيته خلف الدار فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ترعد لحيته ، وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة فقال : يا خولة دثريني فأنزل الله عليه { والضحى والليل إذا سجى } إلى قوله : { فترضى } » .

(10/284)


وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « عرض علي ما هو مفتوح لأمتي بعدي فسرني ، فأنزل الله { وللآخرة خير لك من الأولى } » .
وأخرج ابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن جرير والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي وابن مردويه وأبو نعيم كلاهما في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته من بعده كفراً كفراً ، فسر بذلك ، فأنزل الله { ولسوف يعطيك ربك فترضى } فأعطاه في الجنة ألف قصر من لؤلؤ ترابه المسك ، في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم .
وأخرج ابن جرير من طريق السدي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } قال : من رضا محمد أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } قال : رضاه أن تدخل أمته الجنة كلهم .
وأخرج الخطيب في تلخيص المتشابه من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } قال : لا يرضى محمد ، واحد من أمته في النار .
وأخرج مسلم عن ابن عمرو رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله في إبراهيم { فمن تبعني فإنه مني } [ إبراهيم : 36 ] وقول عيسى { إن تعذبهم فإنهم عبادك } [ النساء : 118 ] الآية . فرفع يديه وقال : اللهم أمتي أمتي وبكى ، فقال الله : يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له : إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك » .
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية من طريق حرب بن شريح رضي الله عنه قال : قلت لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين : أرأيت هذه الشفاعة التي يتحدث بها أهل العراق ، أحق هي؟ قال : إي والله ، حدثني عمي محمد بن الحنفيه عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أشفع لأمتي حتى يناديني ربي أرضيت يا محمد؟ فأقول : نعم يا رب رضيت » ثم أقبل علي فقال : إنكم تقولون يا معشر أهل العراق إن أرجى آية في كتاب الله

(10/285)


{ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً } [ الزمر : 53 ] قلت : إنا لنقول ذلك . قال فكلنا أهل البيت نقول : إن أرجى آية في كتاب الله { ولسوف يعطيك ربك فترضى } وهي الشفاعة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه أنه سئل عن قوله : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } قال : هي الشفاعة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا { ولسوف يعطيك ربك فترضى } » .
وأخرج العسكري في المواعظ وابن مردويه وابن لال وابن النجار عن جابر بن عبد الله قال : « دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة وهي تطحن بالرحى وعليها كساء من حملة الإِبل ، فلما نظر إليها قال : يا فاطمة تعجلي فتجرعي مرارة الدنيا لنعيم الآخرة غداً فأنزل الله { ولسوف يعطيك ربك فترضى } » .
وأخرج ابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه قال : لما نزلت { وللآخرة خير لك من الأولى } قال العباس بن عبد المطلب : لا يدع الله نبيه فيكم إلا قليلاً لما هو خير له .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } قال : ذلك يوم القيامة هي الجنة .
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل وابن عساكر من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه رضي الله عنه قال : كنت عند مسلمة بن مخلد وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص ، فتمثل مسلمة ببيت من شعر أبي طالب ، فقال : لو أن أبا طالب رأى ما نحن فيه اليوم من نعمة الله وكرامته لعلم أن ابن أخيه سيد قد جاء بخير كثير ، فقال عبد الله : ويومئذ قد كان سيداً كريماً قد جاء بخير كثير ، فقال مسلمة : ألم يقل الله { ألم يجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالاً فهدى ، ووجدك عائلاً فأغنى } فقال عبد الله : أما اليتيم فقد كان يتيماً من أبويه ، وأما العيلة فكل ما كان بأيدي العرب إلى القلة .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب رضي الله عنه قال : بعث عبد المطلب ابنه عبد الله يمتار له تمراً من يثرب فتوفي عبد الله وولدت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان في حجر جده عبد المطلب .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل وابن مردويه وابن عساكر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « سألت ربي مسألة ووددت أني لم أكن سألته ، فقلت : قد كانت قبلي الأنبياء منهم من سخرت له الريح ، ومنهم من كان يحيي الموتى ، فقال تعالى : يا محمد ألم أجدك يتيماً فآويتك؟ ألم أجدك ضالاً فهديتك؟ ألم أجدك عائلاً فأغنيتك؟ ألم أشرح لك صدرك؟ ألم أضع عنك وزرك؟ ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت : بلى يا رب » .

(10/286)


وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « سألت ربي شيئاً وددت أني لم أكن سألته ، قلت؛ يا رب كل الأنبياء فذكر سليمان بالريح وذكر موسى فأنزل الله { ألم يجدك يتيماً فآوى } » .
وأخرج ابن مردويه والديلمي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزلت { والضحى } على رسو ل الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يمن عليّ ربي وأهل أن يمن ربي » والله أعلم .
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ووجدك ضالاً فهدى } قال : وجدك بين ضالين فاستنقذك من ضلالتهم .
أخرج ابن جرير عن سفيان { ووجدك عائلاً } قال : فقير وذكر أنها في مصحف ابن مسعود « ووجدك عديماً فآوى » .
وأخرج ابن الأنباري في المصاحب عن الأعمش قال : قراءة ابن مسعود « ووجدك عديماً فأغنى » .
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { فأما اليتيم فلا تقهر } قال : لا تحقره ، وذكر أن في مصحف عبد الله « فلا تكهر »
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد { فلا تقهر } قال : فلا تظلم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة { فأما اليتيم فلا تقهر } يقول : لا تظلمه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة { فأما اليتيم فلا تقهر } قال : كن لليتيم كأب رحيم { وأما السائل فلا تنهر } قال : رد السائل برحمة ولين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان { وأما السائل فلا تنهر } قال : من جاء يسألك عن أمر دينه فلا تنهره والله أعلم .
أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { وأما بنعمة ربك فحدث } قال : بالنبوّة التي أعطاك ربك .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { وأما بنعمة ربك فحدث } قال : بالقرآن .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن مقسم قال : لقيت الحسن بن علي بن أبي طالب ، فصافحته ، فقال : التقابل مصافحة المؤمن . قلت أخبرني عن قوله : { وأما بنعمة ربك فحدث } قال : الرجل المؤمن يعمل عملاً صالحاً فيخبر به أهل بيته . قلت أي الأجلين قضى موسى الأول أو الآخر؟ قال : الآخر .
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن الحسن بن علي في قوله : { وأما بنعمة ربك فحدث } قال : إذا أصبت خيراً فحدث إخوانك .

(10/287)


وأخرج ابن جرير عن أبي نضرة قال : كان المسلمون يرون أن من شكر النعمة أن يحدث بها .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند والبيهقي في شعب الإِيمان بسند ضعيف عن أنس بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر : « من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله ، والتحدث بنعمة الله شكر ، وتركها كفر ، والجماعة رحمة » .
وأخرج ابن داود عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من أبلى بلاء فذكره فقد شكره ، وإن كتمه فقد كفره ، ومن تحلى بما لم يعط فإنه كلابس ثوب زور » .
وأخرج أحمد وأبو داود عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أعطى عطاء فوجده فليخبر به ، فإن لم يجد فليثن به ، فمن أثنى به فقد شكره ، ومن كتمه فقد كفره » .
وأخرج أحمد والطبراني في الأوسط والبيهقي عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أولى معروفاً فليكافىء به فإن لم يستطع فليذكره ، فإن من ذكره فقد شكره » .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أولى معروفاً فليكافىء به فإن لم يستطع فليذكره ، فإن من ذكره فقد شكره » .
وأخرج سعيد بن منصور عن عمر بن عبد العزيز قال : إن ذكر النعمة شكر .
وأخرج البيهقي عن الحسن قال : أكثر واذكر هذه النعمة فإن ذكرها شكر .
وأخرج البيهقي عن الجريري قال : كان يقال : إن تعداد النعم من الشكر .
وأخرج البيهقي عن يحيى بن سعيد قال : كان يقال : تعداد النعم من الشكر .
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن قتادة قال : من شكر النعمة إفشاؤها .
وأخرج البيهقي عن فضيل بن عياض قال : كان يقال : من شكر النعمة أن يحدث بها .
وأخرج البيهقي عن ابن أبي الحواري قال : جلس فضيل بن عياض وسفيان بن عيينة ليلة إلي الصباح يتذاكران النعم ، أنعم الله علينا في كذا ، أنعم الله علينا في كذا .
وأخرج الطبراني عن أبي الأسود الدؤلي وزاذان الكندي قالا : قلنا لعلي : حدثنا عن أصحابك . فذكر مناقبهم . قلنا : فحدثنا عن نفسك . قال : مهلاً نهى الله عن التزكية . فقال له رجل : فإن الله يقول { وأما بنعمة ربك فحدث } قال : فإني أحدث بنعمة ربي ، كنت والله إذا سألت أعطيت ، وإذا سكت ابتدئت .

(10/288)


أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { ألم نشرح لك صدرك } قال : شرح الله صدره للإِسلام .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن { ألم نشرح لك صدرك } قال : مليء حلماً وعلماً { ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك } قال : الذي أثقل الحمل { ورفعنا لك ذكرك } قال : إذا ذكرتُ ذكرت معي .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن إبراهيم بن طهمان قال : سألت سعداً عن قوله : { ألم نشرح لك صدرك } فحدثني به عن قتادة عن أنس قال : شق بطنه من عند صدره إلى أسفل بطنه فاستخرج من قلبه ، فغسل في طست من ذهب ، ثم ملىء إيماناً وحكمة ، ثم أعيد مكانه .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبيّ بن كعب أن أبا هريرة قال : يا رسول الله ما أول ما رأيت من أمر النبوّة؟ فاستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً وقال : « لقد سألت أبا هريرة إني لفي صحراء ابن عشرين سنة وأشهراً إذا بكلام فوق رأسي وإذا رجل يقول لرجل : أهو هو؟ فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط وأرواح لم أجدها في خلق قط وثياب لم أجدها على أحد قط ، فأقبلا إليّ يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأخذهما مسّاً فقال أحدهما لصاحبه : أضجعه . فأضجعني بلا قصر ولا هصر ، فقال أحدهما : افلق صدره فخوّى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع ، فقال له : أخرج الغل والحسد . فأخرج شيئاً كهيئة العلقة ، ثم نبذها ، فطرحها ، فقال له : أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة ، ثم هز ابهام رجلي اليمنى . وقال : اغدوا سلم ، فرجعت بها أغدو بها رقة على الصغير ورحمة للكبير » .
وأخرج أحمد عن عتبة بن عبد السلمي « أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال : » كانت حاضنتي بنت سعد بن بكر « » .
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { ووضعنا عنك وزرك } قال : ذنبك { الذي أنقض ظهرك } قال : أثقل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن شريح بن عبيد الحضرمي { ووضعنا عنك وزرك } قال : وغفرنا لك ذنبك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : في قراءة عبد الله « وحللنا عنك وقرك » .
أخرج الشافعي في الرسالة وعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن مجاهد في قوله : { ورفعنا لك ذكرك } قال : لا أذكر إلا ذكرت معي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله .

(10/289)


وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن قتادة { ورفعنا لك ذكرك } قال : رفع الله ذكره في الدنيا والأخرة ، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله .
وأخرج سعيد بن منصور وابن عساكر وابن المنذر عن محمد بن كعب في الآية قال : إذا ذكر الله ذكر معه أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله .
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك { ورفعنا لك ذكرك } قال : إذا ذكرت ذكرت معي ولا تجوز خطبة ولا نكاح إلا بذكرك معي .
وأخرج ابن عساكر عن الحسن في قوله : { ورفعنا لك ذكرك } قال : ألا ترى أن الله لا يذكر في موضع إلا ذكر معه نبيه .
وأخرج البيهقي في سننه عن الحسن { ورفعنا لك ذكرك } قال : إذا ذكر الله ذكر رسوله .
وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أتاني جبريل فقال : إن ربك يقول : تدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت : الله أعلم . قال : إذا ذكرت ذكرت معي » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عدي بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته . قلت : أي رب اتخذت إبراهيم خليلاً ، وكلمت موسى تكليماً . قال : يا محمد ألم أجدك يتيماً فآويت ، وضالاً فهديت ، وعائلاً فأغنيت ، وشرحت لك صدرك ، وحططت عنك وزرك ، ورفعت لك ذكرك فلا أذكر إلا ذكرت معي واتخذتك خليلاً؟ » .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لما فرغت من أمر السموات والأرض قلت يا رب : إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرّمته ، اتخذت إبراهيم خليلاً ، وموسى كليماً ، وسخرت لداود الجبال ولسليمان الريح والشياطين ، وأحييت لعيسى الموتى ، فما جعلت لي؟ قال : أو ليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله؟ أن لا أذكر إلا ذكرت معي ، وجعلت صدور أمتك أناجيل يقرؤون القرآن ظاهراً ، ولم أعطها أمة ، وأعطيتك كنزاً من كنوز عرشي : لا حول ولا قوّة إلا بالله » .
وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس { ورفعنا لك ذكرك } قال : لا يذكر الله إلا ذكرت معه .
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله : { فإن مع العسر يسراً } قال : اتبع العسر يسراً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله : { فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً } قال : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر بهذه الآية أصحابه فقال :

(10/290)


« لن يغلب عسر يسرين » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن الحسن قال : لما نزلت هذه الآية { إن مع العسر يسراً } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ابشروا أتاكم اليسر ، لن يغلب عسر يسرين » .
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : « بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ثلثمائة أو يزيدون ، علينا أبو عبيدة بن الجراح ، ليس معنا من الحمولة إلا ما نركب فزوّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين من تمر ، فقال بعضنا لبعض : قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أين تريدون وقد علمتم ما معكم من الزاد ، فلو رجعتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألتموه أن يزوّدكم ، فرجعنا إليه ، فقال : إني قد عرفت الذي جئتم له ، ولو كان عندي غير الذي زوّدتكم لزوّدتكموه . فانصرفنا ، ونزلت { فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً } فأرسل نبي الله إلى بعضنا ، فدعاه ، فقال : أبشروا فإن الله قد أوحى إليّ { فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً } وإن يغلب عسر يسرين » .
وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً وحياله حجر ، فقال : « لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه ، فأنزل الله { فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً } ولفظ الطبراني : وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً } » .
وأخرج ابن النجار من طريق حميد بن حماد عن عائذ عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قاعداً ببقيع الفرقد ، فنزل إلى حائط فقال : « يا معشر من حضر والله لو كانت العسر جاءت تدخل الحجر لجاءت اليسر حتى تخرجها ، فأنزل الله { فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً } » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لوكان العسر في حجر لدخل عليه اليسر حتى يخرجه ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن مع العسر يسراً } » .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الصبر وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال : لو كان العسر في حجر لتبعه اليسر حتى يدخل عليه ليخرجه ، ولن يغلب عسر يسرين ، إن الله يقول : { فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً } .

(10/291)