صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور
المؤلف : عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم وعبدالله بن مسعود أنهما كانا يقرآن { لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله } .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله : { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله } قال : إن عبدالله بن أبيّ قال لأصحابه : لا تنفقوا على من عند رسول الله ، فإنكم لو لم تنفقوا عليهم قد انفضوا ، وفي قوله : { يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل } قال : قد قالها منافق عظيم النفاق في رجلين اقتتلا أحدهما غفاري والآخر جهني ، فظهر الغفاري على الجهني ، وكان بين جهينة وبين الأنصار حلف ، فقال رجل من المنافقين : وهو عبدالله بن أبيّ ، يا بني الأوس والخزرج ، عليكم صاحبكم وحليفكم . ثم قال : والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك . والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . فسعى بها بعضهم إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر : يا نبي الله مر معاذاً أن يضرب عنق هذا المنافق . فقال : لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه . وذكر لنا أنه كثر على رجلين من المنافقين عنده فقال عمر : هل يصلي؟ قالوا : نعم ولا خير في صلاته . قال نهيت عن المصلين ، نهيت عن المصلين ، نهيت عن المصلين .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } يقول : لا تطعموا محمداً وأصحابه حتى تصيبهم مجاعة فيتركوا نبيهم وفي قوله : { لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل } قال : قال ذلك عبدالله بن أبيّ رأس المنافقين وأناس معه من المنافقين .
وأخرج سعيد بن منصور والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبدالله قال : « كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة ، قال سفيان : يرون أنها غزوة بني المصطلق ، فكسع رجل من المنافقين رجلاً من الأنصار فسمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما بال دعوى الجاهلية؟ قالوا : رجل من المهاجرين كسع رجلاً من الأنصار . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : » دعوها فإنها منتنة « فسمع ذلك عبدالله بن أبيّ ، فقال : أو قد فعلوها ، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : » دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه « زاد الترمذي ، فقال له ابن عبدالله : والله لا تنقلب حتى تَقِرَّ أنك الذليل ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز ففعل » .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال : كان بين غلام من الأنصار وغلام من بني غفار في الطريق كلام ، فقال عبدالله بن أبيّ : هنيئاً ، لكم بأس ، هنيئاً جمعتم سوّاق الحجيج من مزينة وجهينة فغلبوكم على ثماركم ، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل .

(10/19)


وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال : لما حضر عبدالله بن أبيّ الموت قال ابن عباس رضي الله عنهما : فدخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرى بينهما كلام ، فقال له عبدالله بن أبيّ : قد أفقه ما تقول ، ولكن منَّ عليَّ اليوم وكفّنّي بقميصك هذا وصلّ عليّ . قال ابن عباس رضي الله عنهما : فكفنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقميصه ، وصلى عليه والله أعلم أي صلاة كانت ، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم لم يخدع إنساناً قط ، غير أنه قال يوم الحديبية كلمة حسنة ، فسئل عكرمة رضي الله عنه ما هذه الكلمة؟ قال : قالت له قريش : يا أبا حباب إنا قد منعنا محمداً طواف هذا البيت ، ولكنا نأذن لك ، فقال : لا لي في رسول الله أسوة حسنة . قال : فلما بلغوا المدينة أخذ ابنه السيف ثم قال لوالده : أنت تزعم لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، والله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج الحميدي في مسنده عن أبي هارون المدني قال : قال عبدالله بن عبدالله بن أبيّ لأبيه : والله لا تدخل المدينة أبداً حتى تقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعز وأنا الأذل .
وأخرج الطبراني عن أسامة بن زيد رضي الله عنه : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني المصطلق قام عبدالله بن عبدالله بن أبيّ فسلّ على أبيه السيف ، وقال : والله عليّ أن لا أغمده حتى تقول : محمد الأعز وأنا الأذل . فقال : ويلك محمد الأعز وأنا الأذل . فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبته ، وشكرها له .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : لما قدموا المدينة سلّ عبدالله بن عبدالله بن أبيّ على أبيه السيف وقال : لأضربنك أو تقول : أنا الأذل ومحمد الأعز . فلم يبرح حتى قال ذلك .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة بن الزبير رضي الله عنه « أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق لما أتوا المنزل كان بين غلمان من المهاجرين وغلمان من الأنصار ، فقال غلمان من المهاجرين : يا للمهاجرين ، وقال غلمان من الأنصار : يا للأنصار ، فبلغ ذلك عبدالله بن أبيّ بن سلول فقال : أما والله لو أنهم لم ينفقوا عليهم انفضوا من حوله ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فأمر بالرحيل ، فأدرك ركباً من بني عبد الأشهل في المسير ، فقال لهم : » ألم تعلموا ما قال المنافق عبدالله بن أبي؟ « قالوا : وماذا قال : يا رسول الله؟ قال : » قال أما والله لو لم تنفقوا عليهم لانفضوا من حوله ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل « قالوا : صدق يا رسول الله ، فأنت والله الأعز العزيز وهو الذليل » .

(10/20)


وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معسكراً وأن رجلاً من قريش كان بينه وبين رجل من الأنصار كلام حتى اشتد الأمر بينهما ، فبلغ ذلك عبدالله بن أبيّ ، فخرج فنادى : غلبني على قومي من لا قوم له ، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فأخذ سيفه ثم خرج عامداً ليضربه ، فذكر هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } [ الحجرات : 1 ] فرجع حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما لك يا عمر؟ قال : العجب من ذلك المنافق ، يقول غلبني على قومي من لا قوم له ، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قال النبي صلى الله عليه وسلم : قم فناد في الناس يرتحلوا ، فارتحلوا فساروا حتى إذا كان بينهم وبين المدينة مسيرة ليلة ، فعجل عبدالله بن عبدالله بن أبيّ حتى أناخ بجامع طرق المدينة ، ودخل الناس حتى جاء أبوه عبدالله بن أبيّ فقال : وراءك . فقال : ما لك ويلك؟ قال : والله لا تدخلها أبداً إلا أن يأذن رسول الله ، وليعلمن اليوم من الأعز من الأذل . فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا إليه ما صنع ابنه . فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن خلِّ عنه حتى يدخل ففعل ، فلم يلبثوا إلا أياماً قلائل حتى اشتكى عبدالله فاشتد وجعه فقال لابنه عبدالله : يا بني ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فادعه فإنك إذ أنت طلبت ذلك إليه فعل . ففعل ابنه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : يا رسول إن عبدالله بن أبيّ شديد الوجع ، وقد طلب إليّ أن آتيك فتأتيه فإنه قد اشتاق إلى لقائك ، فأخذ نعليه فقام ، وقام معه نفر من أصحابه حتى دخلوا عليه ، فقال لأهله حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم : أجلسوني ، فأجلسوه فبكى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أجزعاً يا عدو الله الآن؟ فقال : يا رسول الله إني لم أدعك لتؤنبني ، ولكن دعوتك لترحمني ، فاغرورقت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما حاجتك؟ قال : حاجتي إذا أنا مت أن تشهد غسلي وتكفني في ثلاثة أثواب من ثيابك ، وتمشي مع جنازتي ، وتصلي عليّ . ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية بعد { ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره } [ التوبة : 84 ] » .

(10/21)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما « عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله } قال : هم عباد من أمتي الصالحون منهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ، وعن الصلاة المفروضة الخمس » .
وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « » من كان له مال يبلغه حج بيت ربه أو تجب عليه فيه الزكاة فلم يفعل سأل الرجعة عند الموت « . فقال له رجل : يا ابن عباس اتق الله ، فإنما يسأل الرجعة الكفار ، فقال : سأتلو عليكم بذلك قرآناً { يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله } إلى آخر السورة » .
وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله } الآية قال : هو الرجل المؤمن إذا نزل به الموت وله مال لم يزكه ، ولم يحج منه ، ولم يعط حق الله منه يسأل الرجعة عند الموت ليتصدق من ماله ويزكي ، قال الله : { ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها } .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك في قوله : { لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله } قال : عن الصلوات الخمس وفي قوله : { وانفقوا مما رزقناكم } قال : يعني الزكاة والنفقة في الحج .
وأخرج ابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن عطاء في قوله : { لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله } قال : الصلاة المفروضة .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { فأصدق } قال : أزكي { وأكون من الصالحين } قال : أحج .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن عن عاصم أنه قرأ { فأصدق « وأكون » من الصالحين } قال : أحج .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن عن عاصم أنه قرأ { فاصدق « وأكون » من الصالحن } بالواو .
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن زيد بن ثابت قال : القراءة سنة من السنن فاقرؤوا القرآن كما اقرئتموه { إن هذان لساحران } [ طه : 63 ] { فأصدق وأكن من الصالحين } .

(10/22)


يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (4) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6)

أخرج ابن حبان في الضعفاء والطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما من مولود يولد إلا وإنه مكتوب في تشبيك رأسه خمس آيات من فاتحة سورة التغابن » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا مكث المني في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس فعرج به إلى الرب فيقول : يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله ما هو قاض ، فيقول أشقي أم سعيد؟ فيكتب ما هو لاق » وقرأ أبو ذر من فاتحة التغابن خمس آيات إلى قوله : { وصوّركم فأحسن صوركم وإليه المصير } .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « العبد يولد مؤمناً ويعيش مؤمناً ويموت مؤمناً ، والعبد يولد كافراً ويعيش كافراً ويموت كافراً ، وإن العبد يعمل برهة من الزمان بالشقاوة ، ثم يدركه الموت بما كتب له ، فيموت شقياً ، وإن العبد يعمل برهة من دهره بالشقاوة ثم يدركه ما كتب له فيموت سعيداً » .

(10/23)


زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (10) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (12) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (13) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)

أخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه « عن ابن مسعود أنه قيل له : ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ( زعموا ) قال : سمعته يقول : » بئس مطية الرجل « » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عبد الله بن مسعود أنه كره : زعموا .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد أنه كره زعموا لقول الله : { زعم الذين كفروا } .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن هانىء بن عروة أنه قال لابنه : هب لي اثنتين : « زعموا وسوف » لا يكونان في حديثك .
وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال : زعم كنية الكذب .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن شريح قال : زعم كنية الكذب .
وأخرج ابن أبي شيبة قال : زعموا زاملة الكذب .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله : { يوم يجمعكم ليوم الجمع } قال : هو يوم القيامة وذلك { يوم التغابن } غبن أهل الجنة أهل النار .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { يوم التغابن } من أسماء يوم القيامة .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { ذلك يوم التغابن } قال : غبن أهل الجنة أهل النار .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد { ذلك يوم التغابن } قال : غابن أهل الجنة أهل النار ، والله أعلم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن علقمة في قوله : { ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه } قال : هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيسلم الأمر لله ويرضى بذلك .
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود رضي الله عنه في الآية قال : هي المصيبات تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلم لها ويرضى .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } يعني يهد قلبه لليقين ، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه .
وأخرج ابن المنذر عن جريج رضي الله عنه في قوله : { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } قال : من أصاب من الإِيمان ما يعرف به الله فهو مهتدي القلب .
قوله تعالى : { الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون } .
أخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « شعار المؤمنون يوم يبعثون من قبورهم لا إله إلا الله ، وعلى الله فليتوكل المؤمنون » .
أخرج الفريابي وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نزلت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم } في قوم من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم ، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم ، وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم } .

(10/24)


وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال : كان الرجل يريد الهجرة فتحبسه امرأته وولده ، فيقول : إنا والله لئن جمع الله بيني وبينكم في دار الهجرة لأفعلن ولأفعلن ، فجمع الله بينهم في دار الهجرة ، فأنزل الله { وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا } .
وأخرج عبد حميد عن مجاهد رضي الله عنه { إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم } قال : منهم من لا يأمر بطاعة ولا ينهى عن معصية ، وكفى بذلك عداوة للمرء أن يكون صاحبه لا يأمر بطاعة ، ولا ينهى عن معصية ، وكانوا يثبطون عن الجهاد والهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(10/25)


إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } قال : بلاء { والله عنده أجر عظيم } قال : الجنة .
وأخرج ابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : لا يقولن أحدكم : اللهم إني أعوذ بك من الفتنة ، فإنه ليس أحد منكم إلا وهو مشتمل على فتنة ، فإن الله يقول : { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلاتها .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الضحى قال : قال رجل ، وهو عند عمر : اللهم إني أعوذ بك من الفتنة أو الفتن ، فقال عمر : أتحب أن لا يرزقك الله مالاً ولا ولداً ، أيكم استعاذ من الفتن فليستعذ من مضلاتها .
وأخرج ابن مردويه عن كعب بن عياض رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن لكل أمة فتنة ، وإن فتنة أمتي المال » .
وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : « لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال » .
وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال » .
وأخرج وكيع في الغرر عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال : قال ابن عمر لرجل : إنك تحب الفتنة . قال : أنا؟ قال : نعم فلما رأى ابن عمر ما داخل الرجل من ذاك ، قال : تحب المال والولد .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وابن مردويه عن بريدة رضي الله عنه قال : « كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فأقبل الحسن والحسين رضي الله عنهما عليهما قميصان أحمران ، يمشيان ويعثران ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما واحداً من ذا الشق ، وواحداً من ذا الشق ، ثم صعد المنبر فقال : » صدق الله ، قال : { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } إني لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران لم أصبر أن قطعت كلامي ونزلت إليهما « » .
وأخرج ابن مردويه عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو يخطب الناس على المنبر خرج الحسين بن علي رضي الله عنه فوطىء في ثوب كان عليه فسقط ، فبكى ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر ، فلما رأى الناس أسرعوا إلى الحسين رضي الله عنه يتعاطونه ، يعطيه بعضهم بعضاً حتى وقع في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : » قاتل الله الشيطان ، إن الولد لفتنة ، والذي نفسي بيده ما دريت أني نزلت عن منبري « » .

(10/26)


وأخرج ابن المنذر عن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه قال : « سمع النبي صلى الله عليه وسلم بكاء حسن أو حسين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : » الولد فتنة ، لقد قمت إليه وما أعقل « والله تعالى أعلم .
قوله تعالى : { فاتقوا الله ما استطعتم } .
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : لما نزلت { اتقوا الله حق تقاته } [ آل عمران : 102 ] اشتد على القوم العمل فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم ، فأنزل الله تحفيفاً على المسلمين { فاتقوا الله ما استطعتم } فنسخت الآية الأولى .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أنس { فاتقوا الله ما استطعتم } قال : جهدكم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة { فاتقوا الله ما استطعتم } قال : هي رخصة من الله ، كان الله قد أنزل في سورة آل عمران { اتقوا الله حق تقاته } [ آل عمران : 102 ] وحق تقاته أن يطاع فلا يعصى ، ثم خفف عن عباده ، فأنزل الرخصة { فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا } قال : السمع والطاعة فيما استطعت يا ابن آدم عليها ، بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على السمع والطاعة فيما استطاعوا .
وأخرج ابن سعد وأحمد وأبو داود عن الحكم بن حزن الكلفي قال : وفدنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلبثنا أياماً شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام متوكئاً على قوس ، فحمد الله ، وأثنى عليه كلمات طيبات خفيفات مباركات ، ثم قال : » أيها الناس إنكم لن تطيقوا كل ما أمرتم به فسددوا وابشروا « .
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء رضي الله عنه { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } قال : في النفقة .
وأخرج عبد بن حميد عن حبيب بن شهاب العنبري أنه سمع أخاه يقول : لقيت ابن عمر يوم عرفة ، فأردت أن أقتدي من سيرته ، وأسمع من قوله ، فسمعته أكثر ما يقول : اللهم إني أعوذ بك من الشح الفاحش ، حتى أفاض ، ثم بات بجمع ، فسمعته أيضاً يقول ذلك ، فلما أردت أن أفارقه قلت يا عبدالله : إني أردت أن أقتدي بسيرتك فسمعتك أكثر ما تقول أن تعوذ من الشح الفاحش قال : وما أبغي أفضل من أن أكون من المفلحين؟ قال الله : { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } .
قوله تعالى : { إن تقرضوا الله } الآية .
أخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » يقول الله استقرضت عبدي فأبى أن يقرضني ، وشتمني عبدي ، وهو لا يدري ، يقول وادهراه وادهراه ، وأنا الدهر « ثم تلا أبو هريرة { إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم } .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي حيان عن أبيه عن شيخ لهم أنه كان يقول إذا سمع السائل يقول : من يقرض الله قرضاً حسناً ، قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هذا القرض الحسن .

(10/27)


يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)

أخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال : طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة فأتت أهلها ، فأنزل الله { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } فقيل له : راجعها فإنها صوّامة قوّامة وإنها من أزواجك في الجنة .
وأخرج ابن المنذر عن ابن سيرين في قوله : { لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً } قال : في حفصة بنت عمر طلقها النبي صلى الله عليه وسلم واحدة فنزلت { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } إلى قوله : { يحدث بعد ذلك أمراً } قال : فراجعها .
وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال : « طلق عبد بن يزيد أبو ركانة أم ركانة ثم نكح امرأة من مزينة ، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ما يغني عني إلا ما تغني هذه الشعرة - لشعرة أخذتها من رأسها - فأخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم حمية عند ذلك ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركانة وإخوته ثم قال لجلسائه : أترون كذا من كذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد يزيد : طلقها ففعل ، فقال لأبي ركانة : ارتجعها فقال : يا رسول الله إني طلقتها . قال : قد علمت ذلك فارتجعها » ، فنزلت { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } قال : الذهبي إسناده واهٍ ، والخبر خطأ ، فإن عبد يزيد لم يدرك الإِسلام .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال : بلغنا في قوله : { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } إنها نزلت في عبد الله بن عمرو بن العاص وطفيل بن الحارث وعمرو بن سعيد بن العاص .
وأخرج ابن مردويه من طريق أبي الزبير « عن ابن عمر أنه طلق امرأته ، وهي حائض ، على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فانطلق عمر ، فذكر ذلك له فقال : مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ، ثم يطلقها إن بدا له » ، فأنزل الله عند ذلك « يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن » قال أبو الزبير : هكذا سمعت ابن عمر يقرأها .
وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق في المصنف وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وأبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في سننه « عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتغيظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر ، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها ، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء ، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم : » يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن « » .

(10/28)


وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ « فطلقوهن في قبل عدتهن » .
وأخرج ابن الأنباري عن ابن عمر أنه قرأ « فطلقوهن لقبل عدتهن » .
وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي عن مجاهد أنه كان يقرأ « فطلقوهن لقبل عدتهن » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم { فطلقوهن لعدتهن } قال : طاهراً من غير جماع .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر { فطلقوهن لعدتهن } قال : في الطهر في غير جماع .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والطبراني والبيهقي عن ابن مسعود { فطلقوهن لعدتهن } قال : الطهر في غير جماع .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني والبيهقي وابن مردويه عن ابن مسعود قال : من أراد أن يطلق للسنة كما أمره الله فليطلقها طاهراً في غير جماع .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { فطلقوهن لعدتهن } قال : طاهراً من غير جماع .
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن أبي موسى رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا يقل أحدكم لامرأته قد طلقتك ، قد راجعتك ، ليس هذا بطلاق المسلمين ، طلقوا المرأة في قبل طهرها » .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه { فطلقوهن لعدتهن } قال : طهرهن ، وفي لفظ قال : طاهراً في غير جماع .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه { فطلقوهن لعدتهن } قال : العدة أن يطلقها طاهراً من غير جماع ، فأما الرجل يخالط امرأته ، حتى إذا أقلع عنها طلقها عند ذلك فلا يدري أحاملاً هي أم غير حامل ، فإن ذلك لا يصلح .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والطبراني وابن مردويه عن مجاهد رضي الله عنه قال : سأل ابن عباس يوماً رجل فقال : يا أبا عباس إني طلقت امرأتي ثلاثاً ، فقال ابن عباس : عصيت ربك وحرمت عليك امرأتك ولم تتق الله ليجعل لك مخرجاً ، يطلق أحدكم ، ثم يقول : يا أبا عباس ، قال الله : « يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن » وهكذا كان ابن عباس يقرأ هذا الحرف .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما { فطلقوهن لعدتهن } قال : لا يطلقها وهي حائض ، ولا في طهر قد جامعها فيه ، ولكن يتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة ، فإن كانت تحيض فعدتها ثلاث حيض ، وإن كانت لا تحيض فعدتها ثلاثة أشهر ، وإن كانت حاملاً فعدتها أن تضع حملها ، وإذا أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد على ذلك رجلين ، كما قال الله : { وأشهدوا ذوي عدل منكم } عند الطلاق وعند المراجعة ، فإن راجعها فهي عنده على تطليقتين ، وإن لم يراجعها فإذا انقضت عدتها فقد بانت منه واحدة وهي أملك بنفسها ، ثم تتزوّج من شاءت هو أو غيره .

(10/29)


وأخرج عبد بن حميد والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن } قال : طلاق العدة أن يطلق الرجل امرأته وهي طاهر ، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها ، أو يراجعها إن شاء .
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي وابن مردويه عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سئل عن رجل طلق امرأته مائة قال : عصيت ربك ، من يتق الله يجعل له مخرجاً ثم تلا « يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن » .
قوله تعالى : { وأحصوا العدة } .
أخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود رضي الله عنه { وأحصوا العدة } قال : الطلاق طاهراً في غير جماع .
أخرج عبد بن حميد عن الشعبي رضي الله عنه أن شريحاً طلق امرأته واحدة ، ثم سكت عنها حتى انقضت العدة ، ثم أتاها فاستأذن ، ففزعت فدخل ، فقال : « إني أردت أن يطاع الله { لا تخرجوهن من بيوتهن } ولا يخرجن » .
وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين رضي الله عنه أن شريحاً ، طلق امرأته وأشهد ، وقال للشاهدين : اكتما عليَّ فكتما عليه حتى انقضت العدة ثم أخبرها ، فنقلت متاعها ، فقال شريح : إني كرهت أن تأثم .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عمر رضي الله عنه قال : المطلقة والمتوفى عنها زوجها يخرجان بالنهار ولا يبيتان ليلة تامة عن بيوتهما .
وأخرج عبد بن حميد عن عامر رضي الله عنه قال : حدثتني فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثاً فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها ، فاعتدّت عند عمها عمرو ابن أم مكتوم .
وأخرج عبد بن حميد عن سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن فاطمة بنت قيس أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة فطلقها آخر ثلاث تطليقات ، فزعمت أنها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم في خروجها من بيتها ، فأمرها أن تنتقل إلى ابن أم مكتوم؛ الأعمى ، فأبى مروان أن يصدق فاطمة في خروج المطلقة من بيتها ، وقال عروة : إن عائشة رضي الله عنها أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس .
وأخرج ابن مردويه عن أبي إسحق قال : كنت جالساً مع الأسود بن يزيد في المسجد الأعظم ، ومعنا الشعبي فحدث بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة ، فأخذ الأسود كفاً من حصى فحصبه ثم قال : ويلك تحدث بمثل هذا؟ قال عمر : لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري حفظت أم نسيت له السكنى والنفقة ، قال الله : { لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } .

(10/30)


وأخرج عبد الرزاق عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة « أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع عليّ إلى اليمن فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت مع طلاقها ، وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبي ربيعة بنفقة فاستقلتها فقالا لها : والله ما لك نفقة إلا أن تكوني حاملاً ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكرت له أمرها ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : » لا نفقة لك فاستأذنيه في الانتقال « فأذن لها ، فأرسل إليها مروان يسألها عن ذلك فحدثته فقال مروان : لم أسمع بهذا الحديث إلا من امرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها ، فقالت فاطمة : بيني وبينكم كتاب الله ، قال الله عز وجل : { ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } حتى بلغ { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً } قالت : هذا لمن كانت له مراجعة ، فأي أمر يحدث بعد الثلاث ، فكيف يقولون : لا نفقة لها إذا لم تكن حاملاً ، فعلام تحبسونها ، ولكن يتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة ، فإن كانت تحيض فعدتها ثلاث حيض ، وإن كانت لا تحيض ، فعدتها ثلاثة أشهر ، وإن كانت حاملاً فعدتها أن تضع حملها ، وإن أراد مراجعتها قبل أن تنقضي عدتها أشهد على ذلك رجلين كما قال الله : { وأشهدوا ذوي عدل منكم } عند الطلاق وعند المراجعة فإن راجعها فهي عنده على طلقتين أو إن لم يراجعها فإذا انقضت عدتها فقد بانت عدتها منه بواحدة ، وهي أملك لنفسها ، ثم تتزوّج من شاءت هو أو غيره » .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الطلاق على أربعة منازل : منزلان حلال ، ومنزلان حرام ، فأما الحرام فأن يطلقها حين يجامعها ولا يدري اشتمل الرحم على شيء أو لا ، وأن يطلقها وهي حائض ، وأما الحلال فأن يطلقها لأقرائها طاهراً عن غير جماع وأن يطلقها مستبيناً حملها .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر رضي الله عنه في قوله : { ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قال : خروجها قبل انقضاء العدة من بيتها الفاحشة المبينة .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قال : الزنا .

(10/31)


وأخرج عبد بن حميد عن الحسن والشعبي مثله .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه { ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قال : إلا أن يزنين .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن عطاء الخراساني رضي الله عنه في قوله : { ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قال : كان ذلك قبل أن تنزل الحدود ، وكانت المرأة إذا أتت بفاحشة أخرجت .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب { ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قال : إلا أن تصيب حداً فتخرج ، فيقام عليها .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن راهويه وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قال : الفاحشة المبينة أن تبذو المرأة على أهل الرجل ، فإذا بذت عليهم بلسانها فقد حل لهم إخراجها .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد رضي الله عنه { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قال : لو كان الزنا كما تقولون أخرجت فرجمت ، كان ابن عباس يقول : « إلا أن يفحشن » قال : وهو النشوز .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال : الفاحشة المبينة السوء في الخلق .
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله : { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } قال : يفحش لو زنت رجمت .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه { بفاحشة مبينة } قال : هو النشوز ، وفي حرف ابن مسعود « إلا أن يفحشن »
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه { بفاحشة مبينة } قال : هو النشوز .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً } قال : إن بدا له أن يُراجعها راجعها في بيتها هو أبعد من قذر الأخلاق وأطوع لله أن تلزم بيتها .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال : كانوا يستحبون أن يطلقها واحدة ثم يدعها حتى يحل أجلها ، وكانوا يقولون : { لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً } لعله أن يرغب فيها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها في قوله : { لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً } قالت : هي الرجعة .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال : كانوا يستحبون أن يطلقها واحدة ، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها ، لأنه لا يدري لعله ينكحها ، قال : وكانوا يتأولون هذه الآية { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً } لعله يرغب فيها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن فاطمة بنت قيس في قوله : { لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً } لعله يرغب في رجعتها .

(10/32)


وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك والشعبي رضي الله عنه مثله .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء قال : النكاح بالشهود والطلاق بالشهود والمراجعة بالشهود .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن سيرين رضي الله عنه أن رجلاً سأل عمران ابن حصين عن رجل طلق ولم يشهد ، وراجع ولم يشهد ، قال : بئسما صنع ، طلع في بدعة ، وارتجع في غير سنة ، فليشهد على طلاقه وعلى مراجعته ، وليستغفر الله .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن منصور وعبد بن حميد عن إبراهيم النخعي قال : العدل في المسلمين من لم تظهر منه ريبة .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك { وأقيموا الشهادة لله } قال : إذا أشهدتم على شيء فأقيموه .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهادة فقال : « لا تشهد إلا على مثل الشمس أو دع » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تشهد على شهادة حتى تكون عندك أضوأ من الشمس » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « خيركم من كانت عنده شهادة لا يعلمها فتعجلها قبل أن يسألها » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود في قوله : { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً } قال : مخرجه أن يعلم أنه قبل أمر الله ، وأن الله هو الذي يعطيه وهو يمنعه ، وهو يبتليه ، وهو يعافيه ، وهو يدفع عنه ، وفي قوله : { ويرزقه من حيث لا يحتسب } قال : يقول : من حيث لا يدري .
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإِيمان عن مسروق مثله .
وأخرج عبد بن حميد وأبو نعيم في الحلية عن قتادة { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً } قال : من شبهات الدنيا والكرب عند الموت وإفزاع يوم القيامة ، فالزموا تقوى الله فإن منها الرزق من الله في الدنيا والثواب في الآخرة ، قال الله : { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } [ إبراهيم : 7 ] وقال : ههنا { ويرزقه من حيث لا يحتسب } قال : من حيث لا يؤمل ولا يرجو .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب } قال : ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة .
وأخرج أبو يعلى وأبو نعيم والديلمي من طريق عطاء بن يسار عن ابن عباس قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : { ومن يتق الله يجعله له مخرجاً } قال : » من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت ومن شدائد يوم القيامة « » .
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر

(10/33)


« عن عبادة بن الصامت قال : طلق بعض آبائي امرأته ألفاً فانطلق بنوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا يا رسول الله : إن أبانا طلق أمنا ألفاً فهل له من مخرج؟ فقال : » إن أباكم لم يتق الله فيجعل له من أمره مخرجاً ، بانت منه بثلاث على غير السنة والباقي أثم في عنقه « » .
وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي من طريق سالم بن أبي الجعد عن جابر قال : « نزلت هذه الآية { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب } في رجل من أشجع كان فقيراً خفيف ذات اليد كثير العيال فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله ، فقال : » اتق الله واصبر « فلم يلبث إلا يسيراً حتى جاء ابن له يقال له أبو نعيم كان العدو أصابوه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأله غيره وأخبره خبرها فنزلت { ومن يتق الله } الآية » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سالم بن أبي الجعد قال : « نزلت هذه الآية { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً } في رجل من أشجع أصابه جهد وبلاء وكان العدو أسروا ابنه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : » اتق الله واصبر « فرجع ابن له كان أسيراً قد فكه الله ، فأتاهم وقد أصاب أعنزاً ، فجاء فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هي لك » .
وأخرج الخطيب في تاريخه من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله : « { ومن يتق الله يجعل له } الآية ، قال : نزلت هذه الآية في ابن لعوف بن مالك الأشجعي ، وكان المشركون أسروه وأوثقوه وأجاعوه ، فكتب إلى أبيه أن ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأعلمه ما أنا فيه من الضيق والشدة ، فلما أخبر رسول صلى الله عليه وسلم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتب إليه وأخبره ومره بالتقوى والتوكل على الله ، وأن يقول عند صباحه ومسائه { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } [ التوبة : 128 ] { فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم } [ التوبة : 129 ] فلما ورد عليه الكتاب قرأه فأطلق الله وثاقه ، فمر بواديهم التي ترعى فيه إبلهم وغنمهم فاستاقها فجاء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال يا رسول الله : إني اغتلتهم بعد ما أطلق الله وثاقي فحلال هي أم حرام؟ قال : بل هي حلال إذا شئنا خمسنا » ، فأنزل الله { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب من يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء } من الشدة والرخاء { قدراً } يعني أجلاً .

(10/34)


وقال ابن عباس رضي الله عنهما : من قرأ هذه الآية عند سلطان يخاف غشمه ، أو عند موج يخاف الغرق ، أوعند سبع لم يضره شيء من ذلك .
وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : « جاء عوف بن مالك الأشجعي فقال يا رسول الله : إن ابني أسره العدوّ وجزعت أمه فما تأمرني؟ قال : » آمرك وإياها أن تستكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله « فقالت المرأة : نعم ما أمرك ، فجعلا يكثران منها فتغفل عنه العدو فاستاق غنمهم فجاء بها إلى أبيه ، فنزلت { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً } الآية » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن إسحق مولى أبي قيس بن مخرمة قال : « جاء مالك الأشجعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : أسر ابن عوف ، فقال له : » ارسل إليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تستكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله « وكانوا قد شدوه بالقد فسقط القد عنه ، فخرج فإذا هو بناقتة لهم ، فركبها فأقبل ، فإذا بسرح للقوم الذين كانوا أسروه ، فصاح بها فأتبع آخرها أولها فلم يفجأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب ، فأتى أبوه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره ، فنزلت { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً } الآية » .
وأخرج عبد بن حميد والحاكم وابن مردويه عن أبي عيينة والبيهقي في الدلائل عنه عن ابن مسعود قال : « أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أراه عوف بن مالك فقال : يا رسول الله إن بني فلان أغاروا عليّ فذهبوا بابني ، وبكى فقال : اسأل الله ، فرجع إلى امرأته ، فقالت له : ما رد عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأخبرها ، فلم يلبث الرجل أن رد الله إبله وابنه أوفر ما كان ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبره فقام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، وأمرهم بمسئلة الله والرغبة له ، وقرأ عليهم { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب } » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة في قوله : { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً } قال : يكفيه غم الدنيا وهمها .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي ذر قال : « جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو هذه الآية { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب } فجعل يرددها حتى نعست ، ثم قال : يا أبا ذر لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن معاذ بن جبل : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

(10/35)


« يا أيها الناس اتخذوا تقوى الله تجارة يأتكم الرزق بلا بضاعة ولا تجارة ، ثم قرأ { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب } » .
وأخرج أحمد والنسائي وابن ماجة عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ، ولا يرد القدر إلا لدعاء ، ولا يزيد في العمر إلا البر »
وأخرج أحمد وابن مردويه عن ابن عباس قال : قال : قال رسول الله : « من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ، ومن كل ضيق مخرجاً ، ورزقه من حيث لا يحتسب » .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والخطيب عن عمران بن بن حصين رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب ، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها » .
وأخرج البخاري في تاريخه عن إسماعيل البجي رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « لئن انتهيتم عندما تؤمرون لتأكلن غير زارعين » .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن بالمنذر عن الربيع بن خيثم رضي الله عنه { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً } قال : من كل شيء ضاق على الناس .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً } قال : نجاة .
وأخرج أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله قال له : « أوصيك بتقوى الله في سر أمرك وعلانيته ، وإذا أسأت فأحسن ولا تسألن أحداً شيئاً ، ولا تقبض أمانة ، ولا تقض بين اثنين » .
وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أوصيك بتقوى الله فإنه رأس كل شيء ، وعليك بالجهاد ، فإنه رهبانية الإِسلام ، وعليك بذكر الله ، وتلاوة القرآن فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض » .
وأخرج ابن سعد وأحمد عن ضرغام بن عليبة بن حرملة العنبري عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال : « أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت يا رسول الله : أوصني قال : اتق الله ، وإذا كنت في مجلس فقمت منه فسمعتهم يقولون ما يعجبك فائته ، فإذا سمعتهم يقولون ما تكره فاتركه » .
وأخرج أحمد في الزهد عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال : وجدت في كتاب من كتب الله المنزلة أن الله عز وجل يقول : إني مع عبدي المؤمن حين يطيعني أعطيه قبل أن يسألني ، واستجيب له قبل أن يدعوني ، وما ترددت في شيء ترددي عن قبض عبدي المؤمن إنه يكره ذلك ويسوءه وأنا أكره أن أسوءه ، وليس له منه بد ، وما عندي خير له ، إن عبدي إذا أطاعني واتبع أمري فلو أجلبت عليه السموات السبع ومن فيهن والأرضون السبع بمن فيهن جعلت له من بين ذلك المخرج ، وإنه إذا عصاني ولم يتبع أمري قطعت يديه من أسباب السماء وخسفت به الأرض من تحت قدميه ، وتركته في الأهواء لا ينتصر من شيء ، إن سلطان الأرض موضوع خامد عندي كما يضع أحدكم سلاحه عنه ، لا يقطع سيف إلا بيد ، ولا يضرب سوط إلا بيد ، لا يصل من ذلك إلى شيء إلا بإذني .

(10/36)


وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه قال : كتب زياد إلى الحكم بن عمرو الغفاري وهو على خراسان أن أمير المؤمنين كتب إليّ أن يصطفى له الصفراء والبيضاء ، فلا يقسم بين الناس ذهب ولا فضة ، فكتب إليه : بلغني كتابك وإني وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين ، وإنه والله لو أن السموات والأرض كانتا رتقاً على عبده ثم اتقى الله جعل له مخرجاً والسلام عليك ، ثم قال : أيها الناس اغدوا على مالكم ، فقسمه بينهم .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة أن عائشة رضي الله عنها كتبت إلى معاوية : أوصيك بتقوى الله ، فإنك إن اتقيت الله كفاك الناس ، وإن اتقيت الناس لم يغنوا عنك من الله شيئاً .
وأخرج ابن حبان في الضعفاء والبيهقي في شعب الإِيمان والعسكري في الأمثال عن عليّ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنما تكون الصنيعة إلى ذي دين أو حسب ، وجهاد الضعفاء الحج ، وجهاد المرأة حسن التبعل لزوجها ، والتودد نصف الإِيمان ، وما عال امرؤ على اقتصاد ، واستنزلوا الرزق بالصدقة ، وأبى الله أن يجعل أرزاق عباده المؤمنين إلا من حيث لا يحتسبون » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قي قوله : { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } قال : ليس المتوكل الذي يقول تقضي حاجتي ، وليس كل من توكل على الله كفاه ما أهمه ، ودفع عنه ما يكره ، وقضى حاجته ، ولكن الله جعل فضل من توكل على من لم يتوكل أن يكفر عنه سيئاته ، ويعظم له أجراً ، وفي قوله : { قد جعل الله لكل شيء قدراً } قال : يعني أجلاً ومنتهى ينتهي إليه .
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإِيمان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً » .
وأخرج ابن مردويه عن الحسن رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من رضي وقنع وتوكل كفي الطلب » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(10/37)


« من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده ، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله » .
وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل » .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من جاع أو احتاج فكتمه الناس وأفضى به إلى الله كان حقاً على الله أن يفتح له قوت سنة من حلال » .
وأخرج أحمد في الزهد عن وهب رضي الله عنه قال : يقول الله تبارك وتعالى : إذا توكل عليّ عبدي لو كادته السموات والأرض جعلت له من بين ذلك المخرج .
وأخرج عبد الله ابنه في زوائد الزهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أوحى الله إلى عيسى اجعلني من نفسك لهمك ، واجعلني ذخراً لمعادك ، وتوكل عليَّ أكفك ، ولا تول غيري فأخذذلك .
وأخرج أحمد في الزهد عن عمار بن ياسر قال : كفى بالموت واعظاً ، وكفى باليقين غنى ، وكفى بالعبادة شغلاً .

(10/38)


وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5)

أخرج اسحق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبيّ بن كعب أن ناساً من أهل المدينة لما أنزلت هذه الآية التي في البقرة في عدة النساء قالوا : لقد بقي من عدة النساء مدة لم تذكر في القرآن : الصغار والكبار اللائي قد انقطع عنهن الحيض وذوات الحمل ، فأنزل الله التي في سورة النساء القصرى { واللائي يئسن من المحيض } الآية .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه من وجه آخر عن أبيّ كعب قال : لما نزلت عدة المتوفى المطلقة قلت يا رسول الله : بقي نساء الصغيرة والكبيرة والحامل فنزلت { واللائي يئسن من المحيض } الآية .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر من طريق الثوري عن إسماعيل قال : لما نزلت هذه الآية { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } [ البقرة : 228 ] سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله أرأيت التي لم تحض ، والتي قد يئست من المحيض فاختلفوا فيهما ، فأنزل الله { إن اربتتم } يعني ، إن شككتم { فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن } بمنزلتهن { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر } قال : هن اللاتي قعدن عن المحيض { واللائي لم يحضن } فهن الأبكار الجواري اللاتي لم يبلغن المحيض { فعدتهن ثلاثة أشهر وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } فإذا نفضت الرحم ما فيها فقد انقضت عدتها ، قال : وذكر لنا أن سبيعة بنت الحارث الأسلمية وضعت بعد وفاة زوجها بخمس عشرة ليلة ، فأمرها نبي الله صلى الله عليه وسلم أن تزوّج ، قال : وكان عمر يقول : لو وضعت ما في بطنها وهو موضوع على سريره من قبل أن يقبر لحلت .
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر } قال : العجوز الكبيرة التي قد يئست من المحيض فعدتها ثلاثة أشهر { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن مجاهد { إن ارتبتم } قال : إن لم تعلموا أتحيض أم لا ، فالتي قعدت عن المحيض ، والتي لم تحض بعد { فعدتهن ثلاثة أشهر } .
وأخرج عبد بن حميد عن عامر الشعبي { إن ارتبتم } قال : في المحيض أتحيض أم لا؟
وأخرج عبد حميد عن حماد بن زيد قال : فسر أيوب هذه الآية { إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر } قال : تعتد تسعة أشهر ، فإن لم تر حملاً فتلك الريبة ، قال : اعتدت الآن بثلاثة أشهر .
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال : تعتد المرأة بالحيض ، وإن كان كل سنة مرة ، فإن كانت لا تحيض اعتدت بالأشهر ، وإن حاضت قبل أن توفي اشهر اعتدت بالحيض من ذي قبل .

(10/39)


وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال : تعتد بالحيض ، وإن لم تحض إلا في كل سنة مرة .
وأخرج عبد الرزاق عن عكرمة أنه سئل عن المرأة تحيض فكثر دمها حتى لا تدري كيف حيضتها قال : تعتد ثلاثة أشهر ، وهي الريبة التي قال الله : { إن ارتبتم } قضى بذلك ابن عباس وزيد بن ثابت .
وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد في المرأة الشابة تطلق فيرتفع حيضها ، فما تدري ما رفعها ، قال : تعتد بالحيض ، وقال طاووس : تعتد بثلاثة أشهر .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب قال : قضى عمر في المرأة التي يطلقها زوجها تطليقة ، ثم تحيض حيضة وحيضتين ، ثم ترتفع حيضتها لا تدري ما الذي رفعها أنها تربص بنفسها ما بينها وبين تسعة أشهر ، فإن استبان حمل فهي حامل ، وإن مر تسعة أشهر ولا حمل بها اعتدت ثلاثة أشهر بعد ذلك ثم قد حلت .
وأخرج عبد الله في زوائد المسند وابن مردويه « عن أبيّ بن كعب قال : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } أهي المطلقة ثلاثاً والمتوفي عنها زوجها؟ قال : هي المطلقة ثلاثاً والمتوفي عنها زوجها » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والدارقطني من وجه آخر « عن أبيّ بن كعب قال : لما نزلت هذه الآية قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله : هذه الآية مشتركة أم مبهمة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أية آية؟ قلت : { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } المطلقة والمتوفي عنها زوجها؟ قال : نعم » .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طرق عن ابن مسعود أنه بلغه أن علياً يقول : تعتد آخر الأجلين ، فقال : من شاء لاعنته ، إن الآية التي نزلت في سورة النساء القصرى نزلت بعد سورة البقرة { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } بكذا وكذا شهراً فكل مطلقة أو متوفى عنها زوجها فأجلها أن تضع حملها .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود قال : من شاء حالفته أن سورة النساء الصغرى أنزلت بعد الأربعة أشهر وعشراً { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن مسعود قال : من شاء لاعنته ، إن الآية التي في سورة النساء القصرى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } نسخت ما في البقرة .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : نسخت سورة النساء القصرى كل عدة { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } أجل كل حامل مطلقة أو متوفى عنها زوجها أن تضع حملها .

(10/40)


وأخرجه الحاكم في التاريخ والديلمي عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً .
وأخرج عبد بن حميد والبخاري والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : اتجعلون عليها التغليظ ، ولا تجعلون الرخصة؟ أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } إذا وضعت فقد انقضت العدة .
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : نزلت سورة النساء القصرى بعد التي في البقرة بسبع سنين .
وأخرج عبد الرزاق « عن أبيّ بن كعب قال : قلت يا رسول الله إني أسمع الله يذكر { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } فالحامل المتوفى عنها زوجها أن تضع حملها ، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : نعم » .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : كنت أنا وابن عباس وأبو هريرة فجاء رجل فقال : افتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة أحلت؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما : تعتد آخر الأجلين . قلت أنا { وأولات الأحمال أن يضعن حملهن } قال ابن عباس رضي الله عنهما : ذلك في الطلاق قال أبو سلمة : أرأيت لو أن امرأة أخر حملها سنة فما عدتها؟ قال ابن عباس : آخر الأجلين . قال أبو هريرة رضي الله عنه : أنا مع أخي أبي سلمة . فأرسل ابن عباس غلامه كريباً إلى أم سلمة يسألها هل مضت في ذلك سنة؟ فقالت : قتل زوجها سبيعة الأسلمية وهي حبلى ، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة ، فخطبت فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه عن أبي السنابل بن بعكك « أن سبيعة بنت الحارث وضعت بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين يوماً فتشوّفت للنكاح ، فأنكر ذلك عليها أو عيب ، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : » إن تفعل فقد خلا أجلها « » .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت : « مكثت امرأة ثلاثاً وعشرين ليلة ثم وضعت ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكرت ذلك له ، فقال : » استفحلي لأمرك « يقول : تزوجي » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه « عن سبيعة الأسلمية أنها توفي زوجها ، فوضعت بعد وفاته بخمس وعشرين ليلة ، فتهيأت فقال لها أبو السنابل بن بعكك : قد أسرعت ، اعتدي آخر الأجلين أربعة أشهر وعشراً ، قالت : فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبرته فقال : » إن وجدت زوجاً صالحاً فتزوجي « » .

(10/41)


وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن المسور بن مخرمة أن زوج سبيعة الأسلمية توفي وهي حامل ، فلم تمكث إلا ليالي يسيرة حتى نفست ، فلما تعلت من نفاسها ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لها فنكحت .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن « أن امرأة توفي عنها زوجها فولدت بعد أيام فاختضبت وتزينت فمر بها أبو السنابل بن بعكك فقال : كذبت إنما هو آخر الأجلين ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فقال : » كذب أبو السنابل تزوجي « » .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه تمارى هو وابن عباس في المتوفى عنها زوجها وهي حبلى فقال ابن عباس : آخر الأجلين ، وقال أبو سلمة : إذا ولدت فقد حلت ، فجاء أبو هريرة فقال : أنا مع ابن أخي ، لأبي سلمة ، ثم أرسلوا إلى عائشة فسألوها فقالت : ولدت سبيعة بعد موت زوجها بليال ، فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها فنكحت .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عبيد الله بن عبد الله قال : « أرسل مروان عبد الله بن عتبة إلى سبيعة بنت الحارث ليسألها عما أفتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته أنها كانت عند سعد بن خولة ، فتوفي عنها في حجة الوداع وكان بدرياً ، فوضعت حملها قبل أن تمضي أربعة أشهر وعشر من وفاته ، فتلقاها أبو السنابل بن بعكك حين تعلت من نفاسها وقد اكتحلت وتزينت فقال : لعلك تريدين النكاح ، إنها أربعة أشهر وعشراً من وفاة زوجك . قالت : فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ، وذكرت له ، ما قال أبو السنابل ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : » اربعي بنفسك فقد حل أجلك إذا وضعت حملك « » .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة عن عليّ في الحامل إذا وضعت بعد وفاة زوجها قال : تعتد أربعة أشهر وعشراً .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس أنه كان يقول في الحامل المتوفى عنها زوجها : تنتظر آخر الأجلين .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب أن عمر استشار عليّ بن أبي طالب وزيد بن ثابت ، قال زيد : قد حلت ، وقال عليّ : أربعة أشهر وعشراً . قال زيد : أرأيت إن كانت آيساً؟ قال عليّ : فآخر الأجلين . قال عمر : لو وضعت ذا بطنها وزوجها على نعشه لم يدخل حفرته لكانت قد حلت .
وأخرج ابن المنذر عن مغيرة قال : قلت للشعبي : ما أصدق أن عليّ بن أبي طالب ، كان يقول : عدة المتوفي عنها زوجها آخر الأجلين ، قال : بلى ، فصدق به كأشد ما صدقت بشيء ، كان عليّ يقول : إنما قوله : { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } في المطلقة .

(10/42)


وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه سئل عن المرأة يتوفى عنها زوجها وهي حامل ، فقال : إذا وضعت حملها فقد حلت ، فأخبره رجل من الأنصار أن عمر بن الخطاب قال : لو ولدت وزوجها على سريره لم يدفن لحلت .
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال : إذا ألقت المرأة شيئاً يعلم أنه من حمل فقد انقضت به العدة وأعتقت أم الولد .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ومحمد قالا : إذا سقطت المرأة فقد انقضت عدتها .
وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال : إذا نكس في الخلق الرابع ، وكان مخلقاً اعتقت به الأمة وانقضت به العدة .
وأخرج أبي شيبة عن ابن عباس أنه سئل عن رجل اشترى جارية وهي حامل أيطؤها؟ قال : لا وقرأ { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } .

(10/43)


أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7)

أخرج عبد بن حميد عن قتادة { أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم } قال : إن لم تجد لها إلا ناحية بيتك فأسكنها فيه .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : { من حيث سكنتم من وجدكم } قال : من سعتكم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله : { من حيث سكنتم من وجدكم } قال : من سعتكم { ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن } قال : في المسكن .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { من وجدكم } مرفوعة الواو .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن } قال : فهذه المرأة يطلقها زوجها وهي حامل ، فأمر الله أن يسكنها أو ينفق عليها حتى تضع ، وإن أرضعته فحتى تفطم ، فإن أبان طلاقها وليس بها حمل ، فلها السكنى حتى تنقضي عدتها ، ولا نفقة لها .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة { فإن أرضعن لكم } الآية قال : هي أحق بولدها أن تأخذه بما كنت مسترضعاً به غيرها .
أخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير { وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى } قال : إذا قام الرضاع مسترضعاً به غيرها .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير { وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى } قال : إذا قام الرضاع على شيء خيرت الأم .
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم والضحاك وقتادة مثله .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله : { لينفق ذو سعته من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما أتاه الله } الآية قال عليّ : المطلقة إذا أرضعت له .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله : { ومن قدر عليه رزقه } قال : قتر { فلينفق مما آتاه الله } قال : أعطاه { لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها } قال : أعطاها .
وأخرج ابن جرير عن أبي سنان قال : « سأل عمر بن الخطاب عن أبي عبيدة ، فقيل له : إنه يلبس الغليظ من الثياب ، ويأكل أخشن الطعام ، فبعث إليه بألف دينار ، وقال للرسول : أنظر ما يصنع بها إذا هو أخذها؟ فما لبث أن لبس ألين الثياب وأكل أطيب الطعام ، فجاء الرسول فأخبره فقال : رحمه الله تأول هذه الآية { لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله } » .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان ، وضعفه ، عن طاووس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن المؤمن أخذ من الله أدباً حسناً إذا وسع عليه وسع على نسفه ، وإذا أمسك عليه أمسك » .
وأخرج ابن مردويه عن عليّ قال : « جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان له مائة وقية بعشر أواق ، وجاءه رجل كان له مائة دينار بعشر دنانير ، وجاءه رجل له عشرة دنانير بدينار ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : » أنتم في الأجر سواء ، كل واحد منكم جاء بعشر ماله « ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { لينفق ذو سعة من سعته } » .

(10/44)


وأخرج الطبراني عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ثلاثة نفر كان لأحدهم عشرة دنانير فتصدق منها بدينار ، وكان لآخر عشر أواق فتصدق منها بأوقية ، وكان لآخر مائة أوقية فتصدق منها بعشرة أواق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » هم في الأجر سواء ، كل تصدق بعشر ماله ، قال الله : { لينفق ذو سعة من سعته } « » .
وأخرج عبد الرزاق عن معمر قال : سألت الزهري عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته يفرق بينهما؟ قال : يستأني له ولا يفرق بينهما ، وتلا { لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسراً } قال معمر : وبلغني أن عمر بن عبد العزيز قال مثل قول الزهري .

(10/45)


وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آَمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (11) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)

أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : { فحاسبناها حساباً شديداً } يقول : لم ترحم { وعذبناها عذاباً نكراً } يقول : عظيماً منكراً .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { عذاباً نكراً } مثقلة .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد { فذاقت وبال أمرها } قال : جزاء أمرها .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { فذاقت وبال أمرها } قال : عقوبة أمرها .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس { قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً } قال : محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { آيات مبينات } بنصب الياء ، والله تعالى أعلم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق أبي رزين قال : سألت ابن عباس هل تحت الأرض خلق؟ قال : نعم ألم تر إلى قوله : { خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن } ؟ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال له رجل { الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن } إلى آخر السورة فقال ابن عباس : للرجل ما يؤمنك إن أخبرك بها فتكفر .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله : { خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن } قال : وفي كل سماء وفي كل أرض خلق من خلقه ، وأمر من أمره ، وقضاء من قضائه .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله : { يتنزل الأمر بينهن } قال : من السماء السابعة إلى الأرض السابعة .
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله : { يتنزل الأمر بينهن } قال : السماء مكفوفة والأرض مكفوفة .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في الآية قال : بين كل سماء وأرض ، خلق وأمر .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله : { خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن } قال : بلغني أن عرض كل أرض مسيرة خمسمائة سنة ، وأن بين أرضين مسيرة خمسمائة سنة ، وأخبرت أن الريح بين الأرض الثانية والثالثة والأرض السابعة فوق الثرى ، واسمها تخوم ، وأن أرواح الكفار فيها ولها فيها اليوم حنين ، فإذا كان يوم القيامة ألقتهم إلى برهوت ، فاجتمع أنفس المسلمين بالجابية ، والثرى فوق الصخرة التي قال الله في صخرة ، والصخرة خضراء مكللة ، والصخرة على الثور ، والثور له قرنان وله ثلاث قوائم يبتلع ماء الأرض كلها يوم القيامة ، والثور على الحوت ، وذنب الحوت عند رأسه مستدير تحت الأرض السفلى وطرفاه منعقدان تحت العرش ، ويقال : الأرض السفلى على عمد من قرني الثور ، ويقال : بل على ظهره واسمه بهموت يأثرون أنهما نزل أهل الجنة فيشبعون من زائد كبد الحوت ورأس الثور ، وأخبرت بأن عبد الله بن سلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم : علام الحوت؟ قال : على ماء أسود وما أخذ منه الحوت إلا كما أخذ حوت من حيتانكم من بحر من هذه البحار ، وحدثت أن إبليس تغلغل إلى الحوت فعظم له نفسه وقال : ليس خلق بأعظم منك غنى ولا أقوى ، فوجد الحوت في نفسه ، فتحرك فمنه تكون الزلزلة إذا تحرك ، فبعث الله حوتاً صغيراً فأسكنه في أذنه ، فإذا ذهب يتحرك تحرك الذي في أذنه فسكن .

(10/46)


وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن الضريس من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله : { ومن الأرض مثلهن } قال : لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم ، وكفركم بتكذيبكم بها .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب وفي الأسماء والصفات عن أبي الضحى عن ابن عباس في قوله : { ومن الأرض مثلهن } قال : سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم ، وآدم كآدم ، ونوح كنوح ، وإبراهيم كإبراهيم ، وعيسى كعيسى ، قال البيهقي : إسناده صحيح ، ولكنه شاذ لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعاً .
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه وتعقبه الذهبي فقال : منكرعن ابن عمر ، وقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الأرضين بين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام ، والعليا منها على ظهر حوت قد التقى طرفاه في السماء ، والحوت على صخرة ، والصخرة بيد الملك ، والثانية مسجن الريح ، فلما أراد الله أن يهلك عاداً أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحاً يهلك عاداً ، فقال : يا رب أرسل عليهم من الريح بقدر منخر الثور ، فقال له الجبار : إذن تكفأ الأرض ومن عليها ، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم ، فهي التي قال الله في كتابه : { ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم } [ الذاريات : 42 ] والثالثة فيها حجارة جهنم ، والرابعة فيها كبريت جهنم ، قالوا : يا رسول الله أللنار كبريت؟ قال : نعم ، والذي نفسي بيده إن فيها لأودية من كبريت لو أرسل فيها الجبال الرواسي لماعت ، والخامسة فيها حيات جهنم إن أفواهها كالأودية تلسع الكافر اللسعة فلا تبقي منه لحماً على وضم ، والسادسة فيها عقارب جهنم إن أدنى عقربة منها كالبغال الموكفة تضرب الكافر ضربة ينسيه ضربها حر جهنم ، والسابعة فيها سقر وفيها إبليس مصفد بالحديد يدٌ أمامه ويدٌ خلفه ، فإذا أراد الله أن يطلقه لما شاء أطلقه » .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كثف الأرض مسيرة خمسمائة عام ، وكثف الثانية مثل ذلك ، وما بين كل أرضين مثل ذلك » .
وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهميه عن ابن عباس قال : سيد السموات السماء التي فيها العرش ، وسيد الأرضين التي نحن عليها .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن كعب قال : الأرضون السبع على صخرة ، والصخرة في كف ملك ، والملك على جناح الحوت ، والحوت في الماء ، والماء على الريح ، والريح على الهواء ، ريح عقيم لا تلقح ، وإن قرونها معلقة بالعرش .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك قال : الصخرة التي تحت الأرض منتهى الخلق على أرجائها أربعة أملاك ورؤوسهم تحت العرش .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك قال : إن الأرضين على حوت ، والسلسلة في أذن الحوت .

(10/47)


يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2)

أخرج ابن سعد وعبد بن حميد والبخاري وابن المنذر وابن مردويه « عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلاً ، فتواصيت أنا وحفصة أن أتينا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل إني أجد منك ريح مغافير أكلت مغافير ، فدخل إلى إحداهما ، فقالت ذلك له ، فقال : لا بل شربت عسلاً عند زينب بنت جحش ولن أعود فنزلت { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } إلى { أن تتوبا إلى الله } لعائشة وحفصة { وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً } لقوله : بل شربت عسلاً » .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند صحيح عن ابن عباس قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرب من شراب عند سودة من العسل ، فدخل على عائشة فقالت : إني أجد منك ريحاً ، فدخل على حفصة ، فقالت : إني أجد منك ريحاً ، فقال : » أراه من شراب شربته عند سودة والله لا أشربه « فأنزل الله { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } الآية » .
وأخرج ابن سعد عن عبدالله بن رافع قال : سألت أم سلمة عن هذه الآية { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } قالت : كانت عندي عكة من عسل أبيض ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يلعق منها ، وكان يحبسه ، فقالت له عائشة : نحلها تجرش عرفطاً فحرمها ، فنزلت هذه الآية .
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد عن عبدالله بن عتيبة أنه سئل أي شيء حرم النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : عكة من عسل .
وأخرج النسائي والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه حراماً ، فأنزل الله هذه الآية { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } إلى آخر الآية .
وأخرج الترمذي والطبراني بسند حسن صحيح عن ابن عباس قال : نزلت { يا أيها النبي لم تحرم } الآية ، في سريته .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر « عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : من المرأتان اللتان تظاهرتا؟ قال : عائشة وحفصة ، وكان بدء الحديث في شأن مارية أم إبراهيم القبطية أصابها النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة في يومها ، فوجدت حفصة ، فقالت : يا نبي الله لقد جئت إليَّ شيئاً ما جئته إلى أحد من أزواجك في يومي وفي داري وعلى فراشي فقال : ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها؟ قالت : بلى فحرمها وقال : لا تذكري ذلك لأحد ، فذكرته لعائشة رضي الله عنها فأظهره الله عليه ، فأنزل الله { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } الآيات كلها فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر عنها فأظهر الله يمينه وأصاب جاريته » .

(10/48)


وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك } قال : حرم سريته .
وأخرج ابن سعد وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « كانت عائشة وحفصة متحابتين ، فذهبت حفصة إلى بيت أبيها تحدث عنده فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى جاريته فظلت معه في بيت حفصة ، وكان اليوم الذي يأتي فيه حفصة فوجدتهما في بيتها فجعلت تنتظر خروجها ، وغارت غيرة شديدة ، فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم جاريته ، ودخلت حفصة ، فقالت : قد رأيت من كان عندك ، والله لقد سؤتني ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : » والله لأرضينك وإني مسر إليك سراً فاحفظيه « قالت : ما هو؟ قال : » إني أشهدك أن سريتي هذه عليّ حرام رضاً فانطلقت حفصة إلى عائشة فأسرت إليها أن أبشري إن النبي صلى الله عليه وسلم قد حرم عليه فتاته ، فلما أخبرت بسر النبي صلى الله عليه وسلم أظهر الله النبي صلى الله عليه وسلم عليه ، فأنزل الله { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } « .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : ذكر عند عمر بن الخطاب { يا أيها النبي ، لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك } قال : إنما كان ذلك في حفصة .
وأخرج ابن مردويه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أنزل أم إبراهيم منزل أبي أيوب قالت عائشة رضي الله عنها : فدخل النبي صلى الله عليه وسلم بيتها يوماً ، فوجد خلوة فأصابها ، فحملت بإبراهيم ، قالت عائشة : فلما استبان حملها فزعت من ذلك ، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ولدت ، فلم يكن لأمه لبن فاشترى له ضائنة يغذي منها الصبي ، فصلح عليه جسمه وحسن لحمه وصفا لونه ، فجاء به يوماً يحمله على عنقه ، فقال يا عائشة كيف تري الشبه؟ فقلت : أنا غيري ما أدري شبهاً ، فقال : ولا باللحم؟ فقلت : لعمري لمن تغذى بألبان الضأن ليحسن لحمه قال : فجزعت عائشة رضي الله عنها وحفصة من ذلك فعاتبته حفصة ، فحرمها وأسر إليها سراً فأفشته إلى عائشة رضي الله عنها ، فنزلت آية التحريم ، فأعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم رقبة .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : وجدت حفصة رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم أم ولده مارية أم إبراهيم ، فحرم أم ولده لحفصة رضي الله عنها ، وأمرها أن تكتم ذلك ، فأسرته إلى عائشة رضي الله عنها ، فذلك قوله تعالى : { وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً } فأمره الله بكفارة يمينه .

(10/49)


وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } الآية ، قال : كان حرم فتاته القبطية أم إبراهيم عليه السلام في يوم حفصة ، وأسر ذلك إليها ، فأطلعت عليه عائشة رضي الله عنها ، وكانتا تظاهرتا على نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، فأحل الله له ما حرم على نفسه ، وأمره أن يكفر عن يمينه ، فقال : { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الشعبي وقتادة رضي الله عنهما { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } قال : حرم جاريته ، قال الشعبي : وحلف يميناً مع التحريم ، فعاتبه الله في التحريم ، وجعل له كفارة اليمين ، وقال قتادة : حرمها فكانت يميناً .
وأخرج ابن سعد عن زيد بن أسلم رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم أم إبراهيم ، فقال : هي عليّ حرام ، فقال : والله لا أقربها ، فنزلت { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } » .
وأخرج ابن سعد عن مسروق والشعبي قالا : آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمته وحرمها ، فأنزل الله { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } وأنزل { لم تحرم ما أحل الله لك } .
وأخرج الهيثم بن كليب في مسنده والضياء المقدسي في المختارة من طريق نافع عن ابن عمر قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحفصة : لا تحدثي أحداً وإن أم إبراهيم عليَّ حرام ، فقالت : أتحرم ما أحل الله لك؟ قال : فوالله لا أقربها ، فلم يقربها نفسه حتى أخبرت عائشة فأنزل الله { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } » .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مسروق « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف لحفصة أن لا يقرب أمته ، وقال : هي عليَّ حرام ، فنزلت الكفارة ليمينه وأمر أن لا يحرم ما أحل الله له » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الضحاك « أن حفصة زارت أباها ذات يوم ، وكان يومها ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجدها في المنزل ، فأرسل إلى أمته مارية ، فأصاب منها في بيت حفصة ، وجاءت حفصة على تلك الحال ، فقالت يا رسول الله : أتفعل هذا في بيتي وفي يومي؟ قال : فإنها عليّ حرام ولا تخبري بذلك أحداً ، فانطلقت حفصة إلى عائشة ، فأخبرتها بذلك فأنزل الله { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } إلى قوله : { وصالح المؤمنين } فأمر أن يكفر عن يمينه ، ويراجع أمته » .

(10/50)


وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة قال : « دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمارية القبطية سريته بيت حفصة فوجدتها معه ، فقالت : يا رسول الله في بيتي من بين بيوت نسائك؟ قال : فإنها عليَّ حرام أن أمسها ، واكتمي هذا عليَّ ، فخرجت حتى أتت عائشة ، فقالت : ألا أبشرك؟ قالت : بماذا؟ قالت : وجدت مارية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي ، فقلت : يا رسول الله في بيتي من بين بيوت نسائك؟ فكان أوّل السر أنه أحرمها على نفسه ، ثم قال لي : يا حفصة ألا أَبشرك فأعلمي عائشة أن أباك يلي الأمر من بعده ، وأن أبي يليه بعد أبيك ، وقد استكتمني ذلك فاكتميه ، فأنزل الله { يا أيها النبي لم تحرم } إلى قوله : { غفور رحيم } أي لما كان منك إلى قوله : { وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه } يعني حفصة { حديثاً فلما نبأت به } يعني عائشة { وأظهره الله عليه } أي بالقرآن { عرف بعضه } عرف حفصة ما أظهر من أمر مارية { وأعرض عن بعض } عما أخبرت به من أمر أبي بكر وعمر ، فلم يُبْدِه { فلما نبأها به } إلى قوله : { الخبير } ثم أقبل عليهما يعاتبهما فقال : { إن تتوبا إلى الله } إلى قوله : { ثيبات وأبكاراً } فوعده من الثيبات آسية بنت مزاحم وأخت نوح عليه السلام ، ومن الأبكار مريم بنت عمران وأخت موسى » .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } في المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم .

(10/51)


وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4)

أخرج عبد الرزاق والبخاري وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : في الحرام يكفر ، وقال : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } [ الأحزاب : 21 ] .
وأخرج ابن المنذر والطبراني والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس أنه جاءه رجل فقال : جعلت امرأتي عليَّ حراماً فقال : كذبت ليست عليك بحرام ، ثم تلا { لم تحرم ما أحل الله لك } قال : عليك أغلظ الكفارات عتق رقبة .
وأخرج الحارث بن أبي أسامة عن عائشة قالت : لما حلف أبو بكر أن لا ينفق على مسطح ، فأنزل الله { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } فأحل يمينه وأنفق عليه .
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه من طريق علي عن ابن عباس { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } قال : أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إذا حرموا شيئاً مما أحل الله لهم أن يكفروا أيمانهم بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة ، وليس يدخل في ذلك الطلاق .
وأخرج عبد بن حميد عن ميمون بن مهران رضي الله عنه في قوله : { تحلة أيمانكم } قال : يقول قد أحللت لك ما ملكت يمينك ، فلم تحرم ذلك وقد فرضت لك تحلة اليمين تكفر بها يمينك؟ كل ذلك في هذا .
أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً } قال : « دخلت حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها وهو يطأ مارية ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تخبري عائشة حتى أبشرك بشارة فإن أباك يلي الأمر بعد أبي بكر إذا أنا مت ، فذهبت حفصة فأخبرت عائشة فقالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم : من أنبأك هذا؟ قال : نبأني العليم الخبير ، فقالت عائشة : لا أنظر إليك حتى تحرم مارية ، فحرمها ، فأنزل الله { يا أيها النبي لم تحرم } » .
وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن عائشة في قوله : { وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً } قال : أسر إليها أن أبا بكر خليفتي من بعدي .
وأخرج ابن عدي وأبو نعيم في فضائل الصحابة والعشاري في فضائل الصديق وابن مردويه وابن عساكر من طرق عن علي وابن عباس قالا : والله إن إمارة أبي بكر وعمر لفي الكتاب { وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً } قال لحفصة : « أبوك وأبو عائشة واليا الناس بعدي فإياك أن تخبري أحداً » .
وأخرج ابن عساكر عن ميمون بن مهران في قوله : { وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً } قال : أسر إليها أن أبا بكر خليفتي من بعدي .
وأخرج ابن عساكر عن حبيب بن أبي ثابت { وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً } قال : أخبر عائشة أن أباها الخليفة من بعده ، وأن أبا حفصة الخليفة من بعد أبيها .

(10/52)


وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال : « أتى النبي صلى الله عليه وسلم جارية له في يوم عائشة ، وكانت حفصة وعائشة متحابتين ، فأطلعت حفصة على ذلك ، فقال لها : لا تخبري عائشة بما كان مني ، وقد حرمتها عليَّ فأفشت حفصة سر النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى : { يا أيها النبي لم تحرم } الآيات » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس { وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً } قال : أسر إلى عائشة في أمر الخلافة بعده ، فحدثت به حفصة .
وأخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة عن الضحاك { وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً } قال : أسر إلى حفصة بنت عمر أن الخليفة من بعده أبو بكر ، ومن بعد أبي بكر عمر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : { عرف بعضه وأعرض عن بعض } قال : الذي عرف أمر مارية { وأعرض عن بعض } قوله : « إن أباك وأباها يليان الناس بعدي » مخافة أن يفشو .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مثله .
وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال : ما استقصى كريم قط لأن الله تعالى يقول : { عرف بعضه وأعرض عن بعض } .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عطاء الخرساني قال : ما استقصى حليم قط ، ألم تسمع إلى قوله : { عرف بعضه وأعرض عن بعض } .
أما قوله تعالى : { إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه } .
أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { فقد صغت قلوبكما } قال : مالت وأثمت .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس { صغت } قال : مالت .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله : { صغت } قال : مالت .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال : كنا نرى أن { صغت قلوبكما } شيء هين حتى سمعناه بقراءة عبدالله أن تتوبا إلى الله { فقد صغت قلوبكما } .
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وأحمد والعدني وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن حبان وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لم أزل حريصاً أن أسأل عمر رضي الله عنه عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله تعالى : { إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما } حتى حج عمر وحججت معه ، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه ، بالإِداوة فتبرز ثم أتى فصببت على يديه فتوضأ ، فقلت : يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله : { إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما } فقال : واعجباً لك يا ابن عباس هما عائشة وحفصة ، ثم أنشأ يحدثني الحديث ، فقال : كنا معشر قريش نغلب النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم ، فغضبت على امرأتي يوماً فإذا هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني ، فقالت : ما تنكر من ذلك؟ فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل ، قلت : قد خابت من فعلت ذلك منهن وخسرت ، قال : وكان منزلي بالعوالي ، وكان لي جار من الأنصار كنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فينزل يوماً فيأتيني بخبر الوحي وغيره ، وأنزل يوماً فآتيه بمثل ذلك .

(10/53)


قال : وكنا نحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا ، فجاء يوماً فضرب على الباب فخرجت إليه ، فقال : حدث أمر عظيم ، فقلت : أجاءت غسان؟ قال : أعظم من ذلك ، طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ، قلت في نفسي : قد خابت حفصة وخسرت قد كنت أرى ذلك كائناً ، فلما صلينا الصبح شددت عليَّ ثيابي ، ثم انطلقت حت دخلت على حفصة فإذا هي تبكي ، فقلت : أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : لا أدري هوذا معتزل في المشربة . فانطلقت فأتيت غلاماً أسوداً فقلت : استأذن لعمر ، فدخل ثم خرج إليَّ فقال : قد ذكرتك له فلم يقل شيئاً ، فانطلقت إلى المسجد ، فإذا حول المسجد نفر يبكون ، فجلست إليهم ، ثم غلبني ما أجد ، فانطلقت فأتيت الغلام ، فقلت : استأذن لعمر ، فدخل ثم خرج ، فقال : قد ذكرتك له فلم يقل شيئاً ، فوليت منطلقاً فإذا الغلام يدعوني ، فقال : أدخل فقد أذن لك فدخلت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم متكىء على حصير قد رأيت أثره في جنبه ، فقلت : يا رسول الله أطلقت نساءك؟ قال : لا قلت : الله أكبر ، لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش نغلب النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم ، فغضبت يوماً على امرأتي ، فإذا هي تراجعني ، فأنكرت ذلك فقالت : ما تنكر فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل ، فقلت : قد خابت من فعل ذلك منهن ، فدخلت على حفصة ، فقلت : أتراجع إحداكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتهجره اليوم إلى الليل؟ قالت : نعم ، فقلت : قد خابت من فعلت ذلك منكن وخسرت ، أتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم ؟ فإذا هي قد هلكت ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت لحفصة : لا تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسأليه شيئاً وسليني ما بدا لك ، ولا يغرنك إن كانت جارتك أوسم منك وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتبسم أخرى ، فقلت يا رسول الله : استأنس قال : نعم . فرفعت رأسي فما رأيت في البيت إلا أهبة ثلاثة فقلت : يا رسول الله أدع الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله ، فاستوى جالساً وقال : أو في شك أنت يا ابن الخطاب أولئك قوم قد عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا ، وكان قد أقسم أن لا يدخل على نسائه شهراً فعاتبه الله في ذلك ، وجعل له كفارة اليمين .

(10/54)


وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت : آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه وحرم فجعل الحرام حلالاً وجعل في اليمين كفارة .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : آلى النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه وحرم ، فأما الحرام فأحله الله له ، وأما الإِيلاء فأمره بكفارة اليمين .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { وإن تظاهرا عليه } خفيفة { عسى ربه إن طلقكن أن يبدله } خفيفة مرفوعة الياء { سائحات } خفيفة الألف .
وأخرج عبد بن حميد ومسلم وابن مردويه عن ابن عباس قال : حدثني عمر بن الخطاب قال : « لما اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه دخلت المسجد ، فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون : طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ، وذلك قبل أن يؤمر بالحجاب ، فقلت : لأعلمن ذلك اليوم ، فدخلت على عائشة فقلت يا بنت أبي بكر ، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : ما لي ولك يا ابن الخطاب . فدخلت على حفصة فقلت لها يا حفصة ، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحبك ، ولولا أنا لطلقك رسول الله ، فبكت أشد البكاء ، فقلت لها : أين رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : هو في خزانته في المشربة . فدخلت ، فإذا أنا برباح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعداً على أسكفة المشربة مدلياً رجليه على نقير من خشب ، وهو جذع يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر ، فناديت : يا رباح استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنظر رباح إلى الغرفة ثم نظر إليّ فلم يقل شيئاً . فقلت يا رباح : استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنظر رباح إلى الغُرفة ثم نظر إليّ فلم يقل شيئاً ، ثم رفعت صوتي ، فقلت : يا رباح . استأذن لي عندك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظن أني جئت من أجل حفصة ، والله لئن أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقها لأضربن عنقها ، ورفعت صوتي فأومأ إليّ بيده أن ارقه ، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على حصير فجلست فإذا عليه إزار ليس عليه غيره ، وإذا الحصير قد أثر في جنبه ، ونظرت في خزانة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ومثلها من قرظ في ناحية الغرفة ، وإذا أفيق معلق فابتدرت عيناي ، فقال : ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ فقلت يا نبي الله : وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك ، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى؟ وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار ، وأنت رسول الله وصفوته وهذه خزانتك . ، قال : يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا ، قلت : بلى ، ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب ، فقلت يا رسول الله : ما يشق عليك من شأن النساء فإن كنت طلقتهن ، فإن الله تعالى معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك ، وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقوله ، ونزلت هذه الآية { عسى ربه أن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير } وكانت عائشة رضي الله عنها بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت يا رسول الله : أطلقتهن؟ قال : لا . قلت يا رسول الله : إني دخلت المسجد والمؤمنون ينكتون الحصى ويقولون : طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ، أفانزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال : نعم إن شئت ، ثم لم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه ، وحتى كشر وضحك وكان من أحسن الناس ثغراً ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت أتشبث بالجذع ، ونزل نبي الله صلى الله عليه وسلم كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده ، فقلت يا رسول الله : إنما كنت في الغرفة تسعاً وعشرين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشهر قد يكون تسعاً وعشرين ، فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي : لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه . قال : ونزلت هذه الآية { وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } [ النساء : 83 ] فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر وأنزل الله آية التخيير » .

(10/55)


قوله تعالى : { وصالح المؤمنين } .
أخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان أبي يقرؤها { وصالح المؤمنين } أبو بكر وعمر .
وأخرج ابن عساكر من طريق عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه في قوله : { وصالح المؤمنين } قال : أبو بكر وعمر رضي الله عنهما .
وأخرج ابن عساكر عن عكرمة وميمون بن مهران مثله .

(10/56)


وأخرج ابن عساكر عن الحسن البصري رضي الله عنه في قوله : { وصالح المؤمنين } قال : عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
وأخرج ابن عساكر عن مقاتل بن سليمان رضي الله عنه في قوله : { وصالح المؤمنين } قال : أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم .
وأخرج ابن عساكر من طريق مالك بن أنس رضي الله عنه عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله : { فقد صغت قلوبكما } قال : مالت ، وفي قوله : { وصالح المؤمنين } قال : الأنبياء عليهم السلام
وأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { وصالح المؤمنين } قال : صلى الله عليه وسلم « » من صالح المؤمنين أبو بكر وعمر « رضي الله عنهما » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في فضائل الصحابة عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله : { وصالح المؤمنين } قال : « صالح المؤمنين أبو بكر وعمر » .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { وصالح المؤمنين } قالا : نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما .
وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن سعيد بن جبير في قوله : { وصالح المؤمنين } قال : نزلت في عمر بن الخطاب خاصة .
وأخرج عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله : { وصالح المؤمنين } قال : صالح المؤمنين أبو بكر وعمر .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عمر وابن عباس في قوله : { وصالح المؤمنين } قالا : نزلت في أبي بكر وعمر .
وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن سعيد بن جبير في قوله : { وصالح المؤمنين } قال : نزلت في عمر خاصة .
وأخرج الحاكم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { وصالح المؤمنين } قال : أبو بكر وعمر .
وأخرج ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن عليّ قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : { وصالح المؤمنين } قال : » هو عليّ بن أبي طالب « » .
وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت عميس : « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { وصالح المؤمنين } قال : » عليّ بن أبي طالب « » .
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس في قوله : { وصالح المؤمنين } قال : هو عليّ بن أبي طالب .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن العلاء بن زياد في قوله : { وصالح المؤمنين } قال : الأنبياء عليهم السلام .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله : { وصالح المؤمنين } قال : الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .

(10/57)


عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (7)

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة وأبي مالك وقتادة في قوله : { قانتات } قال : مطيعات ، وفي قوله : { سائحات } قالوا : صائمات .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قرأ « سيحات » مثقلة بغير ألف .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن بريدة في قوله : { ثيبات وأبكاراً } قال : وعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن يزوّجه بالثيب آسية امرأة فرعون وبالبكر مريم بنت عمران .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في المدخل عن عليّ بن أبي طالب في قوله : { قوا أنفسكم وأهليكم ناراً } قال : علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { قوا أنفسكم وأهليكم ناراً } قال : اعملوا بطاعة الله ، واتقوا معاصي الله ، وأمروا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الضحاك في قوله : { قوا أنفسكم وأهليكم ناراً } قال : وأهليكم فليقوا أنفسهم .
وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أسلم قال : « تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { قوا أنفسكم وأهليكم ناراً } فقالوا : يا رسول الله كيف نقي أهلنا ناراً؟ قال : » تأمرونهم بما يحبه الله وتنهونهم عما يكره الله « » .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله : { قوا أنفسكم وأهليكم ناراً } قال : أدبوا أهليكم .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله : { قوا أنفسكم وأهليكم ناراً } قال : أوصوا أهليكم بتقوى الله .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله : { قوا أنفسكم وأهليكم ناراً } قال : مروهم بطاعة الله ، وانهوهم عن معصية الله .
وأخرج ابن المنذر عن عبد العزيز بن أبي رواد قال : مر عيسى عليه السلام بجبل معلق بين السماء والأرض ، فدخل فيه وبكى وتعجب منه ، ثم خرج منه إلى من حوله ، فسأل : ما قصة هذا الجبل؟ فقالوا : ما لنا به علم ، كذلك أدركنا آباءنا ، فقال : يا رب ، ائذن لهذا الجبل يخبرني ما قصته؟ فأذن له فقال : لما قال الله : { ناراً وقودها الناس والحجارة } اضطربت خفت أن أكون من وقودها ، فأدع الله أن يؤمنني ، فدعا الله تعالى فأمنه ، فقال : الآن قررت ، فقرَّ على الأرض .
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن قدامة في كتاب البكاء والرقة عن محمد بن هاشم قال : « لما نزلت هذه الآية { وقودها الناس والحجارة } قرأها النبي صلى الله عليه وسلم ، فسمعها شاب إلى جنبه ، فصعق ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه في حجره رحمة له ، فمكث ما شاء الله أن يمكث ، ثم فتح عينيه ، فإذا رأسه في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : بأبي أنت وأمي مثل أي شيء الحجر؟ فقال : » أما يكفيك ما أصابك ، على أن الحجر منها لو وضع على جبال الدنيا لذابت منه ، وإن مع كل إنسان منهم حجراً أو شيطاناً والله أعلم « » .

(10/58)


قوله تعالى : { عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم . . . } .
أخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبي عمران الجوني قال : بلغنا أن خزنة النار تسعة عشر ما بين منكب أحدهم مسيرة مائتي خريف ليس في قلوبهم رحمة ، إنما خلقوا للعذاب ، ويضرب الملك منهم الرجل من أهل النار الضربة فيتركه طحناً من لدن قرنه إلى قدمه .
وأخرج ابن جرير عن كعب قال : ما بين منكب الخازن من خزنتها مسيرة ما بين سنة ، مع كل واحد منهم عمود وشعبتان يدفع به الدفعة يصدع في الناس سبعمائة ألف .

(10/59)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (9) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10)

أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد وابن منيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن النعمان بن بشير أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن التوبة النصوح قال : أن يتوب الرجل من العمل السيء ، ثم لا يعود إليه أبداً .
وأخرج أحمد وابن مردويه والبيهقي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « التوبة من الذنب لا تعود إليه أبداً » .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان بسند ضعيف عن أبيّ بن كعب قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن التوبة النصوح فقال : « هو الندم على الذنب حين يفرط منك فتستغفر الله بندامتك عند الحافر ثم لا تعود إليه أبداً » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « قال معاذ بن جبل يا رسول الله : ما التوبة النصوح؟ قال : أن يندم العبد على الذنب الذي أصاب ، فيعتذر إلى الله ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع » .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله : { توبة نصوحاً } قال : التوبة النصوح أن يتوب العبد من الذنب ثم لا يعود إليه أبداً .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { توبة نصوحاً } قال : يتوب ثم لا يعود .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { توبة نصوحاً } قال : هو أن يتوب ثم لا يعود .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه مثله .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { توبة نصوحاً } قال : النصوح الصادقة الناصحة .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : التوبة النصوح تكفر كل سيئة وهو في القرآن ثم قرأ { يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئآتكم } .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ { نصوحاً } برفع النون .
أخرج الحاكم والبيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى } قال : ليس أحد من الموحدين إلا يعطى نوراً يوم القيامة ، فأما المنافق فيطفأ نوره والمؤمن يشفق مما يرى من إطفاء نور المنافق ، فهو يقول : { ربنا أتمم لنا نورنا } .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله : { ربنا أتمم لنا نورنا } قال : قول المؤمنين حين يطفأ نور المنافقين .

(10/60)


أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { فخانتاهما } قال : ما زنتا ، أما خيانة امرأة نوح فكانت تقول للناس : إنه مجنون ، وأما خيانة امرأة لوط ، فكانت تدل على الضيف ، فتلك خيانتها .
وأخرج ابن عساكر عن أشرس الخراساني رضي الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « ما بغت امرأة نبي قط » .
وأخرج ابن عدي والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله : { فخانتاهما } قال : كانتا كافرتين مخالفتين ، ولا ينبغي لامرأة تحت نبي أن تفجر .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ما بغت امرأة نبي قط .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه { فخانتاهما } قال : في الدين .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال : امرأة النبي إذا زنت لم يغفر لها .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { ضرب الله مثلاً } الآية قال : يقول لن يغني صلاح هذين عن هاتين شيئاً وامرأة فرعون لم يضرها كفر فرعون ، والله تعالى أعلم .

(10/61)


وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن سلمان رضي الله عنه قال : كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس ، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها ، وكانت ترى بيتها في الجنة .
وأخرج أبو يعلى والبيهقي بسند صحيح عن أبي هريرة أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد في يديها ورجليها ، فكانوا إذا تفرقوا عنها أظلتها الملائكة عليهم السلام ، فقالت : { رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة } فكشف لها عن بيتها في الجنة .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد ، وأضجعها على صدرها ، وجعل على صدرها رحى ، واستقبل بهما عين الشمس ، فرفعت رأسها إلى السماء فقالت : { رب ابنِ لي عندك بيتاً في الجنة } إلى { الظالمين } ففرج الله عن بيتها في الجنة فرأته .
وأخرج أحمد والطبراني والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون مع ما قصّ الله علينا من خبرهما في القرآن { قالت رب ابنِ لي عندك بيتاً في الجنة } » .
وأخرج وكيع في الغرر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ونجني من فرعون وعمله } قال : من جماعه .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله : { فنفخنا فيه من روحنا } قال : في جيبها ، وفي قوله : { وكانت من القانتين } قال : من المطيعين .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { وصدقت بكلمات ربها } بالألف « وكتابه واحد » .
وأخرج الطبراني عن سعد بن جنادة قال : قال رسو ل الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأة فرعون وأخت موسى » .

(10/62)


تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6)

أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن الضريس والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له { تبارك الذي بيده الملك } » .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه والضياء في المختارة عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « سورة في القرآن خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة { تبارك الذي بيده الملك } » .
وأخرج الترمذي والحاكم وابن مردويه وابن نصر والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : « ضرب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فتاة على قبر وهو لا يحسب أنه قبر ، فإذا هو بإنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » هي المانعة هي المنجية تنجيه من عذاب القبر «
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر « .
وأخرج ابن مردويه عن رافع بن خديج وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : » أنزلت عليّ سورة تبارك وهي ثلاثون آية جملة واحدة « وقال : » هي المانعة في القبور ، وإن قرأءة قل هو الله أحد في صلاة تعدل قراءة ثلث القرآن ، وإن قراءة قل يا أيها الكافرون في صلاة تعدل ربع القرآن ، وإن قراءة إذا زلزلت في صلاة تعدل نصف القرآن « .
وأخرج عبد بن حميد في مسنده واللفظ له والطبراني والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال لرجل : ألا أتحفك بحديث تفرح به؟ قال : بلى ، قال اقرأ { تبارك الذي بيده الملك } وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك ، فإنها المنجية والمجادلة يوم القيامة عند ربها لقارئها ، وتطلب له أن تنجيه من عذاب النار ، وينجو بها صاحبها من عذاب القبر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي « .
وأخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن الزهري عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » إن رجلاً ممن كان قبلكم مات وليس معه شيء من كتاب الله إلا تبارك الذي بيده الملك ، فلما وضع في حفرته أتاه الملك فثارت السورة في وجهه فقال لها : إنك من كتاب الله ، وأنا أكره شقاقك ، وإني لا أملك لك ولا له ولا لنفسي ضراً ولا نفعاً ، فإن أردت هذا به فانطلقي إلى الربّ فاشفعي له ، فانطلقت إلى الرب ، فتقول : يا رب إن فلاناً عمد إليّ من بين كتابك فتعلمني وتلاني ، أفمحرقه أنت بالنار ومعذبه وأنا في جوفه؟ فإن كنت فاعلاً به فامحني من كتابك فيقول : ألا أراك غضبت فتقول : وحق لي أن أغضب ، فيقول : اذهبي فقد وهبته لك ، وشفعتك فيه ، فتجيء سورة الملك فيخرج كاسف البال لم يحل منه شيء فتجيء فتضع فاها على فيه ، فتقول : مرحبا بهذا الفم فربما تلاني ، وتقول : مرحباً بهذا الصدر فربما وعاني ، ومرحباً بهاتين القدمين فربما قامتا بي ، وتؤنسه في قبره مخافة الوحشة عليه «

(10/63)


فلما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث لم يبق صغير ولا كبير ولا حر ولا عبد إلا تعلمها ، وسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم المنجية .
وأخرج ابن الضريس والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال : يؤتى الرجل في قبره فيؤتى من قبل رجليه ، فتقول رجلاه : ليس لكم على ما قبلي سبيل ، قد كان يقوم علينا بسورة الملك ، ثم يؤتى من قبل صدره فيقول : ليس لكم على ما قبلي سبيل قد كان وعى فيّ سورة الملك ، ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول : ليس لكم على ما قبلي سبيل قد كان يقرأ بي سورة الملك ، فهي المانعة تمنع من عذاب القبر ، وهي في التوراة سورة الملك ، من قرأها في ليلة فقد كثر وأطيب .
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند جيد عن ابن مسعود قال : كنا نسميها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم المانعة ، وإنها لفي كتاب الله سورة الملك ، من قرأها في ليلة فقد أكثر وأطيب .
وأخرج أبو عبيد والبيهقي في الدلائل من طريق مرة عن ابن مسعود قال : إن الميت إذا مات أوقدت حوله نيران فتأكل كل نار يليها إن لم يكن له عمل يحول بينه وبينها ، وإن رجلاً مات ولم يكن يقرأ من القرآن إلا سورة ثلاثين آية فأتته من قبل رأسه ، فقالت : إنه كان يقرؤني ، فأتته من قبل رجليه ، فقالت : إنه كان يقوم بي ، فأتته من قبل جوفه فقالت : إنه كان وعاني فأنجته . قال : فنظرت أنا ومسروق في المصحف فلم نجد سورة ثلاثين آية إلا تبارك .
وأخرجه الدارمي وابن الضريس عن مرة مرسلاً .
وأخرج سعيد بن منصور عن عمرو بن مرة قال : كان يقال : إن في القرآن سورة تجادل عن صاحبها في القبر تكون ثلاثين آية فنظروا فوجدوها تبارك .
وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعاً قال : يبعث رجل يوم القيامة لم يترك شيئاً من المعاصي إلا ركبها إلا أنه كان يوحد الله ، ولم يكن يقرأ من القرآن إلا سورة واحدة فيؤمر به إلى النار فطار من جوفه شيء كالشهاب ، فقالت : اللهم إني مما أنزلت على نبيك صلى الله عليه وسلم وكان عبدك هذا يقرؤني ، فما زالت تشفع حتى أدخلته الجنة ، وهي المنجية { تبارك الذي بيده الملك } .

(10/64)


وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن مسعود قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة { سبح اسم ربك الأعلى } [ الأعلى : 1 ] وفي صلاة الصبح يوم الجمعة { ألم تنزيل } [ السجدة : 1 ] و { تبارك الذي بيده الملك } .
وأخرج الديلمي بسند واه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني لأجد في كتاب الله سورة هي ثلاثون آية من قرأها عند نومه كتب له منها ثلاثون حسنة ، ومحي عنه ثلاثون سيئة ، ورفع له ثلاثون درجة ، وبعث الله إليه ملكاً من الملائكة ليبسط عليه جناحه ويحفظه من كل شيء حتى يستيقظ ، وهي المجادلة تجادل عن صاحبها في القبر ، وهي { تبارك الذي بيده الملك } » .
وأخرج الديلمي بسند واه عن أنس رضي الله عنه رفعه « لقد رأيت عجباً ، رأيت رجلاً مات كان كثير الذنوب مسرفاً على نفسه ، فكلما توجه إليه العذاب في قبره من قبل رجليه أو من قبل رأسه أقبلت السورة التي فيها الطير تجادل عنه العذاب ، أنه كان يحافظ عليّ ، وقد وعدني ربي أنه من واظب عليّ أن لا يعذبه ، فانصرف عنه العذاب بها وكان المهاجرون والأنصار يتعلمونها ويقولون : » المغبون من لم يتعلمها وهي سورة الملك « .
وأخرج ابن الضريس عن مرة الهمداني قال : أتى رجل من جوانب قبره فجعلت سورة من القرآن ثلاثون آية تجادل عنه حتى منعته من عذاب القبر ، فنظرت أنا ومسروق فلم نجدها إلا تبارك .
وأخرج ابن مردويه من طريق أبي الصباح عن عبد العزيز عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » دخل رجل الجنة بشفاعة سورة من القرآن ، وما هي إلا ثلاثون آية تنجيه من عذاب القبر { تبارك الذي بيده الملك } « .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ { ألم تنزيل } السجدة و { تبارك الذي بيده الملك } كل ليلة لا يدعها في سفر ولا حضر .
قوله تعالى : { تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة } الآيتين .
أخرج ابن عساكر عن عليّ رضي الله عنه مرفوعاً » كلمات من قالهن عن وفاته دخل الجنة لا إله إلا الله الحليم الكريم ثلاث مرات ، الحمد لله رب العالمين ثلاث مرات ، { تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير } « .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن السدي في قوله : { الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً } قال : أيكم أحسن للموت ذكراً ، وله استعداداً ، ومنه خوفاً وحذراً .

(10/65)


وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { الذي خلق الموت والحياة } قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن الله أذل بني آدم بالموت وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت ، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { الذي خلق الموت والحياة } قال : الحياة فرس جبريل عليه السلام ، والموت كبش أملح .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال : خلق الله الموت كبشاً أملح مستتراً بسواد وبياض له أربعة أجنحة ، جناح تحت العرش ، وجناح في الثرى ، وجناح في المشرق وجناح في المغرب .
أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله : { سبع سماوات طباقاً } قال : بعضها فوق بعض .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج مثله .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت } قال : ما يفوت بعضه بعضاً ، مفاوت : مفرق .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله : { ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت } قال : من اختلاف { فارجع البصر هل ترى فطور } قال : من خلل { ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً } قال : صاغراً { وهو حسير } قال : يعني لا ترى في خلق الرحمن تفاوتاً ولا خللاً .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود أنه قرأ « ما ترى في خلق الرحمن من تفوت » .
وأخرج سعيد بن منصور عن علقمة أنه كان يقرأ « ما ترى في خلق الرحمن من تفوت » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { من تفاوت } قال : تشقق ، وفي قوله : { هل ترى من فطور } قال : شقوق وفي قوله : { خاسئاً } قال : ذليلاً { وهو حسير } قال : كليل .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : الفطور الوهي .
وأخرج ابن المنذر عن السدي في قوله : { من فطور } قال : من خلل .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { من فطور } قال : تشقق أو خلل ، وفي قوله : { ينقلب إليك البصر خاسئاً } قال : يرجع إليك { خاسئاً } قال : صاغراً { وهو حسير } قال : يعي ولا يرى شيئاً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس { خاسئاً } قال : ذليلاً { وهو حسير } قال : مترجع .

(10/66)