صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور |
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { كزرعٍ أخرج شطأه } قال : ما يخرج بجنب كتابه الجعلة فيتم وينمو . { فآزره } قال : فشده وأعانه { على سوقه } قال : على أصوله . (9/238)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن خيثمة قال : قرأ رجل على عبد الله سورة الفتح فلما بلغ { كزرعٍ أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار } قال : ليغيظ الله بالنبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه الكفار ، ثم قال : أنتم الزرع وقد دنا حصاده .
وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة في قوله { ليغيظ بهم الكفار } قالت : أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمروا بالإِستغفار لهم فسبوهم .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1)
أخرج البخاري وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال : قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر : أمر القعقاع بن معبد ، وقال عمر : بل أمر الأقرع بن حابس ، فقال أبو بكر ما أردت إلا خلافي ، فقال عمر : ما أردت خلافك ، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما ، فأنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } حتى انقضت الآية . (9/239)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس في قوله { لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } قال : لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : ذكر لنا أن ناساً كانوا يقولون : لو أنزل في كذا وكذا الوضع كذا وكذا ، فكره الله ذلك وقدم فيه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } قال : نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه أن ناساً ذبحوا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر ، فأمرهم أن يعيدوا ذبحاً فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الأضاحي عن الحسن رضي الله عنه قال : ذبح رجل قبل الصلاة فنزلت .
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله في قوله { لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } قال : لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم .
وأخرج ابن النجار في تاريخه عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان أناس يتقدمون بين يدي رمضان بصيام يعني يوماً أو يومين فأنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أن ناساً كانوا يتقدمون الشهر فيصومون قبل النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } .
وأخرج سعيد بن منصور عن الضحاك أنه قرأ { لا تقدموا } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله { لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } قال : لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى يقضي الله على لسانه . قال الحفاظ : هذا التفسير على قراءة « تقدموا » بفتح التاء والدال .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3)
أخرج البخاري وابن المنذر والطبراني عن ابن أبي مليكة قال : كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس وأشار الآخر برجل آخر ، فقال أبو بكر لعمر : ما أردت إلا خلافي ، قال : ما أردت خلافك ، فارتفعت أصواتهما في ذلك فأنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } الآية . قال ابن الزبير : فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه . (9/240)
وأخرجه الترمذي من طريق ابن أبي مليكة قال : حدثني عبد الله بن الزبير به .
وأخرج ابن جرير والطبراني من طريق ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير أن الأقرع بن حابس قدم على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو بكر : يا رسول الله استعمله على قومه ، فقال عمر : لا تستعمله يا رسول الله . فتكلما عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى ارتفعت أصواتهما ، فقال أبو بكر لعمر : ما أردت الا خلافي ، قال : ما أردت خلافك ، فنزلت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } فكان عمر بعد ذلك إذا تكلم عند النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمع كلامه حتى يستفهمه .
وأخرج البزار وابن عدي والحاكم وابن مردويه عن أبي بكر الصديق قال : لما نزلت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } قلت يا رسول الله : والله لا أكلمك إلا كأخي السرار .
وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال : لما نزلت { إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله } قال أبو بكر : والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي السرار حتى ألقى الله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال : كانوا يجهرون له بالكلام ويرفعون أصواتهم ، فأنزل الله { لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله { ولا تجهروا له بالقول } الآية قال : لا تنادوه نداء ولكن قولوا قولاً ليناً يا رسول الله .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو يعلى والبغوي في معجم الصحابة وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس قال : « لما نزلت { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } إلى قوله { وأنتم لا تشعرون } وكان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت فقال : أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم حبط عملي أنا من أهل النار ، وجلس في بيته حزيناً ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له : فقدك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك؟ قال : أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم وأجهر له بالقول ، حبط عملي ، أنا من أهل النار ، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بذلك فقال : لا بل هو من أهل الجنة ، فلما كان يوم اليمامة قتل » .
وأخرج ابن جرير والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس قال : « لما نزلت هذه الآية { لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول } قعد ثابت رضي الله عنه في الطريق يبكي فمرّ به عاصم بن عدي بن العجلان فقال : ما يبكيك يا ثابت؟ قال : هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت فيَّ وأنا صيّت رفيع الصوت ، فمضى عاصم بن عدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبره فقال : اذهب فأدعه لي فجاء فقال : ما يبكيك يا ثابت؟ فقال : أنا صيّت وأتخوّف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما ترضى أن تعيش حميداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنة؟ قال : رضيت ولا أرفع صوتي أبداً على صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : وأنزل الله تعالى { إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله } » الآية . (9/241)
وأخرج ابن حبان والطبراني وأبو نعيم في المعرفة عن إسمعيل بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري « أن ثابت بن قيس قال : يا رسول الله : لقد خشيت أن أكون قد هلكت . قال : لمَ؟ قال : يمنع الله المرء أن يحمد بما لم يفعل وأجدني أحب الحمد ، وينهى عن الخيلاء وأجدني أحب الجمال ، وينهى أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا جهير الصوت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ثابت أما ترضى أن تعيش حميداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنة؟ » قال الحافظ ابن حجر في الأطراف : هكذا أخرجه ابن حبان بهذا السياق وليس فيه ما يدل على أن إسمعيل سمعه من ثابت ، فهو منقطع ، ورواه مالك رضي الله عنه في الموطأ عن ابن شهاب عن إسمعيل عن ثابت أنه قال فذكره ولم يذكره من رواة الموطأ أحد إلا سعيد بن عفير وحده وقال : قال مالك : قتل ثابت بن قيس يوم اليمامة . قال ابن حجر رضي الله عنه : فلم يدركه إسمعيل ، فهو منقطع قطعاً ، إنتهى .
وأخرج ابن جرير عن شمر بن عطية رضي الله عنه قال : « جاء ثابت بن قيس بن شماس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محزون ، فقال : يا ثابت ما الذي أرى بك؟ قال : آية قرأتها الليلة فأخشى أن يكون قد حبط عملي { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } وكان في أذنه صمم ، فقال : أخشى أن أكون قد رفعت صوتي وجهرت لك بالقول ، وأن أكون قد حبط عملي وأنا لا أشعر . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إمشِ على الأرض نشيطاً فإنك من أهل الجنة » .
وأخرج البغوي وابن قانع في معجم الصحابة عن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس عن ثابت بن قيس بن شماس قال : « لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } قعدت في بيتي ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : تعيش حميداً وتقتل شهيداً ، فقتل يوم اليمامة » . (9/242)
وأخرج البغوي وابن المنذر والطبراني والحاكم وابن مردويه والخطيب في المتفق والمفترق عن عطاء الخراساني قال : قدمت المدينة فلقيت رجلاً من الأنصار . قلت : حدثني حديث ثابت بن قيس بن شماس . قال : قم معي فانطلقت معه حتى دخلت على امرأة ، فقال الرجل : هذه ابنة ثابت بن قيس بن شماس فاسألها عما بدا لك . فقلت : حدثيني . قالت : سمعت أبي يقول : لما أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم { يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } الآية دخل بيته وأغلق عليه بابه وطفق يبكي ، ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما شأن ثابت؟ فقالوا : يا رسول الله ما ندري ما شأنه غير أنه قد أغلق عليه باب بيته فهو يبكي فيه . فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله : ما شأنك؟ قال : يا رسول الله : أنزل الله عليك هذه الآية ، وأنا شديد الصوت فأخاف أن أكون قد حبط عملي . فقال : لست منهم ، بل تعيش بخير وتموت بخير . قالت : ثم أنزل الله على نبيه { إن الله لا يحب كل مختالٍ فخور } ، فأغلق عليه بابه وطفق يبكي فيه فافتقده رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ثابت ما شأنه؟ قالوا : يا رسول الله ، والله ما ندري ما شأنه غير أنه قد أغلق عليه بابه وطفق يبكي فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما شأنك؟ قال : يا رسول الله : أنزل الله عليك { إن الله لا يحب كل مختالٍ فخورٍ } والله إني لأحب الجمال وأحب أن أسود قومي ، قال : لست منهم بل تعيش حميداً وتقتل شهيداً ويدخلك الله الجنة بسلام . قالت : فلما كان يوم اليمامة خرج مع خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذاب فلما لقي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انكشفوا فقال ثابت لسالم مولى أبي حذيفة ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم حفر كل منهما لنفسه حفرة ، وحمل عليهم القوم ، فثبتا حتى قتلا وكانت على ثابت يومئذ درع له نفيسة فمر به رجل من المسلمين فأخذها فبينا رجل من المسلمين نائم إذ أتاه ثابت بن قيس في منامه فقال له : إني أوصيك بوصية إياك أن تقول هذا حلم فتضيعه إني لما قتلت أمس مر بي رجل من المسلمين فأخذ درعي ومنزله في أقصى العسكر وعند خبائه فرس يستن في طوله وقد كفا على الدرع برمة وجعل فوق البرمة رحلاً فائتِ خالد بن الوليد فمره أن يبعث إلى درعي فيأخذها ، وإذا قدمت على خليفة رسول الله فأخبره أن عليَّ من الدين كذا وكذا ولي من الدين كذا وكذا ، وفلان من رقيقي عتيق ، وفلان فإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه .
فأتى الرجل خالد بن الوليد فأخبره ، فبعث إلى الدرع فنظر إلى خباء في أقصى العسكر فإذا عنده فرس يستن في طوله فنظر في الخباء فإذا ليس فيه أحد فدخلوا فدفعوا الرجل فإذا تحته برمة ثم رفعوا البرمة فإذا الدرع تحتها ، فأتوا به خالد بن الوليد . فلما قدموا المدينة حدّث الرجل أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته بعد موته ، ولا يعلم أحد من المسلمين جوّزت وصيته بعد موته غير ثابت بن قيس بن شماس . (9/243)
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله { لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي } الآية ، قال : نزلت في قيس بن شماس .
وأخرج الترمذي وابن حبان وابن مردويه « عن صفوان بن عسال رضي الله عنه أن رجلاً من أهل البادية أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يناديه بصوت له جهوري : يا محمد يا محمد ، فقلنا : ويحك أخفض من صوتك فإنك قد نهيت عن هذا ، قال : لا والله حتى أسمعه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هاؤم ، قال : أرأيت رجلاً يحب قوماً ولم يلحق بهم ، قال : المرء مع من أحب » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما أنزل الله { أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : منهم ثابت بن قيس بن شماس « .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { امتحن } قال : أخلص .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال : أخلص الله قلوبهم فيما أحب .
وأخرج أحمد في الزهد عن مجاهد قال : كتب إلى عمر رضي الله عنه : يا أمير المؤمنين رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها أفضل أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها؟ فكتب عمر رضي الله عنه : إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها { أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم } .
وأخرج الحكيم الترمذي عن مكحول قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » نفس ابن آدم شابة ولو التقت ترقوتاه من الكبر إلا من امتحن الله قلبه للتقوى وقليل ما هم « .
وأخرج ابن المبارك في الزهد عن أبي الدرداء قال : لا تزال نفس أحدكم شابة من حب الشيء ولو التقت ترقوتاه من الكبر إلا الذين امتحن الله قلوبهم وقليل ما هم .
إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)
أخرج أحمد وابن جرير وأبو القاسم البغوي وابن مردويه والطبراني بسند صحيح من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن « عن الأقرع بن حابس أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد أخرج إلينا ، فلم يجبه ، فقال : يا محمد إن حمدي زين ، وإن ذمي شين . فقال : ذاك الله ، فأنزل الله { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات } » قال ابن منيع : لا أعلم روي للأقرع سند غير هذا . (9/244)
وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم « عن البراء بن عازب في قوله { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون } قال : جاء رجل فقال : يا محمد إن حمدي زين وإن ذمي شين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : » ذاك الله « » .
وأخرج ابن راهويه ومسدد وأبو يعلى والطبراني وابن جرير وابن أبي حاتم بسند حسن عن زيد بن أرقم قال : « اجتمع ناس من العرب فقالوا : انطلقوا إلى هذا الرجل فإن يك نبياً فنحن أسعد الناس به ، وإن يك ملكاً نعش بجناحه ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما قالوا فجاؤوا إلى حجرته ، فجعلوا ينادونه : يا محمد فأنزل الله { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون } فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني ، وجعل يقول : لقد صدق الله قولك يا زيد ، لقد صدق الله قولك » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه « أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد إن مدحي زين وإن شتمي شين ، فقال صلى الله عليه وسلم : » ذاك هو الله « فنزلت { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون } » .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : أخبرت عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أن تميماً ورجلاً من بني أسد بن خزيمة إستبّا فقال الأسدي : { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات } أعراب بني تميم فقال سعيد رضي الله عنه : لو كان التميمي فقيهاً إن أولها في بني تميم وآخرها في بني أسد .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن حبيب بن أبي عمرة قال : كان بيني وبين رجل من بني أسد كلام ، فقال الأسدي { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات } بني تميم { أكثرهم لا يعقلون } فذكرت ذلك لسعيد بن جبير قال : أفلا تقول لبني أسد قال الله { يمنون عليك أن أسلموا } فإن العرب لم تسلم حتى قوتلت ، ونحن أسلمنا بغير قتال فأنزل الله هذا فيهم .
وأخرج عبد بن حميد من طريق قتادة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : قال رجل من بني أسد لرجل من بني تميم وتلا هذه الآية { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم } بني تميم { لا يعقلون } فلما قام التميمي وذهب قال سعيد بن جبير : أما إن التميمي لو يعلم ما أنزل في بني أسد لتكلم ، قلنا : ما أنزل فيهم؟ قال : جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا قد أسلمنا طائعين ، وإن لنا حقاً فأنزل الله { يمنون عليك أن أسلموا } الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات } قال : أعراب من بني تميم . (9/245)
وأخرج ابن منده وابن مردويه من طريق يعلى بن الأشدق عن سعد بن عبد الله « أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله : { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون } قال : » هم الجفاة من بني تميم لولا أنهم من أشد الناس قتالاً للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم « » .
وأخرج ابن إسحق وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « قدم وفد بني تميم وهم سبعون رجلاً أو ثمانون رجلاً منهم الزبرقان بن بدر وعطارد بن معبد وقيس بن عاصم وقيس بن الحارث وعمرو بن أهتم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانطلق معهم عيينة بن حصن بن بدر الفزاري وكان يكون في كل سدة حتى أتوا منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادوه من وراء الحجرات بصوت جافٍ يا محمد أخرج إلينا يا محمد أخرج إلينا يا محمد أخرج إلينا ، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد إن مدحنا زين وإن شتمنا شين ، نحن أكرم العرب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » كذبتم بل مدحة الله الزين وشتمه الشين وأكرم منكم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم « فقالوا : إنا أتيناك لنفاخرك ، فذكره بطوله وقال في آخره : فقام التميميون ، فقالوا : والله إن هذا الرجل لمصنوع له ، لقد قام خطيبه فكان أخطب من خطيبنا ، وقال شاعره فكان أشعر من شاعرنا قال : ففيهم أنزل الله { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات } من بني تميم { أكثرهم لا يعقلون } قال : هذا كان في القراءة الأولى { ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم } » .
وأخرج ابن سعد والبخاري في الأدب وابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن رضي الله عنه قال : كنت أدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه فأتناول سقفها بيدي .
وأخرج البخاري في الأدب وابن أبي الدنيا والبيهقي عن داود بن قيس قال : رأيت الحجرات من جريد النخل مغشى من خارج بمسوح الشعر ، وأظن عرض البيت من باب الحجرة إلى باب البيت نحواً من ستة أو سبعة أذرع واحزر البيت الداخل عشرة أذرع ، وأظن سمكه بين الثمان والسبع .
وأخرج ابن سعد عن عطاء الخراساني قال : أدركت حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ يأمر بإدخال حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيت يوماً أكثر باكياً من ذلك اليوم ، فسمعت سعيد بن المسيب رضي الله عنه يقول يومئذ : والله لوددت أنهم تركوها على حالها ينشأ ناس من أهل المدينة ويقدم القادم من أهل الأفق فيرى ما اكتفى به رسول الله في حياته ، فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر فيها ، وقال يومئذ أبو أمامة بن سهل بن حنيف : ليتها تركت فلم تهدم حتى يقصر الناس عن البناء ويرون ما رضي الله لنبيه ومفاتيح خزائن الدنيا بيده . (9/246)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8)
أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وابن مردويه بسند جيد « عن الحارث بن ضرار الخزاعي قال : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإِسلام ، فدخلت فيه وأقررت به ، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها ، قلت يا رسول الله : ارجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإِسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته وترسل إليَّ يا رسول الله رسولاً يبان كذا وكذا ليأتيك ما جمعت من الزكاة ، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الابان الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه إحتبس الرسول فلم يأتِ فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله ورسوله فدعا بسروات قومه فقال لهم : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وقت لي وقتاً يرسل إليَّ رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة ، وليس من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلف ، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطه فانطلقوا فنأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة ، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي ، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم البعث إلى الحارث فأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا : هذا الحارث فلما غشيهم قال لهم : إلى من بعثتم؟ قالوا : إليك ، قال : ولم؟ قالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله . قال : لا والذي بعث محمداً بالحق ما رأيته ولا أتاني ، فما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟ قال : لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا رآني وما أقبلت إلا حين احتبس عليَّ رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم خشيت أن تكون كانت سخطة من الله ورسوله ، فنزل { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبإ فتبينوا } إلى قوله { حكيم } » . (9/247)
وأخرج الطبراني وابن منده وابن مردويه عن علقمة بن ناجية قال : بعث إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط يصدق أموالنا فسار حتى إذا كان قريباً منا وذلك بعد وقعة المريسيع رجع فركبت في أثره فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله أتيت قوماً في جاهليتهم أخذوا اللباس ومنعوا الصدقة فلم يغير ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنزلت الآية { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبإ } فأتى المصطلقون إلى النبي صلى الله عليه وسلم أثر الوليد بطائفة من صدقاتهم .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله قال : « بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى بني وكيعة وكانت بينهم شحناء في الجاهلية ، فلما بلغ بني وكيعة استقبلوه لينظروا ما في نفسه فخشي القوم فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن بني وكيعة أرادوا قتلي ومنعوني الصدقة ، فلما بلغ بني وكيعة الذي قال الوليد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله لقد كذب الوليد . قال : وأنزل الله في الوليد { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ } » الآية . (9/248)
وأخرج ابن راهويه وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : بعث النبي صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق يصدق أموالهم فسمع بذلك القوم فتلقوه يعظمون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله ، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن بني المصطلق منعوا صدقاتهم ، فبلغ القوم رجوعه ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله بعثت إلينا رجلاً مصدقاً فسررنا لذلك وقرت أعيننا ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضباً من الله ورسوله ونزلت { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبإ } الآية .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في سننه وابن عساكر عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات وأنه لما أتاهم الخبر فرحوا وخرجوا ليتلقوا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه لما حدث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه رجع فقال : يا رسول الله إن بني المصطلق قد منعوني الصدقة . فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك غضباً شديداً ، فبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد فقالوا : يا رسول الله إنا حدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق ، وأنا خشينا أن يكون إنما رده كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبإ } الآية .
وأخرج آدم وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد قال : أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليصدقهم فتلقوه بالهدنة ، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن بني المصطلق جمعوا لك ليقاتلوك ، فأنزل الله { إن جاءكم فاسقٌ بنبإ فتبينوا } .
أخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم : الوليد بن عقبة إلى بني وكيعة وكانت بينهم شحناء في الجاهلية فلما بلغ بني وكيعة استقبلوه لينظروا ما في نفسه فخشي القوم فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن بني وكيعة أرادوا قتلي ومنعوني الصدقة . فلما بلغ بني وكيعة الذي قال لهم الوليد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوا رسول الله قالوا : يا رسول الله لقد كذب الوليد ، ولكن كانت بينه وبيننا شحناء فخشينا أن يكافئنا بالذي كان بيننا فأنزل الله في الوليد { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا } الآية . (9/249)
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله إن بني فلان - حياً من أحياء العرب - وكان في نفسه عليهم شيء ، وكانوا حديثي عهد بالإِسلام قد تركوا الصلاة وارتدوا وكفروا بالله . قال : فلم يعجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودعا خالد بن الوليد ، فبعثه إليهم ثم قال : ارمقهم عند الصلاة فإن كان القوم قد تركوا الصلاة فشأنك بهم وإلا فلا تعجل عليهم . قال : فدنا منهم عند غروب الشمس ، فكمن حيث يسمع الصلاة ، فرمقهم فإذا هو بالمؤذن قد قام حين غربت الشمس فأذن ثم أقام الصلاة فصلوا المغرب ، فقال خالد بن الوليد : ما أراهم إلا يصلون فلعلهم تركوا غير هذه الصلاة ثم كمن حتى إذا الليل وغاب الشفق أذن مؤذنهم فصلوا . قال : فلعلهم تركوا صلاة أخرى ، فكمن حتى إذا كان في جوف الليل فتقدم حتى أظل الخيل بدورهم فإذا القوم تعلموا شيئاً من القرآن فهم يتهجدون به من الليل ويقرأونه ، ثم أتاهم عند الصبح فإذا المؤذن حين طلع الفجر قد أذن ثم أقام فقاموا فصلوا ، فلما انصرفوا وأضاء لهم النهار إذا هم بنواصي الخيل في ديارهم فقالوا : ما هذا؟ قالوا : هنا خالد بن الوليد ، وكان رجلاً مشنعاً ، فقالوا يا خالد : ما شأنك؟ قال : أنتم والله شأني أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له إنكم كفرتم بالله وتركتم الصلاة ، فجعلوا يبكون ، فقالوا : نعوذ بالله أن نكفر بالله أبداً . قال : فصرف الخيل وردها عنهم حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوماً } قال الحسن : فوالله لئن كانت نزلت في هؤلاء القوم خاصة إنها المرسلة إلى يوم القيامة ما نسخها شيء .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق يصدقهم فلم يبلغهم ، ورجع فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنهم عصوا ، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجهز إليهم إذ جاء رجل من بني المصطلق ، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : سمعنا أنك أرسلت إلينا ففرحنا به واستبشرنا به وإنه لم يبلغنا رسولك ، وكذب .
فأنزل الله فيه وسماه فاسقاً { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ } الآية . (9/250)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ } قال : هو ابن أبي معيط الوليد بن عقبة بعثه نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق مصدقاً ، فلما أبصروه أقبلوا نحوه فهابهم ، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإِسلام فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد وأمره بأن تثبت ولا تعجل ، فانطلق حتى أتاهم ليلاً فبعث عيونه ، فلما جاءهم أخبروه أنهم متمسكون بالإِسلام وسمع أذانهم وصلاتهم فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى ما يعجبه فرجع إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وأخبره الخبر ، فأنزل الله في ذلك القرآن ، فكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول : « التأني من الله والعجلة من الشيطان » .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله { إن جاءكم فاسق بنبإ } الآية قال : إذا جاءك فحدثك أن فلاناً إن فلانة يعملون كذا وكذا من مساوىء الأعمال فلا تصدقه .
أما قوله تعالى : { واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم } .
أخرج عبد بن حميد والترمذي وصححه وابن مردويه عن أبي نضرة قال : قرأ أبو سعيد الخدري { واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم } قال : هذا نبيكم يوحى إليه وخيار أمتكم لو أطاعهم في كثير من الأمر لعنتوا فكيف بكم اليوم؟
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكرنا أنفسنا وكيف لا ننكر أنفسنا والله يقول { واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم } قال : هؤلاء أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم لو أطاعهم نبي الله في كثير من الأمر لعنتوا فأنتم والله أسخف قلباً وأطيش عقولاً . فاتّهم رجل رأيه ، وانتصح كتاب الله فإن كتاب الله ثقة لمن أخذ به وانتهى إليه وإن ما سوى كتاب الله تغرير .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم } يقول : لأعنت بعضكم بعضاً .
أما قوله تعالى : { ولكن الله حبب إليكم الإِيمان } .
أخرج أحمد والبخاري في الأدب والنسائي والحاكم وصححه عن رفاعة بن رافع الزرقي قال :
« لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون قال النبي صلى الله عليه وسلم : » استووا حتى أثني على ربي ، فصاروا خلفه صفوفاً فقال : اللهم لك الحمد كله ، اللهم لا قابض لما بسطت ، ولا باسط لما قبضت ، ولا هادي لما أضللت ، ولا مضل لما هديت ، ولا معطي لما منعت ، ولا مانع لما أعطيت ، ولا مقرب لما بعدت ، ولا مباعد لما قربت ، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول ، اللهم إني أسألك النعيم يوم العيلة والأمن يوم الخوف ، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا ، اللهم حبب إلينا الإِيمان وزينه في قلوبنا ، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان ، واجعلنا من الراشدين ، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين ، غير خزايا ولا مفتونين ، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك ، واجعل عليهم رجزك وعذابك ، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب يا إله الحق « » . (9/251)
وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)
أخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس قال : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : لو أتيت عبد الله بن أُبي ، فانطلق وركب حماراً ، وانطلق المسلمون يمشون وهي أرض سبخة ، فلما انطلق إليهم قال : إليك عني فوالله لقد آذاني ريح حمارك ، فقال رجل من الأنصار : والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك ، فغضب لعبد الله رجال من قومه ، فغضب لكل منهما أصحابه فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال ، فأنزل فيهم { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } . (9/252)
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك قال : تلاحى رجلان من المسلمين ، فغضب قوم هذا لهذا وهذا لهذا فاقتتلوا بالأيدي والنعال فأنزل الله : { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : إن الأوس والخزرج كان بينهما قتال بالسيف والنعال ، فأنزل الله { وإن طائفتان } الآية .
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : كانت تكون الخصومة بين الحيين فيدعوهم إلى الحكم فيأبون أن يجيؤا ، فأنزل الله { وإن طائفتان } الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال : ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مماراة في حق بينهما ، فقال أحدهما للآخر : لآخذن عنوة - لكثرة عشيرته - وإن الآخر دعاه ليحاكمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأبى ، فلم يزل الأمر حتى تدافعوا ، وحتى تناول بعضهم بعضاً بالأيدي والنعال ، ولم يكن قتال بالسيوف .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : كان رجل من الأنصار يقال له عمران تحته امرأة يقال لها أم زيد ، وأنها أرادت أن تزور أهلها فحبسها زوجها وجعلها في علية له لا يدخل عليها أحد من أهلها ، وإن المرأة بعثت إلى أهلها فجاء قومها فأنزلوها لينطلقوا بها ، وكان الرجل قد خرج فاستعان أهل الرجل ، فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وبين أهلها ، فتدافعوا واجتلدوا بالنعال ، فنزلت فيهم هذه الآية { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم ، وفاؤوا إلى أمر الله .
وأخرج الحاكم والبيهقي وصححه عن ابن عمر قال : ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدت من هذه الآية ، إني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن حبان السلمي قال : سألت ابن عمر عن قوله { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } وذلك حين دخل الحجاج الحرم فقال لي : عرفت الباغية من المبغي عليها فوالذي نفسي بيده لو عرفت المبغية ما سبقتني أنت ولا غيرك إلى نصرها ، أفرأيت إن كانت كلتاهما باغيتين فدع القوم يقتتلون على دنياهم ، وارجع إلى أهلك ، فإذا استمرت الجماعة فادخل فيها .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال : إن الله أمر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إذا اقتتلت طائفة من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله ، وينصف بعضهم من بعض ، فإن أجابوا حكم فيهم بكتاب الله حتى ينصف المظلوم من الظالم ، فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ ، وحق على إمام المؤمنين والمؤمنين أن يقاتلوهم حتى يفيئوا إلى أمر الله ويقروا بحكم الله . (9/253)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } قال : الأوس والخزرج اقتتلوا بينهم بالعصي .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } قال : الطائفة من الواحد إلى الألف ، وقال : إنما كانا رجلين اقتتلا .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } قال : كان قتالهم بالنعال والعصي فأمرهم أن يصلحوا بينهما .
أما قوله تعالى : { إن الله يحب المقسطين } .
أخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور على يمين العرش الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا » .
وأخرج ابن أبي شيبة من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ يوم القيامة بين يدي الرحمن بما أقسطوا في الدنيا » .
قوله تعالى : { إنما المؤمنون أخوة } الآية .
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن سيرين رضي الله عنه أنه كان يقرأ { إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم } بالياء .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ { فأصلحوا بين أخويكم } بالياء .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما رأيت مثل ما رغبت عنه في هذه الآية { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } الآية .
وأخرج أحمد عن فهيد بن مطرف الغفاري رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله سائل إن عدا علي عادٍ فأمره أن ينهاه ثلاث مرات ، قال : فإن لم ينته فأمره بقتاله ، قال : فكيف بنا؟ قال : إن قتلك فأنت في الجنة ، وإن قتلته فهو في النار » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا } إلى قوله { فقاتلوا التي تبغي } قال : بالسيف ، قيل : فما قتلاهم؟ قال : شهداء مرزوقين ، قيل : فما حال الأخرى أهل البغي؟ قال : من قتل منهم إلى النار .
وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « سيكون بعدي أمراء يقتتلون على الملك يقتل بعضهم بعضاً » .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)
أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم } قال : نزلت في قوم من بني تميم استهزأوا من بلال وسلمان وعمار وخباب وصهيب وابن فهيرة وسالم مولى أبي حذيفة . (9/254)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { لا يسخر قوم من قوم } قال : لا يستهزىء قوم بقوم إن يكن رجلاً غنياً أو فقيراً [ 7 ] أو يعقل رجل عليه فلا يستهزىء به .
أما قوله تعالى : { ولا تلمزوا أنفسكم } .
أخرج عبد بن حميد والبخاري في الأدب وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولا تلمزوا أنفسكم } قال : لا يطعن بعضكم على بعض .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد { ولا تلمزوا أنفسكم } قال : لا يطعن بعضكم على بعض .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه { ولا تلمزوا أنفسكم } قال : لا تطعنوا .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ { ولا تلمزوا أنفسكم } بنصب التاء وكسر الميم .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { ولا تلمزوا أنفسكم } قال : اللمز الغيبة .
أما قوله تعالى : { ولا تنابزوا بالألقاب } .
أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر والبغوي في معجمه وابن حبان والشيرازي في الألقاب والطبراني وابن السني في عمل اليوم والليلة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي جبيرة بن الضحاك رضي الله عنه قال : فينا نزلت في بني سلمة { ولا تنابزوا بالألقاب } قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس فينا رجل إلا وله إسمان أو ثلاثة فكان إذا دعا أحدهم باسم من تلك الأسماء قالوا يا رسول الله إنه يكره هذا الإِسم ، فأنزل الله { ولا تنابزوا بالألقاب } .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولا تنابزوا بالألقاب } قال : كان هذا الحي من الأنصار قل رجل منهم إلا وله إسمان أو ثلاثة فربما دعا النبي صلى الله عليه وسلم الرجل منهم ببعض تلك الأسماء ، فيقال يا رسول الله إنه يكره هذا الاسم ، فأنزل الله { ولا تنابزوا بالألقاب } .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء { ولا تنابزوا بالألقاب } قال : إن يسميه بغير اسم الإِسلام يا خنزير يا كلب يا حمار .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { ولا تنابزوا بالألقاب } قال : التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب منها وراجع الحق فنهى الله أن يعير بما سلف من عمله .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود { ولا تنابزوا بالألقاب } قال : أن يقول إذا كان الرجل يهودياً فأسلم يا يهودي يا نصراني يا مجوسي ، ويقول للرجل المسلم يا فاسق . (9/255)
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن في الآية قال : كان اليهودي يسلم فيقال له يا يهودي ، فنهوا عن ذلك .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة { ولا تنابزوا بالألقاب } قال : لا تقل لأخيك المسلم يا فاسق يا منافق .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة { ولا تنابزوا بالألقاب } قال : هو قول الرجل للرجل يا فاسق يا منافق .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي العالية في الآية ، قال : هو قول الرجل لصاحبه يا فاسق يا منافق .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد { ولا تنابزوا بالألقاب } قال : يدعى الرجل بالكفر وهو مسلم .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن { بئس الإِسم الفسوق بعد الإِيمان } قال : أن يقول الرجل لأخيه يا فاسق .
وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي { بئس الإِسم الفسوق بعد الإِيمان } قال : الرجل يكون على دين من هذه الأديان فيسلم فيدعوه بدينه الأول يا يهودي يا نصراني .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من قال لأخيه كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه » .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن } قال : نهى الله المؤمن أن يظن بالمؤمن سوءاً . (9/256)
وأخرج مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخواناً ، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك » .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أساء بأخيه الظن فقد أساء بربه إن الله يقول { اجتنبوا كثيراً من الظن } » .
وأخرج ابن مردويه عن طلحة بن عبد الله : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « إن الظن يخطىء ويصيب » .
وأخرج ابن ماجة عن ابن عمر قال : « رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول : » ما أطيبك وأطيب ريحك ، ما أعظمك وأعظم حرمتك ، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ، ماله ودمه وأن يظن به إلا خيراً « .
وأخرج أحمد في الزهد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً .
وأخرج البيهقي في الشعب عن سعيد بن المسيب قال : كتب إليَّ بعض إخواني من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك ، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرىء مسلم شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً ، ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه ومن كتم سره كانت الخيرة في يده وما كافأت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه ، وعليك بإخوان الصدق فكن في اكتسابهم فإنهم زينة في الرخاء وعدة عند عظيم البلاء ، ولا تهاون بالحق فيهينك الله ، ولا تسألن عما لم يكن حتى يكون ، ولا تضع حديثك إلا عند من يشتهيه ، وعليك بالصدق وإن قتلك الصدق ، واعتزل عدوك ، واحذر صديقك إلا الأمين ، ولا أمين إلا من يخشى الله وشاور في أمرك الذين يخشون ربهم بالغيب .
وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عمر بن الخطاب قال : من تعرض للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن ، ومن كتم سره كان الخيار إليه ومن أفشاه كان الخيار عليه ، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك ، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً ، وكن في اكتساب الاخوان فإنهم جنة عند الرخاء وعدة عند البلاء ، وآخِ الإِخوان على قدر التقوى ، وشاور في أمرك الذين يخافون الله .
وأخرج ابن سعد وأحمد في الزهد والبخاري في الأدب عن سلمان قال : إني لأعد العراق على خادمي مخافة الظن . (9/257)
وأخرج البخاري في الأدب عن أبي العالية قال : كنا نؤمر أن نختم على الخادم ونكيل ونعدها كراهية أن يتعودوا خلق سوء ، ويظن أحدنا ظن سوء .
وأخرج الطبراني عن حارثة بن النعمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « » ثلاث لازمات لأمتي : الطيرة والحسد وسوء الظن « فقال رجل ما يذهبهن يا رسول الله ممن هن فيه؟ قال : » إذا حسدت فاستغفر الله ، وإذا ظننت فلا تحقق ، وإذا تطيرت فامضِ « » .
وأخرج ابن النجار في تاريخه عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أساء بأخيه الظن فقد أساء بربه عز وجل ، إن الله تعالى يقول : { اجتنبوا كثيراً من الظن } » .
أما قوله تعالى : { ولا تجسسوا } .
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله : { ولا تجسسوا } قال : نهى الله المؤمن أن يتبع عورات أخيه المؤمن .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { ولا تجسسوا } قال : خذوا ما ظهر لكم ودعوا ما ستر الله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال : هل تدرون ما التجسس؟ هو أن تتبع عيب أخيك فتطلع على سره .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والخرائطي في مكارم الأخلاق عن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف ، عن المسور بن مخرمة ، عن عبد الرحمن بن عوف ، أنه حرس مع عمر بن الخطاب ليلة المدينة ، فبينما هم يمشون شبّ لهم سراج في بيت فانطلقوا يؤمونه فلما دنوا منه إذا باب مجافٍ على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط ، فقال عمر وأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف : أتدري بيت من هذا؟ قال : هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف وهم الآن شرب ، فما ترى؟ قال : أرى أن قد أتينا ما نهى الله عنه ، قال الله : { ولا تجسسوا } فقد تجسسنا ، فانصرف عنهم وتركهم .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الشعبي أن عمر بن الخطاب فقد رجلاً من أصحابه فقال لابن عوف : انطلق بنا إلى منزل فلان فننظر ، فأتيا منزله فوجدا بابه مفتوحاً وهو جالس وامرأته تصب له في إناء فتناوله إياه ، فقال عمر لابن عوف : هذا الذي شغله عنا ، فقال ابن عوف لعمر وما يدريك ما في الإِناء؟ فقال عمر : إنا نخاف أن يكون هذا التجسس ، قال : بل هو التجسس ، قال : وما التوبة من هذا؟ قال : لا تعلمه بما أطلعت عليه من أمره ، ولا يكونن في نفسك إلا خير ، ثم انصرفا .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه قال : أتى عمر بن الخطاب رجل فقال : إن فلاناً لا يصحو ، فدخل عليه عمر رضي الله عنه ، فقال : إني لأجد ريح شراب يا فلان ، أنت بهذا؟ فقال الرجل : يا ابن الخطاب وأنت بهذا ، ألم ينهك الله أن تتجسس؟ فعرفها عمر فانطلق وتركه . (9/258)
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن زيد بن وهب قال : أتي ابن مسعود رضي الله عنه فقيل : هذا فلان تقطر لحيته خمراً ، فقال عبدالله : إنا قد نهينا عن التجسس ، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به .
وأخرج أبو داود وابن المنذر وابن مردويه « عن أبي برزة الأسلمي قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : » يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإِيمان في قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين ، فإنه من اتبع عورات المسلمين فضحه الله في قعر بيته « » .
وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ثور الكندي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعس بالمدينة من الليل ، فسمع صوت رجل في بيت يتغنى ، فتسوّر عليه ، فوجد عنده امرأة وعنده خمر ، فقال : يا عدو الله أظننت أن الله يسترك وأنت على معصيته ، فقال : وأنت يا أمير المؤمنين لا تعجل على أن أكون عصيت الله واحدة فقد عصيت الله في ثلاث . قال الله : { ولا تجسسوا } وقد تجسست ، وقال { وأتوا البيوت من أبوابها } [ البقرة : 189 ] وقد تسوّرت عليَّ ودخلت عليَّ بغير إذن ، وقال الله { لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } [ النور : 27 ] قال عمر رضي الله عنه : فهل عندك من خير إن عفوت عنك؟ قال : نعم ، فعفا عنه وخرج وتركه .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي « عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسمع العواتق في الخدر ينادي بأعلى صوته » يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإِيمان إلى قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته « » .
وأخرج ابن مردويه « عن بريدة رضي الله عنه قال : صلينا الظهر خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما انفتل أقبل علينا غضبان متنفراً ينادي بصوت يسمع العواتق في جوف الخدور » يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإِيمان قلبه لا تذموا المسلمين ، ولا تطلبوا عوراتهم ، فإنه من يطلب عورة أخيه المسلم هتك الله ستره وأبدى عورته ولو كان في جوف بيته « » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإِيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم ، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته حتى يخرقها عليه في بطن بيته » . (9/259)
وأخرج البيهقي عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من أشاد على مسلم عورته يشينه بها بغير حق شانه الله بها في الخلق يوم القيامة » .
وأخرج الحاكم والترمذي عن جبير بن نفير قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بالناس صلاة الصبح فلما فرغ أقبل بوجهه على الناس رافعاً صوته حتى كاد يسمع من في الخدور وهو يقول : « يا معشر الذين أسلموا بألسنتهم ، ولم يدخل الإِيمان في قلوبهم لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عثراتهم ، فإنه من يتبع عثرة أخيه المسلم يتبع الله عثرته ، ومن يتبع الله عثرته يفضحه وهو في قعر بيته ، فقال قائل يا رسول الله : وهل على المسلمين من ستر؟ فقال صلى الله عليه وسلم : » ستور الله على المؤمن أكثر من أن تحصى ، إن المؤمن ليعمل الذنوب فتهتك عنه ستوره ستراً ستراً حتى لا يبقى عليه منها شيء ، فيقول الله للملائكة استروا على عبدي من الناس فإن الناس يعيرون ولا يغيرون ، فتحف به الملائكة بأجنحتها يسترونه من الناس ، فإن تاب قبل الله منه ورد عليه ستوره ومع كل ستر تسعة أستار ، فإن تتابع في الذنوب قالت الملائكة : ربنا إنه قد غلبنا واعذرنا فيقول الله استروا عبدي من الناس ، فإن الناس يعيرون ولا يغيرون فتحف به الملائكة بأجنحتها يسترونه من الناس فإن تاب قبل الله منه ورد عليه ستوره ومع كل ستر تسعة أستار ، فإن تتابع في الذنوب قالت الملائكة يا ربنا : إنه قد غلبنا وأعذرنا ، فيقول الله استروا عبدي من الناس فإن الناس يعيّرون ولا يغيّرون ، فتحف به الملائكة بأجنحتها يسترونه من الناس ، فإن تاب قبل الله منه ، وإن عاد قالت الملائكة : ربنا إنه قد غلبنا وأعذرنا ، فيقول الله للملائكة : تخلو عنه فلو عمل ذنباً في بيت مظلم في ليلة مظلمة في حجر أبدى الله عنه وعن عورته « .
وأخرج الحكيم الترمذي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : المؤمن في سبعين حجاباً من نور ، فإذا عمل خطيئة ثم تناساها حتى يعمل أخرى هتك عنه حجاب من تلك الحجب ، فلا يزال كلما عمل خطيئة ثم تناساها حتى يعمل أخرى هتك عنه حجاب من تلك الحجب ، فإذا عمل كبيرة من الكبائر هتك عنه تلك الحجب كلها إلا حجاب الحياء ، وهو أعظمها حجاباً ، فإن تاب تاب الله عليه ورد تلك الحجب كلّها ، فإن عمل خطيئة بعد الكبائر ثم تناساها حتى يعمل الأخرى قبل أن يتوب هتك حجاب الحياء فلم تلقه إلا مقيتاً ممقتاً ، فإذا كان مقيتاً ممقتاً نزعت منه الأمانة ، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائناً مخوناً ، فإذا كان خائناً مخوناً نزعت منه الرحمة ، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا فظاً غليظاً ، فإذا كان فظاً غليظاً نزعت منه ربقة الإِسلام ، فإذا نزعت منه ربقة الإِسلام لم تلقه إلا لعيناً ملعناً شيطاناً رجيماً .
قوله تعالى : { ولا يغتب بعضكم بعضاً } الآية . (9/260)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله : { ولا يغتب بعضكم بعضاً } الآية قال : حرم الله أن يغتاب المؤمن بشيء كما حرم الميتة .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله : { ولا يغتب بعضكم بعضاً } الآية قال : زعموا أنها نزلت في سلمان الفارسي أكل ثم رقد فنفخ فذكر رجلان أكله ورقاده فنزلت .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أن سلمان الفارسي كان مع رجلين في سفر يخدمهما وينال من طعامهما ، وأن سلمان نام يوماً فطلبه صاحباه فلم يجداه فضربا الخباء وقالا : ما يريد سلمان شيئاً غير هذا أن يجيء إلى طعام معدود وخباء مضروب ، فلما جاء سلمان أرسلاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب لهما إداماً ، فانطلق ، فأتاه فقال : يا رسول الله بعثني أصحابي لتؤدمهم إن كان عندك ، قال : ما يصنع أصحابك بالأدم قد ائتدموا؟ فرجع سلمان فخبرهما فانطلقا فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : والذي بعثك بالحق ما أصبنا طعاماً منذ نزلنا . قال : إنكما قد ائتدمتما سلمان بقولكما فنزلت { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله { ولا يغتب بعضكم بعضاً } الآية قال : نزلت هذه الآية في رجل كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ، أرسل بعض الصحابة إليه يطلب منه إداماً فمنع ، فقالوا له : إنه لبخيل وخيم ، فنزلت في ذلك .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله { ولا يغتب بعضكم بعضاً } قال : أن يقول للرجل من خلفه هو كذا يسيء الثناء عليه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { ولا يغتب بعضكم بعضاً } قال : ذكر لنا أن الغيبة أن تذكر أخاك بما يشينه وتعيبه بما فيه ، فإن أنت كذبت عليه فذاك البهتان يقول كما أنت كاره لو وجدت جيفة مدودة أن تأكل منها فكذلك فأكره لحمها وهو حي .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة قال :
« قيل يا رسول الله : ما الغيبة؟ قال » ذكرك أخاك بما يكره « قال يا رسول الله : أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال : » إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته « » . (9/261)
وأخرج عبد بن حميد والخرائطي في مساوىء الأخلاق عن المطلب بن حنطب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الغيبة أن تذكر المرء بما فيه فقال إنما كنا نرى أن نذكره بما ليس فيه ذاك البهتان » .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة « أن امرأة دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم خرجت ، فقالت عائشة يا رسول الله : ما أجملها وأحسنها لولا أن بها قصراً ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : اغتبتيها يا عائشة ، فقالت يا رسول الله : إنما قلت شيئاً هو بها . فقال يا عائشة إذا قلت شيئاً بها فهي غيبة ، وإذا قلت ما ليس بها فقد بهتها » .
وأخرج عبد بن حميد عن عون بن عبدالله قال : إذا قلت للرجل بما فيه فقد اغتبته ، وإذا قلت ما ليس فيه فقد بهته .
وأخرج عبد بن حميد عن معاوية بن قرة قال : لو مر بك أقطع فقلت هذا الأقطع كانت غيبة .
وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين أنه ذكر عنده رجل فقال : ذاك الأسود ، قال : أستغفر الله أراني قد اغتبته .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً } قالوا : نكره ذلك . قال : فاتقوا الله .
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة والخرائطي في مساوىء الأخلاق وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان « عن عائشة قالت : لا يغتب بعضكم بعضاً فإني كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت امرأة طويلة الذيل ، فقلت يا رسول الله : إنها الطويلة الذيل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : الفظي فلفظت بضعة لحم » .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم « أنه لحق قوماً فقال لهم : تخللوا ، فقال القوم والله يا نبي الله ما طعمنا اليوم طعاماً ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم والله : إني لأرى لحم فلان بين ثناياكم ، وكانوا قد اغتابوه » .
وأخرج الضياء المقدسي في المختارة عن أنس قال : « كانت العرب يخدم بعضها بعضاً في الأسفار وكان مع أبي بكر وعمر رجل يخدمها فناما فاستيقظا ولم يهيء لهما طعاماً فقالا إن هذا لنؤوم فأيقظاه ، فقالا : إئتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقل له : إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام ويستأذناك ، فقال : إنهما إئتدما فجاءاه ، فقالا يا رسول الله : بأي شيء إئتدمنا؟ قال : بلحم أخيكما ، والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين ثناياكما ، فقالا : إستغفر لنا يا رسول الله . قال : مراه فليستغفر لكما » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول « عن يحيى بن أبي كثير أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان في سفر ومعه أبو بكر وعمر ، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه لحماً ، فقال : أو ليس قد ظللتم من اللحم شباعاً؟ قالوا : من أين فوالله ما لنا باللحم عهد منذ أيام ، فقال : من لحم صاحبكم الذي ذكرتم . قالوا يا نبي الله : إنما قلنا إنه لضعيف ما يعيننا على شيء . قال : ذلك فلا تقولوا فرجع إليهم الرجل فأخبرهم بالذي قال ، فجاء أبو بكر ، فقال يا نبي الله طاعلى صماخي واستغفر لي ففعل ، وجاء عمر فقال : يا نبي الله طاعلى صماخي واستغفر لي ففعل » . (9/262)
وأخرج أبو يعلى وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب له لحمه في الآخرة فيقال له كله ميتاً كما أكلته حياً فإنه ليأكله ويكلح ويصيح » .
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا وابن مردويه « عن عبيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يأكلان لحوم الناس ، فجاء منهما رسول النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال يا رسول الله : إن ههنا امرأتين صامتا وقد كادتا أن تموتا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ائتوني بهما فجاءتا فدعا بعس أو قدح ، فقال لإحداهما قيئي فقاءت من قيح ودم وصديد حتى قاءت نصف القدح ، وقال للأخرى قيئي ، فقاءت من قيح ودم وصديد حتى ملأت القدح ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما وأفطرتا على ما حرم الله عليهما جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يأكلان لحوم الناس « » .
وأخرج ابن مردويه عن أم سلمة أنها سألت عن الغيبة فأخبرت أنها أصبحت يوم الجمعة وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة ، وأتتها جارة لها من نساء الأنصار فاغتابتا وضحكتا برجال ونساء فلم يبرحا على حديثهما من الغيبة حتى أقبل النبي صلى الله عليه وسلم منصرفاً من الصلاة ، فلما سمعتا صوته سكتتا ، فلما قام بباب البيت ألقى طرف ردائه على أنفه ، ثم قال : أفّ أخرجا فاستقيئا ثم طهرا بالماء ، فخرجت أم سلمة فقاءت لحماً كثيراً قد أحيل ، فلما رأت كثرة اللحم تذكرت أحدث لحم أكلته فوجدته في أول جمعتين مضتا ، فسألها عما قاءت فأخبرته ، فقال : ذاك لحم ظللت تأكلينه فلا تعودي أنت ولا صاحبتك فيما ظللتما فيه من الغيبة ، وأخبرتها صاحبتها أنها قاءت مثل الذي قاءت من اللحم .
وأخرج ابن مردويه عن أبي مالك الأشعري عن كعب بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « المؤمن حرام على المؤمن لحمه عليه حرام أن يأكله ويغتابه بالغيب ، وعرضه عليه حرام أن يخرقه ، ووجهه عليه حرام أن يلطمه » . (9/263)
وأخرج عبد الرزاق والبخاري في الأدب وأبو يعلى وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان بسند صحيح « عن أبي هريرة أن ماعزاً لما رجم سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلين يقول أحدهما لصاحبه : ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب ، فسار النبي صلى الله عليه وسلم ثم مر بجيفة حمار فقال : أين فلان وفلان إنزلا فكلا من جيفة هذا الحمار فقالا : وهل يؤكل هذا؟ قال : فإنا أكلتكما من أخيكما آنفاً أشد أكلاً منه ، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والبخاري في الأدب والخرائطي عن عمرو بن العاص أنه مر على بغل ميت وهو في نفر من أصحابه فقال : والله لأن يأكل أحدكم من هذا حتى يملأ بطنه خير له من أن يأكل من لحم رجل مسلم .
وأخرج البخاري في الأدب وابن أبي الدنيا عن جابر بن عبد الله قال : « كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى على قبرين يعذب صاحباهما فقال : إنهما لا يعذبان في كبير ، وبكى ، أما أحدهما فكان يغتاب الناس ، وأما الآخر فكان لا يتأذى من البول فدعا بجريدة رطبة فكسرها ، ثم أمر بكل كسرة فغرست على قبر فقال : أما إنه سيهون من عذابهما ما كانا رطبتين » .
وأخرج البخاري في الأدب عن ابن مسعود قال : من اغتيب عنده مؤمن فنصره جزاه الله بها خيراً في الدنيا والآخرة ، ومن اغتيب عنده فلم ينصره جزاه الله بها في الدنيا والآخرة شراً ، وما التقم أحد لقمة شراً من اغتياب مؤمن ، إن قال فيه ما يعلم فقد إغتابه ، ومن قال فيه ما لا يعلم فقد بهته .
وأخرج أحمد عن جابر بن عبد الله قال : « كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتفعت ريح جيفة منتنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » أتدرون ما هذه الريح هذه ريح الذين يغتابون الناس « » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا وقع في الرجل وأنت في ملأ فكن للرجل ناصراً وللقوم زاجراً وقم عنهم ، ثم تلا هذه الآية { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه } » .
وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الربا نيف وسبعون باباً أهونهن باباً مثل من نكح أمه في الإِسلام ، ودرهم الربا أشد من خمس وثلاثين زنية ، وأشر الربا وأربى وأخبث الربا انتهاك عرض المسلم وانتهاك حرمته » . (9/264)
وأخرج أحمد وأبو داود والبيهقي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم » .
وأخرج أحمد وأبو داود والبيهقي وأبو يعلى والطبراني والحاكم عن المستورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من أكل برجل مسلم أكله فإن الله يطعمه مثلها من جهنم ، ومن كسي برجل مسلم ثوباً فإن الله يكسوه مثله من جهنم ، ومن قام برجل مقام سمعة أو رياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة » .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن أنس « أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يصوموا يوماً ولا يفطرن أحد حتى آذن له ، فصام الناس ، فلما أمسوا جعل الرجل يجيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقول : ظللت منذ اليوم صائماً فأذن لي فلأفطرن فيأذن له ، حتى جاء رجل فقال يا رسول الله إن فتاتين من أهلك ظلتا منذ اليوم صائمتين فأذن لهما فليفطرا فأعرض عنه ، ثم أعاد عليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما صامتا ، وكيف صام من ظل يأكل لحوم الناس ، اذهب فمرهما إن كانتا صائمتين أن يستقيئا ففعلتا فقاءت كل واحدة منهما علقمة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو صامتا وبقي فيهما لأكلتهما النار » .
وأخرج البيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت : لا يتوضأ أحدكم من الكلمة الخبيثة يقولها لأخيه ويتوضأ من الطعام الحلال .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما قالا : الحدث حدثان حدث من فيك وحدث من نومك ، وحدث الفم أشد الكذب والغيبة .
وأخرج البيهقي عن إبراهيم قال : الوضوء من الحدث وأذى المسلم .
وأخرج الخرائطي في مساوىء الأخلاق والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما « أن رجلين صليا صلاة الظهر أو العصر وكانا صائمين فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قال : أعيدا وضوءكما وصلاتكما وأمضيا في صومكما ، واقضيا يوماً آخر مكانه ، قالا : لم يا رسول الله؟ قال : قد اغتبتما فلاناً » .
وأخرج الخرائطي وابن مردويه والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت : « أقبلت امرأة قصيرة والنبي صلى الله عليه وسلم جالس ، قالت : فأشرت بإبهامي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد اغتبتها » .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه « أن رجلاً قام من عند النبي صلى الله عليه وسلم فرؤي في مقامه عجز ، فقال بعضهم : ما أعجز فلاناً : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد أكلتم الرجل واغتبتموه » . (9/265)
وأخرج البيهقي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : « ذكر رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : ما أعجز! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إغتبتم الرجل ، قالوا يا رسول الله : قلنا ما فيه ، قال : لو قلتم ما ليس فيه فقد بهتموه » .
وأخرج ابن جرير عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : « كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر القوم رجلاً فقالوا : ما يأكل إلا ما أطعم ، ولا يرحل إلا ما رحل له ، وما أضعفه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إغتبتم أخاكم . قالوا يا رسول الله : وغيبة بما يحدث فيه؟ فقال : بحسبكم أن تحدثوا عن أخيكم بما فيه » .
وأخرج أبو داود والدارقطني في الأفراد والخرائطي والطبراني والحاكم وأبو نعيم والبيهقي عن ابن عمر رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره ، ومن مات وعليه دين فليس بالدينار والدرهم ، ولكنها الحسنات ، ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع ، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال وليس بخارج » .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اذكروا الله فإن العبد إذا قال سبحان الله وبحمده كتب الله له بها عشراً ، ومن عشر إلى مائة ، ومن مائة إلى ألف ، ومن زاد زاده الله ، ومن استغفر غفر الله له ، ومن حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره ، ومن أعان على خصومة بغير علم فقد باء بسخط من الله ، ومن قذف مؤمناً أو مؤمنة حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج ، ومن مات وعليه دين اقتص من حسناته ليس ثم دينار ولا درهم » .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من رجل يرمي رجلاً بكلمة تشينه إلا حبسه الله يوم القيامة في طينة الخبال حتى يأتي منها بالمخرج » .
وأخرج البيهقي عن الأوزاعي قال : بلغني أنه يقال للعبد يوم القيامة : قم فخذ حقك من فلان ، فيقول : ما لي قبله حق ، فيقال : بلى ذكرك يوم كذا وكذا بكذا وكذا .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الغيبة أشد من الزنا ، قالوا يا رسول الله : وكيف الغيبة أشد من الزنا؟ قال : إن الرجل ليزني فيتوب فيتوب الله عليه ، وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفرها له صاحبه » . (9/266)
وأخرج البيهقي عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الغيبة أشد من الزنا ، فإن صاحب الزنا يتوب وصاحب الغيبة ليس له توبة » .
وأخرج البيهقي من طريق غياث بن كلوب الكوفي عن مطرف عن سمرة بن جندب عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله يبغض البيت اللحم » فسألت مطرفاً ما يعني باللحم؟ قال : الذي يغتاب فيه الناس . وبإسناده عن أبيه قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل بين يدي حجام ، وذلك في رمضان ، وهما يغتابان رجلاً ، فقال : أفطر الحاجم والمحجوم . قال البيهقي : غياث هذا مجهول .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن أربى الربا إستطالة المرء في عرض أخيه » .
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن المبارك قال : إذا اغتاب رجل رجلاً فلا يخبره به ولكن يستغفر الله .
وأخرج البيهقي بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته » .
وأخرج البيهقي في الشعب عن شعبة قال : الشكاية والتحذير ليسا من الغيبة .
وأخرج البيهقي عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه قال : ثلاثة ليست لهم غيبة الإِمام الجائر ، والفاسق المعلن بفسقه ، والمبتدع الذي يدعو الناس إلى بدعته .
وأخرج البيهقي عن الحسن رضي الله عنه قال : ليس لأهل البدع غيبة .
وأخرج البيهقي عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال : إنما الغيبة لمن لم يعلن بالمعاصي .
وأخرج البيهقي وضعفه عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له » .
وأخرج البيهقي وضعفه من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أترعون عن ذكر الفاجر؟ أذكروه بما فيه كي يعرفه الناس ويحذره الناس » .
وأخرج البيهقي عن الحسن البصري قال : ثلاثة ليس لهم حرمة في الغيبة : فاسق معلن الفسق ، والأمير الجائر ، وصاحب البدعة المعلن البدعة .
وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يجاء بالعبد يوم القيامة فتوضع حسناته في كفة وسيئاته في كفة فترجح السيئات ، فتجيء بطاقة فتوضع في كفة الحسنات فترجح بها ، فيقول يا رب ما هذه البطاقة؟ فما من عمل عملته في ليلي ونهاري إلا وقد استقبلت به ، فقيل : هذا ما قيل فيك وأنت منه بريء فينجو بذلك » .
وأخرج الحكيم الترمذي عن علي بن أبي طالب قال : البهتان على البريء أثقل من السموات .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن أبي مليكة قال : لما كان يوم الفتح رقي بلال فأذن على الكعبة ، فقال بعض الناس : هذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة ، وقال بعضهم : إن يسخط الله هذا يغيره ، فنزلت { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } الآية . (9/267)
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج وابن مردويه والبيهقي في سننه عن الزهري قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني بياضة أن يزوّجوا أبا هند امرأة منهم ، فقالوا : يا رسول الله أتزوّج بناتنا موالينا؟ فأنزل الله { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } الآية قال الزهري : نزلت في أبي هند خاصة . قال : وكان أبو هند حجام النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن مردويه من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أنكحوا أبا هند وانكحوا إليه » قالت : ونزلت { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال : ما خلق الله الولد إلا من نطفة الرجل والمرأة جميعاً ، وذلك أن الله يقول : { إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } .
وأخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية في الحجرات { إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } هي مكية وهي للعرب خاصة الموالي أي قبيلة لهم وأي شعاب ، وقوله { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } قال : أتقاكم للشرك .
وأخرج البخاري وابن جرير عن ابن عباس { وجعلناكم شعوباً وقبائل } قال : الشعوب القبائل العظام ، والقبائل البطون .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الشعوب الجماع ، والقبائل الأفخاذ التي يتعارفون بها .
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس { وجعلناكم شعوباً وقبائل } قال : القبائل الأفخاذ ، والشعوب الجمهور مثل مضر .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { وجعلناكم شعوباً وقبائل } قال : الشعب هو النسب البعيد ، والقبائل كما سمعته يقول فلان من بني فلان .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد { وجعلناكم شعوباً } قال : النسب البعيد ، { وقبائل } قال : دون ذلك جعلنا هذا لتعرفوا فلان ابن فلان من كذا وكذا .
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال : القبائل رؤوس القبائل ، والشعوب الفصائل والأفخاذ .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر « أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه ، فلما خرج لم يجد مناخاً فنزل على أيدي الرجال فخطبهم ، فحمد الله وأثنى عليه وقال : الحمد لله الذي أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتكبرها بآبائها ، الناس رجلان برٌّ تقيّ كريمٌ على الله وفاجرٌ شقيّ هّينٌ على الله ، والناس بنو آدم ، وخلق الله آدم من تراب . قال الله { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } إلى قوله { خبير } ثم قال : أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم » .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي عن جابر بن عبد الله قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال : « يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد ، ألا إن أباكم واحد ، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، ألا هل بلغت؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال : فليبلغ الشاهد الغائب » . (9/268)
وأخرج البيهقي عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله أذهب نخوة الجاهلية وتكبرها بآبائها ، كلكم لآدم وحواء كطف الصاع بالصاع ، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم ، فمن أتاكم ترضون دينه وأمانته فزوجوه » .
وأخرج أحمد وابن جرير وابن مردويه والبيهقي عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن أنسابكم هذه ليست بمسيئة على أحد ، كلكم بنو آدم طف الصاع لم تملأوه ، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى إن الله لا يسألكم عن أحسابكم ولا عن أنسابكم يوم القيامة ، أكرمكم عند الله أتقاكم » .
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله يقول يوم القيامة أمرتكم فضيعتم ما عهدت إليكم ورفعتم أنسابكم فاليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم ، أين المتقون؟ أين المتقون؟ إن أكرمكم عند الله أتقاكم » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يقول الله يوم القيامة : أيها الناس إني جعلت نسباً وجعلتم نسباً فجعلت أكرمكم عند الله أتقاكم فأبيتم إلا أن تقولوا فلان أكرم من فلان وفلان أكرم من فلان ، وإني اليوم أرفع نسبي وأضع نسبكم ، ألا أن أوليائي المتقون » .
وأخرج الخطيب عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إذا كان يوم القيامة أوقف العباد بين يدي الله تعالى غرلاً بهماً فيقول الله : عبادي أمرتكم فضيعتم أمري ، ورفعتم أنسابكم فتفاخرتم بها اليوم أضع أنسابكم ، أنا الملك الديّان أين المتقون؟ أين المتقون؟ إن أكرمكم عند الله أتقاكم » .
وأخرج ابن مردويه عن سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الناس كلهم بنو آدم ، وآدم خلق من التراب ، ولا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي ولا أحمر على أبيض ولا أبيض على أحمر إلا بالتقوى » .
وأخرج الطبراني عن حبيب بن خراش القصري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « المسلمون إخوة لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى » . (9/269)
وأخرج أحمد عن رجل من بني سليط قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول : « المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ، التقوى ههنا ، وقال بيده إلى صدره ، وما توادَّ رجلان في الله فيفرق بينهما إلا حدث يحدث أحدهما والمحدث شر والمحدث شر والمحدث شر » .
وأخرج البخاري والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الناس أكرم؟ قال : » أكرمهم عند الله أتقاهم ، قالوا : ليس عن هذا نسألك ، قال : فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله ، قالوا : ليس عن هذا نسألك . قال : فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا : نعم . قال : خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إذا فقهوا « » .
وأخرج أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : « أنظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى » .
وأخرج البخاري في الأدب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لا أرى أحداً يعمل بهذه الآية { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } حتى بلغ { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } فيقول الرجل للرجل أنا أكرم منك فليس أحد أكرم من أحد إلا بتقوى الله .
وأخرج البخاري في الأدب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ما تعدون الكرم وقد بين الله الكرم وأكرمكم عند الله أتقاكم ، وما تعدون الحسب أفضلكم حسباً أحسنكم خلقاً .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن درة بنت أبي لهب قالت : قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ، فقال : يا رسول الله أي الناس خير؟ فقال : « خير الناس أقرؤهم وأتقاهم لله عز وجل وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم » .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والطبراني والدارقطني والحاكم وصححه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الحسب المال والكرم التقوى » .
وأخرج أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما أعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من الدنيا ولا أعجبه أحد قط إلا ذو تقوى .
وأخرج الحكيم الترمذي عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من اتقى الله أهاب الله منه كل شيء ، ومن لم يتق الله أهابه الله من كل شيء » .
وأخرج الحكيم الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الحياء زينة ، والتقى كرم ، وخير المركب الصبر ، وانتظار الفرج من الله عبادة » . (9/270)
وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا أراد الله بعبده خيراً جعل غناه في نفسه وتقاه في قلبه ، وإذا أراد الله بعبده شراً جعل فقره بين عينيه » .
وأخرج ابن الضريس في فضائل القرآن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : « جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : أوصني ، فقال : » عليك بتقوى الله فإنها جماع كل خير ، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية المسلمين ، وعليك بذكر الله وتلاوة كتاب الله فإنه نور لك في الأرض وذكر لك في السماء ، وأخزن لسانك إلا من خير فإنك بذلك تغلب الشيطان « » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي نضرة رضي الله عنه أن رجلاً رأى أنه دخل الجنة فرأى مملوكه فوقه مثل الكوكب ، فقال والله يا رب إن هذا لمملوكي في الدنيا فما أنزله هذه المنزلة؟ قال : هذا كان أحسن عملاً منك .
وأخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ، فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر .
وأخرج البزار عن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كلكم بنو آدم ، وآدم خلق من تراب ، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان » .
وأخرج أحمد عن أبي ريحانة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزاً وكبراً فهو عاشرهم في النار » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أربع من الجاهلية لا تتركهن أمتي : الفخر بالأحساب ، والطعن في الأنساب ، والاستسقاء بالنجوم ، والنياحة » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إثنتان في الناس هما بهما كفر : النياحة والطعن في الأنساب » .
قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { قالت الأعراب آمنا } قال : أعراب بني أسد بن خزيمة وفي قوله { ولكن قولوا أسلمنا } قال : استسلمنا مخافة القتل والسبي . (9/271)
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله { قالت الأعراب آمنا } قال : نزلت في بني أسد .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه { قالت الأعراب آمنا } الآية ، قال : لم تعم هذه الآية الأعراب ، ولكنها الطوائف من الأعراب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا } قال : لعمري ما عمت هذه الآية الأعراب ، إن من الأعراب لمن يؤمن بالله واليوم الآخر ، ولكن إنما أنزلت في حيّ من أحياء العرب منوا بالإِسلام على النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وقالوا أسلمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان ، فقال الله { لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإِيمان في قلوبكم } .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن داود بن أبي هند أنه سئل عن الإِيمان فتلا هذه الآية { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } قال : الإِسلام الإِقرار ، والإِيمان التصديق .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الزهري في الآية قال : ترى أن الإِسلام الكلمة والإِيمان العمل .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن مردويه « عن سعد بن أبي وقاص أن نفراً أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم إلا رجلاً منهم ، فقلت : يا رسول الله : أعطيتهم وتركت فلاناً ، والله إني لأراه مؤمناً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أو مسلم قال ذلك ثلاثاً » .
وأخرج ابن قانع وابن مردويه من طريق الزهري « عن عامر بن سعد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم قسماً فأعطى أناساً ومنع آخرين ، فقلت يا رسول الله : أعطيت فلاناً وفلاناً ومنعت فلاناً وهو مؤمن ، فقال : لا تقل مؤمن ولكن قل مسلم » وقال الزهري { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } .
وأخرج ابن ماجة وابن مردويه والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الايمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان » .
وأخرج أحمد وابن مردويه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الإِسلام علانية والإِيمان في القلب ، ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات ، ويقول : التقوى ههنا التقوى ههنا » .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا } الآية قال : وذلك أنهم أرادوا أن يتسموا باسم الهجرة ولا يتسموا بأسمائهم التي سماهم الله ، وكان هذا أول الهجرة قبل أن تترك المواريث لهم .
قوله تعالى : { وإن تطيعوا الله ورسوله } الآية . (9/272)
أخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { لا يلتكم } بغير ألف ولا همزة مكسورة اللام .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن شهر رمضان فرض عليكم صيامه والصلاة بالليل بعد الفريضة نافلة لكم والله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً » .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { لا يلتكم } قال : لا يظلمكم .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد { لا يلتكم } لا ينقصكم .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { لا يلتكم } قال : لا ينقصكم بلغة بني عبس . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم أما سمعت قول الحطيئة العبسي؟
أبلغ سراة بني سعد مغلغلة ... جهد الرسالة لا ألتاً ولا كذباً
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة { لا يلتكم } لا يظلمكم من أعمالكم شيئاً { إن الله غفور رحيم } قال : غفور للذنب الكبير رحيم بعباده .
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16)
أخرج أحمد والحكيم والترمذي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء : الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، والذي أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم ، ثم الذي إذا أشرف على طمع تركه لله » . (9/273)
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)
أخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه بسند حسن عن عبد الله بن أبي أوفى أن أناساً من العرب قالوا يا رسول الله : أسلمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان ، فأنزل الله { يمنون عليك أن أسلموا } الآية . (9/274)
وأخرج النسائي والبزار وابن مردويه عن ابن عباس قال : جاءت بنو أسد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا يا رسول الله : أسلمنا وقاتلك العرب ولم نقاتلك ، فنزلت هذه الآية { يمنون عليك أن أسلموا } .
وأخرج ابن الضريس وابن جرير عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أعطيت السبع مكان التوراة ، وأعطيت المثاني مكان الإِنجيل ، وأعطيت كذا وكذا مكان الزبور ، وفضلت بالمفصل » .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن قال : لما فتحت مكة جاء ناسٌ ، فقالوا يا رسول الله : إنا قد أسلمنا ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان ، فأنزل الله { يمنون عليك أن أسلموا } .
وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي قال : قدم عشرة رهط من بني أسد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول سنة تسع وفيهم حضرمي بن عامر وضرار بن الأزور ووابصة بن معبد وقتادة بن القائف وسلمة بن حبيش ونقادة بن عبد الله بن خلف وطلحة بن خويلد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد مع أصحابه فسلموا وقال متكلمهم : يا رسول الله إنا شهدنا أن الله وحده لا شريك له ، وأنك عبده ورسوله ، وجئناك يا رسول الله ولم تبعث إلينا بعثاً ، ونحن لمن وراءنا سلم ، فأنزل الله { يمنون عليك أن أسلموا } الآية .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أعطاني ربي السبع الطوال مكان التوراة والمئين مكان الإِنجيل وفضلت بالمفصل » .
وأخرج ابن الضريس وابن جرير عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أعطيت السبع مكان التوراة ، وأعطيت المثاني مكان الإِنجيل ، وأعطيت كذا وكذا مكان الزبور ، وفضلت بالمفصل » .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال : الطوال مكان التوراة ، والمئين كالإِنجيل ، والمثاني كالزبور ، وسائر القرآن بعد فضل على الكتب .
ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11)
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { ق } قال : هو اسم من أسماء الله . (9/275)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : خلق الله تعالى من وراء هذه الأرض بحراً محيطاً بها ثم خلق من وراء ذلك جبلاً يقال له { ق } السماء الدنيا مترفرفة عليه ، ثم خلق من وراء ذلك الجبل أرضاً مثل تلك الأرض سبع مرات ، ثم خلق من وراء ذلك بحراً محيطاً بها ، ثم خلق من وراء ذلك جبلاً يقال له ق السماء الثانية مترفرفة عليه حتى عد سبع أرضين وسبعة أبحر وسبعة أجبل وسبع سموات ، قال : وذلك قوله { والبحر يمده من بعده سبعة أبحر } [ لقمان : 27 ] .
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه وأبو الشيخ والحاكم عن عبد الله بن بريدة في قوله { ق } قال : جبل من زمرد محيط بالدنيا عليه كتفا السماء .
وأخرج ابن أبي الدنيا في العقوبات وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال : خلق الله جبلاً يقال له { ق } محيط بالعالم وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض ، فإذا أراد الله أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل فحرك العرق الذي يلي تلك القرية فيزلزلها ويحركها ، فمن ثم تحرك القرية دون القرية .
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد قال : { ق } جبل محيط بالأرض .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة { ق } إسم من أسماء القرآن .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس { والقرآن المجيد } قال : الكريم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : { والقرآن المجيد } ليس شيء أحسن منه ولا أفضل منه .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { ذلك رجع بعيد } قال : أنكروا البعث فقالوا : من يستطيع أن يرجعنا ويحيينا؟ .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس : { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } قال : من أجسادهم وما يذهب منها .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } قال : ما تأكل الأرض من لحومهم وأشعارهم وعظامهم .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في الآية قال : يعني الموتى تأكلهم الأرض إذا ماتوا .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك { وعندنا كتاب حفيظ } قال : لعدتهم وأسمائهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس { في أمر مريج } يقول : مختلف .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من طريق أبي جمرة عن ابن عباس أنه سئل عن قوله { في أمر مريج } يقول : الشيء المريج الشيء المنكر المتغير ، أما سمعت قول الشاعر؟
فجالت والتمست به حشاها ... فخر كأنه خوط مريج
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس { في أمر مريج } يقول : في أمر ضلالة .
وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف ، والخطيب في تالي التلخيص ، والطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله : { في أمر مريج } قال : مختلط . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم أما سمعت قول الشاعر : (9/276)
فراغت فانتفذت به حشاها ... فخر كأنه خوط مريج
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { في أمر مريج } قال : ملتبس وفي قوله { ما لها من فروج } قال : شقوق .
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله تعالى { من كل زوج بهيج } قال : الزوج الواحد والبهيج الحسن . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم أما سمعت الأعشى وهو يقول :
وكل زوج من الديباج يلبسه ... أبو قدامة محبوك يداه معاً
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { كل زوج بهيج } قال : حسن { تبصرة } قال : نعم تبصرة للعباد { وذكرى لكل عبد منيب } قال : المنيب المقبل قلبه إلى الله .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { تبصرة } قال : بصيرة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد وعطاء في قوله { لكل عبد منيب } قال : مخبت .
وأخرج في الأدب عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان إذا أمطرت السماء يقول : يا جارية أخرجي سرجي أخرجي ثيابي ، ويقول { وأنزلنا من السماء ماءً مباركاً } .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الضحاك في قوله { وأنزلنا من السماء ماءً مباركاً } قال : المطر .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وحب الحصيد } قال : الحنطة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { وحب الحصيد } قال : هو البر والشعير .
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن قطبة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح فلما أتى على هذه الآية { والنخل باسقات لها طلع نضيد } قال قطبة : فجعلت أقول ما أطولها .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { والنخل باسقات } قال : الطول .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عبد الله بن عثمان بن خثيم قال : سألت عكرمة عن { النخل باسقات } فقلت : ما بسوقها؟ قال : بسوقها طلعها ، ألم تر أنه يقال للشاة إذا حان ولادها بسقت؟ قال : فرجعت إلى سعيد بن جبير ، فقلت له : فقال : كذب ، بسوقها طولها في كلام العرب ألم تر أن الله قال : { والنخل باسقات } ثم قال { طلع نضيد } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عبد الله بن شداد في قوله { والنخل باسقات } قال : استقامتها .
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال : بسوقها التفافها .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لها طلع نضيد } قال : متراكم بعضه على بعض .
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15)
أخرج ابن المنذر وابن جرير عن مجاهد في قوله { فحق وعيد } قال : ما أهلكوا به تخويفاً لهم ، وفي قوله { أفعيينا بالخلق الأوّل } قال : أفعي علينا حين أنشأناكم { بل أنتم في لبس من خلق جديد } قال : يمترون بالبعث . (9/277)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أفعيينا بالخلق الأوّل } يقول : لم يعينا الخلق الأوّل وفي قوله { بل هم في لبس من خلق جديد } يقول في شك من البعث .
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)
أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « نزل الله من ابن آدم أرفع المنازل هو أقرب إليه من حبل الوريد ، وهو يحول بين المرء وقلبه ، وهو آخذ بناصية كل دابة ، وهو معهم أينما كانوا » . (9/278)
وأخرج ابن المنذر عن جويبر رضي الله عنه قال : سألت الضحاك عن قوله { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } قال : ليس شيء أقرب إلى ابن آدم من حبل الوريد والله أقرب إليه منه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { من حبل الوريد } قال : عرق العنق .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { من حبل الوريد } قال : نياط القلب وما حمل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { من حبل الوريد } قال : الذي في الحلق .
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)
أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { إذ يتلقى المتلقيان } قال : مع كل إنسان ملكان ملك عن يمينه وآخر عن شماله ، فأما الذي عن يمينه فيكتب الخير ، وأما الذي عن شماله فيكتب الشر . (9/279)
وأخرج أبو نعيم والديلمي عن معاذ بن جبل مرفوعاً أن الله لطف الملكين الحافظين حتى أجلسهما على الناجذين وجعل لسانه قلمهما وريقه مدادهما .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال : إسم صاحب السيئات قعيد .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال : عن اليمين كاتب الحسنات وعن الشمال كاتب السيئات .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ما يلفظ من قول } الآية ، قال : يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر حتى إنه ليكتب قوله أكلت شربت ذهبت جئت رأيت حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر وألقى سائره ، فذلك قوله { يمحو الله ما يشاء ويثبت } [ الرعد : 39 ] .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } قال : إنما يكتب الخير والشر لا يكتب يا غلام أسرج الفرس ويا غلام اسقني الماء .
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال : لا يكتب إلا ما يؤجر عليه ويؤزر فيه ، لو قال رجل لامرأته تعالي حتى نفعل كذا وكذا كان يكتب عليه شيء .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الفدية من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ما يلفظ من قول } الآية ، قال : كاتب الحسنات عن يمينه يكتب حسناته وكاتب السيئات عن يساره ، فإذا عمل حسنة كتب صاحب اليمين عشراً وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه حتى يسبح أو يستغفر ، فإذا كان يوم الخميس كتب ما يجزى به من الخير والشر ، ويلقى ما سوى ذلك ، ثم يعرض على أم الكتاب فيجده بجملته فيه .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الصمت عن علي رضي الله عنه قال : لسان الإِنسان قلم الملك وريقه مداده .
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن المنذر عن الأحنف بن قيس في قوله { عن اليمين وعن الشمال قعيد } قال : صاحب اليمين يكتب الخير وهو أمير على صاحب الشمال ، فإن أصاب العبد خطيئة قال أمسك فإن استغفر الله نهاه أن يكتبها ، وإن أبى إلا أن يصر كتبها .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة من طريق ابن المبارك عن ابن جريج قال : ملكان أحدهما على يمينه يكتب الحسنات وملك عن يساره يكتب السيئات ، فالذي عن يمينه يكتب بغير شهادة من صاحبه إن قعد فأحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ، وإن مشى فأحدهما أمامه والآخر خلفه ، وإن رقد فأحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه .
قال ابن المبارك : وكل به خمسة أملاك ملكان بالليل وملكان بالنهار يجيئان ويذهبان وملك خامس لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً . (9/280)
وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد في قوله { رقيب عتيد } قال : رصيد .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن حجاج بن دينار قال : قلت لأبي معشر : الرجل يذكر الله في نفسه كيف تكتبه الملائكة؟ قال : يجدون الريح .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبي عمران الجوني قال : بلغنا أن الملائكة تصف بكتبها في السماء الدنيا كل عشية بعد العصر فينادي الملك ألقِ تلك الصحيفة وينادي الملك الآخر ألقِ تلك الصحيفة ، فيقولون ربنا قالوا خيراً وحفظنا عليهم فيقول إنهم لم يريدوا به وجهي وإني لا أقبل إلا ما أريد به وجهي وينادي الملك الآخر أكتب لفلان بن فلان كذا وكذا فيقول : يا رب إنه لم يعمله فيقول إنه نواه ، وأخرج ابن المبارك وابن أبي الدنيا في الإِخلاص وأبو الشيخ في العظمة عن ضمرة بن حبيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الملائكة يصعدون بعمل العبد من عباد الله فيكثرونه ويزكونه حتى ينتهوا به حيث شاء الله من سلطانه ، فيوحي الله إليهم إنكم حفظة على عمل عبدي ، وأنا رقيب على ما في نفسه ، إن عبدي هذا لم يخلص لي عمله فاجعلوه في سجين ، قال : ويصعدون بعمل العبد من عباد الله فيستقلونه ويحقرونه حتى ينتهوا حيث شاء الله من سلطانه فيوحي الله إليهم إنكم حفظة على عمل عبدي ، وأنا رقيب على ما في نفسه فضاعفوه له واجعلوه في عليين » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال ، فإذا عمل العبد حسنة كتبت له بعشر أمثالها ، وإذا عمل سيئة فأراد صاحب الشمال أن يكتبها قال صاحب اليمين أمسك فيمسك ست ساعات أو سبع ساعات ، فإن استغفر الله منها لم يكتب عليه شيئاً ، وإن لم يستغفر الله كتب عليه سيئة واحدة » .
وأخرج أبو الشيخ في التفسير عن حسان بن عطية قال : تذاكروا مجلساً فيه مكحول وابن أبي زكريا أن العبد إذا عمل خطيئة لم تكتب عليه ثلاث ساعات ، فإن استغفر الله وإلا تكتب عليه .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء بن أبي رباح أنه قال : إن من كان قبلكم كان يكره فضول الكلام ما عدا كتاب الله أن يقرأه أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر ، وأن تنطق بحاجتك في معيشتك التي لا بد لك منها .
أتنكرون أن عليكم حافظين كراماً كاتبين ، وأن عن اليمين وعن الشمال قعيد ، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد؟ أما يستحي أحدكم لو نشر صحيفته التي ملأ صدر نهاره وأكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه؟ . (9/281)
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق الأوزاعي عن حسان بن عطية قال : بينما رجل راكب على حمار إذ عثر به ، فقال : تعست ، فقال صاحب اليمين : ما هي بحسنة فأكتبها ، وقال صاحب الشمال ما هي بسيئة فأكتبها ، فنودي صاحب الشمال أن ما ترك صاحب اليمين فأكتبه .
وأخرج ابن أبي شيبة عن بكر بن ماعز قال : جاءت بنت الربيع بن خيثم وعنده أصحاب له فقال : يا أبتاه أذهب ألعب . قال : لا . قال له أصحابه : يا أبا يزيد اتركها . قال : لا يوجد في صحيفتي أني قلت لها : إذهبي فالعبي لكن إذهبي فقولي خيراً وافعلي خيراً .
وأخرج البيهقي في الشعب عن حذيفة بن اليمان أن الكلام بسبعة أغلاق إذ أخرج منها كتب ، وإذا لم يخرج لم يكتب القلب واللهاة والحنكين والشفتين .
وأخرج الخطيب في رواة مالك وابن عساكر عن مالك أنه بلغه أن كل شيء يكتب حتى أنين المريض .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال : يكتب على ابن آدم كل شيء يتكلم به حتى أنينه في مرضه .
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن الفضيل بن عيسى قال : إذا احتضر الرجل قيل للملك الذي كان يكتب له كف قال : لا وما يدريني لعله يقول لا إله إلا الله فأكتبها له .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال : يكتب من المريض كل شيء حتى أنينه في مرضه .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء بن يسار يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا مرض العبد قال الله للكرام الكاتبين : اكتبوا لعبدي مثل الذي كان يعمل حتى أقبضه أو أعافيه » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان قال : إذا مرض العبد قال الملك يا رب إبتليت عبدك بكذا فيقول : ما دام في وثاقي فاكتبوا له مثل عمله الذي كان يعمل .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإِيمان عن معاذ قال : إذا إبتلى الله العبد بالسقم قال لصاحب الشمال إرفع ، وقال لصاحب اليمين أكتب لعبدي ما كان يعمل .
وأخرج ابن أبي شيبة عن النضر بن أنس قال : كنا نتحدث منذ خمسين سنة ، أنه ما من عبد يمرض إلا قال الله لكاتبيه أكتبا لعبدي ما كان يعمل في صحته .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي قلابة قال : إذا مرض الرجل على عمل صالح أجرى له ما كان يعمل في صحته .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة قال إذا مرض الرجل رفع له كل يوم ما كان يعمل . (9/282)
وأخرج ابن أبي شيبة عن ثابت بن مسلم بن يسار قال : إذا مرض العبد كتب له أحسن ما كان يعمل في صحته .
وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني في الأفراد والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من أحد من المسلمين يبتلى ببلاء في جسده إلا أمر الله الحفظة فقال أكتبوا لعبدي ما كان يعمل وهو صحيح ما دام مشدوداً في وثاقي » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من مرض أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا ابتلى الله المؤمن ببلاء في جسده قال للملك : أكتب له صالح عمله الذي كان يعمل ، فإن شفاه غسله وطهره ، وإن قبضه غفر له ورحمه » .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس رضي الله عنه قال : إن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله وكل بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله ، فإذا مات قال الملكان اللذان وُكِّلاَ به : قد مات فائذن لنا أن نصعد إلى السماء ، فيقول الله : سمائي مملوءة من ملائكتي يسبحونني ، فيقولان : أنقيم في الأرض؟ فيقول الله : أرضي مملوءة من خلقي يسبحونني ، فيقولان : فأين؟ فيقول : قوما على قبر عبدي فسبحاني واحمداني وكبراني وأكتبا ذلك لعبدي إلى يوم القيامة » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والحكيم الترمذي عن عمر بن ذر عن أبيه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله عند لسان كل قائل فليتق الله عبد ولينظر ما يقول » .
وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً مثله .
وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (27) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30)
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج { وجاءت سكرة الموت } قال : غمرة الموت . (9/283)
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء ، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول : « لا إله إلا الله إن للموت سكرات » .
وأخرج الحاكم وصححه عن القاسم بن محمد رضي الله عنه أنه تلا { وجاءت سكرة الموت بالحق } فقال : حدثتني أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالموت وعنده قدح فيه ماء ، وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول : « اللهم أعني على سكرات الموت » .
وأخرج ابن سعد عن عروة رضي الله عنه قال : « لما مات الوليد بن الوليد بكته أم سلمة فقالت : »
يا عين فأبكي للوليد ... بن الوليد بن المغيرة
كان الوليد بن الوليد ... أبا الوليد فتى العشيرة
« فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » لا تقولي هكذا يا أم سلمة ، ولكن قولي { وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد } « » .
وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن المنذر عن عائشة قالت : لما حضرت أبا بكر الوفاة قلت :
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
قال أبو بكر رضي الله عنه بل { وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد } قدم الحق وأخر الموت .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن ابن أبي مليكة رضي الله عنه قال : صبحت ابن عباس من مكة إلى المدينة فكان إذا نزل منزلاً قام شطر الليل ، فسئل : كيف كانت قراءته؟ قال : قرأ { وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد } فجعل يرتل ويكثر في ذلك التسبيح .
وأخرج أحمد وابن جرير عن عبد الله بن اليمني مولى الزبير بن العوّام قال : لما حضر أبو بكر تمثلت عائشة بهذا البيت .
أعاذل ما يغني الحذار عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
فقال أبو بكر رضي الله عنه : ليس كذلك يا بنية ، ولكن قولي { وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد } .
أما قوله تعالى : { ما كنت منه تحيد } .
أخرج الطبراني عن سمرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مثل الذي يفر من الموت كمثل الثعلب تطلبه الأرض بدين فجاء يسعى حتى إذا أعيا وانبهر دخل حجره فقالت له الأرض يا ثعلب ديني فخرج خصاص فلم يزل كذلك حتى انقطعت عنقه فمات » .
أما قوله تعالى : { وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } . (9/284)
أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور وابن عساكر عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قرأ { وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } قال : سائق يسوقها إلى أمر الله وشهيد يشهد عليها بما عملت .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله { وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } قال : السائق الملك والشهيد العمل .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { سائق وشهيد } قال : السائق من الملائكة ، والشهيد شاهد عليه من نفسه .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { سائق وشهيد } قال : السائق من الملائكة والشاهد من أنفسهم الأيدي والأرجل والملائكة أيضاً شهداء عليهم .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { سائق وشهيد } قال : الملكان كاتب وشهيد .
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن ابن آدم لفي غفلة عما خلق له ، إن الله إذا أراد خلقه قال للملك أكتب رزقه ، أكتب أثره ، أكتب أجله ، أكتب شقياً أم سعيداً ، ثم يرتفع ذلك الملك ويبعث الله ملكاً فيحفظه حتى يدرك ، ثم يرتفع ذلك الملك ، ثم يوكل الله به ملكين يكتبان حسناته وسيئاته ، فإذا حضره الموت ارتفع الملكان ، وجاء ملك الموت ليقبض روحه ، فإذا أدخل قبره رد الروح في جسده وجاءه ملكا القبر فامتحناه ، ثم يرتفعان ، فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات فبسطا كتاباً معقوداً في عنقه ، ثم حضر معه واحد سائق وآخر شهيد ، ثم قال ، رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن قدامكم لأمراً عظيماً لا تقدرونه فاستعينوا بالله العظيم » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لقد كنت في غفلة من هذا } قال : هو الكافر .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فكشفنا عنك غطاءك } قال : الحياة بعد الموت .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد } قال : عاين الآخرة فنظر إلى ما وعده الله فوجده كذلك .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله { فبصرك اليوم } قال : إلى لسان الميزان حديد ، قال : حديد النظر شديد .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { وقال قرينه } قال : الشيطان .
وأخرج الفريابي عن مجاهد في قوله { وقال قرينه } قال : الشيطان الذي قيض له . (9/285)
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { وقال قرينه } قال : ملكه { هذا ما لديّ عتيد } قال : الذي عندي عتيد للإِنسان حفظته حتى جئت به وفي قوله { قال قرينه ربنا ما أطغيته } قال : هذا شيطانه .
وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم في قوله { كل كفار عتيد } قال : مناكب عن الحق .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله { ألقيا في جهنم كل كفار عنيد } قال : كفار بنعم الله عنيد عن طاعة الله وحقه مناع للخير ، قال : الزكاة المفروضة { معتد مريب } قال : معتد في قوله وكلامه آثم بربه ، فقال هذا المنافق الذي جعل مع الله إلها آخر ، هذا المشرك .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن منصور قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن ، قالوا : ولا أنت ، قال : ولا أنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لا تختصموا لديّ } قال : إنهم اعتذروا بغير عذر فأبطل الله عليهم حجتهم ورد عليهم قولهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { قال لا تختصموا لديّ } قال : عندي { وقد قدمت إليكم بالوعيد } قال : على لسان الرسل أن من عصاني عذبته .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الربيع بن أنس قال : قلت لأبي العالية قال الله : { لا تختصموا لديّ وقد قدمت إليكم بالوعيد } وقال { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } فكيف هذا؟ قال : نعم ، أما قوله { لا تختصموا لديّ } فهؤلاء أهل الشرك ، وقوله { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } فهؤلاء أهل القبلة يختصمون في مظالمهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { ما يبدل القول لديّ } قال : قد قضيت ما أنا قاض .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { ما يبدل القول لديّ } قال : ههنا القسم .
وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن أنس قال : فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسريَ به الصلاة خمسين ، ثم نقصت حتى جعلت خمساً ، ثم نودي يا محمد إنه لا يبدل القول لدي وإن لك بهذه الخمس خمسين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وما أنا بظلام للعبيد } قال : ما أنا بمعذب من لم يجترم والله تعالى أعلم .
أما قوله تعالى : { يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد } قال : وهل فيَّ من مكان يزاد فيَّ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال : حتى تقول فهل من مزيد؟ . (9/286)
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال : وعدها الله ليملأنها فقال أوفيتك فقالت : وهل من مسلك؟ .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط وعزتك وكرمك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله لها خلقاً آخر فيسكنهم في قصور الجنة » .
وأخرج البخاري وابن مردويه عن أبي هريرة رفعه : « يقال لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد فيضع الرب قدمه عليها فتقول قط قط » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تحاجت الجنة والنار فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين ، وقالت الجنة ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ قال الله تبارك وتعالى للجنة : أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي ، وقال للنار إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ، ولكل واحدة منكما ملؤها ، فأما النار فلا تمتلىء حتى يضع رجله فتقول قط قط ، فهنالك تمتلىء ويزوي بعضها إلى بعض ، ولا يظلم الله من خلقه أحداً ، وأما الجنة فإن الله ينشىء لها خلقاً » .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « افتخرت الجنة والنار فقالت النار : يا رب يدخلني الجبابرة والمتكبرون والملوك والأشراف ، وقالت الجنة : أي رب يدخلني الضعفاء والفقراء المساكين ، فيقول الله للنار أنت عذابي أصيب بك من أشاء ، وقال للجنة : أنت رحمتي وسعت كل شيء ، ولكل واحدة منكما ملؤها فيلقى فيها أهلها ، فتقول هل من مزيد ، ويلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يأتيها عز وجل فيضع قدمه عليها فتزوي ، وتقول قدني قدني ، وأما الجنة فيلقى فيها ما شاء الله أن يلقى فينشىء لها خلقاً ما يشاء » .
وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أُبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يعرفني الله نفسه يوم القيامة فأسجد سجدة يرضى بها عني ، ثم أمدحه مدحة يرضى بها عني . ثم يؤذن لي في الكلام ثم تمر أمتي على الصراط مضروب بين ظهراني جهنم ، فيمرون أسرع من الطرف والسهم ، وأسرع من أجود الخيل ، حتى يخرج الرجل منها يحبو وهي الأعمال ، وجهنم تسأل المزيد حتى يضع فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أُبيّ كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أول من يدعى يوم القيامة أنا فأقوم فألبي ، ثم يؤذن لي في السجود فأسجد له سجدة يرضى بها عني ، ثم يؤذن لي فأرفع رأسي فأدعو بدعاء يرضى به عني ، فقلنا يا رسول الله كيف تعرف أمتك يوم القيامة؟ قال : يعرفون غراً محجّلين من أثر الطهور فيردون علي الحوض ما بين عدن إلى عمان بصرى ، أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وأبرد من الثلج وأطيب ريحاً من المسك ، فيه من الآنية عدد نجوم السماء ، من ورده فشرب منه لم يظمأ بعده أبداً ، ومن صرف عنه لم يرو بعده أبداً ، ثم يعرض الناس على الصراط ، فيمر أوائلهم كالبرق ، ثم يمرون كالريح ، ثم يمرون كالطرف ، ثم يمرون كأجاويد الخيل والركاب ، وعلى كل حال وهي الأعمال ، والملائكة جانبي الصراط يقولون رب سلم سلم ، فسالم ناج ، ومخدوش ناج ، ومرتبك في النار ، وجهنم تقول هل من مزيد حتى يضع فيها رب العالمين ما شاء الله أن يضع فتقبض وتغرغر كما تغرغر المزادة الجديدة إذا ملئت وتقول قط قط » . (9/287)