صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور |
وأخرج أحمد والبخاري والبزار وابن خزيمة والطبراني والحاكم وصححه عن عبدالله بن بشر الغنوي حدثني أبي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لتفتحن القسطنطينية ولنعم الأمير أميرها ، ولنعم الجيش ذلك الجيش » . (9/192)
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن أبي قبيل قال : تذاكر فتح القسطنطينية والرومية أيهما تفتح أولاً فدعا عبدالله بن عمر بصندوق ففتحه فأخرج منه كتاباً قال : « كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب فقيل : أي المدينتين تفتح أوّلاً يا رسول الله قسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » مدينة هرقل تفتح أوّلاً « يريد القسطنطينية .
وأخرج الحاكم وصححه » عن عوف بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم واقناء معلقة وقنو منها حشف ومعه عصا فطعن بالعصا في القنو وقال : لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب منها . إن صاحب هذه الصدقة يأكل الحشف يوم القيامة ، أما والله يا أهل المدينة لتدعنها مذللة أربعين عاماً للعوافي . قلنا : الله ورسوله أعلم قال : أتدرون ما العوافي؟ قالوا : لا . قال : « الطير والسباع » « .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً » لتتركن المدينة على خير ما كانت تأكلها الطير والسباع « .
وأخرج الحاكم وصححه » عن محجن بن الأدرع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد أحداً وصعدت معه فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال لها قولاً ، ويل أمك أو ويح أمها قرية يدعها أهلها أينع ما تكون يأكلها عافية الطير والسباع ولا يدخلها الدجال إن شاء الله ، كلما أراد دخولها يلقاه ، بكل نقب من أنقابها ملك مصلت يمنعه عنها « .
وأخرج الحاكم وصححه عن واثلة بن الأسقع سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : » لا تقوم الساعة حتى يكون عشر آيات خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف في جزيرة العرب والدجال ونزول يأجوج ومأجوج والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تحشر الذر والنمل « .
وأخرج أبو يعلي والروياني وابن قانع والحاكم وصححه عن بريدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » إن لله ريحاً يبعثها على رأس مائة سنة تقبض روح كل مؤمن « .
وأخرج أحمد والطبراني والحاكم وصححه عن عياش بن أبي ربيعة . سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : » تجيء ريح بن يدي الساعة تقبض فيها روح كل مؤمن « .
وأخرج مسلم والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
« إن الله يبعث ريحاً من اليمن ألين من الحرير فلا تدع أحداً في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته » . (9/193)
وأخرج مسلم والحاكم وصححه عن عائشة رضي الله عنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى ، ويبعث الله ريحاً طيبة فتتوفى من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير ، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم » .
وأخرج الحاكم وصححه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ظاهرين على العدوّ لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك » فقال عبدالله بن عمرو : أجل ويبعث الله ريحاً ريحها المسك ومسها مس الحرير ، فلا تترك نفساً في قلبه مثقال حبة من الإِيمان إلا قبضته ، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة .
وأخرج الحاكم عن ابن عمرو قال : لا تقوم الساعة حتى يبعث الله ريحاً لا تدع أحداً في قلبه مثقال ذرة من تقى أو نهي إلا قبضته ، ويلحق كل قوم بما كان يعبد آباؤهم في الجاهلية ، ويبقى عجاج من الناس لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر ، يتناكحون في الطرق ، فإذا كان ذلك اشتد غضب الله على أهل الأرض فأقام الساعة .
وخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب ، فيقتتل الناس عليه ، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون ، ويقول كل رجل منهم : لعلي أكون الذي أنجو » .
وأخرج مسلم عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب ، فإذا سمع به الناس ساروا إليه ، فيقول من عنده : لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبن به كله . قال : فيقتتلون عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون » .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : تخرج معادن مختلفة فيها قريب من الحجاز يأتيه شرار الناس يقال له فرعون فبينما هم يعملون فيه إذ حسر عن الذهب فأعجبهم معتمله إذ خسف به وبهم .
وأخرج أحمد وابن ماجة والحاكم وصححه عن عبدالله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ » .
وأخرج أحمد والبغوي وابن قانع والطبراني والحاكم وصححه عن عبدالله بن صحار العبدي عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تقوم الساعة حتى يخسف بقبائل من العرب فيقال من بني فلان » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن عمرو قال : ليخسفن بالدار إلى جنب الدار وبالدار إلى جنب الدار حيث تكون المظالم . (9/194)
وأخرج ابن سعد عن أبي عاصم الغطفاني قال : كان حذيفة رضي الله عنه لا يزال يحدث الحديث يستفظعونه ، فقيل له يوشك أن تحدثنا أنه سيكون فينا مسخ ، قال : نعم ليكونن فيكم مسخ قردة وخنازير .
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي عن فرقد السبخي قال : قرأت في التوراة التي جاء بها جبريل إلى موسى عليه السلام : ليكونن مسخ وقذف وخسف في أمة محمد في أهل القبلة . قيل يا أبا يعقوب : ما أعمالهم؟ قال : باتخاذهم القينات وضربهم بالدفوف ولباسهم الحرير والذهب ، ولن تغيب حتى ترى أعمالاً أزلية فاستيقن واستعد واحذر . قيل : ما هي؟ قال : تكافأ الرجال بالرجال والنساء بالنساء . ورغبت العرب في آنية العجم ، فعند ذلك ثم قال : والله ليقذفن رجال من السماء بالحجارة يشدخون بها في طرقهم وقبائلهم كما فعل بقوم لوط ، وليمسخن آخرون قردة وخنازير كما فعل ببني إسرائيل ، وليخسف بقوم كما خسف بقارون .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن سالم بن أبي الجعد رضي الله عنه قال : ليأتين على الناس زمان يجتمعون فيه على باب رجل منهم ينتظرون أن يخرج إليهم فيطلبون إليه الحاجة ، فيخرج إليهم ، وقد مسخ قرداً أو خنزيراً وليمرنَّ الرجل على الرجل في حانوته يبيع فيرجع عليه وقد مسخ قرداً أو خنزيراً .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي الزاهرية رضي الله عنه قال : لا تقوم الساعة حتى يمشي الرجلان إلى الأمر يعملانه فيمسخ أحدهما قرداً أو خنزيراً فلا يمنع الذي نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمشي إلى شأنه ذلك حتى يقضي شهوته ، وحتى يمشي الرجلان إلى الأمر يعملانه فيخسف بأحدهما ، فلا يمنع الذي نجا منهما ما رأى بصاحبه أن يمضي إلى شأنه ذلك حتى يقضي شهوته منه .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن غنم قال : يوشك أن تعقد أمتان على رحى فتطحنان فتمسخ إحداهما والأخرى تنظر .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن غنم قال : سيكون خباءان متجاوران فينشق بينهما نهر فيسقيان منه بسهم واحد يقبس بعضهم من بعض ، فيصبحان يوماً من الأيام قد خسف بأحدهما والآخر حيّ .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك بن دينار قال : بلغني أن ريحاً تكون في آخر الزمان وظلمة ، فيفزع الناس إلى علمائهم فيجدونهم قد مسخوا .
وأخرج الترمذي في نوادر الأصول عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يكون في أمتي فزعة فيصير الناس إلى علمائهم فإذا هم قردة وخنازير » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة أنه قال : لتعملن عمل بني إسرائيل فلا يكون فيهم شيء إلا كان فيكم مثله .
فقال رجل : يكون منا قدرة وخنازير؟ قال : وما يبرئك من ذلك لا أم لك؟ (9/195)
وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال : كيف أنتم إذا أتاكم زمان يخرج أحدهم من حجلته إلى حشه فيرجع وقد مسخ قرداً؟
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن مردويه عن أنس أن عبدالله بن سلام قال يا رسول الله : ما أول أشراط الساعة؟ قال : « نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب » .
وأخرج الدارقطني في الأفراد والطبراني والحاكم وصححه عن عبدالله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تبعث نار على أهل المشرق فتحشرهم إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا ، وتقيل معهم حيث قالوا ، يكون لها ما سقط منهم وتخلف تسوقهم سوق الجمل الكسير » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وقال : حسن صحيح عن عبدالله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ستخرج نار قبل يوم القيامة من بحر حضرموت تحشر الناس ، قالوا يا رسول الله : فما تأمرنا؟ قال : عليكم بالشام » .
أما قوله تعالى : { فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم } .
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم } يقول : إذا جاءت الساعة أنى لهم الذكرى؟
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم } قال : إذا جاءتهم الساعة فأنى لهم أن يذكروا ويتوبوا ويعملوا ، والله أعلم .
أما قوله تعالى : { فأعلم أنه لا إله إلا الله } .
أخرج الطبراني وابن مردويه والديلمي عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أفضل الذكر لا إلا الله وأفضل الدعاء الاستغفار ، ثم قرأ { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } » .
وأخرج أبو يعلى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار فأكثروا منهما فإن إبليس قال : أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار ، فلما رأيت ذلك اهلكتهم بالأهواء وهم يحسبون أنهم مهتدون » .
وأخرج أحمد والنسائي والطبراني والحاكم والترمذي في نوادر الأصول وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يموت عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله يرجع ذلك إلى قلب موقن إلا دخل الجنة » وفي لفظ : « إلا غفر الله له » .
وأخرج أحمد والبزار وابن مردويه والبيهقي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله » .
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليس شيء إلا بينه وبين الله حجاب إلا قول لا إله إلا الله ودعاء الوالد » . (9/196)
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصاً إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش » .
وأخرج أحمد عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل : « اعلم أنه من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة » وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجة والبيهقي في الأسماء والصفات عن عتبان بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لن يوافي عبد يوم القيامة يقول لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله إلا حرم على النار » .
وأخرج أحمد عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فلن تطعمه النار » .
وأخرج أحمد والطبراني « عن سهيل بن البيضاء رضي الله عنه قال : بينما نحن في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنا رديفه ، فقال : » يا سهيل بن بيضاء ورفع صوته ، فاجتمع الناس ، فقال : إنه من شهد أن لا إله إلا الله حرمه الله على النار وأوجب له الجنة « » .
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن يحيى بن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال : رؤي طلحة حزيناً فقيل له : ما لك؟ قال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند موته إلا نفَّسَ الله عنه كربته وأشرق لونه ورأى ما يسره » وما منعني أن أسأله عنها إلا القدرة عليه حتى مات فقال عمر : إني لأعلمها فقال : فما هي؟ قال : لا نعلم كلمة هي أعظم من كلمة أمر بها عمه . لا إله إلا الله قال : فهي والله هي .
وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن حبان والبيهقي عن عثمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة » .
وأخرج البيهقي عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا أبا ذر بشّر الناس أنه من قال لا إله إلا الله دخل الجنة » .
وأخرج أحمد وأبو داود والطبراني والحاكم ومسلم والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
« من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حرم الله عليه النار » . (9/197)
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قال لا إله إلا الله أنجته يوماً من الدهر أصابه قبلها ما أصابه » .
وأخرج البيهقي عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قال لا إله إلا الله طلست ما في صحيفته من السيئات حتى يعود إلى مثلها » .
وأخرج البيهقي عن حذيفة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من ختم له بشهادة أن لا إله إلا الله صادقاً دخل الجنة ، ومن ختم له بصوم يوم يبتغي به وجه الله دخل الجنة ، ومن ختم له عند الموت بإطعام مسكين يبتغي به وجه الله دخل الجنة » .
قوله تعالى : { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } الآية .
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة » .
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه « عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فأكلت معه من طعام فقلت : غفر الله لك يا رسول الله . قال : ولك . فقيل : أستغفر لك يا رسول الله؟ قال : نعم ولكم ، وقرأ { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } » .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه وابن مردويه « عن عبيد بن المغيرة رضي الله عنه قال : سمعت حذيفة رضي الله عنه تلا قوله تعالى { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك } قال : كنت ذرب اللسان على أهلي ، فقلت يا رسول الله : إني أخشى أن يُدخلني لساني النار . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : » فأين أنت عن الإِستغفار أني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة « » .
وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والطبراني عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما أصبحت غداة قط إلا استغفرت الله فيها مائة مرة » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والطبراني وابن مردويه عن رجل من المهاجرين يقال له الأغر قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « يا أيها الناس استغفروا الله وتوبوا إليه فإني استغفر الله وأتوب إليه في كل يوم مائة مرة » .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والنسائي وابن حبان وابن مردويه عن الأغر المزني رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
« إنه ليغان على قلبي وأني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة » . (9/198)
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : « إنا كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس يقول : » رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم مائة مرة « وفي لفظ » التواب والغفور « .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » أني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة « .
أما قوله تعالى : { والله يعلم متقلبكم ومثواكم } .
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما { والله يعلم متقلبكم } في الدنيا { ومثواكم } في الآخرة .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه { والله يعلم متقلبكم ومثواكم } قال : متقلب كل دابة بالليل والنهار .
وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (21) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه { ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة } الآية ، قال : كل سورة أنزل فيها الجهاد فهي محكمة ، وهي أشد القرآن على المنافقين . (9/199)
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { ويقول الذين آمنوا } الآية قال : كان المؤمنون يشتاقون إلى كتاب الله تعالى وإلى بيان ما ينزل عليهم فيه فإذا أنزلت السورة يذكر فيها القتال رأيت يا محمد المنافقين { ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم } قال : وعيد من الله لهم .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { فأولى لهم } قال : هذه وعيد ثم انقطع الكلام ، فقال { طاعة وقول معروف } يقول : طاعة الله ورسوله وقول بالمعروف عند حقائق الأمور خير لهم .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه { طاعة وقول معروف } قال : أمر الله عز وجل بذلك المنافقين فإذا عزم الأمر قال : جد الأمر .
أخرج الحاكم عن عبد الله بن مغفل رضى الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ { فهل عسيتم إن توليتم } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه { فهل عسيتم إن توليتم } الآية قال : كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله ألم يسفكوا الدم الحرام وقطعوا الأرحام وعصوا الرحمن؟
وأخرج عبد بن حميد عن بكر بن عبد الله المزني في قوله { فهل عسيتم إن توليتم } الآية قال : ما أراها نزلت إلا في الحرورية .
وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن بريدة رضي الله عنه قال : كنت جالساً عند عمر رضي الله عنه إذ سمع صائحاً فقال يا يرفا أنظر ما هذا الصوت فنظر ثم جاء فقال : جارية من قريش تباع أمها ، فقال عمر رضي الله عنه : ادع لي المهاجرين والأنصار فلم يمكث إلا ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فهل تعلمونه كان فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم القطيعة؟ قالوا : لا . قال : فإنها قد أصحبت فيكم فاشية . ثم قرأ { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم } ثم قال : وأي قطيعة أقطع من أن تباع أم امرىء فيكم وقد أوسع الله لكم؟ قالوا : فأصنع ما بدا لك ، فكتب في الآفاق أن لا تباع أمُّ حر فإنها قطيعة رحم وأنه لا يحل .
وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي والحكيم الترمذي وابن جرير وابن حبان والحاكم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
« إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن ، فقال : مه ، فقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة؟ قال : نعم أما ترضي أن أصل من وصلك وأقطع من قطعت : قالت : بلى ، قال : فذاك لك ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » اقرأوا إن شئتم { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } « . (9/200)
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » إن الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله « .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : » إن للرحم لساناً يوم القيامة تحت العرش فتقول يا رب قطعت يا رب ظلمت يا رب أسيء إليّ فيجيبها ربها ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ « .
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلىلله عليه وسلم : » إن للرحمن لسناً ذلقاً يوم القيامة ربِّ صل من وصلني واقطع من قطعني « .
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن طاوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » إن للرحم شعبة من الرحمن تجيء يوم القيامة لها جلبة تحت العرش تكلم بلسان ذلق فمن أشارت إليه بوصل وصله الله ، ومن أشارت إليه بقطع قطعه الله « .
وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » إن الرحمن معلقة بالعرش لها لسان ذلق تقول اللهم صِلْ من وصلني واقطع من قطعني « .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والحاكم وصححاه والبيهقي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : » قال الله أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي ، فمن وصلها وصلته ، ومن قطعها قطعته ومن بتها بتته « .
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن أبي أوفى قال : » كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في حلقة فقال : « إنا لا نحل لرجل أمسى قاطع رحم إلا قام عنا فلم يقم إذا فتى كان في أقصى الحلقة فأتى خالة له فقالت : ما جاء بك؟ فأخبرها بما قال النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع فلجس في مجلسه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما لي لا أرى أحداً قام من الحلقة غيرك فأخبره بما قال لخالته وما قالت له فقال : اجلس فقد أحسنت ألا أنها لا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع رحم » « .
وأخرج أحمد والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن أعمال بني آدم تعرض عشية كل خميس فلا يقبل عمل قاطع رحم » . (9/201)
وأخرج الحاكم وصححه « عن عمرو بن عبسة قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بعث ، وهو بمكة فقلت : ما أنت؟ قال : نبي . قلت : بم أرسلت؟ قال : » بأن تعبد الله وتكسر الأصنام وتصل الأرحام بالبر والصلة « » .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : « قال الله أنا الرحمن وهي الرحم فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته » .
وأخرج الحاكم وصححه عن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله » .
وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الرحم شجنة من الله فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والحاكم وصححاه والبيهقي عن عبد الله بن عمرو يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء ، الرحم شجنة من الرحمن فمن وصلها وصله ومن قطعها قطعه » .
وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة من أدم حمراء في نحو من أربعين رجلاً فقال : « إنه مفتوح لكم وإنكم منصورون ومصيبون فمن أدرك منكم ذلك فليتق الله وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر وليصل رحمه ، ومثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل البعير يتردى فهو يتردى بذنبه » .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قلت يا رسول الله : أوصني قال : « أقم الصلاة وأدِ الزكاة وصم رمضان وحج البيت واعتمر وبر والديك وصل رحمك واقرِ الضيف وأمُرْ بالمعروف وانْهَ عن المنكر وَزُلْ مع الحق حيث زال » .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن عبد الله بن سلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « افشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام »
وأخرج أحمد والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن نصر في الصلاة وابن حبان
« عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : » قلت يا رسول الله : إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني فأنبئني عن كل شيء ، قال : كل شيء خلق من ماء . قلت : انبئني عن أمر إذا عملت به دخلت الجنة : قال : إفْشِ السلام وأطعم الطعام وصل الأرحام وقم بالليل والناس نيام ثم أدخل الجنة بسلام « . (9/202)
وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » إن الله ليعمر بالقوم ويكثر لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضاً لهم . قالوا : وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال : بصلتهم أرحامهم « .
وأخرج الطيالسي والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » إعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم فإنه لأقرب لرحم إذا قطعت وإن كانت قريبة ، ولا بعد لها إذا وصلت وإن كانت بعيدة « .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » تجيء الرحم يوم القيامة كحجنة المغزل فتتكلم بلسان ذلق طلق فتصل من وصلها وتقطع من قطعها « .
وأخرج البزار والبيهقي في الأسماء والصفات عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : » ثلاث معلقات بالعرش : الرحم تقول : اللهم إني بك فلا أقطع ، والأمانة تقول : اللهم إني بك فلا أخان ، والنعمة تقول : اللهم إني بك فلا أكفر « .
وأخرج الحكيم الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » ثلاث تحت العرش : القرآن له ظهر وبطن يحاج العباد ، والرحم تنادي صل من وصلني واقطع من قطعني ، والأمانة « .
وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الرحم معلقة بالعرش بالعرش فإذا أتاها الواصل بشرت به وكلمته ، وإذا أتاها القاطع احتجبت منه .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن حبان والطبراني والبيهقي والحكيم الترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » الرحم شجنة معلقة بالعرش « .
وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » الرحم شجنة آخذة بحجزة الرحمن تناشده حقها فيقول : ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ من وصلك فقد وصلني ، ومن قطعك فقد قطعني « .
وأخرج الطبراني والخرائطي في مساوىء الأخلاق عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » لا يدخل الجنة مدمن الخمر لا العاقّ ولا المنّان « قال ابن عباس : شق ذلك على المؤمنين يصيبون ذنوباً حتى وجدت ذلك في كتاب الله في العاقّ { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم } و
{ لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } [ البقرة : 264 ] وقال { إنما الخمر والميسر } [ المائدة : 90 ] . (9/203)
قوله تعالى : { أولئك الذين لعنهم الله } الآية .
أخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سليمان موقوفاً والحسن بن سفيان والطبراني وابن عساكر عن سلمان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا ظهر القول وخزن العمل وائتلفت الألسن واختلفت القلوب وقطع ذي رحم رحمه فعند ذلك { لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم } » .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب العلم عن الحسن رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا الناس أظهروا العلم وضيعوا العمل وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا في الأرحام لعنهم الله عند ذلك { فأصمهم وأعمى أبصارهم } » .
أما قوله تعالى : { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } .
أخرج إسحق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عروة رضي الله عنه قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } فقال شاب من أهل اليمن بل عليها أقفالها حتى يكون الله يفتحها أو يفرجها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدقت فما زال الشاب في نفس عمر رضي الله عنه حتى ولي فاستعان به .
وأخرج الدارقطني في الافراد وابن مردويه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } فقال شاب عند النبي صلى الله عليه وسلم : بل والله عليها أقفالها حتى يكون الله هو الذي يفكها . فلما ولي عمر وسأل عن ذلك الشاب ليستعمله ، فقيل : قد مات .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { أفلا يتدبرون القرآن } قال : إذاً والله في القرآن زاجر عن معصية الله قال : لم يتدبره القوم ويعقلوه ولكنهم أخذوا بمتشابهه فهلكوا عند ذلك .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن خالد بن معدان رضي الله عنه قال : ما من عبد إلا له أربع أعين عينان في وجهه يبصر بهما دنياه وما يصلحه من معيشته ، وعينان في قلبه يبصر بهما دينه وما وعد الله بالغيب فإذا أراد الله بعبد خيراً فتح عينيه اللذين في قلبه فأبصر بهما ما وعد بالغيب ، وإذا أراد الله بعبد سوءاً ترك القلب على ما فيه وقرأ { أم على قلوب أقفالها } وما من عبد إلا وله شيطان متبطن فقار ظهره لاوٍ عنقه على عنقه فاغر فاه على قلبه .
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مرفوعاً إلى قوله : وقرأ { أم على قلوب أقفالها } .
وأخرج الديلمي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » يأتي على الناس زمان يخلق القرآن في قلوبهم يتهافتون تهافتاً ، قيل يا رسول الله : وما تهافتهم؟قال : يقرأ أحدهم فلا يجد حلاوة ولا لذة يبدأ أحدهم بالسورة وإنما معه آخرها فإن عملوا قالوا ربنا اغفر لنا ، وإن تركوا الفرائض قالوا : لا بعذبنا الله ونحن لا نشرك به شيئاً أمرهم رجاء ولا خوف فيهم { أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } « .
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28)
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى } قال : هم أعداء الله أهل الكتاب يعرفون نعت محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه عندهم ويجدونه مكتوباً في التوراة والإِنجيل ، ثم يكفرون به { الشيطان سوّل لهم } قال : زين لهم { ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله } قال : هم المنافقون . (9/204)
وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير رضي الله عنه في قوله { إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى } قال : اليهود ارتدوا عن الهدى بعد أن عرفوا أن محمداً صلى الله عليه وسلم نبي ، { الشيطان سوّل لهم وأملى لهم } قال : أملى الله لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله قال : يهود تقول للمنافقين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يسرون إليهم إنا { سنطيعكم في بعض الأمر } وكان بعض الأمر أنهم يعلمون أن محمداً نبي وقالوا اليهودية الدين فكان المنافقون يطيعون اليهود بما أمرتهم { والله يعلم إسرارهم } قال : ذلك سر القول { فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم } قال : عند الموت .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما { إن الذين ارتدوا على أدبارهم . . . إلى إسرارهم } هم أهل النفاق .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { يضربون وجوههم وأدبارهم } قال : يضربون وجوههم وأستاهم ، ولكن الله كريم يكني .
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (32)
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم } قال : أعمالهم . خبثهم والحسد الذي في قلوبهم ، ثم دل الله النبي صلى الله عليه وسلم بعد على المنافقين ، فكان يدعو باسم الرجل من أهل النفاق . (9/205)
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قوله { ولتعرفنهم في لحن القول } قال : ببغضهم علي بن أبي طالب .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ببغضهم علي بن أبي طالب .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه أنه تلا هذه الآية { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين } الآية فقال : اللهم عافنا واسترنا ولا تبل أخبارنا .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ « أو ليبلونكم » بالياء « حتى يعلم » بالياء « ويبلو » بالياء ونصب الواو والله أعلم .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال : من استطاع منكم أن لا يبطل عملاً صالحاً بعمل سوء فليفعل ولا قوّة إلا بالله فإن الخير ينسخ الشر ، فإنما ملاك الأعمال خواتيمها . (9/206)
وأخرج عبد بن حميد ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب ، كما لا ينفع من الشرك عمل حتى نزلت { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم } فخافوا أن يبطل الذنب العمل ، ولفظ عبد بن حميد : فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالكم .
وأخرج ابن نصر وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كنا معشر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبولاً حتى نزلت { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم } فلما نزلت هذه الآية قلنا : ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقال : الكبائر الموجبات والفواحش ، فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها قلنا : هلك ، حتى نزلت هذه الآية { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [ النساء : 48 ] فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك ، وكنا إذا رأينا أحداً أصاب منها شيئاً خفنا عليه وإن لم يصب منها شيئاً رجونا له .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون } يقول : ولا تكونوا أول الطائفتين صرعت صاحبتها ودعتها إلى الموادعة ، وأنتم أولى بالله منهم { ولن يتركم أعمالكم } يقول : لن يظلمكم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه { فلا تهنوا } قال : لا تضعفوا { وأنتم الأعلون } قال : الغالبون { ولن يتركم } قال : لن ينقصكم .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : { يتركم } قال : يظلمكم .
وأخرج الخطيب عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم } قال : محمد بن المنتشر منتصبة السين .
وأخرج أبو نصر السجزي في الإِنابة عن عبد الرحمن بن أبزى قال : كان النبي صل الله عليه وسلم يقرأ هؤلاء الأحرف { ادخلوا في السلم } [ البقرة : 208 ] { وإن جنحوا للسلم } [ الأنفال : 61 ] { وتدعوا إلى السلم } بنصب السين .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { إن يسألكموها } قال : علم الله في مسألة الأموال خروج الأضغان .
قوله تعالى : { وإن تتولوا } الآية .
أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
« لما نزلت { وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم } قيل : من هؤلاء وسلمان رضي الله عنه إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : » هم الفرس وهذا وقومه « » . (9/207)
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } فقالوا يا رسول الله : من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان ثم قال : » هذا وقومه والذي نفسي بيده لو كان الإِيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس « » .
وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية { وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم } الآية فسئل من هم ، قال : » فارس لو كان الدين بالثريا لتناوله رجال من فارس « » .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { يستبدل قوماً غيركم } قال : من شاء .
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3)
أخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن حبان وابن مردويه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فسألته عن شيء ثلاث مرات فلم يرد عليَّ فقلت في نفسي : ثكلتك أمك يا ابن الخطاب نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فلم يردّ عليك ، فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس ، وخشيت أن ينزل فيَّ القرآن ، فما نشبت أن سمعت صارخاً يصرخ بي ، فرجعت ، وأنا أظن أنه نزل فيَّ شيء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « لقد أنزلت عليَّ سورة أحب إليَّ من الدنيا وما فيها » { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } « . (9/208)
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن مجمع ابن جارية الأنصاري قال : » شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إلى كراع الغميم إذا الناس يوجفون الأباعر فقال الناس بعضهم لبعض : ما للناس؟ قالوا : أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجنا مع الناس نوجف ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته على كراع الغميم فاجتمع الناس عليه ، فقرأ عليهم : { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً } فقال رجل : يا رسول الله : أو فتح هو؟ قال : « والذي نفس محمد بيده إنه لفتح » فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية ، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سهماً ، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة منهم ثلثمائة فارس ، فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهماً « .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : أقبلنا من الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي ، وكان إذا أتاه اشتد عليه فسرّي عنه وبه من السرور ما شاء الله ، فأخبرنا أنه أنزل عليه { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً } .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن مردويه والبيهقي عن أنس رضي الله عنه في قوله : { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً } قال : الحديبية .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه في قوله : { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً } قال : فتح خيبر .
وأخرج البخاري وابن جرير وابن مردويه عن البراء رضي الله عنه قال : تعدون أنتم الفتح فتح مكة ، وقد كان فتح مكة فتحاً ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية .
كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة ، والحديبية بئر ، فنزحناها ، فلم نترك فيها قطرة ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ، ودعا ثم صبه فيها تركناها غير بعيد ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا . (9/209)
وأخرج البيهقي عن عروة رضي الله عنه قال : « أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية راجعاً ، فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله ما هذا بفتح ، لقد صددنا عن البيت وصدَّ هدينا ، وعكف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ورد رجلين من المسلمين خرجا ، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قول رجال من أصحابه : إنّ هذا ليس بفتح ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » بئس الكلام ، هذا أعظم الفتح ، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألوكم القضية ويرغبون إليكم في الإِياب ، وقد كرهوا منكم ما كرهوا ، وقد أظفركم الله عليهم ، وردكم سالمين غانمين مأجورين ، فهذا أعظم الفتح . أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد ، وأنا أدعوكم في أخراكم ، أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا؟ « قال المسلمون : صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا . فأنزل الله سورة الفتح » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث في قوله { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً } قال : نزلت في الحديبية ، وأصاب في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة ، أصاب أن بويع بيعة الرضوان فتح الحديبية ، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وبايعوا بيعة الرضوان ، وأطعموا نخيل خيبر ، وبلغ الهدي محله ، وظهرت الروم على فارس ، وفرح المؤمنون بتصديق كتاب الله وظهور أهل الكتاب على المجوس .
وأخرج البيهقي عن المسور ومروان في قصة الحديبية قالا : ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً فلما كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح من أولها إلى آخرها ، فلما أمن الناس وتفاوضوا لم يكلم أحداً بالإِسلام إلا دخل فيه ، فلقد دخل في تلك السنين في الإِسلام أكثر مما كان فيه قبل ذلك ، فكان صلح الحديبية فتحاً عظيماً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً } قال : إنا قضينا لك قضاء بيناً ، نزلت عام الحديبية للنحر الذي بالحديبية وحلقة رأسه .
وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً } قال : قضينا لك قضاء بيناً .
وأخرج عبد بن حميد عن عامر الشعبي رضي الله عنه « أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية : أفتح هذا؟ قال : وأنزلت عليه { إنا فتحا لك فتحاً مبيناً } فقال النبي صلى الله عليه وسلم : نعم عظيم ، قال : وكان فصل ما بين الهجرتين فتح الحديبية قال : { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل } [ الحديد : 10 ] الآية » . (9/210)
وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إنا فتحا لك فتحاً مبيناً } قال : فتح مكة » .
وأخرج ابن عساكر من طريق أبي خالد الواسطي عن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي رضي الله عنه قال : « صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر ذات يوم بغلس وكان يغلس ويسفر ويقول : ما بين هذين وقت لكيلا يختلف المؤمنون فصلّى بنا ذات يوم بغلس فلما قضى الصلاة التفت إلينا كأن وجهه ورقة مصحف ، فقال : » أفيكم من رأى الليلة شيئاً؟ قلنا : لا يا رسول الله . قال : لكني رأيت ملكين أتياني الليلة فأخذا بضبعي فانطلقا بي إلى السماء الدنيا فمررت بملك وأمامه آدمي وبيده صخرة فيضرب بهامة الآدمي فيقع دماغه جانباً وتقع الصخرة جانباً . قلت : ما هذا؟ قالا لي : أمضه . فمضيت فإذا أنا بملك وأمامه آدمي وبيد الملك كلوب من حديد فيضعه في شدقه الأيمن فيشقه حتى ينتهي إلى أذنه ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن قلت : ما هذا؟ قالا : أمضه . فمضيت فإذا أنا بنهر من دم يمور كمور المرجل على فيه قوم عراة على حافة النهر ملائكة بأيديهم مدرتان كلما طلع طالع قذفوه بمدرة فيقع في فيه ويسيل إلى أسفل ذلك النهر ، قلت : ما هذا؟ قالا : أمضه فمضيت فإذا أنا ببيت أسفله أضيق من أعلاه فيه قوم عراة توقد من تحتهم النار أمسكت على أنفي من نتن ما أجد من ريحهم ، قلت : من هؤلاء؟ قالا : أمضه . فمضيت فإذا أنا بتل أسود عليه قوم مخبلون تنفخ النار في أدبارهم فتخرج من أفواههم ومناخرهم وآذانهم وأعينهم قلت : ما هذا؟ قالا : أمضه ، فمضيت فإذا أنا بنار مطبقة موكل بها ملك لا يخرج منها شيء إلا أتبعه حتى يعيده فيها ، قلت : ما هذا؟ قالا لي : أمضه ، فمضيت فإذا أنا بروضة وإذا فيها شيخ جميل لا أجمل منه وإذا حوله الولدان وإذا شجرة ورقها كآذان الفيلة فصعدت ما شاء الله من تلك الشجرة وإذا أنا بمنازل لا أحسن منها من زمردة جوفاء وزبرجدة خضراء وياقوته حمراء . قلت : ما هذا؟ قالا : أمضه . فمضيت ، فإذا أنا بنهر عليه جسران من ذهب وفضة على حافتي النهر منازل لا منازل أحسن منها من درة جوفاء وياقوته حمراء وفيه قدحان وأباريق تطرد قلت : ما هذا؟ قالا لي : أنزل فنزلت فضربت بيدي إلى إناء منها فغرفت ثم شربت فإذا أحلى من عسل ، وأشد بياضاً من اللبن وألين من الزبد ، فقالا لي : أما صاحب الصخرة التي رأيت يضرب بها هامته فيقع دماغه جانباً وتقع الصخرة جانباً ، فأولئك الذين كانوا ينامون عن صلاة العشاء الآخرة ويصلون الصلاة لغير مواقيتها يضربون بها حتى يصيروا إلى النار ، وأما صاحب الكلوب الذي رأيت ملكاً موكلاً بيده كلوب من حديد يشق شدقه الأيمن حتى ينتهي إلى أذنه ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن فأولئك الذين كانوا يمشون بين المؤمنين بالنميمة فيفسدون بينهم فهم يعذبون بها حتى يصيروا إلى النار ، وأما ملائكة بأيديهم مدرتان من النار كلما طلع طالع قذفوه بمدرة فتقع في فيه فينفتل إلى أسفل ذلك النهر فأولئك أكلة الربا يعذبون حتى يصيروا إلى النار ، وأما البيت الذي رأيت أسفله أضيق من أعلاه فيه قوم عراة تتوقد من تحتهم النار أمسكت على أنفك من نتن ما وجدت من ريحهم ، فأولئك الزناة وذلك نتن فروجهم يعذبون حتى يصيروا إلى النار ، وأما التل الأسود الذي رأيت عليه قوماً مخبلين تنفخ النار في أدبارهم فتخرج من أفواههم ومناخرهم وأعينهم وآذانهم فأولئك الذين يعملون عمل قوم لوط الفاعل والمفعول به ، فهم يعذبون حتى يصيروا إلى النار وأما النار المطبقة التي رأيت ملكاً موكلاً بها كلما خرج منها شيء أتبعه حتى يعيده فيها ، فتلك جهنم تفرق بين أهل الجنة وأهل النار ، وأما الروضة التي رأيت فتلك جنة المأوى ، وأما الشيخ الذي رأيت ومن حوله من الولدان فهو إبراهيم وهم بنوه . وأما الشجرة التي رأيت فطلعت إليها فيها منازل لا منازل أحسن منها من زمردة جوفاء وزبرجدة خضراء وياقوته حمراء فتلك منازل أهل عليين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقاً . وأما النهر فهو نهرك الذي أعطاك الله الكوثر ، وهذه منازلك وأهل بيتك . قال : فنوديت من فوقي يا محمد سل تُعْطه ، فارتعدت فرائصي ورجف فؤادي واضطرب كل عضو مني ولم أستطع أن أجيب شيئاً فأخذ أحد الملكين بيده اليمنى ، فوضعها في يدي والآخر يده اليمنى فوضعها بين كتفي فسكن ذلك مني ثم نوديت من فوقي : يا محمد سل تعط . قال : قلت : اللهم إني أسألك أن تثبت شفاعتي وأن تلحق بي أهل بيتي وأن ألقاك ولا ذنب لي قال : ثم ولي بي ونزلت عليه هذه الآية { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فكما أعطيت هذه كذلك أعطانيها إن شاء الله تعالى » « .
وأخرج السلفي في الطيوريات من طريق يزيد بن هارون رضي الله عنه قال : سمعت المسعودي رضي الله عنه يقول : بلغني أن من قرأ أول ليلة من رمضان { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً } في التطوع حفظ ذلك العام . (9/211)
قوله تعالى : { ليغفر لك الله ما تقدم } الآية .
وأخرج ابن المنذر عن عامر وأبي جعفر رضي الله عنه في قوله { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك } قال : في الجاهلية { وما تأخر } قال : في الإِسلام .
وأخرج عبد بن حميد عن سفيان رضي الله عنه قال : بلغنا في قول الله { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } قال : ما تقدم ما كان في الجاهلية ، وما تأخر : ما كان في الإِسلام ما لم يفعله بعد .
وأخرج ابن سعد عن مجمع بن جارية رضي الله عنه قال : لما كنا بضجنان رأيت الناس يركضون ، وإذا هم يقولون : أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فركضت مع الناس حتى توافينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو يقرأ { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً } فلما نزل بها جبريل عليه السلام قال : ليهنك يا رسول الله ، فلما هنأه جبريل عليه السلام هنأه المسلمون .
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت : « لما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً } الآية ، اجتهد في العبادة فقيل يا رسول الله : ما هذا الإِجتهاد؟ وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال : » أفلا أكون عبداً شكوراً؟ « » .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } صام وصلّى حتى انتفخت قدماه ، وتعبد حتى صار كالشن البالي ، فقيل له : أتفعل هذا بنفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال : » أفلا أكون عبداً شكوراً؟ « » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن الحسن رضي الله عنه قال : « كان النبي صلى الله عليه وسلم تأخذه العبادة حتى يخرج على الناس كالشن البالي فقيل له : يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال : أفلا أكون عبداً شكوراً؟ » .
وأخرج ابن عساكر عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال : « كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تفطر قدماه فقيل له : أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال : » أفلا أكون عبداً شكوراً؟ « » .
وأخرج أبو يعلى وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي حتى تورمت قدماه فقيل له : أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال : » أفلا أكون عبداً شكوراً؟ « » . (9/212)
وأخرج ابن عساكر عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي حتى ترم قدماه .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم قدماه ، فقيل له : أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال : » أفلا أكون عبداً شكوراً؟ « » .
وأخرج الحسن بن سفيان وابن عساكر « عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم قدماه ، قلت يا رسول الله : أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال : » أفلا أكون عبداً شكوراً؟ « » .
وأخرج ابن عساكر عن أحمد بن إسحق بن إبراهيم بن نبيط بن شريط الأشجعي رضي الله عنه قال : حدثني أبي عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى حتى تورمت قدماه ، فقيل له يا رسول الله : أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال : « » أفلا أكون عبداً شكوراً؟ « » .
وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه قال : « تعبد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صار كالشن البالي ، فقالوا : يا رسول الله ، ما يحملك على هذا الإِجتهاد كله وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال : » أفلا أكون عبداً شكوراً؟ « » .
وأخرج أبو نعيم في الحلية « عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الليل أربع ركعات ثم يتروح ، فطال حتى رحمته ، فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، قال : » أفلا أكون عبداً شكوراً؟ « » .
أما قوله تعالى : { وينصرك الله نصراً عزيزاً } .
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله : { وينصرك الله نصراً عزيزاً } قال : يريد بذلك فتح مكة وخيبر والطائف .
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4)
أخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين } قال : السكينة هي الرحمة في قوله { ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم } قال : إن الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله فما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة ، فلما صدقوا بها زادهم الزكاة ، فلما صدقوا بها ، زادهم الصيام ، فلما صدقوا به زادهم الحج ، فلما صدقوا به زادهم الجهاد ، ثم أكمل لهم دينهم فقال : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإِسلام ديناً } [ المائدة : 3 ] قال ابن عباس رضي الله عنهما : فأوثق إيمان أهل السماء وأهل الأرض وأصدقه وأكمله شهادة أن لا إله إلا الله . (9/213)
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه { ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم } قال : تصديقاً مع تصديقهم .
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7)
أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن أنس رضي الله عنه قال : « أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } مرجعه من الحديبية فقال : » لقد أنزلت عليَّ آية هي أحب إلي مما على الأرض « ثم قرأها عليهم فقالوا : هنيئاً مريئاً يا رسول الله قد بين الله لك ماذا يفعل بك فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار } حتى بلغ { فوزاً عظيماً } » . (9/214)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال : « لما رجعنا من الحديبية وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قد خالطوا الحزن والكآبة حيث ذبحوا هديهم في أمكنتهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنزلت عليَّ ضحى آية هي أحب إلي من الدنيا جميعاً ثلاثاً قلنا : ما هي يا رسول الله؟ فقرأ { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً } الآيتين قلنا : هنيئاً لك يا رسول الله فما لنا؟ فقرأ { ليدخل المؤمنين والمؤمنات } الآية فلما أتينا خيبر فأبصروا خميس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني جيشه أدبروا هاربين إلى الحصن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين » .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه الآية { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً } الآية قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : هنيئاً لك ما أعطاك ربك ، هذا لك فما لنا؟ فأنزل الله { ليدخل المؤمنين والمؤمنات } إلى آخر الآية .
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه { إنا أرسلناك شاهداً } قال : شاهداً على أمته وشاهداً على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنهم قد بلّغوا { ومبشراً } يبشر بالجنة من أطاع الله { ونذيراً } ينذر الناس من عصاه { ليؤمنوا بالله ورسوله } قال : بوعده وبالحساب وبالبعث بعد الموت { وتعزروه } قال : تنصروه { وتوقروه } قال : أمر الله بتسويده وتفخيمه وتشريفه وتعظيمه ، قال : وكان في بعض القراءة « ويسبحوا الله بكرة وأصيلا » . (9/215)
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه : « ويعزروه » قال : لينصروه « ويوقروه » أي ليعظموه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وتعزروه } يعني الإِجلال { وتوقروه } يعني التعظيم يعني محمداً صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وتعزروه } قال : تضربوا بين يديه بالسيف .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { وتعزروه } قال : تقاتلوا معه بالسيف .
وأخرج ابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن عساكر في تاريخه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : « لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { وتعزروه } قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : » ما ذاك؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال : { لتنصروه } « » .
وأخرج ابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه قال : كان ابن عباس يقرأ هذه الآية { تؤمنون بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً } قال : فكان يقول : إذا أشكل ياء أو تاء فاجعلوها على ياء فإن القرآن كله على ياء .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { ويسبحوه } قال : يسبحوا الله ، رجع إلى نفسه .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هرون رضي الله عنه قال : في قراءة ابن مسعود « ويسبحوا الله بكرة وأصيلاً » .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه كان يقرأ « ويسبحوا الله بكرة وأصيلاً » .
إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10)
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { إن الذين يبايعونك } قال : يوم الحديبية . (9/216)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه { إن الذين يبايعونك } قال : هم الذين بايعوه زمن الحديبية .
وأخرج ابن مردويه عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال : كانت بيعة النبي صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } الآية فكانت بيعة النبي صلى الله عليه وسلم التي بايع عليها الناس البيعة لله والطاعة للحق . وكانت بيعة أبي بكر رضي الله عنه بايعوني ما أطعت الله ، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم . وكانت بيعة عمر بن الخطاب رضي الله عنه البيعة لله والطاعة للحق . وكانت بيعة عثمان بن عفان رضي الله عنه البيعة لله والطاعة للحق .
وأخرج عبد بن حميد عن الحكم بن الأعرج رضي الله عنه { يد الله فوق أيديهم } قال : أن لا يفروا .
وأخرج أحمد وابن مردويه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل ، وعلى النفقة في العسر واليسر ، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا في الله لومة لائم ، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب ، فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ، ولنا الجنة ، فمن وفى وفى الله له ، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه .
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11)
أخرج عبد بن حميد عن جويبر رضي الله عنه في قوله { سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا } قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم حين انصرف من الحديبية وسار إلى خيبر تخلف عنه أناس من الأعراب فلحقوا بأهاليهم ، فلما بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد افتتح خيبر ساروا إليه ، وقد كان الله أمره أن لا يعطي أحداً تخلف عنه من مغنم خيبر ، ويقسم مغنمها من شهد الفتح ، وذلك قوله : { يريدون أن يبدلوا كلام الله } يعني ما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن لا يعطي أحداً تخلف عنه من مغنم خيبر شيئاً . (9/217)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { سيقول لك المخلفون من الأعراب } قال : أعراب المدينة جهينة ومزينة استنفرهم لخروجه إلى مكة ، فقالوا : نذهب معه إلى قوم جاؤوه فقتلوا أصحابه فنقاتلهم في ديارهم ، فاعتلوا له بالشغل ، فأقبل معتمراً فأخذ أصحابه أناساً من أهل الحرم غافلين فأرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فذلك الأظفار ببطن مكة ، ورجع محمد صلى الله عليه وسلم فوعد مغانم كثيرة فجعلت له خيبر ، فقال المخلفون : { ذرونا نتبعكم } وهي المغانم التي قال الله { إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها } وعرض عليهم قتال قوم أولي بأس شديد فهم فارس والمغانم الكثيرة التي وعدوا ما يأخذون حتى اليوم .
بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (12) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (13) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (14) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء } قال : ظنوا بنبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم لن يرجعوا من وجههم ذلك ، وأنهم سيهلكون ، فذلك الذي خلفهم عن نبي الله صلى الله عليه وسلم وهم كاذبون بما يقولون { سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها } قال : هم الذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية كذلكم قال الله من قبل قال : إنما جعلت الغنيمة لأجل الجهاد إنما كانت غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب { قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد } قال : فدعوا يوم حنين إلى هوازن وثقيف فمنهم من أحسن الإِجابة ، ورغب في الجهاد ، ثم عذر الله أهل العذر من الناس ، فقال : { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج } [ النور : 61 ] . (9/218)
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول } قال : نافق القوم { وظننتم ظن السوء } أن لن ينقلب الرسول .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه { يريدون أن يبدلوا كلام الله } قال : كتاب الله كانوا يبطئون المسلمين عن الجهاد ويأمرونهم أن يفروا .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { أولي بأس شديد } يقول : فارس .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه قال : هم فارس والروم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله { أولي بأس شديد } قال : هم البآرز يعني الأكراد .
وأخرج ابن المنذر والطبراني في الكبير عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال : أعراب فارس وأكراد العجم .
وأخرج ابن المنذر والطبراني عن الزهري رضي الله عنه قال : هم بنو حنيفة .
وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه { ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد } قال : لم يأتِ أولئك بعد .
قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (16)
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم } قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : دعا أعراب المدينة جهينة ومزينة الذين كان النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى خروجه إلى مكة دعاهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى قتال فارس قال : فإن تطيعوا إذا دعاكم عمر تكن توبة لتخلفكم عن النبي صلى الله عليه وسلم يؤتكم الله أجراً حسناً وإن تتولوا إذا دعاكم عمر كما توليتم من قبل إذ دعاكم النبي صلى الله عليه وسلم يعذبكم عذاباً أليماً . (9/219)
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد } قال : فارس والروم .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه { ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد } قال : أهل الأوثان .
وأخرج الفريابي وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد } قال : هوازن وبني حنيفة .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عكرمة وسعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد } قال : هوازن يوم حنين .
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (17) لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (19) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (20) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (21) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (23)
أخرج الطبراني بسند حسن عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإني لواضع القلم على أذني إذ أمر بالقتال إذ جاء أعمى فقال : كيف بي وأنا ذاهب البصر فنزلت { ليس على الأعمى حرج } الآية قال : هذا في الجهاد ليس عليهم من جهاد إذا لم يطيقوا . (9/220)
أما قوله تعالى : { لقد رضي الله عن المؤمنين } .
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه « عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال : بينا نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيها الناس البيعة البيعة نزل روح القدس فثرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت شجرة سمرة فبايعناه فذلك قول الله تعالى : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } فبايع لعثمان رضي الله عنه إحدى يديه على الأخرى ، فقال الناس : هنيئاً لابن عفان رضي الله عنه يطوف بالبيت ونحن ههنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف « » .
وأخرج البخاري وابن مردويه عن طارق بن عبد الرحمن رضي الله عنه قال : انطلقت حاجاً فمررت بقوم يصلون فقلت : ما هذا المسجد؟ قالوا : هذه الشجرة حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان . فأتيت سعيد بن المسيب رضي الله عنه فأخبرته ، فقال سعيد : حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ، فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها ، فقال سعيد رضي الله عنه : إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن نافع رضي الله عنه قال : بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ناساً يأتون الشجرة التي بويع تحتها فأمر بها فقطعت .
وأخرج البخاري وابن مردويه عن قتادة رضي الله عنه قال : قلت لسعيد بن المسيب : كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال : خمس عشرة مائة قلت : فإن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال : كانوا أربع عشرة مائة . قال : يرحمه الله وهم ، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة .
وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن مردويه عن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال : كان أصحاب الشجرة ألفاً وثلثمائة .
وأخرج سعيد بن منصور والبخاري ومسلم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل « عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال : كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : » أنتم خير أهل الأرض « » .
وأخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب والبخاري ومسلم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل « عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال : كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة ، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : » أنتم خير أهل الأرض « » . (9/221)
وأخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب عن أبيه رضي الله عنه قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ألفاً وأربعمائة .
وأخرج البخاري عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة قيل : على أي شيء كنتم تبايعون؟ قال : على الموت .
وأخرج البيهقي عن عروة رضي الله عنه قال : « لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم الحديبية فزعت قريش لنزوله عليهم فأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم رجلاً من أصحابه فدعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليبعثه إليهم ، فقال : يا رسول الله إني لا آمن ، وليس بمكة أحد من بني كعب يغضب لي إن أوذيت فأرسل عثمان بن عفان فإن عشيرته بها وإنه يبلغ لك ما أردت . فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان رضي الله عنه فأرسله إلى قريش وقال : أخبرهم أنا لم نأتِ لقتال وإنما جئنا عماراً وادعهم إلى الإِسلام وأمره أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح . ويخبرهم أن الله وشيك أن يظهر دينه بمكة حتى لا يستخفى فيها بالإِيمان فانطلق عثمان رضي الله عنه إلى قريش فأخبرهم ، فارتهنه المشركون ، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بالبيعة فأخرجوا على اسم الله فبايعوه ، فثار المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة فبايعوه على أن لا يفروا أبداً فرعبهم الله فأرسلوا من كانوا ارتهنوا من المسلمين ودعوا إلى الموادعة والصلح » .
وأخرج مسلم وابن جرير وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال : كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فبايعناه وعمر رضي الله عنه آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة وقال : بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت .
وأخرج عبد بن حميد ومسلم وابن مردويه عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال : لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس وأنا رافع غصناً من أغصانها عن رأسه ونحن أربع عشرة مائة ، ولم نبايعه على الموت ، ولكن بايعناه على أن لا نفر .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن الشعبي قال : « لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال : أبسط يدك أبايعك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : علام تبايعني؟ قال : على ما في نفسك » .
وأخرج البيهقي عن أنس قال : « لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة ، فبايع الناس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان خيراً من أيديهم لأنفسهم » . (9/222)
وأخرج أحمد عن جابر ومسلم عن أم بشر عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم } قال : إنما أنزلت السكينة على من علم منه الوفاء .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عبد الرحمن بن أبي أوفى في قوله { وأثابهم فتحاً قريباً } قال : خيبر .
وأخرج عبد الرزاق وأبو داود في مراسيله عن الزهري قال : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقسم لغائب في مقسم لم يشهده إلا يوم خيبر قسم لغيب أهل الحديبية من أجل أن الله كان أعطى أهل خيبر المسلمين من أهل الحديبية ، فقال { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه } وكانت لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم } قال : الوقار والصبر وهم الذين بايعوا زمان الحديبية وكانت الشجرة فيما ذكر لنا سمرة بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه تحتها ، وكانوا يومئذ خمس عشرة مائة فبايعوه على أن لا يفروا ، ولم يبايعوه على الموت ، { وأثابهم فتحاً قريباً ومغانم كثيرة } قال : هي مغانم خيبر وكانت عقاراً ومالاً فقسمها نبي الله بين أصحابه .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية إلى المدينة حتى إذا كان بين المدينة ومكة نزلت عليه سورة الفتح فقال : { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً } إلى قوله { عزيزاً } ثم ذكر الله الأعراب ومخالفتهم للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : { سيقول لك المخلفون من الأعراب } إلى قوله { خبيراً } ثم قال للأعراب { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون } إلى قوله { سعيراً } ثم ذكر البيعة فقال : { لقد رضي الله عن المؤمنين } إلى قوله { وأثابهم فتحاً قريباً } لفتح الحديبية .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { لقد رضي الله عن المؤمنين } قال : كان أهل البيعة تحت الشجرة ألفاً وخمسمائة وخمساً وعشرين .
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي قال : لما نزلت { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } قال : يا أبا أمامة أنت مني وأنا منك . (9/223)
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة { وأثابهم فتحاً قريباً } قال : خيبر حيث رجعوا من صلح الحديبية .
وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي { وأثابهم فتحاً قريباً } قال : فتح خيبر .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها } قال : المغانم الكثيرة التي وعدوا ما يأخذون حتى اليوم { فعجل لكم هذه } قال : عجلت لهم خيبر .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه } يعني الفتح .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه } يعني خيبر { وكف أيدي الناس عنكم } يعني أهل مكة أن يستحلوا ما حرم الله أو يستحل بكم وأنتم حرم { ولتكون آية للمؤمنين } قال : سنة لمن بعدكم .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن مروان والمسور بن مخرمة قالا : انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة فأعطاه الله فيها خيبر { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه } خيبر فقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في ذي الحجة فقام بها حتى سار إلى خيبر في المحرم فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجيع ، وادٍ بين غطفان وخيبر ، فتخوّف أن تمدهم غطفان ، فبات به حتى أصبح فغدا عليهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { فعجل لكم هذه } قال : خيبر { وكف أيدي الناس عنكم } قال : عن بيضتهم وعن عيالهم بالمدينة حين ساروا عن المدينة إلى خيبر .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطية { فعجل لكم هذه } قال : فتح خيبر .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { وكف أيدي الناس عنكم } قال : الحليفان أسد وغطفان عليهم عيينة بن حصن معه مالك بن عوف النصري أبو النضر وأهل خيبر على بئر معونة فألقى الله في قلوبهم الرعب فانهزموا ولم يلقوا النبي صلى الله عليه وسلم . وفي قوله { ولو قاتلكم الذين كفروا } هم أسد وغطفان { لولوا الأدبار حتى لا تجد لسنة الله تبديلاً } يقول سنة الله في الذين خلوا من قبل أنه لن يقاتل أحد نبيه إلا خذله الله فقتله أو رعبه فانهزم ولن يسمع به عدو إلا انهزموا واستسلموا .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس { وأخرى لم تقدروا عليها } قال : هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس { قد أحاط الله بها } أنها ستكون لكم بمنزلة قوله أحاط الله بها علماً أنها لكم . (9/224)
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الأسود الديلمي أن الزبير بن العوام لما قدم البصرة دخل بيت المال فإذا هو بصفراء وبيضاء فقال : يقول الله { وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها } فقال : هذا لنا .
وأخرج ابن عساكر عن علي وابن عباس قالا في قوله تعالى : { وعدكم الله مغانم كثيرة } فتوح من لدن خيبر { تأخذونها } تلونها وتغنمون ما فيها { فعجل لكم } من ذلك خيبر { وكف أيدي الناس } قريشاً { عنكم } بالصلح يوم الحديبية { ولتكون آية للمؤمنين } شاهداً على ما بعدها ودليلاً على إنجازها { وأخرى لم تقدروا عليها } على علم وفيها أقسمها بينكم فارس والروم { قد أحاط الله بها } قضى الله بها أنها لكم .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى { وأخرى لم تقدروا عليها } قال : فارس والروم .
وأخرج عبد بن حميد عن عطية { وأخرى لم تقدروا عليها } قال : فتح فارس .
وأخرج عبد بن حميد عن جويبر { وأخرى لم تقدروا عليها } قال : يزعمون أنها قرى عربية ويزعم آخرون أنها فارس والروم .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { وأخرى لم تقدروا عليها } قال : بلغنا أنها مكة .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة { وأخرى لم تقدروا عليها } قال : يوم حنين .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس { وأخرى لم تقدروا عليها } قال : هي خيبر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار } يعني أهل مكة ، والله أعلم .
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25)
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس قال : لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثمانون رجلا من أهل مكة في السلاح من قبل جبل التنعيم يريدون غرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا عليهم فأخذوا فعفا عنهم فنزلت هذه الآية وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم (9/225)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة قال : بطن مكة الحديبية ذكر لنا أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له زنيم أطلع الثنية زمان الحديبية فرماه المشركون فقتلوه فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا فأتوا بأثني عشر فارسا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل لكم عهد أو ذمة ؟ قالوا لا
فأرسلهم فأنزل الله في ذلك وهو الذي كف أيديهم عنكم الآية
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بغدير الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعي فقال : إني قد تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعا وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أشيروا علي أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم فإن قعدوا قعدوا موثورين محزونين وإن لحوا تكن عنقا قطعها الله أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ؟ فقال أبو بكر : الله ورسوله أعلم يا رسول اللهن إنما جئنا معتمرين ولم نجيء لقتال أحد ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فروحوا إذن
فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين
فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش
وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته فقال النبي صلى الله عليه وسلم : حل حل فألحت فقالوا : خلأت القصواء
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل
ثم قال : والذي نفس محمد بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها
ثم زجرها فوثبت فعدل بهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء إنما يتربضه الناس تربضا فلم يلبث الناس أن نزحوه فشكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه
قال : فو الله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه
فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة فقال : إني قد تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيتز فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا لم نجيء لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره
فقال بديل سأبلغهم ما تقول
فانطلق حتى أتى قريشا فقال : إنا قد جئناكم من عند الرجل وسمعناه يقول قولا فإن شئتم نعرضه عليكم فعلنا
فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا في أن تحدثنا عنه بشيء
وقال ذو الرأي منهم هات ما سمعته يقول
قال : سمعته يقول : كذا وكذا فحدثهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال : أي قوم ألستم بالولد ؟ قالوا : بلى
قال : ألست بالوالد ؟ قالوا : بلى
قال : فهل تتهموني ؟ قالوا : لا
قال : ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟ قالوا : بلى
قال : فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته
قالوا : ائته ؟
فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديلز فقال عروة عند ذلك : أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت أحدا من العرب اجتاح أهله قبلك وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها وأرى أوباشا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك
فقال له أبو بكر : أمصص بظر اللات أنحن نفر عنه وندعه ؟ فقال : من ذا ؟ قال : أبو بكر
قال : أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك
قال : وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب المغيرة يده بنعل السيف وقال : أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم
فرفع عروة رأسه فقال : من هذا ؟ قالوا : المغيرة بن شعبة
قال : أي غدر ألست أسعى في غدرتك ؟ وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء
ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه
قال : فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف واحد منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له
فرجع عروة إلى أصحابه فقال : أي قوم ! والله لقد وفدت على الملوك وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله إن رأيت ملكا يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف واحد منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم إبتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له وإنه عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها
فقال رجل من بني كنانة : دعوني آته
فقالوا : ائته ؟
فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعثت له واستقبله القوم يلبون فلما رأى ذلك قال : سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت
فلما رجع إلى أصحابه قال : رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت
فقام رجل يقال له مكرز بن حفص فقال : دعوني آته فقالوا : ائته ؟
فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا مكرز وهو رجل فاجر
فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قد سهل لكم من أمركم
فجاء سهيل فقال هات أكتب بيننا وبينك كتابا
فدعا الكاتب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم
قال سهيل : أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن اكتب « باسمك اللهم » كما كنت تكتب
فقال المسلمون : والله ما نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اكتب « باسمك اللهم »
ثم قال : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله
فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب : محمد بن عبد الله
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : والله إني لرسول الله وإن كذبتموني اكتب : هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله
قال الزهري وذلك لقوله : لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به
قال سهيل : والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضفطة ؟ ولكن لك من العام المقبل فكتب
فقال سهيل : وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا
فقال المسلمون : سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟ فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمر ويرسف في قيوده وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل : هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترد إلي
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنا لم نقض الكتاب بعد
قال : فوالله لا أصالحك على شيء أبدا
قال النبي صلى الله عليه وسلم : فأجزه لي
قال : ما أنا بمجيزه
قال : بلى فافعل
قال : ما أنا بفاعل
فقال أبو جندل : أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ألا ترون ما لقيت في الله ؟ وكان قد عذب عذابا شديدا في الله
فقال عمر بن الخطاب : والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : ألست نبي الله ؟ قال : بلى
فقلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى
قلت : فلم نعطى الدنية في ديننا إذن ؟ قال : إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري
قلت : أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : بلى أفأخبرتك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا
قال : فإنك آتيه ومطوف به
فأتيت أبا بكر فقلت يا أبا بكر : أليس هذا نبي الله حقا ؟ قال : بلى
قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى
قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذن ؟ قال : أيها الرجل إنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه تفز حتى تموت فو الله إنه لعلى الحق
قلت : أوليس كان يحدثنا إنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : بلى أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا
قال : فإنك آتيه ومطوف به
قال عمر : فعملت لذلك أعمالا
فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : قوموا فانحروا ثم احلقوا
فوالله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة : يا نبي الله أتحب ذلك ؟ قال : نعم
قالت : فاخرج ثم لا تكلم أحدا منهم حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك
فقام النبي صلى الله عليه وسلم فخرج فلم يكلم أحدا منهم كلمة حتى فعل ذلك : نحر بدنه ودعا بحالقه فحلقه
فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما
ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات الممتحنة 10 حتى بلغ بعصم الكوافر فطلق عمر رضي الله عنه يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية
ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا : العهد الذي جعلته لنا ! فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم فقال أبو بصير لأحد الرجلين : والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا
فاستله الآخر وقال : أجل والله إنه لجيد لقد جربت به وجربت
فقال له أبو بصير : أرني أنظر إليه
فأمكنه منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذعرا
فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : قد قتل والله صاحبي وإني لمقتول فجاء أبو بصير فقال يا نبي الله : قد أوفى الله بذمتك قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ويل أمه ! مسعر حرب لو كان له أحد ! فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر
قال : وينفلت منهم أبو جندل فلحق بأبي بصير فجعل لا يخرج رجل من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة
قال : فوالله ما يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم
فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحمن لما أرسل إليهم فمن أتاه منهم فهو آمنز فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم حتى بلغ حمية الجاهلية وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم وحالوا بينه وبين البيت
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال : كاتب الكتاب يوم الحديبية علي بن أبي طالب . (9/226)
وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل « عن سلمة بن الأكوع قال : قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونحن أربع عشرة مائة ، ثم إن المشركين من أهل مكة راسلونا في الصلح فلما اصطلحنا واختلط بعضنا ببعض ، أتيت شجرة فاضطجعت في ظلها فأتاني أربعة من مشركي أهل مكة فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمعضتهم ، وتحوّلت إلى شجرة أخرى ، فعلقوا سلاحهم واضطجعوا ، فبينما هم كذلك إذ نادى منادٍ من أسفل الوادي : يا للمهاجرين قتل ابن زنيم ، فاخترطت سيفي فاشتددت على أولئك الأربعة وهم رقود فأخذت سلاحهم وجعلته في يدي ، ثم قلتُ : والذي أكرم وجه محمد لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه ، ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له مكرز من المشركين يقوده حتى وقفنا بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين من المشركين ، فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : دعوهم يكون لهم بدء الفجور ومنتهاه ، فعفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنزل الله { وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم } » .
وأخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه وابن جرير وأبو نعيم في الدلائل وابن مردويه عن عبد الله بن مغفل قال : « كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصل الشجرة التي قال الله في القرآن ، وكان يقع من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب وسهيل بن عمرو بين يديه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فأخذ سهيل بيده ، قال : ما نعرف الرحمن ولا الرحيم ، أكتب في قضيتنا ما نعرف . قال : أكتب : باسمك اللهم وكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة ، فأمسك سهيل بيده وقال : لقد ظلمناك إن كنت رسوله ، أكتب في قضيتنا ما نعرف ، فقال : أكتب هذا ما صالح محمد بن عبد الله ، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شاباً عليهم السلاح ، فثاروا في وجوهنا ، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ الله بأسماعهم . ولفظ الحاكم : بأبصارهم . فقمنا إليهم فأخذناهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل جئتم في عهد أحد ، أو هل جعل لكم أحد أماناً فقالوا : لا . فخلى سبيلهم فأنزل الله { وهو الذي كف أيديهم عنكم } » . (9/227)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبزى قال : « لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم بالهدي ، وانتهى إلى ذي الحليفة قال له عمر : يا نبي الله تدخل على قوم لك حرب بغير سلاح ولا كراع ، فبعث إلى المدينة فلم يدع فيها سلاحاً ولا كراعاً إلا حمله ، فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل ، فسار حتى أتى منى ، فنزل بمنى ، فأتاه عيينة بن عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليه في خمسمائة ، فقال لخالد بن الوليد : يا خالد هذا ابن عمك قد أتاك في الخيل ، فقال خالد : أنا سيف الله وسيف رسوله ، فيومئذ سمي سيف الله ، يا رسول الله إرمِ بي أين شئت ، فبعثه على خيل فلقيه عكرمة في الشعب ، فهزمه حتى أدخله حيطان مكة ، ثم عاد في الثانية حتى أدخله حيطان مكة ، ثم عاد في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة ، فأنزل الله { وهو الذي كف أيديهم عنكم } الآية »
قال : فكف الله النبي عنهم من بعد أن أظفره عليهم لبقايا من المسلمين كانوا بقوا فيها كراهية أن تطأهم الخيل . (9/228)
أخرج ابن المنذر عن الضحاك وسعيد بن جبير { والهدي معكوفاً } قال : محبوساً .
وأخرج أحمد والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نحروا يوم الحديبية سبعين بدنة ، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها .
وأخرج الطبراني « عن مالك بن ربيعة السلولي رضي الله عنه أنه شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الشجرة ويوم رد الهدي معكوفاً قبل أن يبلغ محله ، وأن رجلاً من المشركين قال يا محمد : ما يحملك على أن تدخل هؤلاء علينا ونحن كارهون؟ فقال : » هؤلاء خير منك ومن أجدادك يؤمنون بالله واليوم الآخر والذي نفسي بيده لقد رضي الله عنهم « » .
قوله تعالى : { ولولا رجال مؤمنون } الآية .
أخرج الحسن بن سفيان وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن قانع والباوردي والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم بسند جيد عن أبي جمعة حنيبذ بن سبيع قال : قاتلت النبي صلى الله عليه وسلم أول النهار كافراً ، وقاتلت معه آخر النهار مسلماً ، وفينا نزلت { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات } وكنا تسعة نفر سبعة رجال وامرأتين .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم } قال : حين ردوا النبي صلى الله عليه وسلم { أن تطؤهم } بقتلهم إياهم { لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً } يقول لو تزيل الكفار من المؤمنين لعذبهم الله عذاباً أليماً بقتلهم إياهم .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { ولولا رجال مؤمنون } قال : دفع الله عن المشركين يوم الحديبية بأناس من المؤمنين كانوا بين أظهرهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال : هم أناس كانوا بمكة تكلموا بالإِسلام كره الله أن يؤذوا وأن يوطأوا حين رد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم الحديبية ، فتصيب المسلمين منهم معرة يقول ذنب بغير علم .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد { فتصيبكم منهم معرة بغير علم } قال : إثم { لو تزيلوا } قال : لو تفرقوا .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً } قال : هو القتل والسبي .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه { لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً } قال : إن الله عز وجل يدفع بالمؤمنين عن الكفار .
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (26)
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل « عن سهل بن حنيف أنه قال يوم صفين : اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية نرجىء الصلح الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين ، ولو نرى قتالاً لقاتلنا ، فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله : ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال : بلى . قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال : بلى . قال ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع لما يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقال يا ابن الخطاب : إني رسول الله ولن يضيعني الله أبداً . فرجع متغيظاً لم يصبر حتى جاء أبا بكر ، فقال يا أبا بكر : ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال : بلى . قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال : بلى . قال : فلمَ نعطي الدنية في ديننا؟ قال : يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبداً . فنزلت سورة الفتح ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر رضي الله عنه فأقرأه إياها . قال يا رسول الله : أو فتح هو؟ قال : نعم » . (9/229)
وأخرج النسائي والحاكم وصححه من طريق أبي إدريس عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه أنه كان يقرأ [ إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام فأنزل الله سكينته على رسوله ] فبلغ ذلك عمر فاشتد عليه ، فبعث إليه فدخل عليه ، فدعا ناساً من أصحابه فيهم زيد بن ثابت ، فقال : من يقرأ منكم سورة الفتح؟ فقرأ زيد على قراءتنا اليوم ، فغلظ له عمر فقال أبيّ أأتكلم؟ قال : تكلم . فقال : لقد علمت أني كنت أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم ويقرئني ، وأنت بالباب ، فإن أحببت أن أقرىء الناس على ما أقرأني أقرأت ، وإلا لم أقرىء حرفاً ما حييت . قال : بل أقرىء الناس .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { حمية الجاهلية } قال : حميت قريش أن يدخل عليهم محمد صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : لا يدخلها علينا أبداً ، فوضع الله الحمية عن محمد وأصحابه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأجلح قال : كان حمزة بن عبد المطلب رجلاً حسن الشعر ، حسن الهيئة ، صاحب صيد ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على أبي جهل فولع به وآذاه ، فرجع حمزة من الصيد وامرأتان تمشيان خلفه ، فقالت إحداهما لو علم ذا ما صنع بابن أخيه أقصر عن مشيته ، فالتفت إليهما ، فقال : وما ذاك؟ قالت : أبو جهل فعل بمحمد كذا وكذا ، فدخلته الحمية فجاء حتى دخل المسجد وفيه أبو جهل فعلا رأسه بقوسه ، ثم قال : ديني دين محمد إن كنتم صادقين فامنعوني ، فقامت إليه قريش فقالوا يا أبا يعلى ، فأنزل الله { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية } إلى قوله { وألزمهم كلمة التقوى } قال : حمزة بن عبد المطلب .
أما قوله تعالى : { وألزمهم كلمة التقوى } . (9/230)
أخرج الترمذي وعبدالله بن أحمد في زوائد المسند وابن جرير والدارقطني في الأفراد وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم { وألزمهم كلمة التقوى } قال : لا إله إلا الله .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه « عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { وألزمهم كلمة التقوى } قال : لا إله إلا الله » .
وأخرج ابن مردويه عن سلمة بن لأكوع « عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله { وألزمهم كلمة التقوى } قال : لا إله إلا الله » .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه { وألزمهم كلمة التقوى } قال : لا إله إلا الله .
وأخرج ابن جرير وأبو الحسين بن مروان في فوائده عن علي رضي الله عنه { وألزمهم كلمة التقوى } قالا : لا إله إلا الله والله أكبر .
وأخرج أحمد عن حمران مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : « سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقّاً من قلبه إلا حرمه الله على النار فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنا أحدثكم ما هي كلمة الإِخلاص التي ألزمها الله محمداً وأصحابه وهي كلمة التقوى التي حض عليها نبي الله عمه أبا طالب عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما { وألزمهم كلمة التقوى } قال : شهادة أن لا إله إلا الله ، وهي رأس كل تقوى .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي عن علي الأزدي قال : كنت مع ابن عمر رضي الله عنه بين مكة ومنى فسمع الناس يقولون لا إله إلا الله والله أكبر ، فقال : هي هي ، فقلت : ما هي هي؟ قال { وألزمهم كلمة التقوى } .
وأخرج ابن أبي حاتم والدارقطني في الأفراد عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم { وألزمهم كلمة التقوى } قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له .
وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن مجاهد وعطاء في قوله { وألزمهم كلمة التقوى } قال أحدهما : الاخلاص ، وقال الآخر : كلمة التقوى لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد { وألزمهم كلمة التقوى } قال : كلمة الاخلاص . (9/231)
وأخرج ابن جرير عن عمرو بن ميمون { وألزمهم كلمة التقوى } قال : لا إله إلا الله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه { وألزمهم كلمة التقوى } قال : لا إله إلا الله .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد والحسن وقتادة وإبراهيم التيمي وسعيد بن جبير مثله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء الخراساني رضي الله عنه { وألزمهم كلمة التقوى } قال : لا إله إلا الله محمد رسول الله .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الزهري رضي الله عنه { وألزمهم كلمة التقوى } قال : بسم الله الرحمن الرحيم .
وأخرج ابن جرير عن قتادة { وكانوا أحق بها وأهلها } وكان المسلمون أحق بها ، وكانوا أهلها والله أعلم .
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28)
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن مجاهد قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين ، فلما نحر الهدي بالحديبية قال له أصحابه : أين رؤياك يا رسول الله؟ فأنزل الله { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } إلى قوله { فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً } فرجعوا ففتحوا خيبر ، ثم اعتمر بعد ذلك فكان تصديق رؤياه في السنة المقبلة . (9/232)
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما : { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } قال : كان تأويل رؤياه في عمرة القضاء .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } قال : هو دخول محمد صلى الله عليه وسلم البيت والمؤمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يطوف بالبيت وأصحابه ، فصدق الله رؤياه بالحق .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } قال : رأى في المنام أنهم يدخلون المسجد الحرام وأنهم آمنون محلقين رؤوسهم ومقصرين .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } إلى آخر الآية . قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لهم : « إني قد رأيت أنكم ستدخلون المسجد الحرام محلقين رؤوسكم ومقصرين » فلما نزلت بالحديبية ولم يدخل ذلك العام طعن المنافقون في ذلك ، فقال الله { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } إلى قوله { لا تخافون } أي لم أره أنه يدخله هذا العام ، وليكونن ذلك ، { فعلم ما لم تعلموا } قال : رده لمكان من بين أظهرهم من المؤمنين والمؤمنات وأخره ليدخل الله في رحمته من يشاء ممن يريد الله أن يهديه { فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً } قال : خيبر حين رجعوا من الحديبية فتحها الله عليهم ، فقسمها على أهل الحديبية كلهم إلا رجلاً واحداً من الأنصار يقال له أبو دجانة سماك بن خرشة كان قد شهد الحديبية وغاب عن خيبر .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم معتمراً في ذي القعدة معه المهاجرون والأنصار حتى أتى الحديبية ، فخرجت إليه قريش ، فردوه عن البيت حتى كان بينهم كلام وتنازع حتى كاد يكون بينهم قتال ، فبايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وعدتهم ألف وخمسمائة تحت الشجرة ، وذلك يوم بيعة الرضوان ، فقاضاهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت قريش : نقاضيك على أن تنحر الهدي مكانه وتحلق وترجع ، حتى إذا كان العام المقبل نخلي لك مكة ثلاثة أيام ، ففعل ، فخرجوا إلى عكاظ فأقاموا فيها ثلاثة أيام واشترطوا عليه أن لا يدخلها بسلاح إلا بالسيف ، ولا يخرج بأحد من أهل مكة إن خرج معه ، فنحر الهدي مكانه وحلق ورجع حتى إذا كان في قابل من تلك الأيام دخل مكة ، وجاء بالبدن معه ، وجاء الناس معه ، فدخل المسجد الحرام فأنزل الله عليه { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين } وأنزل عليه
{ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص } [ البقرة : 194 ] الآية . (9/233)
أما قوله تعالى : { محلقين رؤوسكم ومقصرين } .
أخرج مالك والطيالسي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة « عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : » رحم الله المحلقين « قالوا : والمقصرين يا رسول الله ، قال : » رحم الله المحلقين « قالوا : والمقصرين يا رسول الله ، قال : » والمقصرين « » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن ماجة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال : اللهم اغفر للمحلقين ثلاثاً قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين » .
وأخرج الطيالسي وأحمد وأبو يعلى عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حلقوا رؤوسهم يوم الحديبية إلا عثمان بن عفان وأبا قتادة فاستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن حبشي بن جنادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال اللهم اغفر للمحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال اللهم اغفر للمقصرين » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن أبي مريم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « اللهم اغفر للمحلقين ثلاثاً قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين » وكنت يومئذ محلوق الرأس فما يسرني بحلق رأسي حمر النعم .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن يحيى بن أبي الحصين عن جدته أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة في حجة الوداع .
وأخرج أحمد عن مالك بن ربيعة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « اللهم اغفر للمحلقين ثلاثاً قال رجل : والمقصرين فقال في الثالثة أو الرابعة وللمقصرين » .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه قيل له لم ظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثاً وللمقصرين مرة فقال : « إنهم لم يشكوا » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اللهم اغفر للمحلقين قالها ثلاثاً فقالوا يا رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت لهم الترحم قال : إنهم لم يشكوا » . (9/234)
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال : كانوا يستحبون للرجل أول ما يحج أن يحلق وأول ما يعتمر أن يحلق .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه كان يقول للحلاق إذا حلق في الحج والعمرة أبلغ للعظمين .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال : السنة أن يبلغ بالحلق إلى العظمين .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال للحلاق هكذا ، وأشار بيده إلى الجانب الأيمن .
وأخرج أبو داود والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير » .
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)
أخرج الخطيب في رواية مالك بسند ضعيف عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { والذين معه - إلى - مثلهم في التوراة } إلى قوله { كزرعٍ أخرج شطأه } قال مالك : نزل في الإِنجيل نعت النبي وأصحابه . (9/235)
وأخرج ابن سعد في الطبقات وابن أبي شيبة عن عائشة قالت : لما مات سعد بن معاذ حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتي ، وكانوا كما قال الله { رحماء بينهم } قيل فكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع فقالت : كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي عن جرير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يرحم الله من لا يرحم الناس » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود عن عبدالله بن عمرو يرويه قال : « من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لا تنزع الرحمة إلا من شقي » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أسامة بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنما يرحم الله من عباده الرحماء » .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { سيماهم في وجوههم } قال : أما إنه ليس بالذين ترون ، ولكنه سيما الإِسلام وسحنته وسمته وخشوعه .
وأخرج محمد بن نصر في كتاب الصلاة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله : { سيماهم في وجوههم } قال السمت الحسن .
وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير وابن مردويه بسند حسن عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { سيماهم في وجوههم من أثر السجود } قال : » النور يوم القيامة « » .
وأخرج البخاري في تاريخه وابن نصر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { سيماهم في وجوههم من أثر السجود } قال : بياض يغشى وجوههم يوم القيامة .
وأخرج عبد بن حميد وابن نصر وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه مثله .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن نصر وابن جرير عن عطية العوفي رضي الله عنه قال : موضع السجود أشد وجوههم بياضاً يوم القيامة .
وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « إن الأنبياء عليهم السلام يتباهون أيهم أكثر أصحاباً من أمته فأرجو أن أكون يومئذ أكثرهم كلهم واردة ، وإن كل رجل منهم يومئذ قائم على حوض ملآن معه عصا يدعو من عرف من أمته ولكل أمة سيما يعرفهم بها نبيهم » .
وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن حميد بن عبد الرحمن قال : كنت عند السائب بن يزيد إذ جاء رجل في وجهه أثر السجود فقال : لقد أفسد هذا وجهه أما والله ما هي السيما التي سمّى الله ، ولقد صليت على وجهي منذ ثمانين سنة ما أثّر السجود بين عينيّ . (9/236)
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن نصر وابن جرير عن مجاهد { سيماهم في وجوههم } قال : ليس الأثر في الوجه ولكن الخشوع .
وأخرج ابن المبارك وعبد بن حميد وابن جرير وابن نصر عن مجاهد { سيماهم في وجوههم } قال : الخشوع والتواضع .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن نصر عن سعيد بن جبير في الآية ، قال : ندى الطهور وثرى الأرض .
وأخرج ابن نصر وابن المنذر عن الضحاك في الآية ، قال : هو السهر إذا سهر الرجل من الليل أصبح مصفرّاً .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن نصر عن عكرمة رضي الله عنه { سيماهم في وجوههم } قال : السهر .
وأخرج ابن مردويه « عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { سيماهم في وجوههم } قال : إن جبريل قال : إذا نظرت إلى الرجل من أمتك عرفت أنه من أهل الصلاة بأثر الوضوء ، وإذا أصبحت عرفت أنه قد صلى من الليل ، وهو يا محمد العفاف في الدين والحياء وحسن السمت » .
وأخرج ابن إسحق وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر » بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله صاحب موسى وأخيه المصدق لما جاء به موسى ، ألا إن الله قد قال لكم يا معشر أهل التوراة وإنكم تجدون ذلك في كتابكم { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم } إلى آخر السورة « » .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما { ذلك مثلهم في التوراة } يعني مكتوب في التوراة والإِنجيل قبل أن يخلق السموات والأرض .
وأخرج أبو عبيد وأبو نعيم في الحلية وابن المنذر عن عمار مولى بني هاشم قال : سألت أبا هريرة رضي الله عنه عن القدر قال : إكتف منه بآخر سورة الفتح { محمد رسول الله والذين معه } إلى آخر السورة ، يعني أن الله نعتهم قبل أن يخلقهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله { رحماء بينهم } قال : جعل الله في قلوبهم الرحمة بعضهم لبعض { سيماهم في وجوههم من أثر السجود } قال : علامتهم الصلاة { ذلك مثلهم في التوراة } قال : هذا المثل في التوراة { ومثلهم في الإِنجيل } قال : هذا مثل آخر { كزرعٍ أخرج شطأه } قال : هذا نعت أصحاب محمد في الإِنجيل .
قيل له : أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يخرج منهم قوم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر . (9/237)
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { سيماهم في وجوههم من أثر السجود } قال : صلاتهم تبدو في وجوههم يوم القيامة { ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإِنجيل كزرع أخرج شطأه } قال : سنبله حين يبلغ نباته عن حباته { فآزره } يقول : نباته مع التفافه حين يسنبل ، فهذا مثل ضربه الله لأهل الكتاب إذا خرج قوم ينبتون كما ينبت الزرع فيهم رجال يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ثم يغلظ فيهم الذين كانوا معهم ، وهو مثل ضربه لمحمد يقول : يبعث الله النبي وحده ثم يجتمع إليه ناس قليل يؤمنون به ثم يكون القليل كثيراً وسيغلظون ، ويغيظ الله بهم الكفار يعجب الزراع من كثرته وحسن نباته .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه { كزرعٍ أخرج شطأه } قال : يقول حب بر متفرقاً فأنبتت كل حبة واحدة ثم أنبتت من حولها مثلها حتى استغلظ واستوى على سوقه يقول : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قليلاً ثم كثروا واستغلظوا .
وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { كزرعٍ } قال : أصل الزرع عبد المطلب أخرج شطأه محمداً صلى الله عليه وسلم فآزره بأبي بكر فاستغلظ بعمر فاستوى بعثمان على سوقه بعلي ليغيظ بهم الكفار .
وأخرج ابن مردويه والقلظي وأحمد بن محمد الزهري في فضائل الخلفاء الأربعة والشيرازي في الألقاب عن ابن عباس رضي الله عنهما { محمد رسول الله والذين معه } أبو بكر { أشداء على الكفار } عمر { رحماء بينهم } عثمان { تراهم ركعاً سجداً } علي { يبتغون فضلاً من الله ورضواناً } طلحة والزبير { سيماهم في وجوههم من أثر الشجود } عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح { ومثلهم في الإِنجيل كزرعٍ أخرج شطأه فآزره } بأبي بكر { فاستغلظ } بعمر { فاستوى على سوقه } بعثمان { يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار } بعلي { وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات } جميع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه { كزرعٍ أخرج شطأه } قال : نباته .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أنس رضي الله عنه { كزرعٍ أخرج شطأه } قال : نباته فروخه .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه { كزرعٍ أخرج شطأه } قال : حين تخرج منه الطاقة { فآزره } قواه { فاستغلظ فاستوى على سوقه } قال : على مثل المسلمين .