صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور
المؤلف : عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

ثم قال له الرب عز وجل : قد وكلتك بالصور فأنت للنفخة وللصيحة ، فدخل إسرافيل في مقدمة العرش ، فادخل رجله اليمنى تحت العرش ، وقدَّم اليسرى ولم يطرف منذ خلقه الله تعالى لينظر ما يؤمر به .
وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن أوس بن أوس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم ، وفيه قبض ، وفيه نفخة الصور ، وفيه الصعقة » .
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « كأني أنفض رأسي من التراب أول خارج ، فالتفت فلا أرى أحداً إلا موسى متعلقاً بالعرش ، فلا أدري أممن استثنى الله أن لا تصيبه النفخة فبعث قبلي؟ » .
وأخرج ابن جرير عن السدي { فصعق } قال : مات { إلا من شاء الله } قال : جبريل ، وإسرافيل ، وملك الموت ، ثم نفخ فيه أخرى ، قال : في الصور .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي عمران الجوني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لما بعث الله إلى صاحب الصور فأخذه ، فأهوى بيده إلى فيه ، فقدم رجلاً وأخر رجلاً حتى يؤمر فينفخ ، فاتقوا النفخة » .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { فإذا هم قيام ينظرون } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : « أتاني ملك فقال : يا محمد اختر نبياً ملكاً أو نبياً عبداً قال : فأومأ إلى جبريل أن تواضع فقلت : نبياً عبداً ، فأعطيت خصلتين . ان جعلت أول من تنشق عنه الأرض . وأول شافع ، فارفع رأسي فاجد موسى آخذاً بالعرش فالله أعلم أصعق لهذه الصعقة الأولى ، أم أفاق قبلي؟ { ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } » .
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم عن أبيه قال : كنت جالساً عند عكرمة فذكروا الذين يغرقون في البحر ، فقال عكرمة : الحمد لله الذين يغرقون في البحار ، فلا يبقى منهم شيء إلا العظام ، فتقبلها الأمواج حتى تلقيها إلى البر ، فتمكث العظام حيناً حتى تصير حائلة نخرة ، فتمر بها الإِبل فتأكلها ، ثم تسير الإِبل فتبعر ، ثم يجيء بعدهم قوم فينزلون فيأخذون ذلك البعر ، فيوقدونه في تلك النار ، فتجيء ريح فتلقي ذلك الرماد على الأرض ، فإذا جاءت النفخة قال الله { فإذا هم قيام ينظرون } فخرج أولئك وأهل القبور سواء .
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن العاصي قال : ينفخ في الصور النفخة الأولى من باب ايليا الشرقي . أو قال الغربي . والنفخة الثانية من باب آخر .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « بين النفختين أربعون يقول الحسن فلا ندري أربعين سنة أو أربعين شهرا أو أربعين ليلة » وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بين النفختين أربعون قال أصحابه : فما سألناه عن ذلك وما زاد
غير أنهم كانوا يرون من رأيهم أنها أربعون سنة قال : وذكر لنا أنه يبعث في تلك الأربعين مطر يقال له مطر الحياة
حتى تطيب الأرض وتهتز وتنبت أجساد الناس نبات البقل ثم ينفخ النفخة الثانية فإذا هم قيام ينظرون
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة في قوله ونفخ في الصور قال : الصور مع إسرافيل عليه السلام وفيه أرواح كل شيء يكون فيه ثم نفخ فيه نفخة الصعقة فإذا نفخ فيه نفخة البعث قال الله » بعزتي ليرجعن كل روح إلى جسده « قال : ودارة منها أعظم من سبع سموات ومن الأرض
فحلق الصور على إسرافيل وهو شاخص ببصره إلى العرش حتى يؤمر بالنفخة فينفخ في الصور
وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله ونفخ في الصور
قال : الأولى من الدنيا والأخيرة من الآخرة

(8/479)


وأخرج عبد بن حميد وعلي بن سعيد في كتاب الطاعة والعصيان وأبو يعلى وأبو الحسن القطان في المطولات وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو موسى المديني كلاهما في المطولات وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في البعث والنشور عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : وعنده طائفة من أصحابه : « إن الله تبارك وتعالى لما فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص بصره إلى السماء فينظر متى يؤمر فينفخ فيه
قلت : يا رسول الله وما الصور ؟ قال : القرن قلت فكيف هو ؟ قال : عظيم
والذي بعثني بالحق إن عظم دارة فيه لعرض السموات والأرض فينفخ فيه النفخة الأولى فيصعق من في السموات ومن في الأرض ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون لرب العالمين فيأمر الله إسرافيل عليه السلام في النفخة الأولى أن يمدها ويطولها فلا يفتر وهو الذي يقول الله ما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق ص 15 فيسير الله الجبال فتكون سرابا وترتج الأرض بأهلها رجا فتكون كالسفينة الموسقة في البحر تضربها الرياح تنكفأ بأهلها كالقناديل المعلقة بالعرش تميلها الرياح وهي التي يقول الله يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة النازعات 5 - 8 فيميد الناس على ظهرها وتذهل المراضع وتضع الحوامل وتشيب الولدان وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع وتولي الناس به مدبرين ينادي بعضهم بعضا
فبينما على ذلك إذ تصدعت الأرض كل صدع من قطر إلى قطر فرأوا أمرا عظيما لم يروا مثله وأخذهم لذلك من الكرب والهول ما الله به عليم ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل ثم انشقت وانتثرت نجومها وخسف شمسها وقمرها
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والأموات لا يعلمون شيئا من ذلك فقلت : يا رسول الله فمن استثنى الله حين يقول ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ؟ قال : أولئك الشهداء وإنما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أحياء عند ربهم يرزقون ووقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم منه وهو الذي يقول الله يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم الحج 1 إلى قوله ولكن عذاب الله شديد الحج 2
فينفخ الصور فيصعق أهل السمموات وأهل الأرض إلا من شاء الله فإذا هم خمود ثم يجيء ملك الموت إلى الجبار فيقول : يا رب قد مات أهل السموات وأهل الأرض إلا من شئت
فيقول - وهو أعلم - فمن بقي ؟ فيقول : يا رب بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقي حملة عرشك وبقي جبريل وميكائيل وإسرافيل وبقيت أنا
فيقول الله : ليمت جبريل وميكائيل وإسرافيل وينطق الله العرش فيقول : يا رب تميت جبريل وميكائيل وإسرافيل ؟ فيقول الله له : اسكت فإني كتبت الموت على من كان تحت عرشي
فيموتون ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول : يا رب قد مات جبريل وميكائيل وإسرافيل فيقول الله عز وجل - وهو أعلم - فمن بقي ؟ فيقول : يا رب بقيت أنت الحي الذي لا تموت وبقي حملة عرشك وبقيت أنا
فيقول الله له : ليمت حملة عرشي
فيموتون ويأمر الله العرش فيقبض الصور ثم يأتي ملك الموت الرب عز وجل فيقول : يا رب مات حملة عرشك فيقول الله - وهو أعلم - فمن بقي ؟ فيقول : يا رب بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت أنا
فيقول الله له : أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الصمد الذي لم يلد ولم يولد كان آخرا كما كان أولا طوى السموات والأرض كطي السجل للكتاب
ثم قال بهما فلفهما
ثم قال : أنا الجبار أنا الجبار أنا الجبار ثلاث مرات
ثم هتف بصوته لمن الملك اليوم ؟ لمن الملك اليوم ؟ لمن الملك اليوم ؟ فلا يجيبه أحد
ثم يقول لنفسه : لله الواحد القهار يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات إبراهيم 48 فبسطها وسطحها ثم مدها مد الأديم العكاظي لا ترى فيها عوجا ولا أمتا طه الآية 107 ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة فإذا هم في هذه المبدلة من كان في بطنها كان في بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها
ثم ينزل الله عليكم ماء من تحت العرش فيأمر الله السماء أن تمطر فتمطر أربعين يوما حتى يكون الماء فوقكم إثني عشر ذراعا ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت فتنبت نبات ؟ الطوانيت كنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسامهم وكانت كما كانت قال الله : ليحيى حملة العرش فيحيون ويأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور فيضعه على فيه ثم يقول الله : ليحيى جبريل وميكائيل فيحييان
ثم يدعو الله بالأرواح فيؤتى بهن توهج أرواح المؤمنين نورا والأخرى ظلمة فيقبضهن الله جميعا ثم يلقيها في الصور ثم يأمر إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض
فيقول : وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد فتدخل في الخياشيم ثم تمشي في الأجساد كما يمشي السم في اللديغ ثم تنشق الأرض عنكم
وأنا أول من تنشق الأرض عنه فتخرجون منها سراعا إلى ربكم تنسلون » مهطعين إلى الداعي يقول الكافرون هذا يوم عسر « حفاة عراة غلفا غرلا
فبينما نحن وقوف إذ سمعنا حسا من السماء شديدا فينزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم
ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة ومثلي من فيها من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم
ثم ينزل أهل السماء الثالثة بمثلي من نزل من الملائكة ومثلي من فيها من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم
ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف إلى السموات السبع
ثم ينزل الجبار في ظلل من الغمام البقرة 210 والملائكة يحمل عرشه يومئذ ثمانية وهم اليوم أربعة
أقدامهم على تخوم الأرض السفلى والأرضون والسموات إلى حجزهم والعرش على مناكبهم لهم زجل بالتسبيح فيقولون : سبحان ذي العزة والجبروت سبحان ذي الملك والملكوت سبحان الحي الذي لا يموت سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبحان ربنا الأعلى الذي يميت الخلائق ولا يموت
فيضع عرشه حيث يشاء من الأرض ثم يهتف بصوته فيقول : يا معشر الجن والإنس إني قد أنصت لكم منذ يوم خلقكم إلى يومك هذا
أسمع قولكم وأبصر أعمالكم فأنصتوا إلي
فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه
ثم يأمر الله جهنم فيخرج منها عنق ساطع مظلم ثم يقول ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم يس 60 إلى قوله وامتازوا اليوم أيها المجرمون يس 59 فيميز بين الناس وتجثو الأمم قال وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها الجاثية الآية 28 ويقفون موقفا واحدا مقدار سبعين عاما لا يقضى بينهم فيبكون حتى تنقطع الدموع ويدمعون دما ويعرقون عرقا إلى أن يبلغ ذلك منهم أن يلجمهم العرق وأن يبلغ الأذقان منهم
فيصيحون ويقولون : من يشفع لنا إلى ربنا ؟ فيقضي بيننا فيقولون : ومن أحق بذلك من أبيكم آدم عليه السلام فيطلبون ذلك إليه فيأبى ويقول : ما أنا بصاحب ذلك
ثم يستفزون الأنبياء نبيا نبيا كلما جاؤا نبيا أبى عليهم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حتى يأتوني فأنطلق حتى أتي فأخر ساجدا قال : أبو هريرة رضي الله عنه وربما قال قدام العرش حتى يبعث إلي ملكا فيأخذ بعضدي فيرفعني فيقول لي : يا محمد فأقول : نعم يا رب : ما شأنك ؟ - وهو أعلم - فأقول : يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك فاقض بينهم
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأرجع فأقف مع الناس فيقضي الله بين الخلائق فيكون أول من يقضى فيه في الدماء ويأتي كل من قتل في سبيل الله يحمل رأسه وتشخب أوداجه فيقولون : يا ربنا قتلنا فلان وفلان
فيقول الله - وهو أعلم - أقتلتم ؟ فيقولون : يا ربنا قتلنا لتكون العزة لك
فيقول الله لهم : صدقتم
فيجعل لوجوههم نورا مثل نور الشمس ثم توصلهم الملائكة إلى الجنة ويأتي من كان قتل على غير ذلك يحمل رأسه وتشخب أوداجه فيقولون : يا ربنا قتلنا فلان وفلان
فيقول : لم ؟ - وهو أعلم - فيقولون : لتكون العزة لك فيقول الله : تعستم ثم ما يبقى نفس قتلها إلا قتل بها ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها
وكان في مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء رحمه ثم يقضي الله بين من بقي من خلقه حتى لا يبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها الله تعالى للمظلوم من الظالم
حتى إنه ليكلف يومئذ شائب اللبن للبيع الذي كان يشوب اللبن بالماء ثم يبيعه فيكلف أن يخلص اللبن من الماء
فإذا فرغ الله من ذلك نادى نداء أسمع الخلائق كلهم : ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله
فلا يبقى أحد عبد من دون الله شيئا إلا مثلت له آلهة بين يديه ويجعل يومئذ من الملائكة على صورة عزير ويجعل ملك من الملائكة على صورة عيسى فيتبع هذا اليهود وهذا النصارى ثم يعود بهم آلهتهم إلى النار
فهي التي قال الله لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون الأنبياء الآية 99 فإذا لم يبق إلا المؤمنون وفيهم المنافقون فيقال لهم : يا أيها الناس ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون
فيقولون : والله ما لنا إله إلا الله وما كنا نعبد غيره فيقال لهم : الثانية
والثالثة فيقولون : مثل ذلك فيقول : أنا ربكم فهل بينكم وبين ربكم آية تعرفونه بها ؟ فيقولون : نعم
فيكشف عن ساق ويريهم الله ما شاء من الآية أن يريهم فيعرفون أنه ربهم فيخرون له سجدا لوجوههم ويخر كل منافق على قفاه يجعل الله أصلابهم كصياصي البقر ثم يأذن الله لهم فيرفعون رؤوسهم ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم كدقة الشعر وكحد السيف عليه كلاليب وخطاطيف وحسك كحسك السعدان دونه جسر دحض مزلة فيمرون كطرف العين وكلمح البرق وكمر الريح وكجياد الخيل وكجياد الركاب وكجياد الرجال فناج مسلم وناج مخدوش ومكدوش على وجهه في جهنم
فإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة فدخلوها
فو الذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم إذ دخلوا الجنة
فدخل كل رجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة مما ينشىء الله في الجنة واثنتين آدميتين من ولد آدم لهما فضل على من أنشأ الله لعبادتهما في الدنيا
فيدخل على الأولى منهن في غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ عليه سبعون زوجا من سندس
واستبرق ثم إنه يضع يده بين كتفيها فينظر إلى يدها من صدرها ومن وراء ثيابها ولحمها وجلدها
وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في الياقوتة كبدها له مرآة
فبينما هو عندها لا يملها ولا تمله ولا يأتيها مرة إلا وجدها عذراء لا يفتران ولا يألمان
فبينما هو كذلك إذ نودي فيقال له : إنا قد عرفنا أنك لا تمل ولا تمل وإن لك أزواجا غيرها فيخرج فيأتيهن واحدة واحدة كلما جاء واحدة قالت له : والله ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك ولا شيئا في الجنة أحب إلي منك
قال وإذا وقع أهل النار في النار وقع فيها خلق من خلق الله أوبقتهم أعمالهم فمنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه النار في جسده كله إلا وجهه حرم الله صورهم على النار
فينادون في النار فيقولون : من يشفع لنا إلى ربنا حتى يخرجنا من النار ؟ فيقولون : ومن أحق بذلك من أبيكم آدم ؟ فينطلق المؤمنون إلى آدم فيقولون : خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وكلمك
فيذكر آدم ذنبه فيقول : ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بنوح فإنه أول رسل الله فيأتون نوحا عليه السلام ويذكرون ذلك إليه فيذكر ذنبا فيقول : ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بإبراهيم فإن الله اتخذه خليلا
فيؤتى إبراهيم فيطلب ذلك إليه
فيذكر ذنبا فيقول : ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بموسى فإن الله قربه نجيا وكلمه وأنزل عليه التوراة
فيؤتى موسى فيطلب ذلك إليه فيذكر ذنبا ويقول : ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بروح الله وكلمته عيسى بن مريم عليه السلام
فيؤتى عيسى بن مريم عليه السلام فيطلب ذلك إليه فيقول : ما أنا بصاحب ذلك ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم
فيأتوني ولي عند ربي ثلاث شفاعات وعدنيهن فأنطلق حتى آتي باب الجنة فآخذ بحلقة الباب فاستفتح فيفتح لي فأخر ساجدا فيأذن لي من حمده وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه ثم يقول : ارفع رأسك يا محمد اشفع تشفع وسل تعطه
فإذا رفعت رأسي قال لي - وهو أعلم - ما شأنك ؟ فأقول : يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني
فأقول يا رب من وقع في النار من أمتي ؟ فيقول الله : أخرجوا من عرفتم صورته فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد ثم يأذن الله بالشفاعة فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع فيقول الله : أخرجوا من وجدتم في قلبه زنة دينار من خير فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد وحتى لا يبقى في النار من عمل خيرا قط ولا يبقى أحد له شفاعة إلا شفع
حتى أن إبليس ليتطاول في النار لما يرى من رحمة الله رجاء أن يشفع له ثم يقول الله : بقيت وأنا أرحم الراحمين فيقبض قبضة فيخرج منها ما لا يحصيه غيره فينبتهم على نهر يقال له نهر الحيوان فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل فما يلي الشمس أخضر وما يلي الظل أصفر فينبتون كالدر مكتوب في رقابهم : الجهنميون عتقاء الرحمن لم يعملوا لله خيرا قط يقول مع التوحيد فيمكثون في الجنة ما شاء الله وذلك الكتاب في رقابهم ثم يقولون : يا ربنا امح عنا هذا الكتاب فيمحوه عنهم »

(8/480)


وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70)

أخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه { وأشرقت الأرض } قال : أضاءت { ووضع الكتاب } قال : الحساب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه { وأشرقت الأرض بنور ربها } قال : فما يتضارون في نوره إلا كما يتضارون في اليوم الصحو الذي لا دخن فيه { وجيء بالنبيين والشهداء } قال : الذين استشهدوا .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما { وجيء بالنبيين والشهداء } قال : النبيون الرسل { والشهداء } الذين يشهدون بالبلاغ ، ليس فيهم طعان ولا لعان .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { وجيء بالنبيين والشهداء } قال : يشهدون بتبليغ الرسالة ، وتكذيب الأمم إياهم .

(8/481)


وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72)

أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن جهنم إذا سيق إليها أهلها تلفحهم بعنق منها لفحة لم تدع لحماً على عظم إلا ألقته على العرقوب » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه { ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين } قال : بأعمالهم أعمال السوء . والله أعلم .

(8/482)


وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73)

أخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر ، والذين يلونهم على صورة أشد كوكب دري في السماء إضاءة » .
وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن راهويه وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في صفة الجنة والبيهقي في البعث والضياء في المختارة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : يساق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا انتهوا إلى باب من أبوابها وجدوا عنده شجرة يخرج من تحت ساقها عينان تجريان ، فعمدوا إلى احداهما فشربوا منها ، فذهب ما في بطونهم من أذى أو قذى وبأس ، ثم عمدوا إلى الأخرى فتطهروا منها ، فجرت عليهم نضرة النعيم ، فلن تغير أبشارهم بعدها أبداً ولن تشعث أشعارهم كأنما دهنوا بالدهان ، ثم انتهوا إلى خزنة الجنة فقالوا { سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين } ثم تلقاهم الْوِلْدَان يطوفون بهم كما يطيف أهل الدنيا بالحميم ، فيقولون : ابشر بما أعد الله لك من الكرامة ، ثم ينطلق غلام من أولئك الولدان إلى بعض أزواجه من الحور العين ، فيقول : قد جاء فلان باسمه الذي يدعى به في الدنيا فتقول : أنت رأيته؟ فيقول : أنا رأيته ، فيستخفها الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها ، فإذا انتهى إلى منزله نظر شيئاً من أساس بنيانه فإذا جندل اللؤلؤ فوقه أخضر ، وأصفر ، وأحمر ، من كل لون . ثم رفع رأسه فنظر إلى سقفه فإذا مثل البرق . ولولا أن الله تعالى قدر أنه لا ألم لذهب ببصره .
ثم طأطأ برأسه فنظر إلى أزواجه { وأكواب موضوعة . ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة } [ الغاشية : 14-16 ] فنظر إلى تلك النعمة ، ثم اتكأ على أريكة من أريكته ، ثم قال { الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله . . . } [ الأعراف : 43 ] . ثم ينادي منادٍ : تحيون فلا تموتون أبداً ، وتقيمون فلا تظعنون أبداً ، وتصحون فلا تمرضون أبداً . والله تعالى أعلم .
أما قوله تعالى : { وفتحت أبوابها } .
أخرج البخاري ومسلم والطبراني عن سهل بن سعد رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « في الجنة ثمانية أبواب منها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون » .
وأخرج مالك وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله دعي من أبواب الجنة ، وللجنة أبواب فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان ، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد . فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله فهل يدعى أحد منها كلها؟ قال : نعم وأرجو أن تكون منهم » .

(8/483)


وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وأبو يعلى والطبراني والحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « للجنة ثمانية أبواب : سبعة مغلقة ، وباب مفتوح للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : للجنة ثمانية أبواب : باب للمصلين ، وباب للصائمين ، وباب للحاجين ، وباب للمعتمرين ، وباب للمجاهدين ، وباب للذاكرين ، وباب للشاكرين .
وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لكل عمل أهل من أبواب الجنة يدعون منه بذلك العمل » .
وأخرج البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا كان يوم القيامة دعي الإِنسان بأكبر عمله ، فإذا كانت الصلاة أفضل دعي بها ، وإن كان صيامه أفضل دعي به ، وإن كان الجهاد أفضل دعي به . فقال أبو بكر رضي الله عنه : أحد يدعى بعملين؟ قال : نعم . أنت » .
وأخرج الطبراني في الأوسط والخطيب في المتفق والمفترق عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن في الجنة باباً يقال له الضحى ، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد : أين الذين كانوا يديمون صلاة الضحى؟ هذا بابكم فادخلوه برحمة الله » .
وأخرج أحمد عن معاوية بن حيدة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما بين مصراعين من مصاريع الجنة أربعون عاماً ، وليأتين عليهم يوم وأنه لكظيظ » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « والذي نفسي بيده لما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر . أو كما بين مكة وبصرى » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عتبة بن غزوان رضي الله عنه أنه خطب فقال : إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لمسيرة أربعين عاماً ، وليأتين على أبواب الجنة يوم وليس منها باب إلا وهو كظيظ .
وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب رضي الله عنه قال : ما بين مصراعي الجنة أربعون خريفاً للراكب المجد ، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ الزحام .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلمي قال إن الرجل ليوقف على باب الجنة مائة عام بالذنب عمله ، وإنه ليرى أزواجه وخدمه .
وأخرج أحمد والبزار عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(8/484)


« مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله » .
وأخرج الطيالسي والدارمي عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مفاتيح الجنة الصلاة » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والدارمي ومسلم وأبو داود وابن ماجة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما منكم من أحد يسبغ الوضوء ثم يقول : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له من الجنة ثمانية أبواب؛ من أيها شاء دخل » .
وأخرج النسائي والحاكم وابن حبان عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما من عبد يصلي الصلوات الخمس ، ويصوم رمضان ، ويخرج الزكاة ، ويجتنب الكبائر السبع ، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يوم القيامة » .
وأخرج أحمد وابن جرير والبيهقي عن عتبة بن عبد الله السلمي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما من عبد يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية . من أيها شاء دخل » .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من كان له بنتان ، أو أختان ، أو عمتان ، أو خالتان ، فَعَالَهُنَّ فتحت له أبواب الجنة » .
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أيما امرأة اتقت ربها ، وحفظت فرجها ، فتحت لها ثمانية أبواب الجنة فقيل لها : ادخلي من حيث شئت » .
وأخرج أبو نعيم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من حفظ على أمتي أربعين حديثاً ينفعهم الله بها قيل له : أدخل من أي أبواب الجنة شئت » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { سلام عليكم طبتم } قال : كنتم طيبين بطاعة الله .

(8/485)


وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75)

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وأورثنا الأرض } قال : أرض الجنة .
وأخرج هناد عن أبي العالية رضي الله عنه مثله .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { نتبوأ من الجنة حيث نشاء } قال : انتهت مشيئتهم إلى ما أعطوا .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم سئل عن أرض الجنة قال : « هي بيضاء نقية » .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال : أرض الجنة رخام من فضة .
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء رضي الله عنه { وترى الملائكة حافين من حول العرش } قال : مديرين .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه { وترى الملائكة حافين من حول العرش } قال : محدقين به .
وأخرج ابن عساكر عن كعب رضي الله عنه قال : جبل الخليل ، والطور ، والجودي . يكون كل واحد منهم يوم القيامة لؤلؤة بيضاء تضيء ما بين السماء والأرض . يعني يرجعن إلى بيت المقدس حتى يجعلن في زواياه ، ويضع عليها كرسيه حتى يقضى بين أهل الجنة والنار { والملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق } .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين } قال : افتتح أول الخلق بالحمد ، وختم بالحمد . فتح بقوله { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض } وختم بقوله { وقيل الحمد لله رب العالمين } .
وأخرج عبد بن حميد عن وهب رضي الله عنه قال : من أراد أن يعرف قضاء الله في خلقه فليقرأ آخر سورة الزمر .

(8/486)


حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)

أخرج ابن الضريس عن إسحاق بن عبد الله رضي الله عنه قال : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لكل شجرة ثمراً وإن ثمرات القرآن ذوات ( حم ) من روضات ، مخصبات ، معشبات ، متجاورات فمن أحب أن يرتع في رياض الجنة فليقرأ الحواميم ومن قرأ سورة » الدخان « في ليلة الجمعة أصبح مغفوراً له ، ومن قرأ { الم تنزيل } السجدة و { تبارك الذي بيده الملك } في يوم وليلة فكأنما وافق ليلة القدر ، ومن قرأ { إذا زلزلت الأرض زلزالها } فكأنما قرأ ربع القرآن ، ومن قرأ { قل يا أيها الكافرون } فكأنما قرأ ربع القرآن ، ومن قرأ { قل هو الله أحد } عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة . فقال أبو بكر رضي الله عنه : إذن نستكثر من القصور فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكثر وأطيب ، ومن قرأ { قل أعوذ برب الفلق ، وقل أعوذ برب الناس } لم يَبْقَ شيء من البشر إلا قال : أي رب أعذه من شري ، ومن قرأ » أم القرآن « فكأنما قرأ ربع القرآن ، ومن قرأ { ألهاكم التكاثر } فكأنما قرأ ألف آية » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة رضي الله عنه قال { حم} اسم من أسماء الله تعالى .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وأبو عبيد وابن سعد وابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والحاكم وصححه وابن مردويه عن المهلب بن أبي صفرة رضي الله عنه قال : حدثني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم : « إن قلتم الليلة { حم} لا ينصرون » .
وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والحاكم وابن مردويه عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إنكم تلقون عدوّكم غداًَ فليكن شعاركم { حم} لا ينصرون » .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال : « انهزم المسلمون بخيبر ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حفنة من تراب حفنها في وجوههم ، وقال { حم} لا ينصرون ، فانهزم القوم ، وما رميناهم بسهم ، ولا طعن برمح » .
وأخرج البغوي والطبراني عن شيبة بن عثمان رضي الله عنه قال : « لما كان يوم خيبر تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحصى ينفخ في وجوههم وقال : شاهت الوجوه { حم} لا ينصرون » .
وأخرج عبد بن حميد عن يزيد بن الأصم رضي الله عنه أن رجلاً كان ذا بأس وكان من أهل الشام ، وأن عمر فقده فسأل عنه فقيل له : في الشراب ، فدعا عمر رضي الله عنه كاتبه فقال له : اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان .

(8/487)


. .
سلام عليكم ، فإن أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير } ثم دعا ، وأمن من عنده ، فدعوا له أن يقبل الله عليه بقلبه ، وأن يتوب الله عليه . فلما أتت الصحيفة الرجل جعل يقرأها ويقول { غافر الذنب } قد وعدني أن يغفر لي ، { وقابل التوب شديد العقاب } قد حذرني الله عقابه { ذي الطول } الكثير الخير { إليه المصير } فلم يزل يرددها على نفسه حتى بكى ، ثم نزع فاحسن النزع . فلما بلغ عمر رضي الله عنه أمره قال : هكذا فافعلوا إذا رأيتم حالكم في زلة فسددوه ، ووفقوه وادعوا الله له أن يتوب عليه ، ولا تكونوا أعواناً للشيطان عليه .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال : كان شاب بالمدينة صاحب عبادة ، وكان عمر رضي الله عنه يحبه ، فانطلق إلى مصر ، فانفسد فجعل لا يمتنع من شر ، فقدم على عمر رضي الله عنه بعض أهله ، فسأله حتى سأله عن الشاب فقال : لا تسألني عنه قال : لم؟ قال : لأنه قد فسد وخلع ، فكتب إليه عمر رضي الله عنه : من عمر إلى فلان { حمتنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير } فجعل يقرأها على نفسه فأقبل بخير .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الحسن رضي الله عنه في قوله { غافر الذنب وقابل التوب } قال { غافر الذنب } لمن لم يتب { وقابل التوب } لمن تاب .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن أبي إسحاق السبيعي قال : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : يا أمير المؤمنين إن قتلت فهل لي من توبة؟ فقرأ عليه { حمتنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ، غافر الذنب وقابل التوب } وقال : اعمل ولا تيأس .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما { ذي الطول } السعة والغنى .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه { ذي الطول } قال : ذي الغنى .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه { ذي الطول } قال : ذي النعم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه { ذي الطول } قال : ذي المن .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله { غافر الذنب وقابل التوب . . . } قال { غافر الذنب } لمن يقول لا إله إلا الله { قابل التوب } لمن يقول لا إله إلا الله { شديد العقاب } لمن لا يقول لا إله إلا الله { ذي الطول } ذي الغنى { لا إله إلا هو } كانت كفار قريش لا يوحدونه فوحد نفسه { إليه المصير } مصير من يقول لا إله إلا هو فيدخله الجنة ، ومصير من لا يقول لا إله إلا هو فيدخله النار .

(8/488)


وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ثابت البناني رضي الله عنه قال : كنت مع مصعب بن الزبير رضي الله عنه في سواد الكوفة ، فدخلت حائطاً أصلي ركعتين ، فافتتحت { حم} المؤمن حتى بلغت { لا إله إلا هو إليه المصير } ، فإذا خلفي رجل على بغلة شهباء عليه مقطنات يمنية فقال : إذا قلت { قابل التوب } فقل : يا قابل التوب اقبل توبتي ، وإذا قلت { شديد العقاب } فقل : يا شديد العقاب لا تعاقبني ، ولفظ ابن أبي شيبة اعف عني ، وإذا قلت { ذي الطول } فقل : يا ذا الطول طل علي بخير قال : فقلتها ثم التفت فلم أر أحداً ، فخرجت إلى الباب فقلت : مر بكم رجل عليه مقطنات يمينة؟! قالوا : مارأينا أحداً . كانوا يقولون إنه إلياس .

(8/489)


مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (4) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (6)

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله { ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا } ونزلت في الحرث بن قيس السلمي .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن جدالاً في القرآن كفر » .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مراء في القرآن كفر » .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي جهم رضي الله عنه قال : اختلف رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في آية فقال أحدهما : تلقيتها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال الآخر أنا تلقيتها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال : « أنزل القرآن على سبعة أحرف ، وإياكم والمراء فيه فإن المراء كفر » .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « جدال في القرآن كفر » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فلا يغررك تقلبهم في البلاد } قال : إقبالهم ، وإدبارهم ، وتقلبهم في أسفارهم . وفي قوله { والأحزاب من بعدهم } قال : من بعد قوم نوح ، عاد ، وثمود ، وتلك القرون . كانوا أحزاباً على الكفار { وهمت كل أمة برسولهم } ليأخذوه فيقتلوه { وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا } قال : حق عليهم العذاب بأعمالهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فلا يغررك تقلبهم في البلاد } قال : فسادهم فيها ، وكفرهم { فأخذتهم فكيف كان عقاب } قال : والله شديد العقاب .
أما قوله تعالى : { وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق } .
أخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من أعان باطلاً ليدحض بباطله حقاً فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله » .

(8/490)


الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)

أخرج أبو يعلى وابن مردويه بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أذن لي أن أحدث عن ملك قد مرقت رجلاه الأرض السابعة ، والعرش على منكبيه وهو يقول : سبحانك أين كنت وأين تكون؟! » .
وأخرج أبو داود وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات بسند صحيح عن جابر رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة » .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن حبان بن عطية رضي الله عنه قال : حملة العرش ثمانية . أقدامهم مثقفة في الأرض السابعة ، ورؤوسهم قد جاوزت السماء السابعة ، وقرونهم مثل طولهم عليها العرش .
وأخرج أبو الشيخ عن ذاذان رضي الله عنه قال : حملة العرش أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان عن هرون بن رباب رضي الله عنه قال : حملة العرش ثمانية يتجاوبون بصوت رخيم . يقول أربعة منهم : سبحانك وبحمدك على عفوك بعد قدرتك . وأربعة منهم يقولون : سبحانك وبحمدك على حلمك بعد علمك .
وأخرج أبو الشيخ وابن أبي حاتم من طريق أبي قبيل أنه سمع عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يقول : حملة العرش ثمانية . ما بين موق أحدهم إلى مؤخرة عينيه مسيرة خمسمائة عام .
وأخرج أبو الشيخ عن وهب رضي الله عنه قال : حملة العرش الذي يحملونه لكل ملك منهم أربعة وجوه ، وأربعة أجنحة : جناحان على وجهه ينظر إلى العرش فيصعق ، وجناحان يطير بهما . أقدامهم في الثرى ، والعرش على أكتافهم . لكل واحد منهم وجه ثور ، ووجه أسد ، ووجه إنسان ، ووجه نسر . ليس لهم كلام إلا أن يقولوا : قدوس الله القوي ، ملأت عظمته السموات والأرض .
وأخرج أبو الشيخ عن وهب رضي الله عنه قال : حملة العرش أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدوا بأربعة آخرين . ملك منهم في صورة إنسان يشفع لبني آدم في أرزاقهم ، وملك منهم في سورة نسر يشفع للطير في أرزاقهم ، وملك منهم في صورة ثور يشفع للبهائم في أرزاقهم ، وملك في صورة أسد يشفع للسباع في أرزاقهم . فلما حملوا العرش وقعوا على ركبهم من عظمة الله ، فلقنوا لا حول ولا قوة إلا بالله ، فاستووا قياماً على أرجلهم .
وأخرج أبو الشيخ عن مكحول رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن في حملة العرش أربعة أملاك : ملك على صورة سيد الصور وهو ابن آدم ، وملك على صورة سيد السباع وهو الأسد ، وملك على صورة سيد الأنعام وهو الثور فما زال غضبان مذ يوم العجل إلى ساعتي هذه ، وملك على صورة سيد الطير وهو النسر » .

(8/491)


وأخرج ابن مردويه عن أم سعد رضي الله عنها قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول « العرش على ملك من لؤلؤة على صورة ديك رجلاه في تخوم الأرض ، وجناحاه في الشرق ، وعنقه تحت العرش » .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال : حملة العرش كلهم على صور . قيل : يا عكرمة وما صور؟ فأمال خده قليلاً .
وأخرج عبد بن حميد عن ميسرة رضي الله عنه قال : لا تستطيع الملائكة الذين يحملون العرش أن ينظروا إلى ما فوقهم من شعاع النور .
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : حملة العرش ما بين منكب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عام ، وذكر : إن خطوة تلك الملك ما بين المشرق والمغرب .
وأخرج عبد بن حميد عن ميسرة رضي الله عنه قال : حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ، ورؤوسهم قد خرقت العرش ، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم ، وهم أشد خوفاً من أهل السماء السابعة ، وأهل السماء السابعة أشد خوفاً من أهل السماء التي تليها ، وأهل السماء التي تليها أشد خوفاً من التي تليها .
وأخرج البيهقي عن عروة رضي الله عنه قال : حملة العرش منهم من صورته صورة الإِنسان ، ومنهم من صورته صورة النسر ، ومنهم من صورته صورة الثور ، ومنهم من صورته صورة الأسد .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : إن الملائكة الذين يحملون العرش يتكلمون بالفارسية .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه فقال : « ما جمعكم قالوا : اجتمعنا نذكر ربنا ، ونتفكر في عظمته فقال : لن تدركوا التفكر في عظمته . ألا أخبركم ببعض عظمة ربكم؟ قيل : بلى يا رسول الله قال : إن ملكاً من حملة العرش يقال له إسرافيل ، زاوية من زوايا العرش على كاهله . قد مرقت قدماه في الأرض السابعة السفلى ، ومرق رأسه من السماء السابعة في مثله من خليقة ربكم تعالى » .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال : في بعض القراءة « الذين يحملون العرش فالذين حوله الملائكة يسبحون بحمد ربهم » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه { ويستغفرون للذين آمنوا } قال مطرف بن عبد الله بن الشخير : وجدنا أنصح عباد الله لعباده الملائكة عليهم السلام ، ووجدنا أغش عباد الله لعباده الشياطين .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال : في بعض القراءة { الذين يحملون العرش } في قوله { فاغفر للذين تابوا - من الشرك - واتبعوا سبيلك } قال : طاعتك وفي قوله { وأدخلهم جنات عدن } قال : إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : يا كعب ما عدن؟ قال : قصور من ذهب في الجنة يسكنها النبيون ، والصديقون ، وأئمة العدل وفي قوله { وقهم السيئآت } قال : العذاب .

(8/492)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10)

أخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في قوله { إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم } قال : إذا كان يوم القيامة فرأوا ما صاروا إليه مقتوا أنفسهم فقيل لهم { لمقت الله } إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإِيمان فتكفرون { أكبر من مقتكم أنفسكم } اليوم .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال : مقتوا أنفسهم لما دخل المؤمنون الجنة وأدخلوا النار ، فأكلوا أناملهم من المقت قال : ينادون في النار { لمقت الله } إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإِيمان فتكفرون { أكبر من مقتكم أنفسكم } في النار .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله { لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم . . . } الآية . يقول : لمقت الله أهل الضلالة حين يعرض عليهم الإِيمان في الدنيا فتركوه وأبوا أن يقبلوا أكبر مما مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن زر الهمداني رضي الله عنه في قوله { إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم } قال : هذا شيء يقال لهم يوم القيامة حين مقتوا أنفسهم ، فيقال لهم { لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم } قال : مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة حين مقتوا أنفسهم الآن حين علمتم أنكم من أصحاب النار .

(8/493)


قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13)

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله { أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } قال : هي مثل التي في البقرة { كنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم } [ البقرة : 28 ] كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم ثم أخرجهم فأحياهم ثم يميتهم ثم يحييهم بعد الموت .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } قال : كنتم أمواتاً قبل أن يخلقكم فهذه ميتة ، ثم أحياكم فهذه حياة ، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى ، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة فهما ميتتان وحياتان . فهو كقوله { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون } [ البقرة : 28 ] .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك رضي الله عنه قال : كانوا أمواتاً فأحياهم الله تعالى ، فأماتهم ، ثم يحييهم الله تعالى يوم القيامة .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } قال : كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم فأحياهم الله تعالى في الدنيا ، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها ، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة . فهما حياتان وموتتان { فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل؟ } فهل إلى كرة إلى الدنيا من سبيل .

(8/494)


فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14)

أخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن عبدالله بن الزبير رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول دبر الصلاة : « لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير . ولا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون » .

(8/495)


رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16)

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { يلقي الروح من أمره } قال : الوحي والرحمة { لينذر يوم التلاق } قال : يوم يتلاقى أهل السماء وأهل الأرض ، والخالق وخلقه { يوم هم بارزون } ولا يسترهم جبل ولا شيء .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : يوم التلاق ، ويوم الآزفة ونحو هذا من أسماء يوم القيامة عظمة الله ، وحذره عباده .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه { يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء } قال : واليوم لا يخفى على الله منهم شيء ، ولكنهم برزوا لله يوم القيامة لا يستترون بجبل ولا مدر .
وأخرج عبد بن حميد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ينادي مناد بين يدي الساعة : يا أيها الناس أتتكم الساعة فيسمعها الأحياء والأموات ، وينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول { لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } .
وأخرج ابن أبي الدنيا في البعث والديلمي عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ينادي مناد بين الصيحة : يا أيها الناس أتتكم الساعة - ومد بها صوته يسمعه الأحياء والأموات - وينزل الله إلى السماء الدنيا ، ثم ينادي مناد : لمن الملك اليوم لله . . . ؟ الواحد القهار » .

(8/496)


الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)

أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر رضي الله عنه قال : بلغني حديث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في القصاص ، فأتيت بعيراً فشددت عليه رحلي ، ثم سرت إليه شهراً حتى قدمت مصر فأتيت عبدالله بن أنيس فقلت له حديث بلغني عنك في القصاص فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « يحشر الله العباد حفاة عراة غرلاً . قلنا ما هما؟ قال : ليس معهم شيء ، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب . أنا الملك ، أنا الديان ، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ، ولا لأحد من أهل النار أن يدخل النار وعنده مظلمة حتى أقصه منها حتى اللطمة . قلنا كيف وان نأتي الله غرلاً بهما؟ قال : بالحسنات والسيئآت ، وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم } » .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الذنوب ثلاثة : فذنب يغفر ، وذنب لا يغفر ، وذنب لا يترك منه شيء . فالذنب الذي يغفر العبد يذنب الذنب فيستغفر الله فيغفر له ، وأما النذب الذي لا يغفر فالشرك ، وأما الذنب الذي لا يترك منه شيء فمظلمة الرجل أخاه . ثم قرأ ابن عباس رضي الله عنهما { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب } يؤخذ للشاة الجماء من ذات القرون بفضل نطحها .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : يجمع الله الخلق يوم القيامة بصعيد واحد بأرض بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يعص الله عليها قط ولم يخط فيها . فأول ما يتكلم أن ينادي مناد : لمن الملك اليوم . . . ! لله الواحد القهار { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب } فأول ما يبدأون به من الخصومات « الدماء » فيؤتى بالقاتل والمقتول فيقول : سل عبدك هذا فيم قتلتني؟ فيقول : نعم . فإن قال قتلته لتكون العزة لله فإنها له ، وإن قال قتلته لتكون العزة لفلان فإنها ليست له ، ويبوء بإثمه فيقتله . ومن كان قتل بالغين ما بلغوا ويذوقوا الموت كما ذاقوه في الدنيا .
وأخرج الخطيب في تاريخه بسندٍ واهٍ عن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يحشر الناس يوم القيامة كما ولدتهم أمهاتهم حفاة عراة غرلا . فقالت عائشة رضي الله عنها : واسوأتاه . . . ؟! ينظر بعضنا إلى بعض ، فضرب على منكبها وقال : يا بنت أبي قحافة شغل الناس يومئذ عن النظر ، وسموا بأبصارهم إلى السماء موقوفون أربعين سنة . لا يأكلون ، ولا يشربون ، ولا يتكلمون ، سامين أبصارهم إلى السماء . يلجمهم العرق ، فمنهم من بلغ العرق قدميه ، ومنهم من بلغ ساقيه ، ومنهم من بلغ فخذيه . وبطنه ، ومنهم من يلجمه العرق .
ثم يرحم بعد ذلك على العباد فيأمر الملائكة المقربين ، فيحملون عرش الرب عز وجل حتى يوضع في أرض بيضاء كأنها الفضة لم يسفك فيها دم حرام ، ولم يعمل فيها خطيئة ، وذلك أول يوم نظرت عين إلى الله تعالى . ثم تقوم الملائكة { حافين من حول العرش } [ الزمر : 75 ] ثم ينادي منادٍ فينادي بصوت يسمع الثقلين الجن والإِنس يستمع الناس لذلك الصوت ، ثم يخرج الرجل من الموقف ، فيعرق الناس كلهم ، ثم يعرق بأخذ حسناته فتخرج معه ، فيخرج بشيء لم ير الناس مثله كثرة ، ويعرف الناس تلك الحسنات ، فإذا وقف بين يدي رب العالمين قال : أين أصحاب المظالم؟ فيقول له الرحمن تعالى : أظلمت فلان ابن فلان في كذا وكذا . . . فيقول : نعم يا رب وذلك { يوم تشهد عليه ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } [ النور : 24 ] فإذا فرغ من ذلك فيؤخذ من حسناته فيدع إلى من ظلمه . وذلك يوم لا دينار ولا درهم إلا أخذ من الحسنات وترك من السيئآت ، فإذا لم يبق حسنة قال : من بقي يا ربنا ، ما بال غيرنا استوفوا حقوقهم وبقينا؟ قيل : لا تعجلوا ، فيؤخذ من سيئآتهم عليه ، فإذا لم يبق أحد يطلبه قيل له ارجع إلى أمك الهاوية فإنه { لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب } ولا يبقى ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، ولا صديق ، ولا شهيد ، إلا ظن أنه لم ينج لما رأى من شدة الحساب » .

(8/497)


وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18)

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه { وأنذرهم يوم الآزفة } قال : الساعة { إذ القلوب لدى الحناجر } قال : وقعت في حناجرهم من المخافة ، فلا تخرج ولا تعود إلى أماكنها .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه { وأنذرهم يوم الآزفة } قال : يوم القيامة .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه { إذ القلوب لدى الحناجر } قال : إذا عاين أهل النار النار حتى تبلغ حناجرهم ، فلا تخرج فيموتون ، ولا ترجع إلى أماكنها من أجوافهم . وفي قوله { كاظمين } قال : باكين .

(8/498)


يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20)

أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور } قال : الرجل يكون في القوم ، فتمر بهم المرأة فيريهم أنه يغض بصره عنها ، وإذا غفلوا لحظ إليها ، وإذا نظروا غض بصره عنها ، وقد اطلع الله من قلبه أنه ودَّ أنه ينظر إلى عورتها .
وأخرج أبو نعيم في الحلية وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { يعلم خائنة الأعين } قال : نظرت اليها لتريد الخيانة أم لا؟ { وما تخفي الصدور } قال : إذا قدرت عليها أتزني بها أم لا؟ ألا أخبركم { والله يقضي بالحق } قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة ، وبالسيئة السيئة .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة عن قتادة رضي الله عنه { يعلم خائنة الأعين } قال : يعلم همزه وإضمامه بعينيه فيما لا يحب الله تعالى .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه { يعلم خائنة الأعين } قال : نظر العين إلى ما نهي عنه .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجوزاء رضي الله عنه { يعلم خائنة الأعين } قال : كان الرجل يدخل على القوم في البيت وفي البيت امرأة ، فيرفع رأسه فيلحظ إليها ثم ينكس .
وأخرج أبو داود والنسائي وابن مردويه عن سعد رضي الله عنه قال : لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين ، وقال : « أقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة ، منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح . فاختبأ عند عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به فقال : يا رسول الله بايع عبد الله . فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً كل ذلك يأبى يبايعه ، ثم أقبل على أصحابه فقال : أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ فقالوا : ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك ، هلا أومأت إلينا بعينك؟! قال : أنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين » .
وأخرج الخطيب في تاريخه والحكيم الترمذي عن أم معبد رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « اللهم طهر قلبي من النفاق ، وعملي من الرياء ، ولساني من الكذب ، وعيني من الخيانة ، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور » .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { والله يقضي بالحق } قال : قادر على أن يقضي بالحق { والذين يدعون من دونه } لا يقدرون على أن يقضوا بالحق .

(8/499)


أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (22)

أخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه { وما كان لهم من الله من واق } قال : من واق يقيهم ، ولا ينفعهم .

(8/500)


وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27)

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه { فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا . . . } . قال : هذا بعد القتل الأول ، ولفظ عبد بن حميد هذا قتل غير القتل الأوّل الذي كان .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { وقال فرعون ذروني أقتل موسى } قال : أنظر من يمنعه مني .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه { إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد } قال : أن يقتلوا أبناءكم ويستحيوا نساءكم إذا ظهروا عليكم كما كنتم تفعلون بهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه { إني أخاف أن يبدل دينكم } أي أمركم الذي أنتم عليه { أو أن يظهر في الأرض الفساد } والفساد عنده أن يعمل بطاعة الله { إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب } قال : المشرك أسرف على نفسه بالشرك .

(9/1)


وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28)

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لم يكن في آل فرعون مؤمن غيره ، وغير امرأة فرعون ، وغير المؤمن الذي أنذر موسى عليه السلام؛ الذي قال : « أن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك » قال ابن المنذر أخبرت ان اسمه حزقيل .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي إسحاق رضي الله عنه قال : كان اسم الرجل الذي آمن من آل فرعون حبيب .
وأخرج البخاري وابن المنذر وابن مردويه من طريق عروة رضي الله عنه قال : قلت لعبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط ، فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولوى ثوبه في عنقه ، فخنقه خنقاً شديداً ، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه فأخذ بمنكبيه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم . ثم قال { أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم } .
وأخرج ابن أبي شيبة والحكيم الترمذي وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : « ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً كان أشد من أن طاف بالبيت ضحى فلقوه حين فرغ ، فأخذوا بمجامع ردائه وقالوا : أنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباؤنا؟ قال : أنا ذاك . فقام أبو بكر رضي الله عنه فالتزمه من ورائه ، ثم قال { أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب } رافعاً صوته بذلك وعيناه يسحان حتى أرسلوه » .
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ضربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى غشي عليه . فقام أبو بكر رضي الله عنه ، فجعل ينادي ويلكم { أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله } قالوا : من هذا؟ قال : هذا ابن أبي قحافة .
وأخرج الحكيم الترمذي وابن مردويه من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما ، نحوه .
وأخرج البزار وأبو نعيم في فضائل الصحابة عن علي رضي الله عنه أنه قال : أيها الناس أخبروني بأشجع الناس؟ قالوا : أنت . قال : لا . قالوا : فمن؟ قال : أبو بكر رضي الله عنه . لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذته قريش . هذا يحثه ، وهذا يبلبله ، وهم يقولون : أنت الذي جعلت الآلهة إلهاً واحداً قال : فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر رضي الله عنه ، يضرب هذا ، ويجاهد هذا ، وهو يقول { ويلكم { أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله } ثم رفع علي رضي عنه بردة كانت عليه ، فبكى حتى اخضلت لحيته ، ثم قال : أنشدكم بالله أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر رضي الله عنه خير من مؤمن آل فرعون؟ ذاك رجل يكتم إيمانه ، وهذا رجل أعلن إيمانه .

(9/2)


يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31)

أخرج ابن المنذر عن ابن عباس { مثل دأب } مثل حال .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه { مثل دأب قوم نوح } قال : هم الأحزاب { قوم نوح وعادٍ وثمود } .

(9/3)


وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)

أخرج ابن المبارك وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه قال : إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت بأهلها ، فتكون الملائكة على حافتها حتى يأمرهم الرب ، فينزلون فيحيطون بالأرض ومن بها ، ثم الثانية ، ثم الثالثة ، ثم الرابعة ، ثم الخامسة ، ثم السادسة ، ثم السابعة . فصفوا صفاً دون صف ، ثم ينزل الملك الأعلى ليسري جهنم فإذا رآها أهل الأرض هربوا ، فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة ، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه . فذلك قوله { يوم التناد } يعني بتشديد الدال { يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم } وذلك قوله { وجاء ربك والملك صفاً صفاً وجيء يومئذ بجهنم } [ الفجر : 22-23 ] وقوله { يا معشر الجن والإِنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان } [ الرحمن : 33 ] وقوله { وانشقت السماء فهي يومئذ واهية والملك على أرجائها } [ الحاقة : 17 ] يعني ما تشقق فيها . فبينما هم كذلك إذ سمعوا الصوت فأقبلوا إلى الحساب .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { يوم التناد } قال : ينادى كل قوم بأعمالهم . فينادي أهل النار أهل الجنة ، وأهل الجنة أهل النار { يوم تولون مدبرين } إلى النار { ما لكم من الله من عاصم } أي من ناصر .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه { ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد } قال : ينادي أهل الجنة أهل النار { أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً } [ الأعراف : 44 ] قال : وينادي أهل النار أهل الجنة { أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله } [ الأعراف : 50 ] .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه { يوم تولون مدبرين } قال : قادرين غير معجزين .

(9/4)


وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37) وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38)

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات } قال : رؤيا يوسف عليه السلام .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله { الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان } قال : بغير برهان .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ما رآه المؤمنون حسناً فهو حسن عند الله ، وما رآه المؤمنون سيئاً فهو سيء عند الله . وكان الأعمش رضي الله عنه يتأول بعده { كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا } .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه { كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر } مضاف لا ينون في قلب .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه { وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً } قال : كان أوّل من بنى بهذا الآجر وطبخه { لعلي أبلغ الأسباب } قال : الأبواب { أسباب } أي أبواب { السماوات ، وكذلك زيّن لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل } قال : فعل ذلك به { وزين له سوء عمله وما كيد فرعون إلا في تباب } أي في ضلال وخسار .
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { يا هامان ابنِ لي صرحاً } قال : اَوْقِدْ على الطين حتى يكون الآجُرُّ .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح رضي الله عنهم في قوله { أسباب السماوات } قال : طرق السموات .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إلا في تباب } قال : خسران .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد { في تباب } قال : في خسارة .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ « وصدوا عن السبيل » برفع الصاد .

(9/5)


يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40)

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الدنيا جمعة من جمع الآخرة . سبعة آلاف سنة .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الحياة الدنيا متاع ، وليس من متاعه شيء خيراً من المرأة الصالحة التي إذا نظرت إليها سرتك ، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك » .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه { وإن الآخرة هي دار القرار } استقرت الجنة بأهلها ، واستقرت النار بأهلها { من عمل سيئة } قال : الشرك { فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحاً } أي خيراً { من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب } لا والله ما هناك مكيال ولا ميزان .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ « فأولئك يدخلون الجنة » بنصب الياء .

(9/6)


وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45)

أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله { ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة } قال : إلى الإِيمان! وفي قوله { لا جرم إنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا } قال : الوثن ليس بشيء { وإن المسرفين } السفاكين الدماء بغير حقها { هم أصحاب النار } .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال { ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة } قال : لا يضر ولا ينفع { وإن المسرفين هم أصحاب النار } قال : جميع أصحابنا { إن المسرفين هم أصحاب النار } .
وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله { فوقاه الله سيئآت ما مكروا } قال : كان قبطياً من قوم فرعون ، فنجا مع موسى وبني إسرائيل حين نجوا .

(9/7)


النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50)

أخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد عن هذيل بن شرحبيل رضي الله عنه قال : إن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدو وتروح على النار . فذلك عرضها ، وأرواح الشهداء في أجواف طير خضر ، وأولاد المسلمين الذين لم يبلغوا الحنث في أجواف عصافير من عصافير الجنة ترعى وتسرح .
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه أنه سئل عن أرواح الشهداء قال : تجعل أرواحهم في أجواف طير خضر تسرح في الجنة ، وتأوي بالليل إلى قناديل من ذهب معلقة بالعرش فتأوي فيها . قيل فأرواح الكفار؟ قال : توجد أرواحهم فتجعل في أجواف طير سود تغدو وتروح على النار . ثم قرأ هذه الآية { النار يعرضون عليها غدواً وعشياً } .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تسرح بهم في الجنة حيث شاءوا ، وإن أرواح ولدان المؤمنين في أجواف عصافير تسرح في الجنة حيث شاءت ، وإن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود تغدو على جهنم وتروح . فذلك عرضها .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه { النار يعرضون عليها غدواً وعشياً } قال : صباحاً ومساءً . يقال لهم : هذه منازلكم ، فانظروا إليها توبيخاً ونقمة وصغاراً .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله { يعرضون عليها غدواً وعشياً } قال : ما كانت الدنيا تعرض أرواحهم .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه . أنه كان له صرختان في كل يوم غدوة وعشية . كان يقول أول النهار : ذهب الليل وجاء النهار ، وعرض آل فرعون على النار فلا يسمع أحد صوته إلا استعاذ بالله من النار .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت وابن جرير عن الأوزاعي رضي الله عنه؛ أنه سأله رجل فقال : يا أبا عمرو إنا نرى طيراً أسود تخرج من البحر فوجاً فوجاً لا يعلم عددها إلا الله تعالى فإذا كان العشاء عاد مثلها بيضا؟! قال : وفطنتم لذلك؟ قالوا : نعم . قال : تلك في حواصلها أرواح آل فرعون { يعرضون على النار غدواً وعشياً } فترجع وكورها وقد أحرقت رياشها وصارت سوداء ، فينبت عليها ريش أبيض وتتناثر السود ، ثم تعرض على النار ، ثم ترجع إلى وكورها ، فذلك دأبهم في الدنيا ، فإذا كان يوم القيامة قال الله { أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده من الغداة والعشي . إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار . يقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة . زاد ابن مردويه { النار يعرضون عليها غدواً وعشياً } » .

(9/8)


وأخرج البزار وابن أبي حاتم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما أحسن محسن مسلم أو كافر إلا أثابه الله . قلنا يا رسول الله ما إثابة الكافر؟ قال : المال ، والولد ، والصحة ، وأشباه ذلك . قلنا : وما إثابته في الآخرة؟ قال : عذاباً دون العذاب » وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } قراءة مقطوعة الألف .

(9/9)


إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (54) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (55)

أخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن أبي الدنيا في ذم الغيبة والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه نار جهنم . ثم تلا { إنا لننصر رسلنا . . } الآية » .
وأخرج ابن مردويه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله { إنا لننصر رسلنا . . } الآية . قال : ذلك في الحجة . يفتح الله حجتهم في الدنيا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في هذه الآية قال : لم يبعث الله إليهم من ينصرهم ، فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا وهم منصورون فيها .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ويوم يقوم الأشهاد } قال : هم الملائكة .
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة رضي الله عنه ، مثله .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سفيان رضي الله عنه قال : سألت الأعمش عن قوله { ويوم يقوم الأشهاد } قال : الملائكة .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال { الأشهاد } ملائكة الله ، وأنبياؤه ، والمؤمنون .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال { الأشهاد } أربعة : الملائكة الذين يحصون أعمالنا . وقرأ { وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } [ ق : 21 ] . والنبيون شهداء على أممهم . وقرأ { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد } [ النساء : 41 ] . وأمة محمد صلى الله عليه وسلم شهداء على الأمم . وقرأ { لتكونوا شهداء على الناس } [ الحج : 78 ] . والأجساد والجلود . وقرأ { وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } [ فصلت : 21 ] .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك { وسبح بحمد ربك بالعشي والإِبكار } قال : صل لربك { بالعشي والإِبكار } قال : الصلوات المكتوبات .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله { بالعشي والإِبكار } قال : صلاة الفجر والعصر .

(9/10)


إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56) لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (58) إِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (59)

أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم بسند صحيح عن أبي العالية رضي الله عنه قال : إن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن الدجال يكون منا في آخر الزمان ، ويكون من أمره فعظموا أمره ، وقالوا : يصنع كذا . . . فأنزل الله { إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه } قال : لا يبلغ الذي يقول { فاستعذ بالله } فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ من فتنة الدجال { لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس } الدجال .
وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار رضي الله عنه في قوله { إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان } قال : هم اليهود نزلت فيهم ، فيما ينتظرونه من أمر الدجال .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس } قال : زعموا أن اليهود قالوا يكون منا ملك في آخر الزمان ، البحر إلى ركبتيه ، والسحاب دون رأسه ، يأخذ الطير بين السماء والأرض . معه جبل خبز ونهر . فنزلت { لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس } .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله { إن في صدورهم إلا كبر } قال : عظمة .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة . إنما حملهم على التكذيب الزيغ الذي في قلوبهم .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { وما يستوي الأعمى والبصير } قال { الأعمى } الكافر { والبصير } المؤمن { والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلاً ما تتذكرون } قال : هم في بغيهم بعد .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما كان من فتنة ولا تكون حتى تقوم الساعة أعظم من فتنة الدجال ، وما من نبي إلا حذر قومه ولأخبرنكم عنه بشيء ما أخبره نبي قبلي . فوضع يده على عينه ، ثم قال : أشهد أن الله ليس بأعور » .
وأخرج ابن عدي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما من نبي إلا وقد حذر أمته الدجال . وهو أعور بين عينيه طفرة ، مكتوب عليه كافر ، معه واديان؛ أحدهما جنة ، والآخر نار . فناره جنة ، وجنته نار » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد وصف الدجال لأمته . وَلأَصِفَنَّهُ صفةً لم يصفها أحد كان قبلي ، إنه أعور ، وإن الله عز وجل ليس بأعور » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه عن أبي عبيدة بن الجراح .

(9/11)


سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إنه لم يكن نبي إلا قد أنذر قومه الدجال ، وأنا أنذركموه . فوصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : لعله سيدركه بعض من رآني وسمع كلامي قالوا : يا رسول الله كيف قلوبنا يومئذ؟ قال : مثلها اليوم أو خير » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد في مسنده والحاكم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني خاتم ألف نبي أو أكثر . ما بعث نبي إلا وقد حذر أمته ، وإني قد بين لي من أمره ما لم يتبين لأحد ، وإنه أعور ، وإن ربكم ليس بأعور ، وعينه اليمنى جاحظة كأنها في حائط مجصص ، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري ، معه من كل لسان ، ومعه صورة الجنة خضراء يجري فيها الماء ، ومعه صورة النار سوداء تدخن ، يتبعه من كل قوم يدعونهم بلسانهم إليها » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور والكذاب . ألا أنه أعور وإن ربكم ليس بأعور ، ومكتوب بين عينيه كافر » .
وأخرج يعقوب بن سفيان عن معاذ بن جبل قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما من نبي إلا وقد حذر أمته الدجال ، وإني أحذركم أمره . إنه أعور ، وإن ربكم عز وجل ليس بأعور ، مكتوب بين عينيه كافر ، يقرأه الكاتب وغير الكاتب ، معه جنة ونار ، فناره جنة ، وجنته نار » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبزار وابن مردويه عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني لخاتم ألف نبي أو أكثر ، وإنه ليس منهم نبي إلا وقد أنذر قومه الدجال ، وإنه قد تبين لي ما لم يتبين لأحد منهم ، وإنه أعور ، وإن ربكم ليس بأعور » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : « قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم ذكر الدجال فقال : إني انذركموه وما من نبي إلا قد أنذر قومه . لقد أنذر نوح قومه . ولكن سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه ، تعلمون أنه أعور ، وإن الله ليس بأعور » .
وأخرج أحمد عن عبد الله بن عمر قال : كنا نحدث بحجة الوداع ولا نرى أنه الوداع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر المسيح الدجال فأطنب في ذكره قال : « ما بعث الله من نبي إلا قد أنذر أمته . لقد أنذر نوح أمته والنبيون من بعده . إلا ما خفي عليكم من شأنه فلا يخفين عليكم . إن ربكم ليس بأعور . قالها ثلاثا » .

(9/12)


وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الدجال أعور العين عليها طفرة . مكتوب بين عينيه كافر » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الدجال أعور جعد حجان أحمر كان رأسه غصن شجرة . أشبه الناس بعبد العزى ، فأما هلك الهلك فإنه أعور ، وإن ربكم ليس بأعور » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لأنا أعلم بما مع الدجال . معه نهران يجريان . أحدهما رأى العين نار تتأجج ، فمن أدرك ذلك فليأت النار الذي يراه ، فليغمض عينيه ، ثم يطأطىء رأسه يشرب فإنه بارد وإن الدجال ممسوح العين عليه طفرة غليظة ، مكتوب بين عينيه كافر يقرأها كل مؤمن كاتب وغير كاتب » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الا أحدثكم عن الدجال حديثاً ما حدثه نبي قط . إنه أعور ، وإنه يجيء معه بمثل الجنة والنار ، فالذي يقول هي الجنة هي النار ، وإني أنذركم به كما أنذر نوح قومه » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والطبراني والحاكم عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من سمع منكم بخروج الدجال فلينأى عنه ما استطاع ، فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فما يزال به حتى يتبعه مما يرى من الشبهات » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال : « ما كان أحد يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدجال أكثر مني قال : وما تسألني عنه؟قلت : إن الناس يقولون : إن معه الطعام والشراب . قال : هو أهون على الله من ذلك » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من شر فتنة المسيح الدجال » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من نجا من ثلاثة فقد نجا ، قالها ثلاث مرات قالوا : ما ذاك يا رسول الله؟ قال : داء ، والدجال ، وقتل خليفة يصطبر بالحق يعطيه » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن سلام رضي الله عنه قال : يمكث الناس بعد خروج الدجال أربعين عاماً ، ويغرس النخل وتقوم الأسواق .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي العلاء بن الشخير رضي الله عنه : أن نوحاً عليه السلام ومن بعده من الأنبياء عليهم السلام كانوا يتعوّذون من فتنة الدجال .

(9/13)


وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة رضي الله عنه قال : لا يخرج الدجال حتى يكون خروجه أشهى إلى المسلمين من شرب الماء على الظمأ ، فقال له رجل : لم؟ قال : من شدة البلاء والشر .
وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة رضي الله عنه قال : حتى لا يكون غائب أحب إلى المؤمن خروجاً منه ، وما خروجه بأضر للمؤمن من حصاة يرفعها من الأرض ، وما علم أحدهم أدناهم وأقصاهم إلا سواء .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي وائل رضي الله عنه قال : أكثر أتباع الدجال اليهود ، وأولاد الأمهات .
وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال : كان بمقدمة الأعور الدجال ستمائة ألف يلبسون التيجان .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن هشام بن عامر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن ماجة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أن الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خراسان ، يتبعه أقوام كان وجوههم المجان المطرقة » .
وأخرج أحمد عن أبيّ بن كعب ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده الدجال فقال : « إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عاصم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أما مسيح الضلالة فرجل أجلى الجبهة ، ممسوخ العين اليسرى ، عريض النحر ، فيه دمامة كأنه فلان بن عبد العزى ، أو عبد العزى بن فلان » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سفينة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « إنه لم يكن نبي إلا حذر الدجال أمته . أعور العين اليسرى ، بعينه اليمنى طفرة غليظة ، بين عينيه كافر ، معه واديان . أحدهما جنة . والآخر نار ، فجنته نار ، وناره جنة ، ومعه ملكان يشبهان نبيين من الأنبياء . أحدهما عن يمينه ، والآخر عن شماله ، فيقول من الناس إلا صاحبه فيقول صاحبه : صدقت . فيسمعه الناس ، فيحسبون ما صدق الدجال ، وذلك فتنة ثم يسير حتى يأتي الشام فينزل عيسى ، فيقتله الله عند عقبة أفيق » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يمكث أبوا الدجال ثلاثين عاماً لا يولد لهما ولد ، ثم يولد لهما غلام أعور . أضر شيء . وأقله نفعاً ، تنام عيناه ولا ينام قلبه . ثم نعت أبويه فقال : أبوه رجل طوال ضرب اللحم ، طويل الأنف ، كان أنفه مهار . وأمه امرأة فرغانية ، عظيمة » الثديين « » .

(9/14)


وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الدجال يطوي الأرض كلها إلا مكة والمدينة ، فيأتي المدينة فيجد كل نقب من أنقابها صفوفاً من الملائكة ، فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه ، ثم ترتجف المدينة ثلاث رجفات ، فيخرج إليه كل منافق ومنافقة » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة رضي الله عنه قال : لو خرج الدجال لآمن به قوم في قبورهم .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : يهبط الدجال من كور كرهان ، معه ثمانون ألفاً عليهم الطيالسة ينتعلون ، كأن وجوههم مجان مطرقة .
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق حوط العبدي عن عبد الله رضي الله عنه قال : إن أذن حمار الدجال لتظل سبعين ألفاً .
وأخرج ابن أبي شهبة عن جنادة بن أمية الدري رضي الله عنه قال : دخلت أنا وصاحب لي على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا : حدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تحدثنا عن غيره ، وإن كان عندنا مصدقاً قال : نعم . قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال : « أنذركم الدجال أنذركم الدجال أنذركم الدجال . فإنه لم يكن نبي إلا أنذره أمته ، وأنه فيكم أيتها الأمة ، وأنه جعد آدم ممسوخ العين اليسرى ، وإن معه جنة وناراً ، فناره جنة ، وجنته نار ، وإن معه نهر ماء ، وجبل خبز ، وإنه يسلط على نفس فيقتلها ، ثم يحييها لا يسلط على غيرها ، وإنه يمطر السماء ، وينبت الأرض ، وإنه يلبث في الأرض أربعين صباحاً حتى يبلغ منها كل منهل ، وإنه لا يقرب أربعة مساجد : مسجد الحرام ، ومسجد الرسول ، ومسجد المقدس ، ومسجد الطور ، وما عليكم من الأشياء فإن الله ليس بأعور مرتين » .
وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذاباً آخرهم الأعور الدجال . ممسوخ العين اليسرى كأنها عين أبي يحيى الشيخ من الأنصار ، وإنه متى يخرج فإنه يزعم أنه الله ، فمن آمن به وصدقه واتبعه فليس ينفعه صالح له من عمل له سلف ، ومن كفر به وكذبه فليس يعاقب بشيء من عمل له سلف . وإنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس ، فهزمه الله وجنوده . حتى أن حرم الحائط ، أو أصل الشجرة ينادي : يا مؤمن هذا كافر يستتر بي فتعال فاقتله ، ولن يكون ذاك كذلك حتى تروا أموراً يتفاقم شأنها في أنفسكم ، فتتساءلون بينكم هل كان نبيكم ذكر لكم منها شيئاً ذكر أو حتى تزول جبال عن مراتبها ، ثم على أثر ذلك القبض . وأشار بيده إلى الموت » .

(9/15)


وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الدجال يخوض البحار إلى ركبتيه ، ويتناول السحاب ، ويسبق الشمس إلى مغربها ، وفي جبهته قرن منه الحيات ، وقد صور في جسده السلاح كله حتى ذكر السيف والرمح والدرق » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : يخرج الدجال فيمكث في الأرض أربعين صباحاً يبلغ منها كل منهل . اليوم منها كالجمعة ، والجمعة كالشهر ، والشهر كالسنة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليصحبن الدجال قوم يقولون : انا لنصحبه ، وانا لنعلم انه كذاب ، ولكنا إنما نصحبه لنأكل من الطعام ، ونرعى من الشجر ، وإذا نزل غضب الله نزل عليهم كلهم » .
وأخرج الطبراني عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه قال : ذكر الدجال عند عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال : لا تكثروا ذكره فإن الأمر إذا قضي في السماء كان أسرع لنزوله إلى الأرض أن يظهر على ألسنة الناس .

(9/16)


وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64)

أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الدعاء تلو العبادة . ثم قرأ { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي } قال : عن دعائي { سيدخلون جهنم داخرين } هل تدرون ما عبادة الله؟ قلنا : الله ورسوله أعلم! قال : هو اخلاص الله مما سواه » .
وأخرج ابن مردويه والخطيب عن البراء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الدعاء هو العبادة . وقرأ { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ادعوني أستجب لكم } قال : اعبدوني .
وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه في قوله { سيدخلون جهنم داخرين } قال : صاغرين .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الدعاء الإِستغفار » .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وأحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من لم يدع الله يغضب عليه » .
وأخرج أحمد والحكيم الترمذي وأبو يعلى والطبراني عن معاذ رضي الله عنه قال : لن ينفع حذر من قدر ، ولكن الدعاء ينفع مما نزل ، ومما لم ينزل . فعليكم بالدعاء عباد الله .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا فتح الله على عبد بالدعاء فليدع ، فإن الله يستجيب له » .
وأخرج الحكيم الترمذي وابن عدي في نوادر الأصول عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن الله يحب الملحين في الدعاء » .
وأخرج الحكيم الترمذي عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال : نجد فيما أنزل الله تعالى في بعض الكتب ، أن الله تعالى يقول : أنزل البلاء استخرج به الدعاء .
وأخرج ابن المنذر عن أنس بن مالك رضي الله عنه في قوله { ادعوني أستجب لكم } قال : قال ربكم : « عبدي إنك ما دعوتني ورجوتني فإني سأغفر لك على ما كان فيك ، ولو لقيتني بقراب الأرض خطايا لقيتك بقرابها مغفرة ، ولو أخطأت حتى تبلغ خطاياك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي » .

(9/17)


وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أفضل العبادة الدعاء وقرأ { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم . . . } .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله { ادعوني أستجب لكم . . . } . قال : اعملوا ، وابشروا ، فإنه حق على الله أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن كعب رضي الله عنه أنه تلا هذه الآية فقال : ما أعطي أحد من الأمم ما أعطيت هذه الأمة إلا بني الرجل المجتبى ، يقال له : سل تعطه .
وأخرج البخاري في الأدب عن عائشة رضي الله عنها قالت : « سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي العبادة أفضل؟ فقال : » دعاء المرء لنفسه « » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن كعب رضي الله عنه قال : قال الله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام : « قل للمؤمنين لا يستعجلوني إذا دعوني ، ولا يبخلوني ، أليس يعلمون أني أبغض البخيل فكيف أكون بخيلاً! يا موسى لا تخف مني بخلاً أن تسألني عظيماً ، ولا تستحي أن تسألني صغيراً . اطلب إليَّ الدقة ، واطلب إليَّ العلف لشاتك . يا موسى أما علمت أني خلقت الخردلة فما فوقها؟ وأني لم أخلق شيئاً إلا وقد علمت أن الخلق يحتاجون إليه ، فمن يسألني مسألة وهو يعلم أني قادر أعطي وأمنع ، وأعطيته مسألته مع المغفرة فإن حمدني حين أعطيته وحين أمنعه أسكنته دار الحمادين ، وأيما عبد لم يسألني مسألة ثم أعطيته كان أشد عليه من الحساب
وأخرج الحكيم الترمذي عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال : قال عروة بن الزبير رضي الله عنه : أني لأسأل الله تعالى حوائجي في صلاتي . حتى أسأله الملح لأهلي .
وأخرج الحكيم الترمذي عن زهرة بن معبد رضي الله عنه قال : سمعت محمد بن المنكدر رضي الله عنه يدعو يقول : اللهم قوِّ ذكري ، فإن فيه منفعة لأهلي .
وأخرج أحمد في الزهد عن ثابت البناني رضي الله عنه قال : تعبد رجل سبعين سنة ، فكان يقول في دعائه : رب اجزني بعملي فادخل الجنة ، فمكث فيها سبعين عاماً ، فلما وفت قيل له : اخرج قد استوفيت عملك . أي شيء كان في الدنيا أوثق في نفسه ، فلم يجد شيئاً أوثق في نفسه مما دعا الله سبحانه ، فأقبل يقول في دعائه : رب سمعتك وأنا في الدنيا ، وأنت تقيل العثرات فأقل اليوم عثرتي . فترك في الجنة .
أما قوله تعالى : { الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه } .
أخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مغفل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » إن عيسى ابن مريم عليه السلام قال : يا معشر الحواريين الصلاة جامعة ، فخرج الحواريون في هيئة العبادة قد تضمرت البطون ، وغارت العيون ، واصفرت الألوان ، فسار بهم عيسى عليه السلام إلى فلاة من الأرض ، فقام على رأس جرثومة ، فحمد الله وأثنى عليه ثم أنشأ يتلو عليهم آيات الله وحكمته فقال : يا معشر الحواريين اسمعوا ما أقول لكم . اني لأجد في كتاب الله المنزل الذي أنزل الله في الإِنجيل أشياء معلومة فاعملوا بها ، قالوا : يا روح الله وما هي؟ قال : خلق الليل لثلاث خصال ، وخلق النهار لسبع خصال ، فمن مضى عليه الليل والنهار وهو في غير هذه الخصال خاصمه الليل والنهار يوم القيامة فخصماه . خلق الليل لتسكن فيه العروق الفاترة التي أتعبتها في نهارك ، وتستغفر لذنبك الذي كسبته في النهار ثم لا تعود فيه ، وتقنت فيه قنوت الصابرين . فثلث تنام ، وثلث تقوم ، وثلث تتضرع إلى ربك . فهذا ما خلق له الليل ، وخلق النهار لتؤدي فيه الصلاة المفروضة التي عنها تسأل وبها تُحاسَبْ وبر والديك ، وأن تضرب في الأرض تبتغي المعيشة معيشة يومك ، وأن تعود فيه ولياً لله تعالى كيما يتعهدكم الله برحمته ، وأن تشيعوا فيه جنازة كيما تنقلبوا مغفوراً لكم ، وأن تأمروا بمعروف وتنهوا عن منكر فهو ذروة الإِيمان وقوام الدين ، وأن تجاهد في سبيل الله تراحموا إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام في قبته . ومن مضى عليه الليل والنهار وهو في غير هذه الخصال خاصمه الله والنهار يوم القيامة وهو عند مليك مقتدر « .

(9/18)


هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65)

أخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : من قال لا إله إلا الله فليقل على أثرهما الحمد لله رب العالمين . وذلك قوله { فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين } .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه كان يستحب إذا قال : لا إله إلا الله يتبعها الحمد لله رب العالمين ، ثم يقرأ هذه الآية { هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين } والله أعلم .

(9/19)


قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (66)

أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة قالا : يا محمد ارجع عما تقول وعليك بدين آبائك وأجدادك . فأنزل الله تعالى { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين } .

(9/20)


هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (68) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70)

أخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال : يثغر الغلام لسبع ، ويحتلم لأربعة عشر ، وينتهي طوله لإِحدى وعشرين ، وينتهي عقله لثمان وعشرين ، ويبلغ أشده لثلاث وثلاثين .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير رضي الله عنه { ومنكم من يتوفى من قبل } قال : من قبل أن يكون شيخاً { ولتبلغوا أجلاً مسمى } الشيخ والشاب { ولعلكم تعقلون } عن ربكم أنه يحييكم كما أماتكم وهذه لأهل مكة كانوا يكذبون بالبعث .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه { أنّى يصرفون } قال : أنّى يكذبون وهم يعقلون .

(9/21)


إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (76) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77)

أخرج أحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون ، في الحميم ثم في النار يسجرون } فقال : « لو أن رصاصة مثل هذه - وأشار إلى جمجمة أرسلت من السماء إلى الأرض وهي مسيرة خمسمائة سنة - لبلغت الأرض قبل الليل ، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً - الليل والنهار - قبل أن تبلغ أصلها أو قال قعرها » .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه عن يعلى بن منبه رضي الله عنه رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ينشىء الله سحابة لأهل النار سوداء مظلمة يقال لها ولأهل النار أي شيء تطلبون؟ فيذكرون بها سحاب الدنيا فيقولون : يا ربنا الشراب ، فتمطرهم أغلالاً تزيد في أعناقهم ، وسلاسل تزيد في سلاسلهم ، وجمراً يلتهب عليهم » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ { والسلاسل يسحبون ، في الحميم } .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه وهو يصلي في شهر رمضان يردد هذه الآية { فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون ، في الحميم ثم في النار يسجرون } .
وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال { يسحبون ، في الحميم } فيسلخ كل شيء عليهم من جلد ، ولحم ، وعرق ، حتى يصير في عقبه . حتى ان لحمه قدر طوله ستون ذراعاً . ثم يكسى جلداً آخر ، ثم يسجر في الحميم ، فيسلخ كل شيء عليهم من جلد ولحم وعرق .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { يسجرون } قال : توقد بهم النار . وفي قوله { تمرحون } قال : تبطرون وتاشرون .

(9/22)


وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78)

أخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله { ومنهم من لم نقصص عليك } قال : بعث الله عبداً حبشياً نبياً ، فهو ممن لم يقصص على محمد صلى الله عليه وسلم .

(9/23)


اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80) وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَأَيَّ آَيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (81) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم } قال : أسفاركم لحاجتكم ما كانت . وفي قوله { وآثاراً في الأرض } قال : المشي فيها بأرجلهم . وفي قوله { فرحوا بما عندهم من العلم } قال : قولهم نحن أعلم منهم ولن نعذب ، وفي قوله { وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } قال : ما جاءت به رسلهم من الحق .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم } قال : من بلد إلى بلد . وفي قوله { سنت الله التي قد خلت في عباده } قال : سننه أنهم كانوا إذا رأوا بأسنا آمنوا فلم ينفعهم إيمانهم عند ذلك .

(9/24)


حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4)

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نزلت { حم} السجدة بمكة .
وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير رضي الله عنه ، مثله .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل وابن عساكر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : « اجتمع قريش يوماً فقالوا : انظروا أعلمكم بالسحر ، والكهانة ، والشعر ، فليأت هذا الرجل الذي قد فرق جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وعاب ديننا ، فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه؟ فقالوا : ما نعلم أحداً غير عتبة بن ربيعة قالوا : أنت يا أبا الوليد . فأتاه فقال : يا محمد أنت خير أم عبد الله . أنت خير أم عبد المطلب . فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت ، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع لك ، أما والله ما رأينا سلحة قط اشأم على قومه منك ، فرقت جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وعبت ديننا ، وفضحتنا في العرب . حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحراً ، وأن في قريش كاهناً ، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف .
يا أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلاً واحداً ، وإن كان نما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوّجك عشراً . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » فرغت « قال : نعم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بسم الله الرحمن الرحيم { حم، تنزيل من الرحمن الرحيم ، كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون } حتى بلغ { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عادٍ وثمود } فقال عتبة : حسبك . . ! ما عندك غير هذا؟ قال : لا . فرجع إلى قريش فقالوا : ما وراءك؟ قال : ما تركت شيئاً أرى أنكم تكلمون به إلا كلمته قالوا : فهل أجابك؟ قال : والذي نصبها بنية ما فهمت شيئاً مما قال ، غير أنه قال { أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } قالوا : ويلك . . ! يكلمك الرجل بالعربية وما تدري ما قال؟ قال : لا . والله ما فهمت شيئاً مما قال غير ذكر الصاعقة » .
وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال : « حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان أشد قريش حلماً . قال ذات يوم وهو جالس في نادي قريش ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحده في المسجد؛ يا معشر قريش ألا أقوم إلى هذا فأكلمه ، فأعرض عليه أموراً لعله أن يقبل منها بعضه ، ويكف عنا؟ قالوا : بلى يا أبا الوليد ، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث فيما قال له عتبة ، وفيما عرض عليه من المال ، والملك ، وغير ذلك . حتى إذا فرغ عتبة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » أفرغت يا أبا الوليد «؟ قال : نعم . قال : » فاستمع مني قال افعل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بسم الله الرحمن الرحيم { حم، تنزيل من الرحمن الرحيم ، كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون } فلما سمعها عتبة انصت لها ، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما يستمع منه حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة ، فسجد فيها ثم قال : سمعت يا أبا الوليد؟ قال : سمعت قال : أنت وذاك . فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال : والله إني قد سمعت قولاً ما سمعت بمثله قط ، والله ما هو بالشعر ، ولا بالسحر ، ولا بالكهانة . والله ليكونن لقوله الذي سمعت نبا « .

(9/25)


وأخرج أبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على عتبة بن ربيعة { حم، تنزيل من الرحمن الرحيم } أتى أصحابه فقال : يا قوم أطيعوني في هذا اليوم ، واعصوني بعده ، فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلاماً ما سمعت مثله قط ، وما دريت ما أرد عليه .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب رضي الله عنه قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير ، فنزل في بني غنم على أسعد بن زرارة ، فجعل يدعو الناس ، فجاء سعد بن معاذ فتوعده فقال له : أسعد بن زرارة اسمع من قوله؟ فإن سمعت منكراً فأردده يا هذا ، وإن سمعت حقاً فأجب إليه . فقال : ماذا تقول؟ فقرأ مصعب { حم، والكتاب المبين إنا جعلناه قرآناً عربياً لقوم يعقلون } قال : سعد بن معاذ رضي الله عنه : ما أسمع الا ما أعرف ، فرجع وقد هداه الله .
وأخرج البيهقي في الدلائل وابن عساكر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : « قال أبو جهل والملأ من قريش : قد انتشر علينا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، فلو التمستم رجلاً عالماً بالسحر ، والكهانة ، والشعر . فقال عتبة : علمت من ذلك علماً ، وما يخفى علي إن كان كذلك ، فأتاه فلما أتاه قال له : يا محمد أنت خير أم هاشم ، أنت خير أم عبد المطلب . فلم يجبه قال : فيم تشتم آلهتنا ، وتضلل آباءنا؟ فإن كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسنا ما بقيت ، وإن كان بك الباءة زوّجناك عشرة نسوة تختار من أي بنات قريش ، وإن كان بك المال جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك - ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم - فلما فرغ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » بسم الله الرحمن الرحيم ، { حم، تنزيل من الرحمن الرحيم ، كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً } فقرأ حتى بلغ { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } فأمسك عتبة على فيه ، وناشده الرحم أن يكف عنه ، لم يخرج إلى أهله ، واحتبس عنهم فقال أبو جهل : يا معشر قريش ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه ، وما ذاك إلا من حاجة أصابته انتقلوا بنا إليه . فأتوه فقال أبو جهل : والله يا عتبة ما حسبنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك أمره ، فإن كنت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن محمد . فغضب وأقسم بالله لا يكلم محمداً أبداً وقال : لقد علمتم أني أكثر قريش مالاً ولكني أتيته . فقص عليهم القصة ، فأجابني بشيء والله ما هو بسحر ، ولا شعر ، ولا كهانة ، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ، { حمتنزيل من الرحمن الرحيم ، كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً } حتى بلغ { أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عادٍ وثمود } فأمسكت بغيه وناشدته الرحم فكيف وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب « .

(9/26)


وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر رضي الله عنهما ، « أن قريشاً اجتمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد ، فقال لهم عتبة بن ربيعة : دعوني حتى أقوم إلى محمد أكلمه ، فإني عسى أن أكون ارفق به منكم . فقام عتبة حتى جلس إليه ، فقال : يا ابن أخي إنك أوسطنا بيتاً ، وأفضلنا مكاناً ، وقد أدخلت في قومك ما لم يدخل رجل على قومه قبلك ، فإن كنت تطلب بهذا الحديث مالاً فذلك لك على قومك أن نجمع لك حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت تريد شرفاً فنحن مشرفوك حتى لا يكون أحد من قومك فوقك ولا نقطع الأمور دونك ، وإن كان هذا عن لمم يصيبك لا تقدر على النزوع عنه بذلنا لك خزائننا في طلب الطب لذلك منه ، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » أفرغت يا أبا الوليد «؟ قال : نعم . فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { حم} السجدة حتى مر بالسجدة فسجد وعتبة ملق يده خلف ظهره حتى فرغ من قراءتها ، وقام عتبة لا يدري ما يراجعه به . حتى أتى نادي قوله ، فلما رأوه مقبلاً قالوا : لقد رجع إليكم بوجه ما قام به من عندكم ، فجلس إليهم فقال : يا معشر قريش قد كلمته بالذي أمرتموني به . حتى إذا فرغت كلمني بكلام لا والله ما سمعت أذناي بمثله قط ، فما دريت ما أقول له! يا معشر قريش أطيعوني اليوم ، واعصوني فيما بعده . اتركوا الرجل واعتزلوه ، فوالله ما هو بتارك ما هو عليه ، وخلوا بينه وبين سائر العرب ، فإن يكن يظهر عليهم يكن شرفه شرفكم ، وعزه عزكم ، وملكه ملككم ، وان يظهروا عليه تكونوا قد كفيتموه بغيركم . قالوا : أصبأت إليه يا أبا الوليد؟ » .

(9/27)


وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه قال : « جئت أزور عائشة رضي الله عنها ورسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه ، ثم سرى عنه فقال : يا عائشة ناوليني ردائي ، فناولته ، ثم أتى المسجد فإذا مذكر يذكر ، فجلس حتى إذا قضى المذكر تذكره إفتتح { حم، تنزيل من الرحمن الرحيم } [ فصلت : 1-2 ] فسجد حتى طالت سجدته ، ثم تسامع به من كان على ميلين ، وتلا عليه السجدة فأرسلت عائشة رضي الله عنها في خاصتها أن احضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلقد رأيت ما لم أره منذ كنت معه ، فرفع رأسه فقال : سجدت هذه السجدة شكراً لربي فيما أبلاني في أمتي فقال له أبو بكر رضي الله عنه : وماذا ابلاك في أمتك؟ قال : أعطاني سبعين ألفاً من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب . فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله إن أمتك كثير طيب فازدد قال : قد فعلت فأعطاني مع كل واحد من السبعين ألفاً ، سبعين ألفاً فقال : يا رسول الله ازدد لأمتك فقال بيده ، ثم قال بها على صدره فقال عمر رضي الله عنه : وعيت يا رسول الله » .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن الخليل بن مرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ تبارك ، وحم السجدة .

(9/28)


وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5)

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وقالوا قلوبنا في أكنة } قالوا : كالجعبة للنبل .
وأخرج أبو سهل السري بن سهل الجنديسابوري في حديثه من طريق عبد القدوس عن نافع بن الأزرق عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوله { وقالوا قلوبنا في أكنة . . } الآية . قال : « أقبلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم ما يمنعكم من الإِسلام فتسودوا العرب؟ فقالوا : يا محمد ما نفقه ما تقول ، ولا نسمعه ، وإن على قلوبنا لغلفا . وأخذ أبو جهل ثوباً فمده فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد { قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب } .
قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى خصلتين . أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وإني رسول الله . فلما سمعوا شهادة أن لا إله إلا الله { ولوا على أدبارهم نفوراً } [ الإسراء : 46 ] وقالوا { أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب } [ ص : 5 ] وقال بعضهم لبعض { امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق ، أأنزل عليه الذكر من بيننا } [ ص : 7 ] .
وهبط جبريل فقال : يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول : أليس يزعم هؤلاء أن على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقر فليس يسمعون قولك؟ كيف { وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراً } [ الإسراء : 46 ] لو كان كما زعموا لم ينفروا ولكنهم كاذبون يسمعون ولا ينتفعون بذلك كراهية له » .
فلما كان من الغد أقبل منهم سبعون رجلاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد أعرض علينا الإسلام ، فلما عرض عليهم الإِسلام أسلموا عن آخرهم ، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم قال : الحمد الله ، ألستم بالأمس تزعمون أن على قلوبكم غلفاً ، وقلوبكم في أكنة مما ندعوكم إليه ، وفي آذانكم وقراً وأصبحتم اليوم مسلمين فقالوا : يا رسول الله كذبنا والله بالأمس لو كان كذلك ما اهتدينا أبداً ، ولكن الله الصادق والعباد الكاذبون عليه ، وهو الغني ونحن الفقراء إليه « .

(9/29)


قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة } قال : لا يشهدون أن لا إله إلا الله . وفي قوله { لهم أجر غير منون } قال : غير منقوص .
وأخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة } قال : لا يقولوا لا إله إلا الله .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله { الذين لا يؤتون الزكاة } قال : كان يقال الزكاة قنطرة الإِسلام ، من قطعها برىء ونجا ومن لم يقطعها هلك . والله أعلم .

(9/30)