صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور
المؤلف : عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11)

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { والله خلقكم من تراب } يعني خلق آدم من تراب { ثم من نطفة } يعني ذريته ، { أو يزوّجهم ذكراناً وإناثاً } [ الشورى : 50 ] .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وما يعمر من معمر . . . } الآية . يقول : ليس أحد قضيت له طول العمر والحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر ، وقد قضيت له ذلك ، فإنما ينتهي له الكتاب الذي قدرت له لا يزاد عليه ، وليس أحد قضيت له أنه قصير العمر والحياة ببالغ العمر ، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتب له . فذلك قوله { ولا ينقص من عمره إلا في كتاب } يقول : كل ذلك في كتاب عنده .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله { وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره } يقول : لم يخلق الناس كلهم على عمر واحد . لهذا عمر ، ولهذا عمر هو أنقص من عمره ، كل ذلك مكتوب لصاحبه بالغ ما بلغ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره } قال : ما من يوم يعمر في الدنيا إلا ينقص من أجله .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله { وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره } قال : ليس يوم يسلبه من عمره إلا في كتاب كل يوم في نقصان .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن سعيد بن جبير في قوله { وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره } إلا في كتاب ، قال : مكتوب في أوّل الصحيفة عمره كذا وكذا ، ثم يكتب في أسفل ذلك ذهب يوم ذهب يومان حتى يأتي على آخر عمره .
وأخرج ابن أبي حاتم عن حسان بن عطية في قوله { ولا ينقص من عمره } قال : كل ما ذهب من يوم وليلة ، فهو نقصان من عمره .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج عن مجاهد في قوله { وما يعمر من معمر } إلا كتب الله له أجله في بطن أمه { ولا ينقص من عمره } يوم تضعه أمه بالغاً ما بلغ يقول : لم يخلق الناس كلهم على عمر واحد . لذا عمر ، ولذا عمر هو أنقص من عمر هذا ، وكل ذلك مكتوب لصاحبه بالغاً ما بلغ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال : ألا ترى الناس يعيش الإِنسان مائة سنة . وآخر يموت حين يولد ، فهو هذا .

(8/267)


وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : ليس من مخلوق إلا كتب الله له عمره جملة ، فكل يوم يمر به أو ليلة يكتب : نقص من عمر فلان كذا وكذا . . . حتى يستكمل بالنقصان عدة ما كان له من أجل مكتوب ، فعمره جميعاً في كتاب ، ونقصانه في كتاب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي مسلم الخراساني في الآية قال : لا يذهب من عمر إنسان يوم ، ولا شهر ، ولا ساعة ، إلا ذلك مكتوب ، محفوظ ، معلوم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : أما العمر فمن بلغ ستين سنة . وأما الذي ينقص من عمره ، فالذي يموت قبل أن يبلغ ستين سنة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وما يعمر من معمر } قال : في بطن أمه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { ولا ينقص من عمره } قال : ما لفظت الأرحام من الأولاد من غير تمام .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو بخمس وأربعين ليلة فيقول : أي رب أشقي ، أم سعيد؟ أذكر ، أم أنثى؟ فيقول الله . . . ويكتبان ، ثم يكتب عمله ، ورزقه ، وأجله ، وأثره ، ومصيبته ، ثم تنطوي الصحيفة فلا يزاد فيها ، ولا ينقص منها » .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وأبو الشيخ عن عبد الله بن مسعود قال : قالت أم حبيبة : اللهم أمتعني بزوجي النبي صلى الله عليه وسلم ، وبأبي أبي سفيان ، وبأخي معاوية . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « فإنك سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة ، وأرزاق مقسومة ، ولن يعجل شيئاً قبل حله ، أو يؤخر شيئاً عن حله ، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب النار ، أو عذاب القبر ، كان خيراً وأفضل » .
وأخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « كان في بني إسرائيل اخوان ملكان على مدينتين ، وكان أحدهما باراً برحمه ، عادلاً على رعيته . وكان الآخر عاقاً برحمه ، جائراً على رعيته . وكان في عصرهما نبي ، فأوحى الله إلى ذلك النبي أنه قد بقي من عمر هذا البار ثلاث سنين ، وبقي من عمر هذا العاق ثلاثون سنة ، فأخبر النبي رعية هذا ، ورعية هذا ، فأحزن ذلك رعية العادل ، وأفرح ذلك رعية الجائر ، ففرقوا بين الأمهات والأطفال ، وتركوا الطعام والشراب ، وخرجوا إلى الصحراء يدعون الله تعالى أن يمتعهم بالعادل ، ويزيل عنهم ، الجائر ، فأقاموا ثلاثاً ، فأوحى الله إلى ذلك النبي : أن أخبر عبادي أني قد رحمتهم ، وأجبت دعاءهم ، فجعلت ما بقي من عمر هذا البار لذلك الجائر ، وما بقي من عمر الجائر لهذا البار ، فرجعوا إلى بيوتهم ومات العاق لتمام ثلاث سنين ، وبقي العادل فيهم ثلاثين سنة . ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير } » .

(8/268)


وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13)

أخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي جعفر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شرب الماء قال : « الحمد لله الذي جعله عذباً فراتاً برحمته ، ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وما يستوي البحران هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج } قال : الأجاج المر { ومن كل تأكلون لحماً طرياً } أي منهما جميعاً { وتستخرجون حلية تلبسونها } هذا اللؤلؤ { وترى الفلك فيه مواخر } قال : السفن مقبلة ومدبرة تجري بريح واحدة { يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل } قال : نقصان الليل في زيادة النهار ، ونقصان النهار في زيادة الليل { وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى } قال : أجل معلوم ، وحد لا يتعداه ولا يقصر دونه { ذلكم الله ربكم } يقول : هو الذي سخر لكم هذا .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن أبي حاتم عن سنان بن سلمة أنه سأل ابن عباس عن ماء البحر فقال : بحران لا يضرك من أيهما توضأت . ماء البحر ، وماء الفرات .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { ومن كل تأكلون لحماً طرياً } قال : السمك { وتستخرجون حلية تلبسونها } قال : اللؤلؤ من البحر الأجاج .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ما يملكون من قطمير } قال : القطمير القشر ، وفي لفظ الجلد الذي يكون على ظهر النواة .
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله { من قطمير } قال : الجلدة البيضاء التي على النواة قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم أما سمعت أمية بن أبي الصلت وهو يقول :
لم أنل منهم بسطاً ولا زبداً ... ولا فوفة ولا قطميرا
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال : القطمير الذي بين النواة والتمرة ، القشر الأبيض .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { قطمير } قال : لفافة النواة كسحاة البصلة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في قوله { من قطمير } قال : رأس التمرة يعني القمع .

(8/269)


إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14) يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17)

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم } أي ما قبلوا ذلك منكم { ويوم القيامة يكفرون بشرككم } قال : لا يرضون ، ولا يقرون به { ولا ينبئك مثل خبير } والله هو الخبير أنه سيكون هذا من أمرهم يوم القيامة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم } قال : هي الآلهة . لا تسمع دعاء من دعاها وعبدها من دون الله تعالى { ولو سمعوا ما استجابوا لكم } قال : ولو سمعت الآلهة دعاءكم ما استجابوا لكم بشيء من الخير { ويوم القيامة يكفرون بشرككم } قال : بعبادتكم إياهم .

(8/270)


وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (25) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (26)

أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن الأحوص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « في حجة الوداع ألا لا يجني جان إلا على نفسه . لا يجني والد على ولده ، ولا مولود على والده » .
وأخرج سعيد بن منصور وأبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه عن أبي رمثة قال : انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما رأيته قال لأبي : « ابنك هذا؟ قال : أي ورب الكعبة قال : أما أنه لا يجني عليك ولا تجني عليه . ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { ولا تزر وازرة وزر أخرى } » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني في قوله { وإن تدع مثقلة إلى حملها } قال : إن تدع نفس مثقلة من الخطايا ذا قرابة أو غير ذي قرابة { لا يحمل } عنها من خطاياها شيء .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء } يكون عليه وزر لا يجد أحداً يحمل عنه من وزره شيئاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء } كنحو { ولا تزر وازرة وزر أخرى } .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : إن الجار يتعلق بجاره يوم القيامة فيقول : يا رب سل هذا لم كان يغلق بابه دوني ، وإن الكافر ليتعلق بالمؤمن ، يوم القيامة فيقول له : يا مؤمن إن لي عندك يداً قد عرفت كيف كنت في الدنيا ، وقد احتجت إليك اليوم فلا يزال المؤمن يشفع له إلى ربه حتى يرده إلى منزلة دون منزلة وهو في النار . وأن الوالد يتعلق بولده يوم القيامة فيقول : يا بني أي والد كنت لك؟ فيثني خيراً فيقول : يا بني إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك أنجو بها مما ترى ، فيقول له ولده : يا أبت ما أيسر ما طلبت؟ ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئاً ، أتخوّف مثل الذي تخوّفت ، فلا أستطيع أن أعطيك شيئاً . ثم يتعلق بزوجته فيقول : يا فلانة أي زوج كنت لك؟ فتثني خيراً فيقول لها : فإني أطلب إليك حسنة واحدة تهبيها لي لعلي أنجو مما ترين . قالت : ما أيسر ما طلبت! ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئاً ، أتخوّف مثل الذي تخوّفت . يقول الله { وإن تدع مثقلة إلى حملها . . . . } . ويقول الله { يوم لا يجزي والد عن ولده } [ لقمان : 133 ] و { يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه . . . } [ عبس : 34 ] .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وإن تدع مثقلة إلى حملها } أي إلى ذنوبها { لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى } قال : قرابة قريبة لا يحمل من ذنوبه شيئاً ، ويحمل عليها غيرها من ذنوبها شيئاً { إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب } أي يخشون النار ، والحساب .

(8/271)


وفي قوله { ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه } أي من عمل عملاً صالحاً فإنما يعمل لنفسه . وفي قوله { وما يستوي . . . } . قال : خلق فضل بعضه على بعض ، فأما المؤمن فعبد حي الأثر ، حي البصر ، حي النية ، حي العمل . والكافر عبد ميت الأثر ، ميت البصر ، ميت القلب ، ميت العمل .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة { وما يستوي الأعمى والبصير . . . . } قال : هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن يقول : كما لا يستوي هذا وهذا ، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { وما يستوي الأعمى والبصير . . . } قال : الكافر والمؤمن { ولا الظلمات } قال : الكفر { ولا النور } قال : الايمان { ولا الظل } قال : الجنة { ولا الحرور } قال : النار { وما يستوي الأحياء ولا الأموات } قال : المؤمن والكافر { إن الله يسمع من يشاء } قال : يهدي من يشاء .
وأخرج أبو سهل السري بن سهل الجنديسابوري الخامس من حديثه من طريق عبد القدوس عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فإنك لا تسمع الموتى } [ الروم : 52 ] { وما أنت بمسمع من في القبور } قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقف على القتلى يوم بدر ويقول : « هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً يا فلان ابن فلان . ألم تكفر بربك؟ ألم تكذب نبيك؟ ألم تقطع رحمك؟ فقالوا : يا رسول الله أيسمعون ما نقول؟ قال : ما أنتم بأسمع منهم لما أقول . فأنزل الله { فإنك لا تسمع الموتى } { وما أنت بمسمع من في القبور } ومثل ضربة الله للكفار أنهم لا يسمعون لقوله » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وما أنت بمسمع من في القبور } فكذلك الكافر لا يسمع ولا ينتفع بما يسمع . وفي قوله { وإن من أمةٍ إلا خلا فيها نذير } يقول كل أمة قد كان لها رسول جاءها من الله . وفي قوله { وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم } قال : يعزي نبيه { جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر والكتاب المنير ، ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير } قال : شديد والله لقد عجل لهم عقوبة الدنيا ثم صيرهم إلى النار .

(8/272)


أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها } قال : أحمر وأصفر { ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها } أي جبال حمر { وغرابيب سود } والغرابيب السود يعني لونه كما اختلفت ألوان هذه الجبال ، وألوان الناس والدواب والأنعام كذلك { إنما يخشى الله من عباده العلماء } قال : كان يقال كفى بالرهبة علماً .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ثمرات مختلفاً ألوانها } قال : الأبيض ، والأحمر ، والأسود وفي قوله { ومن الجبال جدد بيض } قال : طرائق بيض يعني الألوان .
وأخرج البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أيصبغ ربك؟ قال » نعم . صبغاً لا ينقض . أحمر . وأصفر . وأبيض « » .
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله { جدد } قال : طرائق . طريقة بيضاء ، وطريقة خضراء . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت الشاعر وهو يقول :
قد غادر السبع في صفحاتها جدداً ... كأنها طرق لاحت على أكم
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ومن الجبال جدد بيض } قال : طرائق بيض { وغرابيب سود } قال : جبال سود .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : { الغرابيب الأسود } الشديد السواد .
وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله { مختلفاً ألوانها } قال : منها الأحمر والأبيض والأخضر والأسود ، وكذلك ألوان الناس منهم الأحمر والأسود والأبيض ، وكذلك الدواب ، والأنعام .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله { ومن الجبال جدد } قال : طرائق تكون في الجبل بيض وحمر ، فتلك الجدد { وغرابيب سود } قال : جبال سود { ومن الناس والدواب والأنعام . . . } . قال : كذلك اختلاف الناس والدواب والأنعام ، كاختلاف الجبال . ثم قال { إنما يخشى الله من عباده العلماء } فلا فضل لما قبلها .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { ومن الجبال جدد بيض } قال : طرائق مختلفة ، كذلك اختلاف ما ذكر من اختلاف ألوان الناس والدواب والأنعام ، كذلك كما اختلفت هذه الأنعام تختلف الناس في خشية الله كذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : الخشية والايمان والطاعة والتشتت في الألوان .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما { إنما يخشى الله من عباده العلماء } قال : العلماء بالله الذين يخافونه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إنما يخشى الله من عباده العلماء } قال : الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير .

(8/273)


وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ليس العلم من كثرة الحديث ، ولكن العلم من الخشية .
وأخرج ابن المنذر عن يحيى بن أبي كثير قال : العالم من خشي الله .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن صالح أبي الخليل رضي الله عنه في قوله { إنما يخشى الله من عباده العلماء } قال : أعلمهم بالله أشدهم له خشية .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سفيان عن أبي حيان التيمي عن رجل قال : كان يقال العلماء ثلاثة . عالم بالله ، وعالم بأمر الله ، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله ، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله . فالعالم بالله وبأمر الله : الذي يخشى الله ، ويعلم الحدود والفرائض . والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله : الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض ، والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله : الذي يعلم الحدود والفرائض ، ولا يخشى الله .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عدي عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال : إن العلم ليس بكثرة الرواية ، إنما العلم نور يقذفه الله في القلب .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال : الإِيمان من خشي الله بالغيب ، ورغب فيما رغب الله فيه ، وزهد فيما أسخط الله . ثم تلا { إنما يخشى الله من عباده العلماء } .
وأخرج عبد بن حميد عن مسروق قال : كفى بالمرء علماً أن يخشى الله ، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعمله .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : كفى بخشية الله علماً ، وكفى باغترار المرء جهلاً .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال : الفقيه من يخاف الله .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن العباس العمي قال : بلغني أن داود عليه السلام قال : سبحانك! تعاليت فوق عرشك ، وجعلت خشيتك على من في السموات والأرض ، فأقرب خلقك إليك أشدهم لك خشية ، وما علم من لم يخشك ، وما حكمة من لم يطع أمرك .
وأخرج أحمد في الزهد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ليس العلم بكثرة الرواية ، ولكن العلم الخشية .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي والحاكم عن الحسن رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « العلم علمان : علم في القلب ، فذاك العلم النافع . وعلم على اللسان ، فتلك حجة الله على خلقه » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال : بحسب المرء من العلم أن يخشى الله .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون ، وبنهاره إذا الناس يفطرون ، وبحزنه إذا الناس يفرحون ، وببكائه إذا الناس يضحكون ، وبصمته إذا الناس يخلطون ، وبخشوعه إذا الناس يختالون ، وينبغي لحامل القرآن أن لا يكون صخاباً ، ولا صياحاً ، ولا حديداً .

(8/274)


وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن وهب بن منبه قال : أقبلت مع عكرمة أقود ابن عباس رضي الله عنهما بعدما ذهب بصره حتى دخل المسجد الحرام ، فإذا قوم يمترون في حلقة لهم عند باب بني شيبة فقال : أمل بي إلى حلقة المراء ، فانطلقت به حتى أتاهم ، فسلم عليهم ، فارادوه على الجلوس ، فأبى عليهم وقال : انتسبوا إليّ أعرفكم فانتسبوا إليه فقال : أما علمتم أن لله عباداً أسكتتهم خشيته من غير عي ولا بكم ، إنهم لهم الفصحاء ، النطقاء ، النبلاء ، العلماء بأيام الله ، غير أنهم إذا ذكروا عظمة الله طاشت عقولهم من ذلك ، وانكسرت قلوبهم ، وانقطعت ألسنتهم ، حتى إذا استقاموا من ذلك سارعوا إلى الله بالأعمال الراكية ، فأين أنتم منهم؟ ثم تولى عنهم ، فلم ير بعد ذلك رجلان .
وأخرج الخطيب فيه أيضاً عن سعيد بن المسيب قال : وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه للناس ثماني عشرة كلمة حكم كلها قال : ما عاقبت من عصى الله فيك مثل أن تطيع الله فيه ، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك منه ما يغلبك ، ولا تظنن بكلمة خرجت من مسلم شراً أنت تجد لها في الخير محملاً ، ومن عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء الظن به . من كتم سره كانت الخيرة في يده ، وعليك بإخوان الصدق تعش في أكنافهم فإنهم زينة في الرخاء ، عدة في البلاء ، وعليك بالصدق وإن قتلك ، ولا تعرض فيما لا يعني ، ولا تسأل عما لم يكن ، فإن فيما كان شغلاً عما لم يكن ، ولا تطلب حاجتك إلى من لا يحب نجاحها لك ، ولا تهاون بالحلف الكاذب فيهلكك الله ، ولا تصحب الفجار لتعلم من فجورهم ، واعتزل عدوك ، واحذر صديقك إلا الأمين ، ولا أمين إلا من خشي الله ، وتخشع عند القبور ، وذل عند الطاعة ، واستعصم عند المعصية ، واستشر الذين يخشون الله ، فإن الله تعالى يقول { إنما يخشى الله من عباده العلماء } .
وأخرج عبد بن حميد عن مكحول قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العالم والعابد فقال : « فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم . ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ثم قال إن الله وملائكته ، وأهل السماء ، وأهل الأرض ، والنون في البحر ، ليصلون ، على معلمي الخير » .

(8/275)


إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31)

أخرج عبد الغني بن سعيد الثقفي في تفسيره عن ابن عباس؛ أن حصين بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي ، نزلت فيه { إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة . . . } الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { يرجون تجارة لن تبور } قال : الجنة { لن تبور } لا تبيد { ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله } قال : هو كقوله { ولدينا مزيد } [ ق : 35 ] { إنه غفور } قال : لذنوبهم { شكور } لحسناتهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { يرجون تجارة لن تبور } قال : لن تهلك .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة . . . } . قال كان مطرف بن عبد الله يقول : هذه آية القراء .

(8/276)


ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } قال : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم . ورثهم الله كل كتاب أنزل ، فظالمهم مغفور له ، ومقتصدهم يحاسب حساباً يسيراً ، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب .
وأخرج الطيالسي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه « عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : في هذه الآية { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ، ومنهم مقتصد ، ومنهم سابق بالخيرات } قال : هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة ، وكلهم في الجنة » .
وأخرج الفريابي وأحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبي الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « قال الله تعالى { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ، ومنهم مقتصد ، ومنهم سابق بالخيرات ، بإذن الله } فأما الذين سبقوا ، فأولئك يدخلون الجنة بغير حساب . وأما الذين اقتصدوا ، فأولئك الذين يحاسبون حساباً يسيراً ، وأما الذين ظلموا أنفسهم ، فأولئك يحبسون في طول المحشر ، ثم هم الذين تلقاهم الله برحمة ، فهم الذين يقولون { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور ، الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب } قال البيهقي : إن أكثر الروايات في حديث ظهر أن للحديث أصلاً » .
وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم وابن مردويه عن عقبة بن صهبان قلت لعائشة : أرأيت قول الله { ثم أورثنا الكتاب . . . } . قالت : أما السابق ، فقد مضى في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشهد له بالجنة . وأما المقتصد ، فمن اتبع أمرهم ، فعمل بمثل أعمالهم حتى يلحق بهم . وأما الظالم لنفسه ، فمثلي ومثلك ، ومن اتبعنا . وكل في الجنة .
وأخرج الطبراني والبيهقي في البعث عن أسامة بن زيد رضي الله عنه { فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات } قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كلهم من هذه الأمة ، وكلهم في الجنة » .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم « أمتي ثلاثة أثلاث : فثلث يدخلون الجنة بغير حساب . وثلث يحاسبون حساباً يسيراً ، ثم يدخلون الجنة . وثلث يمحصون ويكسفون ، ثم تأتي الملائكة فيقولون : وجدناهم يقولون : لا إله إلا الله وحده فيقول الله : » أدخلوهم الجنة بقولهم لا إله إلا الله وحده ، واحملوا خطاياهم على أهل التكذيب « وهي التي قال الله { وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم } وتصديقاً في التي ذكر الملائكة قال الله تعالى { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } فجعلهم ثلاثة أنواع { فمنهم ظالم لنفسه } فهذا الذي يكسف ويمحص { ومنهم مقتصد } وهو الذي يحاسب حساباً يسيراً { ومنهم سابق بالخيرات } فهو الذي يلج الجنة بغير حساب ولا عذاب باذن الله . يدخلونها جميعاً لم يفرق بينهم { يحلون فيها من أساور من ذهب } إلى قوله { لغوب } » .

(8/277)


وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال : هذه الآية ثلاثة أثلاث يوم القيامة . ثلث يدخلون الجنة بغير حساب ، وثلث يحاسبون حساباً يسيراً ، وثلث يحبسون بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا . فيقول الرب « أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي » ثم قرأ { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا . . . } .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في البعث عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا نزع بهذه الآية قال : الا أن سابقنا سابق ، ومقتصدنا ناج ، وظالمنا مغفور له .
وأخرج العقيلي وابن لال وابن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن عمر بن الخطاب . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « سابقنا سابق ، ومقتصدنا ناج ، وظالمنا مغفور له » ، وقرأ عمر { فمنهم ظالم لنفسه . . . } .
وأخرج ابن النجار عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « سابقنا سابق ، ومقتصدنا ناج ، وظالمنا مغفور له » .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال : السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب . والمقتصد برحمة الله ، والظالم لنفسه ، وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عثمان بن عفان : أنه نزع بهذه الآية قال : إن سابقنا أهل جهاد . ألا وأن مقتصدنا ناج أهل حضرنا ، ألا وأن ظالمنا أهل بدونا .
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في البعث عن البراء بن عازب في قوله { فمنهم ظالم لنفسه } قال : أشهد على الله أنه يدخلهم الجنة جميعاً .
وأخرج الفريابي وابن مردويه عن البراء قال : « قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } قال : كلهم ناج وهي هذه الأمة » .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن ابن عباس في قوله { ثم أورثنا الكتاب . . . } . قال : هي مثل الذي في الواقعة { فأصحاب الميمنة } { وأصحاب المشئمة } { والسابقون } صنفان ناجيان ، وصنف هالك .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله { فمنهم ظالم لنفسه . . . } . قال { الظالم لنفسه } هو الكافر { والمقتصد } أصحاب اليمين .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن كعب الأحبار أنه تلا هذه الآية { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } إلى قوله { لغوب } قال : دخلوها ورب الكعبة ، وفي لفظ قال : كلهم في الجنة .

(8/278)


ألا ترى على أثره { والذين كفروا لهم نار جهنم } فهؤلاء أهل النار فذكر ذلك للحسن فقال : أبت ذلك عليهم الواقعة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الجنة فقال « مسوّرون بالذهب والفضة ، مكللة بالدر وعليهم أكاليل من در وياقوت متواصلة ، وعليهم تاج كتاج الملوك ، جرد ، مرد ، مكحلون » .
وأخرج ابن مردويه والديلمي عن حذيفة ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « يبعث الله الناس على ثلاثة أصناف ، وذلك في قوله { فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات } فالسابق بالخيرات يدخل الجنة بلا حساب ، والمقتصد يحاسب حساباً يسيراً ، والظالم لنفسه يدخل الجنة برحمة الله » .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { ثم أورثنا الكتاب } قال : جعل الله أهل الإِيمان على ثلاثة منازل كقوله { أصحاب الشمال ما أصحاب الشمال } [ الواقعة : 41 ] ، { وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين } [ الواقعة : 27 ] ، { والسابقون السابقون } [ الواقعة : 10 ] ، { أولئك المقربون } [ الواقعة : 11 ] فهم على هذا المثال .
وأخرج ابن مردويه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { فمنهم ظالم لنفسه } قال : الكافر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { فمنهم ظالم لنفسه } قال : هذا المنافق { ومنهم مقتصد } قال : هذا صاحب اليمين { ومنهم سابق بالخيرات } قال : هذا المقرب قال قتادة : كان الناس ثلاث منازل عند الموت ، وثلاث منازل في الدنيا ، وثلاث منازل في الآخرة . فأما الدنيا فكانوا : مؤمن ، ومنافق ، ومشرك . وأما عند الموت فإن الله قال : { فأما إن كان من المقربين . . . } [ الواقعة : 88 ] { وأما إن كان من أصحاب اليمين . . . } [ الواقعة : 90 ] { وأما إن كان من المكذبين الضالين } [ الواقعة : 92 ] . وأما الآخرة فكانوا أزواجاً ثلاثة { فأصحاب الميمنة } { وأصحاب المشئمة } { والسابقون السابقون أولئك المقربون } .
وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن الحسن { فمنهم ظالم لنفسه } قال : هو المنافق سقط والمقتصد والسابق بالخيرات في الجنة .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبيهقي عن عبيد بن عمير في الآية قال : كلهم صالح .
وأخرج عبد بن حميد عن صالح أبي الخليل قال : قال كعب يلومني أحبار بني إسرائيل إني دخلت في أمة فرقهم الله ثم جمعهم ، ثم أدخلهم الجنة ، ثم تلا هذه الآية { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } حتى بلغ { جنات عدن يدخلونها } قال : قال فادخلهم الله الجنة جميعاً .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال : العلماء ثلاثة : منهم عالم لنفسه ولغيره ، فذلك أفضلهم وخيرهم . ومنهم عالم لنفسه محسن . ومنهم عالم لا لنفسه ولا لغيره ، فذلك شرهم .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مسلم الخولاني قال : قرأت في كتاب الله أن هذه الأمة تصنف يوم القيامة على ثلاثة أصناف : صنف منهم يدخلون الجنة بغير حساب .

(8/279)


وصنف يحاسبهم الله حساباً يسيراً ويدخلون الجنة . وصنف يوقفون ويؤخذ منهم ما شاء الله ، ثم يدركهم عفو الله وتجاوزه .
وأخرج عبد بن حميد عن كعب في قوله { جنات عدن يدخلونها } قال : دخلوها ورب الكعبة ، فأخبر الحسن بذلك فقال : أبت والله ذلك عليهم الواقعة .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عبدالله بن الحارث أن ابن عباس سأل كعباً عن قوله { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا . . . } . نجوا كلهم ، ثم قال : تحاكت مناكبهم ورب الكعبة ، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن الحنفية قال : أعطيت هذه الأمة ثلاثاً لم تعطها أمة كانت قبلها { منهم ظالم لنفسه } مغفور له { ومنهم مقتصد } في الجنان { ومنهم سابق } بالمكان الأعلى .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه } قال : هم أصحاب المشئمة { ومنهم مقتصد } قال : هم أصحاب الميمنة { ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله } قال : هم السابقون من الناس كلهم .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { ذلك هو الفضل الكبير } قال : ذاك من نعمة الله .
وأخرج الترمذي والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري « أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله { جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ } فقال : » إن عليهم التيجان . ان أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب « » .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله أهل الجنة حين دخلوا الجنة { وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } قال : هم قوم كانوا في الدنيا يخافون الله ، ويجتهدون له في العبادة سراً وعلانية ، وفي قلوبهم حزن من ذنوب قد سلفت منهم ، فهم خائفون أن لا يتقبل منهم هذا الاجتهاد من الذنوب التي سلفت . فعندها { قالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور } غفر لنا العظيم ، وشكر لنا القليل من أعمالنا .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } قال : حزن النار .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله { الذي أذهب عنا الحزن } قال : ما كانوا يعملون .
وأخرج الحاكم وأبو نعيم وابن مردويه عن صهيب رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « المهاجرون هم السابقون الْمُدِلُّون على ربهم ، والذي نفس محمد بيده انهم ليأتون يوم القيامة على عواتقهم السلاح ، فيقرعون باب الجنة ، فتقول لهم الخزنة ، من أنتم؟ فيقولون : نحن المهاجرون فتقول لهم الخزنة : هل حوسبتم؟ فيجثون على ركبهم ويرفعون أيديهم إلى السماء فيقولون : أي رب أبهذه نحاسب؟! قد خرجنا وتركنا الأهل والمال والولد ، فيمثل الله لهم أجنحة من ذهب ، مخوّصة بالزبرجد والياقوت ، فيطيرون حتى يدخلوا الجنة فذلك قوله { وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } إلى قوله { ولا يمسنا فيها لغوب } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلهم بمنازلهم في الجنة أعرف منهم بمنازلهم في الدنيا » .

(8/280)


وأخرج ابن المنذر عن شمر بن عطية رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حيث دخلوا الجنة { وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } قال : حزنهم هو الحزن » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن شمر بن عطية رضي الله عنه في قوله { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } قال : الجوع .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه في قوله { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } قال : طلب الخبز في الدنيا ، فلا نهتم له كاهتمامنا له في الدنيا طلب الغداء والعشاء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه قال : ينبغي لمن يحزن أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة ، لأنهم قالوا { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } وينبغي لمن يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة ، لأنهم { قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين } [ الطور : 26 ] .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن شمر بن عطية رضي الله عنه في قوله { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } قال : حزن الطعام { إن ربنا لغفور شكور } قال : غفر لهم الذنوب التي عملوها ، وشكر لهم الخير الذي دلهم عليه ، فعملوا به ، فأثابهم عليه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي رافع رضي الله عنه قال : يأتي يوم القيامة العبد بدواوين ثلاثة : بديوان فيه النعم . وديوان فيه ذنوبه . وديوان فيه حسناته . فيقال لأصغر نعمة عليه : قومي فاستوفي ثمنك من حسناته ، فتقوم فتستوهب تلك النعمة حسناته كلها ، وتبقي بقية النعم عليه وذنوبه كاملة . فمن ثم يقول العبد إذا أدخله الله الجنة { إن ربنا لغفور شكور } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { إن ربنا لغفور شكور } يقول { غفور } لذنوبهم { شكور } لحسناتهم { الذي أحلنا دار المقامة من فضله } قال : أقاموا فلا يتحوّلون ولا يحوّلون { لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب } قال : قد كان القوم ينصبون في الدنيا في طاعة الله ، وهم قوم جهدهم الله قليلاً ، ثم أراحهم كثيراً فهنيئاً لهم .

(8/281)


وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال : قال رجل يا رسول الله إن النوم مما يُقِرُّ الله به أعيننا في الدنيا ، فهل في الجنة من نوم؟ قال : « لا إن النوم شريك الموت ، وليس في الجنة موت قال : يا رسول الله فما راحتهم؟ فأعظم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ليس فيها لغوب ، كل أمرهم راحة فنزلت { لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب } » .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه { لا يمسنا فيها نصب } أي وجع .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لغوب } قال : إعياء .

(8/282)


وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37) إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (38)

أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وهم يصطرخون فيها } قال : يستغيثون فيها .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر } قال : ستين سنة .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي في سننه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا كان يوم القيامة قيل : أين أبناء الستين؟ وهو العمر الذي قال الله { أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر } » .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري والنسائي والبزار وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أعذر الله إلى امرىء أخر عمره حتى بلغ ستين سنة » .
وأخرج عبد بن حميد والطبراني والروياني في الأمثال والحاكم وابن مردويه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا بلغ العبد ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر » .
وأخرج ابن جرير عن علي رضي الله عنه في الآية قال : العمر الذي عمرهم الله به . ستون سنة .
وأخرج الرامهرمزي في الأمثال عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من عمره الله ستين سنة أعذر إليه في العمر . يريد { أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر } » .
وأخرج الترمذي وابن المنذر والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين ، وأقلهم من يجوز ذلك » .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال : العمر ستون سنة .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر } قال : هو ست وأربعون سنة .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله { أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر } قال : أربعين سنة .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال : اعلموا أن طول العمر حجة ، فنعوذ بالله أن نعيَّر بطول العمر . قال : نزلت وإن فيهم لابن ثمانِ عشرة سنة . وفي قوله { وجاءكم النذير } قال : احتج عليهم بالعمر والرسل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { وجاءكم النذير } قال : محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { وجاءكم النذير } قال : محمد صلى الله عليه وسلم ، وقرأ { هذا نذير من النذر الأولى } [ النجم : 56 ] .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { وجاءكم النذير } قال : الشيب .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما { وجاءكم النذير } قال : الشيب .

(8/283)


هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (39) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (40)

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } قال : أمة بعد أمة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } قال : أمة بعد أمة ، وقرناً بعد قرن . وفي قوله { أروني ماذا خلقوا من الأرض } قال : لا شيء والله خلقوا منها . وفي قوله { أم لهم شرك في السماوات } قال : لا والله ما لهم فيهما من شرك { أم آتيناهم كتاباً فهم على بينة منه } يقول : أم آتيناهم كتاباً فهو يأمرهم أن لا يشركوا بي .

(8/284)


إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41)

أخرج أبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والدارقطني في الافراد وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات والخطيب في تاريخه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « وقع في نفس موسى عليه السلام هل ينام الله عز وجل؟ فأرسل الله ملكاً إليه ، فارقه ثلاثاً ، وأعطاه قارورتين ، في كل يد قارورة ، وأمره أن يتحفظ بهما ، فجعل ينام وتكاد يداه يلتقيان ، ثم يستيقظ فيحبس احداهما عن الأخرى حتى نام نومة ، فاصطقت يداه وانكسرت القارورتان قال : ضرب الله له مثلاً أن الله تبارك وتعالى لو كان ينام ، ما كان يمسك السماء ولا الأرض » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن خرشة بن الحر رضي الله عنه قال : حدثني عبد الله بن سلام أن موسى عليه السلام قال : يا جبريل هل ينام ربك؟ فقال جبريل : يا رب ان عبدك موسى يسألك هل تنام؟ فقال الله : « يا جبريل قل له فليأخذ بيده قارورتين ، وليقم على الجبل من أول الليل حتى يصبح ، فقام على الجبل وأخذ قارورتين فصبر ، فلما كان آخر الليل غلبته عيناه ، فسقطتا فانكسرتا فقال : يا جبريل انكسرت القارورتان فقال الله : يا جبريل قل لعبدي إني لو نمت لزالت السموات والأرض » .
وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق عن عكرمة قال : أسر موسى عليه السلام إلى الملائكة هل ينام رب العزة؟ قال : فسهر موسى أربعة أيام ولياليهن ، ثم قام على المنبر يخطب ، ورفع إليه قارورتين في كل يد قارورة ، وأرسل الله عليه النعاس ، وهو يخطب إذ أدنى يده من الأخرى ، وهو يضرب القارورة على الأخرى ، ففزع ورد يده ثم خطب ، ثم أدنى يده ، فضرب بها على الأخرى ، ففزع ثم قال : { لا إله إلا الله الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم } [ البقرة : 255 ] قال عكرمة : السنة التي يضرب برأسه وهو جالس والنوم الذي يرقد .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه رضي الله عنه ، أن موسى عليه السلام قال له قومه : أينام ربك؟ قال « اتقوا الله إن كنتم مؤمنين » فأوحى الله إلى موسى : ان خذ قارورتين ، فاملأهما ماء . ففعل ، فنعس ، فنام ، فسقطتا من يده ، فانكسرتا ، فأوحى الله إلى موسى اني : أمسك السموات والأرض أَنْ تزولا ولو نِمْتُ لزالتا قال البيهقي رضي الله عنه : هذا أشبه أن يكون هو المحفوظ .
وأخرج الطبراني في كتاب السنة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أن بني إسرائيل قالوا لموسى عليه السلام : هل ينام ربنا؟ إلخ .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إذا أتيت سلطاناً مهيباً تخاف أن يسطو عليك فقل : الله أكبر ، الله أعز من خلقه جميعاً ، الله أعز مما أخاف وأحذر ، أعوذ بالله الذي لا إله إلا هو ، الممسك السموات السبع أن يقعن على الأرض إلا بإذنه ، من شر عبدك فلان ، وجنوده ، وأتباعه ، وأشياعه من الجن والإِنس .

(8/285)


اللهم كن لي جاراً من شرهم . جل ثناؤك ، وعز جارك ، وتبارك اسمك ، ولا إله غيرك ، ثلاث مرات .
وأخرج ابن السني في عمل يوم وليلة عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن العبد إذا دخل بيته ، وأوى إلى فراشه ، ابتدره ملكه وشيطانه . يقول شيطانه : اختم بشر . ويقول الملك : اختم بخير . فإن ذكر الله وحده طرد الملك الشيطان ، وظل يكلؤه ، وإن هو انتبه من منامه ، ابتدره ملكه وشيطانه . يقول له الشيطان : افتح بشر . ويقول الملك : افتح بخير . فإن هو قال الحمد لله الذي رد إليَّ نفسي بعد موتها ، ولم يمتها في منامها . الحمد لله الذي { يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً } وقال الحمد لله الذي { يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم } [ الحج : 56 ] قال : فإن خرج من فراشه فمات كان شهيداً ، وإن قام يصلي صلّى » .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق أبي مالك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الأرض على حوت ، والسلسلة على أذن الحوت في يد الله تعالى ، فذلك قوله { إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا } قال : من مكانهما .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أن كعباً كان يقول : إن السماء تدور على نصب مثل نصب الرحا . فقال حذيفة بن اليمان : كذب كعب { إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا } .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن شقيق قال : قيل لابن مسعود إن كعباً يقول : إن السماء تدور في قطبة مثل قطبة الرحا ، في عمود على منكب ملك فقال : كذب كعب { إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا } وكفى بها زوالاً أن تدور .

(8/286)


وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45)

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هلال أنه بلغه أن قريشاً كانت تقول : إن الله بعث منا نبياً ما كانت أمة من الأمم أطوع لخالقها ، ولا أسمع لنبيها ، ولا أشد تمسكاً بكتابها منا . فأنزل الله { لو أن عندنا ذكراً من الأولين } [ الصافات : 168 ] { ولو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم } [ الأنعام : 157 ] { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم } وكانت اليهود تستفتح به على الأنصار فيقولون : إنا نجد نبياً يخرج .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { فلما جاءهم نذير } قال : هو محمد صلى الله عليه وسلم { ما زادهم إلا نفوراً ، استكباراً في الأرض ومكر السيء } وهو الشرك { ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله } أي الشرك { فهل ينظرون إلا سنة الأولين } قال : عقوبة الأولين .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { وأقسموا بالله جهد أيمانهم } قال : قريش { ليكونن أهدى من إحدى الأمم } قال : أهل الكتاب . وفي قوله تعالى { ومكر السيء } قال : الشرك .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب قال : ثلاث من فعلهن لم ينج حتى ينزل به : من مكر ، أو بغي ، أو نكث . ثم قرأ { ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله } { يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم } [ يونس : 23 ] ، { فمن نكث فإنما ينكث على نفسه } [ الفتح : 10 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سفيان عن أبي زكريا الكوفي عن رجل حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إياكم والمكر السيء فإنه { لا يحيق المكر السيء إلا بأهله } ولهم من الله طالب » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { فهل ينظرون إلا سنة الأولين } قال : هل ينظرون إلا أن يصيبهم من العذاب مثل ما أصاب الأولين من العذاب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { وما كان الله ليعجزه } قال : لن يفوته . قوله تعالى { ولو يؤاخذ الله الناس } .
وأخرج الفريابي وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال : ان كان الجعل ليعذب في جحره من ذنب ابن آدم ، ثم قرأ { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة } والله أعلم .

(8/287)


يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)

أخرج ابن مردويه من طريق ابن عباس قال { يس } محمد صلى الله عليه وسلم . وفي لفظ قال : يا محمد .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن محمد بن الحنفية في قوله { يس } قال : يا محمد .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله { يس } قال : يا إنسان .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وعكرمة والضحاك ، مثله .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { يس } قال : يا إنسان بالحبشية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أشهب قال : سألت مالك بن أنس أينبغي لاحد أن يتسمى بيس؟ فقال : ما أراه ينبغي لقوله { يس والقرآن الحكيم } يقول : هذا اسمي ، تسميت به .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله الله { يس والقرآن الحكيم } قال : يقسم الله بما يشاء ، ثم نزع بهذه الآية { سلام على آل ياسين } [ الصافات : 130 ] كأنه يرى أنه سلم على رسوله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن أبي كثير في قوله { يس والقرآن الحكيم } قال : يقسم بألف عالم { إنك لمن المرسلين } .
وأخرج ابن مردويه عن كعب الأحبار في قوله { يس } قال : هذا قسم ، أقسم به ربك قال { يا محمد إنك لمن المرسلين } قبل أن اخلق الخلق بألفي عام .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين } قال : اقسم كما تسمعون أنه { لمن المرسلين على صراط مستقيم } أي على الإِسلام { تنزيل العزيز الرحيم } قال : هو القرآن { لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم } قال : قريش لم يأت العرب رسول قبل محمد صلى الله عليه وسلم ، لم يأتهم ولا آباءهم رسول قبله .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة { لتنذر قوماً ما أنذر آباءهم } قال بعضهم { لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم } ما أنذر الناس من قبلهم ، وقال بعضهم { لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم } أي هذه الأمة لم يأتهم نذير حتى جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { لقد حق القول على أكثرهم } قال : سبق في علمه .
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال « كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المسجد ، فيجهر بالقراءة ، حتى تأذّى به ناس من قريش ، حتى قاموا ليأخذوه ، وإذا أيديهم مجموعة إلى أعناقهم ، وإذا هم لا يبصرون ، فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ننشدك الله والرحم يا محمد ، ولم يكن بطن من بطون قريش إلا وللنبي صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم حتى ذهب ذلك عنهم .

(8/288)


فنزلت { يس والقرآن الحكيم } إلى قوله { أم لم تنذرهم لا يؤمنون } قال : فلم يؤمن من ذلك النفر أحد « .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه قال : قال أبو جهل : لئن رأيت محمداً لأفعلن . ولأفعلن . . . فنزلت { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً } إلى قوله { لا يبصرون } فكانوا يقولون : هذا محمد فيقول : أين هو أين هو . . . ؟ لا يبصره .
وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وجعلنا من بين أيديهم سداً } قال : كفار قريش غطاء { فأغشيناهم } يقول : ألبسنا أبصارهم { فهم لا يبصرون } النبي صلى الله عليه وسلم فيؤذونه ، وذلك أن ناساً من بني مخزوم تواطئوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليقتلوه . منهم أبو جهل ، والوليد بن المغيرة . فبينا النبي صلى الله عليه وسلم قائم يصلي يسمعون قراءته ، فأرسلوا إليه الوليد ليقتله ، فانطلق حتى أتى المكان الذي يصلي فيه ، فجعل يسمع قراءته ولا يراه ، فانصرف إليهم ، فأعلمهم ذلك ، فأتوه فلما انتهوا إلى المكان الذي يصلي فيه ، سمعوا قراءته فيذهبون إليه فيسمعون أيضاً من خلفهم ، فانصرفوا ولم يجدوا إليه سبيلاً . فذلك قوله { وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً . . } .
وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن محمد بن كعب القرظي قال : » اجتمع قريش؛ وفيهم أبو جهل على باب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا على بابه : ان محمداً يزعم أنكم ان بايعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ، وبعثتم من بعد موتكم ، فجعلت لكم نار تحرقون فيها ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخذ حفنة من تراب في يده قال : « نعم ، أقول ذلك ، وأنت أحدهم » ، وأخذ الله على أبصارهم فلا يرونه ، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم ، وهو يتلو هذه الآيات { يس والقرآن الحكيم } إلى قوله { فأغشيناهم فهم لا يبصرون } حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الآيات ، فلم يبق رجل إلا وضع على رأسه تراباً ، فوضع كل رجل منهم يده على رأسه ، وإذا عليه تراب فقالوا : لقد كان صدقنا الذي حدثنا « .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال { الأغلال } ما بين الصدر إلى الذقن { فهم مقمحون } كما تقمح الدابة باللجام .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { مقمحون } قال : مجموعة أيديهم إلى أعناقهم تحت الذقن .

(8/289)


وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { مقمحون } قال ( المقمح ) الشامخ بأنفه ، المنكس برأسه . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول الشاعر :
ونحن على جوانبها قعود ... نغض الطرف كالإِبل القماح
وأخرج الخرائطي في مساوىء الأخلاق عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً } قال : البخل . أمسك الله أيديهم عن النفقة في سبيل الله { فهم لا يبصرون } .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً } قال : في بعض القراءات « إنا جعلنا في أيمانهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون » قال : مغلولون عن كل خير .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد { فهم مقمحون } قال : رافعوا رؤوسهم ، وأيديهم موضوعة على أفواههم .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ « وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً » برفع السين فيهما { فأغشيناهم } بالغين .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : اجتمعت قريش بباب النبي صلى الله عليه وسلم ، ينتظرون خروجه ليؤذوه ، فشق ذلك عليه ، فأتاه جبريل بسورة { يس } وأمره بالخروج عليهم ، فأخذ كفاً من تراب ، وخرج وهو يقرأها ويذر التراب على رؤوسهم ، فما رأوه حتى جاز ، فجعل أحدهم يلمس رأسه ، فيجد التراب وجاء بعضهم فقال : ما يجلسكم؟ قالوا : ننتظر محمداً فقال : لقد رأيته داخلاً المسجد قالوا : قوموا فقد سحركم .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال : « اجتمعت قريش فبعثوا عتبة بن ربيعة فقالوا : أئتِ هذا الرجل ، فقل له إن قومك يقولون : إنك جئت بأمرٍ عظيم ، ولم يكن عليه آباؤنا ، ولا يتبعك عليه أحلامنا ، وإنك إنما صنعت هذا إنك ذو حاجة ، فإن كنت تريد المال فإن قومك سيجمعون لك ويعطونك ، فدع ما تريد وعليك بما كان عليه آباؤك ، فانطلق عليه عتبة فقال له : الذي أمروه ، فلما فرغ من قوله وسكت . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » { بسم الله الرحمن الرحيم ، حمتنزيل من الرحمن الرحيم } [ فصلت 1 - 2 ] فقرأ عليه من أولها حتى بلغ { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } [ فصلت : 13 ] فرجع عتبة فأخبرهم الخبر ، فقال : لقد كلمني بكلام ما هو بشعر ، ولا بسحر ، وإنه لكلام عجيب ، ما هو بكلام الناس ، فوقعوا به ، وقالوا نذهب إليه بأجمعنا ، فلما أرادوا ذلك ، طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعمدهم حتى قام على رؤوسهم ، وقال بسم الله الرحمن الرحيم { يس والقرآن الحكيم } حتى بلغ { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً } فضرب الله بأيديهم على أعناقهم ، فجعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً ، فأخذ تراباً ، فجعله على رؤوسهم ، ثم انصرف عنهم ، ولا يدرون ما صنع بهم ، فعجبوا وقالوا : ما رأينا أحداً قط أسحر منه أنظروا ما صنع بنا « » .

(8/290)


وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال : أئتمر ناس من قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم ليسطوا عليه ، فجاؤوا يريدون ذلك ، فجعل الله { من بين أيديهم سداً } قال : ظلمة { ومن خلفهم سداً } قال : ظلمة { فأغشيناهم فهم لا يبصرون } قال : فلم يبصروا النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال : كان ناس من المشركين من قريش يقول بعضهم لبعض : لو قد رأيت محمداً لفعلت به كذا وكذا ، فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وهم في حلقة في المسجد ، فوقف عليهم فقرأ { يس والقرآن الحكيم } حتى بلغ { لا يبصرون } ثم أخذ تراباً ، فجعل يذره على رؤوسهم ، فما يرفع إليه رجل طرفه ، ولا يتكلم كلمة ، ثم جاوز النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعلوا ينفضون التراب عن رؤوسهم ولحاهم ، والله ما سمعنا ، والله ما أبصرنا ، والله ما عقلنا .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً } قال : عن الحق { فهم } يترددون { فأغشيناهم فهم لا يبصرون } هدى ، ولا ينتفعون به .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال : جعل هذا السد بينهم وبين الإِسلام والإِيمان ، فلم يخلصوا إليه . وقرأ { وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } من منعه الله لا يستطيع .
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم النخعي ، أنه كان يقرأ « من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً » بنصب السين .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أنه قرأ { فأغشيناهم } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { إنما تنذر من اتبع الذكر } قال : اتباع الذكر اتباع القرآن { وخشي الرحمن بالغيب } قال : خشي عذاب الله وناره { فبشره بمغفرة وأجر كريم } قال : الجنة .

(8/291)


إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)

أخرج عبد الرزاق والترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي سعيد الخدري قال : كان بنو سلمة في ناحية من المدينة ، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد ، فأنزل الله { إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم } فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « إنه يكتب آثاركم ، ثم قرأ عليهم الآية ، فتركوا » .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه { إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم } قال : الخطا .
وأخرج الفريابي وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت الأنصار منازلهم بعيدة من المسجد ، فأرادوا أن ينتقلوا قريباً من المسجد ، فنزلت { ونكتب ما قدموا وآثارهم } فقالوا : بل نمكث مكاننا .
وأخرج مسلم وابن جرير وابن مردويه عن جابر بن عبدالله قال : إن بني سلمة أرادوا أن يبيعوا ديارهم ، ويتحولوا قريباً من المسجد ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن مردويه عن أنس قال : أراد بنو سلمة أن يبيعوا دورهم ، ويتحوّلوا قريب المسجد ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فكره أن تعرى المدينة فقال « يا بني سلمة أما تحبون أن تكتب آثاركم إلى المسجد؟قالوا : بلى . فأقاموا » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس رضي الله عنه في قوله { ونكتب ما قدموا وآثارهم } قال : هذا في الخطو يوم الجمعة .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود وابن ماجة وابن مردويه عن أُبيّ بن كعب قال : « كان رجل ما يعلم من أهل المدينة ممن يصلي القبلة أبعد منزلاً منه من المسجد ، فكان يشهد الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقيل له لو اشتريت حماراً تركبه في الرمضاء والظلمات ، فقال والله ما يسرني أن منزلي بلصق المسجد ، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك ، فقال : يا رسول الله كيما يكتب أثري ، وخطاي ، ورجوعي إلى أهلي ، وإقبالي ، وإدباري ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » أعطاك الله ذلك كله ، وأعطاك ما احتسبت أجمع « » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من حين يخرج أحدكم من منزله إلى منزل رجل يكتب له حسنة ، ويحط عنه سيئة » .
وأخرج عبد بن حميد عن مسروق قال : ما خطا رجل خطوة إلا كتب الله له حسنة أو سيئة .

(8/292)


وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجراً » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه { ونكتب ما قدموا } قال : أعمالهم { وآثارهم } قال : خطاهم بأرجلهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال : لو كان مغفلاً شيئاً من أثر ابن آدم لأغفل هذا الأثر التي تعفها الرياح ، ولكن أحصر على ابن آدم أثره ، وعمله كله ، حتى أحصى هذا الأثر فيما هو في طاعة الله أو معصيته ، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله ، فليفعل .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { ونكتب ما قدموا وآثارهم } قال : ما سنوا من سنة ، فعملوا بها من بعد موتهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { نكتب ما قدموا } قال : ما قدموا من خير { وآثارهم } قال : ما أورثوا من الضلالة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن جرير بن عبدالله البجلي قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده لا ينقص من أوزارهم شيء . ثم تلا هذه الآية { ونكتب ما قدموا وآثارهم } » .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن الضريس في فضائل القرآن وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } قال : أم الكتاب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } قال : كل شيء من امام عند الله محفوظ ، يعني في كتاب .
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم رضي الله عنه { وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } قال : كتاب .

(8/293)


وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)

أخرج الفريابي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية } قال : هي انطاكية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن بريدة { أصحاب القرية } قال : انطاكية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون } قال : انطاكية .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون } قال : ذكر لنا أنها قرية من قرى الروم ، بعث عيسى ابن مريم إليها رجلين ، فكذبوهما .
وأخرج ابن سعد وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان موسى بن عمران عليه السلام بينه وبين عيسى ألف سنة ، وتسعمائة سنة ولم يكن بينهما ، وانه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل ، ثم من أرسل من غيرهم ، وكان بين ميلاد عيسى والنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وتسع وستون سنة ، بعث في أولها ثلاثة أنبياء . وهو قوله { إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث } والذي عزز به : شمعون . وكان من الحواريين ، وكانت الفترة التي ليس فيها رسول أربعمائة سنة وأربعة وثلاثين سنة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { إذ أرسلنا إليهم اثنين } قال : بلغني أن عيسى بن مريم بعث إلى أهل القرية - وهي انطاكية - رجلين من الحواريين ، واتبعهم بثالث .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله { إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث } قال : لكي تكون عليهم الحجة أشد ، فأتوا أهل القرية ، فدعوهم إلى الله وحده وعبادته لا شريك له ، فكذبوهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي قال : اسم الرسولين اللذين قالا { إذ أرسلنا إليهم اثنين } شمعون . ويوحنا . واسم ( الثالث ) بولص .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فعززنا بثالث } مخففة .
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { إذ أرسلنا إليهم اثنين . . . . } قال : اسم الثالث الذي عزز به : سمعون بن يوحنا . والثالث بولص ، فزعموا أن الثلاثة قتلوا جميعاً ، وجاء حبيب وهو يكتم إيمانه { فقال يا قوم اتبعوا المرسلين } فلما رأوه أعلن بإيمانه فقال { إني آمنت بربكم فاسمعون } وكان نجاراً ألقوه في بئر ، وهي الرس ، وهم أصحاب « الرس » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { قالوا إنا تطيرنا بكم } قال : يقولون إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم { لئن لم تنتهوا لنرجمنكم } بالحجارة { قالوا طائركم معكم } أي أعمالكم معكم { أئن ذكرتم } يقول : ائن ذكرناكم بالله ، تطيرتم بنا .

(8/294)


وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله { لنرجمنكم } قال : لنشتمنكم قال والرجم في القرآن كله الشتم وفي قوله { طائركم معكم أئن ذكرتم } يقول : ما كتب عليكم واقع بكم .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { طائركم معكم } قال : شؤمكم معكم .
وأخرج عبد بن حميد عن يحيي بن وثاب أنه قرأها « أئن ذكرتم » بالخفض وقرأها زر بن حبيش « أن ذكرتم » بالنصب .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى } قال : هو حبيب النجار .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ، مثله .
وأخرج ابن جرير عن أبي مجلز قال : كان اسم صاحب ( يس ) حبيب بن مري .
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس قال : اسم صاحب ( يس ) حبيب وكان الجذام قد أسرع فيه .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى } قال : بلغني أنه رجل كان يعبد الله في غار ، واسمه حبيب ، فسمع بهؤلاء النفر الذين أرسلهم عيسى إلى أهل انطاكية ، فجاءهم فقال : تسألون أجراً فقالوا : لا ، فقال لقومه { يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون } حتى بلغ { فاسمعون } قال : فرجموه بالحجارة فجعل يقول : رب اهد قومي { فإنهم لا يعلمون بما غفر لي ربي } حتى بلغ { إن كانت إلا صيحة واحدة } قال : فما نوظروا بعد قتلهم إياه حتى أخذتهم { صيحة واحدة فإذا هم خامدون } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الحكم في قوله { وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى } قال : بلغنا أنه كان قصاراً .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { وجاء من أقصى المدينة رجل } كان حراثاً .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن كعب أن ابن عباس سأله عن أصحاب الرس فقال : إنكم معشر العرب تدعون البئر رساً وتدعون القبر رساً فخدوا خدوداً في الأرض ، وأوقدوا فيها النيران للرسل الذين ذكر الله في { يس } { إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث } وكان الله تعالى إذا جمع لعبد النبوة والرسالة منعه من الناس ، وكانت الأنبياء تقتل ، فلما سمع بذلك رجل من أقصى المدينة ، وما يراد بالرسل أقبل يسعى ليدركهم ، فيشهدهم على إيمانه ، فأقبل على قومه فقال { يا قوم اتبعوا المرسلين } إلى قوله { لفي ضلال مبين } ثم أقبل على الرسل فقال { إني آمنت بربكم فاسمعون } ليشهدهم على إيمانه فأُخِذَ فَقُذِفَ في النار فقال الله تعالى { ادخل الجنة } قال { يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين } .
وأخرج الحاكم عن ابن مسعود قال : لما قال صاحب ( يس ) { يا قوم اتبعوا المرسلين } خنقوه ليموت فالتفت إلى الأنبياء فقال { إني آمنت بربكم فاسمعون } أي فاشهدوا لي .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { قيل ادخل الجنة } قال : وجبت له الجنة { قال يا ليت قومي يعلمون } قال : هذا حين رأى الثواب .

(8/295)


وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله { وما أنزلنا على قومه . . . } قال : ما استعنت عليهم جنداً من السماء ولا من الأرض .
وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن سيرين قال : في قراءة ابن مسعود « إن كانت إلا رتقة واحدة » وفي قراءتنا { إن كانت إلا صيحة واحدة } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { فإذا هم خامدون } قال : ميتون .
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « السبق ثلاثة : فالسابق إلى موسى يوشع بن نون ، والسابق إلى عيسى صاحب يس . والسابق إلى محمد صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب » .
وأخرج ابن عساكر من طريق صدقة القرشي عن رجل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أبو بكر الصديق خير أهل الأرض إلا أن يكون نبي ، وإلا مؤمن آل ياسين ، وإلا مؤمن آل فرعون » .
وأخرج ابن عدي وابن عساكر : ثلاثة ما كفروا بالله قط : مؤمن آل ياسين ، وعلي بن أبي طالب ، وآسية امرأة فرعون .
وأخرج البخاري في تاريخه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الصديقون ثلاثة : حزقيل مؤمن آل فرعون ، وحبيب النجار صاحب آل ياسين ، وعلي بن أبي طالب » .
وأخرج أبو داود وأبو نعيم وابن عساكر والديلمي عن أبي ليلى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الصديقون ثلاثة : حبيب النجار مؤمن آل ياسين ، الذي قال { يا قوم اتبعوا المرسلين } وحزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال { أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله } [ غافر : 28 ] وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم » .
وأخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل عن عروة قال : قدم عروة بن مسعود الثقفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم استأذن ليرجع إلى قومه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنهم قاتلوك؟ قال : لو وجدوني نائماً ما أيقظوني ، فرجع إليهم ، فدعاهم إلى الإِسلام ، فعصوه وأسمعوه من الأذى ، فلما طلع الفجر قام على غرفة ، فأذن بالصلاة . وتشهد ، فرماه رجل من ثقيف بسهم فقتله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه قتله : مثل عروة . مثل صاحب يس . دعا قومه إلى الله فقتلوه » .
وأخرج ابن مردويه من حديث ابن شعبة موصولاً ، نحوه .
وأخرج عبد بن حميد والطبراني عن مقسم عن ابن عباس؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عروة بن مسعود إلى الطائف إلى قومه ثقيف ، فدعاهم إلى الإِسلام ، فرماه رجل بسهم فقتله ، فقال : « ما أشبهه بصاحب ( يس ) » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر الشعبي قال : شبه النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة نفر من أمته قال « دحية الكلبي يشبه جبريل ، وعروة بن مسعود الثقفي يشبه عيسى ابن مريم ، وعبد العزى يشبه الدجال » .

(8/296)


يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30)

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { يا حسرة على العباد } يقول : يا ويلاً للعباد .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس أنه قال { يا حسرة على العباد } .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { يا حسرة على العباد } قال : كان حسرة عليهم استهزاؤهم بالرسل .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { يا حسرة على العباد } يا حسرة العباد على أنفسها على ما ضيعت من أمر الله ، وفرطت في جنب الله تعالى قال : وفي بعض القراءة « يا حسرة العباد على أنفسها ما يأتيهم من رسول » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { يا حسرة على العباد } قال : الندامة على العباد الذين { ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون } يقول : الندامة عليهم إلى يوم القيامة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { يا حسرة على العباد } قال : يا حسرة لهم .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هارون قال : في حرف أبي بن كعب « يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون » .

(8/297)


أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32) وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34)

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون } قال : عادا ، وثمودا ، وقروناً بين ذلك كثيراً { وإن كل لما جميع لدينا محضرون } قال : يوم القيامة .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق هارون عن الأعرج وأبي عمرو في قوله { أنهم إليهم لا يرجعون } قالا : ليس في مدة اختلاف هذا من رجوع الدنيا .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي إسحق قال : قيل لابن عباس أن ناساً يزعمون أن علياً مبعوث قبل يوم القيامة . فسكت ساعة ثم قال : بئس القوم نحن إن كنا أنكحنا نساءه ، واقتسمنا ميراثه ، أما تقرأون { ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون } .

(8/298)


لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35)

أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس أنه قرأ { وما عملته أيديهم } قال : وجدوه معمولاً لم تعمله أيديهم . يعني الفرات ، ودجلة ، ونهر بلخ ، وأشباهها { أفلا يشكرون } لهذا . والله أعلم .

(8/299)


سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36)

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { سبحان الذي خلق الأزواج كلها } قال : الأصناف كلها . الملائكة زوج ، والإِنس زوج ، والجن زوج ، وما تنبت الأرض زوج ، وكل صنف من الطير زوج ، ثم فسر فقال { مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون } الروح لا يعلمه الملائكة ولا خلق الله ، ولم يطلع على الروح أحد وقوله { ومما لا يعلمون } لا يعلم الملائكة ولا غيرها .

(8/300)


وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37)

أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { وآية لهم الليل نسلخ منه النهار } قال : يخرج أحدهما من الآخر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وآية لهم الليل نسلخ منه النهار } قال : كقوله { يولج الليل في النهار ، ويولج النهار في الليل } [ الحج : 61 ] .

(8/301)


وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38)

أخرج عبد بن حميد والبخاري والترمذي وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي ذر قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس فقال : « يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس؟قلت : الله ورسوله أعلم قال : فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش ، فذلك قوله { والشمس تجري لمستقرٍ لها } قال : مستقرها تحت العرش » .
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي عن أبي ذر قال : « سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله { والشمس تجري لمستقر لها } قال : » مستقرها تحت العرش « » .
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي ذر قال : دخلت المسجد حين غابت الشمس ، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس ، فقال « يا أبا ذر أتدري أين تذهب هذه؟ قلت : الله ورسوله أعلم قال : فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها ، فتستأذن في الرجوع ، فيأذن لها وكأنها قيل لها اطلعي من حيث جئت ، فتطلع من مغربها » ، ثم قرأ « وذلك مستقرٍ لها » قال : وذلك قراءة عبد الله .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمر في الآية قال { مستقرٍ لها } أن تطلع فتردها ذنوب بني آدم ، فإذا غربت سلمت ، وسجدت ، واستأذنت ، فيؤذن لها حتى إذا غربت سلمت ، فلا يؤذن لها فتقول : إن السير بعيد ، وإني لم يؤذن لي لا أبلغ ، فتحبس ما شاء الله أن تحبس ، ثم يقال اطلعي من حيث غربت . قال : فمن يومئذٍ إلى يوم القيامة { لا ينفع نفساً إيمانها } [ الأنعام : 158 ] .
وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الأنباري في المصاحف وأحمد عن ابن عباس أنه كان يقرأ « والشمس تجري لمستقرٍ لها » .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عمرو قال : لو أن الشمس تجري مجرى واحداً من أهل الأرض فيخشى منها ، ولكنها تحلق في الصيف ، وتعترض في الشتاء ، فلو أنها طلعت مطلعها في الشتاء في الصيف ، لأنضجهم الحر . ولو أنها طلعت في الصيف لقطعهم البرد .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي راشد رضي الله عنه في قوله { والشمس تجري لمستقر لها } قال : موضع سجودها .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة رضي الله عنه في قوله { والشمس تجري لمستقر لها } قال : لوقتها ولأجلٍ لا تعدوه .

(8/302)


وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39)

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { والقمر قدرناه منازل } الآية . قال : قدره الله منازل ، فجعل ينقص حتى كان مثل عذق النخلة ، فشبهه بذلك .
وأخرج الخطيب في كتب النجوم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم } قال : في ثمانية وعشرين منزلاً ينزلها القمر في شهر : أربعة عشر منها شامية ، وأربعة عشر منها يمانية . فأولها السرطين ، والبطين ، والثريا ، والدبران ، والهقعة ، والهنعة ، والذراع ، والنثرة ، والطرف ، والجبهة ، والزبرة ، والصرفة ، والعواء ، والسماك . وهو آخر الشامية والعقرب ، والزبانين ، والاكليل ، والقلب ، والشولة ، والنعائم ، والبلدة ، وسعد الذابح ، وسعد بلع ، وسعد السعود ، وسعد الأخبية ، ومقدم الدلو ، ومؤخر الدلو ، والحوت ، وهو آخر اليمانية . فإذا سار هذه الثمانية والعشرين منزلاً { عاد كالعرجون القديم } كما كان في أول الشهر .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { كالعرجون القديم } يعني أصل العذق القديم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { كالعرجون القديم } قال : عرجون النخل اليابس .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { كالعرجون القديم } قال : هو عذق النخلة اليابس المنحني .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله { كالعرجون القديم } قال : كعذق النخلة إذا قدم فانحنى .
وأخرج ابن المنذر عن الحسن بن الوليد قال : أعتق رجل كل غلام له عتيق قديم ، فسئل يعقوب فقال : من كان لسنة فهو حر . قال الله { حتى عاد كالعرجون القديم } وكان لسنة .

(8/303)


لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر } قال : لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر ، ولا ينبغي لهما ذلك . وذلك { ولا الليل سابق النهار } قال : يتطالبان حثيثين يسلخ أحدهما من الآخر .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار } قال : لكل حد وعلم لا يعدوه ولا يقصر دونه ، إذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان هذا ، وإذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان هذا .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر } قال : ذاك ليلة الهلال .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن في قوله { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار } قال : لكل واحد منهما سلطان . للقمر سلطان بالليل . وللشمس سلطان بالنهار ، فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل . وقوله { ولا الليل سابق النهار } يقول : لا ينبغي إذا كان ليل أن يكون ليل آخر حتى يكون النهار .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { ولا الليل سابق النهار } قال : لا يذهب الليل من ههنا حتى يجيء النهار من هنا ، وأومأ بيده إلى المشرق .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ولا الليل سابق النهار } قال : في قضاء الله وعلمه أن لا يفوت الليل النهار حتى يدركه ، فتذهب ظلمته . وفي قضاء الله وعلمه أن لا يفوت النهار الليل حتى يدركه ، فيذهب بضوئه .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار } قال : لا يدرك هذا ضوء هذا ، ولا هذا ضوء هذا .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه في الآية قال : لا يسبق هذا ضوء هذا ، ولا هذا ضوء هذا .
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه في الآية قال : لا يعلو هذا ضوء هذا ، ولا هذا على هذا .

(8/304)


وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48)

أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله { وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون } قال : سفينة نوح عليه السلام ، حمل فيها من كل زوجين اثنين { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } قال : السفن التي في البحور ، والأنهار التي يركب الناس فيها .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح في قوله { حملنا ذريتهم في الفلك المشحون } قال : سفينة نوح { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } قال : هذه السفن مثل خشبها وصنعتها .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } قال : هي السفن جعلت من بعد سفينة نوح على مثلها .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } قال : يعني السفن الصغار ، وقال : الحسن رضي الله عنه : هي الابل .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } يعني الإِبل خلقها الله تعالى كما رأيت ، فهي سفن البر ، يحملون عليها ، ويركبونها .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه في قوله { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } قالا : الإِبل .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وخلقنا لهم من مثله ما يركبون } قال : الأنعام . وفي قوله { وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم } لا مغيث لهم يستغيثون به .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { فلا صريخ لهم } قال : لا مغيث لهم وفي قوله { ومتاعاً إلى حين } قال : إلى الموت . وفي قوله { وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم } قال : من الوقائع التي قد خلت فيمن كان قبلكم ، والعقوبات التي أصابت عادا ، وثموداً والأمم { وما خلفكم } قال : من أمر الساعة . وفي قوله { وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله } . قال : نزلت في الزنادقة كانوا لا يطعمون فقيراً ، فعاب الله ذلك عليه وعيّرهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم } قال ، ما مضى وما بقي من الذنوب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله { أنطعم من لو يشاء الله أطعمه } قال : اليهود تقوله .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن إسماعيل عن أبي خالد رضي الله عنه في قوله { أنطعم من لو يشاء الله أطعمه } قال : يهود تقوله

(8/305)


مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50)

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون } قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : « تهيج الساعة الناس والرجل يسقي ماشيته ، والرجل يصلح حوضه ، والرجل يقيم سلعته في سوقه ، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه ، فتهيج بهم وهم كذلك { فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون } قال : اعجلوا عن ذلك » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون } قال : هذا مبتدأ يوم القيامة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { وهم يخصمون } قال : يتكلمون .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال : لينفخن في الصور والناس في طرقهم ، وأسواقهم ، ومجالسهم ، حتى أن الثوب ليكون بين الرجلين يتساومان ، فما يرسله أحدهما من يده حتى ينفخ في الصور فيصعق به ، وهي التي قال الله { ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون } .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه في هذه الآية قال : تقوم الساعة والناس في أسواقهم ، يتبايعون ، ويذرعون الثياب ، ويحلبون اللقاح ، وفي حوائجهم { فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون } .
وأخرج عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر عن الزبير بن العوّام رضي الله عنه قال : إن الساعة تقوم والرجل يذرع الثوب ، والرجل يحلب الناقة ، ثم قرأ { فلا يستطيعون توصيةً } .
وأخرج سعيد بن منصور والبخاري ومسلم وابن المنذر وأبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما ، فلا يتبايعانه ، ولا يطويانه . ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه ، فلا يسقي فيه . ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته ، فلا يطعمه . ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فمه فلا يطعمها » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { تأخذهم وهم يخصمون } قال : تذرهم في أسواقهم ، وطرقهم { فلا يستطيعون توصية } قال : لا يوصي بعضهم إلى بعض . والله أعلم .

(8/306)


وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54)

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث } قال : النفخة الأخيرة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما { فإذا هم من الأجداث } يعني من القبور { إلى ربهم ينسلون } قال : يخرجون .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ، مثله .
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { من الأجداث } قال : القبور قال : هل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول عبد الله بن رواحة :
حيناً يقولون اذ مروا على جدثي ... أرشده يا رب من غاز وقد رشدا
قال أخبرني عن قوله { إلى ربهم ينسلون } قال : النسل المشي الخبب قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت نابغة بن جعدة وهو يقول :
عملان الذنب أمشي فاريا ... يرد الليل عليه فنسل
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن علي رضي الله عنه أنه قرأ { يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا } .
وأخرج ابن الأنباري عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه قال : ينامون نومة قبل البعث ، فيجدون لذلك راحة فيقولون { يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا } .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه في قوله { من بعثنا من مرقدنا } قال : ينامون قبل البعث نومة .
وأخرج هناد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن مجاهد قال : للكفار هجعة يجدون فيها طعم النوم قبل يوم القيامة ، فإذا صيح بأهل القبور يقول الكافر { يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا } فيقول المؤمن إلى جنبه { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : يقول المشركون { يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا } فيقول المؤمن { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا } قال : أولها للكفار ، وآخرها للمسلمين . قال الكفار { يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا } وقال المسلمون { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه في الآية قال : كانوا يرون أن العذاب يخفف عنهم ما بين النفختين ، فلما كانت النفخة الثانية ، قالوا : { يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا } .
وأخرج ابن أبي حاتم رضي الله عنه في الآية قال : ينامون قبل البعث نومة ، فإذا بعثوا قال الكفار { يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا } قال : فتجيبهم الملائكة { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فإذا هم جميع لدينا محضرون } قال : عند الحساب .

(8/307)


إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56)

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون } قال : يعجبون .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله { إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون } قال : شغلهم النعيم عما فيه أهل النار من العذاب .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { في شغل فاكهون } قال : في افتضاض الأبكار .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله { إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون } قال : شغلهم افتضاض العذارى .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وقتادة ، مثله .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : إن المؤمن كلما أراد زوجة وجدها عذراء .
وأخرج البزار والطبراني في الصغير وأبو الشيخ في العظمة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عادوا أبكاراً » .
وأخرج المقدسي في صفة الجنة عن أبي هريرة رضي الله عنه « عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سئل أنطؤ في الجنة؟ قال : نعم . والذي نفسي بيده دحماً دحماً ، فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكراً » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { في شغل فاكهون } قال : ضرب الأوتار قال أبو حاتم : هذا خطأ من السمع إنما هو افتضاض الأبكار .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وأزواجهم } قال : حلائلهم .

(8/308)


لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57)

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة بسند جيد عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الشراب من شراب الجنة ، فيجيء إليه الابريق ، فيقع في يده ، فيشرب ، فيعود إلى مكانه .

(8/309)


سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58)

أخرج ابن ماجة وابن أبي الدنيا في صفة الجنة والبزار وابن أبي حاتم والآجري في الرؤية وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « بينا أهل الجنة في نعيمهم ، إذ سطع لهم نور ، فرفعوا رؤوسهم ، فإذا الرب قد أشرف عليهم من فوقهم ، فقال السلام عليكم يا أهل الجنة . وذلك قول الله { سلام قولا من رب رحيم } قال : فينظر إليهم ، وينظرون إليه ، فلا يلتفتوا إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ، ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم » .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { سلام قولاً من رب رحيم } قال : فإن الله هو يسلم عليهم .
وأخرج ابن جرير عن البراء رضي الله عنه في قوله { سلام قولاً من رب رحيم } قال : يسلم عليهم عند الموت .
وأخرج ابن جرير وأبو نصر السجزي في الابانة عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه في قوله { سلام قولاً من رب رحيم } قال : يأتيهم تبارك وتعالى في درجاتهم ، فيسلم عليهم ، فيردون عليه السلام ، فيقول « سلوني فيقولون : ما نسألك؟ وعزتك وجلالك لو أنك قسمت علينا رزق الثقلين الجن والانس لأطعمناهم ، ولأسقيناهم ، ولألبسناهم ، ولأخدمناهم ، ولا ينقصنا ذلك شيئاً . فيقول : إن لدي مزيداً ، فيقول ذلك بأهل كل درجة حتى ينتهي ، ثم يأتيهم التحف من الله تحمله إليهم الملائكة » .

(8/310)


وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59)

أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال : إذا كان يوم القيامة جمع الله الناس على تل رفيع ، ثم نادى مناد : امتازوا اليوم أيها المجرمون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن رواد بن الجراح رضي الله عنه في الآية قال : إذا كان يوم القيامة نادى مناد : أن ميزوا المسلمين من المجرمين ، إلا صاحب الأهواء . يعني يترك صاحب الهوى مع المجرمين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية { وامتازوا اليوم أيها المجرمون } فرق ، وبكى ، وقال : ما سمع الناس قط بنعت أشد منه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وامتازوا اليوم أيها المجرمون } قال : عزلوا عن كل خير .

(8/311)


أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64)

أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { ألم أعهد إليكم } يقول : ألم أنهكم؟
وأخرج ابن المنذر عن مكحول رضي الله عنه في قوله { أن لا تعبدوا الشيطان } قال : إنما عبادته طاعته .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { جبلاً كثيراً } قال : خلقاً كثيراً .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ « جبلاً كثيراً » بكسر الجيم مثقلة اللام « أفلم يكونوا يعقلون » بالياء .
وأخرج عبد بن حميد عن هذيل رضي الله عنه أنه قرأ « جبلاً كثيراً » مخففة .
وأخرج الحاكم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ « ولقد أضل منكم جبلاً » مخففة .

(8/312)


الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65)

أخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن أبي الدنيا في التوبة واللفظ له وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس رضي الله عنه في قوله { اليوم نختم على أفواههم } قال « كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه قال : أتدرون ممن ضحكت؟ قلنا : لا يا رسول الله قال : من مخاطبة العبد ربه فيقول : يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول : بلى . فيقول : إني لا أجيز عليَّ إلا شاهداً مني فيقول : كفى بنفسك عليك شهيداً ، وبالكرام الكاتبين شهوداً ، فيختم على فيه ويقال لأركانه : انطقي ، فتنطق بأعماله ، ثم يخلى بينه وبين الكلام ، فيقول بعداً لكن وسحقاً ، فعنكن كنت أناضل » .
وأخرج مسلم والترمذي وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يلقى العبد ربه فيقول الله : أي قل ألم أكرمك ، وأسودك ، وأزوجك ، وأسخر لك الخيل والابل ، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول : بلى أي رب فيقول : أفطنت أنك ملاقي؟ فيقول : لا . فيقول : فإني أنساك كما نسيتني . ثم يلقى الثاني ، فيقول : مثل ذلك . ثم يلقى الثالث فيقول له : مثل ذلك فيقول : آمنت بك ، وبكتابك ، وبرسولك ، وصليت ، وصمت ، وتصدقت ، ويثني بخير ما استطاع ، فيقول : ألا نبعث شاهدنا عليك؟ فيفكر في نفسه من الذي يشهد عليَّ ، فيختم على فيه ، ويقال لفخذه : انطقي . فتنطق فخذه ، ولحمه ، وعظامه . بعمله ما كان ذلك يعذر من نفسه ، وذلك بسخط الله عليه » .
وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن أول عظم من الإِنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه . فخذه من الرجل الشمال » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : يدعى المؤمن للحساب يوم القيامة ، فيعرض عليه ربه عمله ، فيما بينه وبينه ، ليعترف فيقول : أي رب عملت . . عملت . . عملت ، فيغفر الله له ذنوبه ، ويستره منها قال : فما على الأرض خليقة يرى من تلك الذنوب شيئاً ، وتبدو حسناته فودَّ أن الناس كلهم يرونها . ويدعى الكافر والمنافق للحساب ، فيعرض ربه عليه عمله ، فيجحد ويقول : أي رب وعزتك لقد كتب عليّ هذا الملك ما لم أعمل ، فيقول له الملك : أما عملت كذا ، في يوم كذا ، في مكان كذا؟ فيقول : لا وعزتك . أي رب ما عملته ، فإذا فعل ذلك ختم على فيه ، فأني أحسب أول ما ينطق منه لفخذه اليمنى ، ثم تلا { اليوم نختم على أفواههم . . . } .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات عن بسرة وكانت من المهاجرات قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

(8/313)


« عليكن بالتسبيح ، والتهليل ، والتقديس ، ولا تغفلن واعقدن بالأنامل ، فإنهن مسؤولات ومستنطقات » .
وأخرج ابن جرير عن الشعبي رضي الله عنه قال : يقال للرجل يوم القيامة : عملت كذا وكذا . . فيقول : ما عملته . فيختم على فيه ، وتنطق جوارحه ، فيقول لجوارحه : أبعدكن الله ، ما خاصمت إلا فيكن .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أسماء بن عبيد رضي الله عنه قال : يؤتى بابن آدم يوم القيامة ومعه جبل من صحف لكل ساعة صحيفة ، فيقول الفاجر : وعزتك لقد كتبوا عليّ ما لم أعمل ، فعند ذلك يختم على أفواههم ، ويؤذن لجوارحهم في الكلام ، فيكون أول ما يتكلم من جوارح ابن آدم فخذه اليسرى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { نختم على أفواههم } قال : فلا يتكلمون .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال : كانت خصومات وكلام ، وكان هذا آخره أن ختم على أفواههم .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال : أول ما ينطق من الإِنسان فخذه اليمنى .

(8/314)


وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (67)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولو نشاء لطمسنا على أعينهم } قال : أعميناهم وأضللناهم عن الهدي { فأنّى يبصرون } فكيف يهتدون .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فاستبقوا الصراط } قال : الطريق { فأنّى يبصرون } وقد طمسنا على أعينهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولو نشاء لمسخناهم } قال : أهلكناهم { على مكانتهم } قال : في مساكنهم .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله { ولو نشاء لمسخناهم } يقول : لجعلناهم حجارة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { ولو نشاء لطمسنا . . . } . قال : لو شاء الله لتركهم عمياً يترددون { ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم } قال : لو نشاء لجعلناهم كسحاً لا يقومون .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { فما استطاعوا مضياً ولا يرجعون } قال : فلم يستطيعوا أن يتقدموا ، ولا يتأخروا .

(8/315)


وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68)

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ومن نعمره ننكسه في الخلق } قال : هو الهرم . يتغير سمعه ، وبصره ، وقوته ، كما رأيت .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { ومن نعمره ننكسه في الخلق } قال : نرده إلى أرذل العمر .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سفيان في قوله { ومن نعمره ننكسه } قال : ثمانين سنة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ومن نعمره } يقول : من نمد له في العمر { ننكسه في الخلق } { كيلا يعلم من بعد علمٍ شيئاً } [ الحج : 5 ] يعني الهرم .

(8/316)


وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70)

أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { وما علمناه الشعر } قال : محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وما علمناه الشعر وما ينبغي له } قال : محمد صلى الله عليه وسلم ، عصمه الله من ذلك { إن هو إلا ذكر } قال : هذا القرآن { لينذر من كان حياً } قال : حي القلب ، حي البصر { ويحق القول على الكافرين } باعمالهم أعمال السوء .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال : بلغني أنه قيل لعائشة رضي الله عنها هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت : كان أبغض الحديث إليه ، غير أنه كان يتمثل ببيت أخي بني قيس ، يجعل أخره أوله ، وأوله آخره ، ويقول :
ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار ... فقال له أبو بكر رضي الله عنه : ليس هكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني والله ما أنا بشاعر ، ولا ينبغي لي » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استراب الخبر تمثل ببيت طرفه :
ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد ... وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل من الاشعار :
ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد ... وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم والمرزباني في معجم الشعراء عن الحسن رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت :
كفى الإِسلام والشيب للمرء ناهياً ... فقال أبو بكر رضي الله عنه : أشهد أنك رسول الله ، ما علمك الشعر وما ينبغي لك .
وأخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن أبي الزناد رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس بن مرداس : » أرأيت قولك : «
أصبح نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة . ؟ ... » فقال أبو بكر رضي الله عنه : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما أنت بشاعر ، ولا راوية ، ولا ينبغي لك . إنما قال : بين عيينة والاقرع « .
وأخرج البيهقي في سننه بسند فيه من يجهل حاله عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت شعر قط إلا بيتاً واحداً :
يقال بما نهوى يكن فلقا ... يقال لشيء كان إلا يحقق
قالت عائشة رضي الله عنها : فقل تحققاً لئلا يعربه فيصير شعراً .
وأخرج أبو داود والطبراني والبيهقي عن ابن عمرو رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : » ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقاً ، أو تعلقت تميمة ، أو قلت الشعر من قبل نفسي « .
وأخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { لينذر من كان حياً } قال : عاقلاً .
وأخرج ابن أبي شيبة عن نوفل بن عقرب قال : سألت عائشة رضي الله عنها هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسامع عنده الشعر؟ قالت : كان أبغض الحديث إليه .

(8/317)


أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (76)

أخرج ابن حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { مما عملت أيدينا } قال : من صنعتنا .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فهم لها مالكون } قال : ضابطون { وذللناها لهم فمنها ركوبهم } يركبونها ويسافرون عليها { ومنها يأكلون } لحومها { ولهم فيها منافع } قال : يلبسون أصوافها { ومشارب } يشربون ألبانها { أفلا يشكرون } .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن عروة رضي الله عنه قال في مصحف عائشة رضي الله عنها « فمنها ركبوتهم » .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هارون رضي الله عنه قال في حرف أُبيّ بن كعب رضي الله عنه « فمنها ركبوتهم » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن هارون رضي الله عنه قال : قراءة الحسن والأعرج وأبي عمرو والعامة { فمنها ركوبهم } يعني ركوبتهم حمولتهم .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن قتادة رضي الله عنه في قوله { واتخذوا من دون الله آلهة } قال : هي الأصنام .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { لعلهم ينصرون } قال : يمنعون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { لا يستطيعون نصرهم } قال : لا تستطيع الآلهة نصرهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { لا يستطيعون نصرهم } قال : نصر الآلهة ، ولا تستطيع الآلهة نصرهم { وهم لهم جند محضرون } قال : المشركون يغضبون للآلهة في الدنيا ، وهي لا تسوق إليهم خيراً ، ولا تدفع عنهم سوءاً ، إنما هي أصنام .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله { وهم لهم جند محضرون } قال : هم لهم جند في الدنيا وهم { محضرون } في النار .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { وهم لهم جند محضرون } لآلهتهم التي يعبدون ، يدفعون عنهم ، ويمنعونهم .

(8/318)


أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والاسمعيلي في معجمه والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « جاء العاص بن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل ، ففته بيده ، فقال يا محمد : أيحيي الله هذا بعدما أرى؟ قال : » نعم . يبعث الله هذا ، ثم يميتك ، ثم يحييك ، ثم يدخلك نار جهنم . فنزلت الآيات من آخر يس ، { أولم ير الإِنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين } إلى آخر السورة « » .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال « جاء عبد الله بن أُبيّ وفي يده عظم حائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فكسره بيده ، ثم قال : يا محمد كيف يبعثه الله وهو رميم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » يبعث الله هذا ويميتك ، ثم يدخلك جهنم . قال الله { قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم } « » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « جاء أُبيّ بن خلف وفي يده عظم حائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فكسره بيده ، ثم قال : يا محمد كيف يبعثه الله وهو رميم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » يبعث الله هذا ويميتك ، ثم يدخلك جهنم . قال الله { قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم } « » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « جاء أُبيّ بن خلف الجمحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم نخر فقال : أتعدنا يا محمد إذا بليت عظامنا ، فكانت رميماً أن الله باعثنا خلقاً جديداً ، ثم جعل يفت العظم ويذره في الريح فيقول : يا محمد من يحيي هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » نعم . يميتك الله ، ثم يحييك ، ويجعلك في جهنم ، ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم { وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه } « » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في البعث عن أبي مالك قال : جاء أُبيّ بن خلف بعظم نخرة ، فجعل يفته بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم قال : من يحيي العظام وهي رميم؟ فأنزل الله { أولم ير الإِنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين } إلى قوله { وهو بكل شيء عليم } .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نزلت هذه الآية في أبي جهل بن هشام جاء بعظم حائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذراه فقال : من يحيي العظام وهي رميم؟ فقال الله : يا محمد { قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم } .

(8/319)