صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور |
وأخرج ابن جرير عن أبي اليمان الهذلي قال : الجنة مائة درجة ، أولها درجة فضة ، وأرضها فضة ، وآنيتها فضة ، وترابها المسك . والثانية ذهب ، ومساكنها ذهب ، وآنيتها ذهب ، وترابها المسك . والثالثة لؤلؤ ، وأرضها لؤلؤ ، ومساكنها لؤلؤ ، وآنيتها لؤلؤ ، وترابها المسك . وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، وتلا هذه الآية { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين . . } . (8/114)
وأخرج ابن جرير والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق الحاكم بن أبان عن الغطريف عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح الأمين قال « يؤتى بحسنات العبد وسيئاته ، فيقتص بعضها من بعض ، فإن بقيت حسنة واحدة أدخله الله الجنة » قال : فدخلت على يزدان فحدث بمثل هذا فقلت : فإن ذهبت الحسنة؟ قال : { أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم } [ الأحقاف : 16 ] قلت : أفرأيت قوله { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } قال : هو العبد يعمل سراً أسره إلى الله لم يعلم به الناس ، فأسر الله له يوم القيامة { قرة أعين } .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « إن أدنى أهل الجنة حظاً قوم يخرجهم الله من النار برحمته بعد أن يحترقوا ، يرتاح لهم الرب أنهم كانوا لا يشركون بالله شيئاً ، فينبذون بالعراء فينبتون كما ينبت البقل حتى إذا رجعت الأرواح إلى أجسادها قالوا : ربنا كالذي أخرجتنا من النار ورجعت الأرواح إلى أجسادنا فاصرف وجوهنا عن النار ، فيصرف وجوههم عن النار ، ويضرب لهم شجرة ذات ظل وفيء فيقولون : ربنا كالذي أخرجتنا من النار فانقلنا إلى ظل هذه الشجرة ، فينقلهم إليها ، فيرون أبواب الجنة فيقولن : ربنا كالذي أخرجتنا من النار فانقلنا إلى أبواب الجنة ، فيفعل فإذا نظروا إلى ما فيها من الخيرات والبركات قال : وقرأ أبو هريرة رضي الله عنه { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } قالوا : ربنا كالذي أخرجتنا من النار فادخلنا الجنة قال : فيدخلون الجنة ، ثم يقال لهم : تمنوا فيقولون : يا رب اعطنا حتى إذا قالوا : يا ربنا حسبنا قال : هذا لكم وعشرة أمثاله » .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والترمذي وابن جرير والطبراني وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم « أن موسى عليه السلام سأل ربه فقال : رب أي أهل الجنة أدنى منزلة؟ فقال : رجل يجيء بعدما دخل أهل الجنة الجنة فيقال له : ادخل . فيقول : كيف ادخل وقد نزلوا منازلهم ، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له : اترضى أن يكون لك مثل ما كان لملك من ملوك الدنيا؟ فيقول : نعم . أي رب قد رضيت فيقال له : فإن لك هذا وعشرة أمثاله معه فيقول : أي رب رضيت فيقال له : فإن لك من هذا ما اشتهت نفسك ، ولذت عينك ، فقال موسى عليه السلام : أي رب فأي أهل الجنة ارفع منزله؟ قال : إياها أردت وسأحدثك عنهم إني غرست كرامتهم بيدي ، وختمت عليها فلا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، قال : ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } » .
أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20)
أخرج أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني والواحدي وابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن عساكر من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال الوليد بن عقبة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : أنا أحد منك سناناً ، وأبسط منك لساناً ، وأملأ للكتيبة منك ، فقال له علي رضي الله عنه : اسكت فإنما أنت فاسق . فنزلت { أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون } يعني بالمؤمن : علياً . وبالفاسق : الوليد بن عقبة بن أبي معيط . (8/115)
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن عطاء بن يسار قال : نزلت بالمدينة في علي بن أبي طالب ، والوليد بن عقبة بن أبي معيط قال : كان بين الوليد وبين علي كلام فقال الوليد بن عقبة : أنا أبسط منك لساناً ، وأحمد منك سناناً ، وأرد منك للكتيبة ، فقال علي رضي الله عنه : اسكت فانك فاسق . فأنزل الله { أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون . . . } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون . . . } قال : نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، والوليد بن عقبة .
وأخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً } قال : أما المؤمن : فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وأما الفاسق : فعقبة بن أبي معيط ، وذلك لسباب كان بينهما ، فأنزل الله ذلك .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون } قال : لا في الدنيا ، ولا عند الموت ، ولا في الآخرة . وفي قوله { وأما الذين فسقوا } قال : هم الذين أشركوا وفي قوله { كنتم به تكذبون } قال : هم يكذبون كما ترون .
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)
أخرج الفريابي وابن منيع وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والخطيب والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى } قال : يوم بدر { دون العذاب الأكبر } قال : يوم القيامة { لعلهم يرجعون } قال : لعل من بقي منهم يرجع . (8/116)
وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى } قال : سنون اصابتهم { لعلهم يرجعون } قال : يتوبون .
وأخرج مسلم وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند وأبو عوانه في صحيحه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي بن كعب رضي الله عنه في قوله { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى } قال : مصائب الدنيا واللزوم والبطشة والدخان .
وأخرج ابن مردويه عن أبي ادريس الخولاني رضي الله عنه قال : سألت عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن قول الله { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر } فقال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال « هي المصائب والاسقام والانصاب عذاب للمسرف في الدنيا دون عذاب الآخرة قلت : يا رسول الله فما هي لنا؟ قال : زكاة وطهور » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى } قال : مصائب الدنيا وأسقامها وبلاياها ، يبتلي الله بها العباد كي يتوبوا .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن إبراهيم رضي الله عنه { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر } قال : أشياء يصابون بها في الدنيا { لعلهم يرجعون } قال : يتوبون .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر } قال : الحدود { لعلهم يرجعون } قال : يتوبون .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى } قال : عذاب الدنيا وعذاب القبر .
وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد في قوله { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى } قال : القتل والجوع لقريش في الدنيا ، والعذاب الأكبر يوم القيامة في الآخرة .
وأخرج هناد عن أبي عبيدة في قوله { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى } قال : عذاب القبر .
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)
أخرج ابن منيع وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند ضعيف عن معاذ بن جبل رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « ثلاث من فعلهن فقد أجرم . من عقد لواء في غير حق . أو عق والديه . أو مشى مع ظالم لينصره فقد أجرم ، يقول الله عز وجل { إنا من المجرمين منتقمون } » . (8/117)
وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26)
أخرج عبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طريق قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم « رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلاً طوالاً جعداً كأنه من رجال شنوأة ، ورأيت عيسى بن مريم عليه السلام مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض ، سبط الرأس ، ورأيت مالكاً خازن جهنم والدجال في آيات أراهن الله إياه قال { فلا تكن في مرية من لقائه } فكان قتادة يفسرها أن النبي صلى الله عليه وسلم قد لقي موسى { وجعلناه هدى لبني إسرائيل } قال : جعل الله موسى هدى لبني إسرائيل » . (8/118)
وأخرج الطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة بسند صحيح عن ابن عباس « عن النبي صلى الله عليه وسلم { فلا تكن في مرية من لقائه } من لقاء موسى ربه { وجعلناه هدى لبني إسرائيل } قال : جعل موسى هدى لبني إسرائيل » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله { فلا تكن في مرية من لقائه } قال : من لقاء موسى قيل : أو لقي موسى؟ قال : نعم . ألا ترى إلى قوله { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا } [ الزخرف : 45 ] .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { فلا تكن في مرية من لقائه } قال : من أن تلقى موسى .
وأخرج الحاكم عن مالك أنه تلا { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا } فقال : حدثني الزهري أن عطاء بن يزيد حدثه عن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول « ما رزق عبد خيراً له أوسع من الصبر » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وجعلنا منهم أئمة } قال : رؤساء في الخير سوى الأنبياء { يهدون بأمرنا لما صبروا } قال : على ترك الدنيا . والله أعلم .
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27)
أخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز } قال : الجرز التي لا تمطر إلا قطراً لا يغني عنها شيئاً إلا ما يأتيها من السيول . (8/119)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إلى الأرض الجرز } قال : أرض باليمن .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { إلى الأرض الجرز } قال : هي التي لا تنبت هن أبين ونحوها من الأرض .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة { إلى الأرض الجرز } قال : السمطاء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي { إلى الأرض الجرز } قال : إلى الأرض الميتة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن { إلى الأرض الجرز } قال : قرى فيما بين اليمن والشام .
وأخرج أبو بكر وابن حبان في كتاب الغرر عن الربيع بن سبرة قال : الأمثال أقرب إلى العقول من المعاني ، ألم تسمع إلى قوله { أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز } « ألم تر »؟ « ألم يروا » .
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال : قال الصحابة أن لنا يوم يوشك أن نستريح فيه ونتنعم فيه . فقال المشركون { متى هذا الفتح إن كنتم صادقين } فنزلت . (8/120)
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله { ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين } قال : يوم بدر فتح النبي صلى الله عليه وسلم فلم { ينفع الذين كفروا إيمانهم } بعد الموت .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { قل يوم الفتح } قال : يوم القيامة .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { قل يوم الفتح } قال : يوم القضاء . وفي قوله { وانتظر إنهم منتظرون } قال : يوم القيامة .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (2) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (3)
أخرج ابن جرير من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال : إن أهل مكة منهم الوليد بن المغيرة ، وشيبة بن ربيعة ، دعوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يرجع عن قوله على أن يعطوه شطر أموالهم ، وخوفه المنافقون واليهود بالمدينة إن لم يرجع قتلوه ، فأنزل الله { يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين } . (8/121)
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج { ولا تطع الكافرين } أبي بن خلف { والمنافقين } أبو عامر الراهب ، وعبد الله بن أُبي بن سلول ، والجد بن قيس .
مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4)
أخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال : قام النبي صلى الله عليه وسلم يوماً يصلي ، فخطر خطرة فقال المنافقون الذين يصلون معه : ألا ترى أن له قلبين؟ قلباً معكم ، وقلباً معهم . فأنزل الله { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } . (8/122)
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق خصيف عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة قالوا : كان رجل يدعى ذا القلبين ، فأنزل الله { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال : كان رجل من قريش يسمى من دهائه ذا القلبين ، فأنزل الله هذا في شأنه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال : كان رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى ذا القلبين . كان يقول : لي نفس تأمرني ، ونفس تنهاني ، فأنزل الله فيه ما تسمعون .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : إن رجلاً من بني فهر قال : إن في جوفي قلبين ، اعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد ، فنزلت .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي : أنها نزلت في رجل من قريش من بني جمح ، يقال له : جميل بن معمر .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال « صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة فسها فيها ، فخطرت منه كلمة ، فسمعها المنافقون ، فأكثروا فقالوا : إن له قلبين . ألم تسمعوا إلى قوله وكلامه في الصلاة؟ إن له قلباً معكم ، وقلباً مع أصحابه ، فنزلت { يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين } إلى قوله { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } » .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الزهري في قوله { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } قال : بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة ، ضرب له مثلاً يقول : ليس ابن رجل آخر ابنك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : كان الرجل يقول لامرأته : أنت عليَّ كظهر أمي . فقال الله { وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم } وكان يقال : زيد بن محمد . فقال الله { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم } أي ما جعلها أمك ، وإذا ظاهر الرجل من امرأته فإن الله لم يجعلها أمه ، ولكن جعل فيها الكفارة { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } يقول : ما جعل دعيك ابنك . يقول : إن ادعى رجل رجلاً فليس بابنه . ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول « من ادعى إلى غير أبيه متعمداً حرم الله عليه الجنة » .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وما جعل أدعياءكم أبناءكم } قال : نزلت في زيد بن حارثة رضي الله عنه .
ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5)
أخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر : « أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد . حتى نزل القرآن { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله } فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أنت زيد بن حارثة بن شراحيل » . (8/123)
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عائشة « أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، وكان ممن شهد بدراً تبنى سالماً ، وأنكحه بنت أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة ، وهو مولى لامرأة من الأنصار ، كما تبنى النبي صلى الله عليه وسلم زيداً ، وكان من تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس إليه وورثه من ميراثه حتى أنزل الله في ذلك { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم } فردوا إلى آبائهم ، فمن لم يعلم له أب كان مولى وأخاً في الدين ، فجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن سالماً كان يدعى لأبي حذيفة رضي الله عنه ، وإن الله قد أنزل في كتابه { ادعوهم لآبائهم } وكان يدخل عليَّ ، وأنا وحدي ، ونحن في منزل ضيق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ارضعي سالماً تحرمي عليه » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان من أمر زيد بن حارثة رضي الله عنه أنه كان في أخواله بني معن من بني ثعل من طيء ، فأصيب في غلمة من طيء ، فقدم به سوق عكاظ ، وانطلق حكيم بن حزام بن خويلد إلى عكاظ يتسوق بها ، فأوصته عمته خديجة رضي الله عنها أن يبتاع لها غلاماً ظريفاً عربياً ان قدر عليه ، فلما جاء وجد زيداً يباع فيها ، فأعجبه ظرفه ، فابتاعه فقدم به عليها وقال لها : إني قد ابتعت لك غلاماً ظريفاً عربياً ، فإن أعجبك فخذيه وإلا فدعيه ، فإنه قد أعجبني ، فلما رأته خديجة اعجبها ، فأخذته فتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عندها ، فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم ظرفه ، فاستوهبه منها فقالت : هو لك فإن أردت عتقه فالولاء لي ، فأبى عليها فوهبته له إن شاء أعتق وإن شاء أمسك قال : فشب عند النبي صلى الله عليه وسلم .
ثم إنه خرج في إبل طالب إلى الشام ، فمر بأرض قومه . فعرفه عمه ، فقام إليه فقال : من أنت يا غلام؟ قال : غلام من أهل مكة . قال : من أنفسهم؟ قال : لا . فحر أنت أم مملوك؟ قال : بل مملوك قال : لمن؟ قال : لمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب فقال له : أعربي أنت أم عجمي؟ قال : بل عربي قال : ممن أهلك؟ قال : من كلب قال : من أي كلب؟ قال : من بني عبدود قال : ويحك .
. ! ابن من أنت؟ قال : ابن حارثة بن شراحيل قال : وأين أصبت؟ قال : في أخوالي قال : ومن أخوالك؟ قال : طي قال : ما اسم أمك؟ قال : سعدي . فالتزمه وقال ابن حارثة : ودعا أباه وقال : يا حارثة هذا ابنك . فأتاه حارثة ، فلما نظر إليه عرفه قال : كيف صنع مولاك إليك؟ قال : يؤثرني على أهله وولده ، ورزقت منه حباً ، فلا أصنع إلا ما شئت . (8/124)
فركب معه وأبوه وعمه وأخوه حتى قدموا مكة ، فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له حارثة : يا محمد أنتم أهل حرم الله وجيرانه ، وعند بيته . تفكون العاني ، وتطعمون الأسير . ابني عبدك ، فامنن علينا ، وأحسن إلينا في فدائه ، فإنك ابن سيد قومه فإنا سنرفع لك في الفداء ما أحببت . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أعطيكم خيراً من ذلك قالوا : وما هو؟ قال : أخيره فإن اختاركم فخذوه بغير فداء ، وإن اختارني فكفوا عنه قالوا : جزاك الله خيراً فقد أحسنت ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا زيد اتعرف هؤلاء؟ قال : نعم . هذا أبي وعمي وأخي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأنا من قد عرفته ، فإن اخترتهم فأذهب معهم ، وإن اخترتني فأنا من تعلم فقال زيد : ما أنا بمختار عليك أحداً أبداً ، أنت مني بمكان الوالد والعم قال له أبوه وعمه : يا زيد تختار العبودية على الربوبية؟ قال : ما أنا بمفارق هذا الرجل .
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حرصه عليه قال : اشهدوا أنه حر ، وإنه ابني يرثني وأرثه ، فطابت نفس أبيه وعمه ، لما رأوا من كرامته عليه ، فلم يزل زيد في الجاهلية يدعى : زيد بن محمد . حتى نزل القرآن { ادعوهم لآبائهم } فدعي زيد بن حارثة » .
وأخرج ابن عساكر من طريق زيد بن شيبة عن الحسن بن عثمان رضي الله عنه قال : حدثني عدة من الفقهاء وأهل العلم قالوا : كان عامر بن ربيعة يقال له : عامر بن الخطاب وإليه كان ينسب ، فأنزل الله فيه ، وفي زيد بن حارثة ، وسالم مولى أبي حذيفة ، والمقداد بن عمرو { ادعوهم لآبائهم . . } .
وأخرج ابن جرير عن أبي بكرة رضي الله عنه أنه قال : قال الله { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم } فإنا ممن لا يعلم أبوه ، وأنا من اخوانكم في الدين .
وأخرج ابن جرير عن قتادة { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله } أعدل عند الله { فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم } فإذا لم تعلم من أبوه فإنما هو أخوك في الدين ومولاك .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم } قال : إن لم تعرف أباه فأخوك في الدين ومولاك مولى فلان . (8/125)
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في الآية يقول : إن لم تعلموا لهم آباء تدعوهم إليهم فانسبوهم اخوانكم في الدين إذ تقول : عبد الله ، وعبد الرحمن ، وعبيد الله ، وأشباههم من الأسماء ، وأن يدعى إلى اسم مولاه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه { فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم } يقول : أخوك في الدين ومولاك مولى بني فلان .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سالم بن أبي الجعد قال : لما نزلت { ادعوهم لآبائهم } لم يعرفوا لسالم أباً ولكن مولى أبي حذيفة إنما كان حليفاً لهم .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به } قال : هذا من قبل النهي في هذا وغيره { ولكن ما تعمدت قلوبكم } بعد ما أمرتم وبعد النهي .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به . . . } قال : لو دعوت رجلاً لغير أبيه وأنت ترى أنه أبوه لم يكن عليك بأس ، ولكن ما أردت به العمد .
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال « والله ما أخشى عليك الخطأ ، ولكن أخشى عليك العمد » .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إني لست أخاف عليكم الخطأ ، ولكن أخاف عليكم العمد » .
النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (6)
أخرج البخاري وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة ، اقرأوا إن شئتم { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } فأيما مؤمن ترك مالاً فليرثه عصبته من كانوا فإن ترك ديناً ، أو ضياعاً ، فليأتني فأنا مولاه » . (8/126)
وأخرج الطيالسي وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « كان المؤمن إذا توفي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم سأل هل عليه دين؟ فإن قالوا : نعم . قال : هل ترك وفاء لدينه؟ فإن قالوا : نعم . صلى عليه ، وإن قالوا : لا . قال : صلوا على صاحبكم ، فلما فتح الله علينا الفتوح قال : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، فمن ترك ديناً فإليّ ، ومن ترك مالاً فللوارث » .
وأخرج أحمد وأبو داود وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يقول : « أنا أولى بكل مؤمن من نفسه . فأيما رجل مات وترك ديناً فإليّ ، ومن ترك مالاً فهو لورثته » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي عن بريدة رضي الله عنه قال : غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة ، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت علياً ، فتنقصته فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغير وقال : « يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت : بلى يا رسول الله . قال : من كنت مولاه فعلي مولاه » .
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وأزواجه أمهاتهم } قال : يعظم بذلك حقهن .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وأزواجه أمهاتهم } يقول : أمهاتهم في الحرمة ، لا يحل لمؤمن أن ينكح امرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ان طلق ، ولا بعد موته . هي حرام على كل مؤمن مثل حرمة أمه .
وأخرج ابن سعد وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عائشة أن امرأة قالت لها : يا أمي فقالت : أنا أم رجالكم ولست أم نسائكم .
وأخرج ابن سعد عن أم سلمة قالت : أنا أم الرجال منكم والنساء .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وإسحاق بن راهويه وابن المنذر والبيهقي عن بجالة قال : مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بغلام وهو يقرأ في المصحف « النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم » فقال : يا غلام حكها فقال : هذا مصحف أبي فذهب إليه فسأله فقال : إنه كان يلهيني القرآن ، ويلهيك الصفق بالأسواق .
وأخرج الفريابي وابن مردويه والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ هذه الآية « النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم » . (8/127)
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه أنه قرأ « النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال : كان في الحرف الأول « النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم » .
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : في القراءة الأولى « النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم » .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين } قال : لبث المسلمون زماناً يتوارثون بالهجرة ، والاعرابي المسلم لا يرث من المهاجر شيئاً . فأنزل الله هذه الآية ، فخلط المؤمنين بعضهم ببعض ، فصارت المواريث بالملل .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً } قال : توصون لحلفائكم الذين والى بينهم النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار .
وأخرج ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن علي بن الحنفية رضي الله عنه في قوله { إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً } قال : نزلت هذه الآية في جواز وصية المسلم لليهودي والنصراني .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم } قال : القرابه من أهل الشرك { معروفاً } قال : وصية ولا ميراث لهم { كان ذلك في الكتاب مسطوراً } قال : وفي بعض القراءات « كان ذلك عند الله مكتوباً » أن لا يرث المشرك المؤمن .
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة والحسن رضي الله عنه في قوله { إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً } قالا : إلا أن يكون لك ذو قرابة على دينك فتوصي له بالشيء ، وهو وليك في النسب ، وليس وليك في الدين .
وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (8)
أخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم } قال : في ظهر آدم { وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً } قال : أغلظ مما أخذه من الناس { ليسأل الصادقين عن صدقهم } قال : المبلغين من الرسل المؤدين . (8/128)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم . . . } الآية . قال : أخذ الله على النبيين خصوصاً أن يصدق بعضهم بعضاً ، وأن يتبع بعضهم بعضاً .
وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن أبي مريم الغساني رضي الله عنه : « أن أعرابياً قال : يا رسول الله ما أول نبوّتك؟ قال : أخذ الله مني الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم ، ثم تلا { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً } ودعوة أبي إبراهيم قال { وابعث فيهم رسولاً منهم } [ البقرة : 129 ] وبشارة المسيح ابن مريم ، ورأت أم رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامها : أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام » .
وأخرج الطيالسي والطبراني وابن مردويه عن أبي العالية رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « خلق الله الخلق ، وقضى القضية ، وأخذ ميثاق النبيين ، وعرشه على الماء ، فأخذ أهل اليمين بيمينه ، وأخذ أهل الشمال بيده الأخرى ، وكلتا يدي الرحمن يمين ، فأما أصحاب اليمين فاستجابوا إليه فقالوا : لبيك ربنا وسعديك قال { ألست بربكم؟ قالوا : بلى } [ الأعراف : 172 ] فخلط بعضهم ببعض فقال قائل منهم : يا رب لم خلطت بيننا فإن { لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون } [ المؤمنون : 63 ] قال : أن يقولوا يوم القيامة { إنا كنا عن هذا غافلين } [ الأعراف : 172 ] ثم ردهم في صلب آدم عليه السلام فأهل الجنة أهلها ، وأهل النار أهلها ، فقال قائل : فما العمل إذاً؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يعمل كل قوم لمنزلتهم ، فقال : ابن الخطاب رضي الله عنه : إذن نجتهد يا رسول الله » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « قيل يا رسول الله متى أخذ ميثاقك؟ قال : » وآدم بين الروح والجسد « » .
وأخرج ابن سعد رضي الله عنه قال : « قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : متى استنبئت؟ قال : » وآدم بين الروح والجسد حين أخذ مني الميثاق « » .
وأخرج البزار والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « قيل يا رسول الله متى كنت نبيا؟ قال : وآدم بين الروح والجسد » .
وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه والطبراني والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ميسرة الفخر رضي الله عنه قال : « قلت يا رسول الله متى كنت نبياً؟ قال : وآدم بين الروح والجسد » . (8/129)
وأخرج الحاكم وأبو نعيم والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « قيل للنبي صلى الله عليه وسلم متى وجبت لك النبوّة؟ قال : بين خلق آدم ونفخ الروح فيه » .
وأخرج أبو نعيم عن الصنابحي قال : « قال عمر رضي الله عنه : متى جعلت نبياً؟ قال : » وآدم منجدل في الطين « » .
وأخرج ابن سعد عن ابن أبي الجدعاء رضي الله عنه قال : « قلت يا رسول الله متى جعلت نبيا؟ قال : وآدم بين الروح والجسد » .
وأخرج ابن سعد عن مطرف بن الشخير رضي الله عنه « أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم متى كنت نبياً؟ قال : وآدم بين الروح والطين » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة رضي الله عنه قال : « كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح } . قال : » بدىء بي في الخير . وكنت آخرهم في البعث « . وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح } قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول » كنت أول الأنبياء في الخلق ، وآخرهم في البعث « .
وأخرج ابن أبي عاصم والضياء في المختارة عن أبي بن كعب { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح } قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » أولهم نوح ، ثم الأول فالأول « .
وأخرج الحسن بن سفيان وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والديلمي وابن عساكر من طريق قتادة عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم . . . } قال » كنت أول النبيين في الخلق ، وآخرهم في البعث ، فبدئ به قبلهم « .
وأخرج البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : خيار ولد آدم خمسة : نوح . وإبراهيم . وموسى . وعيسى . ومحمد ، وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما { ميثاقهم } عهدهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم } قال : إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم .
وأخرج أبو نعيم والديلمي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » ليس من عالم إلا وقد أخذ الله ميثاقه يوم أخذ ميثاق النبيين ، يدفع عنه مساوىء عمله لمحاسن عمله ، إلا أنه لا يوحي إليه « .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12)
أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وابن عساكر وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل من طرق عن حذيفة قال « لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ، ونحن صافون قعود ، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا ، وقريظة اليهود أسفل نخافهم على ذرارينا ، وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ، ولا أشد ريحاً منها ، أصوات ريحها أمثال الصواعق ، وهي ظلمة ما يرى أحد منا اصبعه ، فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون { إن بيوتنا عورة وما هي بعورة } فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له ، يتسللون ونحن ثلثمائة أو نحو ذلك ، إذ استقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً رجلاً حتى مر علي ، وما علي جنة من العدو ، ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ، ما يجاوز ركبتي ، فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال : من هذا؟ قلت : حذيفة فتقاصرت إلى الأرض فقلت : بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم فقال : قم . فقمت فقال : إنه كان في القوم خبر ، فأتني بخبر القوم قال : وأنا من أشد الناس فزعاً ، وأشدهم قراً ، فخرجت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم احفظه من بين يديه ، ومن خلفه ، وعن يمينه ، وعن شماله ، ومن فوقه ، ومن تحته ، قال : فو الله ما خلق الله فزعاً ولا قراً في جوف إلا خرج من جوفي ، فما أجد منه شيئاً ، فلما وليت قال : يا حذيفة لا تحدث في القوم شيئاً حتى تأتيني ، فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم ، نظرت في ضوء نار لهم توقد ، واذا برجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ، ويمسح خاصرته ويقول : الرحيل . . . الرحيل . . . ثم دخل العسكر فإذا في الناس رجال من بني عامر يقولون : الرحيل . . . الرحيل يا آل عامر لا مقام لكم ، وإذا الرحيل في عسكرهم ما يجاوز عسكرهم شبراً فوالله أني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم ، ومن بينهم الريح يضربهم بها ، ثم خرجت نحو النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما انتصفت في الطريق أو نحو ذلك ، إذا أنا بنحو من عشرين فارساً متعممين ، فقالوا : اخبر صاحبك أن الله كفاه القوم ، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يشتمل في شملة يصلي ، وكان إذا حز به أمر صلى ، فأخبرته خبر القوم أني تركتهم يرتحلون . فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذا جاءتكم جنود . . . } » . (8/130)
وأخرج الفريابي وابن عساكر عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال : قال رجل : لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحملته ولفعلت . فقال حذيفة : لقد رأيتني ليلة الأحزاب ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل في ليلة باردة ما قبله ولا بعده برد كان أشد منه ، فحانت مني التفاتة ، فقال
« ألا رجل يذهب إلى هؤلاء فيأتينا بخبرهم - جعله الله معي يوم القيامة - قال : فما قام منه انسان قال : فسكتوا ، ثم عاد . . . فسكتوا ، ثم قال : يا أبا بكر ، ثم قال : استغفر الله رسوله ، ثم قال : إن شئت ذهبت فقال : يا عمر فقال : استغفر الله رسوله ، ثم قال : يا حذيفة فقلت : لبيك . فقمت حتى أتيت ، وإن جنبي ليضربان من البرد ، فمسح رأسي ووجهي ، ثم قال : ائت هؤلاء القوم حتى تأتينا بخبرهم ، ولا تحدث حدثاً حتى ترجع ، ثم قال : اللهم احفظه من بين يديه ، ومن خلفه ، وعن يمينه ، وعن شماله ، ومن فوقه ، ومن تحته ، حتى يرجع . قال فلان : يكون أرسلها كان أحب إلي من الدنيا وما فيها . قال : فانطلقت ، فأخذت أمشي نحوهم كأني أمشي في حمام قال : فوجدتهم قد أرسل الله عليهم ريحاً ، فقطعت أطنابهم ، وذهبت بخيولهم ، ولم تدع شيئاً إلا أهلكته ، قال : وأبو سفيان قاعد يصطلي عند نار له ، قال فنظرت إليه ، فأخذت سهماً ، فوضعته في كبد قوسي قال : - وكان حذيفة رامياً - فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم » لا تحدثن حدثاً حتى ترجع « قال : فرددت سهمي في كنانتي قال : فقال رجل من القوم : الا فيكم عين للقوم؟ فأخذ كل بيد جليسه ، فأخذت بيده جليسي فقلت : من أنت؟ قال : سبحان الله! أما تعرفني؟ أنا فلان ابن فلان فإذا رجل من هوازن ، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر ، فلما أخبرته ضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل ، وذهب عني الدفء فأدناني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنامني عند رجليه ، وألقى علي طرف ثوبه ، فإن كنت لألزق بطني وصدري ببطن قدميه ، فلما أصبحوا هزم الله الأحزاب ، وهو قول { فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها } » . (8/131)
وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود } قال : كان يوم أبي سفيان يوم الأحزاب .
وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قلنا يوم الخندق : يا رسول الله هل من شيء نقول : فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال : « نعم . قولوا : اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، قال : فضرب الله وجوه أعدائه بالريح فهزمهم الله بالريح » .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي عن مجاهد { إذ جاءتكم جنود } قال : الأحزاب . عيينة بن بدر ، وأبو سفيان ، وقريظة .
{ فأرسلنا عليهم ريحاً } قال : يعني ريح الصبا أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى كفأت قدورهم على أفواهها ، ونزعت فساطيطهم حتى اظعنتهم { وجنوداً لم تروها } يعني الملائكة قال : ولم تقاتل الملائكة يومئذ . (8/132)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن مردويه وأبو الشيخ في العظمة وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما كانت ليلة الأحزاب جاءت الشمال إلى الجنوب قالت : انطلقي فانصري الله ورسوله ، فقالت الجنوب : إن الحرة لا تسري بالليل ، فغضب الله عليها وجعلها عقيماً ، فأرسل الله عليهم الصبا ، فأطفأت نيرانهم ، وقطعت أطنابهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور ، فذلك قوله { فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها } » .
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا لم يقاتل من أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس ، وتهب الرياح » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة في قوله { إذ جاءُوكم من فوقكم ومن أسفل منكم } قالت : كان ذلك يوم الخندق .
وأخرج ابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال : « خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام الأحزاب ، فخرجت لنا من الخندق صخرة بيضاء مدوّرة ، فكسرت حديدنا وشقت علينا ، فشكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ المعول من سلمان ، فضرب الصخر ضربة صدعها ، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة ، حتى لكأن مصباحاً في جوف ليل مظلم ، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكبر المسلمون ، ثم ضربها الثانية ، فصدعها وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها ، فكبر وكبر المسلمون ، ثم ضربها الثالثة ، فصدعها وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها ، وكبر وكبر المسلمون ، فسألناه فقال : أضاء لي في الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب ، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ، وأضاء لي في الثانية قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب ، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ، وأضاء لي في الثالثة قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب ، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ، فابشروا بالنصر . فاستبشر المسلمون وقالوا : الحمد لله موعد صادق بأن وعدنا النصر بعد الحصر ، فطلعت الأحزاب فقال المسلمون : { هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً } وقال المنافقون : الا تعجبون! يحدثكم ويعدكم ويمنيكم الباطل ، يخبر أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ، ومدائن كسرى ، وإنها تفتح لكم ، وإنكم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا ، وأنزل القرآن { وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً } » .
وأخرج ابن إسحاق وابن مردويه عن ابن عباس قال : أنزل الله في شأن الخندق ، وذكر نعمه عليهم ، وكفايته إياهم عدوهم بعد سوء الظن ، ومقالة من تكلم من أهل النفاق { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها } وكانت الجنود التي أتت المسلمين . أسد . وغطفان . وسليما . وكانت الجنود التي بعث الله عليهم من الريح الملائكة فقال { إذ جاءُوكم من فوقكم ومن أسفل منكم } فكان الذين جاؤوهم من أسفل منهم قريشاً ، وأسداً ، وغطفان فقال : { هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً ، وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً } يقول : معتب بن قشير ومن كان معه على رأيه { وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي } يقول أوس بن قيظي ومن كان معه على مثل رأيه { ولو دخلت عليهم من أقطارها } إلى { وإذاً لا تمتعون إلا قليلاً } ثم ذكر يقين أهل الايمان حين أتاهم الأحزاب فحصروهم وظاهرهم بنو قريظة ، فاشتد عليهم البلاء ، فقال : { ولما رأى المؤمنون الأحزاب } إلى { إن الله كان غفوراً رحيماً } قال : وذكر الله هزيمة المشركين ، وكفايته المؤمنين ، فقال : { ورد الله الذين كفروا بغيظهم . . . } . (8/133)
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عروة بن الزبير ومحمد بن كعب القرظي قالا : قال معتب بن قشير : كان محمداً يرى أن يأكل من كنز كسرى وقيصر ، وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط ، وقال أوس بن قيظي في ملأ من قومه من بني حارثة { إن بيوتنا عورة } وهي خارجة من المدينة : إئذن لنا فنرجع إلى نسائنا وأبنائنا وذرارينا ، فأنزل الله على رسوله حين فرغ منهم ما كانوا فيه من البلاء يذكر نعمته عليهم ، وكفايته إياهم بعد سوء الظن منهم ، ومقالة من قال من أهل النفاق ، { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها } فكانت الجنود : قريشاً ، وغطفان ، وبني قريظة . وكانت الجنود التي أرسل عليهم مع الريح الملائكة { إذ جاءُوكم من فوقكم } بنو قريظة { ومن أسفل منكم } قريش ، وغطفان . إلى قوله { ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً } يقول : معتب بن قشير وأصحابه { وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب } يقول : أوس بن قيظي ومن كان معه على ذلك من قومه .
وأخرج ابن أبي شيبة عن البراء بن عازب قال : لما كان حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحفر الخندق ، عرض لنا في بعض الجبل صخرة عظيمة شديدة لا تدخل فيها المعاول ، فاشتكينا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رآها أخذ المعول ، وألقى ثوبه وقال :
« بسم الله ، ثم ضرب ضربة فكسر ثلثها ، وقال : الله أكبر . أعطيت مفاتيح الشام ، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة ، ثم ضرب الثانية ، فقطع ثلثاً آخر فقال : الله أكبر . أعطيت مفاتيح فارس ، والله إني لأبصر قصور المدائن البيض ، ثم ضرب الثالثة فقال : بسم الله . فقطع بقية الحجر وقال : الله أكبر . أعطيت مفاتيح اليمن ، والله إني لأبصر أبواب صنعاء » . (8/134)
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله { إذ جاءُوكم من فوقكم } قال عيينة بن حصن { ومن أسفل منكم } قال : سفيان بن حرب .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة في قوله { إذ جاءُوكم من فوقكم ومن أسفل منكم } قال : كان ذلك يوم الخندق .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { إذ جاءُوكم من فوقكم ومن أسفل منكم } قال : نزلت هذه الآية يوم الأحزاب ، وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً فخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبل أبو سفيان بقريش ومن معه من الناس حتى نزلوا بعفوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقبل عيينة بن حصن أخو بني بدر بغطفان ومن تبعه حتى نزلوا بعفوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكاتبت اليهود أبا سفيان فظاهروه ، فبعث الله عليهم الرعب والريح . فذكر أنهم كانوا كلما بنوا بناء قطع الله أطنابه ، وكلما ربطوا دابة قطع الله رباطها ، وكلما أوقدوا ناراً أطفأها الله ، حتى لقد ذكر لنا أن سيد كل حي يقول : يا بني فلان هلم إلي . حتى إذا اجتمعوا عنده قال : النجاة . . . النجاة . . . أتيتم لما بعث الله عليهم الرعب .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { إذ جاءُوكم من فوقكم } قال : عيينة بن حصن في أهل نجد { ومن أسفل منكم } قال : أبو سفيان بن حرب في أهل تهامة ، ومواجهتهم قريظة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وإذ زاغت الأبصار } قال : شخصت الأبصار .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وبلغت القلوب الحناجر } قال : شخصت من مكانها فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله { وبلغت القلوب الحناجر } قال : فزعها ولفظ ابن أبي شيبة قال : إن القلوب لو تحركت أو زالت خرجت نفسه ، ولكن إنما هو الفزع .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { وتظنون بالله الظنونا } قال : ظنون مختلفة ظن المنافقون أن محمداً وأصحابه يستأصلون ، وأيقن المؤمنون أن ما وعدهم الله ورسوله حق أنه سيظهر على الدين كله .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وتظنون بالله الظنونا } قال : هم المنافقون يظنون بالله ظنوناً مختلفة . وفي قوله { هنالك ابتلي المؤمنون } قال : محصوا . وفي قوله { وإذ يقول المنافقون } تكلموا بما في أنفسهم من النفاق ، وتكلم المؤمنون بالحق والإِيمان { قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله } . (8/135)
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبد الله قال : لما حفر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الخندق ، وأصاب النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين جهد شديد ، فمكثوا ثلاثاً لا يجدون طعاماً حتى ربط النبي صلى الله عليه وسلم على بطنه حجراً من الجوع .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال : قال المنافقون يوم الأحزاب حين رأوا الأحزاب قد اكتنفوهم من كل جانب ، فكانوا في شك وريبة من أمر الله قالوا : إن محمداً كان يعدنا فتح فارس والروم ، وقد حصرنا ههنا حتى ما يستطيع يبرز أحدنا لحاجته . فأنزل الله { وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : حفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق ، واجتمعت قريش ، وكنانة ، وغطفان ، فاستأجرهم أبو سفيان بلطيمة قريش ، فاقبلوا حتى نزلوا بفنائه ، فنزلت قريش أسفل الوادي ، ونزلت غطفان عن يمين ذلك ، وطليحة الأسدي في بني أسد يسار ذلك ، وظاهرهم بنو قريظة من اليهود على قتال النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما نزلوا بالنبي صلى الله عليه وسلم تحصن بالمدينة ، وحفر النبي صلى الله عليه وسلم الخندق ، فبينما هو يضرب فيه بمعوله إذ وقع المعول في صفا ، فطارت منه كهيئة الشهاب من النار في السماء ، وضرب الثاني فخرج مثل ذلك ، فرأى ذلك سلمان رضي الله عنه فقال : يا رسول الله قد رأيت خرج من كل ضربة كهيئة الشهاب ، فسطع إلى السماء فقال : لقد رأيت ذلك؟ فقال : نعم يا رسول الله قال : تفتح لكم أبواب المدائن ، وقصور الروم ، ومدائن اليمن ، ففشا ذلك في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فتحدثوا به ، فقال رجل من الأنصار يدعى قشير بن معتب : أيعدنا محمد صلى الله عليه و سلم أن يفتح لنا مدائن اليمن ، وبيض المدائن ، وقصور الروم وأحدنا لا يستطيع أن يقضي حاجته إلا قتل ، هذا والله الغرور . فأنزل الله تعالى في هذا { وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً } .
وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وإذ قالت طائفة منهم } قال : من المنافقين . (8/136)
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن المبارك عن هارون بن موسى قال : أمرت رجلاً فسأل الحسن رضي الله عنه { لا مُقام لكم } أو { لا مَقام لكم } قال : كلتاهما عربية قال ابن المبارك رضي الله عنه : المقام : المنزل حيث هو قائم . والمقام : الاقامة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { لا مقام لكم } قال : لا مقاتل لكم ههنا ، ففروا ودعوا هذا الرجل .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { لا مقام لكم فارجعوا } فروا ودعوا محمداً صلى الله عليه وسلم .
وأخرج مالك وأحمد وعبد الرزاق والبخاري ومسلم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أمرت بقرية تأكل القرى يقولون : يثرب . وهي المدينة . تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديدة » .
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله ، هي طابة . هي طابة . هي طابة » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا تدعونها يثرب ، فإنها طيبة يعني المدينة ، ومن قال : يثرب ، فليستغفر الله ثلاث مرات . هي طيبة . هي طيبة . هي طيبة » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا } قال : إلى المدينة عن قتال أبي سفيان { ويستأذن فريق منهم النبي } قال : جاءه رجلان من الأنصار ومن بني حارثة ، أحدهما يدعى أبا عرابة بن أوس ، والآخر يدعى أوس بن قيظي ، فقالا : يا رسول الله { إن بيوتنا عورة } يعنون أنها ذليلة الحيطان ، وهي في أقصى المدينة ، ونحن نخاف السرق فائذن لنا فقال الله { ما هي بعورة إن يريدون إلا فراراً } .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله { ويستأذن فريق منهم النبي } قال : هم بنو حارثة قالوا : بيوتنا مخلية نخشى عليها السرق .
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : إن الذين قالوا بيوتنا عورة يوم الخندق : بنو حارثة بن الحارث .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { إن بيوتنا عورة } نخاف عليها السرق .
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (17) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18)
أخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة { ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها } قال : لأعطوها يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على المدينة . (8/137)
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله { ولو دخلت عليهم من أقطارها } قال : من نواحيها { ثم سئلوا الفتنة لآتوها } قال : لو دعوا إلى الشرك لأجابوا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ولو دخلت عليهم من أقطارها } قال : من أطرافها { ثم سئلوا الفتنة } يعني الشرك .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ولو دخلت عليهم من أقطارها } أي لو دخل عليهم من نواحي المدينة { ثم سئلوا الفتنة } قال : الشرك { لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيراً } يقول : لأعطوه طيبة به أنفسهم { وما تلبثوا بها إلا يسيراً } { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل } قال : كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله سبحانه أهل بدر من الفضيلة والكرامة قالوا : لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن ، فساق الله إليهم ذلك حتى كان في ناحية المدينة . فصنعوا ما قص الله عليكم . وفي قوله { قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم . . . . } قال : لن تزدادوا على آجالكم التي أجلكم الله ، وذلك قليل وإنما الدنيا كلها قليل .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الربيع بن خثيم رضي الله عنه في قوله { وإذاً لا تمتعون إلا قليلاً } قال : ما بينهم وبين الأجل .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { قد يعلم الله المعوقين منكم } قال : المنافقين يعوقون الناس عن محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { قد يعلم الله المعوقين منكم . . . } قال : هذا يوم الأحزاب ، انصرف رجل من عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فوجد أخاه بين يديه شواء ورغيف فقال له : أنت ههنا في الشواء والرغيف والنبيذ ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف . قال : هلم الي لقد بلغ بك وبصاحبك - والذي يحلف به - لا يستقي لها محمد أبداً قال : كذبت - والذي يحلف به - وكان أخاه من أبيه وأمه ، والله لأخبرن النبي صلى الله عليه وسلم بأمرك ، وذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره ، فوجده قد نزل جبريل عليه السلام بخبره ، { قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلاً } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { قد يعلم الله المعوقين منكم } قال : هؤلاء أناس من المنافقين كانوا يقولون : لاخوانهم : ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس ، ولو كانوا لحماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه ، دعوا هذا الرجل فإنه هالك { والقائلين لإخوانهم } أي من المؤمنين { هلم إلينا } أي دعوا محمداً وأصحابه فإنه هالك ومقتول { ولا يأتون البأس إلا قليلاً } قال : لا يحضرون القتال إلا كارهين . وان حضروه كانت أيديهم من المسلمين ، وقلوبهم من المشركين .
أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19)
أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { أشحة عليكم } بالخير المنافقون . (8/138)
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { أشحة عليكم } قال : في الغنائم ، إذا أصابها المسملون شاحوهم عليها قالوا بألسنتهم : لستم باحق بها منا قد شهدنا وقاتلنا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك } قال : إذا حضروا القتال والعدو { رأيتهم ينظرون إليك } أجبن قوم ، وأخذله للحق { تدور أعينهم } قال : من الخوف .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { تدور أعينهم } قال : فرقا من الموت .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { سلقوكم } قال : استقبلوكم .
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل { سلقوكم بألسنة حداد } قال : الطعن باللسان قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت الأعشى وهو يقول :
فيهم الخصب والسماحة والنج ... دة فيهم والخاطب المسلاق
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد } قال : أما عند الغنيمة فأشح قوم وأسوأه مقاسمة . أعطونا . . . أعطونا . . . إنا قد شهدنا معكم ، وأما عند البأس فأجبن قوم وأخذله للحق .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { أشحة على الخير } قال : على المال .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وكان ذلك على الله يسيراً } يعني هيناً . والله أعلم .
يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (20)
أخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا } قال : يحسبونهم قريباً لم يبعدوا . (8/139)
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا } قال : كانوا يتحدثون بمجيء أبي سفيان وأصحابه ، وإنما سموا الأحزاب لأنهم حزبوا من قبائل الأعراب على النبي صلى الله عليه وسلم { وإن يأت الأحزاب } قال : أبو سفيان وأصحابه { يودوا لو أنهم بادون في الأعراب } يقول : يود المنافقون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وإن يأت الأحزاب } قال : أبو سفيان وأصحابه { يودوا لو أنهم بادون } يقول : يود المنافقون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب } قال : هم المنافقون بناحية المدينة ، كانوا يتحدثون بنبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ويقولون : أما هلكوا بعد ، ولم يعلموا بذهاب الأحزاب ، قد سرهم أن جاءهم الأحزاب أنهم بادون في الاعراب مخافة القتال .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { يسألون عن أنبائكم } قال : عن أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وما فعلوا .
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف والخطيب في تالي التلخيص عن أسد بن يزيد أن في مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه { يسألون عن أنبائكم } السؤال بغير ألف .
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } قال : مواساة عند القتال . (8/140)
وأخرج ابن مردويه والخطيب في رواة مالك وابن عساكر وابن النجار عن ابن عمر رضي الله عنه في قوله { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } قال : في جوع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج مالك والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن سعيد بن يسار قال : كنت مع ابن عمر رضي الله عنهما في طريق مكة ، فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت ، فقال ابن عمر رضي الله عنه : أليس لك في رسول الله اسوة حسنة؟ قلت : بلى . قال : فإنه كان يوتر على البعير .
وأخرج ابن ماجة وابن أبي حاتم عن حفص بن عاصم رضي الله عنه قال : قلت لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما : رأيتك في السفر لا تصلي قبل الصلاة ولا بعدها فقال : يا ابن أخي صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا . . . . . وكذا . . . فلم أره يصلي قبل الصلاة ولا بعدها ، ويقول الله تعالى { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } .
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أنه سئل عن رجل معتمر طاف بالبيت : أيقع على امرأته قبل أن يطوف بالصفا والمروة؟ فقال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فطاف بالبيت ، وصلى خلف المقام ركعتين ، وسعى بين الصفا والمروة ، ثم قرأ { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه أن رجلاً أتى ابن عباس رضي الله عنهما فقال : إني نذرت أن أنحر نفسي . فقال ابن عباس { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } { وفديناه بذبح عظيم } فأمره بكبش .
وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق والبخاري ومسلم وابن ماجة وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إذا حرم الرجل عليه امرأته فهو يمين يكفرها ، وقال { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أهلّ وقال : إن حيل بيني وبينه فعلت كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه ، ثم تلا { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن قتادة رضي الله عنه قال : هم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ينهي عن الحبرة من صباغ البول ، فقال له رجل : أليس قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها؟ قال عمر رضي الله عنه : بلى .
قال الرجل : ألم يقل الله { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } ؟ فتركها عمر . (8/141)
وأخرج أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر رضي الله عنه أكب على الركن فقال : إني لا علم أنك حجر ، ولو لم أرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ، واستلمك ، ما استلمتك . ولا قبلتك { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } .
وأخرج أحمد وأبو يعلى عن يعلى بن أمية رضي الله عنه قال : طفت مع عمر رضي الله عنه ، فلما كنت عند الركن الذي يلي الباب مما يلي الحجر ، أخذت بيده ليستلم فقال : ما طفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : بلى . قال : فهل رأيته يستلمه؟ قلت : لا . قال : ما بعد عنك فإن لك في رسول الله أسوة حسنة .
وأخرج عبد الرزاق عن عيسى بن عاصم عن أبيه قال : صلى ابن عمر رضي الله عنهما صلاة من صلاة النهار في السفر ، فرأى بعضهم يسبح ، فقال ابن عمر رضي الله عنهما : لو كنت مسبحاً لأتممت الصلاة ، حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان لا يسبح بالنهار ، وحججت مع أبي بكر ، فكان لا يسبح بالنهار ، وحججت مع عمر ، فكان لا يسبح بالنهار ، وحججت مع عثمان رضي الله عنه ، فكان لا يسبح بالنهار ، ثم قال ابن عمر رضي الله عنه { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } .
وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22)
أخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما { ولما رأى المؤمنون الأحزاب . . . } إلى آخر الآية قال إن الله تعالى قال لهم في سورة البقرة { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء } [ البقرة : 214 ] فلما مسهم البلاء حيث رابطوا الأحزاب في الخندق { قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله } فتأول المؤمنون ذلك فلم يزدهم إلا إيماناً وتسليماً . (8/142)
وأخرج جويبر عن الضحاك رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أنزلت هذه الآية قبل تحوّل { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم . . . } . وصدق الله ورسوله فيما أخبرا به من الوحي قبل أن يكون .
وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن قتادة رضي الله عنه قال : أنزل الله في سورة البقرة { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله { وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً } قال : ما زادهم البلاء إلا إيماناً بالرب ، وتسليماً للقضاء .
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24)
أخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن أبي داود في المصاحف والبغوي وابن مردويه والبيهقي في سننه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : لما نسخنا المصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب ، كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ، الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين : { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } فألحقتها في سورتها في المصحف . (8/143)
وأخرج البخاري وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن أنس رضي الله عنه قال : نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر رضي الله عنه { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } .
وأخرج ابن سعد وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي والبغوي في معجمه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال : غاب عمي أنس بن النضر عن بدر فشق عليه وقال : أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه ، لئن أراني الله مشهداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد ليرين الله ما أصنع ، فشهد يوم أحد فاستقبله سعد بن معاذ رضي الله عنه ، فقال : يا أبا عمرو إلى أين؟ قال : واهاً لريح الجنة أجدها دون أحد ، فقاتل حتى قتل ، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة بسيف ، وطعنة برمح ، ورمية بسهم ، ونزلت هذه الآية { رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } وكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه .
وأخرج الحاكم وصححه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن أنس رضي الله عنه أن عمه غاب عن قتال بدر فقال : غبت عن أول قتال قاتله النبي صلى الله عليه وسلم المشركين ، لئن أشهدني الله تعالى قتالاً للمشركين ليرين الله كيف أصنع ، فلما كان يوم أحد انكشف المشركون ، فقال : اللهم إني ابرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركون - واعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - ثم تقدم فلقيه سعد رضي الله عنه فقال : يا أخي ما فعلت فأنا معك ، فلم أستطع أن أصنع ما صنع ، فوجد فيه بضعاً وثمانين من ضربة بسيف ، وطعنة برمح ، ورمية بسهم ، فكنا نقول : فيه وفي أصحابه نزلت { فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر } .
وأخرج الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد مر على مصعب بن عمير رضي الله عنه وهو مقتول ، فوقف عليه ودعا له ، ثم قرأ { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه . . . . } ثم قال أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة ، فائتوهم وزوروهم ، فوالذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه » .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن أبي ذر رضي الله عنه قال : « لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، مر على مصعب بن عمير رضي الله عنه مقتولاً على طريقه ، فقرأ { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه . . . } » . (8/144)
وأخرج ابن مردويه من طريق خباب رضي الله عنه ، مثله .
وأخرج ابن أبي عاصم والترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن طلحة رضي الله عنه « أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي جاهل : سله عمن قضى نحبه من هو؟ وكانوا لا يجترؤون على مسألته ، يوقرونه ويهابونه ، فسأله الأعرابي فأعرض عنه ، ثم سأله ، فأعرض عنه ، ثم إني انطلقت من باب المسجد فقال : أين السائل عمن قضى نحبه؟ قال الأعرابي : أنا . قال : هذا ممن قضى نحبه » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال « لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد ، صعد المنبر ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قرأ هذه الآية { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه . . . } كلها . فقام إليه رجل ، فقال : يا رسول الله من هؤلاء؟ فأقبلت فقال : أيها السائل هذا منهم » .
وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن معاوية رضي الله عنه « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول طلحة ممن قضى نحبه » .
وأخرج الحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت دخل طلحة رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « يا طلحة أنت ممن قضى نحبه » .
وأخرج سعيد بن منصور وأبو يعلى وابن المنذر وأبو نعيم وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة » .
وأخرج ابن مردويه من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، مثله .
وأخرج ابن منده وابن عساكر عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت « دخل طلحة بن عبيد الله على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا طلحة . أنت ممن قضى نحبه » .
وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنهم قالوا : حدثنا عن طلحة قال : ذاك امرؤ نزل فيه آية من كتاب الله { فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر } طلحة ممن قضى نحبه لا حساب عليه فيما يستقبل .
وأخرج سعيد بن منصور وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس أنه كان يقرأ { فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر } وآخرون { ما بدلوا تبديلاً } . (8/145)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { فمنهم من قضى نحبه } قال : الموت على ما عاهدوا الله عليه { ومنهم من ينتظر } على ذلك .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { قضى نحبه } قال : أجله الذي قدر له . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول لبيد :
ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضى أم ضلال وباطل
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه { فمنهم من قضى نحبه } قال : عهده { ومنهم من ينتظر } يوماً فيه جهاد ، فيقضي نحبه يعني عهده بقتال أو صدق في لقاء .
وأخرج أحمد والبخاري وابن مردويه عن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يوم الأحزاب الآن نغزوهم ولا يغزونا » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال « حبسنا يوم الخندق عن الظهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء ، حتى كان بعد العشاء بهك كفينا ذلك . فأنزل الله { وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً } فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأقام ، ثم صلى الظهر كما كان يصليها قبل ذلك ، ثم أقام فصلى العصر كما كان يصليها قبل ذلك ، ثم أقام المغرب فصلاها كما كان يصليها قبل ذلك ، ثم أقام العشاء فصلاها كما كان يصليها قبل ذلك . وذلك قبل أن تنزل صلاة الخوف { فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً } [ البقرة : 239 ] .
وأخرج الحاكم وصححه عن عيسى بن طلحة قال : » دخلت على أم المؤمنين وعائشة بنت طلحة وهي تقول لأمها أسماء : أنا خير منك ، وأبي خير من أبيك ، فجعلت أسماء تشتمها وتقول : أنت خير مني فقالت عائشة رضي الله عنها : ألا أقضين بينكما؟ قالت : بلى . قالت : فإن أبا بكر رضي الله عنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : « أنت عتيق من النار قالت : فمن يومئذ سمى عتيقاً ، ثم دخل طلحة رضي الله عنه فقال : أنت يا طلحة ممن قضى نحبه » « .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن اللهف عن أبيه رضي الله عنه في قوله { فمنهم من قضى نحبه } قال : نذره وقال الشاعر :
قضت من يثرب نحبها فاستمرت ... وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله { فمنهم من قضى نحبه } قال : مات على ما هو عليه من التصديق والإِيمان { ومنهم من ينتظر } ذلك { وما بدلوا تبديلاً } ولم يغيروا كما غير المنافقون . (8/146)
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه } على الصدق والوفاء { ومنهم من ينتظر } من نفسه الصدق والوفاء { وما بدلوا تبديلاً } يقول : ما شكوا ولا ترددوا في دينهم ، ولا استبدلوا به غيره { ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم } قال : يخرجهم من النفاق بالتوبة حتى يموتوا وهم تائبون من النفاق ، فيغفر لهم .
وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25)
أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ورد الله الذين كفروا بغيظهم } قال : الأحزاب . (8/147)
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله تعالى عنه في قوله { ورد الله الذين كفروا بغيظهم } قال : أبو سفيان وأصحابه { لم ينالوا خيراً } قال : لم يصيبوا من محمد صلى الله عليه وسلم ظفراً { وكفى الله المؤمنين القتال } انهزموا بالريح من غير قتال .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وكفى الله المؤمنين القتال } قال : بالجنود من عنده ، والريح التي بعث عليهم { وكان الله قوياً } في أمره { عزيزاً } في نقمته .
وأخرج ابن سعد عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال : « لما كان يوم الأحزاب حصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كل امرىء منهم الكرب ، وحتى قال النبي صلى الله عليه وسلم » اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم أنك إن تشأ لا تعبد « فبينما هم على ذلك إذ جاءهم نعيم بن مسعود الأشجعي ، وكان يأمنه الفريقان جميعاً ، فخذل بين الناس ، فانطلق الأحزاب منهزمين من غير قتال . فذلك قوله { وكفى الله المؤمنين القتال } » .
وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال : لما كان يوم الأحزاب ردهم الله { بغيظهم لم ينالوا خيراً } فقال النبي صلى الله عليه وسلم « من يحمي أعراض المسلمين؟ قال كعب رضي الله عنه : أنا يا رسول الله . قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه : أنا يا رسول الله . فقال : إنك تحسن الشعر . فقال حسان : أنا يا رسول الله فقال : نعم . اهجهم أنت ، فإنه سيعينك عليهم روح القدس » .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ هذا الحرف { وكفى الله المؤمنين القتال } بعلي بن أبي طالب .
وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (27)
أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب } قال : قريظة { من صياصيهم } قال : قصورهم . (8/148)
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { من صياصيهم } قال : حصونهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب } قال « هم بنو قريظة ظاهروا أبا سفيان ، وراسلوه ، ونكثوا العهد الذي بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، فبينما النبي صلى الله عليه وسلم عند زينب بنت جحش يغسل رأسه وقد غسلت شقه ، إذ أتاه جبريل عليه السلام ، فقال : عفا الله عنك . ما وضعت الملائكة عليهم السلام سلاحها منذ أربعين ليلة ، فانهض إلى بني قريظة فإني قد قطعت أوتادهم ، وفتحت أبوابهم ، وتركتهم في زلزال وبلبال .
فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم ، وناداهم : يا اخوة القردة فقالوا يا أبا القاسم ما كنت فحاشا! فنزلوا على حكم سعد بن معاذ وكان بينهم وبين قومه حلف ، فرجوا أن تأخذه فيهم مودة ، فأومأ إليهم أبو لبابة ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول . . . . } [ الأنفال : 27 ] . فحكم فيهم : أن تقتل مقاتلتهم ، وأن تسبى ذراريهم ، وأن عقارهم للمهاجرين دون الأنصار ، فقال قومه وعشيرته : آثر المهاجرين بالأعقار علينا ، فقال إنكم كنتم ذوي أعقار ، وأن المهاجرين كانوا لا أعقار لهم . فذكر لنا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر ، وقال : مضى فيكم بحكم الله » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وقذف في قلوبهم الرعب } قال : بصنيع جبريل عليه السلام { فريقاً تقتلون } قال : الذين ضربت أعناقهم وكانوا أربعمائة مقاتل ، فقتلوا حتى أتوا على آخرهم { وتأسرون فريقاً } قال : الذين سبوا وكانوا فيها سبعمائة سبي .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم } قال : قريظة ، والنضير أهل الكتاب { وأرضاً لم تطئوها } قال : خيبر . فتحت بعد قريظة .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وأرضاً لم تطئوها } قال : كنا نحدث أنها مكة ، وقال الحسن رضي الله عنه : هي أرض الروم وفارس ، وما فتح عليهم .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { وأرضاً لم تطئوها } قال : يزعمون أنها خيبر ، ولا أحسبها إلا كل أرض فتحها الله على المسلمين ، أو هو فاتحها إلى يوم القيامة .
وأخرج ابن سعد عن سعيد بن جبير قال : كان يوم الخندق بالمدينة فجاء أبو سفيان بن حرب ومن تبعه من قريش ، ومن تبعه من كنانة ، وعيينة بن حصن ومن تبعه من غطفان ، وطليحة ومن تبعه من بني أسد ، وأبو الأعور ومن تبعه من بني سليم وقريظة ، كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا ذلك ، وظاهروا المشركين ، فأنزل الله فيهم { وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم } فأتى جبريل عليه السلام ومعه الريح ، فقال حين سرى جبريل عليه السلام : ألا أبشروا ثلاثاً .
فأرسل الله عليهم ، فهتكت القباب ، وكفأت القدور ، ودفنت الرجال ، وقطعت الأوتاد ، فانطلقوا لا يلوي أحد على أحد ، فأنزل الله { إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها } . (8/149)
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت : « خرجت يوم الخندق أقفو الناس فإذا أنا بسعد بن معاذ ورماه رجل من قريش يقال له ابن العرقة بسهم ، فأصاب أكحله ، فقطعه ، فدعا الله سعد ، فقال : اللهم لا تمتني حتى تقرعيني من قريظة ، وبعث الله الريح على المشركين { وكفى الله المؤمنين القتال } ولحق أبو سفيان ومن معه بتهامة ، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد ، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم ، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وأمر بقبة من أدم ، فضربت على سعد رضي الله عنه في المسجد قالت : فجاء جبريل عليه السلام - وإن على ثناياه نقع الغبار - فقال : أو قد وضعت السلاح؟ لا والله ما وضعت الملائكة السلاح بعد ، أخرج إلى بني قريظة فقاتلهم ، فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لامته ، وأذن في الناس بالرحيل : أن يخرجوا ، فأتاهم فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة ، فلما اشتد حصرهم ، واشتد البلاء عليهم فقيل لهم : انزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : ننزل على حكم سعد بن معاذ ، فنزلوا وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ ، فأتي به على حمار ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : احكم فيهم فقال : إني أحكم فيهم؛ أن تقتل مقاتليهم ، وتسبى ذراريهم ، وتقسم أموالهم ، قال : فلقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله » .
وأخرج البيهقي عن موسى بن عقبة رضي الله عنه قال : أنزل الله في قصة الخندق ، وبني قريظة تسعاً وعشرين آية فاتحتها { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود } والله تعالى أعلم .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)
أخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن مردويه من طريق أبي الزبير عن جابر قال : « أقبل أبو بكر رضي الله عنه يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والناس ببابه جلوس ، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس ، فلم يؤذن له ، ثم أذن لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فدخلا والنبي صلى الله عليه وسلم جالس وحوله نساؤه وهو ساكت فقال عمر رضي الله عنه : لأكلمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله يضحك ، فقال عمر رضي الله عنه : يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر سألتني النفقة آنفاً فوجأت عنقها ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدا ناجذه ، وقال : هن حولي يسألنني النفقة . فقام أبو بكر رضي الله عنه إلى عائشة رضي الله عنها ليضربها ، وقام عمر إلى حفصة كلاهما يقولان : تسألان النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده . فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا ، فقلن نساؤه : والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا المجلس ما ليس عنده . وأنزل الله الخيار فبدأ بعائشة رضي الله عنها فقال » إني ذاكر لك أمراً ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك . قالت : ما هو؟ فتلا عليها { يا أيها النبي قل لأزواجك . . . } . قالت عائشة رضي الله عنها : أفيك استأمر أبوي؟! بل اختار الله ورسوله ، وأسألك أن لا تذكر إلى امرأة من نسائك امرأة ما اخترت ، فقال : إن الله لم يبعثني متعنتاً ، وإنما بعثني معلماً مبشراً ، لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها « » . (8/150)
وأخرج ابن سعد عن أبي سلمة الحضرمي قال « جلست مع أبي سعيد الخدري ، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، وهما يتحدثان وقد ذهب بصر جابر رضي الله عنه ، فجاء رجل فجلس ، ثم قال : يا أبا عبد الله أرسلني إليك عروة بن الزبير ، أسألك فيم هجر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه؟ ، فقال جابر رضي الله عنه : تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة لم يخرج إلى الصلاة ، فأخذنا ما تقدم وما تأخر ، فاجتمعنا ببابه يسمع كلامنا ويعلم مكاننا ، فأطلنا الوقوف ، فلم يأذن لنا ، ولم يخرج إلينا ، فقلنا : قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانكم ، ولو أراد أن يأذن لكم لأذن فتفرقوا لا تؤذوه ، فتفرقوا غير عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتنحنح ويتكلم ويستأذن حتى أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال عمر رضي الله عنه : فدخلت عليه وهو واضع يده على خده أعرف به الكآبة ، فقلت له : أي نبي الله - بأبي أنت وأمي يا رسول الله - ما الذي رابك؟ وما الذي لقي الناس بعدكم من فقدهم لرؤيتك؟ فقال : يا عمر سألتني الاماء ما ليس عندي - يعني نساءه - فذاك الذي بلغ بي ما ترى . فقلت : يا نبي الله قد صككت جميلة بنت ثابت صكة ألصقت خدها منها بالأرض لأنها سألتني ما ليس عندي ، وأنت يا رسول الله على موعد من ربك ، وهو جاعل بعد العسر يسراً قال : فلم أزل أكلمه حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تحلل عنه بعض ذلك ، فخرجت ، فلقيت أبا بكر الصديق رضي الله عنه ، فحدثته الحديث ، فدخل أبو بكر على عائشة رضي الله عنها ، قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخر عنكن شيئاً ، فلا تسأليه ما لا يجد ، انظري حاجتك فاطلبيها إلي ، وانطلق عمر رضي الله عنه إلى حفصة ، فذكر لها مثل ذلك ، ثم اتبعا أمهات المؤمنين ، فجعلا يذكران لهن مثل ذلك ، فأنزل الله تعالى في ذلك { يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً } يعني متعة الطلاق ويعني بتسريحهن : تطليقهن طلاقاً جميلاً { وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً } .
فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبدأ بعائشة رضي الله عنها فقال : إن الله قد أمرني أن أخيركن بين أن تخترن الله ورسوله والدار الآخرة ، وبين أن تخترن الدنيا وزينتها ، وقد بدأت بك وأنا أخيرك قالت : وهل بدأت بأحد قبلي منهن؟ قال : لا . قالت : فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة ، فاكتم علي ولا تخبر بذاك نساءك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل أخبرهن به ، فأخبرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً ، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة ، فكان خياره بين الدنيا والآخرة . اتخترن الآخرة أو الدنيا؟ قال { وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً } فاخترن أن لا يتزوجن بعده ، ثم قال { يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة } يعني الزنا { يضاعف لها العذاب ضعفين } يعني في الآخرة { وكان ذلك على الله يسيراً ، ومن يقنت منكن لله ورسوله } يعني تطيع الله ورسوله { وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين } مضاعفاً لها في الآخرة { وأعتدنا لها رزقاً كريماً } { يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض } يقول فجور { وقلن قولاً معروفاً ، وقرن في بيوتكن } يقول لا تخرجن من بيوتكن { ولا تبرجن } يعني إلقاء القناع فعل الجاهلية الأولى ، ثم قال جابر رضي الله عنه : ألم يكن الحديث هكذا؟ قال : بلى » .
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنها (8/151)
« أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه قالت : فبدأ بي فقال : إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك ، قد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه ، فقال : إن الله قال { يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها } إلى تمام الآيتين . فقلت له : ففي أي هذا استأمر أبوي ، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة ، وفعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت » . (8/152)
وأخرج ابن سعد عن عمرو بن سعيد عن أبيه عن جده قال « لما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه بدأ بعائشة رضي الله عنها قال : إن الله خيرك فقالت : اخترت الله ورسوله ، ثم خير حفصة رضي الله عنها فقلن جميعاً : اخترنا الله ورسوله ، غير العامرية اختارت قومها ، فكانت بعد تقول : أنا الشقية ، وكانت تلقط البعر وتبيعه ، وتستأذن على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتقول : أنا الشقية » .
وأخرج ابن سعد عن أبي جعفر رضي الله عنه قال : قال نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما نساء أغلى مهوراً منا ، فغار الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ، فأمره أن يعتزلهن ، فاعتزلهن تسعة وعشرين يوماً ، ثم أمره أن يخيرهن فخيرهن .
وأخرج ابن سعد عن أبي صالح قال : اخترنه صلى الله عليه وسلم جميعاً غير العامرية ، كانت ذاهبة العقل حتى ماتت .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت « حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ليهجرنا شهراً ، فدخل عليَّ صبيحة تسعة وعشرين ، فقلت : يا رسول الله ألم تكن حلفت لتهجرنا شهراً ، قال : إن الشهر هكذا وهكذا وهكذا . وضرب بيده جميعاً ، وخنس يقبض أصبعاً في الثالثة ثم قال : يا عائشة إني ذاكر لك أمراً ، فلا عليك أن تعجلي حتى تستشيري أبويك ، وخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم حداثة سني قلت : وما ذاك يا رسول الله؟ قال : إني أمرت أن أخيركن ، ثم تلا هذه الآية { يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها } إلى قوله { أجراً عظيماً } قالت : فيم استشير أبوي يا رسول الله؟ بل اختار الله ورسوله ، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، وسمع نساؤه فتواترن عليه » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إنما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه بين الدنيا والآخرة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة والحسن رضي الله عنهما قالا : أمره الله أن يخيرهن بين الدنيا والآخرة ، والجنة والنار ، قال الحسن رضي الله عنه : في شيء كن أردنه من الدنيا .
وقال قتادة رضي الله عنه : في غيرة كانت غارتها عائشة رضي الله عنها ، وكان تحته يومئذ تسع نسوة ، خمس من قريش . عائشة . وحفصة . وأم حبيبة بنت أبي سفيان . وسودة بنت زمعة . وأم سلمة بنت أبي أمية . وكانت تحته صفية بنت حيي الخيبرية . وميمونة بنت الحارث الهلالية . وزينب بنت جحش الأسدية . وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق . وبدأ بعائشة رضي الله عنها ، فلما اختارت الله ورسوله والدار الآخرة رؤي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتتابعن كلهن على ذلك ، فلما خيرهن واخترن الله ورسوله والدار الآخرة ، شكرهن الله تعالى على ذلك إذ قال { لا تحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن } فقصره الله تعالى عليهن ، وهن التسع اللاتي اخترن الله ورسوله . (8/153)
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { يا أيها النبي قل لأزواجك . . . } . قال أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر نساءه في هذه الآية فلم تختر واحدة منهن نفسها غير الحميرية .
وأخرج البيهقي في السنن عن مقاتل بن سليمان رضي الله عنه في قوله { يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة } يعني العصيان للنبي صلى الله عليه وسلم { يضاعف لها العذاب ضعفين } في الآخرة { وكان ذلك على الله يسيراً } يقول : وكان عذابها عند الله هيناً { ومن يقنت } يعني من يطع منكن الله ورسوله { وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين } في الآخرة بكل صلاة أو صيام أو صدقة أو تكبيرة أو تسبيحة باللسان ، مكان كل حسنة تكتب عشرين حسنة { واعتدنا لها رزقاً كريماً } يعني حسناً . وهي الجنة .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { يضاعف لها العذاب ضعفين } قال : عذاب الدنيا وعذاب الآخرة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { يضاعف لها العذاب ضعفين } قال : يجعل عذابهن ضعفين ، ويجعل على من قذفهن الحد ضعفين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله { يا نساء النبي . . . } . قال : إن الحجة على الأنبياء أشد منها على الأتباع في الخطيئة ، وإن الحجة على العلماء أشد منها على غيرهم ، فإن الحجة على نساء النبي صلى الله عليه وسلم أشد منها على غيرهن ، فقال : إنه من عصى منكن فإنه يكون عليها العذاب الضعف منه على سائر نساء المؤمنين ، ومن عمل صالحاً فإن الأجر لها الضعف على سائر نساء المسلمين .
وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32)
أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً } قال : يقول من يطع الله منكن ، وتعمل صالحاً لله ورسوله بطاعته . (8/154)
وأخرج ابن سعد عن عطاء بن يسار رضي الله عنه في قوله { ومن يقنت منكن لله ورسوله } يعني تطيع الله ورسوله { وتعمل صالحاً } تصوم وتصلي .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أربعة يؤتون أجرهم مرتين . منهم أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد رضي الله عنه يجري أزواجه مجرانا في الثواب والعقاب .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { لستن كأحد من النساء } قال : كأحد من نساء هذه الأمة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { يا نساء النبي لَسْتُنَّ كأحد . . . . } الآية . يقول : أنتن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعه تنظرن إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وإلى الوحي الذي يأتيه من السماء ، وأنتن أحق بالتقوى من سائر النساء ، { فلا تخضعن بالقول } يعني الرفث من الكلام . أمرهن أن لا يَرْفِثْنَ بالكلام { فيطمع الذي في قلبه مرض } يعني الزنا .
قال : مقاربة الرجل في القول حتى { يطمع الذي في قلبه مرض } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { فلا تخضعن بالقول } قال : لا ترفثن بالقول .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { فلا تخضعن بالقول } يقول : لا ترخصن بالقول ، ولا تخضعن بالكلام .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { فيطمع الذي في قلبه مرض } قال : شهوة الزنا .
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله { فيطمع الذي في قلبه مرض } قال : الفجور والزنا . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت الأعشى وهو يقول :
حافظ للفرج راضٍ بالتقى ... ليس ممن قلبه فيه مرض
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن علي رضي الله عنه قال : المرض مرضان . فمرض زنا ، ومرض نفاق .
وأخرج ابن سعد عن عطاء بن يسار رضي الله عنه في قوله { فيطمع الذي في قلبه مرض } يعني الزنا { وقلن قولاً معروفاً } يعني كلاماً ظاهراً ليس فيه طمع لأحد .
وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله { وقلن قولاً معروفاً } يعني كلاماً ليس فيه طمع لأحد .
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن سيرين قال : نبئت أنه قيل لسودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها : ما لك لا تَحُجِّين ، ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك؟! فقالت : قد حججت ، واعتمرت ، وأمرني الله أن أقر في بيتي ، فوالله لا أخرج من بيتي حتى أموت قال : فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت بجنازتها . (8/155)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن سعد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر عن مسروق رضي الله عنه قال : كانت عائشة رضي الله عنها إذا قرأت { وقرن في بيوتكن } بكت حتى تبل خمارها .
وأخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لنسائه عام حجة الوداع هذه ، ثم ظهور الحصر قال : فكان كلهن يحجن إلا زينب بنت جحش ، وسودة بنت زمعة ، وكانتا تقولان : والله لا تحركنا دابة بعد أن سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أم نائلة رضي الله عنها قالت : جاء أبو برزة فلم يجد أم ولده في البيت ، وقالوا ذهبت إلى المسجد ، فلما جاءت صاح بها فقال : ان الله نهى النساء أن يخرجن ، وأمرهن يقرن في بيوتهن ، ولا يتبعن جنازة ، ولا يأتين مسجداً ، ولا يشهدن جمعة .
وأخرج الترمذي والبزار عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن المرأة عورة ، فإذا خرجت استشرفها الشيطان ، وأقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنها قال : احبسوا النساء في البيوت ، فإن النساء عورة ، وإن المرأة إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان ، وقال لها : إنك لا تمرين بأحد إلا أعجب بك .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر رضي الله عنه قال : استعينوا على النساء بالعري ، أن أحداهن إذا كثرت ثيابها ، وحسنت زينتها أعجبها الخروج .
وأخرج البزار عن أنس رضي الله عنه قال : « جئن النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن : يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله ، فما لنا عمل ندرك فضل المجاهدين في سبيل الله؟ فقال » من قعدت منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله « » .
أما قوله تعالى : { ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } .
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت الجاهلية الأولى فيما بين نوح وادريس عليهما السلام ، وكانت ألف سنة ، وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل ، والآخر يسكن الجبال ، فكان رجال الجبال صباحاً وفي النساء دمامة ، وكان نساء السهل صباحاً وفي الرجال دمامة ، وإن إبليس أتى رجلاً من أهل السهل في صورة غلام ، فأجر نفسه فكان يخدمه ، واتخذ إبليس شبابة مثل الذي يزمر فيه الرعاء ، فجاء بصوت لم يسمع الناس مثله ، فبلغ ذلك من حوله ، فانتابوهم يسمعون إليه ، واتخذوا عيداً يجتمعون إليه في السنة ، فتتبرج النساء للرجال ، وتتبرج الرجال لهن ، وإن رجلاً من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم ذلك ، فرأى النساء وصباحتهن فأتى أصحابه ، فأخبرهم بذلك ، فتحوّلوا إليهن ، فنزلوا معهن وظهرت الفاحشة فيهن ، فهو قول الله { ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } .
وأخرج ابن جرير عن الحكم رضي الله عنه { ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } قال : كان بين آدم ونوح عليهما السلام ثمانمائة سنة ، فكان نساؤهم من أقبح ما يكون من النساء ورجالهم حسان ، وكانت المرأة تريد الرجل على نفسه ، فأنزلت هذه الآية . (8/156)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأله فقال : أرأيت قول الله تعالى لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم { ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } هل كانت الجاهلية غير واحدة؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما : ما سمعت بأولى إلا ولها آخرة . فقال : له عمر رضي الله عنه : فأنبئني من كتاب الله ما يصدق ذلك قال : إن الله يقول { وجاهدوا في الله حق جهاده } [ الحج : 78 ] فقال عمر رضي الله عنه : من أمرنا أن نجاهد؟ قال : بني مخزوم ، وعبد شمس .
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } قال : تكون جاهلية أخرى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة رضي الله عنها أنها تلت هذه الآية فقالت : الجاهلية الأولى كانت على عهد إبراهيم عليه السلام .
وأخرج ابن سعد عن عكرمة رضي الله عنه قال : { الجاهلية الأولى } التي ولد فيها إبراهيم عليه السلام ، والجاهلية الآخرة : التي ولد فيها محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال { الجاهلية الأولى } بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن جرير عن الشعبيّ رضي الله عنه ، مثله .
وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال : كانت المرأة تخرج فتمشي بين الرجال ، فذلك { تبرج الجاهلية الأولى } .
وأخرج البيهقي في سننه عن أبي أذينة الصدفي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « شر النساء المتبرجات وهن المنافقات ، لا يدخل الجنة منهن إلا مثل الغراب الأعصم » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } يقول : إذا خرجتن من بيوتكن ، وكانت لهن مشية فيها تكسير وتغنج ، فنهاهن الله عن ذلك . (8/157)
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبي نجيح رضي الله عنه في قوله { ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } قال : التبختر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله { ولا تبرجن . . . } قال : التبرج إنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده ، فيواري قلائدها وقرطها وعنقها ، ويبدو ذلك كله منها ، وذلك التبرج ، ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما بايع النبي صلى الله عليه وسلم النساء قال « { لا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى } قالت امرأة : يا رسول الله أراك تشترط علينا أن لا نتبرج ، وأن فلانة قد أسعدتني ، وقد مات أخوها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اذهبي فاستعديها ثم تعالي فبايعيني » .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عكرمة رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ، أهل البيت } قال : نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة . وقال عكرمة رضي الله عنه : من شاء بأهلته أنها نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } قال : ليس بالذي تذهبون إليه ، إنما هو نساء النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن سعد عن عروة رضي الله عنه { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } قال : يعني أزواج النبي صلى الله عليه وسلم نزلت في بيت عائشة رضي الله عنها .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ببيتها على منامة له عليه كساء خيبري ، فجاءت فاطمة رضي الله عنها ببرمة فيها خزيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » ادعي زوجك ، وابنيك ، حسناً ، وحسيناً ، فدعتهم فبينما هم يأكلون إذ نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بفضلة ازاره ، فغشاهم إياها ، ثم أخرج يده من الكساء وأومأ بها إلى السماء ، ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي ، فاذهب عنهم الرجس ، وطهرهم تطهيراً ، قالها ثلاث مرات . قالت أم سلمة رضي الله عنها : فادخلت رأسي في الستر فقلت : يا رسول الله وأنا معكم فقال : إنك إلى خير مرتين « » .
وأخرج الطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : جاءت فاطمة رضي الله عنها إلى أبيها بثريدة لها ، تحملها في طبق لها حتى وضعتها بين يديه . فقال لها « أين ابن عمك؟ قالت : هو في البيت . قال : اذهبي فادعيه وابنيك ، فجاءت تقود ابنيها كل واحد منهما في يد وعلي رضي الله عنه يمشي في أثرهما حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأجلسهما في حجره ، وجلس علي رضي الله عنه عن يمينه ، وجلست فاطمة رضي الله عنها عن يساره ، قالت أم سلمة رضي الله عنها : فأخذت من تحتي كساء كان بساطنا على المنامة في البيت » . (8/158)
وأخرج الطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها « ائتني بزوجك وابنيه ، فجاءت بهم ، فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم كساء فدكيا ، ثم وضع يده عليهم ، ثم قال : اللهم إن هؤلاء أهل محمد - وفي لفظ آل محمد - فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد . قالت أم سلمة رضي الله عنها : فرفعت الكساء لأدخل معهم ، فجذبه من يدي وقال إنك على خير » .
وأخرج ابن مردويه عن أم سلمة قالت « نزلت هذه الآية في بيتي { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } وفي البيت سبعة : جبريل ، وميكائيل عليهما السلام ، وعلي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، رضي الله عنهم ، وأنا على باب البيت ، قلت : يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ قال : إنك إلى خير ، إنك من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم » .
وأخرج ابن مردويه والخطيب عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : « كان يوم أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها ، فنزل جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } قال : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحسن ، وحسين ، وفاطمة ، وعلي ، فضمهم إليه ، ونشر عليهم الثوب . والحجاب على أم سلمة مضروب ، ثم قال » اللهم هؤلاء أهل بيتي ، اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً . قالت أم سلمة رضي الله عنها : فانا معهم يا نبي الله؟ قالت : أنت على مكانك ، وإنك على خير « » .
وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن أم سلمة رضي الله عنها قالت :
« في بيتي نزلت { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } وفي البيت فاطمة ، وعلي ، والحسن ، والحسين . فجللهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكساء كان عليه ، ثم قال » هؤلاء أهل بيتي فاذهب عنهم الرجس ، وطهرهم تطهيراً « » . (8/159)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « نزلت هذه الآية في خمسة : فيّ ، وفي علي ، وفاطمة ، وحسن ، وحسين ، { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة ، وعليه مرط مرجل من شعر أسود ، فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما ، فأدخلهما معه ، ثم جاء علي فادخله معه ، ثم قال { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } .
وأخرج ابن جرير والحاكم وابن مردويه عن سعد قال « نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي ، فادخل علياً ، وفاطمة ، وابنيهما تحت ثوبه ، ثم قال اللهم هؤلاء أهلي ، وأهل بيتي » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال « جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فاطمة ، ومعه حسن ، وحسين ، وعلي ، حتى دخل ، فأدنى علياً ، وفاطمة . فاجلسهما بين يديه ، وأجلس حسناً ، وحسيناً . كل واحد منهما على فخذه ، ثم لف عليهم ثوبه وأنا مستدبرهم ، ثم تلا هذه الآية { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمر بباب فاطمة رضي الله عنها إذا خرج إلى صلاة الفجر ويقول « الصلاة يا أهل البيت الصلاة { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } » .
وأخرج مسلم عن زيد بن أرقم رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « أذكركم الله في أهل بيتي ، فقيل : لزيد رضي الله عنه : ومن أهل بيته ، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال : نساؤه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده آل علي ، وآل عقيل ، وآل جعفر ، وآل عباس » .
وأخرج الحكيم والترمذي والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« إن الله قسم الخلق قسمين ، فجعلني في خيرهما قسماً . فذلك قوله { وأصحاب اليمين } [ الواقعة : 27 ] و { أصحاب الشمال } [ الواقعة : 41 ] فأنا من أصحاب اليمين ، وأنا خير أصحاب اليمين ، ثم جعل القسمين أثلاثاً ، فجعلني في خيرها ثلثاً ، فذلك قوله { وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون } [ الواقعة : 8-10 ] فأنا من السابقين ، وأنا خير السابقين ، ثم جعل الأثلاث قبائل ، فجعلني في خيرها قبيلة ، وذلك قوله { وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم } [ الحجرات : 13 ] وأنا أتقى ولد آدم ، وأكرمهم على الله تعالى ولا فخر . ثم جعل القبائل بيوتاً ، فجعلني في خيرها بيتاً ، فذلك قوله { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } فأنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب » . (8/160)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } قال : هم أهل بيت طهرهم الله من السوء ، واختصم برحمته قال : وحدث الضحاك بن مزاحم رضي الله عنه ، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول « نحن أهل بيت طهرهم الله من شجرة النبوة ، وموضع الرسالة ، ومختلف الملائكة ، وبيت الرحمة ، ومعدن العلم » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : لما دخل علي رضي الله عنه بفاطمة رضي الله عنها . جاء النبي صلى الله عليه وسلم أربعين صباحاً إلى بابها يقول « السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته ، الصلاة رحمكم الله { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } انا حرب لمن حاربتم ، أنا سلم لمن سالمتم » .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أبي الحمراء رضي الله عنه قال « حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية أشهر بالمدينة . ليس من مرة يخرج إلى صلاة الغداة إلا أتى إلى باب علي رضي الله عنه ، فوضع يده على جنبتي الباب ، ثم قال : الصلاة . . . الصلاة . . . { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال « شهدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أشهر ، يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند وقت كل صلاة فيقول : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } الصلاة رحمكم الله ، كل يوم خمس مرات » .
وأخرج الطبراني عن أبي الحمراء رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي باب علي ، وفاطمة ستة أشهر فيقول { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } .
وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34)
أخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة } قال : القرآن ، والسنة ، عتب عليهن بذلك . (8/161)
وأخرج ابن سعد عن أبي امامة بن سهل رضي الله عنه في قوله { واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة } قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند بيوت أزواجه النوافل بالليل والنهار .
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35)
أخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والطبراني عن أم سلمة رضي الله عنها قالت « قلت للنبي صلى الله عليه وسلم : ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟ فلم يرعني منه ذات يوم إلا نداؤه على المنبر وهو يقول : يا أيها الناس إن الله يقول { إن المسلمين والمسلمات } إلى آخر الآية » . (8/162)
وأخرج الفريابي وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أم سلمة . رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن والنساء لا يُذْكَرْنَ؟ فأنزل الله { إن المسلمين والمسلمات . . . . } .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والترمذي وحسنه والطبراني وابن مردويه عن أم عمارة الأنصارية رضي الله عنها : أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : ما أرى كل شيء إلا للرجال ، وما أرى النساء يذكرن بشيء! فنزلت هذه الآية { إن المسلمين والمسلمات } .
وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قالت النساء : يا رسول الله ما باله يذكر المؤمنون ولم يذكر المؤمنات؟! فنزل { إن المسلمين والمسلمات . . . . } .
وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قالت النساء : يا رسول الله ما باله يذكر المؤمنون ولم يذكر المؤمنات؟! فنزل { إن المسلمين والمسلمات . . . . } .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال : دخل نساء على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقلن : قد ذكركن الله في القرآن ، ولم نذكر بشيء أما فينا ما يذكر؟ فأنزل الله { إن المسلمين والمسلمات . . . . } .
وأخرج ابن سعد عن عكرمة ومن وجه آخر عن قتادة رضي الله عنه قال : لما ذكر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال النساء : لو كان فينا خير لذكرن . فأنزل الله { إن المسلمين والمسلمات . . . . } .
وأخرج ابن سعد عن عكرمة رضي الله عنه قال : قال النساء للرجال : أسلمنا كما أسلمتم ، وفعلنا كما فعلتم ، فتذكرون في القرآن ولا نذكر ، وكان الناس يسمون المسلمين ، فلما هاجروا سموا المؤمنين ، فأنزل الله { إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات } يعني المطيعين والمطيعات ، { والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات } شهر رمضان { والحافظين فروجهم والحافظات } يعني من النساء { والذاكرين الله كثيراً والذاكرات } يعني ذكر الله ، وذكر نعمه { أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { إن المسلمين والمسلمات } يعني المخلصين لله من الرجال ، والمخلصات من النساء { والمؤمنين والمؤمنات } يعني المصدقين والمصدقات { والقانتين والقانتات } يعني المطيعين والمطيعات { والصادقين والصادقات } يعني الصادقين في ايمانهم { والصابرين والصابرات } يعني على أمر الله { والخاشعين } يعني المتواضعين لله في الصلاة من لا يعرف عن يمينه ولا من عن يساره ، ولا يلتفت من الخضوع لله { والخاشعات } يعني المتواضعات من النساء { والصائمين والصائمات } قال : من صام شهر رمضان وثلاثة أيام من كل شهر ، فهو من أهل هذه الآية { والحافظين فروجهم والحافظات } قال : يعني فروجهم عن الفواحش ، ثم أخبر بثوابهم فقال { أعد الله لهم مغفرة } يعني لذنوبهم و { أجراً عظيماً } يعني جزاء وافر في الجنة .
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل فصليا ركعتين كانا تلك الليلة من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات » . (8/163)
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال : لا يكتب الرجل من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله قائماً ، وقاعداً ، ومضطجعاً .
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)
أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق ليخطب على فتاة زيد بن حارثة ، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية ، فخطبها قالت : لست بناكحته قال : بلى . فانكحيه قالت : يا رسول الله أوامر في نفسي . فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسوله صلى الله عليه وسلم { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً . . . . } قالت : قد رضيته لي يا رسول الله منكحاً قال : نعم . قالت : إذن لا أعصي رسول الله ، قد أنكحته نفسي » . (8/164)
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : « خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش لزيد بن حارثة ، فاستنكفت منه وقالت : أنا خير منه حسباً ، وكانت امرأة فيها حدة . فأنزل الله { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة . . . . } » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن قتادة رضي الله عنه قال : خطب النبي صلى الله عليه وسلم زينب وهو يريدها لزيد رضي الله عنه ، فظنت أنه يريدها لنفسه ، فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت ، فأنزل الله { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً . . . . } . فرضيت وسلمت .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً . . . . } قال : زينب بنت جحش ، وكراهتها زيد بن حارثة حين أمرها به محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزينب رضي الله عنها « إني أريد أن أزوجك زيد بن حارثة ، فإني قد رضيته لك . قالت : يا رسول الله لكني لا أرضاه لنفسي ، وأنا أيم قومي وبنت عمتك ، فلم أكن لأفعل . فنزلت هذه الآية { وما كان لمؤمن } يعني زيداً { ولا مؤمنة } يعني زينب { إذا قضى الله ورسوله أمراً } يعني النكاح في هذا الموضع { أن تكون لهم الخيرة من أمرهم } يقول : ليس لهم الخيرة من أمرهم خلاف ما أمر الله به { ومن يَعْصِ الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً } قالت : قد أطعتك فاصنع ما شئت ، فزوجها زيداً ودخل عليها » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه قال : نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، وكانت أول امرأة هاجرت من النساء ، فوهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ، فزوجها زيد بن حارثة ، فسخطت هي وأخوها وقالت : إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها عبده ، فنزلت .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن طاوس ، أنه سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن ركعتين بعد العصر فنهاه . وقال ابن عباس رضي الله عنهما { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم } .