صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور |
وأخرج أحمد والحاكم والضياء عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « إن الله اصطفى من الكلام أربعاً : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر . فمن قال سبحان الله؛ كتبت له عشرون حسنة ، وحطت عنه عشرون سيئة ، ومن قال الله أكبر؛ مثل ذلك ، ومن قال لا إله إلا الله؛ مثل ذلك ، ومن قال الحمد لله رب العالمين . من قبل نفسه له ثلاثون حسنة ، وحطت عنه ثلاثون سيئة » . (8/62)
وأخرج ابن عساكر عن الحسن البصري رضي الله عنه قال : من قرأ الآيات { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } إلى آخرها؛ لم يفته شيء في يومه وليلته ، وأدرك ما فاته من يومه وليلته .
وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26)
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { ومن آياته } قال : كل شيء في القرآن آيات . بذلك تعرفون الله . إنكم لن تروه فتعرفونه على رؤية ، ولكن تعرفونه بآياته وخلقه . (8/63)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ومن آياته أن خلقكم من تراب } قال : خلق آدم من تراب { ثم إذا أنتم بشر تنتشرون } يعني ذريته { ومن آياته إن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً } قال : حواء . خلقها الله من ضلع من أضلاع آدم .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله { وجعل بينكم مودة } قال : الجماع { ورحمة } قال : الولد .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره } قال : قامتا بأمره { بغير عمد ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } قال : دعاهم من السماء فخرجوا من الأرض .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { إذا أنتم تخرجون } قال : من قبوركم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأزهر بن عبد الله الجزاري قال : يقرأ على المصاب إذا أخذ { ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { كل له قانتون } يقول : مطيعون يعني الحياة والنشور والموت . وهم عاصون له فيما سوى ذلك من العبادة . والله تعالى أعلم .
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن عكرمة قال : تعجب الكفار من احياء الله الموتى ، فنزلت { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } قال : اعادة الخلق أهون عليه من ابتدائه . (8/64)
وأخرج آدم بن أبي أياس والفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله { وهو أهون عليه } قال : الاعادة أهون عليه من البداءة ، والبداءة عليه هين .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وهو أهون عليه } قال : أيسر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في الآية قال : في عقولكم ، اعادة شيء إلى شيء كان ، أهون من ابتدائه إلى شيء لم يكن .
وأخرج ابن الأنباري عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وهو أهون عليه } قال : الاعادة أهون على المخلوق لأنه يقول له يوم القيامة { كن فيكون } وابتداء الخلق من نطقة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة .
وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه قال : كل عليه هين .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وله المثل الأعلى } يقول { ليس كمثله شيء } [ الشورى : 11 ] .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { وله المثل الأعلى } قال : شهادة أن لا إله إلا الله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { وله المثل الأعلى } قال : مثله أنه لا إله إلا هو ، ولا معبود غيره .
ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29)
أخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان يلبي أهل الشرك لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك ، تملكه وما ملك ، فأنزل الله { هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء } . (8/65)
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { هل لكم مما ملكت أيمانكم . . } الآية . قال : هي في الآلهة ، وفيه يقول : تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضاً .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ضرب لكم . . . } الآية . قال هذا مثل ضربه الله لمن عدل به شيئاً من خلقه يقول : أكان أحد منكم مشاركاً مملوكه في ماله ونفسه وفراشه وزوجته؟ فكذلك لا يرضى الله تعالى أن يعدل به أحد من خلقه .
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)
أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فطرة الله التي فطر الناس عليها } قال : الدين الإِسلام { لا تبديل لخلق الله } قال : لدين الله . (8/66)
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { فطرة الله التي فطر الناس عليها } قال : الإِسلام .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { فطرة الله التي فطر الناس عليها } قال : دين الله الذي فطر خلقه عليه .
وأخرج الحكيم في نوادر الأصول عن مكحول رضي الله عنه . أن الفطرة معرفة الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لا تبديل لخلق الله } قال : دين الله { ذلك الدين القيم } قال : القضاء القيم .
وأخرج ابن مردويه عن حماد بن عمر الصفار قال : سألت قتادة رضي الله عنه عن قوله { فطرة الله التي فطر الناس عليها } فقال : حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « { فطرة الله التي فطر الناس عليها } قال : دين الله » .
وأخرج ابن جرير عن معاذ بن جبل رضي الله عنه؛ إن عمر رضي الله عنه قال له : ما قوام هذه الأمة؟ قال : ثلاث وهي المنجيات . الاخلاص : وهي الفطرة التي فطر الناس عليها . والصلاة : وهي الملة . والطاعة : وهي العصمة . فقال عمر رضي الله عنه : صدقت .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه { لا تبديل لخلق الله } قال : لدين الله .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة وقتادة والضحاك وإبراهيم وابن زيد ، مثله .
وأخرج البخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « » ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، وينصرانه ، ويمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ « ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه : اقرأوا ان شئتم { فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم } » .
وأخرج مالك وأبو داود وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « » كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، وينصرانه ، كما تنتج الابل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء؟ « قالوا : يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال : الله أعلم بما كانوا عاملين » .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه عن الأسود بن سريع رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى خيبر فقاتلوا المشركين ، فانتهى بهم القتل إلى الذرية ، فلما جاؤوا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما حملكم على قتل الذرية؟ قالوا : يا رسول الله إنما كانوا أولاد المشركين! قال : وهل خياركم إلا أولاد المشركين؟ والذي نفسي بيده ما من نسمة تولد إلا على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها » .
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40)
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { منيبين إليه } قال : تائبين إليه . (8/67)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة { من الذين فرقوا دينهم } قال : هم اليهود والنصارى . وفي قوله { أم أنزلنا عليهم سلطاناً } قال : يأمرهم بذلك .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون } يقول : أم أنزلنا عليهم كتاباً فهو ينطق بشركهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه ، مثله .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل } قال : الضيف { ذلك خير للذين يريدون وجه الله أولئك هم المضعفون } قال : هذا الذي يقبله الله ، ويضاعفه لهم عشر أمثالها وأكثر من ذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وما آتيتم من ربا . . . } قال : الربا رباآن . ربا لا بأس به . وربا لا يصلح ، فأما الربا الذي لا بأس به؛ فهدية الرجل إلى الرجل يريد فضلها ، أو اضعافها .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله } قال : هي الهدايا .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس } قال : يعطي ما له يبتغي أفضل منه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه { وما آتيتم من رباً ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله } قال : ما أعطيتم من عطية لتثابوا عليها في الدنيا ، فليس فيها أجر .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { وما آتيتم من رباً . . . } قال : هو الربا الحلال . أن تهدي أكثر منه ، وليس له أجر ولا وزر ، ونهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم خاصة فقال { ولا تمنن تستكثر } .
وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما . مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه { وما آتيتم رباً . . . } قال : الرجل يعطي الشيء ليكافئه به ، ويزداد عليه { فلا يربوا عند الله } والآخر الذي يعطي الشيء لوجه الله ، ولا يريد من صاحبه جزاء ولا مكافأة ، فذلك الذي يضعف عند الله تعالى .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وما آتيتم من زكاة } قال : هي الصدقة .
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ظهر الفساد في البر والبحر } قال { البر } البرية التي ليس عندها نهر . و { البحر } مكان من المدائن والقرى على شط نهر . (8/68)
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس . . } الآية . قال : نقصان البركة بأعمال العباد كي يتوبوا .
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه { ظهر الفساد في البر والبحر } قال : قحوط المطر . قيل له : قحوط المطر لن يضر البحر . قال : إذا قل المطر قل الغوص .
وأخرج ابن المنذر عن عطية رضي الله عنه في الآية . أنه قيل له : هذا البر والبحر أي فساد فيه؟ قال : إذا قل المطر قل الغوص .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن رفيع رضي الله عنه في قوله { ظهر الفساد في البر والبحر } قال : انقطاع المطر . قيل : فالبحر؟ قال : إذا لم يمطر عميت دواب البحر .
وأخرج الفريابي عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { ظهر الفساد في البر والبحر } قال { البر } الفيافي التي ليس فيها شيء . و { البحر } القرى .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه أنه سئل عن قوله { ظهر الفساد في البر والبحر } قال : البر قد عرفناه فما بال البحر؟ قال : إن العرب تسمي الأمصار : البحر .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه { ظهر الفساد في البر والبحر } قال : فساد البر : قَتْلُ ابنُ آدمَ أخاه . والبحر : أَخْذُ الملكِ السفنَ غصباً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { ظهر الفساد في البر والبحر } قال : هذا قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم رجع راجعون من الناس .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { ظهر الفساد في البر والبحر } قال { البر } كل قرية نائية عن البحر . مثل مكة والمدينة ، و { البحر } كل قرية على البحر ، مثل كوفة والبصرة والشام وفي قوله { بما كسبت أيدي الناس } قال : بما عملوا من المعاصي .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في الآية قال : البحر الجزائر .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لعلهم يرجعون } قال : يتوبون .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لعلهم يرجعون } قال : عن الذنوب .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس } قال : أفسدهم الله بذنوبهم في بر الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة { لعلهم يرجعون } قال : يرجع من بعدهم .
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فأقم وجهك للدين القيم } قال : الإِسلام { من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله } قال : يوم القيامة { يومئذ يصدعون } قال : فريق في الجنة ، وفريق في السعير . (8/69)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { يومئذ يصدعون } قال : يتفرقون .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { يومئذ يصدعون } يومئذ يتفرقون . وقرأ ( فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون ، وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون ) قال : هذا حين يصدعون يتفرقون إلى الجنة والنار .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في عذاب القبر عن مجاهد في قوله { فلأنفسهم يمهدون } قال : يسوّون المضاجع في القبر .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات } قال : بالمطر { وليذيقكم من رحمته } قال : المطر { ولتجري الفلك بأمره } قال : السفن في البحار { ولتبتغوا من فضله } قال : التجارة في السفن .
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)
أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « ما من امرىء مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقاً على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة . ثم تلا { وكان حقاً علينا نصر المؤمنين } » . (8/70)
اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (51)
أخرج أبو الشيخ في العظمة عن السدي رضي الله عنه قال : يرسل الله الريح فتأتي بالسحاب من بين الخافقين - طرف السماء حين يلتقيان - فتخرجه ثم تنشره فيبسطه في السماء كيف يشاء ، فيسيل الماء على السحاب ، ثم يمطر السحاب بعد ذلك . (8/71)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : يرسل الله الريح ، فتحمل الماء من السحاب ، فتمر به السحاب ، فتدر كما تدر الناقة ، وثجاج مثل العزالي غير أنه متفرق .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فيبسطه في السماء } قال : يجمعه ويجعله { كسفا } قال : قطعاً .
وأخرج أبو يعلى وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ويجعله كسفاً } قال : قطعاً يجعل بعضها فوق بعض { فترى الودق } قال : المطر { يخرج من خلاله } قال : من بينه .
وأخرج الفريابي عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فترى الودق } قال : القطر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { ويجعله كسفاً } قال : سماء دون سماء وفي قوله { لمبلسين } قال : القنطين .
فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (53)
أخرج مسلم وابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك قتلى بدر أياماً حتى جيفوا ، ثم أتاهم فقام يناديهم ، فقال : يا أمية بن خلف ، يا أبا جهل بن هشام ، يا عتبة بن ربيعة؛ هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فسمع عمر رضي الله عنه صوته فجاء فقال : يا رسول الله تناديهم بعد ثلاث وهل يسمعون؟ يقول الله { إنك لا تسمع الموتى } فقال : والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع منهم ، ولكنهم لا يطيقون أن يجيبوا » . (8/72)
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر فقال « هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ ثم قال : إنهم الآن يسمعون ما أقول . فذكر لعائشة رضي الله عنها فقالت : إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم : إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق ، ثم قرأت { إنك لا تسمع الموتى } حتى قرأت الآية » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من طريق قتادة قال : ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة رضي الله عنهما « أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش ، فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث ، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالْعَرَصَةِ ثلاث ليال ، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها ، ثم مشى واتبعه أصحابه قالوا : ما ترى ينطلق إلا لبعض حاجته حتى قام على شفة الركى فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم . يا فلان بن فلان ، ويا فلان ابن فلان ، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فقال عمر رضي الله عنه : يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنهم لأسمع لما أقول منكم » قال قتادة : أحياهم الله حتى أسمعهم قوله ، توبيخاً وتصغيراً ونقمة وحسرة وندماً .
وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نزلت هذه الآية في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأهل بدر { إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين } .
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54)
أخرج سعيد بن منصور وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن المنذر والطبراني والشيرازي في الألقاب والدارقطني في الافراد وابن عدي والحاكم وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه والخطيب في تالي التلخيص عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : « قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم { الله الذي خلقكم من ضعف } فقال » من ضعف يا بني « » . (8/73)
وأخرج الخطيب عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ « الله الذي خلقكم من ضعف » بالضم .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ هذا الحرف في الروم { خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوّة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { الله الذي خلقكم من ضعف } قال : من نطفة { ثم جعل من بعد قوة ضعفاً } قال : الهرم { وشيبة } قال : الشمط .
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (56) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآَيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (59) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (60)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة } قال : يعنون في الدنيا ، استقل القوم أجل الدنيا لما عاينوا الآخرة { كذلك كانوا يؤفكون } قال : كذلك كانوا يكذبون في الدنيا { وقال الذين أوتوا العلم . . } الآية . قال : هذا من تقاديم الكلام وتأويلها : وقال الذين أوتوا الإِيمان والعلم في كتاب الله لقد لبثتم إلى يوم البعث . (8/74)
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله { لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث } قال : لبثوا في علم الله في البرزخ إلى يوم القيامة ، لا يعلم متى علم وقت الساعة إلا الله ، وفي ذلك أنزل الله { وأجل مسمى عنده } [ طه : 129 ] .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن علي رضي الله عنه أن رجلاً من الخوارج ناداه وهو في صلاة الفجر فقال { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } فأجابه علي رضي الله عنه وهو في الصلاة { فاصبر إن وعد الله حق ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الذين لا يوقنون } .
الم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6)
أخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } يعني باطل الحديث . وهو النضر بن الحارث بن علقمة . اشترى أحاديث العجم وصنيعهم في دهرهم ، وكان يكتب الكتب من الحيرة والشام ويكذب بالقرآن ، فأعرض عنه فلم يؤمن به . (8/75)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } قال : شراؤه استحبابه . وبحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق . وفي قوله { ويتخذها هزواً } قال : يستهزىء بها ويكذبها .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ويتخذها هزواً } قال : سبيل الله يتخذ السبيل هزواً .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } قال : باطل الحديث . وهو الغناء ونحوه { وليضل عن سبيل الله } قال : قراءة القرآن ، وذكر الله . نزلت في رجل من قريش اشترى جارية مغنية .
وأخرج جويبر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } قال : أنزلت في النضر بن الحارث . اشترى قينة فكان لا يسمع بأحد يريد الإِسلام إلا انطلق به إلى قينته ، فيقول : أطعميه واسقيه وغنيه ، هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام ، وأن تقاتل بين يديه ، فنزلت .
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والترمذي وابن ماجة وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي امامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا تبيعوا القينات ، ولا تشتروهن ، ولا تعلموهن ، ولا خير في تجارة فيهن ، وثمنهن حرام . في مثل هذا أنزلت هذه الآية { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } إلى آخر الآية » .
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ان الله حرم القينة وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها . ثم قرأ { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } » .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } قال : هو الغناء وأشباهه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } قال : هو شراء المغنية .
وأخرج ابن عساكر عن مكحول رضي الله عنه في قوله { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } قال : الجواري الضاربات .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي الصهباء قال : سألت عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه عن قوله تعالى { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } قال : هو - والله - الغناء . (8/76)
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير عن شعيب بن يسار قال : سألت عكرمة رضي الله عنه عن { لهو الحديث } قال : هو الغناء .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } قال : هو الغناء ، وكل لعب ولهو .
وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق حبيب بن أبي ثابت عن إبراهيم رضي الله عنه { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } قال : هو الغناء وقال مجاهد رضي الله عنه : هو لهو الحديث .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني رضي الله عنه { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } قال : الغناء والباطل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال : نزلت هذه الآية { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } في الغناء والمزامير .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع ، والذكر ينبت الإِيمان في القلب كما ينبت الماء الزرع .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن إبراهيم رضي الله عنه قال : كانوا يقولون : الغناء ينبت النفاق في القلب .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في سننه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : إذا ركب الرجل الدابة ولم يسم ردفه شيطان ، فقال : تغنه ، فإن كان لا يحسن قال له : تمنه .
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن مردويه عن أبي امامة رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما رفع أحد صوته بغناء إلا بعث الله إليه شيطانين يجلسان على منكبيه يضربان باعقابهما على صدره حتى يمسك » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الشعبي عن القاسم بن محمد رضي الله عنه أنه سئل عن الغناء ، فقال : أنهاك عنه ، وأكرهه لك . قال السائل : احرام هو؟ قال : انظر يا ابن أخي . إذا ميز الله الحق من الباطل في أيهما يجعل الغناء .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الشعبي قال : لعن المغني والمغنى له .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن فضيل بن عياض قال : الغناء رقية الزنا .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي عثمان الليثي قال : قال يزيد بن الوليد الناقص : يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ، ويزيد في الشهوة ، ويهدم المروءة ، وإنه لينوب عن الخمر ، ويفعل ما يفعل السكر ، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء ، فإن الغناء داعية الزنا . (8/77)
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي جعفر الأموي عمر بن عبد الله قال : كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى مؤدب وِلْدِهِ : من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى سهل مولاه . أما بعد فإني اخترتك على علم مني لتأديب وِلْدِي ، وصرفتهم إليك عن غيرك من مواليَّ وذوي الخاصة بي ، فخذهم بالجفاء فهو أمكن لاقدامهم ، وترك الصحبة فإن عادتها تكسب الغفلة ، وكثرة الضحك فإن كثرته تميت القلب ، وليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان ، وعاقبتها سخط الرحمن ، فإنه بلغني عن الثقات من حملة العلم إن حضور المعازف ، واستماع الأغاني ، واللهج بهما ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب ، ولعمري ولتوقي ذلك بترك حضور تلك المواطن أيسر على ذوي الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه ، وهو حين يفارقها لا يعتقد مما سمعت أذناه على شيء ينتفع به ، وليفتح كل غلام منهم بجزئه من القرآن يثبت في قراءته ، فإذا فرغ منه تناول قوسه وكنانته وخرج إلى الغرض حافياً ، فرمى سبعة ارشاق ثم انصرف إلى القائلة ، فإن ابن مسعود رضي الله عنه كان يقول : يا بني قيلوا فإن الشياطين لا تقيل والسلام .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن رافع بن حفص المدني قال : أربع لا ينظر الله إليهن يوم القيامة . الساحرة . والنائحة . والمغنية . والمرأة مع المرأة . وقال : من أدرك ذلك الزمان فأولى به طول الحزن .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن علي بن الحسين رضي الله عنه قال : ما قدّست أمة فيها البربط .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين : صوت عند نغمة لهو ولعب ، ومزامير شيطان ، وصوت عند مصيبة : خدش وجوه ، وشق جيوب ، ورنة شيطان » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن رضي الله تعالى عنه قال : صوتان ملعونان . مزمار عند نغمة . ورنة عند مصيبة .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : أخبث الكسب كسب الزمارة .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن نافع قال : كنت أسير مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في طريق ، فسمع زمارة راع ، فوضع أصبعيه في أذنيه ، ثم عدل عن الطريق ، فلم يزل يقول : يا نافع أتسمع؟ قلت : لا . فأخرج أصبعيه من أذنيه وقال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع .
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمر « أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال : في هذه الآية { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } إنما ذلك شراء الرجل اللعب والباطل » . (8/78)
وأخرج الحاكم في الكنى عن عطاء الخراساني رضي الله عنه قال : نزلت هذه الآية { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } في الغناء والباطل والمزامير .
وأخرج آدم وابن جرير والبيهقي في سننه عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } قال : هو اشتراؤه المغني والمغنية بالمال الكثير ، والاستماع إليه وإلى مثله من الباطل .
وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله { ومن الناس من يشتري لهو الحديث } قال : هو رجل يشتري جارية تغنيه ليلاً أو نهاراً .
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7)
أخرج ابن أبي الدنيا عن قتادة رضي الله عنه { وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً } قال : مكذباً بها . (8/79)
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { وقراً } قال : ثقلاً .
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10)
أخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن دينا رضي الله عنه قال : { جنات النعيم } بين جنات الفردوس ، وبين جنات عدن ، وفيها جوار خلقن من ورد الجنة . قيل : ومن يسكنها؟ قال : الذين هموا بالمعاصي ، فلما ذكروا عظمتي راقبوني ، والذين انثنت أصلابهم في خشيتي . (8/80)
هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله تعالى عنه في قوله { هذا خلق الله } أي ما ذكر من خلق السموات والأرض ، وما بث فيهما من الدواب ، وما أنبت من كل زوج { فأروني ماذا خلق الذين من دونه } يعني الأصنام . والله أعلم . (8/81)
وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13)
أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أتدرون ما كان لقمان؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال : كان حبشياً » . (8/82)
وأخرج ابن أبي شيبة في الزهد وأحمد وابن أبي الدنيا في كتاب المملوكين وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان لقمان عليه السلام عبداً حبشياً نجاراً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال : قلت لجابر بن عبد الله رضي الله عنهما : ما انتهى إليكم من شأن لقمان عليه السلام؟ قال : كان قصيراً ، أفطس من النوبة .
وأخرج الطبراني وابن حبان في الضعفاء وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « اتخذوا السودان فإن ثلاثة منهم سادات أهل الجنة : لقمان الحكيم . والنجاشي . وبلال المؤذن » قال الطبراني : أراد الحبشة .
وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن يزيد عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « سادات السودان أربعة : لقمان الحبشي . والنجاشي . وبلال . ومهجع » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام كان أسود من سودان مصر ، ذا مشافر ، أعطاه الله الحكمة ، ومنعه النبوة .
وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن حرملة قال : جاء أسود إلى سعيد بن المسيب رضي الله عنه يسأله ، فقال له سعيد رضي الله عنه : لا تحزن من أجل أنك أسود ، فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان : بلال . ومهجع مولى عمر بن الخطاب . ولقمان الحكيم كان أسود نوبياً ذا مشافر .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان لقمان عليه السلام عبداً أسود .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال : كان لقمان عليه السلام عبداً حبشياً ، غليظ الشفتين ، مصفح القدمين ، قاضياً لبني إسرائيل .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن المنذر عن سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه أن لقمان عليه السلام كان خياطاً .
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال : كان لقمان عليه السلام من أهون مملوكيه على سيده ، وإن أول ما رؤي من حكمته أنه بينما هو مع مولاه إذ دخل المخرج فأطال فيه الجلوس ، فناداه لقمان أن طول الجلوس على الحاجة ينجع منه الكبد ، ويكون منه الباسور ، ويصعد الحر إلى الرأس ، فأجلس هوينا وأخرج ، فخرج فكتب حكمته على باب الحش قال : وسكر مولاه ، فخاطر قوماً على أن يشرب ماء بحيرة ، فلما أفاق عرف ما وقع منه ، فدعا لقمان فقال : لمثل هذا كنت أخبؤك .
فقال : اجمعهم ، فلما اجتمعوا قال : على أي شيء خاطرتموه؟ قالوا : على أن يشرب ماء هذه البحيرة قال : فإن لها مواد فاحبسوا موادها عنها قالوا : كيف نستطيع أن نحبس موادها؟ قال : وكيف يستطيع أن يشربها ولها مواد؟ (8/83)
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولقد آتينا لقمان الحكمة } قال : يعني العقل ، والفهم ، والفطنة . من غير نبوّة .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي مسلم الخولاني رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن لقمان كان عبداً كثير التفكر ، حسن الظن ، كثير الصمت ، أحب الله فأحبه الله تعالى ، فمن عليه بالحكمة ، نودي بالخلافة قبل داود عليه السلام ، فقيل له : يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة تحكم بين الناس بالحق؟ قال لقمان : إن أجبرني ربي عز وجل قبلت ، فإني أعلم أنه إن فعل ذلك أعانني . وعلمني . وعصمني . وإن خيرني ربي قبلت العافية ، ولم أسأل البلاء ، فقالت الملائكة : يا لقمان لم؟! قال : لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها ، يغشاه الظلم من كل مكان ، فيخذل أو يعان ، فإن أصاب فبالحري أن ينجو ، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة ، ومن يكون في الدنيا ذليلاً خير من أن يكون شريفاً شائعاً ، ومن يختار الدنيا على الآخرة فاتته الدنيا ولا يصير إلى ملك الآخرة . فعجبت الملائكة من حسن منطقه ، فنام نومة فغط بالحكمة غطاً فانتبه فتكلم بها ، ثم نودي داود عليه السلام بعده بالخلافة ، فقبلها ولم يشترط شرط لقمان ، فأهوى في الخطيئة ، فصفح عنه وتجاوز . وكان لقمان يؤازره بعلمه وحكمته فقال داود عليه السلام : طوبى لك يا لقمان ، أوتيت الحكمة فصرفت عنك البلية ، وأوتي داود الخلافة فابتلى بالذنب والفتنة » .
وأخرج الفريابي وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ولقد آتينا لقمان الحكمة } قال : العقل ، والفقه ، والاصابة في القول في نبوّه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ولقد آتينا لقمان الحكمة } قال : الفقه في الإِسلام ، ولم يكن نبياً ، ولم يوح إليه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال : خير الله تعالى لقمان بين الحكمة والنبوّة . فاختار الحكمة على النبوّة ، فأتاه جبريل عليه السلام وهو نائم ، فذر عليه الحكمة ، فاصبح ينطق بها فقيل له : كيف اخترت الحكمة على النبوّة ، وقد خيرك ربك؟ فقال : لو أنه أرسل إلي بالنبوّة عزمة لرجوت فيها الفوز منه ، ولكنت أرجو أن أقوم بها ، ولكنه خيرني ، فخفت أن أضعف عن النبوّة ، فكانت الحكمة أحب إلي .
وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه رضي الله تعالى عنه أنه سئل أكان لقمان عليه السلام نبياً؟ قال : لا . لم يلوح إليه ، وكان رجلاً صالحاً . (8/84)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله تعالى عنه قال : كان لقمان عليه السلام نبياً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ليث رضي الله تعالى عنه قال : كانت حكمة لقمان عليه السلام نبوّة .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله تعالى عنه قال : كان لقمان عليه السلام رجلاً صالحاً ولم يكن نبياً .
وأخرج الطبراني والرامهرمزي في الأمثال بسند ضعيف عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن لقمان عليه السلام قال لابنه : يا بني عليك بمجالس العلماء ، واستمع كلام الحكماء ، فإن الله يحيي القلب الميت بنور الحكمة كما تحيا الأرض الميتة بوابل المطر » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه ذكر لقمان الحكيم فقال : ما أوتي ما أوتي عن أهل ولا مال . ولا حسب . ولا خصال . ولكنه كان رجلاً صمصامة سكيتاً ، طويل التفكر ، عميق النظر ، لم ينم نهاراً قط ، ولم يره أحد يبزق ، ولا يتنحنح ، ولا يبول ، ولا يتغوّط ، ولا يغتسل ، ولا يعبث ، ولا يضحك ، كان لا يعيد منطقاً نطقه إلا أن يقول : حكمة يستعيدها إياه ، وكان قد تزوج وولد له أولاد ، فماتوا فلم يبك عليهم ، وكان يغشى السلطان ويأتي الحكماء لينظر ويتفكر ويعتبر . فبذلك أوتي ما أوتي .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت وابن جرير عن عمر بن قيس رضي الله عنه قال : مر رجل بلقمان عليه السلام والناس عنده فقال : ألست عبد بني فلان؟ قال : بلى . قال : ألست الذي كنت ترعى عند جبل كذا وكذا؟ قال : بلى . قال : فما الذي بلغ بك ما أرى؟ قال : تقوى الله ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وطول السكوت عما لا يعنيني .
وأخرج أحمد في الزهد عن محمد بن جحادة رضي الله عنه ، مثله .
وأخرج أحمد والحكيم الترمذي والحاكم في الكني والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن لقمان الحكيم كان يقول : إن الله إذا استودع شيئاً حفظه » .
وأخرج ابن أبي الدنيا في نعت الخائفين عن الفضل الرقاشي قال : ما زال لقمان يعظ ابنه حتى انشقت مرارته فمات .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن حفص بن عمر الكندي قال : وضع لقمان عليه السلام جراباً من خردل إلى جنبه ، وجعل يعظ ابنه موعظة ويخرج خردلة ، فنفذ الخردل فقال : يا بني لقد وعظتك موعظة لو وعظتها جبلاً لتفطر .
فتفطر ابنه . (8/85)
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « قال لقمان لابنه وهو يعظه : يا بني إياك والتقنع فإنها مخوفة بالليل ، ومذلة بالنهار » .
وأخرج العسكري في الأمثال والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس؛ أن لقمان عليه السلام كان عبداً لداود ، وهو يسرد الدرع ، فجعل يفتله هكذا بيده ، فجعل لقمان عليه السلام يتعجب ويريد أن يسأله وتمنعه حكمته أن يسأله ، فلما فرغ منها صبها على نفسه وقال : نعم درع الحرب هذه . فقال لقمان : الصمت من الحكمة وقليل فاعله ، كنت أردت أن أسألك فسكت حتى كفيتني .
وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإِيمان عن عون بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال لقمان لابنه : يا بني ارج الله رجاء لا تأمن فيه مكره ، وخف الله مخافة لا تيأس بها من رحمته ، فقال : يا أبتاه وكيف أستطيع ذلك وإنما لي قلب واحد؟ قال : المؤمن كذا له قلبان . قلب يرجو به . وقلب يخاف به .
وأخرج البيهقي عن سليمان التيمي رضي الله تعالى عنه قال : قال لقمان عليه السلام لابنه : يا بني أكثر من قول : رب اغفر لي ، فإن لله ساعة لا يرد فيها سائل .
وأخرج البيهقي والصابوني في المائتين عن عمر بن سليم رضي الله عنه قال : بلغني أن لقمان عليه السلام قال لابنه : يا بني حملت الحجارة ، والحديد ، والحمل الثقيل ، فلم أحمل شيئاً أثقل من جار السوء ، يا بني إني قد ذقت المر كله فلم أذق شيئاً أمر من الفقر .
وأخرج ابن أبي الدنيا في اليقين عن الحسن رضي الله عنه قال : قال لقمان لابنه : يا بني إن العمل لا يستطاع إلا باليقين ، ومن يضعف يقينه يضعف عمله ، يا بني إذا جاءك الشيطان من قبل الشك والريبة فاغلبه باليقين والنصيحة ، وإذا جاءك من قبل الكسل والسآمة فاغلبه بذكر القبر والقيامة ، وإذا جاءك من قبل الرغبة والرهبة فاخبره أن الدنيا مفارقة متروكة .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن وهب رضي الله تعالى عنه قال : قال لقمان عليه السلام لابنه : يا بني اتخذ تقوى الله تجارة يأتك الربح من غير بضاعة .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الرضا عن سعيد بن المسيب قال : قال لقمان عليه السلام لابنه : يا بني لا ينزلن بك أمر رضيته أو كرهته إلا جعلت في الضمير منك أن ذلك خير لك . قال : أهذه فلا أقدر أعطيكها دون أن أعلم ما قلت كما قلت ، قال : يا بني فإن الله قد بعث نبياً . هلم حتى تأتيه فصدقه . قال : اذهب يا أبت . فخرج على حمار وابنه على حمار ، وتزودا ثم سارا أياماً وليالي حتى تلقتهما مفازة ، فأخذا أهبتهما لها فدخلاها ، فسارا ما شاء الله حتى ظهرا وقد تعالى النهار ، واشتد الحر ، ونفد الماء والزاد ، واستبطآ حماريهما ، فنزلا فجعلا يشتدان على سَوْقِهِما ، فبينما هما كذلك إذ نظر لقمان أمامه فإذا هم بسواد ودخان ، فقال في نفسه : السواد : الشجر .
والدخان : العمران والناس . (8/86)
فبينما هما كذلك يشتدان إذ وطىء ابن لقمان على عظم في الطريق ، فخر مغشياً عليه ، فوثب إليه لقمان عليه السلام ، فضمه إلى صدره واستخرج العظم بأسنانه ، ثم نظر إليه فذرفت عيناه فقال : يا أبت أنت تبكي وأنت تقول : هذا خير لي ، كيف يكون هذا خيراً لي؟ وقد نفد الطعام والماء ، وبقيت أنا وأنت في هذا المكان ، فإن ذهبت وتركتني على حالي ذهبت بهم وغم ما بقيت ، وان أقمت معي متنا جميعاً فقال : يا بني . أما بكائي فرقة الوالدين ، وأما ما قلت كيف يكون هذا خيراً لي؟ فلعل ما صرف عنك أعظم مما ابتليت به ، ولعل ما ابتليت به أيسر مما صرف عنك ، ثم نظر لقمان أمامه فلم يَرَ ذلك الدخان والسواد .
وإذا بشخص أقبل على فرس أبلق عليه ثياب بيض ، وعمامة بيضاء يمسح الهواء مسحاً ، فلم يزل يرمقه بعينه حتى كان منه قريباً فتوارى عنه ، ثم صاح به : أنت لقمان؟ قال : نعم . قال : أنت الحكيم؟ قال : كذلك . فقال : ما قال لك ابنك؟ قال : يا عبد الله من أنت؟! اسمع كلامك ولا أرى وجهك قال : أنا جبريل . أمرني ربي بخسف هذه المدينة ومن فيها ، فاخبرت انكما تريدانها ، فدعوت ربي أن يحبسكما عنها بما شاء ، فحبسكما بما ابتلي به ابنك ، ولولا ذلك لخسف بكما مع من خسفت ، ثم مسح جبريل عليه السلام يده على قدم الغلام فاستوى قائماً ، ومسح يده على الذي كان فيه الطعام فامتلأ طعاماً ، وعلى الذين كان فيه الماء فامتلأ ماء ، ثم حملهما وحماريهما فزجل بهما كما يزجل الطير ، فإذا هما في الدار الذي خرجا بعد أيام وليال .
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن رباح اللخمي؛ أنه لما وعظ لقمان عليه السلام ابنه قال : { إنها إن تك . . . } . أخذ حبة من خردل فأتى بها إلى اليرموك ، فألقاها في عرضه ، ثم مكث ما شاء الله ، ثم ذكر وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن مالك رضي الله عنه قال : بلغني أن لقمان عليه السلام قال لابنه : ليس غنى كصحة ، ولا نعيم كطيب نفس .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال : قال لقمان عليه السلام لابنه : من كذب ذهب ماء وجهه ، ومن ساء خلقه كثر غمه ، ونقل الصخور من مواضعها أيسر من إفهام من لا يفهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والبيهقي عن الحسن رضي الله تعالى عنه أن لقمان قال لابنه : يا بني حملت الجندل .
والحديد . وكل شيء ثقيل . فلم أحمل شيئاً هو أثقل من جار السوء ، وذقت المر فلم أذق شيئاً هو أمر من الفقر ، يا بني لا ترسل رسولك جاهلاً ، فإن لم تجد حكيماً فكن رسول نفسك ، يا بني إياك والكذب ، فإنه شهي كلحم العصفور عما قليل يقلي صاحبه ، يا بني احضر الجنائز ولا تحضر العرس ، فإن الجنائز تذكرك الآخرة والعرس تشهيك الدنيا ، يا بني لا تأكل شبعاً على شبع ، فإنك إن تلقه للكلب خير من أن تأكله ، يا بني لا تكن حلواً فتبلع ، ولا مراً فتلفظ . (8/87)
وأخرج البيهقي عن الحسن رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام قال لابنه : يا بني لا تكونن أعجز من هذا الديك الذي يصوّت بالأسحار ، وأنت نائم على فراشك .
وأخرج عبد الله في زوائده والبيهقي عن عثمان بن زائدة رضي الله تعالى عنه قال : قال لقمان عليه السلام لابنه : يا بني لا تؤخر التوبة ، فإن الموت يأتي بغتة .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن سيار بن الحكم قال : قيل للقمان عليه السلام : ما حكمتك؟ قال : لا أسأل عما قد كفيت ، ولا أتكلف ما لا يعنيني .
وأخرج أحمد في الزهد عن أبي عثمان الجعدي رجل من أهل البصرة قال : قال لقمان عليه السلام لابنه : يا بني لا ترغب في ود الجاهل فيرى أنك ترضى عمله ، ولا تهاون بمقت الحكيم فيزهد فيك .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عكرمة رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام قال : لا تنكح أمة غيرك ، فتورث بنيك حزناً طويلاً .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن محمد بن واسع رضي الله عنه قال : كان لقمان عليه السلام يقول لابنه : يا بني اتق الله ، ولا تر الناس أنك تخشى الله ليكرمك بذلك وقلبك فاجر .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير عن خالد الربعي رضي الله تعالى عنه قال : كان لقمان عبداً حبشياً نجاراً فقال له سيده : اذبح لي شاة . فذبح له شاة فقال له : ائتني بأطيب مضغتين فيها . فأتاه باللسان والقلب فقال : أما كان شيء أطيب من هذين؟ قال : لا . فسكت عنه ما سكت ، ثم قال له : اذبح لي شاة . فذبح له شاة فقال له : ألق أخبثها مضغتين . فرمى باللسان والقلب فقال أمرتك بأن تأتي بأطيبها مضغتين فأتيتني باللسان والقلب ، وأمرتك أن تلقي أخبثها مضغتين فألقيت اللسان والقلب ، فقال : إنه ليس شيء بأطيب منها إذا طابا ، ولا بأخبث منهما إذا خبثا .
وأخرج عبد الله في زوائده عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال : قال لقمان عليه السلام : ألا أن يد الله على أفواه الحكماء .
لا يتكلم أحدهم إلا ما هيأ الله له . (8/88)
وأخرج عبد الله عن سفيان رضي الله عنه قال : قال لقمان عليه السلام لابنه : يا بني ما ندمت على الصمت قط وإن كان الكلام من فضة كان السكوت من ذهب .
وأخرج أحمد عن قتادة رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام قال لابنه : يا بني اعتزل الشر كيما يعتزلك ، فإن الشر للشر خلق .
وأخرج عن هشام بن عروة عن أبيه قال : مكتوب في الحكمة - يعني حكمة لقمان عليه السلام - يا بني إياك والرغب كل الرغب ، فإن الرغب كل الرغب ينفذ القرب من القرب ، ويترك الحلم مثل الرطب ، يا بني إياك وشدة الغضب ، فإن شدة الغضب ممحقة لفؤاد الحكيم .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال : قال لقمان عليه السلام لابنه وهو يعظه : يا بني اختر المجالس على عينك ، فإذا رأيت المجلس يذكر الله عز وجل فيه فاجلس معهم ، فإنك إن تك عالماً ينفعك علمك ، وإن تك غبياً يعلموك ، وان يطلع الله عز وجل إليهم برحمة تصبك معهم ، يا بني لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر فيه الله فإنك إن تك عالماً لا ينفعك علمك ، وإن تك عَيِياً يزيدوك عياً ، وان يطلع الله إليهم بعد ذلك بسخط يصبك معهم ، ويا بني لا يغيظنك امرؤ رحب الذراعين يسفك دماء المؤمنين ، فإن له عند الله قاتلاً لا يموت .
وأخرج عبد الله في زوائده عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال لقمان عليه السلام لابنه : لا يأكل طعامك إلا الأتقياء ، وشاور في أمرك العلماء .
وأخرج أحمد عن هشام بن عروة عن أبيه قال : مكتوب في الحكمة - يعني حكمة لقمان - لتكن كلمتك طيبة ، وليكن وهجك بسيطاً ، تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء وقال : مكتوب في التوراة كما تَرحمون تُرحمون . وقال : مكتوب في الحكمة : كما تَزْرَعُونَ تَحْصِدُون . وقال : مكتوب في الحكمة : أحب خليلك وخليل أبيك .
وأخرج أحمد عن أبي قلابة رضي الله عنه قال : قيل للقمان عليه السلام : أي الناس أصبر؟ قال : صبر لا معه أذى . قيل : فأي الناس أعلم؟ قال : من ازداد من علم الناس إلى علمه . قيل فأي الناس خير؟ قال : الغني . قيل : الغني من المال؟ قال : لا . ولكن الغني إذا التمس عنده خير وجدوا لا أغنى نفسه عن الناس .
وأخرج أحمد عن سفيان رضي الله عنه قال : قيل للقمان عليه السلام : أي الناس شر؟ قال : الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئاً .
وأخرج أحمد عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال : وجدت في بعض الحكمة . يبرد الله عظام الذين يتكلمون باهواء الناس ، ووجدت في الحكمة : لا خير لك في أن تتعلم ما لم تعلم إذا لم تعمل بما قد علمت ، فإن مثل ذلك رجل احتطب حطباً فحمل حزمة ، فذهب يحملها ، فعجز عنها فضم إليها أخرى .
وأخرج أحمد عن محمد بن جحادة رضي الله عنه قال : قال لقمان عليه السلام : يأتي على الناس زمان لا تقر فيه عين حكيم . (8/89)
وأخرج أحمد عن سفيان رضي الله عنه عمن أخبره أن لقمان عليه السلام قال لابنه : أي بني إن الدنيا بحر عميق ، وقد غرق فيها ناس كثير ، فاجعل سفينتك فيها تقوى الله ، وحشوها الإِيمان بالله ، وشراعها التوكل على الله ، لعلك أن تنجو ، ولا أراك ناجياً .
وأخرج عبد الله في زوائده عن عوف بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال لقمان لابنه : يا بني إني حملت الجندل والحديد فلم أحمل شيئاً أثقل من جار السوء ، وذقت المرارة كلها فلم أذق أشد من الفقر .
وأخرج أحمد عن شرحبيل بن مسلم رضي الله عنه أن لقمان قال : أقصر من اللجاجة ، ولا أنطق فيما لا يعنيني ، ولا أكون مضحاكاً من غير عجب ، ولا مشاء إلى غير أرب .
وأخرج أحمد عن أبي الجلد رضي الله عنه قال : قرأت في الحكمة : من كان له من نفسه واعظاً كان له من الله حافظاً ، ومن أنصف الناس من نفسه زاده الله بذلك عزاً ، والذل في طاعة الله أقرب من التعزز بالمعصية .
وأخرج أحمد عن عبد الله بن دينار رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام قال لابنه : يا بني انزل نفسك منزلة من لا حاجة له بك ، و لا بد لك منه ، يا بني كن كمن لا يبتغي محمدة الناس ولا يكسب ذمهم ، فنفسه منه في عناء والناس منه في راحة .
وأخرج أحمد عن ابن أبي يحيى رضي الله تعالى عنه قال : قال لقمان لابنه : أي بني أن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك .
وأخرج أحمد عن معاوية بن قرة قال : قال لقمان عليه السلام لابنه : يا بني جالس الصالحين من عباد الله فإنك تصيب بمجالستهم خيراً ، ولعله أن يكون آخر ذلك تنزل عليهم الرحمة فتصيبك معهم ، يا بني لا تجالس الأشرار فإنك لا يصبك من مجالستهم خير ، ولعله أن يكون في آخر ذلك أن تنزل عليهم عقوبة فتصيبك معهم .
وأخرج أحمد عن ابن أبي نجيح رضي الله عنه قال : قال لقمان عليه السلام : الصمت حكم وقليل فاعله فقال طاوس رضي الله عنه : أي أبا نجيح من قال واتقى الله خير ممن صمت واتقى الله .
وأخرج أحمد عن عون رضي الله عنه قال : قال لقمان عليه السلام لابنه : يا بني إذا انتهيت إلى نادي قوم فارمهم بسهم الإِسلام ، ثم اجلس في ناحيتهم ، فإن أفاضوا في ذكر الله فاجلس معهم ، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم .
وأخرج عبد الله في زوائده عن عبد الله بن دينار رضي الله تعالى عنه : إن لقمان قدم من سفر فلقيه غلام في الطريق فقال : ما فعل أبي؟ قال : مات . قال : الحمد لله ملكت أمري قال : ما فعلت أمي؟ قال : ماتت . قال : ذهب همي قال : ما فعلت امرأتي؟ قال : ماتت قال : جدد فراشي قال : ما فعلت أختي؟ قال : ماتت قال : سترت عورتي قال : ما فعل أخي؟ قال : مات قال : انقطع ظهري . (8/90)
وأخرج عبد الله في زوائده عن عبد الوهاب بن بخت المكي رضي الله تعالى عنه قال : قال لقمان عليه السلام لابنه : يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك ، فإن الله ليحيي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء .
وأخرج عن عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه قال : قال لقمان عليه السلام لابنه : يا بني امتنع مما يخرج من فيك فإنك ما سكت سالم ، وإنما ينبغي لك من القول ما ينفعك .
وأخرج أحمد عن محمد بن واسع رضي الله عنه قال : قال لقمان عليه السلام لابنه : يا بني لا تتعلم ما لا تعلم حتى تعمل بما تعلم .
وأخرج أحمد عن بكر المزني رضي الله عنه قال : قال لقمان عليه السلام : ضرب الوالد لولده كالماء للزرع .
وأخرج القالي في أماليه عن العتبي قال : بلغني أن لقمان عليه السلام كان يقول : ثلاثة لا يعرفون إلا ثلاثة مواطن : الحليم عند الغضب . والشجاع عند الحرب . وأخوك عند حاجتك إليه .
وأخرج وكيع في الغرر عن الحنظلي رضي الله عنه قال : قال لقمان لابنه : يا بني إذا أردت أن تؤاخي رجلاً فاغضبه قبل ذلك ، فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره .
وأخرج الدارقطني عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال : بلغني أن لقمان عليه السلام قال لابنه : يا بني إنك منذ نزلت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الأخرى ، فَدَارٌ أنت إليها تسير أقرب من دار أنت عنها تُبَاعِد .
وأخرج ابن المبارك عن ابن أبي مليكة رضي الله عنه أن لقمان عليه السلام كان يقول : اللهم لا تجعل أصحابي الغافلين ، إذا ذكرتك لم يعينوني ، وإذا نسيتك لم يذكروني ، وإذا أمرت لم يطيعوني ، وإن صمت أحزنوني .
وأخرج الحكيم الترمذي عن معتمر عن أبيه أن لقمان عليه السلام قال لابنه : يا بني عود لسانك أن يقول : اللهم اغفر لي . فإن لله ساعة لا يرد فيها الدعاء .
وأخرج الخطيب عن الحسن رضي الله تعالى عنه قال : قال لقمان عليه السلام لابنه : يا بني إياك والدَيْن فإنه ذُلُّ النهارِ هَمُّ الليلِ .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال : قال لقمان لابنه : يا بني ارج الله رجاء لا يجرئك على معصيته ، وخف الله خوفاً لا يؤيسك من رحمته .
وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه قال : قال لقمان عليه السلام : إذا جاءك الرجل وقد سقطت عيناه فلا تقض له حتى يأتي خصمه قال : يقول لعله أن يأتي وقد نزع أربعة أعين .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن الحسن رضي الله عنه قال : قال الله عز وجل « يا ابن آدم خلقتك وتعبد غيري ، وتدعو إلي وتفر مني ، وتذكرني وتنساني هذا أظلم ظلم في الأرض » ثم يتلو الحسن { إن الشرك لظلم عظيم } .
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)
أخرج أبو يعلى والطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن أبي عثمان النهدي قال : إن سعد بن أبي وقاص قال : نزلت هذه الآية { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً } كنت رجلاً براً بأمي ، فلما أسلمت قالت : يا سعد وما هذا الذي أراك قد أحدَثْتَ؟ لتَدَعَنَّ دينَك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فَتُعَيَّرَ بي ، فيُقال يا قاتل أمه قلت : يا أمه لا تفعلي فإني لا أدع ديني هذا لشيء ، فمكثت يوماً وليلة لا تأكل ، فاصبحت قد جهدت ، فمكثت يوماً آخر وليلة وقد اشتد جهدها ، فلما رأيت ذلك قلت : يا أمه تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني هذا لشيء ، فإن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي ، فلما رأت ذلك أكلت . فنزلت هذه الآية . (8/91)
وأخرج ابن عساكر عن سعد قال : نزلت فيَّ أربع آيات : الأنفال { وصاحبهما في الدنيا معروفاً } والوصية والخمر .
وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال : نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه { وإن جاهداك على أن تشرك بي . . . } .
وأخرج ابن سعد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال : جئت من الرمي فإذا الناس مجتمعون على أمي حمنة بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس ، وعلى أخي عامر حين أسلم فقلت : ما شأن الناس! فقالوا : هذه أمك قد أخذت أخاك عامراً تعطي الله عهداً : أن لا يظلها ظل ، ولا تأكل طعاماً ، ولا تشرب شراباً حتى يدع الصباوة . فأقبل سعد رضي الله عنه حتى تخلص إليها فقال : علي يا أمه فاحلفي قالت : لم؟ قال : أن لا تستظلي في ظل ، ولا تأكلي طعاماً ، ولا تشربي شراباً ، حتى تريْ مقعدك من النار : فقالت : إنما أحلف على ابني البر . فأنزل الله { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً } إلى آخر الآية .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وهناً على وهن } قال : شدة بعد شدة ، وخلقاً بعد خلق .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني في قوله { وهناً على وهن } قال : ضعفاً على ضعف .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وهناً على وهن } قال : مشقة وهو الولد .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وهناً على وهن } قال : الولد على وهن؟ قال : الوالدة وضعفها .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله تعالى عنه في قوله { وصاحبهما في الدنيا معروفاً } قال : تعودهما إذا مرضا ، وتتبعهما إذا ماتا ، وتواسيهما مما أعطاك الله { واتبع سبيل من أناب إليَّ } .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { واتبع سبيل من أناب إليَّ } قال : محمد صلى الله عليه وسلم . (8/92)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { إنها إن تك مثقال حبة من خردل } قال : من خير أو شر { فتكن في صخرة } قال : في جبل .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الأرض على نون ، والنون على بحر ، والبحر على صخرة خضراء ، فخضرة الماء من تلك الصخرة قال : والصخرة على قرن ثور ، وذلك الثور على الثرى ، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله . فذلك قوله : { الله له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى } [ طه : 6 ] فجميع ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى في حرم الرحمن ، فإذا كان يوم القيامة لم يبق شيء من خلقه ، قال : { لمن الملك اليوم } فيهتز ما في السموات والأرض فيجيب هو نفسه فيقول : { لله الواحد القهار } .
وأخرج الفريابي وابن جرير عن أبي مالك رضي الله عنه { يأت بها الله } قال : يعلمها الله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { إن الله لطيف } قال : باستخراجها . قال : بمستقرها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { وأمر بالمعروف } يعني بالتوحيد { وانه عن المنكر } يعني عن الشرك { واصبر على ما أصابك } في أمرهما يقول : إذا أمرت بمعروف أو نهيت عن منكر ، وأصابك في ذلك أذى وشدة ، فاصبر عليه { إن ذلك } يعني هذا الصبر على الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر { من عزم الأمور } يعني من حق الأمور التي أمر الله تعالى .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله { واصبر على ما أصابك } من الأذى في ذلك { إن ذلك من عزم الأمور } يقول : مما عزم الله عليه من الأمور ، ومما أمر الله به من الأمور .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر والخطيب في تالي التلخيص عن أبي جعفر الخطمي رضي الله عنه أن جده عمير بن حبيب وكانت له صحبة أوصى بنيه قال : يا بني إياكم ومجالسة السفهاء فإن مجالستهم داء ، إنه من يحلم عن السفيه يسر بحلمه ، ومن يحبه يندم ، ومن لا يقر بقليل ما يأتي به السفيه يقر بالكثير ، ومن يصبر على ما يكره يدرك ما يحب ، وإذا أراد أحدكم أن يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر فليوطن نفسه على الصبر على الأذى ، وليثق بالثواب من الله ، ومن يثق بالثواب من الله لا يجد مس الأذى .
وأخرج الطبراني وابن عدي وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله { ولا تصعر خدك للناس } قال : ليّ الشدق » . (8/93)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولا تصعر خدك للناس } يقول : لا تتكبر . فتحقر عباد الله ، وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولا تصعر خدك للناس } قال : هو الذي إذا سلم عليه لوى عنقه كالمستكبر .
وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ولا تصعر خدك للناس } قال : الصدود والإِعراض بالوجه عن الناس .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { ولا تصعر خدك للناس } يقول : لا تعرض وجهك عن فقراء الناس تكبراً .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله { ولا تصعر خدك للناس } قال : ليكن الفقير والغني عندك في العلم سواء ، وقد عوتب النبي صلى الله عليه وسلم { عبس وتولى } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { واقصد في مشيك } قال : تواضع .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن يزيد بن أبي حبيب رضي الله عنه في قوله { واقصد في مشيك } قال : يعني السرعة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { واقصد في مشيك } يقول : لا تختال : { واغضض من صوتك } قال : اخفض من صوتك عن الملأ { إن أنكر الأصوات } قال : أقبح الأصوات { لصوت الحمير } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { واقصد في مشيك } قال : نهاه عن الخيلاء { واغضض من صوتك } قال : أمره بالاقتصاد في صوته { إن أنكر الأصوات } قال : أقبح الأصوات { لصوت الحمير } قال : أوّله زفير وآخره شهيق .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } قال : أنكرها على السمع .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري رضي الله عنه قال : صياح كل شيء تسبيحه إلا الحمار .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه قال : لو كان رفع الصوت خيراً ما جعله الله للحمير .
أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (22) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26)
أخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عطاء رضي الله عنه قال : « سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة } قال : هذه من كنوز علي قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أما الظاهرة؛ فما سوى من خلقك ، وأما الباطنة؛ فما ستر من عورتك ، ولو أبداها لقلاك أهلك فمن سواهم » . (8/94)
وأخرج ابن مردويه والبيهقي والديلمي وابن النجار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة } قال : « أما الظاهرة؛ فالإِسلام وما سوى من خلقك ، وما أسبغ عليك من رزقه ، وأما الباطنة؛ فما ستر من مساوىء عملك ، يا ابن عباس إن الله تعالى يقول : ثلاث جعلتهن للمؤمن : صلاة المؤمنين عليه من بعده . وجعلت له ثلث ماله أكفر عنه من خطاياه . وسترت عليه من مساوىء عمله ، فلم أفضحه بشيء منها ، ولو أبديتها لنبذه أهله فمن سواهم » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة } قال : النعمة الظاهرة : الإِسلام . والنعمة الباطنة : كل ما ستر عليكم من الذنوب والعيوب والحدود .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة } قال : هي لا إله إلا الله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأها { وأسبغ عليكم نعمه } قال : لو كانت نعمة كانت نعمة دون نعمة .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وأسبغ عليكم نعمه } قال : لا إله إلا الله ظاهرة قال : على اللسان { وباطنة } قال : في القلب .
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن مقاتل رضي الله عنه في قوله { نعمه ظاهرة } قال : الإِسلام { وباطنة } قال : ستره عليكم المعاصي .
وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة } قال : أما الظاهرة : فالإِسلام . والقرآن ، وأما الباطنة : فما ستر من العيوب .
وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)
أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما « أن أحبار يهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة : يا محمد أرأيت قولك { وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً } ايانا تريد أم قومك؟ فقال : كلا . . . فقالوا : ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء؟ فقال : إنها في علم الله قليل . فأنزل الله في ذلك { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام . . . } » . (8/95)
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال « اجتمعت اليهود في بيت فارسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن ائتنا . فجاء فدخل عليهم فسألوه عن الرجم فقال : أخبروني بأعلمكم . فأشاروا إلى ابن صوريا الأعور قال : أنت أعلمهم قال : إنهم يزعمون ذاك قال : فنشدتك بالمواثيق التي أخذت عليكم ، وبالتوراة التي أنزلت على موسى . ما تجدون في التوراة؟ قال : لولا أنك نشدتني بما نشدتني به ما أخبرتك ، أجد فيها الرجم قال : فقضى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : صدقت يا محمد عندنا التوراة فيها حكم الله ، فكانوا قبل ذلك لا يظفرون من النبي صلى الله عليه وسلم بشيء قال : فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم { وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً } [ الإسراء : 85 ] .
فاجتمعوا في ذلك البيت فقال رئيسهم : يا معشر اليهود لقد ظفرتم بمحمد فأرسلوا إليه . فجاء فدخل عليهم فقالوا : يا محمد ألست أنت أخبرتنا أنه أنزل عليك { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله } ثم تخبرنا أنه أنزل عليك { وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً } فهذا مختلف . فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم قليلاً ولا كثيراً قال : ونزل على النبي صلى الله عليه وسلم { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام } وجميع خلق الله كتاب ، وهذا البحر يمد فيه سبعة أبحر مثله ، فمات هؤلاء الكتاب كلهم ، وكسرت هذه الأقلام كلها ، ويبست هذه البحور الثمانية ، وكلام الله كما هو لا ينقص ، ولكنكم أوتيتم التوراة فيها شيء من حكم الله ، وذلك في حكم الله قليل . فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم فأتوه فقرأ عليهم هذه الآية قال : » فرجعوا مخصومين بشر « » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول . فقال رجل : يا محمد تزعم أنك أوتيت الحكمة ، وأوتيت القرآن ، وأوتينا التوراة ، فأنزل الله { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله } وفيه يقول : علم الله أكثر من ذلك { وما أوتيتم من العلم } فهو كثير لكم لقولكم قليل عندي » .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه قال : سأل أهل الكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح . فأنزل الله { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً } فقالوا : تزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلاً ، وقد أوتينا التوراة : وهي الحكمة { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً } فنزلت { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام } . (8/96)
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وأبو نصر السجزي في الابانة عن قتادة رضي الله عنه قال : قال المشركون : إنما هذا كلام يوشك أن ينفد فنزلت { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام } يقول : لو كان شجر الأرض أقلاماً ، ومع البحر سبعة أبحر مداد لتكسرت الأقلام ، ونفد ماء البحور ، قبل أن تنفد عجائب ربي ، وحكمته وعلمه .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه قال : قال حيي بن أخطب : يا محمد تزعم أنك أوتيت الحكمة { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً } وتزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلاً ، فكيف يجتمع هاتان؟ فنزلت هذه الآية { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام } ونزلت التي في الكهف { قل لو كان البحر مداداًَ لكلمات ربي . . . } .
وأخرج عبد الرزاق وأبو نصر السجزي في الإِبانة عن أبي الجوزاء رضي الله عنه في قوله { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام } يقول : لو كان كل شجرة في الأرض أقلاماً ، والبحار مداداً ، لنفد الماء ، وتكسرت الأقلام ، قبل أن تنفد كلمات ربي .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ « والبحر يمده » رفع .
مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آَيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (32) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33)
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } قال : يقول له كن فيكون . القليل والكثير . (8/97)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله تعالى عنه في قوله { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } يقول : إنما خلق الله الناس كلهم وبعثهم كخلق نفس واحدة وبعثها . وفي قوله { ألم تر أن الله يولج الليل في النهار } قال : نقصان الليل زيادة النهار { ويولج النهار في الليل } نقصان النهار زيادة في الليل { كل يجري إلى أجل مسمى } لذلك كله وقت واحد معلوم ، لا يعدوه ولا يقصر دونه . وفي قوله { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } قال : إن أحب عباد الله إليه الصبار الشكور ، الذي إذا أعطي شكر ، وإذا ابتلي صبر . وفي قوله { وإذا غشيهم موج كالظلل } قال : كالسحاب وفي قوله { وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور } قال : غدار بذمته ، كفور بربه .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فمنهم مقتصد } قال : في القول وهو كافر { وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار } قال : غدار { كفور } قال : كافر .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ختار } قال : جحاد .
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله { كل ختار كفور } قال : الجبار . الغدار . الظلوم . الغشوم . { الكفور } الذي يغطي النعمة قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول الشاعر وهو يقول :
لقد علمت واستيقنت ذات نفسها ... بأن لا تخاف الدهر صرمي ولا ختري
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله { كل ختار } قال : الذي يغدر بعهده { كفور } قال : بربه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولا يغرنكم بالله الغرور } قال : هو الشيطان .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه { ولا يغرنكم بالله الغرور } قال : الشيطان .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { ولا يغرنكم بالله الغرور } قال : الشيطان .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه { ولا يغرنكم بالله الغرور } قال : أن تعمل بالمعصية وتتمنى المغفرة .
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)
أخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال « جاء رجل من أهل البادية فقال : إن امرأتي حبلى ، فاخبرني ما تلد؟ وبلادنا مجدبة ، فأخبرني متى ينزل الغيث؟ وقد علمت متى ولدت ، فأخبرني متى أموت؟ فأنزل الله { إن الله عنده علم الساعة . . . } الآية » . (8/98)
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه « أن رجلاً يقال له : الوراث . من بني مازن بن حفصة بن قيس غيلان . جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد متى قيام الساعة؟ وقد أجدبت بلادنا ، فمتى تخصب؟ وقد تركت امرأتي حبلى ، فمتى تلد؟ وقد علمت ما كسبت اليوم ، فماذا أكسب غداً؟ وقد علمت بأي أرض ولدت ، فبأي أرض أموت ، فنزلت هذه الآية » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله تعالى عنه في قوله { إن الله عنده علم الساعة . . . } قال : خمس من الغيب استأثر بهن الله فلم يطلع عليهن ملكاً مقرباً ، ولا نبياً مرسلاً { إن الله عنده علم الساعة } فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة ، في أي سنة ولا في أي شهر ، أليلاً أم نهاراً { وينزل الغيث } فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث ، أليلاً أم نهاراً { ويعلم ما في الأرحام } فلا يعلم أحد ما في الأرحام أذكر أم أنثى ، أحمر أو أسود { وما تدري نفس ماذا تكسب غداً } أخيراً أم شراً { وما تدري نفس بأي أرض تموت } ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض ، أفي بحر أم بر ، في سهل أم في جبل .
وأخرج الفريابي والبخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله . لا يعلم ما في غد إلا الله . ولا متى تقوم الساعة إلا الله . ولا يعلم ما في الأرحام إلا الله . ولا متى ينزل الغيث إلا الله . وما تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال « يا رسول الله متى الساعة؟ قال : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ، ولكن سأحدثكم بأشراطها : إذا ولدت الأمة ربتها فذاك من أشراطها ، وإذا كانت الحفاة العراة رؤوس الناس فذاك من أشراطها ، وإذا تطاول رعاء الغنم في البنيان فذاك من أشراطها ، في خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله ، ثم تلا { إن الله عنده علم الساعة ، وينزل الغيث . . . } إلى آخر الآية » .
وأخرج أحمد والبزار وابن مردويه والروياني والضياء بسند صحيح عن بريدة رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
« خمس لا يعلمهن إلا الله { إن الله عنده علم الساعة . . . } الآية » . (8/99)
وأخرج ابن جرير من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، مثله .
وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه « أن أعرابياً وقف على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر على ناقة له عشراء فقال : يا محمد ما في بطن ناقتي هذه؟ فقال : له رجل من الأنصار : دع عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهلم إلي حتى أخبرك : وقعت أنت عليها وفي بطنها ولد منك؟ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : إن الله يحب كل حي كريم متكره ، ويبغض كل لئيم متفحش ، ثم أقبل على الأعرابي فقال : خمس لا يعلمهن إلا الله { إن الله عنده علم الساعة . . . } » .
وأخرج ابن مردويه عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة حمراء إذ جاء رجل على فرس فقال : من أنت؟ قال « أنا رسول الله قال : متى الساعة؟ قال : غيب ، وما يعلم الغيب إلا الله قال : ما في بطن فرسي؟ قال : غيب ، وما يعلم الغيب إلا الله قال : فمتى تمطر؟ قال : غيب وما يعلم الغيب إلا الله » .
وأخرج أحمد والطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس { إن الله عنده علم الساعة . . . } » .
وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم مفاتيح كل شيء غير الخمس { إن الله عنده علم الساعة . . . } .
وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال « لم يعم على نبيكم صلى الله عليه وسلم إلا الخمس من سرائر الغيب هذه الآية . في آخر لقمان إلى آخر السورة » .
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبخاري في الأدب عن ربعي بن حراش رضي الله عنه قال : حدثني رجل من بني عامر أنه قال : يا رسول الله هل بقي من العلم شيء لا تعلمه فقال : « لقد علمني الله خيراً ، وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله . الخمس { إن الله عنده علم الساعة . . . } » .
وأخرج ابن ماجة عن الربيع بنت معوذ رضي الله تعالى عنها قالت : « دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة عرسي وعندي جاريتان تغنيان وتقولان : وفينا نبي يعلم ما في غد . فقال : » أما هذا فلا تقولوه ، لا يعلم ما في غد إلا الله « » .
وأخرج الطيالسي وأحمد وابن أبي حاتم وابن مردوية والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي غرة الهذلي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة ، فلم ينته حتى يقدمها ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { وما تدري نفس بأي أرض تموت } » . (8/100)
وأخرج الترمذي وحسنه وابن مردويه عن مطر بن عكامس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا قضى الله لرجل أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة » .
وأخرج أحمد عن عامر أو أبي عامر أو أبي مالك « أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في مجلس فيه أصحابه ، جاءه جبريل عليه السلام في غير صورته ، فحسبه رجلاً من المسلمين ، فسلم فرد عليه السلام ، ثم وضع يده على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم وقال له : يا رسول الله ما الإِسلام؟ قال : أن تسلم وجهك لله ، وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة قال : فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال : نعم . قال : ما الإِيمان؟ قال : أن تؤمن بالله ، واليوم الآخر ، والملائكة ، والكتاب ، والنبيين ، والموت ، والحياة بعد الموت ، والجنة والنار ، والحساب والميزان ، والقدر خيره وشره . قال : فإذا فعلت ذلك فقد آمنت قال : نعم . ثم قال : ما الإِحسان؟ قال : أن تعبد الله كأنك تراه فإن كنت لا تراه فهو يراك قال : فإذا فعلت ذلك فقد أحسنت؟ قال : نعم . قال : فمتى الساعة يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبحان الله . . . ! خمس لا يعلمها إلا الله { إن الله عنده علم الساعة . وينزل الغيث . ويعلم ما في الأرحام . وما تدري نفس ماذا تكسب غداً . وما تدري نفس بأي أرض تموت . إن الله عليم خبير } » .
الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4)
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله تعالى عنه في قوله { لتنذر قوماً } قال : قريش { ما أتاهم من نذير من قبلك } قال : لم يأتهم ولا آباءهم ، لم يأت العرب رسول من الله عز وجل . (8/101)
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6)
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { يدبر الأمر } قال : ينحدر الأمر { من السماء إلى الأرض } ويصعد من الأرض إلى السماء في يوم واحد مقداره ألف سنة ، في السير خمسمائة حين ينزل ، وخمسمائة حين يعرج . (8/102)
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله تعالى عنه في قوله { يدبر الأمر } الآية . قال : ينزل الأمر من السماء الدنيا إلى الأرض العليا ، ثم يعرج إلى مقدار يوم لو ساره الناس ذاهبين وجائين لساروا ألف سنة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { يدبر الأمر } قال : هذا في الدنيا . تعرج الملائكة في يوم مقداره ألف سنة .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله { يدبر الأمر . . . } الآية . قال : تعرج الملائكة وتهبط في يوم مقداره ألف سنة .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { يدبر الأمر من السماء إلى الأرض . ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة } قال : من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه عن عبد الله بن أبي مليكة رضي الله تعالى عنه قال : دخلت على ابن عباس أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال فيروز : يا أبا عباس قوله { يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة } فكأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اتهمه فقال : ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ فقال : إنما سألتك لتخبرني فقال ابن عباس رضي الله عنهما : هما يومان ذكرهما الله في كتابه ، الله أعلم بهما ، وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم ، فضرب الدهر من ضرباته حتى جلست إلى ابن المسيب رضي الله عنه ، فسأله عنها انسان ، فلم يخبر ، ولم يدر فقلت : ألا أخبرك بما أحضرت من ابن عباس؟ قال : بلى . فأخبرته فقال للسائل : هذا ابن عباس رضي الله عنهما أبى أن يقول فيها وهو أعلم مني .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { كان مقداره ألف سنة } قال : لا ينتصف النهار في مقدار يوم من أيام الدنيا في ذلك اليوم حتى يقضي بين العباد ، فينزل أهل الجنةِ الجنةَ ، وأهلُ النارِ النارَ ، ولو كان إلى غيره لم يفرغ من ذلك خمسين ألف سنة .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله تعالى عنه { في يوم كان مقداره ألف سنة } يعني بذلك نزول الأمر من السماء إلى الأرض ، ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد ، وذلك مقدار ألف سنة ، لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله تعالى عنه في الآية يقول : مقدار مسيرة في ذلك اليوم { ألف سنة مما تعدون } ومن أيامكم من أيام الدنيا بخمسمائة نزوله وخمسمائة صعوده ، فذلك ألف سنة . (8/103)
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما { ثم يعرج إليه في يوم } من أيامكم هذه ، ومسيرة ما بين السماء والأرض خمسمائة عام .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه { ألف سنة مما تعدون } قال : من أيام الدنيا . والله أعلم .
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (9) وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10)
أخرج ابن أبي شيبة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقرأها { الذي أحسن كل شيء خلقه } قال : أما رأيت القردة ليست بحسنة ولكنه أحكم خلقها . (8/104)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم « في قوله { أحسن كل شيء خلقه } قال : اما إن آست القردة ليست بحسنة ولكنه أحكم خلقها » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { أحسن كل شيء خلقه } قال : صورته .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { أحسن كل شيء خلقه } فجعل الكلب في خلقه حسناً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أحسن كل شيء خلقه } قال : أحسن بخلق كل شيء القبيح والحسن ، والحيات والعقارب ، وكل شيء مما خلق ، وغيره لا يحسن شيئاً من ذلك .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { أحسن كل شيء خلقه } قال : اتقن . لم يركب الإِنسان في صورة الحمار ، ولا الحمار في صورة الإِنسان .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة قد أسبل ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بناحية ثوبه فقال : يا رسول الله إني أخمش الساقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يا عمرو بن زرارة إن الله أحسن كل شيء خلقه ، يا عمرو بن زرارة إن الله لا يحب المسبلين » .
وأخرج أحمد والطبراني عن الشريد بن سويد رضي الله عنه قال « أبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً قد أسبل ازاره فقال له : ارفع ازارك فقال : يا رسول الله إني أحنف : تصطك ركبتاي قال : ارفع ازارك كل خلق الله حسن » .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وبدأ خلق الإِنسان من طين } قال : آدم { ثم جعل نسله } قال : ولده { من سلالة } من بني آدم { من ماء مهين } قال : ضعيف نطفة الرجل .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { جعل نسله } قال : ذريته { من سلالة } هي الماء { ثم سواه } يعني ذريته .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { من سلالة } قال : ماء يسل من الإِنسان { من ماء مهين } قال : ضعيف .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله تعالى عنه في قوله { أئذا ضللنا } قال : هلكنا .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول { أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد } كيف نعاد ونرجع كما كنا؟ وأخبرت أن الذي قال { أئذا ضللنا } أبيُّ بن خلف .
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11)
أخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن نفسين اتفق موتهما في طرفة عين . واحد في المشرق ، وواحد في المغرب . كيف قدره ملك الموت عليهما . قال : ما قدرة ملك الموت على أهل المشارق والمغارب والظلمات والهواء والبحور إلا كرجل بين يديه مائدة يتناول من أيها شاء . (8/105)
وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد رضي الله عنه قال : « قيل يا رسول الله ملك الموت واحد ، والزحفان يلتقيان من المشرق والمغرب وما بينهما من السقط والهلاك! فقال : إن الله حوى الدنيا لملك الموت حتى جعلها كالطست بين يدي أحدكم ، فهل يفوته منها شيء؟ » .
وأخرج ابن جرير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنه قال : ملك الموت الذي يتوفى الأنفس كلها ، وقد سلط على ما في الأرض كما سلط أحدكم على ما في راحته ، معه ملائكة من ملائكة الرحمة ، وملائكة من ملائكة العذاب ، فإذا توفى نفساً طيبة دفعها إلى ملائكة الرحمة ، وإذا توفي خبيثة دفعها إلى ملائكة العذاب .
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما قالا : لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً ، سأل ملك الموت ربه أن يأذن له ، فيبشر إبراهيم عليه السلام بذلك فأذن له فأتاه فقال له إبراهيم عليه السلام : يا ملك الموت أرني كيف تقبض أنفاس الكفار؟ قال : يا إبراهيم لا تطيق ذلك قال : بلى . قال : فاعرض إبرهيم ، ثم نظر إليه فإذا برجل أسود ينال رأسه السماء ، يخرج من فيه لهب النار ، ليس من شعرة في جسده إلا في صورة رجل يخرج من فيه ومسامعه لهب النار ، فغشي على إبراهيم عليه السلام ، ثم أفاق وقد تحوّل ملك الموت في الصورة الأولى فقال : يا ملك الموت لو لم يلق الكافر من البلاء والحزن إلا صورتك لكفاه ، فأرني كيف تقبض أرواح المؤمنين؟ قال : أعرض . فأعرض ، ثم التفت فإذا هو برجل شاب أحسن وجهاً وأطيبه ، في ثياب بيض فقال : يا ملك الموت لو لم ير المؤمن عند موته من قرة العين والكرامة إلا صورتك هذه لكان يكفيه .
وأخرج الطبراني وأبو نعيم وابن منده كلاهما في الصحابة عن الخزرج سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ونظر إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال : يا ملك الموت أرفق بصاحبي فإنه مؤمن فقال ملك الموت عليه السلام : طب نفساً ، وقر عيناً ، واعلم بأني بكل مؤمن رفيق ، واعلم يا محمد إني لأقبض روح ابن آدم ، فإذا صرخ صارخ قمت في الدار ومعي روحه فقلت : ما هذا الصارخ! والله ما ظلمناه ، ولا سبقنا أجله ، ولا استعجلنا قدره ، وما لنا في قبضه من ذنب ، فإن ترضوا بما صنع الله تؤجروا ، وأن تسخطوا تأثموا وتؤزروا ، وإن لنا عندكم عودة بعد عودة ، فالحذر فالحذر ، وما من أهل بيت شعر ، ولا مدر بر ، ولا فاجر سهل ولا جبل إلا أنا أتصفحهم في كل يوم وليلة حتى أنا لاعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم ، والله لو أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو يأذن بقبضها » .
وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ في العظمة عن أشعث بن شعيب رضي الله عنه قال : سأل إبراهيم عليه السلام ملك الموت واسمه عزرائيل وله عينان في وجهه ، وعين في قفاه فقال : يا ملك الموت ما تصنع إذا كانت نفس بالمشرق ونفس بالمغرب ، ووضع الوباء بأرض ، والتقى الزحفان كيف تصنع؟ قال أدعو الأرواح بإذن الله فتكون بين أصبعي هاتين . (8/106)
وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ وأبو نعيم في الحيلة عن شهر بن حوشب رضي الله تعالى عنه قال : ملك الموت جالس والدنيا بين ركبتيه ، واللوح الذي فيه آجال بني آدم بين يديه ، وبين يديه ملائكة قيام ، وهو يعرض اللوح لا يطرف ، فإذا أتى على أجل عبد قال : اقبضوا هذا .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن خيثمة رضي الله تعالى عنه قال : اتى ملك الموت عليه السلام سليمان بن داود عليه السلام وكان له صديقاً فقال له سليمان عليه السلام : ما لك تأتي أهل البيت فتقبضهم جميعاً ، وتدع أهل البيت إلى جنبهم لا تقبض منهم أحد؟ قال : لا أعلم بما أقبض منها إثما أكون تحت العرش ، فيلقى إليّ صكاك فيها أسماء .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن جريج رضي الله عنه قال : بلغنا أنه يقال لملك الموت اقبض فلاناً في وقت كذا في يوم كذا .
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد في الزهد وأبو الشيخ عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال : ما من أهل بيت الا يتصفحهم ملك الموت عليه السلام في كل يوم خمس مرات هل منهم أحد أمر بقبضه؟
وأخرج جويبر عن الضحاك رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : وكل ملك الموت عليه السلام بقبض أرواح الآدميين فهو الذي يلي قبض أرواحهم ، وملك في الجن ، وملك في الشياطين ، وملك في الطير والوحش والسباع والحيتان والنمل ، فهم أربعة أملاك ، والملائكة عليهم السلام يموتون في الصعقة الأولى ، وإن ملك الموت يلي قبض أرواحهم ثم يموت . فأما الشهداء في البحر فإن الله يلي قبض أرواحهم لا يكل ذلك إلى ملك الموت لكرامتهم عليه .
وأخرج ابن ماجة عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
« إن الله وكل ملك الموت عليه السلام بقبض الأرواح إلا شهداء البحر ، فإنه يتولى قبض أرواحهم » . (8/107)
وأخرج ابن أبي الدنيا والمروزي في الجنائز وأبو الشيخ عن أبي الشعثاء جابر بن زيد رضي الله عنه ، أن ملك الموت كان يقبض الأرواح بغير وجع ، فسبه الناس ولعنوه ، فشكا إلى ربه ، فوضع الله الأوجاع ونسي ملك الموت .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الأعمش رضي الله عنه قال : كان ملك الموت عليه السلام يظهر للناس؛ فيأتي للرجل ، فيقول : اقض حاجتك فإني أريد أن أقبض روحك ، فشكا فأنزل الداء وجعل الموت خفية .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : خطوة ملك الموت عليه السلام ما بين المشرق والمغرب .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل من الأنصار يعوده ، فإذا ملك الموت عليه السلام عند رأسه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن ، فقال : ابشر يا محمد فإني بكل مؤمن رفيق ، واعلم يا محمد إني لأقبض روح ابن آدم ، فيصرخ أهله ، فأقوم في جانب من الدار فأقول : والله ما لي من ذنب وإن لي لعودة وعودة الحذر الحذر ، وما خلق الله من أهل بيت ، ولا مدر ، ولا شعر ، ولا وبر في بر ، ولا بحر ، إلا وأنا أتصفحهم في كل يوم وليلة خمس مرات حتى أني لأعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم ، والله يا محمد إني لا أقدر أقبض روح بعوضة حتى يكون الله تبارك وتعالى هو الذي يأمر بقبضه » .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه { قل يتوفاكم ملك الموت } قال : ملك الموت يتوفاكم ، وله أعوان من الملائكة .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه { قل يتوفاكم ملك الموت } قال : حويت له الأرض ، فجعلت له مثل طست يتناول منها حيث يشاء .
وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14) إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15)
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا } قال : أبصروا حين لم ينفعهم البصر ، وسمعوا حين لم ينفعهم السمع . وفي قوله { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } قال : لو شاء الله لهدى الناس جميعاً ، ولو شاء الله أنزل عليهم من السماء آية { فظلت أعناقهم لها خاضعين } [ الشعراء : 4 ] . (8/108)
وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « إن الله يعتذر إلى آدم يوم القيامة بثلاثة معاذير . يقول : يا آدم لولا أني لعنت الكذابين ، وأبغض الكذب والخلف ، وأعذب عليه لرحمت اليوم ذريتك أجمعين من شدة ما أعددت لهم من العذاب ، ولكن حق القول مني لمن كذب رسلي ، وعصى أمري { لأملأن جهنم منكم أجمعين } [ الأعراف : 18 ] ويقول : يا آدم إني لا أدخل أحداً من ذريتك النار ، ولا أعذب أحداً منهم بالنار إلا من قد علمت في سابق علمي أني لو رددته إلى الدنيا لعاد إلى شر مما كان فيه لم يراجع ولم يعتب ، ويقول له : يا آدم قد جعلتك اليوم حكماً بيني وبين ذريتك ، قم عند الميزان ، فانظر ما يرفع إليك من أعمالهم ، فمن رجح منهم خيره على شره مثقال ذرة ، فله الجنة حتى تعلم أني لا أدخل النار اليوم منهم إلا ظالماً » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا } قال : تركتم أن تعملوا للقاء يومكم هذا .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن الضحاك رضي الله عنه { فذوقوا بما نسيتم . . } قال : اليوم نترككم في النار كما تركتم أمري .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إنا نسيناكم } قال : تركناكم .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نزلت هذه الآية في شأن الصلوات الخمس { إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً } أي أتوها { وسبحوا } أي صلوا بأمر ربهم { وهم لا يستكبرون } عن اتيان الصلوات في الجماعات .
تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)
أخرج الترمذي وصححه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن هذه الآية { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } نزلت في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة . (8/109)
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه في قوله { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } قال : كانوا لا ينامون حتى يصلوا العشاء .
وأخرج البخاري في تاريخه وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال نزلت { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } في صلاة العشاء .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس رضي الله عنه قال : كنا نجتنب الفرش قبل صلاة العشاء .
وأخرج محمد بن نصر وابن جرير عن أبي سلمة رضي الله عنه في قوله { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } في صلاة العتمة .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم راقداً قبل العشاء ولا متحدثاً بعدها فإن هذه الآية نزلت في ذلك { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } .
وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال : نزلت فينا معاشر الأنصار كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت فينا { تتجافى جنوبهم عن المضاجع . . . } .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } قال : هم الذي لا ينامون قبل العشاء ، فأثنى عليهم ، فلما ذكر ذلك جعل الرجل يعتزل فراشه مخافة أن تغلبه عينه ، فوقتها قبل أن ينام الصغير ويكسل الكبير » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } قال : أنزلت في صلاة العشاء الآخرة ، كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينامون حتى يصلوها .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود ومحمد بن نصر وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه في قوله { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } قال : كانوا ينتظرون ما بين المغرب والعشاء يصلون .
وأخرج عبدالله بن أحمد بن حنبل في زوائد الزهد وابن عدي وابن مردويه عن مالك بن دينار رضي الله عنه قال : سألت أنس بن مالك رضي الله عنه عن هذه الآية { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } قال : كان قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين الأولين يصلون المغرب ويصلون بعدها إلى عشاء الآخرة ، فنزلت هذه الآية فيهم .
وأخرج البزار وابن مردويه عن بلال رضي الله عنه قال : كنا نجلس في المجلس وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون المغرب إلى العشاء ، فنزلت { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } .
وأخرج محمد بن نصر والبيهقي في سننه عن ابن المنكدر وأبي حازم في قوله { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } قالا : هي ما بين المغرب والعشاء صلاة الأوابين . (8/110)
وأخرج محمد بن نصر عن عبد الله بن عيسى رضي الله عنه قال : كان ناس من الأنصار يصلون ما بين المغرب والعشاء ، فنزلت فيهم { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } .
وأخرج أحمد وابن جرير وابن مردويه عن معاذ بن جبل رضي الله عنه « عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } قال » قيام العبد من الليل « » .
وأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن نصر في كتاب الصلاة وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : « كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ، فاصبحت يوماً قريباً منه ونحن نسير ، فقلت : يا نبي الله اخبرني بعمل يدخلني الجنة ، ويباعدني عن النار قال » لقد سألت عن عظيم وانه اليسير على من يسره الله عليه . تعبد الله ولا تشرك به شيئاً ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت ، ثم قال : ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة ، والصدقة تطفىء الخطيئة ، وصلاة الرجل في جوف الليل ، ثم قرأ { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } حتى بلغ { يعملون } ، ثم قال : ألا أخبرك برأس الأمر ، وعموده ، وذروة سنامه؟ فقلت : بلى يا رسول الله قال : رأس الأمر الإِسلام ، وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد ، ثم قال ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ فقلت : بلى يا نبي الله ، فأخذ بلسانه فقال : كف عنك هذا ، فقلت : يا رسول الله وانا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال : ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم « .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه قال : ذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل ففاضت عيناه حتى تحادرت دموعه ، فقال { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال » يا رسول الله أخبرني بعمل أهل الجنة قال : قد سألت عن عظيم ، وإنه ليسير على من يسره الله عليه . تعبد الله لا تشرك به شيئاً ، وتؤدي الصلاة المكتوبة - ولا أدري ذكر الزكاة أم لا - وإن شئت أنبأتك ، برأس هذا الأمر ، وعموده ، وذروة سنامه ، رأسه الإِسلام من أسلم سلم ، وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ، والصيام جنة ، والصدقة تمحو الخطيئة ، وصلاة الرجل في جوف الليل ، ثم تلا هذه الآية { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } « .
وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه في قوله { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } لا تمر عليهم ليلة إلا أخذوا منها بحظ . (8/111)
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة ومحمد بن نصر وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } قال : يقومون فيصلون بالليل .
وأخرج ابن نصر وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } قال : قيام الليل .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد من طريق أبي عبد الله الجدلي عن عبادة بن الصامت عن كعب رضي الله عنه قال : إذا حشر الناس نادى مناد : هذا يوم الفصل أين الذين { تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ } أين الذين { يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم؟ } [ آل عمران : 191 ] ثم يخرج عنق من النار فيقول : أمرت بثلاث : بمن جعل مع الله إلهاً آخر . وبكل جبار عنيد . وبكل معتد ، لأنا أعرف بالرجل من الوالد بولده ، والمولود بوالده ، ويؤمر بفقراء المسلمين إلى الجنة فيحسبون فيقولون : تحسبونا ما كان لنا أموال ولا كنا أمراء .
وأخرج محمد بن نصر وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً } قال : هم قوم لا يزالوان يذكرون الله ، إما في الصلاة ، وإما قياماً ، واما قعوداً ، وإما إذا استيقظوا من منامهم . هم قوم لا يزالون يذكرون الله تعالى .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ربيعة الجرشي رضي الله عنه قال : يجمع الله الخلائق يوم القيامة في صعيد واحد ، فيكونون ما شاء الله أن يكونوا ، فينادي مناد : سيعلم أهل الجمع لمن العز اليوم والكرم ، ليقم الذين { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً } فيقومون وفيهم قلة ، ثم يلبث ما شاء الله أن يلبث ، ثم يعود فينادي سيعلم أهل الجمع لمن العز والكرم ، ليقم الذين { لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } [ النور : 37 ] فيقومون وهم أكثر من الأولين ، ثم يلبث ما شاء الله أن يلبث ، ثم يعود وينادي : سيعلم أهل الجمع لمن العز اليوم والكرم ، ليقم الحمادون لله على كل حال ، فيقومون وهم أكثر من الأولين .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } يقول : تتجافى لذكر الله كلما استيقظوا ذكروا الله . اما في الصلاة ، وإما في قيام أو قعود ، أو على جنوبهم ، فهم لا يزالون يذكرون الله .
فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)
أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } . (8/112)
وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن أبي هريرة رضي الله عنه { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان عرش الله على الماء ، فاتخذ جنة لنفسه ، ثم اتخذ دونها أخرى ، ثم أطبقهما لؤلؤة واحدة ، ثم قال : ومن دونهما جنتان لم يعلم الخلق ما فيهما ، وهي التي قال الله { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } يأتيهم فيها كل يوم تحفة .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : إنه لمكتوب في التوراة « لقد أعد الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم ترَ عين ، ولم تسمع أذن ، ولم يخطر على قلب بشر ، ولا يعلم ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، وإنه لفي القرآن { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وهناد كلاهما في الزهد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن الأنباري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « قال الله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، قال أبو هريرة رضي الله عنه : اقرأوا إن شئتم { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر بن عبد الواحد رضي الله عنه قال : بلغني أن الرجل من أهل الجنة يمكث في مكانه سبعين سنة ، ثم يلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه فتقول له : قد آن لك أن يكون لنا منك نصيب . فيقول : من أنت؟ فتقول : أنا مزيد ، فيمكث معها سبعين سنة ، ويلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه فتقول : قد آن لك أن يكون لنا منك نصيب فيقول : من أنت؟ فتقول : أنا التي قال الله { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنه قال : إن الرجل من أهل الجنة ليجيء فيشرف عليه النساء فيقلن : يا فلان بن فلان ما أنت حين خرجت من عندنا بأولى بك منا فيقول : من أنتن؟! فيقلن : نحن من اللاتي قال الله { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : يدخلون عليهم على مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات ، معهم التحف من الله من جنات عدن مما ليس في جناتهم . وذلك قوله { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } . (8/113)
وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال : سأصف لكم منزل الرجل من أهل الجنة كان يطلب في الدنيا حلالاً ، ويأكل حلالاً ، حتى لقي الله على ذلك ، فإنه يعطى يوم القيامة قصراً من لؤلؤة واحدة ليس فيها صدع ولا وصل ، فيها سبعون ألف غرفة ، وأسفل الغرف سبعون ألف بيت ، في كل بيت سقفه صفائح الذهب والفضة ليس بموصول ، ولولا أن الله سخر له النظر إليه لذهب بصره من نوره ، عرض الحائط اثنا عشر ميلاً ، وطوله في السماء سبعون ميلاً ، في كل بيت سبعون ألف باب يدخل عليه ، في كل بيت من كل باب سبعون ألف خادم لا يراهم من في هذا البيت ، ولا من في هذا البيت ، فإذا خرج في قصره صار في ملكه مثل عمر الدنيا ، يسير في ملكه عن يمينه وعن يساره ومن ورائه ، وأزواجه معه وليس معه ذكر غيره ، ومن بين يديه ملائكة قد سخروا له بينه وبين أزواجه ستر ، وبين يديه ستر ووصفاء ووصائف قد أفهموا ما يشتهي وما يشتهي أزواجه ، ولا يموت هو ولا أزواجه ولا خدامه أبداً ، نعيمهم يزداد كل يوم من غير أن يبلى الأول ، وقرة عين لا تنقطع أبداً ، لا يدخل عليه فيه روعة أبداً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « والذي نفسي بيده لو أن آخر أهل الجنة رجلاً أضاف آدم فمن دونه ، ووضع لهم طعاماً وشراباً حتى يخرجوا من عنده لا ينقصه ذلك مما أعطاه الله » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والطبراني وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة من طريق أبي صخر عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال : « بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصف الجنة حتى انتهى ، ثم قال » فيهما ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر « ، ثم قرأ { تتجافى جنوبهم عن المضاجع . . . } قال أبو صخر : فذكرته للقرظي فقال : إنهم أخفوا عملاً ، وأخفى الله لهم ثواباً ، فقدموا على الله فقرت تلك الأعين » .