صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور |
إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)
أخرج عبد بن حميد ومسلم والترمذي وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال » يا عماه قل لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله يوم القيامة « . فقال : لولا أن تعيرني قريش يقولون : ما حمله عليها إلا جزعه من الموت لأقررت بها عينك فأنزل الله عليك { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين } » . (8/5)
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي عن ابن المسيب نحوه ، وتقدم في سورة براءة .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إنك لا تهدي من أحببت } قال : نزلت هذه الآية في أبي طالب .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو داود في القدر والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد بن رافع قال : قلت لابن عمر { إنك لا تهدي من أحببت } أفي أبي طالب نزلت؟ قال : نعم .
وأخرج ابن عساكر عن أبي سعيد بن رافع قال : سألت ابن عمر رضي الله عنهما { إنك لا تهدي من أحببت } أفي أبي جهل وأبي طالب؟ قال : نعم .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { إنك لا تهدي من أحببت } قال : « قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب : قل كلمة الاخلاص أجادل عنك بها يوم القيامة قال : يا ابن أخي ملة الأشياخ { وهو أعلم بالمهتدين } قال : ممن قدر الهدى والضلالة » .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه { إنك لا تهدي من أحببت } قال : « ذكر لنا أنها نزلت في أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : التمس منه عند موته أن يقول لا إله إلا الله كيما تحل له الشفاعة ، فأبى عليه » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { إنك لا تهدي من أحببت } يعني أبا طالب { ولكن الله يهدي من يشاء } قال : العباس .
وأخرج أبو سهل السري بن سهل الجنديسابوري في الخامس من حديثه من طريق عبد القدوس عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } قال : نزلت في أبي طالب . ألح عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يسلم فأبى . فأنزل الله { إنك لا تهدي من أحببت } أي لا تقدر تلزمه الهدى وهو كاره له إنما أنت نذير { ولكن الله يهدي من يشاء } للايمان .
وأخرج أيضاً من طريق عبد القدوس عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله { إنك لا تهدي من أحببت } قال : « نزلت في أبي طالب عند موته ، والنبي صلى الله عليه وسلم عند رأسه وهو يقول : يا عم قل لا إله إلا الله أشفع لك بها يوم القيامة . قال أبو طالب : لا . يعيرني نساء قريش بعدي إني جزعت عند موتي ، فأنزل الله { إنك لا تهدي من أحببت } يعني لا تقدر أن تلزمه الهدى وهو يهوى الشرك ، ولا تقدر تدخله الإِسلام كرهاً حتى يهواه { ولكن الله يهدي من يشاء } أن يقهره على الهدى كرهاً لفعل وليس بفاعل حتى يكون ذلك منه . فاخبر الله بقدرته وهو كقوله { لعلك باخع نفسك أَلاَّ يكونوا مؤمنين ، إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين } [ الشعراء : 3-4 ] فأخبر بقدرته أنه لا يعجزه شيء » . (8/6)
وأخرج العقيلي وابن عدي وابن مردويه والديلمي وابن عساكر وابن النجار عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « بعثت داعياً ومبلغاً وليس الي من الهدى شيء ، وخلق إبليس مزيناً ومبلغاً وليس إليه من الضلالة شيء » .
وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59) وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن ناساً من قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن نتبعك يتخطفنا الناس ، فأنزل الله تعالى { وقالوا إن نتبع الهدى معك . . . } الآية . (8/7)
وأخرج النسائي وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن الحارث بن عامر بن نوفل الذي قال : { إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا } .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { أو لم نمكن لهم حرماً آمنا } قال : كان أهل الحرم آمنين يذهبون حيث شاءوا فإذا خرج أحدهم قال : إنا من أهل الحرم لم يعرض له أحد ، وكان غيرهم من الناس إذا خرج أحدهم قتل وسلب .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله { أو لم نمكن لهم حرماً آمناً } قال : أو لم يكونوا آمنين في حرمهم لا يغزون فيه ، ولا يخافون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { نتخطف } قال : كان بعضهم يغير على بعض .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { يجبى إليه ثمرات كل شيء } قال : ثمرات الأرض .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه { وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً } قال : في أوائلها .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً } قال : أم القرى : مكة . بعث الله إليهم رسولاً محمداً صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون } قال : قال الله لم نهلك قرية بايمان ، ولكنه أهلك القرى بظلم إذا ظلم أهلها ، ولو كانت مكة آمنوا لم يهلكوا مع من هلك ، ولكنهم كذبوا وظلموا فبذلك هلكوا .
أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)
أخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا } قال : نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وفي أبي جهل . (8/8)
وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { أفمن وعدناه . . . } الآية . قال : نزلت في حمزة . وأبي جهل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه } قال : حمزة بن عبد المطلب { كمن متعناه متاع الحياة الدنيا } قال : أبو جهل بن هشام .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه } قال : هو المؤمن . سمع كتاب الله فصدق به ، وآمن بما وعد فيه من الخير والجنة { كمن متعناه متاع الحياة الدنيا } قال : هو الكافر . ليس كالمؤمن { ثم هو يوم القيامة من المحضرين } قال : من المحضرين في عذاب الله .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن مسروق رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية { أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيها } .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { من المحضرين } قال : أهل النار أحضروها .
وأخرج البخاري في تاريخه عن عطاء بن السائب قال : كان ميمون بن مهران إذا قدم ينزل على سالم البراد ، فقدم قدمة فلم يلقه فقالت له امرأته : إن أخاك قرأ { أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه كمن متعناه } قالت : فشغل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : من استطاع منكم أن يضع كنزه حيث لا يأكله السوس فليفعل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب رضي الله عنه قال : مكتوب في التوراة : ابن آدم ضع كنزك عندي فلا غرق ، ولا حرق ، أدفعه إليك أفقر ما تكون إليه يوم القيامة .
وأخرج مسلم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يقول الله عز وجل يا ابن آدم مرضت فلم تعدني ، فيقول : رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول : أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده ، فأما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ، ويقول : يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني ، فيقول : رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ فيقول تبارك وتعالى : أما علمت أن عبدي فلاناً استسقاك فلم تسقه ، أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي . قال : ويقول : يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني : فيقول : أي رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول : أما علمت أن عبدي فلاناً استطعمك فلم تطعمه ، أما أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي » .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عبد الله بن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال : « يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا ، وأعطش ما كانوا ، وأعرى ما كانوا ، فمن أطعم لله عز وجل أطعمه الله ، ومن كسا لله عز وجلّ كساه الله ، ومن سقى لله عز وجلّ سقاه الله ، ومن كان في رضا الله كان الله على رضاه أقدر » .
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64)
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون } قال : هؤلاء بنو آدم { قال الذين حق عليهم القول } قال : هم الجن { ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم . . . } الآية . وقيل لبني آدم { ادعو شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم } ولم يردوا عليهم خيراً . (8/9)
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (66) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67)
أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد والنسائي والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما من أحد إلا سيخلو الله به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر فيقول : يا ابن آدم ما غرك بي ، يا ابن آدم ماذا عملت فيما عملت؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ » . (8/10)
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه { فعميت عليهم الأنباء } قال : الحجج { يومئذ فهم لا يتساءلون } قال : بالأنساب .
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)
وأخرج ابن أبي حاتم عن أرطاة قال : ذكرت لأبي عون الحمصي شيئاً من قول القدر فقال : ما تقرأون كتاب الله تعالى { وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة } ؟ . (8/11)
وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمر كما يعلمنا السورة من القرآن . يقول : « إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ، ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب . اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ، ومعاشي ، وعاقبة أمري ، وعاجل أمري وآجله ، فاقدره لي ، ويسره لي . وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ، ومعاشي ، وعاقبة أمري ، وعاجل أمري وآجله ، فاصرفه عني ، واصرفني عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ، وأرضني به . ويسمى حاجته باسمها » .
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (75)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إن جعل الله عليكم الليل سرمداً } قال : دائماً . (8/12)
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { سرمداً } قال : دائماً لا ينقطع .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله { سرمداً إلى يوم القيامة } قال : دائماً { من إله غير الله يأتيكم بضياء } قال . بنهار .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج { ومن رحمته جعل لكم الليل لتسكنوا فيه } قال : في الليل { ولتبتغوا من فضله } قال : في النهار .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ونزعنا من كل أمة شهيداً } قال : رسولاً { فقلنا هاتوا برهانكم } قال : هاتوا حجتكم بما كنتم تعبدون وتقولون .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { ونزعنا من كل أمة شهيداً } قال : شهيدها : نبيها . ليشهد عليها أنه قد بلغ رسالات ربه { فقلنا هاتوا برهانكم } قال : بَيّنَتَكُمْ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما { وضلّ عنهم } في القيامة { ما كانوا يفترون } يكذبون في الدنيا .
إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)
أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { إن قارون كان من قوم موسى } قال : كان ابن عمه ، وكان يبتغي العلم حتى جمع علماً ، فلم يزل في أمره ذلك حتى بغى على موسى وحسده . فقال له موسى عليه السلام : إن الله أمرني أن آخذ الزكاة ، فأبى فقال : إن موسى عليه السلام يريد أن يأكل أموالكم . جاءكم بالصلاة ، وجاءكم بأشياء فاحتملتموها ، فتحملوه أن تعطوه أموالكم؟ قالوا : لا نحتمل فما ترى فقال لهم : أرى أن أرسل إلى بغي من بغايا بني إسرائيل ، فنرسلها إليه فترميه بأنه أرادها على نفسها . (8/13)
فارسلوا إليها فقالوا لها : نعطيك حكمك على أن تشهدي على موسى أنه فجر بك . قالت : نعم . فجاء قارون إلى موسى عليه السلام قال : اجمع بني إسرائيل فأخبرهم بما أمرك ربك قال : نعم . فجمعهم فقالوا له : بم أمرك ربك؟ قال : أمرني أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، وأن تصلوا الرحم ، وكذا وكذا ، وقد أمرني في الزاني إذا زنى وقد أحصن أن يرجم . قالوا : وإن كنت أنت قال : نعم . قالوا : فإنك قد زنيت قال : أنا . فأرسلوا إلى المرأة ، فجاءت فقالوا : ما تشهدين على موسى؟ فقال لها موسى عليه السلام : أنشدك بالله إلا ما صدقت قالت : أما إذ نشدتني بالله فإنهم دعوني وجعلوا لي جعلاً على أن أقذفك بنفسي ، وأنا أشهد أنك بريء ، وأنك رسول الله ، فخر موسى عليه السلام ساجداً يبكي ، فأوحى الله إليه : ما يبكيك؟ قد سلطناك على الأرض ، فمرها فتطيعك .
فرفع رأسه فقال : خذيهم فأخذتهم إلى أعقابهم ، فجعلوا يقولون : يا موسى . . . يا موسى . . . فقال : خذيهم فأخذتهم إلى أعناقهم ، فجعلوا يقولون : يا موسى . . . يا موسى . . . فقال : خذيهم فغيبتهم فأوحى الله يا موسى : سألك عبادي وتضرعوا إليك فلم تجبهم ، وعزتي لو أنهم دعوني لأجبتهم . قال ابن عباس : وذلك قوله تعالى { فخسفنا به وبداره الأرض } وخسف به إلى الأرض السفلى .
وأخرج الفريابي عن إبراهيم رضي الله عنه قال : كان قارون ابن عم موسى .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { إن قارون كان من قوم موسى } قال : كان ابن عمه أخي أبي قارون بن مصر بن فاهث أو قاهث ، وموسى بن عرمرم بن فاهث أو قاهث ، وعرمرم بالعربية عمران .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله قال : كان قارون ابن عم موسى أخي أبيه ، وكان قطع البحر مع بني إسرائيل ، وكان يسمى النور من حسن صوته بالتوراة ، ولكن عدوّ الله نافق كما نافق السامري ، فأهلكه الله ببغيه .
وإنما بغى لكثرة ماله وولده . (8/14)
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { فبغى عليهم } قال : فعلا عليهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب رضي الله عنه في قوله { إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم } قال : زاد عليهم في طول ثيابه شبراً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في قوله { وآتيناه من الكنوز } قال : أصاب كنزاً من كنوز يوسف .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الوليد بن زوران رضي الله عنه في قوله { وآتيناه من الكنوز } قال : كان قارون يعلم الكيمياء .
وأخرج ابن مردويه عن سلمان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كانت أرض دار قارون من فضة ، وأساسها من ذهب » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن خيثمة رضي الله عنه قال : وجدت في الإِنجيل أن مفاتيح خزائن قارون كانت وقر ستين بغلاً غراً محجلةً ، ما يزيد منها مفتاح على أصبع ، لكل مفتاح كنز .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن خيثمة رضي الله عنه قال : كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود كل مفتاح على خزانة على حدة ، فإذا ركب حملت المفاتيح على سبعين بغلاً أغر محجلاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال : كانت المفاتيح من جلود الإِبل .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لتنوء بالعصبة } يقول : لا يرفعها العصبة من الرجال { أولي القوّة } .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { لتنوء بالعصبة } قال : لتثقل قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول امرىء القيس إذ يقول :
تمشي فتثقلها عجيزتها ... مشي الضعيف ينوء بالوسق
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال { العصبة } ما بين العشرة إلى الخمسة عشر { أولوا القوّة } خمسة عشر .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي قال { العصبة } ما بين الخمس عشرة إلى الأربعين .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال { العصبة } أربعون رجلاً .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال : كنا نحدث أن { العصبة } ما فوق العشرة إلى الأربعين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح مولى أم هانىء قال { العصبة } سبعون رجلاً . قال : وكانت خزانته تُحْمَلُ على أربعين بغلاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { إذ قال له قومه لا تفرح } قال : هم المؤمنون منهم قالوا : يا قارون لا تفرح بما أوليت فتبطر .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { إن الله لا يحب الفرحين } قال : المرحين ، الأشرين ، البطرين ، الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم . (8/15)
وأخرج الحاكم وصححه والطبراني وأبو نعيم والبيهقي في الشعب والخرائطي في اعتلال القلوب عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله يحب كل قلب حزين » .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان وقال : هذا متن منكر ، عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « زُرِ القبور تَذْكُر بها الآخرة ، واغسل الموتى فإن معالجة جسد خاو موعظة بليغة ، وصل على الجنائز لعل ذلك يحزنك ، فإن الحزين في ظل الله يوم القيامة » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { إن الله لا يحب الفرحين } قال : الفرح هنا البغي .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { إن الله لا يحب الفرحين } قال : إن الله لا يحب الفرح بطراً { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة } قال : تصدق ، وقرب الله تعالى ، وصل الرحم .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إن الله لا يحب الفرحين } قال : المرحين . وفي قوله { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا } يقول : لا تترك أن تعمل لله في الدنيا .
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { و لا تنس نصيبك من الدنيا } قال : أن تعمل فيها لآخرتك .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ولا تنس نصيبك من الدنيا } قال : العمل بطاعة الله نصيبه من الدنيا الذي يثاب عليه في الآخرة .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { ولا تنس نصيبك } قال : قدم الفضل ، وأمسك ما يبلغك - وفي لفظ - قال : امسك قوت سنة ، وتصدق بما بقي .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه { ولا تنس نصيبك من الدنيا } قال : أن تأخذ من الدنيا ما أحل الله لك ، فإن لك فيه غنى وكفاية .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن منصور رضي الله عنه في قوله { ولا تنس نصيبك من الدنيا } قال : ليس هو عرض من عرض الدنيا ، ولكن هو نصيبك عمرك أن تقدم فيه لآخرتك .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { قال إنما أوتيته على علم عندي } يقول على خير عندي ، وعلم عندي .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { إنما أوتيته على علم عندي } يقول : علم الله أني أهل لذلك . (8/16)
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } قال : المشركون . لا يسألون عن ذنوبهم ، ولا يحاسبون لدخول النار بغير حساب .
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } قال : كقوله { يعرف المجرمون بسيماهم } [ الرحمن : 41 ] سود الوجوه ، زرق العيون ، الملائكة لا تسأل عنهم قد عرفتهم .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فخرج على قومه في زينته } قال : خرج على براذين بيض ، عليها سرج من أرجوان ، وعليها ثياب معصفرة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في قوله { فخرج على قومه في زينته } قال : في ثوبين أحمرين .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الزبير رضي الله عنه قال : خرج قارون على قومه في ثوبين أحمرين بغير عصفر كالقرمز .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه في قوله { فخرج على قومه في زينته } قال : في ثياب صفر وحمر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في قوله { فخرج على قومه في زينته } قال : خرج في سبعين ألفاً عليهم المعصفرات ، وكان ذلك أول يوم في الأرض رؤيت المعصفرات فيها .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فخرج على قومه في زينته } قال : في حشمه . وذكر لنا أنهم خرجوا على أربعة الاف دابة ، عليهم ثياب حمر ، منها ألف بغلة بيضاء وعلى دوابهم قطائف الأرجوان .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { فخرج على قومه في زينته } قال : خرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان ، وعليها ثلاثمائة جارية ، على بغال شهب عليهن ثياب حمر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { فخرج على قومه في زينته } قال : خرج في جوار بيض ، على سروج من ذهب ، على قطف أرجوان ، وهن على بغال بيض ، عليهن ثياب حمر ، وحلى ذهب .
وأخرج ابن مردويه عن أوس بن أوس الثقفي « عن النبي صلى الله عليه وسلم { فخرج على قومه في زينته } قال » في أربعة آلاف بغل يعني عليه البزيون « » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدة بن أبي لبابة رضي الله عنه قال : أول من صبغ بالسواد قارون .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { قال الذين يريدون الحياة الدنيا } قال : أناس من أهل التوحيد قالوا : { يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون } وفي قوله { ولا يلقاها إلا الصابرون } يعني لا يلقى ثواب الله ، والصواب من القول . (8/17)
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { إنه لذو حظ عظيم } قال : ذو جد .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الحرث رضي الله عنه؛ وهو ابن نوفل الهاشمي قال : بلغنا أن قارون أوتي من الكنوز والمال حتى جعل باب داره من ذهب ، وجعل داره كلها من صفائح الذهب ، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون ، يطعمهم الطعام ويتحدثون عنده ، وكان مؤذياً لموسى عليه الصلاة والسلام ، فلم تدعه القسوة والهوى حتى أرسل إلى امرأة من بني إسرائيل مذكورة بالجمال كانت تذكر بريبة فقال لها : هل لك أن أموّلك وأعطيك وأخلطك بنسائي على أن تأتيني والملأ من إسرائيل عندي فتقولين : يا قارون ألا تنهي موسى عني؟ فقالت : بلى . فلمّا جاء أصحابه واجتمعوا عنده ، دعا بها فقامت على رؤوسهم ، فقلب الله قلبها ورزقها التوبة فقالت : ما أجد اليوم توبة أفضل من أن أكذب عدو الله ، وأبرىء رسول الله عليه السلام فقالت : إن قارون بعث إلي فقال : هل لك أن أمولك وأعطيك وأخلطك بنسائي على أن تأتيني والملأ من بني إسرائيل عندي ، وتقولين : يا قارون ألا تنهي موسى عني ، فإني لم أجد اليوم توبة أفضل من أن أكذب عدو الله ، وأبرىء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنكس قارون رأسه وعرف أنه قد هلك .
وفشا الحديث في الناس حتى بلغ موسى عليه السلام ، وكان موسى عليه السلام شديد الغضب . فلما بلغه توضأ ، ثم صلى وسجد وبكى وقال : يا رب . . . عدوك قارون كان لي مؤذياً ، فذكر أشياء ثم لم ينهاه حتى أراد فضيحتي . يا رب سلطني عليه . فأوحى الله إليه : أن مر الأرض بما شئت تطعك . فجاء موسى إلى قارون ، فلما رآه قارون عرف الغضب في وجهه فقال : يا موسى ارحمني فقال موسى عليه السلام : يا أرض خذيهم ، فاضطربت داره وخسف به وبأصحابه حتى تغيبت أقدامهم ، وساخت دارهم على قدر ذلك فقال قارون : يا موسى ارحمني فقال : يا أرض خذيهم ، فخسف به وبداره وبأصحابه ، فلما خسف به قيل له : « يا موسى ما أفظك أما وعزتي لو إياي دعا لرحمته » وقال أبو عمران الجوني : فقيل لموسى : لا أعبد في الأرض بعدك أحداً .
وأخرج الفريابي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فخسفنا به وبداره الأرض } قال : خسف به إلى الأرض السفلى .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق قتادة عن أبي ميمون عن سمرة بن جندب قال : يخسف بقارون وقومه في كل يوم قدر قامة ، فلا يبلغ الأرض السفلى إلى يوم القيامة .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال : ذكر لنا أنه يخسف به كل يوم قامة ، وأنه يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة . (8/18)
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه ، مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال : إن الله أمر الأرض أن تطيعه ساعة .
وأخرج عبد بن حميد عن مالك بن دينار رضي الله عنه : أن قارون يخسف به كل يوم قامة .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال : لما خسف بقارون فهو يذهب وموسى قريب منه قال : يا موسى ادع ربك يرحمني . فلم يجبه موسى حتى ذهب . فأوحى الله إليه « استغاث بك فلم تغثه ، وعزتي وجلالي لو قال : يا رب لرحمته » .
وأخرج أحمد في الزهد عن عون بن عبد الله القاري عامل عمر بن عبد العزيز على ديوان فلسطين أنه بلغه : أن الله عز وجل أمر الأرض أن تطيع موسى عليه السلام في قارون ، فلما لقيه موسى قال للأرض : أطيعيني فأخذته إلى الركبتين ، ثم قال : أطيعيني فوارته في جوفها ، فأوحى الله إليه « يا موسى ما أشد قلبك ، وعزتي وجلالي لو بي استغاث لأغثته » قال : رب غضباً لك فعلت .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين } قال : ما كانت عنده منعة يمتنع بها من الله تعالى .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { ويكأن الله } يقول : أو لا يعلم { أن الله يبسط الرزق } وفي قوله { ويكأنه لا يفلح الكافرون } يقول : أو لا يعلم { أنه لا يفلح الكافرون } والله أعلم .
تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84)
أخرج المحاملي والديلمي في مسند الفردوس عن أبي هريرة رضي الله عنه « عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً } قال : التجبر في الأرض ، والأخذ بغير الحق » . (8/19)
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مسلم البطين رضي الله عنه في قوله { للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً } قال : العلو التكبر في الأرض بغير الحق . والفساد الأخذ بغير الحق .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { لا يريدون علواً في الأرض } قال : بغيا .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { للذين لا يريدون علواً في الأرض } قال : تعظماً وتجبراً { ولا فساداً } قال : بالمعاصي .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { تلك الدار الآخرة . . . } قال : نجعل الدار الآخرة { للذين لا يريدون علواً في الأرض } قال : التكبر وطلب الشرف والمنزلة عند سلاطينها وملوكها { ولا فساداً } قال : لا يعملون بمعاصي الله ، ولا يأخذون المال بغير حقه { والعاقبة للمتقين } قال : الجنة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله { لا يريدون علواً في الأرض } قال : الشرف والعز عند ذوي سلطانهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي معاوية الأسود في قوله { لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً } قال : لم ينازعوا أهلها في عزها ، ولا يجزعوا من ذلها .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : إن الرجل ليحب أن يكون شسع نعله أفضل من شسع نعل صاحبه ، فيدخل في هذه الآية { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً } .
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه . أنه كان يمشي في الأسواق وحده وهو وال ، يرشد الضال ، ويعين الضعيف ، ويمر بالبقال والبيع فيفتح عليه القرآن ، ويقرأ { تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً } ويقول : نزلت هذه الآية في أهل العدل والتواضع ، في الولاة وأهل القدرة من سائر الناس .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ، نحوه .
وأخرج ابن مردويه عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : « لما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ألقى إليه وسادة فجلس على الأرض فقال : أشهد أنك لا تبغي علواً في الأرض ولا فساداً فأسلم » .
إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (85) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (86) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آَيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87)
أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه قال : لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فبلغ الجحفة ، اشتاق إلى مكة ، فأنزل الله { إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد } إلى مكة . (8/20)
وأخرج ابن مردويه عن علي بن الحسين بن واقد رضي الله عنه قال : كل القرآن مكي أو مدني غير قوله { إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد } فإنها أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجحفة حين خرج مهاجراً إلى المدينة . فلا هي مكية ولا مدنية ، وكل آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة فهي مكية . فنزلت بمكة أو بغيرها من البلدان ، وكل آية نزلت بالمدينة بعد الهجرة فإنها مدنية . نزلت بالمدينة أو بغيرها من البلدان .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لرادك إلى معاد } قال : إلى مكة . زاد ابن مردويه { كما أخرجك منها } .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه { لرادك إلى معاد } قال : إلى مولدك؛ إلى مكة .
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه ، مثله .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { لرادك إلى معاد } قال : الموت .
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه { لرادك إلى معاد } قال : الموت .
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه وأبو يعلى وابن جرير عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه { لرادك إلى معاد } قال : الآخرة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما { لرادك إلى معاد } قال : إلى يوم القيامة .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ، مثله .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه { إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد } قال : يحييك يوم القيامة .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه { لرادك إلى معاد } قال : إن له معاداً يبعثه الله يوم القيامة ، ثم يدخله الجنة .
وأخرج الحاكم في التاريخ والديلمي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم { لرادك إلى معاد } قال : الجنة .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في تاريخه وأبو يعلى وابن المنذر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه { لرادك إلى معاد } قال : معاده الجنة ، وفي لفظ « معاده » آخرته .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { لرادك إلى معاد } قال : إلى معدنك من الجنة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس { إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد } قال : لرادك إلى الجنة ، ثم سائلك عن القرآن . (8/21)
وأخرج الفريابي عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله { لرادك إلى معاد } قال : إلى الجنة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { لرادك إلى معاد } قال : هذه مما كان يكتم ابن عباس رضي الله عنهما .
وأخرج ابن أبي حاتم عن نعيم القاري رضي الله عنه { لرادك إلى معاد } قال : إلى بيت المقدس .
وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه قال : لما نزلت { كل من عليها فان } [ الرحمن : 26 ] قالت الملائكة : هلك أهل الأرض ، فلما نزلت { كل نفس ذائقة الموت } [ آل عمران : 18 ] قالت الملائكة : هلك كل نفس ، فلما نزلت { كل شيء هالك إلا وجهه } قالت الملائكة : هلك أهل السماء وأهل الأرض . (8/22)
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { كل نفس ذائقة الموت } قال : لما نزلت قيل : يا رسول الله فما بال الملائكة؟ فنزلت { كل شيء هالك إلا وجهه } فبين في هذه الآية فناء الملائكة والثقلين من الجن والانس وسائر عالم الله ، وبريته من الطير والوحش والسباع والأنعام ، وكل ذي روح أنه هالك ميت .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه { كل شيء هالك إلا وجهه } يعني الحيوان خاصة من أهل السموات والملائكة ومن في الأرض وجميع الحيوان ، ثم تهلك السماء والأرض بعد ذلك ، ولا تهلك الجنة والنار وما فيهما ، ولا العرش ، ولا الكرسي .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما { كل شيء هالك إلا وجهه } إلا ما يريد به وجهه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه { كل شيء هالك إلا وجهه } قال : إلا ما أريد به وجهه .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن سفيان قال { كل شيء هالك إلا وجهه } قال : إلا ما أريد به وجهه من الأعمال الصالحة .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر عن ابن عمر رضي الله عنهما . أنه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه ، يأتي الخربة يقف على بابها فينادي بصوت حزين : أين أهلك؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول { كل شيء هالك إلا وجهه } .
وأخرج أحمد في الزهد عن ثابت رضي الله عنه قال : لما مات موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام جالت الملائكة عليهم السلام في السموات يقولون : مات موسى عليه السلام فأي نفس لا تموت!
الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه في قوله { الم } { أحسب الناس أن يتركوا . . } قال : أنزلت في أناس بمكة قد اقروا بالإِسلام ، فكتب إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لما نزلت آية الهجرة : إنه لا يقبل منكم قرار ولا إسلام حتى تهاجروا قال : فخرجوا عامدين إلى المدينة ، فأتبعهم المشركون فردوهم ، فنزلت فيهم هذه الآية ، فكتبوا إليهم أنه قد نزلت فيكم آية كذا وكذا فقالوا : نخرج فإن اتبعنا أحد قاتلناه . فخرجوا فاتبعهم المشركون ، فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا ، فأنزل الله فيهم { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم } [ النحل : 110 ] . (8/23)
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { الم } { أحسب الناس . . . } قال نزلت في أناس من أهل مكة خرجوا يريدون النبي صلى الله عليه وسلم فعرض لهم المشركون فرجعوا ، فكتب إليهم إخوانهم بما نزل فيهم من القرآن فخرجوا ، فقتل من قتل وخلص من خلص ، فنزل القرآن { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال : نزلت هذه الآيات في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة ، وهؤلاء الآيات العشر مدنيات ، وسائرها مكي .
وأخرج ابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال : نزلت في عمار بن ياسر يعذَّب في الله { أحسب الناس أن يتركوا . . } .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : سمعت ابن عمير وغيره يقولون : كان أبو جهل لعنه الله يعذب عمار بن ياسر وأمه ، ويجعل على عمار درعاً من حديد في اليوم الصائف ، وطعن في حياة أمه برمح . ففي ذلك نزلت { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وهم لا يفتنون } قال : لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم { ولقد فتنا الذين من قبلهم } قال : ابتلينا .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } قال : يبتلون { ولقد فتنا الذين من قبلهم } قال : ابتلينا الذين من قبلهم { فليعلمن الله الذين صدقوا } قال : ليعلم الصادق من الكاذب ، والطائع من العاصي ، وقد كان يقال : إن المؤمن ليضرب بالبلاء كما يفتن الذهب بالنار ، وكان يقال : إن مثل الفتنة كمثل الدرهم الزيف يأخذه الأعمى ويراه البصير .
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه أنه كان يقرأ { فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } قال : يعلمهم الناس . (8/24)
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال : كان الله يبعث النبي إلى أمته فيلبث فيهم إلى انقضاء اجله في الدنيا ، ثم يقبضه الله إليه فتقول الأمة من بعده ، أو من شاء الله منهم : إنا على منهاج النبي وسبيله ، فينزل الله بهم البلاء فمن ثبت منهم على ما كان عليه فهو الصادق ، ومن خالف إلى غير ذلك فهو الكاذب .
وأخرج ابن ماجة وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : أول من أظهر اسلامه سبعة : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر ، وسمية أم عمار ، وعمار ، وصهيب ، وبلال ، والمقداد ، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب ، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه ، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم ادراع الحديد ، فإنه هانت عليه نفسه في الله ، وهان على قومه ، فأخذوه فأعطوه الولدان ، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول : أحد أحد . . . والله تعالى أعلم .
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه { أم حسب الذين يعملون السيئات } قال : الشرك . (8/25)
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { أن يسبقونا } قال : أن يعجزونا .
مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7)
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه { من كان يرجو لقاء الله } قال : من كان يخشى البعث في الآخرة . (8/26)
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : قالت أمي : لا آكل طعاماً ولا أشرب شراباً حتى تكفر بمحمد ، فامتنعت من الطعام والشراب حتى جعلوا يسجرون فاها بالعصا ، فنزلت هذه الآية { ووصينا الإِنسان بوالديه حسناً وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما . . . } الآية . (8/27)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { ووصينا الإِنسان بوالديه حسناً وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما } قال : أنزلت في سعد بن مالك رضي الله عنه لما هاجر قالت امه : والله لا يظلني ظل حتى يرجع ، فأنزل الله في ذلك أن يحسن إليهما ، ولا يطيعهما في الشرك .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11)
أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله } إلى قوله { وليعلمن المنافقين } قال : أناس يؤمنون بألسنتهم ، فإذا أصابهم بلاء من الناس ، أو مصيبة في أنفسهم ، أو أموالهم ، فتنوا فجعلوا ذلك في الدنيا كعذاب الله في الآخرة . (8/28)
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { ومن الناس من يقول آمنا بالله . . . } قال : كان أناس من المؤمنين آمنوا وهاجروا ، فلحقهم أبو سفيان فرد بعضهم إلى مكة فعذبهم ، فافتتنوا ، فأنزل الله فيهم هذا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في قوله { فإذا أوذي في الله . . . } قال : إذا أصابه بلاء في الله عدل بعذاب الله عذاب الناس يرتد عن دين الله إذا أوذي في الله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فتنة الناس . . . } قال : يرتد عن دين الله إذا أوذي في الله .
وأخرج أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن ماجة وأبو يعلى وابن حبان وأبو نعيم والبيهقي في شعب الإِيمان والضياء عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت علي ثالثة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا ما يواري ابط بلال » .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { ومن الناس من يقول آمنا بالله . . . } قال : ناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون ، فإذا أوذوا وأصابهم بلاء من المشركين ، رجعوا إلى الكفر والشرك مخافة من يؤذيهم ، وجعلوا اذى الناس في الدنيا كعذاب الله .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه { ومن الناس من يقول آمنا بالله } إلى قوله { وليعلمن المنافقين } قال : هذه الآيات نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة ، وهذه الآيات العشر مدنية .
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13)
أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه { وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم } قال : قول كفار قريش بمكة لمن آمن منهم قالوا : لا نبعث نحن ولا أنتم ، فاتبعونا فإن كان عليكم شيء فعلينا . (8/29)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك { وقال الذين كفروا } هم القادة من الكفار { للذين آمنوا } لمن آمن من الاتباع { اتبعوا سبيلنا } ديننا ، واتركوا دين محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { وما هم بحاملين } قال : بفاعلين { وليحملن أثقالهم } قال : أوزارهم { وأثقالا مع أثقالهم } قال : أوزار من أضلوا .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر عن ابن الحنفية رضي الله عنه قال : كان أبو جهل وصناديد قريش يتلقون الناس إذا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسلمون ، يقولون : إنه يحرم الخمر ، ويحرم الزنا ، ويحرم ما كانت تصنع العرب ، فارجعوا فنحن نحمل أوزاركم . فنزلت هذه الآية { وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم } .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه { وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم } قال : هي مثل التي في النحل { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم } [ النحل : 25 ] .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه { وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم } قال : حملهم ذنوب أنفسهم ، وذنوب من اطاعهم ، ولا يخفف ذلك عمن اطاعهم من العذاب شيئاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه وعمل به فله مثل أجور الذين اتبعوه ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ، وأيما داع دعا إلى ضلالة فأتبع عليها وعمل بها فعليه مثل أوزار الذين اتبعوه ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً » قال عون : وكان الحسن رضي الله عنه مما يقرأ عليها { وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم . . } إلى آخر الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي امامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « اياكم والظلم فإن الله يقول يوم القيامة : وعزتي لا يجيزني اليوم ظلم ، ثم ينادي مناد فيقول : أين فلان ابن فلان؟ فيأتي فيتبعه من الحسنات أمثال الجبال ، فيشخص الناس إليها أبصارهم ، ثم يقوم بين يدي الرحمن ، ثم يأمر المنادي ينادي : من كانت له تباعة أو ظلامة عند فلان ابن فلان فهلم ، فيقومون حتى يجتمعوا قياماً بين يدي الرحمن فيقول الرحمن : اقضوا عن عبدي فيقولون : كيف نقضي عنه؟ فيقول : خذوا له من حسناته . فلا يزالون يأخذون منها حتى لا تبقى منها حسنة ، وقد بقي من أصحاب الظلامات فيقول : اقضوا عن عبدي فيقولون : لم يبق له حسنة فيقول : خذوا من سيئاته ، فاحملوها عليه ، ثم نزع النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية { وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم } » .
وأخرج أحمد عن حذيفة رضي الله عنه قال : سأل رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمسك القوم ، ثم إن رجلاً أعطاه ، فأعطى القوم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم « من سن خيراً فاستن به كان له أجره ومن أجور من تبعهم غير منتقص من أجورهم شيئاً ، ومن أسن شراً فاستن به كان عليه وزره ومن أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم شيئاً » . (8/30)
وأخرج الترمذي وحسنه وابن مردويه عن أبي هريرة وأبي الدرداء قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « سيروا سبق المفردون . قيل : يا رسول الله ومن المفردون؟ قال : الذين يهترون في ذكر الله ، يضع الذكر عنهم أثقالهم ، فيأتون يوم القيامة خفافاً » .
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ (15)
أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : بعث الله نوحاً وهو ابن أربعين سنة ، ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله ، وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا . (8/31)
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال : كان عمر نوح عليه السلام قبل أن يبعث إلى قومه وبعدما بعث الفاً وسبعمائة سنة .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : قال لي ابن عمر رضي الله عنهما كم لبث نوح عليه السلام في قومه؟ قلت : الف سنة إلا خمسين عاماً ، قال : فإن من كان قبلكم كانوا أطول أعماراً ، ثم لم يزل الناس ينقصون في الأخلاق والآجال والأحلام والأجسام إلى يومهم هذا .
وأخرج ابن جرير عن عون بن أبي شداد رضي الله عنه قال : إن الله أرسل نوحاً عليه السلام إلى قومه وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة ، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً ، ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاثمائة سنة .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الدنيا عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : جاء ملك الموت إلى نوح عليه السلام فقال : يا أطول النبيين عمراً كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال : كرجل دخل بيتاً له بابان فوقف وسط الباب هنيهة ثم خرج من الباب الآخر .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فأخذهم الطوفان } قال : الماء الذي أرسل عليهم .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال { الطوفان } الغرق .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فأنجيناه وأصحاب السفينة } قال : نوح وبنوه ونساء بنيه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وجعلناها آية للعالمين } قال : أبقاها الله آية فهي على الجودي . والله أعلم .
وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (18) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (22) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (23) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25) فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { إنما تعبدون من دون الله أوثاناً } قال : أصناماً { وتخلقون إفكا } قال : تصنعون أصناماً . (8/32)
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الحسن في قوله { وتخلقون إفكا } قال : تنحتون .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وتخلقون إفكا } قال : تصنعون كذباً .
وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد ، مثله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { كيف يُبْدِئ الله الخلق ثم يعيده } قال : يبعثه . وفي قوله { فانظروا كيف بدأ الخلق } قال : خلق السموات والأرض { ثم الله ينشئ النشأة الآخرة } قال : البعث بعد الموت . وفي قوله { فما كان جواب قومه } قال : قوم إبراهيم . وفي قوله { فأنجاه الله من النار } قال : قال كعب ما أحرقت النار منه إلا وثاقه . وفي قوله { قال إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا } قال : اتخذوها لثوابها في الحياة الدنيا { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً } قال : صارت كل خلة في الدنيا عداوة على أهلها يوم القيامة إلا خلة المتقين . وفي قوله { فآمن له لوط } قال : فصدقة لوط { وقال إني مهاجر إلى ربي } قال : هاجرا جميعاً من كوثي : وهي من سواد الكوفة إلى الشام . وفي قوله { وآتيناه أجره في الدنيا } قال : عافية وعملاً صالحاً وثناء حسناً ، فلست تلقى أحداً من أهل الملل إلا يرضى إبراهيم يتولاه .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود رضي الله عنه أنه قرأ « وتخلقون افكا » خفيفتين وقرأ « اوثاناً مودة » منصوبة منونة « بينكم » نصب .
وأخرج ابن أبي شيبة عن جبلة بن سحيم قال : سألت ابن عمر رضي الله عنهما عن صلاة المريض على العود قال : لا آمركم أن تتخذوا من دون الله أوثاناً . إن استطعت أن تصلي قائماً ، وإلا فقاعداً ، وإلا فمضطجعاً .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { النشأة الآخرة } قال : هي الحياة بعد الموت : وهو النشور .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فآمن له لوط } قال : صدق لوط إبراهيم عليهما السلام .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله { وقال إني مهاجر إلى ربي } قال : هو إبراهيم عليه السلام القائل إني مهاجر إلى ربي .
وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب رضي الله عنه في قوله { وقال إني مهاجر إلى ربي } قال : إلى حران .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ، مثله .
وأخرج ابن عساكر عن قتادة في قوله { وقال إني مهاجر إلى ربي } قال : إلى الشام كان مهاجر .
وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « سيهاجر خيار أهل الأرض هجرة بعد هجرة إلى مهاجر إبراهيم عليه السلام » . (8/33)
وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال : أول من هاجر من المسلمين إلى الحبشة بأهله عثمان بن عفان ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم « صحبهما الله إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوط » .
وأخرج ابن منده وابن عساكر عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : هاجر عثمان إلى الحبشة فقال النبي صلى الله عليه وسلم « إنه أول من هاجر بعد إبراهيم ولوط » .
وأخرج ابن عساكر والطبراني والحاكم في الكنى عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما كان بين عثمان ورقية وبين لوط من مهاجر » .
وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أول من هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان كما هاجر لوط إلى إبراهيم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ووهبنا له إسحاق ويعقوب } قال : هما ولدا إبراهيم . وفي قوله { وآتيناه أجره في الدنيا } قال : إن الله رضي أهل الأديان بدينه ، فليس من أهل دين إلا وهم يتولون إبراهيم ويرضون به .
وأخرج ابن ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وآتيناه أجره في الدنيا } قال : الثناء .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما { وآتيناه أجره في الدنيا } قال : الولد الصالح والثناء .
وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آَيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنهما في قوله { وتقطعون السبيل } قال : الطريق إذا مر بهم المسافر ، وهو ابن السبيل قطعوا به وعملوا به ذلك العمل الخبيث . (8/34)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله { وتأتون في ناديكم } قال : مجلسكم .
وأخرج الفريابي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن أبي الدنيا في كتاب الصمت وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والشاشي في مسنده والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن أم هانىء بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى { وتأتون في ناديكم المنكر } قال « كانوا يجلسون بالطريق فيخذفون ابن السبيل ويسخرون منهم » .
وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخذف ، وهو قول الله { وتأتون في ناديكم المنكر } .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله { وتأتون في ناديكم المنكر } قال : الخذف ، فقال رجل : وما لي قلت هكذا؟ فأخذ ابن عمر كفا من حصباء ، فضرب به وجهه وقال : في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تأخذ بالمعاريض .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وتأتون في ناديكم المنكر } قال : الخذف .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه { وتأتون في ناديكم المنكر } قال : كانوا يخذفون الناس .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والخرائطي في مساوىء الأخلاق عن مجاهد في قوله { وتأتون في ناديكم المنكر } قال : كان يجامع بعضهم بعضاً في المجالس .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { وتأتون في ناديكم المنكر } قال كانوا يعملون الفاحشة في مجالسهم .
وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها في قوله { وتأتون في ناديكم المنكر } قال : الضراط .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه سئل عن قول الله { وتأتون في ناديكم المنكر } ماذا كان المنكر الذي كانوا يأتون؟ قال : كانوا يتضارطون في مجالسهم ، يضرط بعضهم على بعض . والنادي هو المجلس .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وتأتون في ناديكم المنكر } قال : الصفير ، ولعب الحمام ، والجلاهق ، وحل ازرار القباء .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { قال إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها } قال : لا يلقى المؤمن إلا يرحم المؤمن ويحوطه حيثما كان وفي قوله { إلا امرأته كانت من الغابرين } قال : من الباقين في عذاب الله .
وفي قوله { ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً } قال : ساء بقومه ظناً ، يتخوّفهم على اضيافه ، وضاق ذرعاً بضيفه مخافة عليهم . وفي قوله { إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء } قال : عذاباً من السماء . وفي قوله { ولقد تركنا منها آية بينة } قال : هي الحجارة التي أمطرت عليهم أبقاها الله . (8/35)
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ولقد تركنا منها آية بينة } قال : عبرة .
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)
أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { فأخذتهم الرجفة } قال : الصيحة . وفي قوله { وكانوا مستبصرين } قال : في الضلالة . (8/36)
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { فأصبحوا في دارهم جاثمين } قال : ميتين . وفي قوله { وكانوا مستبصرين } قال : معجبين بضلالتهم . وفي قوله { فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً } قال : هم قوم لوط { ومنهم من أخذته الصيحة } قال : قوم صالح ، وقوم شعيب { ومنهم من خسفنا به الأرض } قال : قارون { ومنهم من أغرقنا } قال : قوم نوح ، وفرعون وقومه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { أرسلنا عليه حاصباً } قال : حجارة .
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42)
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت } قال : هذا مثل ضربه الله للمشرك . انه لن يغني عنه إلهه شيئاً من ضعفه وقلة اجزائه ، مثل ضعف بيت العنكبوت . (8/37)
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء } قال : ذاك مثل ضربه الله لمن عبد غيره . إن مثله كمثل بيت العنكبوت .
وأخرج أبو داود في مراسيله عن يزيد بن مرثد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « العنكبوت شيطان مسخها الله ، فمن وجدها فليقتلها » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن ميسرة قال ( العنكبوت ) شيطان .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال : نسجت العنكبوت مرتين . مرة على داود عليه السلام . والثانية على النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج الخطيب عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « دخلت أنا وأبو بكر الغار ، فاجتمعت العنكبوت فنسجت بالباب ، فلا تقتلوهن » .
وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44)
أخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن مرة قال : ما مررت بآية في كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنتني ، لأني سمعت الله تعالى يقول { وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون } . (8/38)
اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } يقول : في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله . (8/39)
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } قال : الصلاة فيها ثلاث خلال : الاخلاص ، والخشية ، وذكر الله ، فكل صلاة ليس فيها من هذه الخلال فليس بصلاة . فالاخلاص يأمره بالمعروف ، والخشية تنهاه عن المنكر ، وذكر الله القرآن يأمره وينهاه .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع بن أنس رضي الله عنه أنه كان يقرأها { إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر } .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } فقال « من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له » .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعداً » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في شعب الايمان عن الحسن رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له . وفي لفظ لم يزدد بها من الله إلا بعداً » .
وأخرج الخطيب في رواة مالك عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من صلى صلاة لم تأمره بالمعروف وتَنْهَهُ عن المنكر لم تزده صلاته من الله إلا بعداً » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « لا صلاة لمن لم يطع الصلاة ، وطاعة الصلاة أن تنهى عن الفحشاء والمنكر » .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قيل له : إن فلاناً يطيل الصلاة قال : إن الصلاة لا تنفع إلا من أطاعها ، ثم قرأ { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } .
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : من لم تأمره الصلاة بالمعروف ، وتنهه عن المنكر ، لم يزدد من الله إلا بعداً .
وأخرج أحمد وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال
« جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن فلاناً يصلي بالليل فإذا أصبح سرق قال : إنه سينهاه ما تقول » . (8/40)
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال : يا ابن آدم نما الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فإن لم تنهك صلاتك عن الفحشاء والمنكر فإنك لست تصلي .
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من صلى صلاة لم تنهه عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عون الأنصاري في قوله { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر . . . } قال : إذا كنت في صلاة فأنت في معروف ، وقد حجزتك الصلاة عن الفحشاء والمنكر ، والذي أنت فيه من ذكر الله أكبر .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حماد بن أبي سليمان رضي الله عنه في قوله { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } قال : ما دمت فيها .
وأخرج ابن جرير عن ابن عمر رضي الله عنهما { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } قال : القرآن الذي يقرأ في المساجد .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولذكر الله أكبر } قال : ولذكر الله لعباده إذا ذكروه أكبر من ذكرهم إياه .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن ربيعة قال : سألني ابن عباس رضي الله عنهما عن قول الله { ولذكر الله أكبر } فقلت : ذكر الله بالتسبيح ، والتهليل ، والتكبير . قال : لا . ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه ، ثم قرأ { اذكروني أذكركم } [ البقرة : 152 ] .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد الزهد وابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه { ولذكر الله أكبر } قال : ذكر الله العبد أكبر من ذكر العبد لله .
وأخرج ابن السني وابن مردويه والديلمي عن ابن عمر رضي الله عنهما « عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { ولذكر الله أكبر } قال » ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه « » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عطية رضي الله عنه في قوله { ولذكر الله أكبر } قال : هو قوله { فاذكروني أذكركم } فذكر الله إياكم أكبر من ذكركم اياه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه { ولذكر الله أكبر } قال : لذكر الله عبده أكبر من ذكر العبد ربه ، في الصلاة وغيرها .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن { ولذكر الله أكبر } يقول : لذكر الله إياكم إذا ذكرتموه أكبر من ذكركم اياه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن جابر قال : سألت أبا قرة عن قوله { ولذكر الله أكبر } قال : ذكر الله أكبر من ذكركم إياه . (8/41)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولذكر الله } عندما حرمه ، وذكر الله إياكم أعظم من ذكركم إياه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي مالك رضي الله عنه { ولذكر الله أكبر } قال : ذكر الله العبد في الصلاة أكبر من الصلاة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ولذكر الله أكبر } قال : لا شيء أكبر من ذكر الله .
وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله . قالوا : ولا الجهاد في سبيل الله قال : ولا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع ، لأن الله تعالى يقول في كتابه { ولذكر الله أكبر } .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والحاكم في الكنى والبيهقي في شعب الإِيمان عن عنترة قال : قلت لابن عباس رضي الله عنهما : أي العمل أفضل؟ قال : ذكر الله أكبر ، وما قعد قوم في بيت من بيوت الله يدرسون كتاب الله ويتعاطونه بينهم ، إلا أظلتهم الملائكة بأجنحتها ، وكانوا أضياف الله ما داموا فيه حتى يفيضوا في حديث غيره ، وما سلك رجل طريقاً يلتمس فيه العلم إلا سهل الله له طريقاً إلى الجنة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : ألا أخبركم بخير أعمالكم وأحبها إلى مليككم ، وأنماها في درجاتكم ، وخير من أن تلقوا عدوكم ، فيضربوا رقابكم ، وتضربوا رقابهم ، وخير من اعطاء الدنانير والدراهم . قالوا : وما هو يا أبا الدرداء؟ قال : ذكر الله { ولذكر الله أكبر } .
وأخرج ابن جرير والبيهقي عن أم الدرداء رضي الله عنها قالت { ولذكر الله أكبر } وإن صليت فهو من ذكر الله ، وإن صمت فهو من ذكر الله ، وكل خير تعمله فهو من ذكر الله ، وأفضل من ذلك تسبيح الله .
وأخرج ابن جرير عن سلمان رضي الله عنه أنه سئل أي العمل أفضل؟ قال : أما تقرأ القرآن { ولذكر الله أكبر } لا شيء أفضل من ذكر الله . والله أعلم .
وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (47)
أخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد في قوله { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم } قال : الذين قالوا : مع الله إله أو له ولد أو له شريك ، أو يد الله مغلولة ، أو الله فقير ونحن أغنياء ، أو آذى محمداً صلى الله عليه وسلم وهم أهل الكتاب . وفي قوله { وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم } قال : لمن يقول هذا منهم . يعني من لم يقل مع الله إله ، أو له ولد ، أو له شريك ، أو يد الله مغلولة ، أو الله فقيراً ، وآذى محمداً صلى الله عليه وسلم . (8/42)
وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد في قوله { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } قال : إن قالوا شراً فقولوا خيراً { إلا الذين ظلموا منهم } فانتصروا منهم .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم } قال : لا تقاتلوا إلا من قاتل ولم يعط الجزية ، ومن أدى منهم الجزية فلا تقولوا لهم إلا حسناً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } قال : بلا إله إلا الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن حسين في الآية قال : { بالتي هي أحسن } قولوا { آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون } فهذه مجادلتهم بالتي هي أحسن .
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } قال : نهى عن مجادلتهم في هذه الآية . ثم نسخ ذلك فقال { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر . . . } ولا مجادلة أشد من السيف .
وأخرج البخاري والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ، ويفسرونها بالعربية لأهل الإِسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ، وقولوا { آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون } » .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال : كانت اليهود يحدثون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيسبحون كأنهم يعجبون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، وقولوا { آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون } » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن سعد وأحمد والبيهقي في سننه عن أبي نملة الأنصاري رضي الله عنه أن رجلاً من اليهود قال لجنازة : أنا أشهد أنها تتكلم .
فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ، وقولوا : آمنا بالله وكتبه ورسله ، فإن كان حقاً لم تكذبوهم ، وإن كان باطلاً لم تصدقوهم » . (8/43)
وأخرج البيهقي في سننه وفي الشعب والديلمي وأبو نصر السجزي في الابانة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا تسألوا هل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا ، إما أن تصدقوا بباطل أو تكذبوا بحق ، والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني » .
وأخرج عبد الرزاق عن زيد بن أسلم قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا أنفسهم » .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا ، لتكذبوا بحق وتصدقوا بباطل . فإن كنتم سائليهم لا محالة فانظروا ما واطأ كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فدعوه .
وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50)
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد؛ في قوله { وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك } قال : كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يخط بيمينه ، ولا يقرأ كتاباً . فنزلت { وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون } قريش . (8/44)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والاسمعيلي في معجمه عن ابن عباس في قوله { وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك } قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ولا يكتب ، كان أمياً . وفي قوله { بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } قال : كان الله أنزل شأن محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإِنجيل لأهل العلم ، وعلمه لهم وجعله لهم آية فقال لهم : إن آية نبوته أن يخرج حين يخرج لا يعلم كتاباً ولا يخطه بيمينه . وهي الآيات البينات التي قال الله تعالى .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك } قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقرأ كتاباً قبله ، ولا يخطه بيمينه ، وكان أمياً لا يكتب . وفي قوله { آيات بينات } قال : النبي آية بينة { في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب } قال : وقال الحسن : القرآن { آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم } يعني المؤمنين .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقرأ ولا يكتب ، وكذلك جعل نعته في التوراة والإِنجيل أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب . وهي الآية البينة . وهي قوله { وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون } قال : يعني صفته التي وصف لأهل الكتاب يعرفونه بالصفة .
وأخرج البيهقي في سننه عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله { وما كنت تتلو من قبله من كتاب . . . } قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ولا يكتب .
أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (52)
أخرج الدارمي وأبو داود في مراسيله وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن يحيى بن جعدة رضي الله عنه قال : جاء ناس من المسلمين بكتب قد كتبوها فيها بعض ما سمعوه من اليهود . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كفى بقوم حمقا ، أو ضلالة أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم . فنزلت { أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم . . . } الآية » . (8/45)
وأخرج الاسمعيلي في معجمه وابن مردويه من طريق يحيى بن جعدة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتبون من التوراة ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال » إن أحمق الحمق ، وأضل الضلالة قوم رغبوا عما جاء به نبيهم صلى الله عليه وسلم إلى نبي غير نبيهم ، والى أمة غير أمتهم « . ثم أنزل الله { أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم . . } » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي في شعب الإِيمان عن الزهري : « أن حفصة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب من قصص يوسف في كتف ، فجعلت تقرأه عليه والنبي صلى الله عليه وسلم يتلون وجهه فقال » والذي نفسي بيده لو أتاكم يوسف وأنا بينكم فاتبعتموه وتركتموني لضللتم « » .
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن الضريس والحاكم في الكني والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبدالله بن ثابت بن الحرث الأنصاري قال : « دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب فيه مواضع من التوراة فقال : هذه أصبتها مع رجل من أهل الكتاب أعرضها عليك . فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغيراً شديداً لم أر مثله قط ، فقال عبدالله بن الحارث لعمر رضي الله عنهما : أما ترى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال عمر رضي الله عنه : رضينا بالله رباً ، وبالإِسلام ديناً ، وبمحمد نبياً . فسرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال » ولو نزل موسى فأتبعتموه وتركتموني لضللتم ، انا حظكم من النبيين ، وأنتم حظي من الأمم « » .
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن أبي قلابة « أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر برجل يقرأ كتاباً ، فاستمعه ساعة ، فاستحسنه فقال للرجل : اكتب لي من هذا الكتاب قال : نعم . فاشترى أديما فهيأه ثم جاء به إليه ، فنسخ له في ظهره وبطنه ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل يقرأه عليه ، وجعل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلون ، فضرب رجل من الأنصار بيده الكتاب وقال : ثكلتك أمك يا ابن الخطاب أما ترى ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ اليوم وأنت تقرأ عليه هذا الكتاب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك » إنما بعثت فاتحاً وخاتماً ، وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه ، واختصر لي الحديث اختصاراً ، فلا يهلكنكم المتهوكون « » .
وأخرج البيهقي وضعفه عن عمر بن الخطاب قال : « سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تعلم التوراة فقال » لا تتعلمها وآمن بها ، وتعلموا ما أنزل إليكم وآمنوا به « » . (8/46)
وأخرج ابن الضريس عن الحسن أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : « يا رسول الله إن أهل الكتاب يحدثونا بأحاديث قد أخذت بقلوبنا ، وقد هممنا أن نكتبها فقال » يا ابن الخطاب أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصاري؟! أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، ولكني أعطيت جوامع الكلم ، واخْتُصِرَ لي الحديث اختصاراً « .
وأخرج ابن عساكر عن ابن أبي ملكية قال : أهدى عبد الله بن عامر بن كرز إلى عائشة رضي الله عنها هدية ، فظنت أنه عبد الله بن عمرو ، فردتها وقالت : يتتبع الكتب وقد قال الله { أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } ! فقيل لها : إنه عبد الله بن عامر . فقبلتها .
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (53) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (54) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55)
أخرج ابن جرير عن قتادة { ويستعجلونك بالعذاب } قال : قال ناس من جهلة هذه الأمة { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } . (8/47)
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون } قال : يوم بدر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } قال : جهنم هو هذا البحر الأخضر تنتثر الكواكب فيه ، ويكون فيه الشمس والقمر ، ثم تستوقد ، ثم يكون هو جهنم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { وإن جهنم لمحيطة } قال : البحر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { يوم يغشاهم العذاب } قال : النار .
يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56)
أخرج الفريابي وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة } قال : إذا عمل في الأرض بالمعاصي فأخرجوا منها . (8/48)
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { إن أرضي واسعة } قال : من أمر بمعصية فليهرب .
وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد في قوله { يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون } قال : فهاجروا وجاهدوا .
وأخرج ابن أبي الدنيا في العزلة وابن جرير عن عطاء في الآية قال : إذا أمرتم بالمعاصي فاذهبوا ، فإن أرضي واسعة .
وأخرج أحمد عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « البلاد بلاد الله ، والعباد عباد الله ، فحيثما أصبت خيراً فأقم » .
وأخرج الطبراني والقضاعي والشيرازي في الألقاب والخطيب وابن النجار والبيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « سافروا تصحوا وتغنموا » .
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59)
أخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لما نزلت هذه الآية { إنك ميت وإنهم ميتون } قلت : يا رب أيموت الخلائق كلهم وتبقى الأنبياء؟ نزلت { كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون } » . (8/49)
وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (63)
أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر بسند ضعيف عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : « خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل بعض حيطان المدينة ، فجعل يلتقط من التمر ويأكل ، فقال » يا ابن عمر مالك لا تأكل! قلت : لا أشتهيه يا رسول الله . قال : لكني أشتهيه وهذه صبح رابعة منذ لم أذق طعاماً ولم أجده ، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسى وقيصر ، فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبؤون رزق سنتهم ، ويضعف اليقين؟ قال : فوالله ما برحنا ، ولا رمنا حتى نزلت { وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله لم يأمرني بكنز الدنيا ، ولا باتباع الشهوات ألا وإني ، لا أكنز ديناراً ، ولا درهماً ، ولا أدخر رزقاً لغد « » . (8/50)
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وكأين من دابة لا تحمل رزقها } قال : الطير ، والبهائم .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن الأقمر في قوله { وكأين من دابة لا تحمل رزقها } قال : لا تدخر شيئاً لغد .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي مجلز في الآية قال : من الدواب لا يستطيع أن يدخر لغد ، يوفق رزقه كل يوم حتى يموت .
وأخرج ابن جرير عن قتادة { فأنى يؤفكون } قال : يعدلون .
وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (66)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وإن الدار الآخرة لهي الحيوان } قال : باقية . (8/51)
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { لهي الحيوان } قال : الحياة الدائمة .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي جعفر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يا عجباً كل العجب للمصدق بدار الحيوان ، وهو يسعى لدار الغرور! » .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { فإذا ركبوا في الفلك . . . } قال : الخلق كلهم يقرون لله أنه ربهم ، ثم يشركون بعد ذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { فتمتعوا فسوف تعلمون } قال : ما كان في الدنيا فسوف ترونه ، وما كان في الآخرة فسيبدو لكم .
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمنا . . . } قال : قد كان لهم في ذلك آية ، إن الناس يغزون ويتخطفون وهم آمنون { أفبالباطل يؤمنون } أي بالمشرك { وبنعمة الله يكفرون } أي يجحدون . (8/52)
وأخرج جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم قالوا : يا محمد ما يمنعنا أن ندخل في دينك إلا مخافة أن يتخطفنا الناس لقلتنا ، والعرب أكثر منا ، فمتى بلغهم أنا قد دخلنا في دينك اختطفنا فكنا أكلة رأس . فأنزل الله { أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً } .
الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6)
أخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل والضياء عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { الم غلبت الروم } قال : غلبت . وغلبت قال : كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم لأنهم أصحاب أوثان ، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أصحاب كتاب ، فذكروه لأبي بكر رضي الله عنه ، فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أما أنهم سيغلبون فذكره أبو بكر رضي الله عنه لهم فقالوا : اجعل بيننا وبينك أجلاً فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا ، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا . فجعل بينهم أجلاً خمس سنين ، فلم يظهروا ، فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : الا جعلته أراه قال : دون العشر فظهرت الروم بعد ذلك » فذلك قوله { الم غلبت الروم } فغلبت ، ثم غلبت بعد . يقول الله { لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله } قال سفيان : سمعت أنهم قد ظهروا عليهم يوم بدر . (8/53)
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : كان فارس ظاهرين على الروم ، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم ، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس ، لأنهم أهل كتاب وهم أقرب إلى دينهم . فلما نزلت { الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين } قالوا : يا أبا بكر إن صاحبك يقول إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين . قال : صدق قالوا : هل لك إلى أن نقامرك؟ فبايعوه على أربعة قلائص إلى سبع سنين ، فمضى السبع سنين ولم يكن شيء . ففرح المشركون بذلك وشق على المسلمين . وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال « ما بضع سنين عندكم؟ قالوا : دون العشر . قال : اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجل . قال : فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس ، ففرح المؤمنون بذلك ، وأنزل الله { الم غلبت الروم } إلى قوله { وعد الله لا يخلف الله وعده } » .
وأخرج أيو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : لما أنزلت { الم غلبت الروم . . . } قال المشركون لأبي بكر رضي الله عنه : ألا ترى إلى ما يقول صاحبك . يزعم أن الروم تغلب فارس؟ قال : صدق صاحبي . قالوا : هل لك أن نخاطرك؟ فجعل بينه وبينهم أجلاً ، فحل الأجل قبل أن يبلغ الروم فارس ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فساءه وكرهه وقال لأبي بكر
« ما دعاك إلى هذا؟ قال : تصديقاً لله ورسوله ، فقال : تعرض لهم ، وأعظم الخطر ، واجعله إلى بضع سنين . فأتاهم أبو بكر رضي الله عنه فقال : هل لكم في العود فإن العود أحمد؟ قالوا : نعم . ثم لم تمض تلك السنون حتى غلبت الروم فارس ، وربطوا خيولهم بالمدائن وبنو الرومية ، فقمر أبو بكر فجاء به أبو بكر يحمله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا السحت تصدق به » . (8/54)
وأخرج الترمذي وصححه والدارقطني في الافراد والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والبيهقي في شعب الإِيمان عن يسار بن مكرم السلمي قال : لما نزلت { الم غلبت الروم . . . } . كانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين الروم ، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل كتاب ، وفي ذلك يقول الله { ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله } وكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا أهل كتاب ولا إيمان ببعث ، فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر رضي الله عنه يصيح في نواحي مكة { الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين } فقال ناس من قريش لأبي بكر : ذاك بيننا وبينكم يزعم صاحبك إن الروم ستغلب فارس في بضع سنين أفلا نراهنك على ذاك؟ قال : بلى - وذلك قبل تحريم الرهان - فارتهن أبو بكر رضي الله عنه المشركون ، وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر : لم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين ، فسم بيننا وبينك وسطاً تنتهي إليه قال : فسموا بينهم ست سنين ، فمضت الست قبل أن يظهروا ، فأخذ المشركون رهن أبي بكر رضي الله عنه فلما دخلت السنة السابعه ظهرت الروم على فارس ، فعاب المسلمون على أبي بكر رضي الله عنه بتسميته ست سنين قال : لأن الله قال { في بضع سنين } فأسلم عند ذلك ناس كثير .
وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر رضي الله عنه : لما نزلت { الم غلبت الروم } ألا يغالب البضع دون العشر » .
وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ابن شهاب رضي الله عنه قال : بلغنا أن المشركين كانوا يجادلون المسلمين وهم بمكة يقولون : الروم أهل كتاب وقد غلبتهم الفرس ، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبون بالكتاب الذي أنزل على نبيكم ، وسنغلبكم كما غلبت فارس الروم ، فأنزل الله { الم غلبت الروم } قال ابن شهاب : فاخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال : إنه لما نزلت هاتان الآيتان قامر أبو بكر بعض المشركين - قبل أن يحرم القمار - على شيء إن لم تغلب الروم فارس في بضع سنين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« لم فعلت؟ فكل ما دون العشر بضع » فكان ظهور فارس على الروم في سبع سنين ، ثم أظهر الله الروم على فارس زمن الحديبية ، ففرح المسلمون بظهور أهل الكتاب . (8/55)
وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد قال : كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس ، فأعجب ذلك المؤمنين ، فنزلت { الم غلبت الروم } قرأها بالنصب إلى قوله { يفرح المؤمنون بنصر الله } قال : ففرح المؤمنون بظهور الروم على فارس قال الترمذي : هكذا قرأ { غلبت } .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر من طريق عطية العوفي عن ابن عباس في قوله { الم غلبت الروم } قال : قد مضى . كان ذلك في أهل فارس والروم ، وكانت فارس قد غلبتهم ، ثم غلبت الروم بعد ذلك ، والتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مشركي العرب ، والتقى الروم مع فارس ، فنصر الله النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين على مشركي العرب ، ونصر أهل الكتاب على العجم . قال عطية : وسألت أبا سعيد الخدري عن ذلك فقال : التقينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشركي العرب ، والتقت الروم وفارس ، فنصرنا على مشركي العرب ، ونصر أهل الكتاب على المجوس ، ففرحنا بنصر الله إيانا على المشركين ، وفرحنا بنصر أهل الكتاب على المجوس ، فذلك قوله { ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن قتادة { الم غلبت الروم في أدنى الأرض } قال : غلبتهم أهل فارس على أدنى أرض : الشام . { وهم من بعد غلبهم سيغلبون } قال : لما أنزل الله هؤلاء الآيات صدق المسلمون ربهم ، وعرفوا أن الروم ستظهر على أهل فارس ، فاقتمروا هم والمشركون خمس قلائص ، وأجلوا بينهم خمس سنين ، فولي قمار المسلمين أبو بكر ، وولي قمار المشركين أبي بن خلف - وذلك قبل أن ينهى عن القمار - فجاء الأجل ولم تظهر الروم على فارس ، فسأل المشركون قمارهم ، فذكر ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال « ألم تكونوا أَحِقَّاءَ أن تؤجلوا أجلا دون العشر؟ فإن البضع ما بين الثلاث إلى العشر ، فزايدوهم وما دوهم في الأجل ، فأظهر الله الروم على فارس عند رأس السبع من قمارهم الأول ، فكان ذلك مرجعهم من الحديبيه ، وكان مما شد الله به الإِسلام ، فهو قوله { ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله } » .
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن الزبير الكلابي قال : رأيت غلبة فارس الروم ، ثم رأيت غلبة الروم فارس ، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم ، وظهورهم على الشام والعراق ، كل ذلك في خمس عشرة سنة .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سيجيء أقوام يقرأون { غلبت الروم } وإنما هي { غُلبت } . (8/56)
وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن غنم قال : سألت معاذ بن جبل رضي الله عنه عن قول الله { الم غلبت الروم } أو { غلبت } فقال : اقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم { الم غلبت الروم } .
وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { الم غلبت الروم } قال : غلبتهم فارس ، ثم غلبت الروم فارس . وفي قوله { في أدنى الأرض } قال : في طرف الأرض : الشام .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « البضع : ما بين السبع إلى العشرة »
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن نيار بن مكرم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « البضع : ما بين الثلاث إلى التسع » .
وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر من طريق ابراهيم بن سعد عن أبي الحويرث رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « ال { بضع سنين } ما بين خمس إلى سبع » .
وأخرج ابن عبد الحكم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ال { بضع } سبع سنين .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه { الم غلبت الروم } إلى قوله { أكثر الناس لا يعلمون } قال : ذكر غلبة فارس اياهم ، وادالة الروم على فارس ، وفرح المؤمنون بنصر الله أهل الكتاب على فارس من أهل الأوثان .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة « أن الروم وفارس اقتتلوا في أدنى الأرض قال : وأدنى الأرض يومئذ أذرعات . بها التقوا فهزمت الروم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم بمكة ، فشق ذلك عليهم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يظهر الأميون من المجوس على أهل الكتاب من الروم ، وفرح الكفار بمكة وشتموا ، فلقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب ، وقد ظهر اخواننا من أهل فارس على اخوانكم من أهل الكتاب ، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم . فأنزل الله { الم غلبت الروم . . . } . فخرج أبو بكر رضي الله عنه إلى الكفار فقال : فرحتم بظهور إخوانكم على اخواننا فلا تفرحوا ولا يقرن الله عينكم ، فوالله لتظهرن الروم على فارس ، أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم فقام إليه أبي بن خلف فقال : كذبت . فقال له أبو بكر رضي الله عنه : أنت أكذب يا عدو الله . قال : إنا أحبك عشر قلائص مني وعشر قلائص منك فإن ظهرت الروم على فارس غرمت ، وإن ظهرت فارس غرمت إلى ثلاث سنين ، فجاء أبو بكر رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبره فقال
« ما هكذا ذكرت ، إنما البضع من الثلاث إلى التسع ، فزايده في الخطر ، وماده في الأجل ، فخرج أبو بكر رضي الله عنه فلقي أبياً فقال : لعلك ندمت قال : لا . قال : تعال أزايدك في الخطر ، وأمادك في الأجل ، فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين قال : قد فعلت » . (8/57)
وأخرج ابن جرير عن سليط قال : سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقرأ { الم غلبت الروم } قيل له : يا أبا عبد الرحمن على أي شيء غلبوا؟ قال : على ريف الشام .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج { لله الأمر من قبل } دولة فارس على الروم { ومن بعد } دولة الروم على فارس .
يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (10) اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (12) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (13)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما { يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا } يعني معايشهم . متى يغرسون ، ومتى يزرعون ، ومتى يحصدون . (8/58)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما { يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا } يعرفون عمران الدنيا ، وهم في أمر الآخرة جهال .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا } قال : يعلمون تجارتها ، وحرفتها ، وبيعها .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا } قال : معايشهم ، وما يصلحهم .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال : ليبلغ من حذق أحدهم بأمر دنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره ، فيخبرك بوزنة ، وما يحسن يصلي .
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو في قوله { كانوا هم أشد منهم قوة } قال : كان الرجل ممن كان قبلكم بين منكبيه ميل .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وأثاروا الأرض } قال : حرثوا الأرض .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { وأثاروا الأرض } يقول : جنانها ، وأنهارها ، وزروعها { وعمروها أكثر مما عمروها } يقول : عاشوا فيها أكثر من عيشكم فيها .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوأى } قال : الذين كفروا جزاؤهم العذاب .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال { السوأى } الاساءة جزاء المسيئين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { يبلس } قال : ييأس .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { يبلس } قال : يكتئب .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال { يبلس } قال : يكتئب .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال : الابلاس الفضيحة .
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (16)
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } قال : فرقة لا اجتماع بعدها . (8/59)
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله { يومئذ يتفرقون } قال : هؤلاء في عليين ، وهؤلاء في أسفل سافلين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله { في روضة } يعني بساتين الجنة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { في روضة يحبرون } قال : في جنة يكرمون .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { يحبرون } قال : يكرمون .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { يحبرون } قال : ينعمون .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد بن السري وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والخطيب في تاريخه عن يحيى بن أبي كثير { في روضة يحبرون } قال : لذة السماع في الجنة .
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن أبي كثير في قوله { يحبرون } قيل : « يا رسول الله ما الحبر؟ قال » اللذة والسماع « » .
وأخرج ابن عساكر عن الأوزاعي في قوله { في روضة يحبرون } قال : هو السماع ، إذا أراد أهل الجنة أن يطربوا أوحى الله إلى رياح يقال لها : الهفافة . فدخلت في آجام قصب اللؤلؤ الرطب فحركته ، فضرب بعضه بعضاً فتطرب الجنة ، فإذا طربت لم يبق في الجنة شجرة إلا وردت .
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن جرير والبيهقي عن مجاهد رضي الله عنه ، أنه سئل هل في الجنة سماع؟ فقال : إن فيها لشجرة يقال لها القيض لها سماع لم يسمع السامعون إلى مثله .
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والاصبهاني في الترغيب عن محمد بن المنكدر قال : إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين الذين كانوا ينزعون أنفسهم عن اللهو ومزامير الشيطان؟ أسكنوهم رياض المسك ، ثم يقول للملائكة : أسمعوهم حمدي وثنائي ، وأعلموهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
وأخرج الدينوري في المجالسة عن مجاهد رضي الله عنه قال : ينادي مناد يوم القيامة أين الذين كانوا ينزهون أصواتهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان؟ فيحملهم الله في رياض الجنة من مسك فيقول للملائكة « اسمعوا عبادي تحميدي وتمجيدي ، وأخبروهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون » .
وأخرج الديلمي عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا كان يوم القيامة قال الله : أين الذين كانوا ينزهون اسماعهم وأبصارهم عن مزامير الشيطان ميزوهم؟ فيميزون في كتب المسك والعنبر ثم يقول للملائكة : أسمعوهم من تسبيحي ، وتحميدي ، وتهليلي ، قال : فيسبحون بأصوات لم يسمع السامعون بمثلها قط » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والضياء المقدسي كلاهما في صفة الجنة بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : في الجنة شجرة على ساق قدر ما يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام ، فيخرج أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم ، فيتحدثون في ظلها ، فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا ، فيرسل الله ريحاً من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا . (8/60)
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سابط قال : إن في الجنة لشجرة لم يخلق الله من صوت حسن إلا وهو في جرمها يلذذهم وينعمهم .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رجل : يا رسول الله إني رجل حبب إليّ الصوت الحسن فهل في الجنة صوت حسن؟ فقال « أي والذي نفسي بيده إن الله يوحي إلى شجرة في الجنة : أن أسمعي عبادي الذين اشتغلوا بعبادتي وذكري عن عزف البرابط والمزامير ، فترفع بصوت لم يسمع الخلائق بمثله من تسبيح الرب وتقديسه » .
وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين في الجنة . قيل : ومن الروحانيون يا رسول الله؟ قال : قراء أهل الجنة » .
وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن سعيد بن أبي سعيد الحارثي رضي الله عنه قال : إن في الجنة آجاما من قصب من ذهب حملها اللؤلؤ ، إذا اشتهى أهل الجنة صوتاً بعث الله ريحاً على تلك الآجام ، فأتتهم بكل صوت حسن يشتهونه . والله أعلم .
فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19)
أخرج الفريابي وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أدنى ما يكون من الحين بكرة وعشيا ، ثم قرأ { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون } . (8/61)
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن أبي رزين رضي الله عنه قال : جاء نافع بن الأزرق إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال : هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال : نعم . فقرأ { فسبحان الله حين تمسون } صلاة المغرب ، { وحين تصبحون } صلاة الصبح { وعشيا } صلاة العصر { وحين تظهرون } صلاة الظهر وقرأ « ومن بعد صلاة العشاء » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جمعت هذه الآية مواقيت الصلاة { فسبحان الله حين تمسون } قال : المغرب والعشاء { وحين تصبحون } الفجر { وعشيا } العصر { وحين تظهرون } الظهر .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد ، مثله .
وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن السني في عمل يوم وليلة والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدعوات عن معاذ بن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم « ألا أخبركم لم سمّى الله إبراهيم خليله الذي وفى لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى { سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشياً وحين تظهرون } » .
وأخرج أبو داود والطبراني وابن السني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « من قال حين يصبح { سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشياً وحين تظهرون ، يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون } أدرك ما فاته في يومه ، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته من ليلته » .
وأخرج ابن مردويه والخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من قال حين أصبح سبحان الله وبحمده ألف مرة فقد اشترى نفسه من الله ، وكان آخر يومه عتيقاً من النار » .
وأخرج ابن ماجة في تفسيره وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال عمر رضي الله عنه : أما الحمد فقد عرفناه ، فقد يحمد الخلائق بعضهم بعضاً ، وأما لا إله إلا الله فقد عرفناها ، فقد عبدت الآلهة من دون الله ، وأما الله أكبر فقد يكبر المصلي ، وأما سبحان الله فما هو؟ فقال رجل من القوم : الله أعلم! فقال عمر رضي الله عنه : قد شقي عمر إن لم يكن يعلم أن الله يعلم ، فقال علي رضي الله عنه : يا أمير المؤمنين اسم ممنوع أن ينتحله أحد من الخلائق ، وإليه يفزع الخلق ، واحب أن يقال له ، فقال : هو كذاك .