صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور
المؤلف : عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وصنعت له النورة . وكان أول ما صنعت النورة ، وكان اسمها بلقيس .
وأخرج ابن عساكر عن عكرمة قال : لما تزوج سليمان بلقيس قال : ما مستني حديدة قط فقال للشياطين : أنظروا أي شيء يذهب بالشعر غير الحديد؟ فوضعوا له النورة ، فكان أول من وضعها شياطين سليمان .
وأخرج البخاري في تاريخه والعقيلي عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أول من صنعت له الحمامات سليمان » .
وأخرج الطبراني وابن عدي في الكامل والبيهقي في الشعب عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أول من دخل الحمام سليمان ، فلما وجد حره أوَّهَ من عذاب الله » .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال : لما قدمت ملكة سبأ على سليمان رأت حطباً جزلاً فقالت لغلام سليمان : هل يعرف مولاك كم وزن هذا الدخان؟ فقال : أنا أعلم فكيف مولاي؟ قالت : فكم وزنه؟ فقال الغلام : يوزن الحطب ثم يحرق ، ثم يوزن الرماد فما نقص فهو دخانه .
وأخرج البيهقي في الزهد عن الأوزاعي قال : كسر برج من أبراج تدمر ، فأصابوا فيه امرأة حسناء دعجاء مدمجة كأن أعطافها طي الطوامير ، عليها عمامة طولها ثمانون ذراعاً ، مكتوب على طرف العمامة بالذهب ( بسم الله الرحمن الرحيم ) أنا بلقيس ملكة سبأ زوجة سليمان بن داود ، ملكت الدنيا كافرة ومؤمنة ، ما لم يملكه أحد قبلي ولا يملكه أحد بعدي ، صار مصيري إلى الموت فأقصروا يا طلاب الدنيا .
وأخرج ابن عساكر عن سلمة بن عبد الله بن ربعي قال : لما أسلمت بلقيس تزوجها سليمان وأمهرها باعلبك .

(7/448)


وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45) قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58)

أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { فإذا هم فريقان يختصمون } قال : مؤمن ، وكافر ، قولهم صالح مرسل من ربه . وقولهم ليس بمرسل . وفي قوله { لم تستعجلون بالسيئة } قال : العذاب { قبل الحسنة } قال : الرحمة . وفي قوله { قالوا اطيرنا بك } قال : تشاءمنا . وفي قوله { وكان في المدينة تسعة رهط } قال : من قوم صالح . وفي قوله { تقاسموا بالله } قال : تحالفوا على هلاكه فلم يصلوا إليه حتى أهلكوا وقومهم أجمعين .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { فإذا هم فريقان يختصمون } قال : إن القوم بين مصدق ومكذب . مصدق بالحق ونازل عنده ، ومكذب بالحق تاركه . في ذلك كانت خصومة القوم { قالوا اطيرنا بك } قال : قالوا : ما أصبنا من شر فإنما هو من قبلك ومن قبل من معك قال { طائركم عند الله } يقول : علم أعمالكم عند الله { بل أنتم قوم تفتنون } قال : تبتلون بطاعة الله ومعصيته { وكان في المدينة تسعة رهط } قال : من قوم صالح { قالوا : تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله } قال : توافقوا على أن يأخذوه ليلاً فيقتلوه قال : ذكر لنا أنهم بينما هم معانيق إلى صالح - يعني مسرعين - ليقتلوه بعث الله عليهم صخرة فأخمدتهم { ثم لنقولن لوليه } يعنون رهط صالح { ومكروا مكراً } قال : مكرهم الذي مكروا بصالح { ومكرنا مكراً } قال : مكر الله الذي مكر بهم : رماهم بصخرة فأهمدتهم { فانظر كيف كان } مكرهم قال : شر والله { كان عاقبة مكرهم } أن دمرهم الله وقومهم أجمعين ثم صيرهم إلى النار .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { طائركم } قال : مصائبكم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وكان في المدينة تسعة رهط } قال : كان أسماؤهم زعمي ، وزعيم ، وهرمي ، وهريم ، وداب ، وهواب ، ورياب ، وسيطع ، وقدار بن سالف عاقر الناقة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وكان في المدينة تسعة رهط } قال : وهم الذين عقروا الناقة وقالوا حين عقروها تبيتن صالحاً وأهله فنقتلهم ، ثم نقول لأولياء صالح ما شهدنا من هذا شيئاً ، وما لنا به علم فدمرهم الله أجمعين .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء بن أبي رياح { وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون } قال : كانوا يقرضون الدراهم . والله أعلم .

(7/449)


قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59)

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وسلام على عباده الذين اصطفى الله } قال : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم اصطفاهم الله لنبيه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سفيان الثوري في قوله { وسلام على عباده الذين اصطفى } قال : نزلت في أصحاب محمد خاصة .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه كان إذا قرأ { آلله خير أما يشركون } قال : بل الله خير وأبقى ، وأجل وأكرم .

(7/450)


أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61)

أخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله تعالى { حدائق } قال : البساتين . قال : وهل تعرف العرب ذلك قال : نعم . أما سمعت الشاعر يقول؟ :
بلاد سقاها الله أما سهولها ... فقضب ودر مغدق وحدائق
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { حدائق } قال : النخل الحسان { ذات بهجة } قال : ذات نضارة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { حدائق } قال : البساتين تخللها الحيطان { ذات بهجة } قال : ذات حسن .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { حدائق ذات بهجة } قال { البهجة } الفقاع . يعني النوار مما يأكل الناس والأنعام .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { أإله مع الله } أي ليس مع الله إله .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة { بل هم قوم يعدلون } قال : يشركون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد { بل هم قوم يعدلون } الآلهة التي عبدوها عدلوها بالله . ليس لله عدل ، ولا ند ، ولا اتخذ صاحبة ، ولا ولداً .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { وجعل لها رواسي } قال : رواسيها : جبالها { وجعل بين البحرين حاجزاً } قال : حاجزاً من الله لا يبغي أحدهما على صاحبه .

(7/451)


أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64)

وأخرج أحمد وأبو داود والطبراني عن رجل من بلجهم قال : قلت يا رسول الله إلام تدعو قال « أدعو إلى الله وحده الذي إن نزل بك ضر فدعوته كشف عنك ، والذي إن ضللت بأرض قفر فدعوته رد عليك ، والذي إن أصابك سنة فدعوته أنزل لك » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله { ويكشف السوء } قال : الضر .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سحيم بن نوفل قال : بينما نحن عند عبد الله إذ جاءت وليدة إلى سيدها فقالت : ما يحبسك وقد لفع فلان مهرك بعينه فتركه يدور في الدار كأنه في فلك؟ قم فابتغ راقياً فقال عبد الله : لا تبتغ راقياً ، وانفث في منخره الأيمن أربعاً ، وفي الأيسر ثلاثاً ، وقل : لا بأس اذهب البأس رب الناس . اشف أنت الشافي لا يكشف الضر إلا أنت قال : فذهب ثم رجع إلينا فقال : فعلت ما أمرتني فما جئت حتى راث وبال وأكل .
وأخرج الطبراني عن سعد بن جنادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من فارق الجماعة فهو في النار على وجهه؛ لأن الله تعالى يقول { أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض } فالخلافة من الله عز وجل فإن كان خيراً فهو يذهب به ، وإن كان شراً فهو يؤخذ به ، عليك أنت بالطاعة فيما أمر الله تعالى به » .
وأخرج البغوي في معجمه عن اياد بن لقيط قال : قال جعدة بن هبيرة لجلسائه : إني قد علمت ما لم تعلموا ، وأدركت ما لم تدركوا ، أنه سيجيء بعد هذا - يعني معاوية - أمراء ليس من رجاله ولا من ضربائه ، وليس فيهم أصغر أو أبتر حتى تقوم الساعة . هذا السلطان سلطان الله جعله وليس أنتم تجعلونه . ألا وإن للراعي على الرعية حقاً ، وللرعية على الراعي حقاً ، فأدوا إليهم حقهم ، فإن ظلموكم فكلوهم إلى الله فإنكم وإياهم تختصمون يوم القيامة؛ وإن الخصم لصاحبه الذي أدى إليه الحق الذي عليه في الدنيا . ثم قرأ ( فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين ) [ الأعراف : 6 ] حتى بلغ ( والوزن يومئذ القسط ) [ الأعراف : 8 ] هكذا قرأ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة { ويجعلكم خلفاء الأرض } قال : خلفاً بعد خلف .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي { ويجعلكم خلفاء الأرض } قال : خلفاً لمن قبلكم من الأمم .
وأخرج ابن المنذر وابن جرير عن ابن جريج { أمن يهديكم في ظلمات البر } قال : ضلال الطريق { والبحر } قال : ضلالة طرقه وموجه وما يكون فيه .

(7/452)


قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65)

أخرج الطيالسي وسعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن مسروق قال : كنت متكئاً عند عائشة فقالت عائشة : ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية . قلت : وما هن؟ قالت : من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ، قال : وكنت متكئاً فجلست ، فقلت : يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجلي علي ألم يقل الله { ولقد رآه بالأفق المبين؟! . . } { ولقد رآه نزلة أخرى } [ النجم : 13 ] فقالت : أنا أوّل هذه الأمة سأل عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جبريل : لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين . رأيته منهبطاً من السماء . ساد أعظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض قالت : أو لم تسمع الله عز وجل يقول { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير } [ الأنعام : 103 ] أو لم تسمع الله يقول { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً } [ الشورى : 51 ] إلى قوله { علي حكيم } . ومن زعم أن محمداً كتم شيئاً من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية ، والله جل ذكره يقول { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } إلى قوله { والله يعصمك من الناس } [ المائدة : 67 ] قالت : ومن زعم أنه يخبر الناس بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية ، والله تعالى يقول { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله } .

(7/453)


بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (71) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { بل ادارك علمهم في الآخرة } قال : حين لم ينفع العلم .
وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه قرأ « بل ادرك علمهم في الآخرة » قال : لم يدرك علمهم قال أبو عبيد : يعني أنه قرأها بالاستفهام .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس « بل ادرك علمهم في الآخرة » يقول : غاب علمهم .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { بل ادارك علمهم في الآخرة } قال : ام ادرك علمهم { أم هم قوم طاغون } [ الذاريات : 53 ] بل هم قوم طاغون .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { بل ادارك علمهم } مثقلة مكسورة اللام على معنى تدارك .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة { بل ادارك علمهم في الآخرة } قال : تتابع علمهم في الآخرة بسفههم وجهلهم { بل هم عنها عمون } قال : عموا عن الآخرة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه كان يقرأ « بل ادرك علمهم في الآخرة » قال : اضمحل علمهم في الدنيا حين عاينوا الآخرة . وفي قوله { فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين } قال : كيف عذب الله قوم نوح ، وقوم لوط ، وقوم صالح ، والأمم التي عذب الله .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { عسى أن يكون ردف لكم } قال : اقترب لكم .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { عسى أن يكون ردف لكم } قال : اقترب منكم .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد { عسى أن يكون ردف لكم } قال : عجل لكم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ردف لكم } قال : أزف لكم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج { ردف لكم بعض الذي تستعجلون } قال : من العذاب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون } قال : يعلم ما عملوا بالليل والنهار .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله { وليعلم ما تكن صدورهم } قال : السر .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب } يقول : ما من شيء في السماء والأرض سراً وعلانية إلا يعلمه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد { وما من غائبة } يقول : ما من قولي ولا عملي في السماء والأرض إلا وهو عنده { في كتاب } في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله السموات والأرض .

(7/454)


إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79)

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل } يعني اليهود والنصارى { أكثر الذي هم فيه يختلفون } يقول : هذا القرآن يبين لهم الذي اختلفوا فيه .
وأخرج الترمذي وابن مردويه عن علي قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن امتك ستفتتن من بعدك . فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سئل ما المخرج منها؟ فقال « كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ، من ابتغى العلم في غيره أضله الله ، ومن ولي هذا الأمر فحكم به عصمه الله ، وهو الذكر الحكيم ، والنور المبين ، والصراط المستقيم ، فيه خبر من قبلكم ، ونبأ من بعدكم ، وحكم ما بينكم ، وهو الفصل ليس بالهزل » .

(7/455)


إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81)

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { إنك لا تسمع الموتى } قال : هذا مثل ضربه الله للكافر كما لا يسمع الميت كذلك لا يسمع الكافر ، ولا ينتفع به { ولا يسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين } يقول : لو أن أصم ولى مدبراً ثم ناديته لم يسمع ، كذلك الكافر لا يسمع ولا ينتفع بما يستمع . والله أعلم .

(7/456)


وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82)

أخرج ابن مبارك في الزهد وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة ونعيم بن حماد في الفتن وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر في قوله { وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم } قال : إذا لم يأمروا بالمعروف ، ولم ينهوا عن المنكر .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم } قال : ذاك حين لا يأمرون بمعروف ، ولا ينهون عن منكر .
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله { وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم } قال « إذا تركوا الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر . وجب السخط عليهم » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { وإذا وقع القول عليهم } قال : إذا وجب القول عليهم { أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم } قال : وهي في بعض القراءة تحدثهم تقول لهم { إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن حفصة بنت سيرين قالت : سألت أبا العالية عن قوله { وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم } ما وقوع القول عليهم؟ فقال : { أوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن } [ هود : 36 ] قالت : فكأنما كشف عن وجهي شيئاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : أكثروا الطواف بالبيت قبل أن يرفع وينسى الناس مكانه ، وأكثروا تلاوة القرآن قبل أن يرفع . قيل : وكيف يرفع ما في صدور الرجال؟ قال : يسري عليهم ليلاً فيصبحون منه قفراً وينسون قول لا إله إلا الله ، ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم . فذلك حين يقع القول عليهم .
وأخرج الفريابي وابن جرير عن مجاهد في قوله { وقع القول عليهم } قال : حق عليهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { دابة من الأرض تكلمهم } قال : تحدثهم .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { تكلمهم } قال : كلامها تنبئهم { أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي داود ونفيع الأعمى قال : سألت ابن عباس عن قوله { أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم } قال : كل ذلك والله يفعل تكلم المؤمن ، وتكلم الكافر . تجرحه .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { دابة من الأرض تكلمهم } مشددة من الكلام { أن الناس } بنصب الألف .
وأخرج نعيم بن حماد وابن مردويه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

(7/457)


« إذا كان الوعد الذي قال الله { أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم } قال : ليس ذلك حديثاً ولا كلاماً ، ولكنه سمة تسم من أمرها الله به . فيكون خروجها من الصفا ليلة منى ، فيصبحون بين رأسها وذنبها لا يدحض داحض ، ولا يخرج خارج ، حتى إذا فرغت مما أمرها الله فهلك من هلك ، ونجا من نجا ، كان أول خطوة تضعها بانطاكية » .
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن عمر وقال { الدابة } زغباء ذات وبر وريش .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال { الدابة } ذات وبر وريش مؤلفة فيها من كل لون ، لها أربع قوائم تخرج بعقب من الحاج .
وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال : إن دابة الأرض ذات وبر تناغي السماء .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن : أن موسى عليه السلام سأل ربه أن يريه الدابة . فخرجت ثلاثة أيام ولياليهن تذهب في السماء لا يرى واحد من طرفها قال : فرأى منظراً فظيعاً فقال : رب ردها . فردها .
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : لا تقوم الساعة حتى يجتمع أهل بيت على الإِناء الواحد ، فيعرفون مؤمنيهم من كفارهم . قالوا : كيف ذاك؟ قال : إن الدابة تخرج وهي ذامة للناس تمسح كل إنسان على مسجده . فاما المؤمن فتكون نكتة بيضاء . فتفشو في وجهه حتى يبيض لها وجهه ، وأما الكافر فتكون نكتة سوداء فتفشو في وجهه حتى يسود لها وجهه . حتى أنهم ليتبايعون في أسواقهم فيقولون : كيف تبيع هذا يا مؤمن؟ وكيف تبيع هذا يا كافر؟ فما يرد بعضهم على بعض .
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : تخرج الدابة بأجياد مما يلي الصفا .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد من طريق سماك عن إبراهيم قال : تخرج الدابة من مكة .
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن عمرو قال : تخرج الدابة فيفزع الناس إلى الصلاة ، فتأتي الرجل وهو يصلي فتقول : طوّل ما شئت أن تطوّل فوالله لأخطمنك .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « تخرج الدابة يوم تخرج وهي ذات عصب وريش تكلم الناس فتنقط في وجه المؤمن نقطة بيضاء فيبيض وجهه ، وتنقط في وجه الكافر نقطة سوداء فيسود وجهه ، فيتبايعون في الأسواق بعد ذلك . بم تبيع هذا يا مؤمن ، وبم تبيع هذا يا كافر ، ثم يخرج الدجال وهو أعور على عينه ظفرة غليظة ، مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كل مؤمن وكافر » .
وأخرج أحمد وسمويه وابن مردويه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال

(7/458)


« تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم ، ثم يعمرون فيكم حتى يشتري الرجل الدابة فيقال : ممن اشتريت؟ فيقال : من الرجل المخطم » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « تخرج دابة الأرض ولها ثلاث خرجات . فأول خرجة منها بأرض البادية . والثانية في أعظم المساجد وأشرفها وأكرمها ، ولها عنق مشرف يراها من بالمشرق كما يراها من بالمغرب ، ولها وجه كوجه انسان ، ومنقار كمنقار الطير ، ذات وبرٍ وزغب ، معها عصا موسى ، وخاتم سليمان بن داود تنادي بأعلى صوتها : { أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل : يا رسول الله وما بعد؟ قال : هنات وهنات ، ثم خصب وريف حتى الساعة » .
وأخرج ابن مردويه عن حذيفة بن أسيد أراه رفعه قال « تخرج الدابة من أعظم المساجد حرمة ، فبينما هم قعود بربو الأرض ، فبينما هم كذلك إذ تصدعت قال ابن عيينة : تخرج حين يسري الإِمام من جمع . وإنما جعل سابق بالحاج ليخبر الناس أن الدابة لم تخرج » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر أنه قال : ألا أريكم المكان الذي قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إن دابة الأرض تخرج منه . فضرب بعصاه قبل الشق الذي في الصفا .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن بين يدي الساعة الدجال ، والدابة ، ويأجوج ومأجوج ، والدخان ، وطلوع الشمس من مغربها » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت : الدابة تخرج من أجياد .
وأخرج ابن جرير عن حذيفة بن اليمان قال : « ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدابة فقال حذيفة : يا رسول الله من أين تخرج؟ قال » من أعظم المساجد حرمة على الله ، بينما عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون إذ تضطرب الأرض من تحتهم تحرك القنديل ، وتشق الصفا مما يلي المسعى وتخرج الدابة من الصفا ، أوّل ما يبدو رأسها ملمعة ذات وبر وريش ، لن يدركها طالب ، ولن يفوتها هارب ، تسم الناس مؤمن وكافر ، أما المؤمن فيرى وجهه كأنه كوكب دري ، وتكتب بين عينيه مؤمن . وأما الكافر فتنكت بين عينيه نكتة سوداء كافر « » .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في البعث عن ابن عمرو أنه قال وهو يومئذ بمكة : لو شئت لأخذت سيتي هاتين ثم مشيت حتى أدخل الوادي التي تخرج منه دابة الأرض ، وإنها تخرج وهي آية للناس ، تلقى المؤمن فتسمه في وجهه واكية فيبيض لها وجهه ، وتسم الكافر واكية فيسوّد لها وجهه ، وهي دابة ذات زغب وريش فتقول { أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون } .
وأخرج سعيد بن منصور ونعيم بن حماد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس : أن دابة الأرض تخرج من بعض أودية تهامة ، ذات زغب وريش لها أربع قوائم ، فتنكت بين عيني المؤمن نكتة يبيض لها وجهه ، وتنكت بين عيني الكافر نكتة يسود بها وجهه .

(7/459)


وأخرج أحمد والطيالسي وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « تخرج دابة الأرض ومعها عصا موسى ، وخاتم سليمان ، فتجلو وجه المؤمن بالخاتم ، وتخطم أنف الكافر بالعصا ، حتى يجتمع الناس على الخوان يعرف المؤمن من الكافر » .
وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدابة فقال « لها ثلاث خرجات من الدهر . فتخرج خرجة بأقصى اليمن ، فينشر ذكرها بالبادية في أقصى البادية ، ولا يدخل ذكرها القرية - يعني مكة - ثم تكمن زماناً طويلاً ثم تخرج خرجة أخرى دون تلك فيعلو ذكرها في أهل البادية ، ويدخل ذكرها القرية - يعني مكة - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة وأكرمها ، المسجد الحرام لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام ، وتنفض عن رأسها التراب فارفض الناس عنها شتى ، وبقيت عصابة من المؤمنين ثم عرفوا أنهم لن يعجزوا الله فبدأت بهم ، فجلت وجوههم حتى جعلتها كأنها الكوكب الدري ، وولت في الأرض لا يدركها طالب ، ولا ينجو منها هارب ، حتى أن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول : يا فلان الآن تصلي . فيقبل عليها فتسمه في وجهه ، ثم ينطلق ويشترك الناس في الأموال ، ويصطحبون في الأمصار ، يعرف المؤمن من الكافر حتى أن المؤمن ليقول : يا كافر أقضني حقي ، وحتى أن الكافر ليقول : يا مؤمن أقضني حقي » .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال « قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم : بئس الشعب جياد مرتين أو ثلاثاً قالوا : وبم ذاك يا رسول الله؟ قال : تخرج منه الدابة فتصرخ ثلاث صرخات فيسمعها من بين الخافقين » .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال : قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم « تخرج دابة الأرض من جياد فيبلغ صدرها الركن ولم يخرج ذنبها بعد قال : وهي دابة ذات وبر وقوائم » .
وأخرج البخاري في تاريخه وابن ماجة وابن مردويه عن بريدة قال : ذهب بي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضع بالبادية قريب من مكة فإذا أرض يابسة حولها رمل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

(7/460)


« تخرج الدابة من هذا الموضع فإذا شبر في شبر » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن النزال بن سبرة قال : قيل لعلي بن أبي طالب : إن ناساً يزعمون أنك دابة الأرض فقال : والله إن لدابة الأرض ريشاً وزغباً ، وما لي ريش ولا زغب ، وإن لها لحافر وما لي من حافر ، وإنها لتخرج حضر الفرس الجواد ثلاثاً ، وما خرج ثلثاها .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال : تخرج الدابة ليلة جمع والناس يسيرون إلى منى ، فتحملهم بين نحرها وذنبها ، فلا يبقى منافق إلا خطمته ، وتمسح المؤمن ، فيصبحون وهم بشر من الدجال .
وأخرج ابن أبي شيبة والخطيب في تالي التلخيص عن ابن عمر قال : تخرج الدابة من جبل جياد في أيام التشريق والناس بمنى قال : فلذلك جاء سائق الحاج بخبر سلامة الناس .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال : إن الدابة فيها من كل لون ، ما بين قرنيها فرسخ للراكب .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال : تخرج الدابة من صدع في الصفا كجري الفرس ثلاثة أيام لم يخرج ثلثها .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال : تخرج الدابة من تحت صخرة بجياد تستقبل المشرق ، فتصرخ صرخة ثم تستقبل الشام ، فتصرخ صرخة منفذة ، ثم تروح من مكة فتصبح بعسفان قيل : ثم ماذا؟ قال : لا أعلم .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس : الدابة مؤلفة ذات زغب وريش فيها من ألوان الدواب كلها ، وفيها من كل أمة سيما . وسيماها من هذه الأمة أنها تتكلم بلسان عربي مبين ، تكلمهم بكلامها .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي الزبير أنه وصف الدابة فقال : رأسها رأس ثور ، وعينها عين خنزير ، وأذنها أذن فيل ، وقرنها قرن أيل ، وعنقها عنق نعامة ، وصدرها صدر أسد ، ولونها لون نمر ، وخاصرتها خاصرة ، وذنبها ذنب كبش ، وقوائمها قوائم بعير ، بين كل مفصلين منها اثنا عشر ذراعاً . تخرج معها عصا موسى ، وخاتم سليمان ، ولا يبقى كافر إلا نكتت في وجهه نكتة سوداء بخاتم سليمان فتفشو تلك النكتة حتى يسود لها وجهه؛ حتى إن الناس يتبايعون في الأسواق : بكم ذا يا مؤمن ، وبكم ذا يا كافر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن صدقة بن مزيد قال : تجيء الدابة إلى الرجل وهو قائم يصلي في المسجد ، فتكتب بين عينيه : كذاب .
وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة قال : تخرج الدابة مرتين قبل يوم القيامة حتى يضرب فيها رجال ، ثم تخرج الثالثة عند أعظم مساجدكم ، فتأتي القوم وهم مجتمعون عند رجل فتقول : ما يجمعكم عند عدو الله؟ فيبتدرون فتسم المؤمن حتى أن الرجلين ليتبايعان فيقول هذا : خذ يا مؤمن ، ويقول هذا : خذ يا كافر .
وأخرج نعيم بن حماد في الفتن عن عمرو بن العاص قال : تخرج الدابة من شعب بالأجياد ، رأسها تمس به السحاب وما خرجت رجلها من الأرض ، تأتي الرجل وهو يصلي فتقول : ما الصلاة من حاجتك . . ما هذا إلا تعوذ أو رياء ، فتخطمه .
وأخرج نعيم عن وهب بن منبه قال : أول الآيات الروم ، ثم الدجال ، والثالثة يأجوج ومأجوج ، والرابعة عيسى ، والخامسة الدخان ، والسادسة الدابة .

(7/461)


وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (85) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86)

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ويوم نحشر من كل أمة فوجاً } قال : زمرة . وفي قوله { فهم يوزعون } قال : يحبس أولهم على آخرهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { يوزعون } قال : يساقون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ووقع القول } قال : وجب القول . والقول الغضب وفي قوله { والنهار مبصراً } قال : منيراً والله أعلم .

(7/462)


وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87)

أخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن أبي هريرة في قوله { ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله } قال : هم الشهداء .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عاصم أنه قرأ { وكل أتوه داخرين } ممدودة مرفوعة التاء على معنى فاعلوه .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود أنه قرأ { وكل أتوه داخرين } خفيفة بنصب التاء على معنى جاؤوه . يعني بلا مد .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في النمل { وكل أتوه داخرين } على معنى جاؤوه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { داخرين } قال : صاغرين .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ، مثله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : { الداخر } : الصاغر الراهب ، لأن المرء إذا فرع إنما همته الهرب من الأمر الذي فزع منه ، فلما نفخ في الصور فزعوا فلم يكن لهم من الله منجا .

(7/463)


وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وترى الجبال تحسبها جامدة } قال : قائمة { صنع الله الذي أتقن كل شيء } قال : احكم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة { وترى الجبال تحسبها جامدة } قال : ثابتة في أصولها لا تتحرك { وهي تمر مر السحاب } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { صنع الله الذي أتقن كل شيء } يقول : أحسن كل شيء خلقه وأتقنه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { صنع الله الذي أتقن كل شيء } قال : أحسن كل شيء .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد { الذي أتقن كل شيء } قال : أوثق كل شيء .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن { الذي أتقن كل شيء } قال : ألم تر إلى كل دابة كيف تبقى على نفسها .

(7/464)


مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ (89) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90)

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر « عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم { من جاء بالحسنة فله خير منها } قال : هي لا إله إلا الله { ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار } قال : هي الشرك » .
وأخرج ابن مردويه عن جابر قال : « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الموجبتين قال { من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون } قال : من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة ، ومن لقي الله يشرك به دخل النار » .
وأخرج الحاكم في الكنى عن صفوان بن عسال قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا كان يوم القيامة جاء الايمان والشرك يجثوان بين يدي الرب فيقول الله للإِيمان : انطلق أنت وأهلك إلى الجنة . ويقول للشرك : انطلق أنت وأهلك إلى النار ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { من جاء بالحسنة فله خير منها } يعني : قول لا إله إلا الله { ومن جاء بالسيئة } الشرك { فكبت وجوههم في النار } » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة وأنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يجيء الاخلاص والشرك يوم القيامة ، فيجثوان بين يدي الرب فيقول الرب للاخلاص : انطلق أنت وأهلك إلى الجنة ، ثم يقول للشرك انطلق أنت وأهلك إلى النار ، ثم تلا هذه الآية { من جاء بالحسنة } بشهادة أن لا إله إلا الله { فله خير منها } يعني : بالخير الجنة { ومن جاء بالسيئة } بالشرك { فكبت وجوههم في النار } » .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله { من جاء بالحسنة فله خير منها } يعني بها شهادة أن لا إله إلا الله { ومن جاء بالسيئة } يعني بها الشرك يقال : هذه تنجي . وهذه تردي .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات والخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن مسعود { من جاء بالحسنة } قال : بلا إله إلا الله { ومن جاء بالسيئة } قال : بالشرك .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن الشعبي قال : كان حذيفة جالساً في حلقة فقال : ما تقولون في هذه الآية { من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون ، ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار } فقالوا : نعم يا حذيفة من جاء بالحسنة ضعفت له عشر أمثالها . فأخذ كفا من حصى يضرب به الأرض وقال : تباً لكم . وكان حديداً وقال : من جاء بلا إله إلا الله وجبت له الجنة ، ومن جاء بالشرك وجبت له النار .

(7/465)


وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس { من جاء بالحسنة } قال : بلا إله إلا الله { فله خير منها } قال : فمنها وصل إلى الخير { ومن جاء بالسيئة } قال : الشرك .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد { من جاء بالحسنة } قال : لا إله إلا الله { من جاء بالسيئة } قال : الشرك .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وإبراهيم وأبي صالح وسعيد بن جبير وعطاء وقتادة ومجاهد . ومثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { فله خير منها } قال : ثواب .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة { من جاء بالحسنة } قال شهادة أن لا إله إلا الله { فله خير منها } قال يعطي به الجنة .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ثمن الجنة لا إله إلا الله » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زرعة بن إبراهيم { من جاء بالحسنة } قال : لا إله إلا الله { فله خير منها } قال : لا إله إلا الله خير . ليس شيء أخير من لا إله إلا الله .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { وهم من فزع يومئذ آمنون } ينون فزع وينصب يومئذ .

(7/466)


إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أن أعبد رب هذه البلدة } قال : مكة .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة . مثله .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : زعم الناس أنها مكة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : هي منى .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هرون قال في حرف ابن مسعود « وأن اتل القرآن » على الأمر وفي حرف أُبي بن كعب « واتل عليهم القرآن » .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن مجاهد { سيريكم آياته فتعرفونها } قال : في أنفسكم ، وفي السماء ، وفي الأرض ، وفي الرزق .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما كان في القرآن » وما الله بغافل عما تعملون « بالتاء ، وما كان » وما ربك بغافل عما يعملون « بالياء » .

(7/467)


طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : كان من شأن فرعون أنه رأى رؤيا في منامه : أن ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى إذا اشتملت على بيوت مصر أحرقت القبط ، وتركت بني إسرائيل ، فدعا السحرة ، والكهنة ، والعافة ، والزجرة . وهم العافة الذين يزجرون الطير فسألهم عن رؤياه فقالوا له : يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه - يعنون بيت المقدس - رجل يكون على وجهه هلاك مصر . فأمر بني إسرائيل أن لا يولد لهم ولد إلا ذبحوه ، ولا يولد لهم جارية إلا تركت ، وقال للقبط : انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجاً فادخلوهم ، واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة ، فجعلوا بني إسرائيل في أعمال غلمانهم ، وادخلوا غلمانهم . فذلك حين يقول { إن فرعون علا في الأرض } يقول : تجبر في الأرض { وجعل أهلها شيعاً } يعني بني إسرائيل { يستضعف طائفة منهم } حين جعلهم في الأعمال القذرة ، وجعل لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح فلا يكبر صغير .
وقذف الله في مشيخة بني إسرائيل الموت ، فأسرع فيهم . فدخل رؤوس القبط على فرعون فكلموه فقالوا : إن هؤلاء القوم قد وقع فيهم الموت ، فيوشك أن يقع العمل على غلماننا تذبح أبناءهم فلا يبلغ الصغار فيعينون الكبار ، فلو أنك كنت تبقي من أولادهم . فأمر أن يذبحوا سنة ، ويتركوا سنة ، فلما كان في السنة التي لا يذبحون فيها ولد هرون عليه السلام . فترك ، فلما كان في السنة التي يذبحون فيها حملت أم موسى بموسى عليه الصلاة والسلام ، فلما أرادت وضعه حزنت من شأنه ، فلما وضعته أرضعته ثم دعت له نجاراً وجعلت له تابوتاً ، وجعلت مفتاح التابوت من داخل وجعلته فيه ، وألقته في اليم بين أحجار عند بيت فرعون ، فخرجن جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن ، فوجدن التابوت ، فادخلنه إلى آسية وظنن أن فيه مالاً ، فلما تحرك الغلام رأته آسية صبياً ، فلما نظرته آسية وقعت عليه رحمتها وأحبته .
فلما أخبرت به فرعون أراد أن يذبحه ، فلم تزل آسية تكلمه حتى تركه لها وقال : إني أخاف أن يكون هذا من بني إسرائيل ، وأن يكون هذا الذي على يديه هلاكنا . فبينما هي ترقصه وتلعب به إذ ناولته فرعون وقالت : خذه { قرة عين لي ولك } [ القصص : 9 ] قال فرعون : هو قرة عين لك - قال عبد الله بن عباس : ولو قال هو قرة عين لي إذاً لآمن به ، ولكنه أبى - فلما أخذه إليه أخذ موسى عليه السلام بلحيته فنتفها فقال فرعون : عليَّ بالذباحين هو ذا .
قالت آسية : لا تقتله { عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً } [ القصص : 9 ] إنما هو صبي لا يعقل وإنما صنع هذا من صباه ، أنا أضع له حلياً من الياقوت ، وأضع له جمراً فإن أخذ الياقوت فهو يعقل اذبحه ، وإن أخذ الجمر فإنما هو صبي ، فاخرجت له ياقوتاً ، ووضعت له طستاً من جمر ، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يده جمرة ، فطرحها موسى عليه السلام في فيه فاحرقت لسانه ، فارادوا له المرضعات فلم يأخذ من أحد من النساء ، وجعلن النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع فأبى أن يأخذ .

(7/468)


فجاءت أخته فقالت : { هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون } فأخذوها فقالوا : إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله فقالت : ما أعرفه ولكن إنما هم للملك ناصحون . فلما جاءته أمه أخذ منها . وكادت تقول : هو ابني . فعصمها الله فذلك قوله { إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين } قال : قد كانت من المؤمنين ولكن بقول : { إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين } قال السدي : وإنما سمي موسى لأنهم وجدوه في ماء وشجر والماء بالنبطية مو الشجر سى .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون } يقول : في هذا القرآن نبؤهم { إن فرعون علا في الأرض } أي بغى في الأرض { وجعل أهلها شيعاً } أي فرقاً .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وجعل أهلها شيعاً } قال : فرق بينهم .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وجعل أهلها شيعاً } قال : يتعبد طائفة ، ويقتل طائفة ، ويستحيي طائفة .
أما قوله تعالى : { إنه كان من المفسدين } .
أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال : لقد ذكر لنا أنه كان يأمر بالقصب فيشق حتى يجعل أمثال الشفار ، ثم يصف بعضه إلى بعض ، ثم يؤتى بحبالى من بني إسرائيل فيوقفن عليه ، فيجز أقدامهن حتى أن المرأة منهم لتضع بولدها ، فيقع بين رجليها ، فتظل تطؤه وتتقي به حد القصب عن رجليها لما بلغ من جهدها . حتى أسرف في ذلك وكان يفنيهم قيل له : أفنيت الناس ، وقطعت النسل ، وإنما هم خولك وعمالك ، فتأمر أن يقتلوا الغلمان عاماً ، ويستحيوا عاماً ، فولد هرون عليه السلام في السنة التي يستحيي فيها الغلمان ، وولد موسى عليه السلام في السنة التي فيها يقتلون ، وكان هرون عليه السلام أكبر منه بسنة ، فلما أراد الله بموسى عليه السلام ما أراد واستنقاذ بني إسرائيل مما هم فيه من البلاء ، أوحى الله إلى أم موسى حين تقارب ولادها { أن أرضعيه } [ القصص : 7 ] .

(7/469)


وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)

أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض } قال : يوسف وولده .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض } قال : هم بنو إسرائيل { ونجعلهم أئمة } أي هم ولاة الأمر { ونجعلهم الوارثين } أي يرثون الأرض بعد فرعون وقومه { ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } قال : ما كان القوم حذروه .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { ونجعلهم الوارثين } قال : يرثون الأرض بعد آل فرعون ، وفي قوله { ونري فرعون } الآية قال : كان حاز يحزي لفرعون فقال : إنه يولد في هذا العام غلام يذهب بملككم وكان فرعون { يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم } حذراً لقول الحازي فذلك قوله { ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله قال : قال عمر رضي الله عنه : إني استعملت عمالاً لقول الله { ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض } .

(7/470)


وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { وأوحينا إلى أم موسى } يقول : ألهمناها الذي صنعت بموسى .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وأوحينا إلى أم موسى } قال : قذف في نفسها .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه } قال : وحي جاءها عن الله قذف في قلبها ، وليس بوحي نبوة { فإذا خفت عليه فألقيه في اليم } قال : فجعلته في تابوت فقذفته في البحر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال : إن الله أوحى إلى أم موسى حين وضعت { أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم } فلما خافت عليه جعلته في التابوت ، وجعلت المفتاح مع التابوت وطرحته في البحر ، وخرجت امرأة فرعون إلى البحر وابنة لفرعون برصاء ، فرأوا سواداً في البحر ، فأخرج التابوت إليهم ، فبدرت ابنة فرعون وهي برصاء إلى التابوت ، فوجدت موسى في التابوت وهو مولود ، فأخذته فبرأت من برصها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش رضي الله عنه قال : قال ابن عباس رضي الله عنهما : في قوله { فإذا خفت عليه } قال : أن يسمع جيرانك صوته .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه } قال : فجعلته في بستان فكانت تأتيه في كل يوم مره فترضعه ، وتأتيه في كل ليله فترضعه فيكفيه ذلك { فإذا خفت عليه } قال : إذا بلغ أربعة أشهر وصاح وابتغى من الرضاع أكثر من ذلك . فذلك قوله { فإذا خفت عليه فألقيه في اليم } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { ولا تخافي } قال : لا تخافي عليه البحر { ولا تحزني } يقول : ولا تحزني لفراقه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً } قال : في دينهم { وحزناً } قال : لما يأتيهم به .

(7/471)


وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9)

أخرج ابن جرير عن محمد بن قيس قال : قالت امرأة فرعون { قرة عين لي ولك لا تقتلوه } قال فرعون : قرة عين لك ، أما لي فلا قال محمد بن قيس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لو قال فرعون قرة عين لي ولك لكان لهما جميعاً » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك } تعني بذلك : موسى عليه السلام { عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً } قال : ألقيت عليه رحمتها حين ابصرته { وهم لا يشعرون } إن هلاكهم على يديه وفي زمانه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وهم لا يشعرون } قال : آل فرعون أنه عدوّ لهم .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { وهم لا يشعرون } قال : ما يصيبهم من عاقبة أمره .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال : لا يشعرون أن هلاكهم على يديه والله تعالى أعلم .

(7/472)


وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10)

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله { وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً } قال : فرغ من ذكر كل شيء من أمر الدنيا إلا من ذكر موسى .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً } قال : خالياً من كل شيء غير ذكر موسى عليه السلام ، وفي قوله { إن كادت لتبدي به } قال : تقول يا ابناه .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه { وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً } قال : من كل شيء غير هم موسى عليه السلام .
وأخرج الفريابي عن عكرمة رضي الله عنه { وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً } قال : من كل شيء من أمر الدنيا والآخرة إلا من هم موسى .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه { وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً } قال : من كل شيء إلا من ذكر موسى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مغيث بن سمي أو عن أبي عبيدة في قوله { إن كادت لتبدي به } أي لتنبىء أنه ابنها من شدة وجدها { لولا أن ربطنا على قلبها } قال : ربط الله على قلبها بالإِيمان .

(7/473)


وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11)

أخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وقالت لأخته قصيه } أي اتبعي أثره { فبصرت به عن جنب } قال : عن جانب .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وقالت لأخته قصيه } أي اتبعي أثره كيف يصنع به؟ { فبصرت به عن جنب } قال عن بعد { وهم لا يشعرون } قال : آل فرعون انه عدو لهم .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وقالت لأخته قصيه } قال : قصي أثره { فبصرت به عن جنب } يقول : بصرت به وهي مجانبة لهم { وهم لا يشعرون } انها أخته قال : جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : اسم أخت موسى يواخيد ، وأمه يحانذ .
وأخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق عن أبي رواد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة رضي الله عنها « اما علمت أن الله قد زوجني معك في الجنة مريم بنت عمران ، وكلثوم أخت موسى ، وآسية امرأة فرعون ، قالت : وقد فعل الله ذلك يا رسول الله قال : نعم . قالت : بالرفاه والبنين » .
وأخرج الطبراني وابن عساكر عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما شعرت أن الله زوجني مريم بنت عمران ، وكلثوم أخت موسى ، وامرأة فرعون فقلت : هنيئاً لك يا رسول الله » .

(7/474)


وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13)

أخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وحرمنا عليه المراضع من قبل } قال : لا يؤتى بمرضع فيقبلها .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد { وحرمنا عليه المراضع من قبل } قال : لا يقبل ثدي امرأة حتى يرجع إلى أمه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه قال : حين قالت { هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون } قالوا : قد عرفتيه فقالت : إنما أردت الملك ، هم للملك ناصحون .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وحرمنا عليه المراضع } قال : جعل لا يؤتى بامرأة إلا لم يأخذ ثديها وفي قوله { ولتعلم أن وعد الله حق } قال : وعدها أنه راده إليها وجاعله من المرسلين ففعل الله بها ذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني رضي الله عنه قال : كان فرعون يعطي أم موسى على رضاع موسى كل يوم ديناراً .
وأخرج أبو داود في المراسيل عن جبير بن نفير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « مثل الذين يغزون من أمتي ويأخذون الجعل يعني : يتقوّون على عدوهم؛ مثل أم موسى ، ترضع ولدها وتأخذ أجرها » .

(7/475)


وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والمحاملي في أماليه من طريق مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولما بلغ أشدّه } قال : ثلاثاً وثلاثين سنة { واستوى } قال : أربعين سنة .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المعمرين من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولما بلغ اشدّه واستوى } قال : الاشد ما بين الثماني عشرة إلى الثلاثين والاستواء ما بين الثلاثين والأربعين ، فإذا زاد على الأربعين أخذ في النقصان .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ولما بلغ أشدّه } قال : ثلاثاً وثلاثين سنة { واستوى } قال : أربعين سنة { آتيناه حكماً وعلماً } قال : الحكم الفقه والعقل ، والعلم قال : النبوّة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي قبيصة رضي الله عنه في الآية قال : يعني بالاستواء : خروج لحيته .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه { ولما بلغ أشدّه } قال : ثلاثاً وثلاثين سنة { واستوى } قال : أربعين سنة .

(7/476)


وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي : إن فرعون ركب مركباً وليس عنده موسى ، فلما جاء موسى عليه السلام قيل له : إن فرعون قد ركب . فركب في أثره . فأدركه المقيل بأرض يقال لها منف ، فدخلها نصف النهار وقد تغلقت أسواقها ، وليس في طرقها أحد . وهي التي يقول الله تعالى { ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها } .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { ودخل المدينة على حين غفلة } قال : نصف النهار .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { ودخل المدينة على حين غفلة } قال : نصف النهار والناس قائلون .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : دخلها عند القائلة بالظهيرة والناس نائمون . وذلك أغفل ما يكون الناس .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { حين غفلة } قال : ما بين المغرب والعشاء .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { على حين غفلة } قال : ما بين المغرب والعشاء عن أناس ، وقال آخرون : نصف النهار ، وقال ابن عباس : أحدهما .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته } قال : اسرائيلي { وهذا من عدوّه } قال : قبطي { فاستغاثه الذي من شيعته } الاسرائيلي { على الذي من عدوّه } القبطي { فوكزه موسى فقضى عليه } قال : فمات قال : فكبر ذلك على موسى عليه الصلاة والسلام .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فاستغاثه الذي من شيعته } قال : من قومه من بني إسرائيل . وكان فرعون من فارس من اصطخر { فوكزه موسى } قال : بجمع كفه .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فوكزه موسى } قال : بعصا ، ولم يتعمد قتله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : الذي وكزه موسى كان خبازاً لفرعون .
وأخرج أحمد في الزهد عن وهب رضي الله عنه قال : قال الله عز وجل « بعزتي يا ابن عمران لو أن هذه النفس التي وكزت فقتلت ، اعترفت لي ساعة من ليل أو نهار بأني لها خالق أو رازق ، لأذقتك فيها طعم العذاب . ولكني عفوت عنك في أمرها انها لم تعترف لي ساعة من ليل أو نهار إني لها خالق أو رازق » .

(7/477)


قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { إني ظلمت نفسي } قال : بلغني أنه من أجل أنه لا ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر . فقتله ولم يؤمر .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { قال رب إني ظلمت نفسي } قال : عرف نبي الله عليه السلام من أين المخرج . فأراد المخرج فلم يلق ذنبه على ربه . قال بعض الناس : أي من جهة المقدور .

(7/478)


قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17)

أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { فلن أكون ظهيراً للمجرمين } قال : معيناً للمجرمين .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فلن أكون ظهيراً للمجرمين } قال : إن أعين بعدها ظالماً على فجره .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبيد الله بن الوليد الرصافي رضي الله عنه؛ أنه سأل عطاء بن أبي رباح عن أخ له كاتب ليس يلي من أمور السلطان شيئاً ، إلا أنه يكتب لهم بقلم ما يدخل وما يخرج ، فإن ترك قلمه صار عليه دين واحتجاج ، وإن أخذ به كان له فيه غنى قال : يكتب لمن؟ قال : لخالد بن عبد الله القسري قال : ألم تسمع إلى ما قال العبد الصالح { رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين } ؟ فلا يهتم بشيء وليرم بقلمه فإن الله سيأتيه برزق .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حنظلة جابر بن حنظلة الكاتب الضبي قال : قال رجل لعامر : يا أبا عمرو أني رجل كاتب ، أكتب ما يدخل وما يخرج ، آخذ ورقاً استغني به أنا وعيالي قال : فلعلك تكتب في دم يسفك؟ قال : لا . قال : فلعلك تكتب في مال يؤخذ؟ قال : لا . قال : فلعلك تكتب في دار تهدم؟ قال : لا . قال : أسمعت بما قال موسى عليه الصلاة والسلام { رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين } قال : رضي الله عنه قال : صليت إلى جنب ابن عمر رضي الله عنهما العصر ، فسمعته يقول في ركوعه { رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين } .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سلمة بن نبيط رضي الله عنه قال : بعث عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك فقال : اذهب بعطاء أهل بخارى فاعطهم فقال : اعفني فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه فقال له بعض أصحابه : ما عليك أن تذهب فتعطيهم وأنت لا ترزؤهم شيئاً؟ فقال : لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم .

(7/479)


فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19)

أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { فأصبح في المدينة خائفاً } قال : خائفاً أن يؤخذ .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { يترقب } قال : يتلفت .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { يترقب } قال : يتوحش .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه } قال : هو صاحب موسى الذي استنصره بالأمس .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : الذي استنصره : هو الذي استصرخه .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه { فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه } قال : الاستصراخ : الاستغاثة . قال : والاستنصار والاستصراخ واحد . { قال له موسى إنك لغوي مبين } فاقبل عليه موسى عليه السلام فظن الرجل أنه يريد قتله فقال : يا موسى { أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس } قال : قبطي قريب منهما يسمعهما فافشى عليهما .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { فلما أن أراد أن يبطش } قال : ظن الذي من شيعته إنما يريده فذلك قوله { أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس } أنه لم يظهر على قتله أحد غيره . فسمع قوله { أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس } عدوّهما فأخبر عليه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الشعبي قال : من قتل رجلين فهو جبار ، ثم تلا هذه الآية { أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض } .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال : لا يكون الرجل جباراً حتى يقتل نفسين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني قال : آية الجبابرة القتل بغير حق . والله أعلم .

(7/480)


وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21)

أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى } قال : مؤمن آل فرعون .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي قال : كان اسم الذي قال لموسى { إن الملأ يأتمرون بك } شمعون .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى } قال : يعمل ، ليس بالسيد؛ اسمه حزقيل .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : ذهب القبطي فافشى عليه : أن موسى هو الذي قتل الرجل فطلبه فرعون وقال : خذوه فإنه الذي قتل صاحبنا وقال الذين يطلبونه : اطلبوه في ثنيات الطريق ، فإن موسى غلام لا يهتدي للطريق .
وأخذ موسى عليه السلام في ثنيات الطريق ، وقد جاءه الرجل فأخبره { إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج . . . ، فخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين } فلما أخذ في ثنيات الطريق جاءه ملك على فرس بيده عنزة ، فلما رآه موسى عليه السلام سجد له من الفرق . فقال : لا تسجد لي ، ولكن اتبعني ، فتبعه وهداه نحو مدين .
فانطلق الملك حتى انتهى به إلى المدين ، فلما أتى الشيخ ، وقص عليه القصص { قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين } [ القصص : 25 ] فأمر احدى ابنتيه أن تأتيه بعصا . وكانت تلك العصا عصا استودعه إياها ملك في صورة رجل فدفعها إليه ، فدخلت الجاريه فأخذت العصا فأتته بها ، فلما رآها الشيخ قال لابنته : ائتيه بغيرها . فألقتها وأخذت تريد غيرها ، فلا يقع في يدها إلا هي ، وجعل يرددها وكل ذلك لا يخرج في يدها غيرها ، فلما رآى ذلك عهد إليه فأخرجها معه فرعى بها ، ثم إن الشيخ ندم وقال : كانت وديعة فخرج يتلقى موسى عليه السلام فلما رآه قال : أعطني العصا . فقال موسى عليه السلام : هي عصاي! فأبى أن يعطيه ، فاختصما ، فرضيا أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما .
فاتاهما ملك يمشي ، فقضى بينهما فقال : ضعوها في الأرض فمن حملها فهي له . فعالجها الشيخ فلم يطقها ، وأخذها موسى عليه السلام بيده فرفعها ، فتركها له الشيخ ، فرعى له عشر سنين .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى } قال : هو مؤمن آل فرعون جاء يسعى وفي قوله { فخرج منها خائفاً يترقب } قال : أن يأخذه الطلب .

(7/481)


وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22)

أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { ولما توجه تلقاء مدين } قال : عرضت لموسى عليه السلام أربعة طرق فلم يدر أيتها يسلك ، فقال { عسى ربي أن يهديني سواء السبيل } فأخذ طريق مدين .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { تلقاء مدين } قال : مدين ماء كان عليه شعيب .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { عسى ربي أن يهديني سواء السبيل } قال : قصد السبيل : الطريق إلى مدين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله { عسى ربي أن يهديني سواء السبيل } قال : الطريق المستقيم . قال : فالتقى والله يومئذ خير أهل الأرض . شعيب وموسى بن عمران .
وأخرج أحمد في الزهد عن كعب بن علقمة رضي الله عنه قال : أن موسى عليه السلام لما خرج هارباً من فرعون قال : رب أوصني قال « أوصيك أن لا تعدل بي شيئاً أبداً إلا اخترتني عليه ، فإني لا أرحم ولا أزكي من لم يكن كذلك قال : وبماذا يا رب؟ قال : بأمك فانها حملتك وهناً على وهن قال : ثم بماذا يا رب؟ قال : إن أوليتك شيئاً من أمر عبادي فلا تعيهم إليك في حوائجهم ، فإنك إنما تعي روحي فإني مبصر ومسمع ومشهد » .

(7/482)


وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28)

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : خرج موسى عليه السلام خائفاً جائعاً ليس معه زاد حتى انتهى إلى ماء مدين وعليه أمة من الناس يسقون ، وامرأتان جالستان بشياههما ، فسألهما ما خطبكما؟ { قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير } قال : فهل قربكما ماء قالتا : لا . . . إلا بئر عليها صخرة قد غطيت بها لا يطيقها نفر قال : فانطلقا فأريانيها . فانطلقتا معه فقلب بالصخرة بيده ، فنحاها ثم استقى لهما سجلاً واحداً فسقى الغنم ، ثم أعاد الصخرة إلى مكانها ، ثم تولى إلى الظل فقال : { رب إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير } فسمعتا ما قال ، فرجعتا إلى أبيهما فاستنكر سرعة مجيئهما ، فسألهما فاخبرتاه فقال لإِحداهما : انطلقي فادعيه فأتته فقالت : { إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } فمشت بين يديه فقال لها : امشي خلفي ، فإني امرؤ من عنصر إبراهيم لا يحل لي أن أنظر منك ما حرم الله علي ، وارشديني الطريق .
{ فلما جاءه وقص عليه القصص . . . ، قالت إحداهما : يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين } قال لها أبوها : ما رأيت من قوّته وأمانته؟ فأخبرته بالأمر الذي كان قالت : أما قوّته فإنه قلب الحجر وحده ، وكان لا يقلبه إلا النفر . وأما أمانته فإنه قال : امشي خلفي وارشديني الطريق ، لأني امرؤ من عنصر إبراهيم عليه السلام ، لا يحل لي منك ما حرمه الله تعالى . قيل لابن عباس رضي الله عنهما . أي الأجلين قضى موسى عليه السلام؟ قال : أبرهما وأوفاهما .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : إن موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ، فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال ، فإذا هو بامرأتين { قال ما خطبكما } فحدثتاه . فأتى الصخرة فرفعها وحده ثم استسقى ، فلم يستق إلا دلواً واحداً حتى رويت الغنم .
فرجعت المرأتان إلى أبيهما فحدثتاه ، وتولى موسى عليه السلام إلى الظل { فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير } قال : { فجاءته إحداهما تمشي على استحياء } واضعة ثوبها على وجهه ليست بسلفع من الناس خراجة ولاجة { قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } فقام معها موسى عليه السلام فقال لها : امشي خلفي وانعتي لي الطريق ، فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف جسدك . فلما انتهى إلى أبيها قص عليه فقالت احداهما { يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوى الأمين } قال : يا بنية ما علمك بأمانته وقوته؟ قالت : أما قوّته : فرفعه الحجر ولا يطيقه إلا عشرة رجال ، وأما أمانته ، فقال : امشي خلفي وانعتي لي الطريق ، فإني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف لي جسدك .

(7/483)


فزاده ذلك رغبة فيه فقال { إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين } إلى قوله { ستجدني إن شاء الله من الصالحين } أي في حسن الصحبة والوفاء بما قلت قال موسى عليه السلام { ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي } قال : نعم . { قال الله على ما نقول وكيل } فزوّجه وأقام معه يكفيه ، ويعمل له في رعاية غنمه وما يحتاج إليه ، وزوّجه صفورا ، وأختها شرفا ، وهما التي كانتا تذودان .
وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولما ورد ماء مدين } قال : ورد الماء حيث ورد وأنه لتتراءى خضرة البقل من بطنه من الهزال .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : خرج موسى عليه السلام من مصر إلى مدين وبينه وبينها ثمان ليال ، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر ، وخرج إليها حافياً فما وصل حتى وقع خف قدمه .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة { ولما ورد ماء مدين } قال : كان مسيره خمسة وثلاثين يوماً .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { أمة من الناس يسقون } قال : أناساً . وفي قوله { إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير } قال : من طعام .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ووجد من دونهم امرأتين } قال : أسماؤهما : ليا ، وصفورا ، ولهما أربع أخوات صغار يسقين الغنم في الصحاف .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { تذودان } قال : تحبسان .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله { تذودان } قال : تحبسان غنمهما حتى يفرغ الناس وتخلو لهما البئر .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله { قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء } قال : تنتظران أن تسقيا من فضول ما في حياضهم .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { حتى يصدر الرعاء } برفع الياء وكسر الراء في الرعاء .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لقد قال موسى عليه السلام { رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير } وهو أكرم خلقه عليه ولقد افتقر إلى شق تمرة ، ولقد لصق بطنه بظهره من شدة الجوع .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير } قال : سأل فلقاً من الخبز يشد بها صلبه من الجوع .

(7/484)


وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما هرب موسى عليه السلام من فرعون أصابه جوع ، كانت ترى أمعاؤه من ظاهر الثياب { قال : رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير } .
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لما سقى موسى للجاريتين { ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير } قال : إنه يومئذ فقير إلى كف من تمر » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { إني لما أنزلت إلي من خير فقير } قال : شبعه يومئذ .
وأخرج الفريابي وأحمد عن مجاهد قال : ما سأل إلا طعاماً يأكله .
وأخرج الفريابي وأحمد عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه { إني لما أنزلت إلي من خير فقير } قال : ما كان معه رغيف ولا درهم .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن أبي الهذيل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوله { تمشي على استحياء } قال : جاءت مستترة بكم درعها على وجهها .
وأخرجه ابن المنذر عن ابن أبي الهذيل موقوفاً عليه .
وأخرج أحمد عن مطرف بن الشخير رضي الله عنه قال : أما والله لو كان عند نبي الله شيء ما تبع مذقتها ، ولكن حمله على ذلك الجهد .
وأخرج ابن عساكر عن أبي حازم قال : لما دخل موسى عليه السلام على شعيب عليه السلام إذا هو بالعشاء فقال له شعيب عليه السلام : كل . قال موسى عليه السلام : أعوذ بالله! قال ولم . . . ؟! ألست بجائع؟ قال : بلى . ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما ، وأنا من أهل بيت لا نبتغي شيئاً من عمل الآخرة بملء الأرض ذهباً قال : لا والله . . . ولكنها عادتي وعادة آبائي ، نقري الضيف ، ونطعم الطعام . فجلس موسى عليه السلام فأكل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس رضي الله عنه أنه بلغه : أن شعيباً عليه السلام هو الذي قص على موسى القصص .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال : يقول ناس : أنه شعيب . وليس بشعيب ولكن سيد الماء يومئذ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة قال : كان صاحب موسى عليه السلام أثرون ابن أخي شعيب عليه السلام .
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه قال : كان اسم ختن موسى يثربي .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الذي استأجر موسى عليه السلام يثرب صاحب مدين .

(7/485)


وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه كان يكره الكنية بأبي مرة ، وكانت كنية فرعون ، وكانت صاحبة موسى صفيرا بنت يثرون .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { القوي } قال : قوته فتح لهما عن بئر حجراً على فيها فسقى لهما { الأمين } قال : غض بصره عنهما حين سقى لهما .
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال : لما قالت صاحبة موسى { يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين } قال : غض بصره عنهما حين سقى لهما .
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال : لما قالت صاحبة موسى { يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين } قال : وما رأيت من قوته . قالت : جاء إلى البئر وعليه صخرة لا يقلها كذا وكذا فرفعها قال : وما رأيت من أمانته؟ قالت : كنت أمشي أمامه فجعلني خلفه .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين } قال : بلغني أنه نكح الكبيرة التي دعته واسمها صفورا ، وأبوها ابن أخي شعيب ، واسمه رعاويل . وقد أخبرني من أصدق : أن إسمه في الكتاب يثرون كاهن مدين . والكاهن حبر .
وأخرج ابن المنذر عن نوف الشامي قال : ولدت المرأة لموسى عليه السلام غلاماً ، فسماه جرثمة .
وأخرج ابن ماجة والبزار وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عقبة بن المنذر السلمي رضي الله عنه قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ { طس } حتى بلغ قصة موسى عليه السلام قال : « إن موسى أجر نفسه ثماني سنين أو عشراً على عفة فرجه ، وطعام بطنه ، فلما وفى الأجل قيل : يا رسول الله أي الأجلين قضى موسى؟ قال : أبرهما وأوفاهما ، فلما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به ، فأعطاها ما ولدت من غنمه قالب لون من ذلك العام ، وكانت غنمه سوداء حسناء ، فانطلق موسى إلى عصاه فسماها من طرفها ، ثم وضعها في أدنى الحوض ، ثم أوردها فسقاها ، ووقف موسى بازاء الحوض فلم يصدر منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة قال : فأنمت وأثلثت ووضعت كلها قوالب الوان . إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش ، ولا ضبوب ، ولا غزور ، ولا ثفول ، ولا كمشة تفوت الكف . قال النبي صلى الله عليه وسلم : فلو افتتحتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم . وهي السامرية » قال ابن لهيعة : الفشوش : التي تفش بلبنها واسعة الشخب ، والضبوب : الطويلة الضرع مجترة ، والغزور : الضيقة الشخب ، والثفول : التي ليس لها ضرع إلا كهيئة حلمتين ، والكمشة : الصغيرة الضرع لا يدركه الكف .

(7/486)


وأخرج ابن جرير عن أنس رضي الله عنه قال : لما دعا موسى عليه السلام صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما قال له صاحبه : كل شاة ولدت على لونها فلك لونها . فعمد فرفع خيالاً على الماء ، فلما رأيت الخيال فزعت ، فجالت جولة فولدت كلهن بلقاء ، إلا شاة واحدة . فذهب بألوانهن ذلك العام .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد والبخاري وابن المنذر وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل أي الأجلين قضى موسى؟ فقال : قضى أكثرهما وأطيبهما . أن رسول الله إذا قال فعل .
وأخرج البزار وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جبريل أي الأجلين قضى موسى؟ قال : أتمهما وأكملهما .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يوسف بن سرح « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الأجلين قضى موسى؟ فسأل جبريل فقال : لا علم لي . فسأل جبريل ملكاً فوقه فقال : لا علم لي . فسأل ذلك الملك ربه فقال الرب عز وجل » أبرهما وأتقاهما وأزكاهما « » .
وأخرج ابن مردويه من طريق علي بن عاصم عن أبي هريرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : « أن رجلاً سأله أي الأجلين قضى موسى؟ فقال : لا أدري حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لا أدري حتى أسأل جبريل فقال : لا أدري حتى أسأل ميكائيل ، فسأل ميكائيل فقال : لا أدري حتى أسأل الرفيع ، فسأل الرفيع فقال : لا أدري حتى أسأل اسرافيل ، فسأل إسرافيل فقال : لا أدري حتى أسأل ذا العزة ، فنادى إسرافيل بصوته الأشد : يا ذا العزة أي الأجلين قضى موسى؟ قال : » أتم الأجلين وأطيبهما عشر سنين « قال علي بن عاصم : فكان أبو هرون إذا حدث بهذا الحديث يقول : حدثني أبو سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، عن جبريل ، عن ميكائيل ، عن الرفيع ، عن إسرافيل ، عن ذي العزة تبارك وتعالى » أن موسى قضى أتم الأجلين وأطيبه ، عشر سنين « » .
وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه « قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأجلين قضى موسى؟ قال : أوفاهما » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي جبريل : يا محمد إن سألك اليهود أي الأجلين قضى موسى؟ فقل أوفاهما ، وإن سألوك أيهما تزوج؟ فقال الصغرى منهما » .
وأخرج الخطيب في تاريخه عن أبي ذر رضي الله عنه قال « قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا سئلت أي الأجلين قضى موسى؟ فقل خيرهما وأبرهما ، وإذا سئلت أي المرأتين تزوج؟ فقل الصغرى منهما ، وهي التي جاءت فقالت { يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين } فقال : ما رأيت من قوته؟ قالت : أخذ حجراً ثقيلاً فألقاه على البئر قال : وما الذي رأيت من أمانته؟ قالت : قال لي امشي خلفي ولا تمشي امامي » .

(7/487)


وأخرج البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأجلين قضى موسى؟ قال : أبعدهما وأطيبهما » .
وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي ذر رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم أي الأجلين قضى موسى؟ قال : أبرهما وأوفاهما . قال : وإن سئلت أي المرأتين تزوج؟ فقل الصغرى منهما » .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأجلين قضى موسى؟ قال : سوف أسأل جبريل ، فسأل قال : سوف أسأل ميكائيل ، فسأله قال : سوف أسأل إسرافيل ، فسأله فقال : سوف أسأل الرب ، فسأله فقال : أبرهما وأوفاهما » .
وأخرج ابن مردويه عن مقسم قال : لقيت الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، فقلت له : أي الأجلين قضى موسى . الأول أو الآخر؟ قال : الآخر .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { والله على ما نقول وكيل } قال : على قول موسى وختنه .

(7/488)


فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فلما قضى موسى الأجل } قال : عشر سنين ، ثم مكث بعد ذلك عشراً أخرى .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي قال عبد الله بن عباس . لما قضى موسى الأجل سار بأهله فضل عن الطريق ، وكان في الشتاء . ورفعت له نار ، فلما رآها ظن أنها نار ، وكانت من نور الله فقال لأهله { امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بخبر } فإن لم أجد خبراً آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون من البرد .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { آنس } قال : أحس وفي قوله { إني آنست ناراً } قال : أحسست .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لعلي آتيكم منها بخبر } قال : لعلي أجد من يدلني على الطريق . وكانوا قد ضلوا الطريق .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { جذوة } قال : شهاب .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { جذوة } قال : أصل شجرة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { جذوة } قال : أصل شجرة في طرفها نار .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال { الجذوة } عود من حطب فيه النار .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ « أو جذوة » بنصب الجيم .
وأخرج أبو عبيد وابن مردويه وابن عساكر عن أبي المليح قال : أتيت ميمون بن مهران لأودعه عند خروجي في تجارة فقال : لا تيأس أن تصيب في وجهك هذا في أمر دينك أفضل مما ترجو أن تصيب في أمر دنياك ، فإن صاحبة سبأ خرجت وليس شيء أحب إليها من ملكها ، فأخرجها الله إلى ما هو خير من ذلك ، فهداها إلى الإِسلام ، وأن موسى عليه السلام خرج يريد أن يقتبس لأهله ناراً ، فأخرجه الله إلى ما هو خير من ذلك : كلمه الله تعالى .
وأخرج الخطيب عن عائشة رضي الله عنها قالت : كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو ، فإن موسى بن عمران عليه السلام خرج يقتبس ناراً فرجع بالنبوّة .

(7/489)


فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { نودي من شاطئ الواد الأيمن } قال : كان النداء من السماء الدنيا .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { من شاطئ الواد الأيمن } قال : الأيمن عن يمين موسى عليه السلام عند الطور .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح في الآية قال : كان النداء من أيمن الشجرة . والنداء من السماء . وذلك في التقديم والتأخير .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال : نودي عن يمين الشجرة .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { من الشجرة } قال : أخبرت أنها عوسجة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الكلبي { من الشجرة } قال : شجرة العوسج .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : ذكرت لي الشجرة التي أوى إليها موسى عليه السلام ، فسرت إليها يومي وليلتي حتى صبحتها ، فإذا هي سمرة خضراء ترف ، فصليت على النبي صلى الله عليه وسلم فاهوى إليها بعيري وهو جائع ، فأخذ منها ملء فيه فلاكه فلم يستطع أن يسيغه فلفظه ، فصليت على النبي وسلمت ، ثم انصرفت .
وأخرج ابن أبي حاتم عن نوف البكالي : أن موسى عليه السلام لما نودي من شاطئ الوادي الأيمن قال : ومن أنت الذي تنادي؟ قال : أنا ربك الأعلى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الثقفي قال : أتى موسى عليه السلام الشجرة ليلاً وهي خضراء والنار تتردد فيها ، فذهب يتناول النار فمالت عنه ، فذعر وفزع ، فنودي من شاطئ الوادي الأيمن قال : عن يمين الشجرة فاستأنس بالصوت ، فقال : أين أنت . أين أنت؟ قيل : الصوت . . أنا فوقك قال : ربي؟! قال : نعم .

(7/490)


وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32) قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35) فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (36) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37)

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { ولى مدبراً . . من الرهب } قال : هذا من تقديم القرآن .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { واضمم إليك جناحك } قال : يدك .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { واضمم إليك جناحك } قال : كفه تحت عضده { من الرهب } قال : من الفرق { فذانك برهانان } قال : العصا ، واليد . وفي قوله { ردءاً } قال : عوناً وفي قوله { ونجعل لكما سلطاناً } قال : الحجة .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ولم يعقب } قال : لم يلتفت من الفرق وفي قوله { اسلك يدك في جيبك } قال : في جيب قميصك { تخرج بيضاء من غير سوء } قال : من غير برص { واضمم إليك جناحك من الرهب } قال : من الرعب { فذانك برهانان } قال : آيتان من ربك . . . { فأرسله معي ردءاً } قال : عوناً لي .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ { من الرهب } مخففة مرفوعة الراء وقرأ « فذنك » مخففة .
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن كثير وقيس أنهما كانا يقرآن { فذنك برهانان } مثقلة النون .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ردءاً يصدقني } كي يصدقني .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب نبأنا نافع بن أبي نعيم قال : سألت مسلم بن جندب رضي الله عنه عن قوله { ردءاً يصدقني } قال : الردء الزيادة أما سمعت قول الشاعر :
واسمر خطى كأن كعوبه ... نوى القصب قد اردى ذراعاً على عشر
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { سنشد عضدك بأخيك } قال : العضد : المعين الناصر قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول النابغة :
في ذمة من أبي قابوس منقذة ... للخائفين ومن ليست له عضد
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال : كان موسى عليه السلام قد ملىء قلبه رعباً من فرعون ، فكان إذا رآه قال : اللهم أدرأ بك في نحره ، وأعوذ بك من شره ، ففزع الله تعالى ما كان في قلب موسى وجعله في قلب فرعون ، فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار .
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن الضحاك رضي الله عنه قال : دعاء موسى حين توجه إلى فرعون ، ودعاء النبي عليه السلام يوم حنين ، ودعاء كل مكروب « كنت وتكون وأنت حي لا تموت ، تنام العيون وتكدر النجوم وأنت حي قيوم ، لا تأخذك سنة ولا نوم ، يا حي يا قيوم » .

(7/491)


وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39)

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما قال فرعون { يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري } قال جبريل عليه السلام : يا رب طغى عبدك فائذن لي في هلاكه قال : يا جبريل هو عبدي ولن يسبقني له أجل قد اجلته حتى يجيء ذلك الأجل . فلما قال { أنا ربكم الأعلى } [ النازعات : 24 ] قال : يا جبريل قد سكنت روعتك . بغى عبدي وقد جاء أوان هلاكه .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كلمتان قالهما فرعون { ما علمت لكم من إله غيري } وقوله { أنا ربكم الأعلى } قال : كان بينهما أربعون عاماً { فأخذه الله نكال الآخرة والأولى } [ النازعات : 26 ] » .
أما قوله تعالى : { فأوقد لي يا هامان } الآية .
أخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر قال : حدثنا أسد عن خالد بن عبد الله عن محدث حدثه قال : كان هامان نبطياً .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { فأوقد لي يا هامان على الطين } قال على المدر يكون لبناً مطبوخاً .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : بلغني أن فرعون أول من طبخ الآجر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال : كان فرعون أول من طبخ الآجر ، وصنع له الصرح .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : فرعون أول من صنع الآجر وبنى به .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله { فأوقد لي يا هامان على الطين } قال : أوقد على الطين حتى يكون آجراً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : لما بنوا له الصرح ارتقى فوقه ، فأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء ، فردت إليه وهي متلطخة دماً فقال : قتلت إله موسى .

(7/492)


فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42)

أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فنبذناهم في اليم } قال : في البحر . بحر يقال له ساف من وراء مصر غرقهم الله فيه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار } قال : جعلهم الله أئمة يدعون إلى المعاصي .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة } لعنة أخرى ، ثم استقبل فقال { هم من المقبوحين } .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة } قال : لعنوا في الدنيا والآخرة هو كقوله { وأتبعناهم في الدنيا لعنة ويوم القيامة } .

(7/493)


وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43)

أخرج البزار وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما أهلك الله قوماً ولا قرناً ولا أمة ، ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ أنزل التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخت قردة . ألم تر إلى قوله تعالى { ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى } وأخرجه البزار وابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي سعيد موقوفاً » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { بصائر للناس } قال : بَيِّنَةٌ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : البصائر ، الهدى . بصائر ما في قلوبهم لذنوبهم .

(7/494)


وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45)

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وما كنت بجانب الغربي } قال : جانب غربي الجبل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { وما كنت ثاوياً } قال : الثاوي ، المقيم .

(7/495)


وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46)

أخرج الفريابي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } قال : نودوا يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني ، واستجبت لكم قبل أن تدعوني . وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال « إن رب العزة نادى يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي » ثم أنزل هذه الآية في سورة موسى وفرعون { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } .
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل وأبو نصر السجزي في الابانة والديلمي عن عمرو بن عبسة قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك } ما كان النداء؟ وما كانت الرحمة؟ قال « كتاب كتبه الله قبل أن يخلق خلقه بألفي عام ، ثم وضعه على عرشه ، ثم نادى : يا أمة محمد سبقت رحمتي غضبي ، أعطيتكم قبل أن تسألوني ، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني ، فمن لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبدي ورسولي صادقاً أدخلته الجنة » .
وأخرج الحلي في الديباج عن سهل بن سعد الساعدي مرفوعاً ، مثله .
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته قبل أن يسألني . وذلك في قوله { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } قال : نودوا يا أمة محمد ما دعوتمونا إلا استجبنا لكم ، ولا سألتمونا إلا أعطيناكم » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « لما قرب الله موسى إلى طور سينا نجينا قال : أي رب هل أحد أكرم عليك مني؟ قربتني نجيا ، وكلمتني تكليماً ، قال : نعم . محمد أكرم علي منك . قال : فإن كان محمد أكرم عليك مني فهل أمة محمد أكرم من بني إسرائيل؟ فلقت لهم البحر ، وأنجيتهم من فرعون وعمله ، وأطعمتهم المن والسلوى . قال : نعم . أمة محمد أكرم علي من بني إسرائيل . قال : إلهي أرنيهم قال : إنك لن تراهم ، وإن شئت أسمعتك صوتهم . قال : نعم . إلهي فنادى ربنا : أمة محمد أجيبوا ربكم ، فاجابوا وهم في أصلاب آبائهم ، وأرحام امهاتهم إلى يوم القيامة . فقالوا : لبيك . . . أنت ربنا حقاً ، ونحن عبيدك حقاً ، قال : صدقتم ، وأنا ربكم وأنتم عبيدي حقاً قد غفرت لكم قبل أن تدعوني ، وأعطيتكم قبل أن تسألوني ، فمن لقيني منكم بشهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة . قال ابن عباس رضي الله عنهما : فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم أراد أن يمن عليه بما اعطاه وبما أعطى امته فقال : يا محمد { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } » .

(7/496)


وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نصر السجزي في الابانة عن مقاتل { وما كنت بجانب الطور } يقول : وما كنت أنت يا محمد بجانب الطور إذ نادينا أمتك وهم في أصلاب آبائهم أن يؤمنوا بك إذا بعثت .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا } قال : إذ نادينا موسى { ولكن رحمة من ربك } أي مما قصصنا عليك .

(7/497)


وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)

أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « » الهالك في الفترة يقول : رب لم يأتني كتاب ولا رسول . ثم قرأ هذه الآية { ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين } « .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا ساحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون } قال : هم أهل الكتاب . يقول بالكتابين التوراة والفرقان فقال الله { قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين } .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه { لولا أوتي مثل ما أوتي موسى } قال : يهود تأمر قريشاً أن تسأل محمداً { مثل ما أوتي موسى . . . من قبل } يقول الله لمحمد : قل لقريش يقولون لهم { أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا ساحران تظاهرا } قال : قول يهود لموسى وهارون { وقالوا إنا بكل كافرون } قال : يهود تكفر أيضاً بما أوتي محمد .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل } قال : من قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج الطبراني عن ابن الزبير رضي الله عنه أنه كان يقرأ { قالوا ساحران تظاهرا } .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ { قالوا ساحران تظاهرا } قال : موسى وهارون .
وأخرج عبد بن حميد والبخاري في تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ » ساحران تظاهرا « بالألف قال : يعني موسى ومحمداً عليهما السلام .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه أنه كان يقرأ { سحران تظاهرا } قال : هما كتابان .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه { قالوا ساحران تظاهرا } يقول : التوراة والفرقان .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه { قالوا ساحران تظاهرا } قال : التوراة والفرقان حين صدق كل واحد منهما صاحبه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عاصم الجحدري أنه كان يقرأ { سحران تظاهرا } يقول : كتابان التوراة والفرقان . ألا تراه يقول { فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه قال : لو كان يريد النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل { فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه } إنما أراد الكتابين .

(7/498)


وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي رزين رضي الله عنه أنه كان يقرأها { سحران تظاهرا } يقول : كتابان التوراة والإِنجيل .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { قالوا سحران تظاهرا } قال : ذلك اعداء الله اليهود للإِنجيل والقرآن قال : ومن قرأها « ساحران » يقول : محمد وعيسى .
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الكريم أبي أمية قال : سمعت عكرمة يقول { سحران } فذكرت ذلك لمجاهد فقال : كذب العبد قرأتها على ابن عباس « ساحران » فلم يُعِبْ علي .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن مجاهد قال : سألت ابن عباس رضي الله عنهما وهو بين الركن والباب والملتزم وهو متكىء على يدي عكرمة فقلت : أسحران تظاهرا ، أم ساحران؟ فقلت ذلك مراراً فقال عكرمة « ساحران تظاهرا » اذهب أيها الرجل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه { وقالوا إنا بكل كافرون } يقول : بالتوراة والقرآن .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد { وقالوا إنا بكل كافرون } قال : الذي جاء به موسى ، والذي جاء به عيسى .

(7/499)


وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55)

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو القاسم البغوي في معجمه والباوردي وابن قانع الثلاثة في معاجم الصحابة والطبراني وابن مردويه بسند جيد عن رفاعة القرظي رضي الله عنه قال : نزلت { ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون } إلى قوله { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا } في عشرة رهط : انا أحدهم .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه { ولقد وصلنا لهم } قال : لقريش { القول } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه { ولقد وصلنا لهم القول } قال : بَيَّنا .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { ولقد وصلنا لهم القول } قال : وصل الله لهم القول في هذا القرآن يخبرهم كيف يصنع بمن مضى ، وكيف صنعوا ، وكيف هو صانع .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي رفاعة رضي الله عنه قال : خرج عشرة رهط من أهل الكتاب - منهم أبو رفاعة - إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا ، فأوذوا ، فنزلت { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون } .
وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر عن علي بن رفاعة رضي الله عنه قال : كان أبي من الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب ، وكانوا عشرة ، فلما جاؤوا جعل الناس يستهزئون بهم ، ويضحكون منهم ، فأنزل الله { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا } .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه { الذين آتيناهم الكتاب } إلى قوله { لا نبتغي الجاهلين } قال : في مسلمة أهل الكتاب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون } قال : كنا نحدث أنها أنزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق يأخذون بها ، وينتهون إليها ، حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وصبرهم على ذلك قال : وذكر لنا أن منهم سلمان ، وعبد الله بن سلام .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون } قال : يعني من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب .
وأخرج ابن مردويه عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : تداولتني الموالي حتى وقعت بيثرب ، فلما يكن في الأرض قوم أحب إلي من النصارى ، ولا دين أحب إلي من النصرانية ، لما رأيت من اجتهادهم ، فبينا أنا كذلك إذ قالوا : قد بعث في العرب نبي ، ثم قالوا : قدم المدينة فاتيته فجعلت أسأله عن النصارى قال : لا خير في النصارى ، ولا أحب النصارى قال : فاخبرته أن صاحبي قال : لو أدركته فأمرني أن أقع النار لوقعتها قال : وكنت قد استهترت بحب النصارى ، فحدثت نفسي بالهرب ، وقد جرد رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف ، فأتاني آتٍ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك فقلت : اذهب حتى أجيء وأنا أحدث نفسي بالهرب قال لي : لن افارقك حتى أذهب بك إليه ، فانطلقت به فلما رآني قال : يا سلمان قد أنزل الله عذرك { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون } .

(7/500)


وأخرج الطبراني والخطيب في تاريخه عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : أنا رجل من أهل رام هرمز ، كنا قوماً مجوساً ، فأتانا رجل نصراني من أهل الجزيرة ، فنزل فينا واتخذ فينا ديراً ، وكنت في كتاب في الفارسية ، وكان لا يزال غلام معي في الكتاب يجيء مضروباً يبكي قد ضربه أبواه .
فقلت له يوماً : ما يبكيك؟ قال : يضربني أبواي قلت : ولم يضربانك؟ قال : آتي صاحب هذا الدير ، فإذا علما ذلك ضرباني ، وأنت لو أتيته سمعت منه حديثاً عجيباً قلت : فاذهب بي معك ، فاتيناه فحدثنا عن بدء الخلق ، وعن بدء مغلق السموات والأرض ، وعن الجنة والنار . فحدثنا باحاديث عجب ، وكنت أختلف إليه معه ، ففطن لنا غلمان من الكتاب ، فجعلوا يجيئون معنا .
فلما رأى ذلك أهل القرية أتوه فقالوا : يا هذا إنك قد جاورتنا فلم نر من جوارك إلا الحسن ، وإننا لنا غلماننا يختلفون إليك ، ونحن نخاف أن تفسدهم علينا ، أخرج عنا قال : نعم . فقال لذلك الغلام الذي كان يأتيه : اخرج معي . قال : لا أستطيع ذلك قد علمت شدة أبوي علي قلت : لكنني أخرج معك ، وكنت يتيماً لا أب لي ، فخرجت معه فأخذنا جبل رام هرمز ، فجعلنا نمشي ونتوكل ونأكل من ثمر الشجر حتى قدمنا الجزيرة ، فقدمنا نصيبين فقال لي صاحبي : يا سلمان ان ههنا قوماً عباد الأرض ، وأنا أحب أن ألقاهم .
فجئنا إليهم يوم الأحد وقد اجتمعوا ، فسلم عليهم صاحبي فحيوه وبشوا به وقالوا : أين كان غيبتك؟ قال : كنت في اخوان لي من قبل فارس ، فتحدثنا ما تحدثنا ثم قال لي صاحبي : قم يا سلمان انطلق قلت : لا ، دعني مع هؤلاء قال : إنك لا تطيق ما يطيق هؤلاء ، يصومون الأحد إلى الأحد ، ولا ينامون هذا الليل ، فإذا فيهم رجل من أبناء الملوك ترك الْمُلْكَ ودخل في العبادة ، فكنت فيهم حتى أمسينا ، فجعلوا يذهبون واحداً واحداً إلى غاره الذي يكون فيه ، فلما أمسينا قال : ذاك الذي من أبناء الملوك هذا الغلام ما تصنعونه؟ ليأخذه رجل منكم فقالوا : خذه أنت .
فقال لي : قم يا سلمان فذهب بي حتى أتى غاره الذي يكون فيه فقال لي : يا سلمان هذا خبز ، وهذا أدم ، فكل إذ غرثت ، وصم إذا نشطت ، وصَلِ ما بدا لك ، ونم إذا كسلت ، ثم قام في صلاته فلم يكلمني ولم ينظر الي ، فأخذني الغم تلك السبعة الأيام لا يكلمني أحد ، حتى كان الأحد فانصرف إلي ، فذهبت إلى مكانهم الذي كانوا يجتمعون ، وهم يجتمعون كل أحد يفطرون فيه ، فيلقى بعضهم بعضاً ، فيسلم بعضهم على بعض ، ثم لا يلتقون إلى مثله .

(8/1)


فرجعت إلى منزلنا فقال لي : مثل ما قال لي أول مرة : هذا خبز وهذا أدم فكل منه إذا غرثت ، وصم إذا نشطت ، وصلِّ ما بدا لك ، ونم إذا كسلت ، ثم دخل في صلاته فلم يلتفت إلي ولم يكلمني إلى الأحد الآخر ، فاخذني غم ، وحدثت نفسي بالفرار ، فقلت : اصبر أحدين أو ثلاثة ، فلما كان الأحد رجعنا إليهم ، فافطروا واجتمعوا فقال لهم : إني أريد بيت المقدس . فقالوا له : وما تريد إلى ذاك؟ قال : لا عهد به قالوا : إنا نخاف أن يحدث بك حدث فيليك غيرنا ، وكنا نحب أن نليك قال : لا عهد به .
فلما سمعته يذكر ذاك فرحت قلت : نسافر ونلقى الناس فيذهب عني الغم الذي كنت أجد ، فخرجت أنا وهو وكان يصوم من الأحد إلى الأحد ، ويصلي الليل كله ، ويمشي بالنهار ، فإذا نزلنا قام يصلي . فلم يزل ذاك دأبه حتى نزلنا بيت المقدس ، وعلى الباب رجل مقعد يسأل الناس فقال : اعطني . فقال : ما معي شيء ، فدخلنا بيت المقدس ، فلما رآه أهل بيت المقدس بشوا به واستبشروا به فقال لهم : غلامي هذا فاستوصوا به ، فانطلقوا بي فاطعموني خبزاً ولحماً ، ودخل في الصلاة فلم ينصرف إلي حتى كان يوم الأحد الآخر ، ثم انصرف فقال لي : يا سلمان إني أريد أن أضع رأسي ، فإذا بلغ الظل مكان كذا وكذا فايقظني . فبلغ الظل الذي قال فلم أوقظه رحمة له مما رأيت من اجتهاده ونصبه ، فاستيقظ مذعوراً فقال : يا سلمان ألم أكن قلت لك إذا بلغ الظل مكان كذا وكذا فأيقظني؟ قلت : بلى . ولكن إنما منعني رحمة لك لما رأيت من دأبك قال : ويحك يا سلمان . . ! إني أكره أن يفوتني شيء من الدهر لم أعمل فيه لله خيراً .
ثم قال لي : يا سلمان اعلم أن أفضل ديننا اليوم النصرانية . قلت : ويكون بعد اليوم دين أفضل من النصرانية؟ كلمة ألقيت على لساني . قال : نعم . يوشك أن يبعث نبي يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ، وبين كتفيه خاتم النبوة ، فإذا أدركته فاتبعه وصدقه قلت : وإن أمرني أن أدع النصرانية؟ قال : نعم . فإنه نبي الله لا يأمر إلا بالحق ، ولا يقول إلا حقاً ، والله لو أدركته ثم أمرني أن أقع في النار لوقعتها .
ثم خرجنا من بيت المقدس ، فمررنا على ذلك المقعد فقال له : دخلت فلم تعطني وهذا تخرج فاعطني .

(8/2)


فالتفت فلم ير حوله أحداً قال : فاعطني يدك ، فأخذ بيده فقال : قم باذن الله . فقام صحيحاً سوياً ، فتوجه نحو أهله ، فاتبعته بصري تعجباً مما رأيت ، وخرج صاحبي فأسرع المشي ، وتبعته فتلقاني رفقة من كلب اعراب ، فسبوني فحملوني على بعير ، وشدوني وثاقاً فتداولني البياع حتى سقطت إلى المدينة ، فاشتراني رجل من الأنصار ، فجعلني في حائط له من نخل ، فكنت فيه ومن ثم تعلمت الخوص ، أشتري خوصاً بدرهم فاعلمه فابيعه بدرهمين ، فأرد درهماً إلى الخوص واستنفق درهماً أحب أن آكل من عمل يدي ، « فبلغنا ونحن بالمدينة أن رجلاً خرج بمكة يزعم أن الله أرسله ، فمكثنا ما شاء الله أن نمكث ، فهاجر إلينا وقدم علينا فقلت : والله لأجربنه فذهبت إلى السوق ، فاشتريت لحم جزور ثم طحنته ، فجعلت قصعة من ثريد ، فاحتملتها حتى أتيته بها على عاتقي حتى وضعتها بين يديه فقال : ما هذه . . أصدقة أم هدية؟قلت : بل صدقة فقال لأصحابه : كلوا بسم الله . وأمسك ولم يأكل ، فمكثت أيام ، ثم اشتريت لحماً أيضاً بدرهم ، فاصنع مثلها فاحتملتها حتى أتيته بها ، فوضعتها بين يديه فقال : ما هذه . . . صدقة أم هدية؟ فقلت : بل هدية . فقال لأصحابه : كلوا بسم الله وأكل معهم . قلت : هذا - والله - يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ، فرأيت بين كتفيه خاتم النبوّة مثل بيضة الحمامة ، فاسلمت .
فقلت له ذات يوم : يا رسول الله أي قوم النصارى؟ قال : لا خير فيهم ولا فيمن يحبهم قلت في نفسي : أنا - والله - أحبهم . قال : وذاك حين بعث السرايا وجرد السيف . فسرية تخرج وسرية تدخل والسيف يقطر قلت : يحدث بي الآن أني أحبهم ، فيبعث إلي فيضرب عنقي ، فقعدت في البيت فجاءني الرسول ذات يوم فقال : يا سلمان أجب رسول الله قلت : هذا - والله - الذي كنت أحذر قلت : نعم . اذهب حتى ألحقك قال : لا والله حتى تجيء ، وأنا أحدث نفسي أن لو ذهب فأفر .
فانطلق بي حتى انتهيت إليه ، فلما رآني تبسم وقال لي : يا سلمان ابشر فقد فرج الله عنك ، ثم تلا على هؤلاء الآيات { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون } إلى قوله { لا نبتغي الجاهلين } قلت : يا رسول الله - والذي بعثك بالحق - سمعته يقول : لو أدركته فأمرني أن أقع في النار لوقعتها ، إنه نبي لا يقول إلا حقاً ، ولا يأمر إلا بالحق » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون } قال : « نزلت في عبد الله بن سلام لما أسلم أحب أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بعظمته في اليهود ، ومنزلته فيهم ، وقد ستر بينه وبينهم ستراً فكلمهم ودعاهم فأبوا فقال : أخبروني عن عبد الله بن سلام كيف هو فيكم؟ قالوا : ذاك سيدنا وأعلمنا قال : أرأيتم إن آمن بي وصدقني أتؤمنون بي وتصدقوني؟ قالوا : لا يفعل ذاك . هو أفقه فينا من أن يدع دينه ويتبعك ، قال أرأيتم إن فعل؟ قالوا : لا يفعل قال : أرأيتم إن فعل؟ قالوا إذاً نفعل . . قال : أخرج يا عبد الله بن سلام فخرج فقال : أبسط يدك أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فبايعه ، فوقعوا به وشتموه وقالوا : والله ما فينا أحد أقل علماً منه ، ولا أجهل بكتاب الله منه قال : ألم تثنوا عليه آنفاً؟ قالوا : انا استحينا أن تقول اغتبتم صاحبكم من خلفه . فجعلوه يشتمونه فقام إليه أمين بن يامين فقال : أشهد أن عبد الله بن سلام صادق ، فابسط يدك فبايعه ، فأنزل الله فيهم { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين } يعني إبراهيم واسمعيل وموسى وعيسى وتلك الأمم وكانوا على دين محمد صلى الله عليه وسلم » .

(8/3)


وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنيس رضي الله عنه في قوله { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا } قال : هؤلاء قوم كانوا في زمان الفترة متمسكين بالإِسلام ، مقيمين عليه ، صابرين على ما أوذوا ، حتى أدرك رجال منهم النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : لما أتى جعفر وأصحابه النجاشي أنزلهم ، واحسن إليهم ، فلما أرادوا أن يرجعوا قال من آمن من أهل مملكته : ائذن لنا فلنصحب هؤلاء في البحر ، ونأتي هذا النبي فنحدث به عهداً ، فانطلقوا فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشهدوا معه أحداً وخيبر ولم يصب أحد منهم فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ائذن لنا فلنأت أرضنا فإن لنا أموالاً فنجيء بها فننفقها على المهاجرين ، فانا نرى بهم جهداً ، فأذن لهم فانطلقوا ، فجاؤوا بأموالهم فانفقوها على المهاجرين ، فأنزلت فيهم الآية { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون } .
وأخرج ابن ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال : إن قوماً من المشركين أسلموا فكانوا يؤذونهم ، فنزلت هذه الآية فيهم { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا } .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه . . . } قال : أناس من أهل الكتاب أسلموا فكان أناس من اليهود إذا مروا عليهم سبوهم ، فأنزل الله هذه الآية فيهم .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه { سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين } قال : لا يجاورون أهل الجهل والباطل في باطلهم ، أتاهم من الله ما وقذهم عن ذلك .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : رجل من أهل الكتاب آمن بالكتاب الأول والكتاب الآخر . ورجل كانت له أمة فأدبها وأحسن تأديبها ، ثم أعتقها وتزوجها . وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ، ونصح لسيده » .
وأخرج أحمد والطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من أسلم من أهل الكتاب فله أجره مرتين » .

(8/4)