صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور |
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93)
أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك { وأزلفت الجنة للمتقين } قال : قربت لأهلها . (7/399)
وأخرج ابن أبي شيبة عن نبيح ابن امرأة كعب قال : تزلف الجنة ، ثم تزخرف ، ثم ينظر إليها من خلق الله؛ من مسلم أو يهودي أو نصراني إلا رجلان : رجلاً قتل مؤمناً متعمداً ، أو رجلاً قتل معاهداً متعمداً .
فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فكبكبوا فيها } قال : جمعوا فيها { هم والغاوون } قال : مشركو العرب والآلهة . (7/400)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد { فكبكبوا } قال : رموا .
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن السدي { فكبكبوا فيها } قال : في النار { هم } قال : الآلهة { والغاوون } قال : مشركو قريش { وجنود إبليس } قال : ذرية إبليس ومن ولد .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { والغاوون } قال : الشياطين .
وأخرج ابن مردويه عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الناس يمرون يوم القيامة على الصراط : والصراط دحض مزلة يتكفأ بأهله . والنار تأخذ منهم ، وإن جهنم لتنطف عليهم مثل الثلج إذا وقع لها زفير وشهيق . فبينما هم كذلك إذ جاءهم نداء من الرحمن : عبادي من كنتم تعبدون في دار الدنيا؟ فيقولون : رب أنت تعلم انا إياك كنا نعبد . فيجيبهم بصوت لم يسمع الخلائق مثله قط : عبادي حق عليّ أن لا أَكِلَكُمُ اليوم إلى أحد غيري فقد عفوت عنكم ، ورضيت عنكم . فتقوم الملائكة عند ذلك بالشفاعة ، فينحون من ذلك المكان فيقول الذين تحتهم في النار { فما لنا من شافعين ، ولا صديق حميم ، فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين } [ إبراهيم : 43 ] قال الله { فكبكبوا فيها هم والغاوون } قال ابن عباس : ادخروا فيها إلى آخر الدهر » .
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن أمتي ستحشر يوم القيامة ، فبينما هم وقوف إذ جاءهم مناد من الله : ليعتزل سفاكو الدماء بغير حقها . فيميزون على حدة ، فيسيل عندهم سيل من دم ، ثم يقول لهم الداعي : اعيدوا هذه الدماء في أجسادها . فيقولون : كيف نعيدها في أجسادها؟ فيقول : احشروهم إلى النار . فبينما هم يجرون إلى النار إذ نادى مناد فقال : إن القوم قد كانوا يهللون . فيوقفون منها مكاناً يجدون وهجها حتى يفرغ من حساب أمة محمد صلى الله عليه وسلم ثم يكبكبون في النار { هم والغاوون } ، { وجنود إبليس أجمعون } » .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي أمامة أن عائشة قالت : يا رسول الله يكون يوم لا يغنى عنا فيه من الله شيء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « نعم . في ثلاث مواطن : عند الميزان ، وعند النور والظلمة ، وعند الصراط . من شاء الله سلمه وأجازه ، ومن شاء كبكبه في النار قالت : يا رسول الله وما الصراط؟ قال : طريق بين الجنة والنار يجوز الناس عليه مثل حد الموسى ، والملائكة صافون يميناً وشمالاً يخطفونهم بالكلاليب مثل شوك السعدان وهم يقولون : سلم سلم { وأفئدتهم هواء } فمن شاء الله سلمه ومن شاء كبكبه في النار » .
وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104)
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { وما أضلنا إلا المجرمون } يقول : الأوّلون الذين كانوا قبلنا اقتدينا بهم فضللنا . (7/401)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة { وما أضلنا إلا المجرمون } قال : إبليس وابن آدم القاتل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج { فما لنا من شافعين } قال : من أهل السماء { ولا صديق حميم } قال : من أهل الأرض .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد { ولا صديق حميم } قال : شفيق .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فلو أن لنا كرة } قال : رجعة إلى الدنيا { فنكون من المؤمنين } قال : حتى تحل لنا الشفاعة كما حلت لهؤلاء . والله أعلم .
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122)
أخرج ابن المنذر عن ابن عباس { قالوا أنؤمن لك } قالوا : أنصدقك . (7/402)
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { واتبعك الأرذلون } قال : الحوّاكون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { واتبعك الأرذلون } قال : سفلة الناس وأراذلهم .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة { واتبعك الأرذلون } قال : الحوّاكون .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج { إن حسابهم إلا على ربي } قال : هو أعلم بما في أنفسهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { لتكونن من المرجومين } قال : بالحجارة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن { لتكونن من المرجومين } قال : بالشتيمة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { فافتح بيني وبينهم فتحاً } قال : اقض بيني وبينهم قضاء .
وأخرج ابن المنذر عن أبي صالح . مثله . وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل { الفلك المشحون } قال : السفينة الموقورة الممتلئة . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول عبيد بن الأبرص :
شحنا أرضهم بالخيل حتى ... تركناهم أذل من الصراط
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : تدرون ما المشحون؟ قلنا : لا . قال هو الموقر .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { الفلك المشحون } قال : الممتلئ .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { الفلك المشحون } قال : المملوء المفروغ منه تحميلاً .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { في الفلك المشحون } قال : المحمل .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { في الفلك المشحون } كنا نحدث : إنه الموقر .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن الشعبي { في الفلك المشحون } قال : المثقل .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ، مثله .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح { في الفلك المشحون } قال : سفينة نوح .
كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (136) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140)
أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { أتبنون بكل ريع } قال : طريق { آية } قال : علماً { تعبثون } قال : تلعبون . (7/403)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أتبنون بكل ريع } قال : شرف .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { أتبنون بكل ريع } قال : طريق .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر قال { الريع } ما استقبل الطريق بين الجبال والظراب .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { أتبنون بكل ريع } قال : بكل فج بين جبلين { آية } قال : بنيانا { وتتخذون مصانع } قال : بروج الحمام .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله { تعبثون } قال : تلعبون .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { وتتخذون مصانع } قال : قصوراً مشيدة وبنياناً مخلداً .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة { وتتخذون مصانع } قال : مآخذ للماء قال : وكان في بعض القراءة { وتتخذون مصانع كأنكم خالدون } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لعلكم تخلدون } قال : كأنكم تخلدون .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وإذا بطشتم بطشتم جبارين } قال : بالسوط والسيف .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { بطشتم جبارين } قال : أقوياء .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { بطشتم جبارين } قال : أقوياء .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إن هذا إلا خلق الأولين } قال : دين الأولين .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إن هذا إلا خلق الأولين } قال : أساطير الأولين .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن وابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود أنه كان يقرأ { إن هذا إلا خلق الأولين } يقول شيء اختلقوه وفي لفظ يقول { اختلاق الأولين } .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { إن هذا إلا خلق الأوّلين } قال : كذبهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن علقمة { إن هذا إلا خلق الأولين } قال : اختلاقهم .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { إن هذا إلا خلق الأولين } مرفوعة الخاء مثقلة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { إن هذا إلا خلق الأولين } قال : قالوا : هكذا خلقت الأولون ، وهكذا كان الناس يعيشون ما عاشوا ، ثم يموتون ولا بعث عليهم ولا حساب { وما نحن بمعذبين } أي إنما نحن مثل الأولين نعيش كما عاشوا ثم نموت لا حساب ولا عذاب علينا ولا بعث .
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ونخل طلعها هضيم } قال : معشب . (7/404)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله عز وجل { طلعها هضيم } قال : منضم بعضه إلى بعض قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول امرئ القيس :
دار لبيضاء العوارض طفلة ... مهضومة الكشحين ريا المعصم
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن يزيد بن أبي زياد { ونخل طلعها هضيم } قال : هو الرطب وفي لفظ قال : المذنب الذي قد رطب بعضه .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { طلعها هضيم } قال : لين .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن { طلعها هضيم } قال : الرخو .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك قال ال { هضيم } إذا بلغ البسر في عذوقه فعظم . فذلك الهضم .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد { طلعها هضيم } قال : يتهشم تهشماً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { طلعها هضيم } قال : الطلعة إذا مسستها تناثرت .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن { طلعها هضيم } قال : ليس فيه نوى .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة قال ال { هضيم } الرطب اللين .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { وتنحتون } بكسر الحاء { الجبال بيوتاً فارهين } بالألف .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فرهين } قال : حاذقين .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله { فرهين } قال : حاذقين بنحتها .
وأخرج عبد بن حميد عن معاوية بن قرة { فرهين } قال : حاذقين .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فرهين } قال : أشرين .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { فرهين } قال : شرهين .
وأخرج عبد بن حميد عن عطية في قوله { فارهين } قال : متجبرين .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن عبد الله بن شداد في قوله { فارهين } قال : يتجبرون .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { فرهين } قال : معجبين بصنعكم .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { ولا تطيعوا أمر المسرفين } قال : هم المشركون وفي قوله { إنما أنت من المسحرين } قال : هم الساحرون .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { إنما أنت من المسحرين } قال : المسحورين .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والخطيب وابن عساكر من طرق عن ابن عباس في قوله { إنما أنت من المسحرين } قال : من المخلوقين ثم أنشد قول لبيد بن ربيعة :
إن تسألينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحر (7/405)
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن أبي صالح ومجاهد في قوله { من المسحرين } قالا : من المخدوعين .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { إنما أنت من المسحرين } مثقلة وقال : المسحر : السوقة الذي ليس بملك .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس؛ أن صالحاً بعثه الله إلى قومه فآمنوا به ، ثم إنه لما مات كفر قومه ورجعوا عن الإِسلام ، فاحيا الله لهم صالحاً وبعثه إليهم فقال : أنا صالح فقالوا : قد مات صالح ، إن كنت صالحاً { فأت بآية إن كنت من الصادقين } فبعث الله الناقة فعقروها وكفروا فاهلكوا ، وعاقرها رجل نساج يقال له قدار بن سالف .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال { هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم } قال : كانت إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله ، فإذا كان يوم شربهم كان لأنفسهم ومواشيهم وأرضهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : إذا كان يومها أصدرتهم لبناً ما شاؤوا .
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175)
أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم } قال : تركتم اقبال النساء إلى أدبار الرجال وأدبار النساء . (7/406)
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد { وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم } قال : ما أصلح لكم يعني القبل .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة { وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم } يقول : ترك اقبال النساء إلى ادبار الرجال .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { بل أنتم قوم عادون } قال : متعدون .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن مجاهد قال : في قراءة عبد الله { وواعدناه أن نؤمنه أجمعين إلا عجوزاً في الغابرين } .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة { إلا عجوزاً في الغابرين } قال : هي امرأة لوط غبرت في عذاب .
وأخرج الطستي عن ابن عباس . أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله { في الغابرين } قال : في الباقين قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول عبيد بن الأبرص؟ :
ذهبوا وخلفني المخلف فيهم ... فكأنني في الغابرين غريب
كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191)
أخرج عبد بن حميد عن مجاهد ليكة قال { الأيكة } . (7/407)
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس في قوله { كذب أصحاب الأيكة المرسلين } قال : كانوا أصحاب غيضة بين ساحل البحر إلى مدين ، وقد أهلكوا فيما يأتون . وكان أصحاب الأيكة مع ما كانوا فيه من الشرك استنوا سنة أصحاب مدين . فقال لهم شعيب { إني لكم رسول أمين } ، { فاتقوا الله وأطيعون } ، { وما أسألكم } على ما أدعوكم عليه أجراً في العاجل في أموالكم { إن أجري إلا على رب العالمين } ، { واتقوا الذي خلقكم والجبلة } يعني وخلق الجبلة { الأولين } يعني القرون الأولين الذين أهلكوا بالمعاصي ولا تهلكوا مثلهم { قالوا إنما أنت من المسحرين } يعني من المخلوقين { وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين } ، { فأسقط علينا كسفاً من السماء } يعني قطعاً من السماء { فأخذهم عذاب يوم الظلة } أرسل الله عليهم سموماً من جهنم ، فأطاف بهم سبعة أيام حتى انضجهم الحر ، فحميت بيوتهم ، وغلت مياههم في الآبار والعيون ، فخرجوا من منازلهم ومحلتهم هاربين والسموم معهم ، فسلط الله عليهم الشمس من فوق رؤوسهم فتغشتهم حتى تقلقلت فيها جماجمهم ، وسلط الله عليهم الرمضاء من تحت أرجلهم حتى تساقطت لحوم أرجلهم ، ثم أنشأت لهم ظلة كالسحابة السوداء ، فلما رأوها ابتدروها يستغيثون بظلها حتى إذا كانوا تحتها جميعاً؛ أطبقت عليهم فهلكوا ونجَّى الله شعيباً والذين آمنوا به .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { والجبلة الأولين } قال : الخلق الأولين .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { والجبلة الأولين } قال : الخليقة .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { فأسقط علينا كسفاً من السماء } قال : قطعاً من السماء .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال : إن أهل مدين عذبوا بثلاثة أصناف من العذاب : أخذتهم الرجفة في دارهم حتى خرجوا منها ، فلما خرجوا منها ، أصابهم فزع شديد ففرقوا أن يدخلوا البيوت أن تسقط عليهم . فأرسل الله عليهم الظلة فدخل تحتها رجل قال : ما رأيت كاليوم ظلاً أطيب ولا ابرد هلموا أيها الناس ، فدخلوا جميعاً تحت الظلة ، فصاح فيهم صيحة واحدة ، فماتوا جميعاً .
وأخرج ابن المنذر عن قتادة قال : { أصحاب الأيكة } أصحاب شجر وهم قوم شعيب ، وأصحاب الرس : أصحاب آبار وهم قوم شعيب .
وأخرج ابن المنذر عن السدي قال : بعث شعيباً إلى أصحاب الأيكة - والايكة غيضة - فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة .
قال : فتح الله عليهم باباً من أبواب جهنم ، فغشيهم من حره ما لم يطيقوه ، فتبردوا بالماء وبما قدروا عليه ، فبينما هم كذلك إذ رفعت لهم سحابة فيها ريح باردة طيبة ، فلما وجدوا بردها ساروا نحو الظلة ، فاتوها يتبردون بها فخرجوا من كل شيء كانوا فيه ، فلما تكاملوا تحتها طبقت عليهم بالعذاب .
فذلك قوله { فأخذهم عذاب يوم الظلة } . (7/408)
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال : سلط الله الحر على قوم شعيب سبعة أيام ولياليهن حتى كانوا لا ينتفعون بظل بيت ولا ببرد ماء ، ثم رفعت لهم سحابة في البرية فوجدوا تحتها الروح ، فجعلوا يدعوا بعضهم بعضاً . حتى إذا اجتمعوا تحتها أشعلها الله عليهم ناراً . فذلك قوله { فأخذهم عذاب يوم الظلة } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس أنه سئل عن قوله { فأخذهم عذاب يوم الظلة } فقال : بعث الله عليهم وهدة وحراً شديداً ، فأخذ بأنفاسهم ، فدخلوا أجواف البيوت ، فدخل عليهم أجواف البيوت ، فأخذ بأنفاسهم فخرجوا من البيوت هراباً إلى البرية .
فبعث الله عليهم سحابة فاظلتهم من الشمس ، فوجدوا لها برداً ولذة ، فنادى بعضهم بعضاً حتى إذا اجتمعوا تحتها أسقطها الله عليهم ناراً . فذلك قوله { عذاب يوم الظلة } .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة { فأخذهم عذاب يوم الظلة } قال : ذكر لنا أنه سلط الله عليهم الحر سبعة أيام لا يظلهم ظل ولا ينفعهم منه شيء ، فبعث الله عليهم سحابة ، فلحقوا إليها يلتمسون الروح في ظلها . فجعلها الله عليهم عذاباً فأحرقتهم . بعثت عليهم ناراً فاضطرمت فاكلتهم . فذلك عذاب يوم الظلة .
وأخرج عبد بن حميد عن علقمة { فأخذهم عذاب يوم الظلة } قال : أصابهم الحر حتى أقلقهم من بيوتهم فخرجوا ، ورفعت لهم سحابة فانطلقوا إليها ، فلما استظلوا بها ، أرسلت إليهم فلم ينفلت منهم أحد .
وأخرج الحاكم عن زيد بن أسلم قال : كان ينهاهم عن قطع الدراهم { فأخذهم عذاب يوم الظلة } حتى إذا اجتمعوا كلهم كشف الله عنهم الظلة ، وأحمى عليهم الشمس ، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن مجاهد في قوله { فأخذهم عذاب يوم الظلة } قال : ظلل من العذاب اتاهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس قال : من حدثك من العلماء : ما عذاب يوم الظلة . فكذبه .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس قال : من حدثك من العلماء ما عذاب يوم الظلة قال : أخذهم حر أقلقهم من بيوتهم ، فانشئت لهم سحابة فأتوها فصيح بهم فيها والله أعلم .
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (204) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (209) وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212) فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة { وإنه لتنزيل رب العالمين } قال : هذا القرآن { نزل به الروح الأمين } قال : جبريل . (7/409)
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { نزل به الروح الأمين } قال : الروح الأمين : جبريل رأيت له ستمائة جناح من لؤلؤ قد نشرها فهم مثل ريش الطواويس .
وأخرج ابن مردويه عن الحسن أظنه عن سعد قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم « الأوان الروح الأمين نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وإن أبطأ عليها » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أيها الناس إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا قد أمرتكم به ، وإنه ليس شيء يقربكم من النار ويبعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه ، وأن الروح الأمين نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله واجملوا في الطلب ، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله ، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { بلسان عربي مبين } قال : بلسان قريش . ولو كان غير عربي ما فهموه .
وأخرج ابن النجار في تاريخه عن ابن عباس والبيهقي في شعب الإِيمان عن بريدة في قوله { بلسان عربي مبين } قال : بلسان جرهم .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن بريدة ، مثله .
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن سلام قال : كان نفر من قريش من أهل مكة قدموا على قوم من يهود من بني قريظة لبعض حوائجهم ، فوجدوهم يقرأون التوراة فقال القرشيون : ماذا نلقى ممن يقرأ توراتكم هذه؟ لهؤلاء أشد علينا من محمد وأصحابه . فقال اليهود : نحن من أولئك برآء . أولئك يكذبون على التوراة وما أنزل الله في الكتب إنما أرادوا عرض الدنيا . فقال القرشيون : فإذا لقيتموهم فسوِّدوا وجوههم وقال المنافقون : وما يعلمه إلا بشر مثله . وأنزل الله { وإنه لتنزيل رب العالمين } إلى قوله { وإنه لفي زبر الأولين } يعني النبي صلى الله عليه وسلم ، وصفته ، ونعته ، وأمره .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد { وإنه لفي زبر الأولين } يقول : في الكتب التي أنزلها على الأولين .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وإنه لفي زبر الأولين } قال : كتب الأولين { أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل } قال : يعني بذلك اليهود والنصارى ، كانوا يعلمون أنهم يجدون محمداً مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل أنه رسول الله .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ « أو لم يكن لهم آية » بالياء . (7/410)
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل } قال : عبد الله بن سلاممبشر بن عبيد القرشي في قوله { أو لم يكن لهم آية } يقول : أو لم يكن لهم القرآن آية .
وأخرج ابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية العوفي في قوله { أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل } قال : كانوا خمسة؛ أسد ، وأسيد ، وابن يامين ، وثعلبة ، وعبد الله بن سلام .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ولو نزلناه على بعض الأعجمين } قال : يقول لو نزلنا هذا القرآن على بعض الأعجمين لكانت العرب أشر الناس فيه ، لا يفهمونه ولا يدرون ما هو .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { ولو نزلناه على بعض الأعجمين } قال : لو أنزله الله عجمياً لكانوا أخسر الناس به لأنهم لا يعرفون العجمية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { ولو نزلناه على بعض الأعجمين } قال : الفرس .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله { كذلك سلكناه } قال : الشرك جعلناه { في قلوب المجرمين } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جهضم قال « رؤي النبي صلى الله عليه وسلم كأنه متحير فسألوه عن ذلك فقال : ولم . . . ! ورأيت عدوّي يلون أمر أمتي من بعدي . فنزلت { أفرأيت إن متعناهم سنين } ، { ثم جاءهم ما كانوا يوعدون } ، { ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون } فطابت نفسه » .
وأخرج عبد بن حميد عن سليمان بن عبد الملك؛ أنه كان لا يدع أن يقول في خطبته كل جمعة : إنما أهل الدنيا فيها على وجل لم تمض لهم نية ، ولم تطمئن لهم دار حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك . لا يدوم نعيمها ، ولا تؤمن فجعاتها ، ولا يبقى فيها شيء ، ثم يتلو { أفرأيت إن متعناهم سنين } ، { ثم جاءهم ما كانوا يوعدون } ، { ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون } قال : الرسل .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون } قال : ما أهلك الله من قرية إلا من بعد ما جاءتهم الرسل ، والحجة ، والبيان من الله . ولله الحجة على طلقة { ذكرى } قال : تذكرة لهم ، وموعظة وحجة لله { وما كنا ظالمين } يقول : ما كنا لنعذبهم إلا من بعد البينة والحجة والعذر . حتى نرسل الرسل ، وننزل الكتب ، وفي قوله { وما تنزلت به الشياطين } يعني القرآن { وما ينبغي لهم أن ينزلوا به وما يستطيعون } يقول لا يقدرون على ذلك ، ولا يستطيعونه { إنهم عن السمع لمعزولون } قال : عن سمع السماء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { وما تنزلت به الشياطين } قال : زعموا أن الشياطين تنزلت به على محمد؛ فأخبرهم الله أنها لا تقدر على ذلك ولا تستطيعه ، وما ينبغي لهم أن ينزلوا بهذا وهو محجور عليهم .
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)
أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وفي الدلائل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه الآية { وأنذر عشيرتك الأقربين } دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً وعم وخص فقال « يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً ، يا معشر بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً ، يا معشر بني قصي أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً ، يا معشر بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً ، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً ، يا فاطمة بنت محمد انقذي نفسك من النار فإني لا أملك لك ضراً ولا نفعاً ، ألا إن لكم رحماً وسابلها ببلاها » . (7/411)
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن جرير وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين } قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال « يا فاطمة ابنة محمد ، يا صفية ابنة عبد المطلب ، يا بني عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئاً سلوني من مالي ما شئتم » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن عروة مرسلاً ، مثله .
وأخرج مسدد ومسلم والنسائي وابن جرير والبغوي في معجمه والباوردي والطحاوي وأبو عوانة وابن قانع والطبراني وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن قبيصة بن مخارق وزفير بن عمرو قالا : لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين } انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ربوة من جبل ، فعلا أعلاها حجراً ثم قال « يا بني عبد مناف أني نذير لكم إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يريد أهله فخشي أن يسبقوه إلى أهله ، فجعل يهتف : يا صباحاه . . يا صباحاه . . أتيتم . أتيتم » .
وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري قال : لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين } وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم إصبعيه في أذنيه ورفع صوته وقال « يا بني عبد مناف ، يا صباحاه . . . » .
وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال : لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين } بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم جمع أهله فقال « يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار ، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار . ثم التفت إلى فاطمة فقال : يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً ، غير أن لكم رحماً سابلها ببلالها » .
وأخرج ابن مردويه عن البراء قال : لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم { وأنذر عشيرتك الأقربين } صعد النبي صلى الله عليه وسلم ربوة من جبل فنادى « يا صباحاه . . فاجتمعوا فحذرهم وأنذرهم ثم قال : لا أملك لكم من الله شيئاً ، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك من الله شيئاً » . (7/412)
وأخرج ابن مردويه عن الزبير بن العوّام قال : لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين } صاح على أبي قبيس « يا آل عبد مناف إني نذير . فجاءته قريش فحذرهم . . . وأنذرهم » .
وأخرج ابن مردويه عن عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قريشاً فقال « { وأنذر عشيرتك الأقربين } يعني : قومي » .
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين } جعل يدعوهم قبائل قبائل .
وأخرج سعيد بن منصور والبخاري وابن مردويه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين } ورهطك منهم المخلصين خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى صعد على الصفا فنادى » يا صباحاه . . فقالوا من هذا الذي يهتف؟ قالوا : محمد . فاجتمعوا إليه ، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو ، فجاء أبو لهب وقريش فقال : أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيَّ قالوا : نعم . ما جربنا عليك إلا صدقاً قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد « فقال أبو لهب : تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا! فنزلت { تبت يدا أبي لهب وتب } [ المسد : 1-2 ] » .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه { وأنذر عشيرتك الأقربين } قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم نادى على الصفا بأفخاذ عشيرته . فخذا فخذاً يدعوهم إلى الله . فقال في ذلك المشركون : لقد بات هذا الرجل يهوّت منذ الليلة قال : وقال الحسن رضي الله عنه : جمع نبي الله صلى الله عليه وسلم أهل بيته قبل موته فقال « ألا إن لي عملي ولكم عملكم ، ألا إني لا أغني عنكم من الله شيئاً ، ألا إن أوليائي منكم المتقون ، ألا لا أعرفنكم يوم القيامة تأتون بالدنيا تحملونها على قرابكم ، ويأتي الناس يحملون الآخرة . يا صفية بنت عبد المطلب ، يا فاطمة بنت محمد ، اعملا فإني لا أغني عنكما من الله شيئاً » .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
« يا بني هاشم ، ويا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إني لا أغني عنكم من الله شيئاً . إياكم أن يأتي الناس يحملون الآخرة ، وتأتون أنتم تحملون الدنيا ، وأنكم تردون عليّ الحوض ذات الشمال وذات اليمين فيقول القائل منكم : يا رسول الله أنا فلان بن فلان . فاعرف الحسب وانكر الوصف ، فاياكم أن يأتي أحدكم يوم القيامة وهو يحمل على ظهره فرساً ذات جمعمة ، أو بعيراً له رغاء ، أو شاة لها ثغاء ، أو يحمل قشعاً من أدم فيختلجون من دوني ، ويقال لي : أنك لا تدري ما أحدثوا بعدك . فاطيبوا نفساً وإياكم أن ترجعوا القهقرى من بعدي » قال عكرمة رضي الله عنه : إنما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول حيث أنزل الله عليه { وأنذر عشيرتك الأقربين } « . (7/413)
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين } جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بني هاشم ، فاجلسهم على الباب ، وجمع نساءه وأهله فأجلسهم في البيت ، ثم اطلع عليهم فقال » يا بني هاشم اشتروا أنفسكم من النار ، واسعوا في فكاك رقابكم أو افتكوها بأنفسكم من الله فإني لا أملك لكم من الله شيئاً ، ثم أقبل على أهل بيته فقال : يا عائشة بنت أبي بكر ، ويا حفصة بنت عمر ، ويا أم سلمة ، ويا فاطمة بنت محمد ، ويا أم الزبير عمة رسول الله ، اشتروا أنفسكم من الله ، واسعوا في فكاك رقابكم فإني لا أملك لكم من الله شيئاً ولا أغني ، فبكت عائشة رضي الله عنها وقالت : وهل يكون ذلك يوم لا تغني عنا شئياً؟ قال : نعم . في ثلاثة مواطن .
يقول الله { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة . . . } [ الأنبياء : 47 ] فعند ذلك لا أغني عنكم من الله شيئاً ، ولا أملك لكم من الله شيئاً ، وعند النور من شاء الله أتم له نوره ومن شاء أكبه في الظلمات يغمه فيها فلا أملك لكم من الله شيئاً ، ولا أغني عنكم من الله شيئاً ، وعند الصراط من شاء الله سلمه ، ومن شاء أجازه ، ومن شاء كبكبه في النار .
قالت : عائشة قد علمنا الموازين : هي الكفتان . فيوضع في هذه اليسرى ، فترجح احداهما وتخف الأخرى ، وقد علمنا النور والظلمة ، فما الصراط؟ قال : طريق بين الجنة والنار يجوز الناس عليها ، وهو مثل حد الموس ، والملائكة حفافه يميناً وشمالاً يخطفونهم بالكلاليب مثل شوك السعدان وهم يقولون : رب سلم سلم { وأفئدتهم هواء } فمن شاء الله سلمه ، ومن شاء كبكبه فيها « .
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل من طرق عن علي رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم { وأنذر عشيرتك الأقربين } دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال
« يا علي ان الله أمرني أن أنذر عشيرتي الاقربين فضقت ذرعاً ، وعرفت أني مهما أبادؤهم بهذا الامر أرى منهم ما أكره . (7/414)
فصمت عليها حتى جاء جبريل فقال : يا محمد إنك إن لم تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك ، فاصنع لي صاعاً من طعام ، واجعل عليه رجل شاة ، واجعل لنا عسا من لبن ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغ ما أمرت به ، ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه ، فيهم أعمامه أبو طالب ، وحمزة ، والعباس ، وأبو لهب .
فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به ، فلما وضعته تناول النبي صلى الله عليه وسلم بضعة من اللحم فشقها باسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال : كلوا بسم الله . فأكل القوم حتى تهلوا عنه ما ترى إلا آثار أصابعهم . والله إن كان الرجل الواحد ليأكل ما قدمت لجميعهم . ثم قال : اسق القوم يا علي ، فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى رووا جميعاً . وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله . فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال : لقد سحركم صاحبكم . فتفرق القوم ولم يكلمهم النبي صلى الله عليه وسلم .
فلما كان الغد قال : يا علي ان هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول ، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم ، فعد لنا بمثل الذي صنعت بالأمس من الطعام والشراب ثم اجمعهم لي . ففعلت ، ثم جمعتهم ، ثم دعاني بالطعام فقربته ، ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا وشربوا حتى نهلوا ، ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم أحداً في العرب جاء قومه بافضل مما جئتكم به ، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله ان أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على أمري هذا فقلت وأنا احدثهم سناً : إنه أنا . فقام القوم يضحكون » .
وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال : لما نزلت هذه الآية { وأنذر عشيرتك الأقربين } « جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلاً ، منهم العشرة يأكلون المسنة ، ويشربون العس ، وامر علياً برجل شاة صنعها لهم ثم قربها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ منها بضعة فاكل منها ، ثم تتبع بها جوانب القصعة ثم قال » ادنوا بسم الله « . فدنا القوم عشرة . . عشرة . فأكلوا حتى صدروا ، ثم دعا بقعب من لبن فجرع جرعة فناولهم فقال : اشربوا بسم الله . فشربوا حتى رووا عن آخرهم ، فقطع كلامهم رجل فقال لهم : ما سحركم مثل هذا الرجل ، فاسكت النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ فلم يتكلم .
ثم دعاهم من الغد على مثل ذلك من الطعام والشراب ، ثم بدرهم بالكلام فقال : يا بني عبد المطلب إني أنا النذير إليكم من الله والبشير ، قد جئتكم بما لم يجيء به أحد . جئتكم بالدنيا والآخرة فاسلموا تسلموا ، وأطيعوا تهتدوا » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله { وأنذر عشيرتك الأقربين } قال : أمر الله محمداً صلى الله عليه وسلم أن ينذر قومه ويبدأ بأهل بيته وفصيلته قال : { وكذب به قومك وهو الحق } [ الأنعام : 66 ] . (7/415)
وأخرج ابن جرير عن عمرو بن مرة أنه كان يقرأ { وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين } .
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر والديلمي عن عبد الواحد الدمشقي قال : رأيت أبا الدرداء يحدث الناس ويفتيهم؛ وولده وأهل بيته جلوس في جانب الدار يتحدثون فقيل له : يا أبا الدرداء ما بال الناس يرغبون فيما عندك من العلم ، وأهل بيتك جلوس لاهين؟ فقال : إني سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول « أن ازهد الناس في الأنبياء ، واشدهم عليهم . الاقربون وذلك فيما أنزل الله { وأنذر عشيرتك الأقربين } إلى آخر الآية . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أزهد الناس في العالم أهله حتى يفارقهم ، وأنه يشفع في أهله وجيرانه ، فإذا مات خلا عنهم من مردة الشياطين أكثر من عدد ربيعة ومضر قد كانوا مشتغلين به ، فأكثروا التعوذ بالله منهم » .
وأخرج ابن عساكر عن محمد بن جحادة؛ أن كعباً لقي أبا مسلم الخولاني فقال : كيف كرامتك على قومك؟ قال : إني عليهم لكريم . قال : إني أجد في التوراة غير ما تقول قال : وما هو؟ قال : وجدت في التوراة أنه لم يكن حكيم في قوم إلا كان أزهدهم فيه قومه ، ثم الأقرب فالأقرب ، وإن كان في حبسه شيء عيروه به ، وإن كان عمل برهة من دهره ذنباً عيروه به .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن كعب أنه قال لأبي مسلم : كيف تجد قومك لك؟ قال : مكرمين مطيعين . قال : ما صدقتني التوراة إذن ما كان رجل حكيم في قوم إلا بغوا عليه وحسدوه .
وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217)
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال : لما نزلت { وأنذر عشيرتك الأقربين } بدأ بأهل بيته وفصيلته ، فشق ذلك على المسلمين ، فأنزل الله { واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } . (7/416)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { واخفض جناحك لمن اتبعك } يقول ذلك لهم . وفي قوله { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } وقال : أمره بهذا ثم نسخه فأمره بجهادهم .
الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { الذي يراك حين تقوم } قال : للصلاة . (7/417)
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك { الذي يراك حين تقوم } قال : من فراشك أو من مجلسك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد { الذي يراك حين تقوم } قال : أينما كنت .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد ابن جبير { الذي يراك حين تقوم } قال : في صلاتك { وتقلبك في الساجدين } قال : كما كانت تقلب الأنبياء قبلك .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين } قال : قيامه وركوعه وسجوده وجلوسه .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { الذي يراك حين تقوم } قال : يراك قائماً وقاعداً وعلى حالاتك { وتقلبك في الساجدين } قال : قيامه وركوعه وسجوده وجلوسه .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { الذي يراك حين تقوم } قال : يراك قائماً وقاعداً وعلى حالاتك { وتقلبك في الساجدين } قال : في الصلاة يراك وحدك ويراك في الجميع .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { وتقلبك في الساجدين } قال : في المصلين .
وأخرج الفريابي عن مجاهد ، مثله .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس { الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين } يقول : قيامك ، وركوعك ، وسجودك .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس { وتقلبك في الساجدين } قال : يراك وأنت مع الساجدين تقوم وتقعد معهم .
وأخرج سفيان بن عيينة والفريابي والحميدي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن مجاهد في قوله { وتقلبك في الساجدين } قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى من خلفه في الصلاة كما يرى من بين يديه .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس { وتقلبك في الساجدين } قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة رأى من خلفه كما يرى من بين يديه .
وأخرج مالك وسعيد بن منصور والبخاري ومسلم وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « هل ترون قبلتي ههنا فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم وإني لاراكم من وراء ظهري » .
وأخرج ابن أبي عمر العدني في مسنده والبزار وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن مجاهد في قوله { وتقلبك في الساجدين } قال : من نبي إلى نبي حتى أخرجت نبياً .
وأخرج سفيان بن عيينة والفريابي والحميدي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن مجاهد { وتقلبك في الساجدين } قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى من خلفه في الصلاة كما يرى من بين يديه .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله { وتقلبك في الساجدين } قال : ما زال النبي صلى الله عليه وسلم يتقلب في أصلاب الأنبياء حتى ولدته أمه . (7/418)
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : « سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : بأبى أنت وأمي أين كنت وآدم في الجنة؟ فتبسم حتى بدت نواجده ثم قال » إني كنت في صلبه ، وهبط إلى الأرض وأنا في صلبه ، وركبت السفينة في صلب أبي نوح ، وقذفت في النار في صلب أبي إبراهيم ، ولم يلتق أبواي قط على سفاح ، لم يزل الله ينقلني من الإِصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذباً لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما .
قد أخذ الله بالنبوّة ميثاقي ، وبالإِسلام هداني ، وبين في التوراة والإِنجيل ذكري ، وبين كل شيء من صفتي في شرق الأرض وغربها ، وعلمني كتابه ، ورقي بي في سمائه ، وشق لي من أسمائه فذو العرش محمود وأنا محمد ووعدني أن يحبوني بالحوض ، وأعطاني الكوثر . وأنا أول شافع ، وأول مشفع ، ثم أخرجني في خير قرون أمتي ، وأمتي الحمادون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر « » .
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223)
أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن سعيد بن وهب قال : كنت عند عبد الله بن الزبير فقيل له : إن المختار يزعم أنه يوحى إليه فقال ابن الزبير : صدق ثم تلا { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم } . (7/419)
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { على كل أفاك أثيم } قال : كذاب من الناس { يلقون السمع } قال : ما سمعه الشيطان ألقاه { على كل أفاك } كذاب من الناس .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { تنزل على كل أفاك أثيم } قال : الأفاك : الكذاب . وهم الكهنة تسترق الجن السمع ، ثم يأتون به إلى أوليائهم من الإِنس . وفي قوله { يلقون السمع وأكثرهم كاذبون } قال : كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتسمع ، ثم تنزل إلى الكهنة فتخبرهم ، فتحدث الكهنة بما أنزلت به الشياطين من السمع ، وتخلط الكهنة كذباً كثيراً ، فيحدثون به الناس . فأما ما كان من سمع السماء فيكون حقاً ، وأما ما خلطوا به من الكذب فيكون كذباً .
وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه عن عائشة قالت : « سأل أناس النبي صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال : » إنهم ليسوا بشيء فقالوا : يا رسول الله إنهم يحدثوننا أحياناً بالشيء يكون حقاً . قال : تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة « » .
وأخرج البخاري وابن المنذر عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « الملائكة تحدث في العنان - والعنان : الغمام - بالأمر في الأرض؛ فيسمع الشيطان الكلمة فيقرها في أذن الكاهن كما تقر القارورة ، فيزيدون معها مائة كذبة » .
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : تهاجى رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أحدهما من الأنصار؛ والآخر من قوم آخرين ، وكان مع كل واحد منهما غواة من قومه وهم السفهاء فأنزل الله { والشعراء يتبعهم الغاوون . . } الآيات . (7/420)
وأخرج ابن جرير عن الضحاك ، مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : تهاجى شاعران في الجاهلية وكان مع كل واحد منهما فئام من الناس . فأنزل الله { والشعراء يتبعهم الغاوون } .
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن عساكر عن عروة قال : لما نزلت { والشعراء } إلى قوله { ما لا يفعلون } قال عبد الله بن رواحة : يا رسول الله قد علم الله أني منهم . فأنزل الله { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } إلى قوله { ينقلبون } .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي حسن سالم البراد قال : لما نزلت { والشعراء . . . } جاء عبد الله بن رواحة ، وكعب بن مالك ، وحسان بن ثابت ، وهم يبكون فقالوا : يا رسول الله لقد أنزل الله هذه الآية وهو يعلم انا شعراء أهلكنا؟ فأنزل الله { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاها عليهم .
وأخرج عبد بن حميد والحاكم عن أبي الحسن مولى بني نوفل؛ أن عبد الله بن رواحة ، وحسان بن ثابت ، أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت الشعراء يبكيان وهو يقرأ { والشعراء يتبعهم الغاوون } حتى بلغ { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } قال : أنتم { وذكروا الله كثيراً } قال : أنتم { وانتصروا من بعد ما ظلموا } قال : أنتم { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } قال : الكفار .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس { يتبعهم الغاوون } قال : هم الكفار ، يتبعون ضلال الجن والإِنس { في كل وادٍ يهيمون } في كل لغو يخوضون { وأنهم يقولون ما لا يفعلون } أكثر ولهم مكذبون ، ثم استثنى منهم فقال { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً } في كلامهم { وانتصروا من بعد ما ظلموا } قال : ردوا على الكفار الذين كانون يهجون المؤمنين .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس { والشعراء } قال : المشركون منهم الذين كانوا يهجون النبي صلى الله عليه وسلم { يتبعهم الغاوون } غواة الجن { في كل واد يهيمون } في كل فن من الكلام يأخذون ، ثم استثنى فقال { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } يعني حسان بن ثابت ، وعبد الله بن رواحة ، وكعب بن مالك ، كانوا يذبون عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هجاء المشركين .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { يتبعهم الغاوون } قال : هم الرواة . (7/421)
وأخرج البخاري في الأدب وأبو داود في ناسخه عن ابن عباس قال { الشعراء يتبعهم الغاوون } فنسخ من ذلك واستثنى فقال { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً } .
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً } قال : أبو بكر ، وعمر ، وعلي ، وعبد الله بن رواحة .
وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه وأبو يعلى وابن مردويه عن كعب بن مالك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن الله قد أنزل في الشعراء ما أنزل فكيف ترى فيه؟ فقال « إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه - والذي نفسي بيده - لكأنما بوجههم مثل نضج النبل » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي سعيد قال : بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عرض شاعر ينشد فقال النبي صلى الله عليه وسلم « لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلىء شعراً » .
وأخرج الديلمي عن ابن مسعود مرفوعاً : الشعراء الذين يموتون في الإِسلام يأمرهم الله أن يقولوا شعراً تتغنى به الحور العين لأزواجهن في الجنة ، والذين ماتوا في الشرك يدعون بالويل والثبور في النار .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن من الشعر حكمة قال : وأتاه قرظة بن كعب ، وعبد الله بن رواحة ، وحسان بن ثابت فقالوا : إنا نقول الشعر ، وقد نزلت هذه الآية . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأوا { والشعراء } إلى قوله { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } قال : أنتم هم { وذكروا الله كثيراً } قال : أنتم هم { وانتصروا من بعد ما ظلموا } قال : أنتم هم » .
وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { والشعراء يتبعهم الغاوون } قال : كان الشاعران يتقاولان ليكون لهذا تبع ولهذا تبع .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبه وعبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة { والشعراء يتبعهم الغاوون } قال : هم عصاة الجن .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة { والشعراء يتبعهم الغاوون } قال : الشياطين { ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون } قال : يمدحون قوماً بباطل ، ويشتمون قوماً بباطل .
وأخرج الفريابي وابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { والشعراء يتبعهم الغاوون } قال : الشياطين { ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون } قال : في كل فن يفتنون { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات . . . } قال : عبد الله بن رواحة ، وأصحابه .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } قال : هذه ثنية الله من الشعراء ومن غيرهم { وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا } قال : في بعض القراءة { وانتصروا بمثل ما ظلموا } قال : نزلت هذه الآية في رهط من الأنصار هاجوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم كعب بن مالك ، وعبد الله بن رواحة ، وحسان بن ثابت { وسيعلم الذين ظلموا } من الشعراء وغيرهم { أي منقلب ينقلبون } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات . . . } قال : نزلت في عبد الله بن رواحة ، وفي شعراء الأنصار . (7/422)
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت « اهج المشركين فإن جبريل معك » .
وأخرج ابن سعد عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال « قيل يا رسول الله إن أبا سفيان بن الحرث بن عبد المطلب يهجوك ، فقام ابن رواحة ، فقال : يا رسول الله ائذن لي فيه قال : أنت الذي تقول ثبت الله؟ قال : نعم . يا رسول الله قلت : »
ثبت الله ما أعطاك من حسن ... تثبيت موسى ونصراً مثل ما نصرا
« قال : وأنت يفعل الله بك مثل ذلك ، ثم وثب كعب فقال : يا رسول الله ائذن لي فيه فقال : أنت الذي تقول همت؟ قال : نعم يا رسول الله قلت : »
همت سخينة أن تغالب ربها ... فليغلبن مغالب الغلاب
« قال : أما إن الله لم ينس لك ذلك ، ثم قام حسان الحسام فقال : يا رسول الله ائذن لي فيه ، وأخرج لساناً له اسود فقال : يا رسول الله ائذن لي فيه فقال : اذهب إلى أبي بكر فليحدثك حديث القوم ، وأيامهم ، وأحسابهم واهجهم وجبريل معك » .
وأخرج ابن سعد عن ابن بريدة ، أن جبريل أعان حسان بن ثابت على مدحته النبي صلى الله عليه وسلم بسبعين بيتاً .
وأخرج ابن سعد وأحمد عن أبي هريرة قال : مر عمر بحسان وهو ينشد في المسجد فلحظ إليه . فنظر إليه فقال : قد كنت أنشد فيه ، وفيه من هو خير منك . فسكت . ثم التفت حسان إلى أبي هريرة فقال : أنشدك بالله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « أجب عني اللهم أيده بروح القدس » ؟ قال : نعم .
وأخرج ابن سعد عن ابن سيرين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة وهم في سفر « أين حسان بن ثابت؟ فقال : لبيك يا رسول الله وسعديك قال : أحد . فجعل ينشده ويصغي إليه حتى فرغ من نشيده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا أشد عليهم من وقع النبل » .
وأخرج ابن عساكر عن حسن بن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« لعبد الله بن رواحة : » ما الشعر «؟ قال : شيء يختلج في صدر الرجل فيخرجه على لسانه شعراً » . (7/423)
وأخرج ابن سعد عن مدرك بن عمارة قال : « قال عبد الله بن رواحة : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف تقول الشعر إذا أردت أن تقول - كأنه يتعجب لذاك -! قلت : انظر في ذاك ثم أقول . قال : فعليك بالمشركين » .
وأخرج ابن سعد عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من يحمي أعراض المسلمين فقال عبد الله بن رواحة : أنا . وقال كعب بن مالك : أنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك تحسن الشعر . وقال حسان بن ثابت : أنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أهجهم فإن روح القدس سيعينك » .
وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إذا نصر القوم بسلاحهم أنفسهم فألسنتهم أحق . فقام رجل فقال : يا رسول الله أنا . قال : لست هناك . فجلس فقام آخر فقال : يا رسول الله أنا . فقال بيده معنى اجلس . فقام حسان فقال : يا رسول الله ما يسرني به مقولاً بين صنعاء وبصرى ، وإنك ما سببت قوماً قط بشيء هو أشد عليهم من شيء يعرفونه ، فمر بي إلى من يعرف أيامهم وبيوتاتهم حتى أضع لساني ، فأمر به إلى أبي بكر » .
وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال : « هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثلاثة من كفار قريش : أبو سفيان بن الحرث ، وعمرو بن العاص ، وابن الزبعري ، قال قائل لعلي : أهج عنا هؤلاء القوم الذين قد هجونا فقال علي : إن أذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلت . فقال : الرجل : يا رسول الله ائذن لعلي كيما يهجو عنا هؤلاء القوم الذين هجونا فقال : ليس هناك . ثم قال للأنصار : ما يمنع القوم الذين قد نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلاحهم وأنفسهم أن ينصروه بألسنتهم؟ فقال حسان بن ثابت : أنا لها يا رسول الله ، وأخذ بطرف لسانه فقال : والله ما يسرني بهم مقولاً بين بصرى وصنعاء فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : وكيف تهجوهم وأنا منهم؟ فقال : إني أسُلّكَ منهم كما تسل الشعرة من العجين ، فكان يهجوهم ثلاثة من الأنصار يجيبونهم : حسان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، وعبد الله بن رواحة .
فكان حسان وكعب يعارضانهم بمثل قولهم بالوقائع ، والأيام ، والمآثر ، ويعيرونهم بالمناقب ، وكان ابن رواحة يعيرهم بالكفر وينسبهم إلى الكفر ، ويعلم أنه ليس فيهم شيء شراً من الكفر . وكانوا في ذلك الزمان أشد القول عليهم قول حسان وكعب ، وأهون القول عليهم قول ابن رواحة ، فلما أسلموا وفقهوا الإِسلام كان أشد القول عليهم قول ابن رواحة » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن بريدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن من الشعر حكماً » . (7/424)
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول « إن من الشعر حكماً » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن من الشعر حكماً ، وإن من البيان سحراً » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن فضالة بن عبيدة في قوله { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } قال : هؤلاء الذين يخربون البيت .
وأخرج أحمد عن أبي أمامة بن سهل حنيف قال : سمعت رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أتركوا الحبشة ما تركوكم ، فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « يبايع رجل بين الركن والمقام ، ولن يستحل هذا البيت إلا أهله ، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب ، ثم تجيء الحبشة فتخربه خراباً لا يعمر بعده أبداً ، وهم الذين يستخرجون كنزه » .
وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « اتركوا الحبشة ما تركوكم فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة » .
وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو قال : من آخر أمر الكعبة أن الحبشة يغزون البيت ، فيتوجه المسلمون نحوهم ، فيبعث الله عليهم ريحاً شرقية فلا تدع لله عبداً في قلبه مثقال ذرة من تقى إلا قبضته حتى إذا فرغوا من خيارهم بقي عجاج من الناس .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب قال كأني أنظر إلى رجل من الحبش؛ أصلع ، أجمع ، حمش الساقين ، جالس عليها وهو يهدمها .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال : كأني به : أصيلع ، أفيدع ، قائم عليها ، يهدمها بمسحاته .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة قالت : كتب أبي في وصيته سطرين بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قحافة عند خروجه من الدنيا حين يؤمن الكافر ، ويتقي الفاجر ، ويصدق الكاذب . إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن يعدل فذلك ظني به ورجائي فيه ، وإن يجر ويبدل فلا أعلم الغيب { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن رباح قال : كان صفوان بن مجرز إذا قرأ هذه الآية بكى { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } .
طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { طس } قال : هو اسم الله الأعظم . (7/425)
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { طس } قال : هو اسم الله الأعظم .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { طس } قال : هو اسم من أسماء القرآن . وفي قوله { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة } قال : لا يُقِرّون بها ولا يؤمنون بها { فهم يعمهون } قال : في صلاتهم وفي قوله { وإنك لتلقى القرآن } يقول : تأخذ القرآن من عند { حكيم عليم } .
إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7)
أخرج الطستي عن ابن عباس . أن نافع بن الأزرق قال له : اخبرني عن قوله عز وجل { بشهاب قبس } قال : شعلة من نار يقتبسون منه قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول طرفة : (7/426)
هم عراني فبت أدفعه ... دون سهادي كشعلة القَبس
فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { فلما جاءها نودي أن بورك من في النار } يعني تبارك وتعالى نفسه ، كان نور رب العالمين في الشجرة { ومن حولها } يعني الملائكة . (7/427)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير وابن مردويه عنه عن ابن عباس { نودي أن بورك من في النار ومن حولها } يقول : بوركت بالنار ناداه الله وهو في النور .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : كانت تلك النار نوراً { أن بورك من في النار ومن } حول النار .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس { أن بورك من في النار } قال : بوركت النار .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد . مثله .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : في مصحف أبي بن كعب { بوركت النار ومن حولها } أما النار فيزعمون أنها نور رب العالمين { ومن حولها } الملائكة .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أنه كان يقرأ { أن بوركت النار } .
وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب في الآية قال : النار : نور الرحمن { ومن حولها } موسى والملائكة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { بورك } قال : قدس .
وأخرج عبد بن حميد ومسلم وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق أبي عبيدة عن أبي موسى الأشعري قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال « إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه . يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل . حجابه النور لو رفع الحجاب لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره » ثم قرأ أبو عبيدة { أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين } .
وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله { فلما رآها تهتز كأنها جان } قال : حين تحوّلت حية تسعى . (7/428)
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ولم يعقب يا موسى } قال : لم يرجع وفي قوله { إلا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء } قال : ثم تاب من بعد ظلمه واساءته .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ولى مدبراً } قال : فاراً { ولم يعقب } قال : لم يلتفت . وفي قوله { لا يخاف لدي } قال : عندي وفي قوله { إلا من ظلم } قال : إن الله لم يجز ظالماً . ثم عاد الله بعائدته وبرحمته فقال { ثم بدل حسناً بعد سوء } أي فعمل عملاً صالحاً بعد عمل سيء عمله { فإني غفور رحيم } .
وأخرج ابن المنذر عن ميمون قال : إن الله قال لموسى { إنه لا يخاف لديَّ المرسلون إلا من ظلم } وليس للظالم عندي أمان حتى يتوب .
وأخرج سعيد بن منصور عن زيد بن أسلم أنه قرأ { إلا من ظلم } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كانت على موسى جبة لا تبلغ مرفقيه فقال له { أدخل يدك في جيبك } فادخلها .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مقسم قال : إنما قيل { أدخل يدك في جيبك } لأنه لم يكن لها كم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : كانت عليه مدرعة إلى بعض يده ، ولو كان لها كم أمره أن يدخل يده في كمه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { وأدخل يدك في جيبك } قال : جيب القميص .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة { وأدخل يدك في جيبك } قال : في جيب قميصك { تخرج بيضاء من غير سوء } قال : من غير برص { في تسع آيات } قال : يقول هاتان الآيتان : يد موسى ، وعصاه { في تسع آيات } وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول : التسع آيات : يد موسى ، وعصاه ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم ، والسنين في بواديهم ومواشيهم ، ونقص من الثمرات في أمصارهم . وفي قوله { فلما جاءتهم آياتنا مبصرة } قال : بينة { وجحدوا بها } قال : كذبت القوم بآيات الله بعدما استيقنتها أنفسهم أنها حق . والجحود لا يكون إلا من بعد المعرفة .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { ظلماً وعلواً } قال : تعظماً واستكباراً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً } قال : تكبروا وقد استيقنتها أنفسهم؛ وهذا من التقديم والتأخير .
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه قرأ { ظلماً وعلياً } وقرأ عاصم { وعلواً } برفع العين واللام .
وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال : كان داود أعطي ثلاثاً : سخرت له الجبال يسبحن معه ، وأُلِينَ له الحديد ، وعلم منطق الطير . وأعطي سليمان : منطق الطير ، وسخرت له الجن ، وكان ذلك مما ورث عنه . ولم تسخر له الجبال ، ولم يلن له الحديد . (7/429)
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب : إن الله لم ينعم على عبد نعمة فحمد الله عليها إلا كان حمده أفضل من نعمته .
إن كنت لا تعرف . ذلك في كتاب الله المنزل قال الله عز وجل { ولقد آتينا داود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين } وأي نعمة أفضل مما أوتي داود وسليمان! .
وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16)
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وورث سليمان داود } قال : ورثه نبوته ، وملكه ، وعلمه . (7/430)
وأما قوله تعالى : { وقال يا أيها الناس } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي قال : الناس عندنا : أهل العلم .
وأما قوله تعالى : { علمنا منطق الطير } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال : كنت عند عمر بن الخطاب فدخل علينا كعب الحبر فقال : يا أمير المؤمنين ألا أخبرك بأغرب شيء قرأت في كتب الأنبياء : إن هامة جاءت إلى سليمان فقالت : السلام عليك يا نبي الله ، فقال : وعليك السلام يا هام ، أخبريني كيف لا تأكلين الزرع؟ فقالت : يا نبي الله لأن آدم عصى ربه في سببه لذلك لا آكله ، قال : فكيف لا تشربين الماء؟ قالت : يا نبي الله لأن الله أغرق بالماء قوم نوح من أجل ذلك تركت شربه ، قال : فكيف تركت العمران وأسكنت الخراب؟ قالت : لأن الخراب ميراث الله ، وأنا أسكن في ميراث الله وقد ذكر الله ذلك في كتابه فقال { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها } [ القصص : 58 ] إلى قوله { وكنا نحن الوارثين } [ القصص : 58 ] .
وأخرج ابن أبي شيبه وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم عن أبي الصديق الناجي قال : خرج سليمان بن داود يستسقي بالناس ، فمر بنملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول : اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك ، فاما أن تسقينا ، وإما أن تهلكنا فقال سليمان للناس : ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء قال : كان داود يقضي بين البهائم يوماً وبين الناس يوماً ، فجاءت بقرة فوضعت قرنها في حلقة الباب ثم تنغمت كما تنغم الوالدة على ولدها ، وقالت : كنت شابة كانوا ينتجوني ويستعملوني ، ثم إني كبرت فأرادوا أن يذبحوني ، فقال داود : أحسنوا إليها ولا تذبحوها ثم قرأ { علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء } .
وأخرج الحاكم في المستدرك عن جعفر بن محمد قال : أعطي سليمان ملك مشارق الأرض ومغاربها ، فملك سليمان سبعمائة سنة وستة أشهر . ملك أهل الدنيا كلهم من الجن ، والإِنس ، والدواب ، والطير ، والسباع ، وأعطي كل شيء ومنطق كل شيء ، وفي زمانه صنعت الصنائع المعجبة . حتى إذا أراد الله أن يقبضه إليه أوحى إليه : أن استودع علم الله وحكمته أخاه . وولد داود كانوا أربعمائة وثمانين رجلاً أنبياء بلا رسالة . قال الذهبي : هذا باطل .
وأخرج الحاكم عن محمد بن كعب قال : بلغنا أن سليمان كان عسكره مائة فرسخ : خمسة وعشرون منها للإِنس ، وخمسة وعشرون للجن ، وخمسة وعشرون للوحش ، وخمسة وعشرون للطير ، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب .
فيها ثلثمائة صريحة ، وسبعمائة سرية ، وأمر الريح العاصف فرفعته ، فأمر الريح فسارت به . فأوحى الله إليه : إني زدتك في ملكك أن لا يتكلم أحد بشيء إلا جاءت الريح فأخبرتك . (7/431)
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر عن وهب بن منبه قال : مر سليمان بن داود وهو في ملكه قد حملته الريح على رجل حراث من بني إسرائيل ، فلما رآه قال - سبحان الله - لقد أوتي آل داود ملكاً . فحملتها الريح ، فوضعتها في أذنه ، فقال : ائتوني بالرجل ، فأتي به فقال : ماذا قلت؟ فأخبره فقال سليمان : إني خشيت عليك الفتنة . لثواب سبحان الله عند الله يوم القيامة أعظم مما أوتي آل داود فقال الحراث : أذهب الله همك كما أذهبت همي قال : وكان سليمان رجلاً أبيض ، جسيماً ، أشقر ، غزاء ، لا يسمع بملك إلا أتاه فقاتله فدوخه ، يأمر الشياطين فيجعلون له داراً من قوارير ، فيحمل ما يريد من آلة الحرب فيها ، ثم يأمر العاصف فتحمله من الأرض ، ثم يأمر الرخاء فتقدمه حيث شاء .
وأخرج ابن المنذر عن يحيى بن كثير قال : قال سليمان بن داود لبني إسرائيل : ألا أريكم بعض ملكي اليوم قالوا : بلى يا نبي الله قال : يا ريح ارفعينا . فرفعتهم الريح فجعلتهم بين السماء والأرض ، ثم قال : يا طير أظلينا . فأظلتهم الطير بأجنحتها لا يرون الشمس . قال : يا بني إسرائيل أي ملك ترون؟ قالوا : نرى ملكاً عظيماً قال : قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير؛ خير من ملكي هذا ، ومن الدنيا وما فيها . يا بني إسرائيل من خشي الله في السر والعلانية ، وقصد في الغنى والفقر ، وعدل في الغضب والرضا ، وذكر الله على كل حال ، فقد أعطي مثل ما أعطيت .
وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17)
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ، كان يوضع لسليمان عليه السلام ثلثمائة ألف كرسي ، فيجلس مؤمنو الإِنس مما يليه ، ومؤمنو الجن من ورائهم ، ثم يأمر الطير فتظله ، ثم يأمر الريح فتحمله ، فيمرون على السنبلة فلا يحركونها . (7/432)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فهم يوزعون } قال : يدفعون .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { فهم يوزعون } قال : جعل على كل صنف منهم وزعة ترد أولاها على أخراها لئلا يتقدموا في المسير كما تصنع الملوك .
وأخرج الطبراني والطستي في مسائله عن ابن عباس؛ أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { فهم يوزعون } قال : يحبس أولهم على آخرهم حتى تنام الطير . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أو ما سمعت قول الشاعر :
وزعت رعيلها باقب نهد ... إذا ما القوم شدوا بعد خمس
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد وأبي رزين في قوله { فهم يوزعون } قال : يحبس أولهم على آخرهم .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { فهم يوزعون } قال : يرد أولهم على آخرهم .
حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { حتى إذا أتوا على وادِ النمل } قال : ذكر لنا أنه واد بأرض الشام . (7/433)
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال : النملة التي فقه سليمان كلامها كانت من الطير ذات جناحين ، ولولا ذلك لم يعرف سليمان ما تقول .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : النمل من الطير .
وأخرج البخاري في تاريخه ، وابن أبي شيبة ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن نوف قال : كان النمل في زمن سليمان بن داود أمثال الذباب . وفي لفظ مثل الذباب .
وأخرج عبد بن حميد عن الحكم قال : كان النمل في زمان سليمان أمثال الذباب .
وأخرج ابن المنذر عن وهب بن منبه قال : أمر الله الريح قال « لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء في الأرض بينهم إلا حملته فوضعته في أذن سليمان » فبذلك سمع كلام النملة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه سئل عن التبسم في الصلاة ، فقرأ هذه الآية { فتبسم ضاحكاً من قولها } وقال : لا أعلم التبسم إلا ضحكاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { أوزعني } قال : ألهمني .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } قال : مع الأنبياء والمؤمنين .
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)
أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير؟ قال : إن سليمان نزل منزلاً فلم يدر ما بعد الماء ، وكان الهدهد يدل سليمان على الماء ، فأراد أن يسأله عنه ففقده . وقيل كيف ذاك والهدهد ينصب له الفخ يلقي عليه التراب ، ويضع له الصبي الحبالة فيغيبها فيصيده؟ فقال : إذا جاء القضاء ذهب البصر . (7/434)
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن يوسف بن ماهك أنه حدث : أن نافع بن الأزرق صاحب الازارقة كان يأتي عبد الله بن عباس؛ فإذا أفتى ابن عباس؛ يرى هو أنه ليس بمستقيم فيقول : قف من أين افتيت بكذا وكذا ، ومن أين كان؟ فيقول ابن عباس رضي الله عنهما : أو مات من كذا وكذا . حتى ذكر يوماً الهدهد فقال : يعرف بعد مسافة الماء في الأرض فقال له ابن الأزرق : قف قف . . يا ابن العباس . كيف تزعم أن الهدهد يرى مسافة الماء من تحت الأرض ، وهو ينصب له الفخ فيذر عليه التراب فيصطاد؟ فقال ابن عباس : لولا أن يذهب هذا فيقول : كذا وكذا لم أقل له شيئاً . إن البصر ينفع ما لم يأت القدر ، فإذا جاء القدر حال دون البصر . فقال ابن الأزرق : لا أجادلك بعدها في شيء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : كان سليمان إذا أراد أن ينزل منزلاً دعا الهدهد ليخبره عن الماء . فكان إذا قال : ههنا شققت الشياطين الصخور فجرت العيون من قبل أن يضربوا أبنيتهم ، فأراد أن ينزل منزلاً فتفقد الطير فلم يره ، فقال { ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين } .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال : ذكر لنا أن سليمان أراد أن يأخذ مفازة فدعا بالهدهد وكان سيد الهداهد ليعلم مسافة الماء . وكان قد اعطي من البصر بذلك شيئاً لم يعطه شيء من الطير . لقد ذكر لنا : أنه كان يبصر الماء في الأرض كما يبصر أحدكم الخيال من وراء الزجاجة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال : اسم هدهد سليمان : عنبر .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لأعذبنه عذاباً شديداً } قال : نتف ريشه .
وأخرج الفريابي وابن جرير وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه { لأعذبنه عذاباً شديداً } قال : نُتِفَ ريشه كله .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة . مثله . (7/435)
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال : نتف ريشة وإلقاؤه للنمل في الشمس .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن رومان قال : إن عذابه الذي كان يعذب به الطير : نتف ريش جناحه .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أو ليأتيني بسلطان مبين } قال : خبر الحق الصدق البين .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله { أو ليأتيني بسلطان مبين } قال : بعذر بين .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال : قال ابن عباس : كل سلطان في القرآن حجة ، ونزع الآية التي في سورة سليمان { أو ليأتيني بسلطان } قال : وأي سلطان كان للهدهد .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : إنما دفع الله عن الهدهد ببره والدته .
وأخرج الحكيم الترمذي وأبو الشيخ في العظمة عن عكرمة قال : إنما صرف الله عذاب سليمان عن الهدهد لأنه كان باراً بوالديه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أحطت بما لم تحط به } قال : اطلعت على ما لم تطلع عليه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وجئتك من سبإ بنبإ يقين } قال : خبر حق .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وجئتك من سبإ } قال : سبأ بأرض اليمن يقال لها : مأرب . بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال { بنبإ يقين } قال : بخبر حق .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن لهيعة قال : يقولون إن مأرب مدينة بلقيس . لم يكن بينها وبين بيت المقدس الا ميل ، فلما غضب الله عليها بعدها ، وهي اليوم باليمن ، وهي التي ذكر الله القرآن { لقد كان لسبإ في مساكنهم } [ سبأ : 15 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : بعث إلى سبأ اثنا عشر نبياً منهم : تبع .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قرأ { من سبإ بنبإ يقين } قال : بجعله أرضاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أنه قرأ { من سبإ بنبإ } قال : يجعله رجلاً .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { إني وجدت امرأة تملكهم } قال : كان اسمها بلقيس بنت أبي شبرة ، وكانت هلباء شعراء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { إني وجدت امرأة تملكهم } قال : هي بلقيس بنت شراحيل ملكة سبأ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة قال : بلغني إنها امرأة تسمى بلقيس بنت شراحيل ، أحد أبويها من الجن . مؤخر إحدى قدميها مثل حافر الدابة . وكانت في بيت مملكة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد قال : هي بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان ، وأمها فارعة الجنية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج قال : بلقيس بنت أبي شرح ، وأمها بلقته . (7/436)
وأخرج ابن مردويه عن سفيان الثوري ، مثله .
وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال : كانت ملكة سبأ اسمها ليلى ، وسبأ مدينة باليمن ، وبلقيس حميرية .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه وابن عساكر عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إحدى أبوي بلقيس كان جنياً » .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر عن قتادة قال : ذكر لنا أن ملك سبأ كانت امرأة باليمن . كانت في بيت مملكة يقال لها بلقيس بنت شراحيل . هلك أهل بيتها فملكها قومها .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد قال : صاحبة سبأ كانت أمها جنية .
وأخرج الحكيم الترمذي وابن مردويه عن عثمان بن حاضر قال : كانت أم بلقيس امرأة من الجن يقال لها : بلقمة بنت شيصان .
وأخرج ابن عساكر عن الحسن أنه سئل عن ملكة سبأ فقال : إن أحد أبويها جني . فقال : الجن لا يتوالدون! أي أن المرأة من الإِنس لا تلد من الجن .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كان لصاحبة سليمان اثنا عشر ألف قيل ، تحت كل قيل مائة ألف .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال : لما قال { إني وجدت امرأة تملكهم } أنكر سليمان أن يكون لأحد على الأرض سلطان غيره .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { وأوتيت من كل شيء } قال : من كل شيء في أرضها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله { وأوتيت من كل شيء } قال : من أنواع الدنيا .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { ولها عرش عظيم } قال : سرير كريم من ذهب ، وقوائمه من جوهر ولؤلؤ ، حسن الصنعة ، غالي الثمن .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله { ولها عرش عظيم } قال : سرير من ذهب ، وصفحتاه مرمول بالياقوت والزبرجد ، طوله ثمانون ذراعاً في عرض أربعين ذراعاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان في قوله { وجدتها وقومها يسجدون للشمس } قال : كانت لها كوّة في بيتها إذا طلعت الشمس نظرت إليها فسجدت لها .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { يخرج الخبء } قال : يعلم كل خفية في السماء والأرض .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { يخرج الخبء } قال : الغيب .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { يخرج الخبء } قال : السر .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة .
مثله . (7/437)
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله { يخرج الخبء } قال : الماء .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة عن حكيم بن جابر في قوله { يخرج الخبء } قال : المطر .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال : خبء السموات والأرض؛ ما جعل من الأرزاق ، والقطر من السماء ، والنبات من الأرض .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين } قال : لم يصدقه ولم يكذبه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { اذهب بكتابي هذا } قال : كتب معه بكتاب فقال { اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم } يقول : كن قريباً منهم { فانظر ماذا يرجعون } فانطلق بالكتاب حتى إذا توسط عرشها ألقى الكتاب إليها ، فقرأه عليها فإذا فيه { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : كانت صاحبة سبأ إذا رقدت غلقت الأبواب ، وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها . فلما غلقت الأبواب وآوت إلى فراشها ، جاءها الهدهد حتى دخل من كوّة بيتها ، فقذف الصحيفة على بطنها بين فخذيها ، فأخذت الصحيفة فقرأتها فقالت { يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم } تقول : حسن ما فيه .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس { إني ألقي إليّ كتاب كريم } قال : مختوم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله { كتاب كريم } قال : تريد مختوم . وكذلك الملوك تختم كتبها . لا تجيز بينها كتاباً إلا بخاتم .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } قال : لم يزد زعموا على هذا الكتاب على ما قص الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان قال : كتب بسم الله الرحمن الرحيم . من سليمان بن داود إلى بلقيس بنت ذي شرح وقومها .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد : أن سليمان بن داود كتب إلى ملكة سبأ . بسم الله الرحمن الرحيم . من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ السلام على من اتبع الهدى . أما بعد : فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : لم يكن في كتاب سليمان إلى صاحبة سبأ إلا ما تقرأون في القرآن { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألاَّ تعلوا علي } يقول : لا تخالفوا علي { وأتوني مسلمين } قال : وكذلك كانت الأنبياء تكتب جميلا . يطلبون ولا يكثرون .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق سفيان بن منصور قال : كان يقال كان سليمان بن داود أبلغ الناس في كتاب وأقله كلاماً . ثم قرأ { إنه من سليمان } . (7/438)
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي قال : كان أهل الجاهلية يكتبون باسمك اللهم . فكتب النبي صلى الله عليه وسلم أول ما كتب : باسمك اللهم . حتى نزلت { بسم الله مجراها ومرساها } فكتب ( بسم الله ) ثم نزلت { ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } [ الرحمن : 110 ] فكتب ( بسم الله الرحمن ) ثم أنزلت الآية التي في { طس . . . إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } فكتب ( بسم الله الرحمن الرحيم ) .
وأخرج أبو عبيد في فضائله عن الحرث العكلي قال : قال لي الشعبي : كيف كان كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إليكم؟ قلت : باسمك اللهم فقال : ذاك الكتاب الأول كتب النبي صلى الله عليه وسلم « باسمك اللهم » فجرت بذلك ما شاء الله أن تجري ، ثم نزلت { بسم الله مجراها ومرساها } فكتب ( بسم الله ) فجرت بذلك ما شاء الله أن تجري ، ثم نزلت { قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } فكتب ( بسم الله الرحمن ) فجرت بذلك ما شاء الله أن تجري ، ثم نزلت { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } فكتب بذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب « باسمك اللهم » حتى نزلت { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة قال : لم يكن الناس يكتبون إلا « باسمك اللهم » حتى نزلت { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } .
وأخرج أبو داود في مراسيله عن أبي مالك قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتب « باسمك اللهم » فلما نزلت { إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } كتب « بسم الله الرحمن الرحيم » .
وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال : كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى ، وقيصر ، والنجاشي « أما بعد : فتعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ، ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون » فلما أتى كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر فقرأه قال : إن هذا الكتاب لم أره بعد سليمان بن داود « بسم الله الرحمن الرحيم » .
قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37) قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري } قال : جمعت رؤوس مملكتها ، فشاورتهم في أمرها ، فاجتمع رأيهم ورأيها على أن يغزوه . فسارت حتى إذا كانت قريبة قالت : أرسل إليه بهدية فإن قبلها فهو ملك أقاتله ، وإن ردها تابعته فهو نبي . فلما دنت رسلها من سليمان علم خبرهم ، فأمر الشياطين فهيئوا له ألف قصر من ذهب وفضة . فلما رأت رسلها قصور ذهب قالوا : ما يصنع هذا بهديتنا ، وقصوره ذهب وفضة! فلما دخلوا بهديتها قال : أتهدونني بمال ، ثم قال سليمان { أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين } فقال كاتب سليمان : ارفع بصرك؛ فرفع بصره . فلما رجع إليه طرفه إذا هو بسريرها { قال نكروا لها عرشها } فنزع عنه فصوصه ومرافقه وما كان عليه من شيء فقيل لها { أهكذا عرشك؟ قالت كأنه هو } وأمر الشياطين : فجعلوا لها صرحاً من قوارير ممرداً ، وجعل فيها تماثيل السمك فقيل لها { ادخلي الصرح . . . وكشفت عن ساقيها } فإذا فيها الشعر . فعند ذلك أمر بصنعة النورة فقيل لها { إنه صرح ممرد من قوارير ، قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين } . (7/439)
وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله { أفتوني في أمري } تقول : أشيروا علي برأيكم { ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون } تريد : حتى تشيروا .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : كان تحت يدي ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيول ، تحت يدي كل قيول مائة ألف مقاتل ، وهم الذين قالوا { نحن أولو قوة وأولوا بأس شديد } .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : ذكر لنا أنه كان أول مشورتها ثلاثمائة واثني عشر رجلاً . كل رجل منهم على عشرة آلاف من الرجال .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها } قال : إذا أخذوها عنوة أخربوها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله { وجعلوا أعزة أهلها أذلة } قال : بالسيف .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : قالت بلقيس { إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة } قال : يقول الرب تبارك وتعالى { وكذلك يفعلون } .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وإني مرسلة إليهم بهدية } قال : أرسلت بلبنة من ذهب ، فلما قدموا إذا حيطان المدينة من ذهب فذلك قوله { أتمدوننِ بمال } .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : قالت إني باعثة إليهم بهدية ، فمصانعتهم بها عن ملكي أن كانوا أهل دنيا .
فبعثت إليهم بلبنة من ذهب في حرير وديباج ، فبلغ ذلك سليمان ، فأمر بلبنة من ذهب فصنعت ، ثم قذفت تحت أرجل الدواب على طريقهم تبول عليها وتروث ، فلما جاء رسلها واللبنة تحت أرجل الدواب ، صغر في أعينهم الذي جاؤوا به . (7/440)
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ثابت البناني قال : أهدت له صفائح الذهب في أوعية الديباج . فلما بلغ ذلك سليمان أمر الجن ، فموّهوا له الآجر بالذهب ، ثم أمر به ، فألقي في الطريق . فلما جاؤوا ورأوه ملقى في الطريق وفي كل مكان قالوا : جئنا نحمل شيئاً نراه ههنا ملقى ما يلتفت إليه . فصغر في أعينهم ما جاؤوا به .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وإني مرسلة إليهم بهدية } قال : جوار لباسهن لباس الغلمان ، وغلمان لباسهن لباس الجواري .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : أرسلت بثمانين من وصيف ووصيفة ، وحلقت رؤوسهم كلهم ، وقالت : إن عرف الغلمان من الجواري فهو نبي ، وإن لم يعرف الغلمان من الجواري فليس بنبي . فدعا بوضوء فقال : توضئوا . فجعل الغلام يأخذ من مرفقيه إلى كفيه ، وجعلت الجارية تأخذ من كفها إلى مرفقها فقال : هؤلاء جوار وهؤلاء غلمان .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال : كانت هدية بلقيس لسليمان مائتي فرس على كل فرس غلام وجارية . الغلمان والجواري على هيئة واحدة ، لا يعرف الجواري من الغلمان ، ولا الغلمان من الجواري . على كل فرس لون ليس على الآخر وكانت أول هديتهم عند سليمان وآخرها عندها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : الهدية . وصفان ، ووصائف ، ولبنة من ذهب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : كانت الهدية . جواهر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال : إن الهدية لما جاءت سليمان بين الغلمان والجواري امتحنهم بالوضوء . فغسل الغلمان ظهور السواعد قبل بطونها ، وغسلت الجواري بطون السواعد قبل ظهورها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : قالت : إن هو قبل الهدية فهو ملك فقاتلوه دون ملككم ، وإن لم يقبل الهدية فهو نبي لا طاقة لكم بقتاله . فبعثت إليه بهدية غلمان في هيئة الجواري وحليهم ، وجوار في هيئة الغلمان ولباسهم ، وبعثت إليه بلبنات من ذهب ، وبخرزة مثقوبة مختلفة ، وبعثت إليه بقدح ، وبعثت إليه تعلمه . فلما جاء سليمان الهدية أمر الشياطين ، فموّهوا لبن المدينة وحيطانها ذهباً وفضة ، فلما رأى ذلك رسلها قالوا : أين نذهب باللبنات في أرض هؤلاء وحيطانهم ذهب وفضة؟! فحسبوا اللبنات وأدخلوا عليه ما سوى ذلك وقالوا : أخرج لنا الغلمان من الجواري .
فأمرهم فتوضأوا ، وأخرج الغلمان من الجواري . أما الجارية فافرغت على يدها ، وأما الغلام فاغترف ، وقالوا : ادخل لنا في هذه الخرزة خيطاً . فدعا بالدساس فربط فيه خيطاً فأدخله فيها ، فجال فيها واضطرب حتى خرج من الجانب الآخر . وقالوا : املأ لنا هذا القدح بماء ليس من الأرض ولا من السماء . فأمر بالخيل فأجريت حتى إذا اربدت مسح عرقها فجعله فيه حتى ملأه . فلما رجعت رسلها فأخبروها : أن سليمان رد الهدية . وفدت إليه وأمرت بعرشها فجعل في سبعة أبيات وغلقت عليها فأخذت المفاتيح . فلما بلغ سليمان ما صنعت بعرشها { قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين } . (7/441)
وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد قال : قال للهدهد { ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها } يعني من الانس والجن .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم صالح في قوله { لا قبل لهم بها } قال : لا طاقة لهم بها .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : لما بلغ سليمان أنها جاءته وكان قد ذكر له عرشها فأعجبه . وكان عرشها من ذهب ، وقوائمه من لؤلؤ وجوهر ، وكان مستتراً بالديباج والحرير ، وكان عليه سبعة مغاليق ، فكره أن يأخذه بعد إسلامهم . وقد علم نبي الله سليمان أن القوم متى ما يسلموا تحرم أموالهم مع دمائهم ، فأحب أن يؤتى به قبل أن يكون ذلك من أمرهم فقال { أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين } .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { أيكم يأتيني بعرشها } قال : سرير في أريكة .
وأخرج ابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس في قوله { قبل أن يأتوني مسلمين } قال : طائعين .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { قال عفريت من الجن } قال : مارد { قبل أن تقوم من مقامك } قال : من مقعدك .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله { قال عفريت } قال : عظيم كأنه جبل .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي قال : كان اسم العفريت . كوزن .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان قال : اسمه كوزي .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { قال عفريت من الجن } قال : هو صخر الجني { وإني عليه لقوي } قال : على حمله { أمين } قال : على ما استودع فيه .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { قبل أن تقوم من مقامك } قال : من مجلسك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله { قبل أن تقوم من مقامك } قال : من مجلسك الذي تجلس فيه للقضاء . وكان سليمان إذا جلس للقضاء لم يقم حتى تزول الشمس . (7/442)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وإني عليه لقوي أمين } قال : على جوهره .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في قوله { أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك } قال : إني أريد أعجل من هذا { قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } قال : فخرج العرش من نفق من الأرض .
وأخرج عبد بن حميد عن حماد بن سلمة قال : قرأت في مصحف أبي بن كعب { وإني عليه لقوي أمين } قال : أريد أعجل من ذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { قال الذي عنده علم من الكتاب } قال : آصف : كاتب سليمان .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن رومان قال : هو آصف بن برخيا . وكان صديقاً يعلم الاسم الأعظم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : كان اسمه أسطوم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن لهيعة قال : هو الخضر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد قال : هو رجل من الإِنس يقال له : ذو النور .
وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال : هو آصف بن برخيا بن مشعيا بن منكيل ، واسم أمه باطورا من بني إسرائيل .
وأخرج ابن جرير عن قتادة { قال الذي عنده علم من الكتاب } قال : كان اسمه تمليخا .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { قال الذي عنده علم من الكتاب } قال : الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وهو ياذا الجلال والإِكرام .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { قبل أن يرتد إليك طرفك } قال : ادامة النظر حتى يرتد إليك الطرف خاسئاً .
وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال : في قراءة ابن مسعود « قال الذي عنده علم من الكتاب أنا أنظر في كتاب ربي ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك » قال : فتكلم ذلك العالم بكلام ، دخل العرش في نفق تحت الأرض حتى خرج إليهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله { قبل أن يرتد إليك طرفك } قال : قال لسليمان : انظر إلى السماء قال : فما اطرق حتى جاءه به فوضعه بين يديه .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ، مثله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الزهري قال : دعاء الذي عنده من الكتاب .
يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلا أنت : ائتني بعرشها . قال : فمثل له بين يديه . (7/443)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن عساكر عن ابن عباس قال : لم يجر عرش صاحبة سبأ بين الأرض والسماء ، ولكن انشقت به الأرض فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن سابط قال : دعا باسمه الأعظم ، فدخل السرير فصار له نفق في الأرض حتى نبع بين يدي سليمان .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : دعا باسم من أسماء الله . فإذا عرشها يحمل بين عينيه . ولا يدري ذلك الاسم . قد خفي ذلك الإِسم على سليمان وقد أعظم ما أعطى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } قال : كان رجلاً من بني إسرائيل يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطي . وارتداد الطرف أن يرى ببصره حيث بلغ ثم يرد طرفه . فدعاه فلما رآه مستقراً عنده جزع وقال : رجل غيري أقدر على ما عند الله مني .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله { هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر } إذا أتيت بالعرش { أم أكفر } إذا رأيت من هو أدنى مني في الدنيا أعلم مني .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { قال نكروا لها عرشها } قال : زيد فيه ونقص ل { ننظر أتهتدي } قال : لننظر إلى عقلها . فوجدت ثابتة العقل .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { قال نكروا لها عرشها } قال : تنكيره أن يجعل أسفله أعلاه ، ومقدمه مؤخره ، ويزاد فيه أو ينقص منه ، فلما جاءت { قيل أهكذا عرشك } قالت { كأنه هو } شبهته به وكانت قد تركته خلفها فوجدته أمامها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : لما دخلت وقد غير عرشها . فجعل كل شيء من حليته أو فرشه في غير موضعه ليلبسوا عليها قيل { أهكذا عرشك } فرهبت أن تقول نعم هو . فيقولون : ما هكذا كان حليته ولا كسوته ، ورهبت أن تقول ليس هو ، فيقال لها : بل هو ولكنا غيرناه . فقالت كأنه هو .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زهير بن محمد في قوله { وأوتينا العلم من قبلها } قال : سليمان يقوله : أوتينا معرفة الله وتوحيده .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وأوتينا العلم من قبلها } قال : سليمان يقوله . وفي قوله { وصدها ما كانت تعبد من دون الله } قال : كفرها بقضاء الله غير الوثن أن تهتدي للحق .
في قوله { قيل لها ادخلي الصرح } بركة ماء ضرب عليها سليمان قوارير ، وكانت بلقيس عليها شعر ، قدماها حافر كحافر الحمار ، وكانت أمها جنية . (7/444)
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال : كان الصرح من زجاج وجعل فيه تماثيل السمك . فلما رأته وقيل لها : أدخلي الصرح . فكشفت عن ساقيها وظنت أنه ماء قال : { والممرد } : الطويل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : كان قد نعت لها خلقها ، فأحب أن ينظر إلى ساقيها ، فقيل لها { ادخلي الصرح } فلما رأته ظنت أنه ماء ، فكشفت عن ساقيها ، فنظر إلى ساقيها أنه عليهما شعر كثير ، فوقعت من عينيه وكرهها ، فقالت له الشياطين : نحن نصنع لك شيئاً يذهب به . فصنعوا له نورة من أصداف ، فطلوها فذهب الشعر ، ونكحها سليمان عليه السلام .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله قالت { رب إني ظلمت نفسي } قال : ظنت أنه ماء . وأن سليمان أراد قتلها فقالت : أراد قتلي - والله - على ذلك ، لأقتحمن فيه . فلما رأته أنه قوارير عرفت أنها ظلمت سليمان بما ظنت . فذلك قولها { ظلمت نفسي } وإنما كانت هذه المكيدة من سليمان عليه السلام لها . إن الجن تراجعوا فيما بينهم فقالوا : قد كنتم تصيبون من سليمان غرة ، فإن نكح هذه المرأة اجتمعت فطنة الوحي والجن فلن تصيبوا له غرة . فقدموا إليه فقالوا : إن النصيحة لك علينا حق ، إنما قدماها حافر حمار . فذلك حين ألبس البركة قوارير ، وأرسل إلى نساء من نساء بني إسرائيل ينظرنها إذا كشفت عن ساقيها . ما قدماها؟ فإذا هي أحسن الناس ساقاً من ساق شعراء ، وإذا قدماها هما قدم إنسان ، فبشرن سليمان . وكره الشعر ، فأمر الجن ، فجعلت النورة . فذلك أول ما كانت النورة .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كان سليمان بن داود عليه السلام إذا أراد سفراً قعد على سريره ، ووضعت الكراسي يميناً وشمالاً ، فيؤذن للإِنس عليه ، ثم أذن للجن عليه بعد الانس ، ثم أذن للشياطين بعد الجن ، ثم أرسل إلى الطير فتظلهم ، وأمر الريح فحملتهم وهو على سريره ، والناس على الكراسي ، والطير تظلهم ، والريح تسير بهم . غدوها شهر ، ورواحها شهر ، رخاء حيث أراد . ليس بالعاصف ، ولا باللين ، وسطا بين ذلك . وكان سليمان يختار من كل طير طيراً ، فيجعله رأس تلك الطير . فإذا أراد أن يسائل تلك الطير عن شيء سأل رأسها .
فبينما سليمان يسير إذ نزل مفازة فقال : كم بعد الماء ههنا؟ فسأل الإِنس فقالوا : لا ندري! فسأل الشياطين فقالوا : لا ندري! فغضب سليمان وقال : لا أبرح حتى أعلم كم بعد مسافة الماء ههنا؟ فقالت له الشياطين : يا رسول الله لا تغضب ، فإن يك شيء يعلم فالهدهد يعلمه .
فقال سليمان : عليَّ بالهدهد . فلم يوجد ، فغضب سليمان وقال { لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين } يقول : بعذر مبين غيبه عن مسيري هذا . (7/445)
قال : ومر الهدهد على قصر بلقيس فرأى لها بستاناً خلف قصرها ، فمال إلى الخضرة فوقع فيه ، فإذا هو بهدهد في البستان فقال له : هدهد سليمان أين أنت عن سليمان وما تصنع ههنا؟ فقال له هدهد بلقيس : ومن سليمان؟! فقال : بعث الله رجلاً يقال له : سليمان رسولاً وسخر له الجن والانس والريح والطير . فقال له هدهد بلقيس : أي شيء تقول؟ قال : أقول لك ما تسمع . قال : إن هذا لعجب! وأعجب من ذلك أن كثرة هؤلاء القوم تملكهم امرأة { وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم } جعلوا الشكر لله : أن يسجدوا للشمس من دون الله .
قال : وذكر لهدهد سليمان ، فنهض عنه فلما انتهى إلى العسكر تلقته الطير فقالوا : تواعدك رسول الله ، وأخبروه بما قال . وكان عذاب سليمان للطير أن ينتفه ، ثم يشمسه ، فلا يطير أبداً ويصير مع هوام الأرض ، أو يذبحه فلا يكون له نسل أبداً . قال الهدهد : وما استثنى نبي الله؟ قالوا : بلى . قال : أو ليأتيني بعذر مبين . فلما أتى سليمان قال : وما غيبتك عن مسيري؟ قال { أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين ، إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم } قال : بل اعتللت { سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين ، اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم } وكتب { بسم الله الرحمن الرحيم } إلى بلقيس { ألا تعلوا علي وائتوني مسلمين } فلما ألقى الهدهد الكتاب إليها ، ألقى في روعها أنه كتاب كريم ، وإنه من سليمان و { ألا تعلوا علي وائتوني مسلمين . . . ، قالوا نحن أولوا قوة } قالت { إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها . . . ، وإني مرسلة إليهم بهدية } فلما جاءت الهدية سليمان قال : أتمدونني بمال ارجع إليهم . فلما رجع إليها رسلها خرجت فزعة ، فأقبل معها ألف قيل مع كل قيل مائة ألف .
قال : وكان سليمان رجلاً مهيباً لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه . فخرج يومئذ فجلس على سريره فرأى رهجاً قريباً منه قال : ما هذا؟ قالوا : بلقيس يا رسول الله قال : وقد نزلت منا بهذا المكان؟ قال ابن عباس : وكان بين سليمان وبين ملكة سبأ ومن معها حين نظر إلى الغبار كما بين الكوفة والحيرة قال : فأقبل على جنوده فقال : أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين؟ قال : وبين سليمان وبين عرشها حين نظر إلى الغبار مسيرة شهرين { قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك } .
قال : وكان لسليمان مجلس يجلس فيه للناس كما تجلس الأمراء ، ثم يقوم قال سليمان : أريد اعجل من ذلك .
قال الذي عنده علم من الكتاب : أنا انظر في كتاب ربي ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك . فنظر إليه سليمان فلما قطع كلامه ، رد سليمان بصره ، فنبع عرشها من تحت قدم سليمان . من تحت كرسي كان يضع عليه رجله ، ثم يصعد إلى السرير ، فلما رأى سليمان عرشها مستقراً عنده { قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر } إذ أتاني به قبل أن يرتد إليَّ طرفي { أم أكفر } إذ جعل من هو تحت يدي أقدر على المجيء مني ، ثم { قال نكروا لها عرشها . . . ، فلما جاءت } تقدمت إلى سليمان { قيل لها أهكذا عرشك فقالت كأنه هو } ثم قالت : يا سليمان إني أريد أن أسألك عن شيء فأخبرني به قال : سلي . قالت : أخبرني عن ماء رواء لا من الأرض ولا من السماء . (7/446)
قال : وكان إذا جاء سليمان شيء لا يعلمه يسأل الإِنس عنه ، فإن كان عند الإِنس منه علم . . . وإلا سأل الجن ، فإن لم يكن عند الجن علم سأل الشياطين ، فقالت له الشياطين : ما أهون هذا يا رسول الله! مر بالخيل فتجري ثم لتملأ الآنية من عرقها فقال لها سليمان : عرق الخيل قالت : صدقت قالت : فأخبرني عن لون الرب قال ابن عباس : فوثب سليمان عن سريره فخر ساجداً فقامت عنه ، وتفرقت عنه جنوده ، وجاءه الرسول فقال : يا سليمان يقول لك ربك ما شأنك؟ قال : يا رب أنت أعلم بما قالت قال : فإن الله يأمرك أن تعود إلى سريرك فتقعد عليه ، وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودها ، وترسل إلى جميع جنودك الذين حضروك فيدخلوا عليك ، فتسألها وتسألهم عما سألتك عنه قال : ففعل سليمان ذلك . فلما دخلوا عليه جميعاً قال لها : عم سألتيني؟ قالت : سألتك عن ماء رواء لا من الأرض ولا من السماء قال : قلت لك عرق الخيل قالت : صدقت . قال : وعن أي شيء سألتيني؟ قالت : ما سألتك عن شيء إلا عن هذا قال لها سليمان : فلأي شيء خررت عن سريري؟! قالت : كان ذلك لشيء لا أدري ما هو . فسأل جنودها فقالوا : مثل قولها . فسأل جنوده من الإِنس ، والجن ، والطير ، وكل شيء كان حضره من جنوده ، فقالوا : ما سألتك يا رسول الله عن شيء إلا عن ماء رواء قال : وقد كان .
قال له الرسول : يقول الله لك : ارجع ثمة إلى مكانك فإني قد كفيتكم فقال سليمان للشياطين : ابنو لي صرحاً تدخل علي فيه بلقيس ، فرجع الشياطين بعضهم إلى بعض فقالوا لسليمان : يا رسول الله قد سخر الله لك ما سخر ، وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاماً فلا ننفك له من العبودية أبداً قال : وكانت امرأة شَعْرَاء الساقين فقالت الشياطين : ابنو له بنياناً كأنه الماء يرى ذلك منها فلا يتزوجها ، فبنوا له صرحاً من قوارير ، فجعلوا له طوابيق من قوارير ، وجعلوا من باطن الطوابيق كل شيء يكون من الدواب في البحر .
من السمك وغيره ثمَّ اطبقوه ، ثم قالوا لسليمان : ادخل الصرح . فألقي كرسياً في أقصى الصرح . فلما دخله أتى الكرسي فصعد عليه ثم قال : أدخلوا عليَّ بلقيس فقيل لها ادخلي الصرح فلما ذهبت تدخله فرأت صورة السمك ، وما يكون في الماء من الدواب { حسبته لجة فكشفت عن ساقيها } لتدخل . وكان شعر ساقها ملتوياً على ساقيها . فلما رآه سليمان ناداها وصرف وجهه عنها { إنه صرح ممرد من قوارير } فألقت ثوبها وقالت { رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين } . (7/447)
فدعا سليمان الإِنس فقال : ما أقبح هذا! ما يذهب هذا! قالوا : يا رسول الله الموسى . فقال : الموسى تقطع ساقي المرأة ، ثم دعا الشياطين فقال مثل ذلك ، فتلكؤوا عليه ثم جعلوا له النورة قال ابن عباس : فإنه لأول يوم رؤيت فيه النورة قال : واستنكحها سليمان عليه السلام . قال ابن أبي حاتم : قال أبو بكر بن أبي شيبة : ما أحسنه من حديث!
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن شداد قال : كان سليمان عليه السلام إذا أراد أن يسير وضع كرسيه ، فيأتي من أراد من الانس والجن ، ثم يأمر الريح فتحملهم ، ثم يأمر الطير فتظلهم . فبينا هو يسير إذ عطشوا فقال : ما ترون بعد الماء؟ قالوا : لا ندري . فتفقد الهدهد وكان له منه منزلة ليس بها طير غيره فقال { ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ، لأعذبنه عذاباً شديداً } وكان عذابه إذا عذب الطير نتفه ، ثم يجففه في الشمس { أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين } يعني بعذر بين .
فلما جاء الهدهد استقبلته الطير فقالت له : قد أوعدك سليمان فقال لهم : هل استثنى؟ فقالوا له : نعم . قد قال : إلا أن يجيء بعذر بين . فجاء بخبر صاحبة سبأ ، فكتب معه إليها { بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا عليَّ وائتوني مسلمين } فأقبلت بلقيس ، فلما كانت على قدر فرسخ قال سليمان { أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ، قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك } فقال سليمان : أريد أعجل من ذلك . فقال الذي عنده علم من الكتاب { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } فأتى بالعرش في نفق في الأرض ، يعني سرب في الأرض قال سليمان : غيروه . فلما جاءت { قيل لها أهكذا عرشك } فاستنكرت السرعة ورأت العرش { فقالت كأنه هو . . ، قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته } لجة ماء { وكشفت عن ساقيها } فإذا هي امرأة شعراء فقال سليمان : ما يذهب هذا؟ فقال بعض الجن : أنا أذهبه .