صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور |
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29) وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)
أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما : « ان أبا معيط كان يجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة لا يؤذيه ، وكان رجلاً حليماً ، وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه ، وكان لأبي معيط خليل غائب عنه بالشام فقالت قريش : صبا أبو معيط ، وقدم خليله من الشام ليلاً فقال لامرأته : ما فعل محمد مما كان عليه؟ فقالت : أشد مما كان أمراً فقال : ما فعل خليلي أبو معيط؟ فقالت : صبأ . فبات بليلة سوء ، فلما أصبح أتاه أبو معيط فحياه ، فلم يرد عليه التحية فقال : ما لك . لا ترد عليَّ تحيتي؟ فقال : كيف أرد عليك تحيتك وقد صبوت؟ قال : أوقد فعلتها قريش؟! قال : نعم . قال فما يبرىء صدورهم إن أنا فعلت قال : نأتيه في مجلسه ، وتبصق في وجهه ، وتشتمه بأخبث ما تعلمه من الشتم . ففعل ، فلم يزد النبي صلى الله عليه وسلم أن مسح وجهه من البصاق ، ثم التفت إليه فقال : إن وجدتك خارجاً من جبال مكة أضرب عنقك صبراً . (7/346)
فلما كان يوم بدر ، وخرج أصحابه ، أبى أن يخرج فقال له أصحابه : اخرج معنا قال : قد وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجاً من جبال مكة أن يضرب عنقي صبراً فقالوا : لك جمل أحمر لا يُدْرَكَ ، فلو كانت الهزيمة طرت عليه ، فخرج معهم ، فلما هزم الله المشركين ، وحل به جمله في جدد من الأرض ، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيراً في سبعين من قريش ، وقدم إليه أبو معيط فقال : تقتلني من بين هؤلاء؟ قال : نعم . بما بصقت في وجهي ، فأنزل الله في أبي معيط { ويوم يعض الظالم على يديه } إلى قوله { وكان الشيطان للإِنسان خذولاً } » .
وأخرج أبو نعيم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : « كان عقبة بن أبي معيط لا يقدم من سفر إلا صنع طعاماً فدعا إليه أهل مكة كلهم ، وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم ويعجبه حديثه ، وغلب عليه الشقاء فقدم ذات يوم من سفر فصنع طعاماً ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعامه فقال : ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله . فقال : أطعم يا ابن أخي . قال : ما أنا بالذي أفعل حتى تقول . . . فشهد بذلك وطعم من طعامه .
فبلغ ذلك أُبي بن خلف فأتاه فقال : أصبوت يا عقبة؟ - وكان خليله - فقال : لا والله ما صبوت . ولكن دخل عليّ رجل فأبى أن يطعم من طعامي إلا أن أشهد له ، فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم ، فشهدت له ، فطعم . فقال : ما أنا بالذي أرضى عنك حتى تأتيه فتبصق في وجهه . ففعل عقبة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف ، فأسر عقبة يوم بدر فقتل صبراً ولم يقتل من الأسارى يومئذ غيره » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال : « كان أبي بن خلف يحضر النبي صلى الله عليه وسلم فزجره عقبة بن أبي معيط ، فنزل { ويوم يعض الظالم على يديه } إلى قوله { وكان الشيطان للإِنسان خذولاً } » . (7/347)
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن جرير وابن المنذر عن مقسم مولى ابن عباس قال : « إن عقبة بن أبي معيط ، وأبي بن خلف الجمحي التقيا . فقال عقبة بن أبي معيط لأبي بن خلف - وكانا خليلين في الجاهلية - وكان أبي قد أتى النبي صلى الله عليه وسلم فعرض عليه الإِسلام ، فلما سمع بذلك عقبة قال : لا أرضى عنك حتى تأتي محمداً فتتفل في وجهه وتشمته وتكذبه . قال : فلم يسلطه الله على ذلك .
فلما كان يوم بدر ، أسر عقبة بن أبي معيط في الأسارى فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن يقتله فقال عقبة : يا محمد أمن بين هؤلاء أقتل؟ قال : نعم . قال : بم؟ قال : بكفرك وفجورك وعتوك على الله وعلى رسوله ، فقام إليه علي بن أبي طالب فضرب عنقه .
وأما أبي بن خلف فقال : والله لا قتلن محمداً فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بل أنا أقتله إن شاء الله . فافزعه ذلك فوقعت في نفسه لأنهم لم يسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قولاً إلا كان حقاً ، فلما كان يوم أحد خرج مع المشركين ، فجعل يلتمس غفلة النبي صلى الله عليه وسلم ليحمل عليه . فيحول رجل من المسلمين بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينه . فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه : خلفوا عنه فأخذ الحربة فرماه بها ، فوقعت ترقوته ، فلم يخرج منه كبير دم واحتقن الدم في جوفه ، فخار كما يخور الثور فأتى أصحابه حتى احتملوه وهو يخور وقالوا : ما هذا؟! فوالله ما بك إلا خدش فقال : والله لو لم يصبني إلا بريقه لقتلني أليس قد قال : أنا أقتله ، والله لو كان الذي بي بأهل ذي المجاز لقتلهم .
قال : فما لبث إلا يوماً أو نحو ذلك حتى مات إلى النار ، وأنزل الله فيه { ويوم يعض الظالم على يديه } إلى قوله { وكان الشيطان للإِنسان خذولاً } » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن سابط قال :
« صنع أبي بن خلف طعاماً ثم أتى مجلساً فيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : قوموا . فقاموا غير النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لا أقوم حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فتشهد . فقام النبي صلى الله عليه وسلم فلقيه عقبة بن أبي معيط فقال : قلت : كذا وكذا قال : إنما أردت لطعامنا فذلك قوله { ويوم يعض الظالم على يديه } » وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ويوم يعض الظالم على يديه } قال : « عقبة بن أبي معيط دعا مجلساً فيه النبي صلى الله عليه وسلم لطعام ، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكل وقال : » لا آكل حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . فلقيه أمية بن خلف فقال : أقد صبوت؟ فقال : إن أخاك على ما تعلم ولكن صنعت طعاماً فأبى أن يأكل حتى قلت ذلك ، فقلته وليس من نفسي « . (7/348)
وأخرج ابن أبي حاتم عن هشام في قوله { ويوم يعض الظالم على يديه } قال : يأكل كفيه ندامة حتى يبلغ منكبه لا يجد مسها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله { ويوم يعض الظالم على يديه } قال : يأكل يده ثم تنبت .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني في قوله { ويوم يعض الظالم على يديه } قال : بلغني أنه يعضه حتى يكسر العظم ثم يعود .
وأخرج عبد بن حميد وابن حاتم عن سعيد بن المسيب قال : نزلت في أمية بن خلف ، وعقبة بن أبي معيط ، { ويوم يعض الظالم على يديه } قال : هذا عقبة . { لم أتخذ فلاناً خليلاً } قال : أمية وكان عقبة خدناً لأمية فبلغ أمية أن عقبة يريد الإِسلام ، فأتاه وقال وجهي من وجهك حرام إن أسلمت أن أكلمك أبداً . ففعل ، فنزلت هذه الآية فيهما .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك في قوله { لم أتخذ فلاناً خليلاً } قال : عقبة بن أبي معيط ، وأمية بن خلف كانا متواخيين في الجاهلية يقول أمية بن خلف : يا ليتني لم أتخذ عقبة بن أبي معيط خليلاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن ميمون في قوله { ويوم يعض الظالم على يديه } قال : » نزلت في عقبة بن أبي معيط ، وأبي بن خلف ، دخل النبي صلى الله عليه وسلم على عقبة في حاجة وقد صنع طعاماً للناس ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعامه قال : لا . . . حتى تسلم . فأسلم فأكل . . . وبلغ الخبر أبي بن خلف ، فأتى عقبة فذكر له ما صنع فقال له عقبة أترى مثل محمد يدخل منزلي وفيه طعام ثم يخرج ولا يأكل! قال : فوجهي من وجهك حرام حتى ترجع عما دخلت فيه . فرجع . فنزلت الآية « .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال { ويوم يعض الظالم على يديه } قال : أبي بن خلف ، وعقبة بن أبي معيط . وهما الخليلان في جهنم على منبر من نار . (7/349)
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال : ذكر لنا أن رجلاً من قريش كان يغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلقيه رجل من قريش - وكان له صديقاً - فلم يزل به حتى صرفه وصده عن غشيان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله فيهما ما تسمعون .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { يا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً } قال : الشيطان .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة { وكان الشيطان للإِنسان خذولاً } قال : خذل يوم القيامة وتبرأ منه { وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً } هذا قول نبيكم يشتكي قومه إلى ربه قال الله يعزي نبيه : { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً من المجرمين } يقول : إن الرسل قد لقيت هذا من قومها قبلك فلا يكبرن عليك .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { اتخذوا هذا القرآن مهجوراً } قال : يهجرون فيه بالقول السيء . يقولون : هذا سحر .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي في قوله { اتخذوا هذا القرآن مهجوراً } قالوا : فيه هجيراً غير الحق . ألم تر المريض إذا هذى قيل : هجر؟ أي قال : غير الحق .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً من المجرمين } قال : لم يبعث نبي قط إلا كان المجرمون له أعداء . ولم يبعث نبي قط إلا كان بعض المجرمين أشد عليه من بعض .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً من المجرمين } قال : كان عدوّ النبي صلى الله عليه وسلم أبو جهل ، وعدوّ موسى قارون ، وكان قارون ابن عم موسى .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً من المجرمين } قال : يوطن محمد صلى الله عليه وسلم أنه جاعل له عدوّاً من المجرمين كما جعل لمن قبله .
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33)
أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال : قال المشركون : إن كان محمد كما يزعم نبياً فلم يعذبه ربه . ألا ينزل عليه القرآن جملة واحدة؟ ينزل عليه الآية والآيتين والسورة . فأنزل الله على نبيه جواب ما قالوا { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } إلى { وأضل سبيلاً } . (7/350)
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } يقولون : كما أنزل على موسى ، وعلى عيسى قال الله { كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً } قال : بيناه تبييناً { ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً } قال : أحسن تفصيلاً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { كذلك لنثبت به فؤادك } قال : كان الله ينزل عليه الآية فإذا علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت آية أخرى ليعلمه الكتاب عن ظهر قلبه ويثبت به فؤادك { ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً } يقول : أحسن تفصيلاً .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { كذلك لنثبت } قال : لنشدد به فؤادك ، ونربط على قلبك { ورتلناه ترتيلاً } قال : رسلناه ترسيلاً يقول : شيئاً بعد شيء { ولا يأتونك بمثل } يقول : لو أنزلنا عليك القرآن جملة واحدة ثم سألوك ، لم يكن عندك ما تجيب . ولكنا نمسك عليك ، فإذا سألوك أجبت .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قالت قريش ما للقرآن لم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم جملة واحدة؟ قال الله في كتابه { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً } قال : قليلاً . قليلاً . . . كما لا يجيئوك بمثل إلا جئناك بما ينقض عليهم ، فأنزلناه عليك تنزيلاً قليلاً قليلاً . كلما جاؤوا بشيء جئناهم بما هو أحسن منه تفسيراً .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { ورتلناه ترتيلاً } قال : كان ينزل عليه الآية . والآيتان . والآيات . . . كان ينزل عليه جواباً لهم . إذا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء أنزل الله جواباً لهم ، ورداً عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما تكلموا به ، وكان بين أوّله وآخره نحو من عشرين سنة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج { كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً } قال : كان ينزل عليه القرآن جواباً لقولهم . ليعلم أن الله هو يجيب القوم عما يقولون { ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق } قال : لا يأتيك الكفار إلا جئناك بما ترد به ما جاؤوك به من الأمثال التي جاؤوا بها .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي { ورتلناه ترتيلاً } يقول : أنزل متفرقاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي { ورتلناه ترتيلاً } قال : فصلناه تفصيلاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله { وأحسن تفسيراً } قال : تفصيلاً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وأحسن تفسيراً } قال : بياناً .
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (34)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله { أولئك شر مكاناً } يقول : من أهل الجنة { وأضل سبيلاً } قال : طريقاً . (7/351)
وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38)
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً } قال : عوناً وعضداً . (7/352)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فدمرناهم تدميراً } قال : أهلكناهم بالعذاب .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { وعاداً وثمودا } ينوّن ثمود .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال { الرس } قرية من ثمود .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : { الرس } بئر بأذربيجان .
وأخرج ابن عساكر عن قتادة في قوله { وأصحاب الرس } قال : قوم شعيب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وأصحاب الرس } قال : حدثنا أن أصحاب الرس كانوا أهل فلج باليمامة ، وآبار كانوا عليها .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال { الرس } بئر كان عليها قوم يقال لهم : أصحاب الرس .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : { أصحاب الرس } رسوا نبيهم في بئر .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس أنه سأل كعباً عن أصحاب الرس قال : صاحب البئر الذي { قال يا قوم اتبعوا المرسلين } فرسه قومه في بئر بالحجار .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال { الرس } بئر قتل به صاحب يس .
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والبيهقي وابن عساكر عن جعفر بن محمد بن علي : ان امرأتين سألتاه هل تجد غشيان المرأة المرأة محرماً في كتاب الله؟ قال : نعم . هن اللواتي كن على عهد تبع ، وهن صواحب الرس وكل نهر وبئر رس . قال : يقطع لهن جلباب من نار ، ودرع من نار ، ونطاق من نار ، وتاج من نار ، وخفان من نار ، ومن فوق ذلك ثوب غليظ جاف جلف منتن من نار ، قال جعفر : علموا هذا نساءكم .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن واثلة بن الأسقع رفعه قال : سحاق النساء زنا بينهن .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبد الله بن كعب بن مالك قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراكبة والمركوبة .
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال : إن أصحاب الأيكة؛ وأصحاب الرس . كانتا أمتين ، فبعث الله إليهما نبياً واحداً شعيباً وعذبهما الله بعذابين .
وأخرج ابن إسحق وابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود ، وذلك أن الله تعالى بعث نبياً إلى أهل قريته فلم يؤمن به من أهلها أحد إلا ذلك الأسود ، ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئر ، فألقوه فيها ، ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم ، فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره ، ثم يأتي بحطبه فيبيعه ، فيشتري به طعاماً وشراباً ، ثم يأتي به إلى تلك البئر فيرفع تلك الصخرة فيعينه الله عليها ، فيدلي طعامه وشرابه ، ثم يردّها كما كانت كذلك ما شاء الله أن يكون .
ثم إنه ذهب يوماً يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه ، وحزم حزمته وفرغ منها ، فلما أراد أن يحتملها وجد سنة فاضطجع فنام ، فضرب على أذنه سبع سنين نائماً ، ثم إنه هب فتمطى ، فتحوّل لشقه الآخر فاضطجع ، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى ، ثم إنه هب فاحتمل حزمته ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار ، فجاء إلى القرية فباع حزمته ، ثم اشترى طعاماً وشراباً كما كان يصنع ، ثم ذهب إلى الحفرة في موضعها التي كانت فيه ، فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه بداء فاستخرجوه فآمنوا به وصدقوه . وكان النبي يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل؟ فيقولون له : ما ندري . . . ! حتى قبض ذلك النبي فأهب الله الأسود من نومته بعد ذلك؛ إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة » .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن أم سلمة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول « بعد عدنان بن أدد بن زيد بن البراء ، واعراق الثرى . قالت : ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلك { عاداً وثمودا وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً لا يعلمهم إلا الله } » قالت : واعراق الثرى : اسمعيل وزيد وهميسع وبرانيت . (7/353)
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة { وقروناً بين ذلك كثيراً } قال : كان يقال إن القرن سبعون سنة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زرارة بن أوفى قال : القرن مائة وعشرون عاماً قال : فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في قرن كان آخره العام الذي مات فيه يزيد بن معاوية .
وأخرج ابن مردويه من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم « كان بين آدم وبين نوح عشرة قرون ، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون » قال أبو سلمة : القرن مائة سنة .
وأخرج الحاكم وابن مردويه عن عبد الله بن بسر قال : « وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسي فقال : هذا الغلام يعيش قرناً . فعاش مائة سنة » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق محمد بن القاسم الحمصي عن عبد الله بسر المازني قال : « وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على رأسي وقال : سيعيش هذا الغلام قرناً قلت : يا رسول الله كم القرن؟ قال : مائة سنة . قال محمد بن القاسم : ما زلنا نعد له حتى تمت مائة سنة . ثم مات » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي الهيثم بن دهر الأسلمى قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم « القرن خمسون سنة » . (7/354)
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أمتي خمس قرون القرن أربعون سنة » .
وأخرج ابن المنذر عن حماد بن إبراهيم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « القرن أربعون سنة » .
وأخرج ابن جرير عن ابن سيرين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « القرن أربعون سنة » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال « القرن ستون سنة » .
وأخرج الحاكم في الكنى عن ابن عباس قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انتهى إلى معد بن عدنان أمسك . ثم يقول : كذب النسابون قال الله تعالى { وقروناً بين ذلك كثيراً } » .
وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (40) وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42)
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة { وكلاًّ ضربنا له الأمثال وكلاًّ تبرنا تتبيراً } قال : كل قد أعذر الله إليه وبين له ثم انتقم منه { ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء } قال : قرية لوط { بل كانوا لا يرجون نشوراً } قال : بعثا ولا حساباً . (7/355)
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { وكلاًّ تبرنا تتبيراً } قال : تبر الله كلا بالعذاب .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال { تبرنا } بالنبطية .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ولقد أتوا على القرية } قال : هي سدوم قرية قوم لوط { التي أمطرت مطر السوء } قال : الحجارة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء { ولقد أتوا على القرية } قال : قرية لوط .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن { ولقد أتوا على القرية } قال : هي بين الشام والمدينة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله { لا يرجون نشوراً } قال : بعثاً وفي قوله { لولا أن صبرنا عليها } قال : ثبتنا .
أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { أرأيت من اتخذ إِلهه هواه } قال : كان الرجل يعبد الحجر الأبيض زماناً من الدهر في الجاهلية ، فإذا وجد حجراً أحسن منه رمى به وعبد الآخر ، فأنزل الله الآية . (7/356)
وأخرج ابن مردويه عن أبي رجاء العطاردي قال : كانوا في الجاهلية يأكلون الدم بالعلهز ويعبدون الحجر ، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه رموا به وعبدوا الآخر ، فإذا فقدوا الآخر أمروا منادياً فنادى : أيها الناس إن إلهكم قد ضل فالتمسوه . فانزل الله هذه الآية { أرأيت من اتخذ إلهه هواه } .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أرأيت من اتخذ إلهه هواه } قال : ذاك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن { أرأيت من اتخذ إلهه هواه } قال : لا يهوى شيئاً إلا تبعه .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة { أرأيت من اتخذ إلهه هواه } قال : كلما هوى شيئاً ركبه ، وكلما اشتهى شيئاً أتاه . لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قيل له : في أهل القبلة شرك؟ فقال : نعم . المنافق مشرك ، إن المشرك يسجد للشمس والقمر من دون الله ، وإن المنافق عند هواه . ثم تلا هذه الآية { أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً } .
وأخرج الطبراني عن أبي امامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متبع » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون } قال : مثل الذين كفروا كمثل البعير والحمار والشاة . إن قلت لبعضهم كل لم يعلم ما تقول غير أنه يسمع صوتك . كذلك الكافر إن أمرته بخير ، أو نهيته عن شر ، أو وعظته لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله { بل هم أضل سبيلاً } قال : أخطأ السبيل .
أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47)
أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } قال : بعد الفجر قبل أن تطلع الشمس . (7/357)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل . . . } الآية . قال : ألم تر إنك إذا صليت الفجر كان ما بين مطلع الشمس إلى مغربها ظلاً؟ ثم بعث الله عليه الشمس دليلاً فقبض الله الظل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } قال : ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس { ولو شاء لجعله ساكناً } قال : دائماً { ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً } يقول : طلوع الشمس { ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً } قال : سريعاً .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } قال : ظل الغداة قبل طلوع الشمس { ولو شاء لجعله ساكناً } قال : لا تصيبه الشمس ولا يزول { ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً } قال : تحويه { ثم قبضناه إلينا } فاحوينا الشمس إياه { قبضاً يسيراً } قال : خفيفاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } قال : مده من المشرق إلى المغرب فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس { ولو شاء لجعله ساكناً } قال : تركه كما هو ظلاً ممدوداً ما بين المشرق والمغرب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أيوب بن موسى { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } قال : الأرض كلها ظل . ما بين صلاة الغداة إلى طلوع الشمس { ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً } قال : قليلاً قليلاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم التيمي والضحاك وأبي مالك الغفاري في قوله { كيف مد الظل } قالوا : الظل : ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس { ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً } قالوا : على الظل { ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً } يعني ما تقبض الشمس من الظل .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية { كيف مد الظل } قال : من حين يطلع الفجر إلى حين تطلع الشمس .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي { جعلنا الشمس عليه دليلاً } قال : يتبعه فيقبضه حيث كان .
وأما قوله تعالى : { وجعل النهار نشوراً } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال : إن النهار اثنتا عشرة ساعة ، فأول الساعة ما بين طلوع الفجر إلى أن ترى شعاع الشمس ، ثم الساعة الثانية إذا رأيت شعاع الشمس إلى أن يضيء الاشراق . عند ذلك لم يبق من قرونها شيء ، وصفا لونها ، فإذا كانت بقدر ما تريك عينك قيد رحمين فذلك أول الضحى ، وذلك أول ساعة من ساعات الضحى ، ثم من بعد ذلك الضحى ساعتين ، ثم الساعة السادسة حين نصف النهار .
فإذا زالت الشمس عن نصف النهار فتلك ساعة صلاة الظهر ، وهي التي قال الله { أقم الصلاة لدلوك الشمس } ثم من بعد ذلك العشي ساعتين ، ثم الساعة العاشرة ميقات صلاة العصر وهي الآصال ، ثم من بعد ذلك ساعتين إلى الليل . (7/358)
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وجعل النهار نشوراً } { وجعل النهار نشورا } قال : ينشر فيه .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة { وجعل النهار نشوراً } قال : لمعايشهم وحوائجهم وتصرفهم .
وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49)
أخرج عبد بن حميد عن عطاء أنه قرأ { وهو الذي أرسل الرياح } على الجمع بشراً بالباء ، ورفع الباء بنون فيهما خفيفة . (7/359)
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مسروق أنه قرأ { الرياح نشراً } بالنون ، ونصب النون منونة ومخففة .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب في قوله { وأنزلنا من السماء ماء طهوراً } قال : لا ينجسه شيء .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني عن سعيد بن المسيب قال : أنزل الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الماء لا ينجسه شيء . يطهر ولا يطهره شيء فإن الله قال { وأنزلنا من السماء ماء طهوراً } .
وأخرج الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال : « قيل يا رسول الله انتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض ، ولحوم الكلاب ، والنتن . فقال : إن الماء طهور لا ينجسه شيء » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن القاسم بن أبي بزة قال : سأل رجل عبد الله بن الزبير عن طين المطر قال : سألتني عن طهورين جميعاً قال الله تعالى { وأنزلنا من السماء ماء طهوراً } وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً » .
وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (50) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { ولقد صرفناه بينهم } يعني المطر تسقى هذه الأرض وتمنع هذه { ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفوراً } قال عكرمة : قال ابن عباس : قولهم مطرنا بالانواء . فأنزل الله في الواقعة { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } [ الواقعة : 82 ] . (7/360)
وأخرج سنيد وابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج عن مجاهد { ولقد صرفنا بينهم } قال : المطر . ينزله في الأرض ولا ينزله في أخرى { فأبى الناس إلا كفوراً } قولهم مطرنا بنوء كذا وبنوء كذا .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { ولقد صرفناه بينهم ليذكروا } قال : إن الله قسم هذا الرزق بين عباده ، وصرفه بينهم . قال : وذكر لنا أن ابن عباس كان يقول : ما كان عام قط أقل مطراً من عام ، ولكن الله يصرفه بين عباده . قال قتادة : فترزقه الأرض وتحرمه الأخرى .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : ما من عام بأقل مطراً من عام ، ولكن الله يصرفه حيث يشاء . ثم قرأ هذه الآية { ولقد صرفناه بينهم ليذكروا } الآية .
وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن مسعود . مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر مولى غفرة قال : كان جبريل في موضع الجنائز فقال له النبي صلى الله عليه وسلم « يا جبريل إني أحب أن أعلم أمر السحاب . فقال جبريل : هذا ملك السحاب فسأله فقال : تأتينا صكاك مختتمة اسقوا بلاد كذا وكذا قطرة » .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني في قوله { ولقد صرفناه بينهم } قال : القرآن . ألا ترى إلى قوله { ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً } ؟
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { وجاهدهم به } قال : بالقرآن .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { وجاهدهم به جهاداً كبيراً } قال : هو قوله { واغلظ عليهم } [ التوبة : 73 ] والله تعالى أعلم .
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53)
أخرج ابن جرير عن ابن عباس { وهو الذي مرج البحرين } الآية . يعني خلع أحدهما على الآخر فليس يفسد العذب المالح ، وليس يفسد المالح العذب . (7/361)
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وهو الذي مرج البحرين } قال : أفاض أحدهما في الآخر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { مرج البحرين } قال : بحر في السماء وبحر في الأرض .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله { فرات } قال : العذب . وفي قوله { أجاج } قال : الاجاج : المالح .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وهذا ملح أجاج } قال : المر .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن عباس قال : هما بحران ، فتوضأ بأيهما شئت . ثم تلا هذه الآية { هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { وجعل بينهما برزخاً } قال : هو اليبس .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { برزخاً } قال : هو اليبس .
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وجعل بينهما برزخاً } قال : محبساً لا يختلط البحر العذب بالبحر الملح .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وجعل بينهما برزخاً } قال : التخوم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن مجاهد في قوله { وجعل بينهما برزخاً } قال : حاجزاً لا يختلط العذب بالملح ، ولا يختلط بحر الروم وفارس . وبحر الروم ملح قال ابن جريج : فلم أجد بحراً عذباً إلا الأنهار العذاب . فإن دجلة تقع في البحر فلا تمور فيه ، يجعل فيه بينهما مثل الخيط الأبيض ، فإذا رجعت لم يرجع في طريقها من البحر شيء . والنيل زعموا ينصب في البحر .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي في قوله { وجعل بينهما برزخاً } قال : حاجزاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وحجراً محجوراً } يقول : حجر أحدهما عن الآخر بأمره وقضائه .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وحجراً محجوراً } قال : إن الله حجر الملح عن العذب والعذب عن الملح أن يختلط بلطفه وقدرته .
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54)
أخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن المغيرة قال : سئل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن نسب وصهر فقال : ما أراكم إلا قد عرفتم النسب . فأما الصهر : فالاختان ، والصحابة . (7/362)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { فجعله نسباً وصهراً } قال : النسب الرضاع ، والصهر الختونة .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { فجعله نسباً وصهراً } قال : ذكر الله الصهر مع النسب وحرم أربع عشرة امرأة : سبعاً من النسب ، وسبعاً من الصهر . فاستوى تحريم الله في النسب والصهر .
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55)
أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { وكان الكافر على ربه ظهيراً } يعني أبا الحكم : الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل بن هشام . (7/363)
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله { وكان الكافر على ربه } قال : أبو جهل .
وأخرج ابن المنذر عن عطية في قوله { وكان الكافر على ربه ظهيراً } قال : هو أبو جهل .
وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { وكان الكافر على ربه ظهيراً } قال : معيناً للشيطان على معاصي الله .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن والضحاك . مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { وكان الكافر على ربه ظهيراً } قال : عوناً للشيطان على ربه بالعداوة والشرك .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة { وكان الكافر على ربه ظهيراً } قال : معيناً للشيطان على عداوة ربه .
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (56) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (57)
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً } قال : مبشراً بالجنة ، ونذيراً من النار . وفي قوله { إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً } قال : بطاعته . (7/364)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { قل ما أسألكم عليه من أجر } قال : قل لهم يا محمد لا أسألكم على ما أدعوكم إليه من أجر يقول : عرض من عرض الدنيا .
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58)
وأخرج ابن أبي الدنيا في التوكل والبيهقي في شعب الإِيمان عن عتبة بن أبي ثبيت قال : مكتوب في التوراة لا تتوكل على ابن آدم فإن ابن آدم ليس له قوام ، ولكن توكل على الحي الذي لا يموت . (7/365)
الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60)
أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { فاسأل به خبيراً } قال : ما أخبرتك من شيء فهو ما أخبرتك به . (7/366)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن شمر بن عطية في قوله { الرحمن فاسأل به خبيراً } قال : هذا القرآن خبير به .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن } قال : قالوا ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة . فأنزل الله { وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } [ البقرة : 163 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن حسين الجحفي في قوله { قالوا وما الرحمن } قال : جوابها { الرحمن علم القرآن } [ الرحمن : 1-2 ] .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن إبراهيم قال : قرأ الأسود { أنسجد لما تأمرنا } فسجد فيها قال : وقرأها يحيى { أنسجد لما تأمرنا } .
وأخرج عبد بن حميد عن سليمان قال : قرأ إبراهيم في الفرقان { أنسجد لما يأمرنا } بالياء . وقرأ سليمان كذلك .
تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61)
أخرج الخطيب في كتاب النجوم عن ابن عباس في قوله { تبارك الذي جعل في السماء بروجاً } قال : هي هذه الاثنا عشر برجاً . أولها الحمل ، ثم الثور ، ثم الجوزاء ، ثم السرطان ، ثم الأسد ، ثم السنبلة ، ثم الميزان ، ثم العقرب ، ثم القوس ، ثم الجدي ، ثم الدلو ، ثم الحوت . (7/367)
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { تبارك الذي جعل في السماء بروجاً } قال : قصوراً على أبواب السماء فيها الحرس .
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير عن يحيى بن رافع { جعل في السماء بروجاً } قال : قصوراً في السماء .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطية { جعل في السماء بروجاً } قال : القصور . ثم تأوّل هذه الآية { ولو كنتم في بروج مشيدة } [ النساء : 78 ] .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { جعل في السماء بروجاً } قال : البروج النجوم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { جعل في السماء بروجاً } قال : النجوم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي صالح { جعل في السماء بروجاً } قال : النجوم الكبار .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة { تبارك الذي جعل في السماء بروجاً } قال : هي النجوم . وقال عكرمة : إن أهل السماء يرون نور مساجد الدنيا كما يرون أهل الدنيا نجوم السماء .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة { وجعل فيها سراجاً } قال : هي الشمس .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { وجعل فيها سراجاً } بكسر السين على معنى الواحد .
وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن : أنه كان يقرأ { سراجاً } .
وأخرج سعيد بن منصور عن ابراهيم النخعي : أنه كان يقرأ { وجعل فيها سرجاً وقمراً منيراً } .
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة } قال : أبيض وأسود . (7/368)
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { جعل الليل والنهار خلفة } قال : هذا يخلف هذا ، وهذا يخلف هذا { لمن أراد أن يذكر } قال : يذكر نعمة ربه عليه فيهما { أو أراد شكوراً } قال : شكور نعمة ربه عليه فيهما .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد { جعل الليل والنهار خلفة } قال : يختلفان . هذا أسود وهذا أبيض ، وإن المؤمن قد ينسى بالليل ويذكر بالنهار ، وينسى بالنهار ويذكر بالليل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { جعل الليل والنهار خلفة } يقول : من فاته شيء من الليل أن يعمله أدركه بالنهار ، ومن فاته شيء من النهار أن يعمله أدركه بالليل .
وأخرج الطيالسي وابن أبي حاتم عن الحسن : أن عمر أطال صلاة الضحى فقيل له : صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه فقال : إنه بقي عليَّ من وردي شيء وأحببت أن أتمه . أو قال اقضيه . وتلا هذه الآية { وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة } الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { جعل الليل والنهار خلفة } يقول : جعل الليل خلفاً من النهار ، والنهار خلفاً من الليل ، لمن فرط في عمل أن يقضيه .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن { جعل الليل والنهار خلفة } قال : إن لم يستطع عمل الليل عمله بالنهار ، وإن لم يستطع عمل النهار عمله بالليل . فهذا خلفة لهذا .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله { جعل الليل والنهار خلفة } قال : من عجز بالليل كان له في أول النهار مستعتب ، ومن عجز بالنهار كان له في الليل مستعتب .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة؛ أن سلمان جاءه رجل فقال : لا أستطيع قيام الليل قال : إن كنت لا تستطيع قيام الليل فلا تعجز بالنهار قال قتادة : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال « والذي نفس محمد بيده أن في كل ليلة ساعة؛ لا يوافقها رجل مسلم يصلي فيها ، يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه » قال قتادة : فأروا الله من أعمالكم خيراً في هذا الليل والنهار ، فإنهما مطيتان تحملان الناس إلى آجالهم ، تقربان كل بعيد ، وتبليان كل جديد ، وتجيئان بكل موعود ، إلى يوم القيامة .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ « لمن أراد أن يذكر » مشددة .
وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي أنه كان يقرأ « لمن أراد أن يذكر » .
وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وعباد الرحمن } قال : هم المؤمنون { الذين يمشون على الأرض هوناً } قال : بالطاعة والعفاف والتواضع . (7/369)
وأخرج ابن حاتم عن ابن عباس في قوله { يمشون على الأرض هوناً } قال : علماء حكماء .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { هوناً } قال : بالسريانية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني في قوله { هوناً } قال : حلماء بالسريانية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران في قوله { هوناً } قال : حلماء بالسريانية .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً } قال : بالوقار والسكينة { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً } قال : سداداً من القول .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة . مثله .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله { يمشون على الأرض هوناً } قال : لا يشتدون .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة وابن النجار عن ابن عباس قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن » .
وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن الفضيل بن عياض في قوله { الذين يمشون على الأرض هوناً } قال : بالسكينة والوقار { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً } قال : إن جهل عليه حلم ، وإن أسيء إليه أحسن ، وإن حرم أعطى ، وإن قطع وصل .
وأخرج الآمدي في شرح ديوان الأعشى بسنده عن عمر بن الخطاب : أنه رأى غلاماً يتبختر في مشيته فقال : إن البخترة مشية تكره إلا في سبيل الله ، وقد مدح الله أقواماً فقال { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً } فاقصد في مشيتك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { الذين يمشون على الأرض هوناً } قال : تواضعاً لله لعظمته { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً } قال : كانوا لا يجهلون على أهل الجهل .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن محمد بن علي الباقر قال : سلاح اللئام قبيح الكلام .
وأخرج أحمد عن النعمان بن مقرن المزني : أن رجلاً سب رجلاً عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل الرجل المسبوب يقول : عليك السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « اما أن ملكاً بينكما يذب عنك كلما شتمك هذا قال له : بل أنت . وأنت أحق به ، وإذا قلت له : عليك السلام قال : لا . بل لك أنت أحق به » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { وإذا خاطبهم الجاهلون } قال : السفهاء { قالوا سلاماً } يعني ردوا معروفاً { والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً } يعني يصلون بالليل .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن { يمشون على الأرض هوناً } قال : يمشون حلماء متواضعين لا يجهلون على أحد ، وإن جهل عليهم جاهل لم يجهلوا . هذا نهارهم إذا انتشروا في الناس { والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً } قال : هذا ليلهم إذا خلوا بينهم وبين ربهم . (7/370)
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال : كان يقال : ابن آدم عف عن محارم الله تكن عابداً ، وارض بما قسم الله لك تكن غنياً ، وأحسن مجاورة من جاورك من الناس تكن مسلماً ، وصاحب الناس بالذي تحب أن يصاحبوك به تكن عدلاً ، وإياك وكثرة الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب . إنه قد كان بين أقوام يجمعون كثيراً ، ويبنون شديداً ، ويأملون بعيداً ، فأين هم؟ أصبح جمعهم بوراً ، وأصبح عملهم غروراً ، وأصبحت مساكنهم قبوراً .
ابن آدم إنك مرتهن بعملك ، وأنت على أجلك معروض على ربك ، فخذ مما في يديك لما بين يديك عند الموت يأتيك من الخير . يا ابن آدم طأ الأرض بقدمك فإنها عن قليل قبرك ، إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك .
يا ابن آدم خالط الناس وزايلهم : خالطهم ببدنك ، وزايلهم بقلبك وعملك .
يا ابن آدم أتحب أن تذكر بحسناتك وتكره أن تذكر بسيئاتك ، وتبغض على الظن وتقيم على اليقين . وكان يقال : أن المؤمنين لما جاءتهم هذه الدعوة من الله صدقوا بها وافضاء بعينها خشعت لذلك قلوبهم ، وأبدانهم ، وأبصارهم ، كنت والله إذا رأيتهم قوماً كأنهم رأي عين . والله ما كانوا بأهل جدل وباطل ، ولكن جاءهم من الله أمر فصدقوا به ، فنعتهم الله في القرآن أحسن نعت فقال { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً } قال : الحسن ( والهون ) في كلام العرب : اللين والسكينة والوقار { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً } قال : حلماء لا يجهلون ، وإن جهل عليهم حلموا . يصاحبون عباد الله نهارهم مما تسمعون .
ثم ذكر ليلهم خير ليل قال { والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً } ينتصبون لله على أقدامهم ، ويفترشون وجوههم سجداً لربهم ، تجري دموعهم على خدودهم خوفاً من ربهم . قال الحسن : لأمر مّا سهر ليلهم ، ولأمر ما خشع نهارهم { والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً } قال : كل شيء يصيب ابن آدم لم يدم عليه فليس بغرام ، إنما الغرام اللازم له ما دامت السموات والأرض ، قال : صدق القوم . والله الذي لا إله إلا هو فعلوا ولم يتمنوا . فاياكم وهذه الأماني يرحمكم الله! فإن الله لم يعط عبد بالمنية خيراً في الدنيا والآخرة قط . وكان يقول : يا لها من موعظة لو وافقت من القلوب حياة!
وأخرج عبد بن حميد عن أبي سعيد الخدري
« عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { إن عذابها كان غراماً } قال : الدائم » . (7/371)
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله { إن عذابها كان غراماً } قال : ملازماً شديداً كلزوم الغريم الغريم قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول بشر بن أبي حازم؟
ويوم النسار ويوم الجفار ... كانا عذاباً وكانا غراماً
وأخرج ابن الأنباري عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله { كان غراماً } ما الغرام؟ قال : المولع . قال فيه الشاعر :
وما أكلة إن نلتها بغنيمة ... ولا جوعة إن جعتها بغرام
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { إن عذابها كان غراماً } قال : قد علموا أن كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا } قال : هم المؤمنون . لا يسرفون فيقعوا في معصية الله ، ولا يقترون فيمنعون حقوق الله .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ( ولم يقتروا ) بنصب الياء ورفع التاء .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا } قال : الاسراف النفقة في معصية الله ، والاقتار الامساك عن حق الله قال : وإن الله قد فاء لكم فيئة فانتهوا إلى فيئة الله . قال في المنفق { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً } [ الأحزاب : 70 ] قال : قولوا صدقاً عدلاً . وقال للمؤمنين { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } [ النور : 30 ] عما لا يحل لهم . وقال في الاستماع { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } [ الزمر : 18 ] وأحسنه طاعة الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب في قوله { لم يسرفوا ولم يقتروا } قال لا ينفقه في باطل ولا يمنعه من حق .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي حبيب { والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا } قال : أولئك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا لا يأكلون طعاماً يريدون به نعيماً ، ولا يلبسون ثوباً يريدون به جمالاً ، كانت قلوبهم على قلب واحد .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش في قوله { بين ذلك قواماً } قال : عدلاً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عمر مولى غفرة قال { القوام } أن لا تنفق من غير حق ، ولا تمسك من حق هو عليك .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن وهب بن منبه { وكان بين ذلك قواماً } قال : الشطر من أموالهم .
وأخرج ابن جرير عن يزيد بن مرة الجعفي قال : العلم خير من العمل ، والحسنة بين السيئتين . يعني إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وخير الأمور أوساطها .
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن في قوله { لم يسرفوا ولم يقتروا } أن عمر بن الخطاب قال : كفى سرفاً أن الرجل لا يشتهي شيئاً إلا اشتراه فأكله .
وأخرج أحمد عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من فقه الرجل رفقه في معيشته » .
وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)
أخرج الفريابي وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال : « سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الذنب أكبر؟ قال » أن تجعل لله نداً وهو خلقك قلت : ثم أي؟ قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك قلت : ثم أي؟ قال : أن تزاني حليلة جارك « » فأنزل الله تصديق ذلك { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون } . (7/372)
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس : أن ناساً من أهل الشرك قد قتلوا فأكثروا ، وزنوا ثم أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن الذي تقول وتدعو إليه لَحَسَنٌ لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة؛ فنزل { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر . . . } ونزلت { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم . . . } [ الزمر : 53 ] .
وأخرج البخاري وابن المنذر من طريق القاسم بن أبي بزة أنه سأل سعيد بن جبير هل لمن قتل مؤمناً متعمداً من توبة؟ فقرأت عليه { ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق } فقال سعيد : قرأتها على ابن عباس كما قرأتها عليَّ فقال : هذه مكية نسختها آية مدنية التي في سورة النساء .
وأخرج ابن المبارك عن شفي الأصبحي قال : إن في جهنم جبلاً يدعى : صعوداً . يطلع فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يرقاه ، وإن في جهنم قصراً يقال له : هوى . يرمى الكافر من أعلاه فيهوي أربعين خريفاً قبل أن يبلغ أصله . قال تعالى { ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى } [ طه : 81 ] وأن في جهنم وادياً يدعى : أثاماً . فيه حيات وعقارب في فقار احداهن مقدار سبعين قلة من السم ، والعقرب منهن مثل البغلة الموكفة ، وإن في جهنم وادياً يدعى : غياً . يسيل قيحاً ودماً .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال « سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ قال : الصلوات لمواقيتهن . قلت : ثم أي؟ قال : بر الوالدين قلت : ثم أي؟ قال : ثم الجهاد في سبيل الله ، ولو استزدته لزادني . وسألته أي الذنب أعظم عند الله؟ قال : الشرك بالله قلت : ثم أي؟ قال : أن تقتل ولدك أن يطعم معك » فما لبثنا إلا يسيراً حتى أنزل الله { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون } .
وأخرج ابن مردويه عن عون بن عبد الله قال : سألت الأسود بن يزيد هل كان ابن مسعود يفضل عملاً على عمل؟ قال : نعم .
سألت ابن مسعود قال : سألتني عما سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت « يا رسول الله أي الأعمال أحبها إلى الله وأقربها من الله؟ قال : الصلاة لوقتها قلت : ثم ماذا على اثر ذلك؟ قال : ثم بر الوالدين قلت : ثم ماذا على أثر ذلك؟ قال : الجهاد في سبيل الله ، ولو استزدته لزادني قلت : فأي الأعمال أبغضها إلى الله وأبعدها من الله؟ قال : أن تجعل لله نداً وهو خلقك ، وأن تقتل ولدك أن يأكل معك ، وإن تزاني حليلة جارك ، ثم قرأ { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر . . } » . (7/373)
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي قتادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل « إن الله ينهاك أن تعبد المخلوق وتذر الخالق ، وينهاك أن تقتل ولدك وتغدو كلبك ، وينهاك أن تزني بحليلة جارك » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمر في قوله { يلق أثاماً } قال : واد في جهنم .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { يلق أثاماً } قال : واد في جهنم من قيح ودم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : { أثام } أودية في جهنم فيها الزناة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة { يلق أثاماً } قال : نكالاً . وكنا نحدث أنه واد في جهنم ، وذكر لنا أن لقمان كان يقول : يا بني إياك والزنا فإن أوّله مخافة ، وآخره ندامة .
وأخرج ابن المبارك في الزهد عن شفي الأصبحي قال : إن في جهنم وادياً يدعى : أثاماً . فيه حيات وعقارب في فقار إحداهن مقدار سبعين قلة من السم ، والعقرب منهن مثل البغلة الموكفة .
وأخرج ابن الأنباري عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله { يلق أثاماً } ما الأثام؟ قال : الجزاء قال فيه عامر بن الطفيل :
وروّينا الأسنة من صداء ... ولاقت حمير منا أثاما
وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ( ومن يفعل ذلك يلق أثاماً ) .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ « يضاعف » بالرفع « له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه » بنصب الياء ورفع اللام .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { ويخلد فيه } يعني في العذاب { مهاناً } يعني يهان فيه .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : لما نزلت { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر } اشتد ذلك على المسلمين فقالوا : ما منا أحد إلا أشرك ، وقتل ، وزنى ، فأنزل الله { يا عبادي الذين أسرفوا . . . } [ الزمر : 53 ] . يقول لهؤلاء الذين أصابوا هذا في الشرك ، ثم نزلت بعده { إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } فأبدلهم الله بالكفر الإِسلام ، وبالمعصية الطاعة ، وبالانكار المعرفة ، وبالجهالة العلم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال : نزلت آية من تبارك بالمدينة في شأن قاتل حمزة وحشي وأصحابه كانوا يقولون : انا لنعرف الإِسلام وفضله فكيف لنا بالتوبة وقد عبدنا الأوثان ، وقتلنا أصحاب محمد ، وشربنا الخمور ، ونكحنا المشركات؟! فأنزل الله فيهم { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر . . } الآية . ثم أنزلت توبتهم { إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } فأبدلهم الله بقتال المسلمين قتال المشركين ، ونكاح المشركات نكاح المؤمنات ، وبعبادة الأوثان عبادة الله . (7/374)
وأخرج عبد بن حميد عن عامر أنه سئل عن هذه الآية { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر } . قال : هؤلاء كانوا في الجاهلية فأشركوا ، وقتلوا وزنوا . فقالوا : لن يغفر الله لنا . فأنزل الله { إلا من تاب } . قال : كانت التوبة والإِيمان والعمل الصالح ، وكان الشرك والقتل والزنا . كانت ثلاث مكان ثلاث .
وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال : قرأنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم سنين { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرّم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً } ثم نزلت { إلا من تاب وآمن } فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فرح بشيء قط فرحه بها ، وفرحه بأنا { فتحنا لك فتحاً مبيناً } [ الفتح : 1 ] .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك قال : لما نزلت { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر } قال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : كنا أشركنا في الجاهلية ، وقتلنا ، فنزلت { إلا من تاب } .
وأخرج أبو داود في تاريخه عن ابن عباس { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً } ثم استثنى { إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة قال : « صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العتمة ثم انصرفت ، فاذا امرأة عند بابي فقالت : جئتك أسألك عن عمل عملته هل ترى لي منه توبة؟ قلت : وما هو؟ قالت : زنيت وولد لي وقتلته قلت : لا . . ولا كرامة . فقامت وهي تقول : واحسرتاه . . ! أيخلق هذا الجسد للنار؟ فلما صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الصبح من تلك الليلة قصصت عليه أمر المرأة قال : ما قلت لها؟ قلت لا . . ولا كرامة قال : بئس ما قلت . أما كنت تقرأ هذه الآية! { والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر } إلى قوله { إلا من تاب } الآية . قال أبو هريرة : فخرجت فما بقيت دار بالمدينة ولا خطة إلا وقفت عليها فقلت : إن كان فيكم المرأة التي جاءت أبا هريرة فلتأت ولتبشر . فلما انصرفت من العشي إذا هي عند بابي فقلت : ابشري إني ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم ما قلت لي ، وما قلت لك فقال : بئس ما قلت أما كنت تقرأ هذه الآية! وقرأتها عليها فخرجت ساجدة وقالت : أحمد الله الذين جعل لي توبة ومخرجاً ، أشهد أن هذه الجارية لجارية معها وابن لها حران لوجه الله ، وإني قد تبت مما عملت » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } قال : هم المؤمنون؛ كانوا من قبل إيمانهم على السيئات ، فرغب الله بهم عن ذلك ، فحولهم إلى الحسنات ، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات . (7/375)
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { إلا من تاب } قال : من ذنبه { وآمن } قال : بربه . { وعمل صالحاً } قال : فيما بينه وبين ربه { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } قال : إنما التبديل طاعة الله بعد عصيانه ، وذكر الله بعد نسيانه ، والخير تعمله بعد الشر .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } قال : التبديل في الدنيا يبدل الله بالعمل السيء العمل الصالح ، وبالشرك اخلاصاً ، وبالفجور عفافاً ، ونحو ذلك .
وأخرج الفريابي و عبد بن حميد عن مجاهد { يبدل الله سيئاتهم حسنات } قال : الإِيمان بعد الشرك .
وأخرج عبد بن حميد عن مكحول { يبدل الله سيئاتهم حسنات } قال : إذا تابوا جعل الله ما عملوا من سيئاتهم حسنات .
وأخرج عبد بن حميد عن علي بن الحسين { يبدل الله سيئاتهم حسنات } قال : في الآخرة وقال الحسن : في الدنيا .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي عثمان النهدي قال : إن المؤمن يعطى كتابه في ستر من الله فيقرأ سيئاته ، فإذا قرأ تغير لها لونه حتى يمر بحسناته فيقرأها فيرجع إليه لونه ، ثم ينظر فإذا سيئاته قد بُدِّلَتْ حسنات فعند ذلك يقول { هاؤم اقرأوا كتابيه } [ الحاقة : 19 ] .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سلمان قال : يعطى رجل يوم القيامة صحيفة فيقرأ أعلاها فإذا سيئاته ، فإذا كاد يسوء ظنه نظر في أسفلها فإذا حسناته ، ثم ينظر في أعلاها فإذا هي قد بدلت حسنات .
وأخرج أحمد وهناد ومسلم والترمذي وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه ، فيعرض عليه صغارها وينحى عنه كبارها فيقال : عملت يوم كذا وكذا؛ كذا وكذا وهو مقر ليس ينكر ، وهو مُشْفِقٌ من الكبار أن تجيء فيقال : اعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة » .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ليأتين ناس يوم القيامة ودوا أنهم استكثروا من السيئات قيل : ومن هم يا رسول الله؟ قال : الذين بدل الله سيئاتهم حسنات » . (7/376)
وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن ميمون { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } قال : حتى يتمنى العبد أن سيئاته كانت أكثر مما هي .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية أنه قيل له : إن أناساً يزعمون أنهم يتمنون أن يستكثروا من الذنوب قال : ولم ذاك؟ قال : يتأوّلون هذه الآية { يبدل الله سيئاتهم حسنات } فقال أبو العالية : وكان إذا أخبر بما لا يعلم قال : آمنت بما أنزل الله من كتاب . ثم تلا هذه الآية { يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول قال : « جاء شيخ كبير فقال : يا رسول الله رجل غدر وفجر فلم يدع حاجة ولا داجة إلا اقتطعها بيمينه ، ولو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم . فهل له من توبة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أسلمت . . ؟ قال : نعم . قال : فإن الله غافر لك ، ومبدل سيئاتك حسنات قال : يا رسول الله وغدارتي . . . وفجراتي . . قال : وغدراتك وفجراتك » .
وأخرج الطبراني عن سلمة بن كهيل قال : « جاء شاب فقال : يا رسول الله أرأيت من لم يدع سيئة إلا عملها ، ولا خطيئة إلا ركبها ، ولا أشرف له سهم فما فوقه إلا اقتطعه بيمينه ، ومن لو قسمت خطاياه على أهل المدينة لغمرتهم؟ فقال النبي : صلى الله عليه وسلم أأسلمت . . . ؟ قال : أما أنا فاشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قال : اذهب فقد بدل الله سيئاتك حسنات قال : يا رسول الله وغدارتي . . وفجراتي . . قال : وغدراتك وفجراتك ثلاثاً » فولى الشاب وهو يقول : الله أكبر .
وأخرج البغوي وابن قانع والطبراني عن أبي طويل شطب الممدود أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها؟ فذكر نحوه .
وأخرج ابن مردويه عن أبي موسى قال : التبديل يوم القيامة إذا وقف العبد بين يدي الله والكتاب بين يديه ينظر في السيئات والحسنات فيقول : قد غفرت لك ويسجد بين يديه فيقول : قد بدلت فيسجد فيقول : قد بدلت فيسجد فيقول الخلائق : طوبى لهذا العبد الذي لم يعمل سيئة قط .
وأخرج الطبراني عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان : اعطني صحيفتك فيعطيه إياها ، فما وجد في صحيفته من حسنة محا بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان وكتبهن حسنات ، فإذا أراد أحدكم أن ينام فليكبر ثلاثاً وثلاثين تكبيرة ، ويحمد أربعاً وثلاثين تحميدة ، ويسبح ثلاثاً وثلاثين تسبيحة ، فتلك مائة » .
وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول في قوله { يبدل الله سيئاتهم حسنات } قال : يجعل مكان السيئات الحسنات قال : فرأيت مكحولاً غضب حتى جعل يرتعد .
وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله { والذين لا يشهدون الزور } قال : إن الزور كان صنماً بالمدينة يلعبون حوله كل سبعة أيام ، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مروا به مروا كراماً لا ينظرون إليه . (7/377)
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك { والذين لا يشهدون الزور } قال : الشرك .
وأخرج الخطيب عن ابن عباس في قوله { والذين لا يشهدون الزور } قال : أعياد المشركين .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { والذين لا يشهدون الزور } قال : الكذب .
وأخرج عبد بن حميد وابن حاتم عن قتادة رضي الله عنه { والذين لا يشهدون الزور . . . } قال : لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم ، ولا يمالؤونهم فيه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن قيس الملائي { والذين لا يشهدون الزور } قال : مجالس السوء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة { والذين لا يشهدون الزور } قال : لعب كان في الجاهلية .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن محمد بن الحنفية { والذين لا يشهدون الزور } قال : الغناء واللهو .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الجحاف { والذين لا يشهدون الزور } قال : الغناء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن { والذين لا يشهدون الزور } قال : الغناء النياحة .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الغضب وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد { والذين لا يشهدون الزور } قال : مجالس الغناء { وإذا مروا باللغو مروا كراماً } قال : إذا أوذوا صفحوا .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { وإذا مروا باللغو مروا كراماً } قال : يعرضون عنهم لا يكلمونهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي { وإذا مروا باللغو مروا كراماً } قال : هي مكية .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن إبراهيم بن ميسرة رضي الله عنه قال : بلغني ان ابن مسعود مر معرضاً ولم يقف فقال النبي صلى الله عليه وسلم « لقد أصبح ابن مسعود أو أمسى كريماً ، ثم تلا إبراهيم { وإذا مروا باللغو مروا كراماً } » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك { وإذا مروا باللغو مروا كراماً } قال : لم يكن اللغو من حالهم ولا بالهم .
وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله { وإذا مروا باللغو } قال : اللغو كله المعاصي .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وإذا مروا باللغو مروا كراماً } قال : كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح كفوا عنه .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً } قال : لم يصموا عن الحق ، ولم يعموا عنه ، هم قوم عقلوا عن الله فانتفعوا بما سمعوا من كتاب الله .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه { لم يخروا عليها صماً وعمياناً } قال : كم من قارئ يقرأها بلسانه يخر عليها أصم أعمى . (7/378)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } قال : يعنون من يعمل بالطاعة فتقر به أعيننا في الدنيا والآخرة . { واجعلنا للمتقين إماماً } قال : أئمة هدى يهتدى بنا ، ولا تجعلنا أئمة ضلالة لأنه قال لأهل السعادة { وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا } [ الأنبياء : 73 ] ولأهل الشقاوة { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار } [ القصص : 41 ] .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } قال : لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالاً ، ولكن أرادوا أن يكونوا مطيعين .
وأخرج ابن المبارك في البر والصلة وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن أنه سئل عن هذه الآية { هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } أهذه القرة أعين في الدنيا أم في الآخرة؟ قال : لا والله بل في الدنيا . قيل : وما هي؟ قال : هي أن يرى الرجل المسلم من زوجته ، من ذريته ، من أخيه ، من حميمه ، طاعة الله ولا والله ما شيء أحب إلى المرء المسلم من أن يرى ولداً ، أو والداً ، أو حميماً ، أو أخاً مطيعاً لله .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } قال : يحسنون عبادتك ولا يجرون عليها الجرائر { واجعلنا للمتقين إماماً } قال : اجعلنا مؤتمين بهم مقتدين بهم .
وأخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن المقداد بن الأسود قال : لقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم على أشد حال بعث عليها نبياً من الأنبياء في قومه من جاهلية ، ما يرون أن ديناً أفضل من عبادة الأوثان ، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل ، وفرق به بين الوالد وولده ، حتى إن كان الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه كافراً وقد فتح الله قفل قلبه بالإِيمان ويعلم أنه إن هلك دخل النار ، فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار . إنها للتي قال الله { والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين } .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ « هب لنا من أزواجنا وذريتنا واحدة » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { واجعلنا للمتقين إماماً } يقول : قادة في الخير ودعاة وهداة يؤتم بهم في الخير .
وأخرج الفريابي عن أبي صالح في قوله { واجعلنا للمتقين إماماً } قال : أئمة يقتدى بهدانا والله تعالى أعلم .
أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76)
أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { أولئك يجزون الغرفة } قال : هي من ياقوته حمراء ، أو زبرجدة خضراء ، أو درة بيضاء ، ليس فيها قصم ولا وهم . (7/379)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { أولئك يجزون الغرفة } قال : الجنة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن أبي جعفر في قوله { أولئك يجزون الغرفة بما صبروا } قال : على الفقر في دار الدنيا .
وأخرج زاهر بن طاهر الشحامي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن في الجنة لغرفاً ليس فيها مغاليق من فوقها ولا عماد من تحتها قيل : يا رسول الله وكيف يدخلها أهلها؟ قال : يدخلونها أشباه الطير قيل يا رسول الله : لمن هي؟ قال : لأهل الاسقام والأوجاع والبلوى » .
وأخرج أحمد عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن أطعم الطعام ، وألان الكلام ، وتابع الصيام ، وصلى والناس نيام » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { أولئك } يعني الذين في هؤلاء الآيات { يجزون الغرفة } يعني في الآخرة { الغرفة } الجنة { بما صبروا } على أمر ربهم { ويلقون فيها } يعني تتلقاهم الملائكة بالتحية والسلام { خالدين فيها } لا يموتون { حسنت مستقراً } يعني مستقرهم في الجنة { ومقاماً } يعني مقام أهل الجنة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عاصم قال : لقي ابن سيرين رجل فقال : حياك الله فقال : إن أفضل التحية تحية أهل الجنة السلام .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ « أولئك يجزون الغرفة ( واحدة ) بما صبروا ويلقون » خفيفة منصوبة الياء والله تعالى أعلم .
قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما { قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم } يقول : لولا إيمانكم . فاخبر الله أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين ، ولو كانت له بهم حاجة لحبب إليهم الإِيمان كما حببه إلى المؤمنين { فسوف يكون لزاماً } قال : موتاً . (7/380)
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه { قل ما يعبأ بكم ربي } قال : ما يفعل { لولا دعاؤكم } قال : لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه وتطيعوه .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن الوليد بن أبي الوليد قال : بلغني أن تفسير هذه الآية { قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم } أي ما خلقتكم لي بكم حاجة إلا أن تسألوني فأغفر لكم ، وتسألوني فأعطيكم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الزبير ، انه قرأ في صلاة الصبح الفرقان ، فلما أتى على هذه الآية قرأ { فقد كذب الكافرون فسوف يكون لزاماً } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس أنه قرأ { فقد كذب الكافرون فسوف يكون لزاماً } .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله { فسوف يكون لزاماً } قال : موتاً .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتاده { فسوف يكون لزاماً } قال أبي بن كعب : هو القتل يوم بدر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال ( اللزام ) هو القتل الذي أصابهم يوم بدر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن ابن مسعود قال : قد مضى اللزام كان يوم بدر؛ قتلوا سبعين ، وأسروا سبعين .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال : خمس قد مضين : الدخان ، والقمر ، والروم ، والبطشة ، واللزام .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال : كنا نحدث أن ( اللزام ) يوم بدر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد { فسوف يكون لزاماً } قال : يوم بدر .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك . مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن { فسوف يكون لزاماً } قال : ذاك يوم القيامة .
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال : مضى خمس آيات وبقي خمس منها . انشقاق القمر وقد رأيناه ، ومضى الدخان ، ومضت البطشة الكبرى ، ومضى اليوم العقيم ، ومضى اللزام ، والله أعلم .
طسم (1)
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : اسم من أسماء القرآن . (7/381)
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله { طسم } قال : الطاء من ذي الطول ، والسين من القدوس ، والميم من الرحمن .
تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { لعلك باخع نفسك } قال : لعلك قاتل نفسك { ألا يكونوا مؤمنين } ، { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين } قال : لو شاء الله أنزل عليهم آية يذلون بها فلا يلوي أحدهم عنقه إلى معصية الله { وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث . . . } يقول : ما يأتيهم من شيء من كتاب الله إلا أعرضوا عنه ، { فسيأتيهم } يعني يوم القيامة { أنباء } ما استهزأوا به من كتاب الله وفي قوله { كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم } قال : حسن . (7/382)
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { فظلت أعناقهم لها خاضعين } قال : العنق الجماعة من الناس قال : وهل تعرف العربُ ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت الحرث بن هشام وهو يقول ويذكر أبا جهل :
يخبرنا المخبر أن عمراً ... أمام القوم من عنق مخيل
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { فظلت أعناقهم لها خاضعين } قال : ذليلين .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : الخاضع : الذليل .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم } قال : من نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي { كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم } قال : الناس من نبات الأرض . فمن دخل الجنة فهو كريم ، ومن دخل النار فهو لئيم .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال : كل شيء في الشعراء من قوله { عزيز رحيم } فهو ما هلك ممن مضى من الأمم يقول { عزيز } حين انتقم من أعدائه { رحيم } بالمؤمنين حين أنجاهم مما أهلك به أعداءه .
وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48) قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51)
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه { وإذ نادى ربك موسى } قال : حين نودي من جانب الطور الأيمن . (7/383)
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ولهم عليّ ذنب } قال : قتل النفس التي قتل فيهم وفي قوله { وفعلت فعلتك التي فعلت } قال : قتل النفس أيضاً . وفي قوله { فعلتها إذاً وأنا من الضالين } قال : من الجاهلين .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ولهم عليّ ذنب } قال : قتل النفس . وفي قوله { ألم نربّك فينا وليداً } قال : التقطه آل فرعون فربوه وليداً حتى كان رجلاً { وفعلت فعلتك التي فعلت } قال : قتلت النفس التي قتلت { وأنت من الكافرين } قال : فتبرأ من ذلك نبي الله قال : { فعلتها إذاً وأنا من الضالين } قال : من الجاهلين . قال : وهي في بعض القراءة { إذن وأنا من الجاهلين } فإنما هو شيء جهله ولم يتعمده .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين } قال : من فرعون على موسى حين رباه . يقول : كفرت نعمتي .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه { وتلك نعمة تمنها عليَّ أن عبدت بني إسرائيل } قال : قهرتهم واستعملتهم .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين } قال : للنعمة . إن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر؟ وفي قوله { قال فعلتها إذاً وأنا من الضالين } قال : من الجاهلين .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن جريج قال في قراءة ابن مسعود « فعلتها إذن وأنا من الجاهلين » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { فوهب لي حكماً } قال : النبوة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { وتلك نعمة تمنها عليَّ } قال : يقول موسى لفرعون : أتمن عليَّ يا فرعون بأن اتخذت بني إسرائيل عبيداً وكانوا أحراراً فقهرتهم واتخذتهم عبيداً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { قال فرعون وما رب العالمين } إلى قوله { إن كنتم تعقلون } قال : فلم يزده إلا رغماً .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } يقول : مبين له خلق حية { ونزع يده } يقول : وأخرج موسى يده من جيبه { فإذا هي بيضاء } تلمع { للناظرين } ينظر إليها ويراها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال : أقبل موسى بأهله فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلاً ، فتضيف على أمه وهو لا يعرفهم في ليلة كانوا يأكلون منها الطقشيل ، فنزل في جانب الدار ، فجاء هارون ، فلما أبصر ضيفه سأل عنه أمه ، فأخبرته أنه ضيف فدعاه فأكل معه ، فلما قعدا فتحدثا فسأله هارون من أنت؟ قال : أنا موسى . فقام كل واحد منهما إلى صاحبه فاعتنقه ، فلما أن تعارفا قال له موسى : يا هارون انطلق بي إلى فرعون فإن الله قد أرسلنا إليه . (7/384)
قال هارون : سمعاً وطاعة فقامت أمهما فصاحت وقالت : أنشدكما بالله أن لا تذهبا الى فرعون فيقتلكما ، فأبيا فانطلقا إليه ليلاً ، فأتيا الباب ، فضرباه ، ففزع فرعون وفزع البواب فقال فرعون : من هذا الذي يضرب ببابي هذه الساعة؟ فأشرف عليهما البواب فكلمهما فقال له موسى : { إنا رسول رب العالمين } ففزع البواب ، فأتى فرعون فأخبره فقال : إن ههنا إنساناً مجنوناً يزعم أنه رسول رب العالمين فقال : أدخله ، فدخل فقال : إنه رسول رب العالمين .
{ قال فرعون : وما رب العالمين } قال : { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } [ طه : 50 ] قال : { إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين . فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } [ الأعراف : 106 ] والثعبان الذكر من الحيات فاتحة فمها لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سورة القصر ، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه ، فلما رآها ذعر منها ووثب فأحدث ولم يكن يحدث قبل ذلك وصاح : يا موسى خذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل . فأخذها موسى فصارت عصا فقالت السحرة في نجواهم { إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهم } [ طه : 63 ] فالتقى موسى وأمير السحرة فقال له موسى : أرأيت أن غلبتك غداً أتؤمن بي ، وتشهد أن ما جئت به حق؟ قال الساحر : لآتين غداً بسحر لا يغلبه شيء ، فوالله لئن غلبتني لأؤمنن بك ، ولأشهدن أنك حق؛ وفرعون ينظر إليهما .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { وقيل للناس هل أنتم مجتمعون } قال : كانوا بالاسكندرية قال : ويقال بلغ ذنب الحية من وراء البحيرة يومئذ قال : وهزموا وسلم فرعون وهمت به فقال : خذها يا موسى . وكان مما بلي الناس به منه أنه كان لا يضع على الأرض شيئاً ، فاحدث يومئذ تحته ، وكان ارساله الحية في القبة الخضراء .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون } قال : فوجدوا الله أعز منه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن بشر بن منصور قال : بلغني أنه لما تكلم ببعض هذا { وقالوا بعزة فرعون } قالت الملائكة : قصمه ورب الكعبة فقال الله « تالون عليَّ قد أمهلته أربعين عاماً » .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { لا ضير } قال : يقولون لا يضرنا الذي تقول ، وإن صنعت بنا وصلبتنا { إنا إلى ربنا منقلبون } يقول : انا إلى ربنا راجعون . وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتك ايانا ، وثباتنا على توحيده ، والبراءة من الكفر به ، وفي قوله { أن كنا أول المؤمنين } قال : كانوا كذلك يومئذ أول من آمن بآياته حين رآها .
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال : ثم إن الله أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل فقال { أسر بعبادي ليلاً } فأمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا ، وأمرهم أن يستعيروا الحلي من القبط ، وأمر أن لا ينادي أحد منهم صاحبه ، وأن يسرجوا في بيوتهم حتى الصبح ، وأن من خرج منهم أمام بابه يكب من دم حتى يعلم أنه قد خرج ، وأن الله قد أخرج كل ولد زنا في القبط من بني إسرائيل إلى بني إسرائيل ، وأخرج كل ولد زنا في بني إسرائيل من القبط حتى أتوا آباءهم . ثم خرج موسى ببني إسرائيل ليلاً والقبط لا يعلمون ، وألقى على القبط الموت فمات كل بكر رجل منهم ، فأصبحوا يدفنونهم فشغلوا عن طلبهم حتى طلعت الشمس ، وخرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألفاً . لا يعدون ابن عشرين لصغره ، ولا ابن ستين لكبره ، وإنما عدوا ما بين ذلك سوى الذرية . (7/385)
وتبعهم فرعون على مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف حصان ليس فيها ماذيانة وذلك حين يقول الله { فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ، إن هؤلاء لشرذمة قليلون } فكان موسى على ساقة بني إسرائيل ، وكان هارون أمامهم يقدمهم فقال المؤمن لموسى : أين أمرت؟ قال : البحر . فأراد أن يقتحم فمنعه موسى .
فنظرت بنو إسرائيل إلى فرعون قد ردفهم قالوا : يا موسى { إنا لمدركون } قال موسى { كلا إن معي ربي سيهدين } يقول : سيكفين . فتقدم هارون فضرب البحر فأبى البحر أن ينفتح وقال : من هذا الجبار الذي يضربني؟ حتى أتاه موسى ، فكناه أبا خالد وضربه { فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم } يقول : كالجبل العظيم ، فدخلت بنو إسرائيل وكان في البحر اثنا عشر طريقاً في كل طريق سبط ، وكانت الطرق إذا انفلقت بجدران فقال كل سبط : قد قتل أصحابنا . فلما رأى ذلك موسى صلى الله عليه وسلم دعا الله ، فجعلها لهم قناطر كهيئة الطبقات ينظر آخرهم إلى أولها حتى خرجوا جميعاً ، ثم دنا فرعون وأصحابه فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقاً قال : ألا ترون إلى البحر منفلقاً قد فرق مني ، فانفتح لي حتى أدرك أعدائي فاقتلهم ، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أبت خيله أن تقتحم ، فنزل على ماذيانة ، فشامت الحصن ريح الماذيانة فاقتحمت في أثرها حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم . أمر الله البحر أن يأخذهم ، فالتطم عليهم وتفرد جبريل بفرعون يمقله من مقل البحر ، فجعل يدسها في فيه .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { إن هؤلاء لشرذمة قليلون } قال : ذكر لنا أن بني إسرائيل الذين قطع بهم موسى البحر كانوا ستمائة ألف مقاتل وعشرين ألفاً فصاعداً .
واتبعهم فرعون على ألف ألف حصان ومائتي ألف حصان . (7/386)
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله { إن هؤلاء لشرذمة قليلون } قال ستمائة ألف وسبعون ألفاً .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي عبيدة . مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إن هؤلاء لشرذمة قليلون } قال : كانوا ستمائة ألف .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { لشرذمة } قال : قطعة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { لشرذمة } قال : الفريد من الناس .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كان أصحاب موسى الذين جاوزوا البحر اثني عشر سبط ، فكان في كل طريق اثنا عشر ألفاً كلهم ولد يعقوب عليه السلام » .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد { إن هؤلاء لشرذمة قليلون } قال : هم يومئذ ستمائة ألف . ولا يحصى عدد أصحاب فرعون .
وأخرج ابن مردويه بسندٍ واهٍ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كان فرعون عدو الله حيث غرقه الله هو وأصحابه في سبعين قائد ، مع كل قائد سبعون ألفاً . وكان موسى مع سبعين ألفاً حين عبروا البحر » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال : أوحى الله إلى موسى : أن أجمع بني إسرائيل كل أربعة أبيات من بني إسرائيل في بيت ، ثم اذبح أولاد الضان فاضرب بدمائها على كل باب ، فإني سآمر الملائكة أن لا تدخل بيتاً على بابه دم ، وسآمر الملائكة فتقتل أبكار آل فرعون من أنفسهم وأهليهم ، ثم اخبزوا خبز فطيرا فإنه أسرع لكم ، ثم سر حتى تأتي البحر ، ثم قف حتى يأتيك أمري . فلما أن أصبح فرعون قال : هذا عمل موسى وقومه ، قتلوا أبكارنا من أنفسنا وأهلينا .
وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر عن يحيى بن عروة بن الزبير قال : إن الله أمر موسى أن يسير ببني إسرائيل ، وقد كان موسى وعد بني إسرائيل أن يسير بهم إذا طلع القمر ، فدعا الله أن يؤخر طلوعه حتى يفرغ ، فلما سار موسى ببني إسرائيل ، أذن فرعون في الناس { إن هؤلاء لشرذمة قليلون } .
وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب قال : خرج موسى من مصر ومعه ستمائة ألف من بني إسرائيل لا يعدون فيهم أقل من ابن عشرين ولا ابن أكثر من أربعين سنة فقال فرعون : { إن هؤلاء لشرذمة قليلون } وخرج فرعون على فرس حصان أدهم ومعه ثمانمائة ألف على خيل أدهم سوى ألوان الخيل ، وكان جبريل عليه السلام على فرس شائع يسير بين يدي القوم ويقول : ليس القوم بأحق بالطريق منكم .
وفرعون على فرس أدهم حصان . وجبريل على فرس أنثى . فاتبعها فرس فرعون ، وكان ميكائيل في أخرى القوم يقول : الحقوا أصحابكم حتى دخل آخرهم ، وأراد أولهم أن يخرجوا فأطبق عليهم البحر . (7/387)
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن ميمون قال : لما أراد موسى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر بلغ ذلك فرعون فقال : أمهلوهم حتى إذا صاح الديك فأتوهم . فلم يُصِحْ في تلك الليلة الديك ، فخرج موسى ببني إسرائيل وغدا فرعون ، فلما أصبح فرعون أمر بشاة فأتي بها فأمر بها أن تذبح ثم قال : لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع عندي خمسمائة ألف فارس . فاجتمعوا إليه فاتبعهم ، فلما انتهى موسى إلى البحر قال له : وصيه يا نبي الله أين أمرت؟ قال : ههنا في البحر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كان طلائع فرعون الذين بعثهم في أثرهم ستمائة ألف ليس فيهم أحد إلا على بهيم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كانت سيما خيل فرعون الخرق البيض في أصداغها ، وكانت جريدته مائة ألف حصان .
وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار قال : اجتمع آل يعقوب إلى يوسف وهم ستة وثمانون انساناً ذكرهم وأنثاهم . فخرج بهم موسى يوم خرج وهم ستمائة ألف ونيف . وخرج فرعون على أثرهم يطلبهم على فرس أدهم على لونه من الدهم ثمانمائة ألف أدهم سوى ألوان الخيل ، وحالت الريح الشمال . وتحت جبريل فرس وريق وميكائيل يسوقهم لا يشذ منهم شاذة إلا ضمه فقال القوم : يا رسول الله قد كنا نلقى من فرعون من التعس والعذاب ما نلقى فكيف إن صنعا ما صنعنا فأين الملجأ؟ قال : البحر .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس . أنه قرأ { وإنا لجميع حاذرون } قال : مؤدون مُقِرّون .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الأسود بن يزيد انه كان يقرأها { وإنا لجميع حاذرون } يقول : مؤدون مقرون .
وأخرج عبد بن حميد عن الأسود . أنه كان يقرأها { وإنا لجميع حاذرون } يقول : رادون مستعدون .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير . أنه كان يقرأ { وإنا لجميع حاذرون } يقول : مادّون في السلاح .
وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن دينار قال : قرأ عبيد { وإنا لجميع حاذرون } .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك { وإنا لجميع حاذرون } قال : مؤدون مقوّون في السلاح والكراع .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود { وإنا لجميع حاذرون } قال : مؤدون مقوّون في السلاح والكرام .
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم . إنه كان يقرأها { وإنا لجميع حاذرون } .
وأخرج ابن الأنباري في الوقف عن ابن عباس .
أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله { وإنا لجميع حاذرون } ما الحاذرون؟ قال : التامون السلاح قال فيه النجاشي : (7/388)
لعمر أبي أتاني حيث أمسى ... لقد تأذت به أبناء بكر
خفيفة في كتاب حاذرات ... يقودهم أبو شبل هزبر
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة { فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم } قال : كانوا في ذلك في الدنيا ، فأخرجهم الله من ذلك ، وأورثها بني إسرائيل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ومقام كريم } قال : المنابر .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { فأتبعوهم مشرقين } قال : اتبعهم فرعون وجنوده حين أشرقت الشمس { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } قال موسى وكان أعلمهم بالله { كلا إن معي ربي سيهدين } .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { فأتبعوهم مشرقين } مهموزة مقطوعة الألف .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { فأتبعوهم مشرقين } قال : خرج أصحاب موسى ليلاً ، فكسف القمر ليلاً وأظلمت الأرض فقال أصحابه : أن يوسف كان أخبرنا : أنا سننجى من فرعون ، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا ، فخرج موسى من ليلته يسأل عن قبره ، فوجد عجوزاً سألها على قبره ، فأخرجته له بحكمها فكان حكمها أن قالت له : احملني فاخرجني معك ، فجعل عظام يوسف في كساء . ثم حمل العجوز على كساء فجعله على رقبته وخيل فرعون في ملء أعنتها خضراء في أعينهم ولا يبرح حسه عن موسى وأصحابه حتى برزوا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن خالد بن عبد الله القسري : إن مؤمن آل فرعون كان امام القوم قال : يا نبي الله أين أمرت؟ قال : أمامك . . . قال : وهل أمامي إلا البحر؟ قال : والله ما كذبت ولا كذبت . ثم سار ساعة فقال مثل ذلك ، فرد عليه موسى مثل ذلك قال موسى وكان أعلم القوم بالله { كلا إن معي ربي سيهدين } .
فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { كالطود } قال : كالجبل . (7/389)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن مسعود في قوله { كالطود } قال : كالجبل .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال { الطود } الجبل .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { وأزلفنا ثم الآخرين } قال : هم قوم فرعون قربهم الله حتى أغرقهم في البحر .
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ألا أعلمك الكلمات التي قالهن موسى حين انفلق البحر؟ قلت : بلى . قال : اللهم لك الحمد وإليك المتكل وبك المستغاث وأنت المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله » قال ابن مسعود : فما تركتهن منذ سمعتهن من النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام : أن موسى لما انتهى إلى البحر قال : يا من كان قبل كل شيء ، والمكوّن لكل شيء ، والكائن بعد كل شيء ، اجعل لنا مخرجاً . فأوحى الله إليه { أن اضرب بعصاك البحر } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : كان البحر ساكناً لا يتحرك فلما كان ليلة ضربه موسى بالعصا صار يمد ويجزر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قيس بن عباد قال : لما انتهى موسى ببني إسرائيل إلى البحر قالت بنو إسرائيل لموسى : أين ما وعدتنا؟ هذا البحر بين أيدينا ، وهذا فرعون وجنوده قد دهمنا من خلفنا . فقال موسى للبحر : انفرق أبا خالد فقال : لن أفرق لك يا موسى انا أقدم منك وأشد خلقاً فنودي { أن اضرب بعصاك البحر } .
وأخرج أبو العباس محمد بن إسحاق السراج في تاريخه وابن عبد البر في التمهيد من طريق يوسف بن مهران عن ابن عباس قال : كتب صاحب الروم إلى معاوية يسأله عن أفضل الكلام ما هو؟ والثاني . والثالث . والرابع . وعن أكرم الخلق على الله ، وأكرم الأنبياء على الله ، وعن أربعة من الخلق لم يركضوا في رحم ، وعن قبر سار بصاحبه ، وعن المجرة ، وعن القوس ، وعن مكان طلعت فيه الشمس لم تطلع قبله ولا بعده ، فلما قرأ معاوية الكتاب قال : أخزاه الله وما علمي ما ههنا! فقيل له : اكتب إلى ابن عباس فسله .
فكتب إليه يسأله . فكتب إليه ابن عباس : إن أفضل الكلام لا إله إلا الله كلمة الاخلاص لا يقبل عمل إلا بها ، والتي تليها سبحان الله وبحمده أحب الكلام إلى الله ، والتي تليها الحمد لله كلمة الشكر ، والتي تليها الله أكبر فاتحة الصلوات والركوع والسجود ، وأكرم الخلق على الله آدم عليه السلام ، وأكرم اماء الله مريم .
وأما الأربعة التي لم يركضوا في رحم فآدم ، وحوّاء ، والكبش الذي فدى به إسماعيل ، وعصا موسى حيث ألقاها فصار ثعباناً مبيناً . وأما القبر الذي سار بصاحبه فالحوت حين التقم يونس ، وأما المجرة فباب السماء ، وأما القوس فإنها أمان لأهل الأرض من الغرق بعد قوم نوح ، وأما المكان الذي طلعت فيه الشمس لم تطلع قبله ولا بعده ، فالمكان الذي انفرج من البحر لبني إسرائيل . (7/390)
فلما قرأ عليه الكتاب أرسل به إلى صاحب الروم فقال : لقد علمت أن معاوية لم يكن له بهذا علم ، وما أصاب هذا إلا رجل من أهل بيت النبوة .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال : جاء موسى إلى فرعون وعليه جبة من صوف ، ومعه عصا فضحك فرعون . فألقى عصاه ، فانطلقت نحوه كأنها عنق بختي فيها أمثال الرماح تهتز . فجعل فرعون يتأخر وهو على سريره فقال فرعون : خذها واسلم . فعادت كما كانت وعاد فرعون كافراً . فأمر موسى أن يسير إلى البحر ، فسار بهم في ستمائة ألف ، فلما أتى البحر أمر البحر إذا ضربه موسى بعصاه أن ينفرج له ، فضرب موسى بعصاه البحر فانفلق منه اثنا عشر طريقاً ، لكل سبط منهم طريق ، وجعل لهم فيها أمثال الكوى ينظر بعضهم إلى بعض .
واقبل فرعون في ثمانمائة ألف حتى أشرف على البحر . فلما رآه هابه وهو على حصان له ، وعرض له ملك وهو على فرس له أنثى ، فلم يملك فرعون فرسه حتى أقحمه وخرج آخر بني إسرائيل ، وولج أصحاب فرعون حتى إذا صاروا في البحر فاطبق عليهم ، فغرق فرعون بأصحابه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أوحى الله إلى موسى : أن اسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون . فأسرى موسى ببني إسرائيل ليلاً ، فاتبعهم فرعون في ألف ألف حصان سوى الاناث ، وكان موسى في ستمائة ألف ، فلما عاينهم فرعون قال { إن هؤلاء لشرذمة قليلون ، وإنهم لنا لغائظون ، وإنا لجميع حاذرون } [ الشعراء : 54-56 ] فاسرى موسى ببني إسرائيل حتى هجموا على البحر فالتفتوا فإذا هم برهج دواب فرعون فقالوا : يا موسى { أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا } [ الأعراف : 129 ] هذا البحر أمامنا ، وهذا فرعون قد رهقنا بمن معه قال : { عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون } [ الأعراف : 129 ] فأوحى الله إلى موسى : أن اضرب بعصاك البحر ، وأوحى إلى البحر : أن اسمع لموسى وأطع إذا ضربك . فثاب البحر له أفكل يعني رعدة لا يدري من أي جوانبه يضرب .
فقال يوشع لموسى : بماذا أمرت؟ قال : أمرت أن أضرب البحر . قال : فاضربه : فضرب موسى البحر بعصاه فانفلق فكان فيه اثنا عشر طريق كل طريق كالطود العظيم ، فكان لكل سبط فيهم طريق يأخذون فيه ، فلما أخذوا في الطريق قال بعضهم لبعض : ما لنا لا نرى أصحابنا؟ فقالوا لموسى : إن أصحابنا لا نراهم؟ قال : سيروا فانهم على طريق مثل طريقكم قالوا : لن نؤمن حتى نراهم قال موسى : اللهم أعني على أخلاقكم السيئة .
فأوحى الله إليه : أن قل بعصاك هكذا وأومأ بيده يديرها على البحر . قال موسى بعصاه على الحيطان هكذا فصار فيها كوات ينظر بعضهم إلى بعض ، فساروا حتى خرجوا من البحر . (7/391)
فلما جاز آخر قوم موسى هجم فرعون على البحر هو وأصحابه ، وكان فرعون على فرس أدهم حصان ، فلما هجم على البحر هاب الحصان أن يقتحم في البحر ، فتمثل له جبريل على فرس أنثى ، فلما رآها الحصان اقتحم خلفها ، وقيل لموسى { اترك البحر رهوا } [ الدخان : 24 ] قال : طرقاً على حاله . ودخل فرعون وقومه في البحر ، فلما دخل آخر قوم فرعون وجاز آخر قوم موسى أطبق البحر على فرعون وقومه فأغرقوا .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه أن موسى حين أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون فأمر بشاة فذبحت ، ثم قال : لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط . فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر فقال له : انفرق . فقال له البحر : لقد استكثرت يا موسى وهل انفرقت لأحد من ولد آدم؟ ومع موسى رجل على حصان له فقال أين أمرت يا نبي الله بهؤلاء؟ قال : ما أمرت إلا بهذا الوجه . فاقتحم فرسه فسبح به ثم خرج فقال : أين أمرت يا نبي الله؟ قال : ما أمرت إلا بهذا الوجه . قال : ما كذبت ولا كذبت . فأوحى الله إلى موسى : أن اضرب بعصاك البحر ، فضربه موسى بعصاه فانفلق فكان فيه اثنا عشر طريقاً ، لكل سبط طريق يتراءون ، فلما خرج أصحاب موسى وتتام أصحاب فرعون التقى البحر عليهم فأغرقهم .
وأخرج عبد بن حميد والفريابي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي موسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن موسى لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضل الطريق فقال لبني إسرائيل : ما هذا؟ فقال له علماء بني إسرائيل : أن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقاً أن لا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا فقال لهم موسى : أيكم يدري أين قبره؟ فقالوا : ما يعلم أحد مكان قبره إلا عجوز لبني إسرائيل . فأرسل إليها موسى فقال : دلينا على قبر يوسف ، فقالت : لا والله حتى تعطيني حكمي قال : وما حكمك؟ قالت : أن أكون معك في الجنة . فكأنه ثقل عليه ذلك فقيل له : اعطها حكمها . فانطلقت بهم إلى بحيرة مشقشقة ماء فقالت لهم : انضبوا عنها الماء ففعلوا قالت : احفروا . فحفروا فاستخرجوا قبر يوسف ، فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار » .
وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن سماك بن حرب؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لما أسرى موسى ببني إسرائيل غشيتهم غمامة حالت بينهم وبين الطريق أن يبصروه . وقيل لموسى : لن تعبر إلا ومعك عظام يوسف قال : وأين موضعها؟ قالوا : ابنته عجوز كبيرة ذاهبة البصر تركناها في الديار . (7/392)
فرجع موسى فلما سمعت حسه قالت : موسى؟ قال : موسى . قالت : ما وراءك؟ قال : أمرت أن أحمل عظام يوسف . قالت : ما كنتم لتعبروا إلا وأنا معكم قال : دليني على عظام يوسف قالت : لا أفعل إلا أن تعطيني ما سألتك قال : فلك ما سألت قالت : خذ بيدي . فأخذ بيدها فانتهت به إلى عمود على شاطىء النيل في أصله سكة من حديد موتدة فيها سلسلة فقالت : انا دفناه من ذلك الجانب . فأخصب ذلك الجانب وأجدب ذا الجانب ، فحولناه إلى هذا الجانب فاخصب هذا الجانب وأجدب ذاك ، فلما رأينا ذلك جمعنا عظامه فجعلناها في صندوق من حديد ، وألقيناه في وسط النيل فأخصب الجانبان جميعاً .
فحمل الصندوق على رقبته وأخذ بيدها فألحقها بالعسكر وقال لها : سلي ما شئت قالت : فإني أسألك أن أكون أنا وأنت في درجة واحدة في الجنة ، ويرد علي بصري وشبابي حتى أكون شابة كما كنت . قال : فلك ذلك » .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال : أوصى يوسف عليه السلام إن جاء نبي من بعدي فقولوا له : يخرج عظامي من هذه القرية . فلما كان من أمر موسى ما كان يوم فرعون فمر بالقرية التي فيها قبر يوسف ، فسأل عن قبره فلم يجد أحد يخبره فقيل له : ههنا عجوز بقيت من قوم يوسف . فجاءها موسى عليه السلام فقال لها : تدليني على قبر يوسف؟ فقالت : لا أفعل حتى تعطيني ما اشترط عليك . فأوحى الله إلى موسى : أن أعطها شرطها قال لها : وما تريدين؟ قالت : أكون زوجتك في الجنة . فاعطاها فدلته على قبره .
فحفر موسى القبر ثم بسط رداءه وأخرج عظام يوسف فجعله في وسط ثوبه ، ثم لف الثوب بالعظام فحمله على يمينه فقال له الملك الذي على يمينه : الحمل يحمل على اليمين! قال : صدقت هو على الشمال وإنما فعلت ذلك كرامة ليوسف .
وأخرج ابن عبد الحكم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : كان يوسف عليه السلام قد عهد عند موته أن يخرجوا بعظامه معهم من مصر . قال : فتجهز القوم وخرجوا فتحيروا فقال لهم موسى : إنما تحيركم هذا من أجل عظام يوسف فمن يدلني عليها؟ فقالت عجوز يقال لها شارح ابنة آي بن يعقوب : أنا رأيت عمي يوسف حين دفن فما تجعل لي إن دللتك عليه؟ قال : حكمك .
فدلته عليه فأخذ عظام يوسف ، ثم قال : احتكمي قالت : أكون معك حيث كنت في الجنة . (7/393)
وأخرج ابن عبد الحكم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس . أن الله أوحى إلى موسى : أن أسر بعبادي . وكان بنو إسرائيل استعاروا من قوم فرعون حلياً وثياباً . إن لنا عيداً نخرج إليه فخرج بهم موسى ليلاً وهم ستمائة ألف وثلاثة آلاف ونيف . فذلك قول فرعون { إن هؤلاء لشرذمة قليلون } وخرج فرعون ومقدمته خمسمائة ألف سوى الجنبين والقلب ، فلما انتهى موسى إلى البحر أقبل يوشع بن نون على فرسه ، فمشى على الماء ، واقتحم غيره بخيولهم فوثبوا في الماء ، وخرج فرعون في طلبهم حين أصبح وبعدما طلعت الشمس ، فذلك قوله { فأتبعوهم مشرقين ، فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون } فدعا موسى ربه فغشيتهم ضبابة حالت بينهم وبينه وقيل له : اضرب بعصاك البحر . ففعل { فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم } يعني الجبل . فانفلق منه اثنا عشر طريقاً فقالوا : انا نخاف أن توحل فيه الخيل . فدعا موسى ربه فهبت عليهم الصبا فجف ، فقالوا : انا نخاف أن يغرق منا ولا نشعر ، فقال بعصاه فنقب الماء فجعل بينهم كوى حتى يرى بعضهم بعضاً ، ثم دخلوا حتى جاوزوا البحر .
وأقبل فرعون حتى انتهى إلى الموضع الذي عبر منه موسى وطرقه على حالها فقال له أدلاؤه : إن موسى قد سحر البحر حتى صار كما ترى ، وهو قوله { واترك البحر رهواً } [ الدخان : 24 ] يعني كما هو . فحذ ههنا حتى نلحقهم وهو مسيرة ثلاثة أيام في البحر .
وكان فرعون يومئذ على حصان ، فأقبل جبريل على فرس أنثى في ثلاثة وثلاثين من الملائكة ، ففرقوا الناس وتقدم جبريل فسار بين يدي فرعون وتبعه فرعون ، وصاحت الملائكة في الناس : الحقوا الملك . حتى إذا دخل آخرهم ولم يخرج أولهم؛ التقى البحر عليهم فغرقوا . فسمع بنو إسرائيل وجبة البحر حين التقى فقالوا : ما هذا؟ قال موسى : غرق فرعون وأصحابه . فرجعوا ينظرون فألقاهم البحر على الساحل .
وأخرج ابن عبد الحكم وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال : كان جبريل بين الناس . بين بني إسرائيل وبين آل فرعون فيقول : رويدكم ليلحقكم آخركم . فقالت بنو إسرائيل : ما رأينا سائقاً أحسن سياقاً من هذا . وقال آل فرعون : ما رأينا وازعاً أحسن زعة من هذا .
فلما انتهى موسى وبنو إسرائيل إلى البحر قال مؤمن آل فرعون . يا نبي الله أين أمرت؟ هذا البحر أمامك وقد غشينا آل فرعون فقال : أمرت بالبحر . فاقتحم مؤمن آل فرعون فرسه فرده التيار ، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع ، وكان الله قد أوحى إلى البحر : أن أطع موسى وآية ذلك إذا ضربك بعصا ، فأوحى الله إلى موسى : أن اضرب بعصاك البحر ، فضربه { فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم } فدخل بنو إسرائيل واتبعهم آل فرعون ، فلما خرج آخر بني إسرائيل ودخل آخر آل فرعون أطبق الله عليهم البحر .
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : نزل جبريل يوم غرق فرعون وعليه عمامة سوداء . (7/394)
وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن أبي الدرداء قال « جعل النبي صلى الله عليه وسلم يصفق بيديه ، ويعجب من بني إسرائيل وتعنتهم لما حضروا البحر ، وحضرهم عدوهم . جاؤوا موسى فقالوا : قد حضرنا العدوّ فماذا أمرت؟ قال : أن أنزل ههنا ، فاما أن يفتح لي ربي ويهزمهم ، وأما أن يفرق لي هذا البحر . فضربه فتأطط كما تتأطط الفرش ، ثم ضربه الثانية فانصدع فقال : هذا من سلطان ربي . فاجازوا البحر فلم يسمع بقوم أعظم ذنباً ، ولا أسرع توبة منهم » .
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { فنظل لها عاكفين } قال : عابدين { قال هل يسمعونكم إذ تدعون } يقول : هل تجيبكم آلهتكم إذا دعوتموهم . (7/395)
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { إذ يسمعونكم } قال : هل يسمعون أصواتكم .
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85)
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال : كان يقال أول نعمة الله على عبده حين خلقه . (7/396)
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } قال : قوله { إني سقيم } [ الصافات : 29 ] وقوله { بل فعله كبيرهم هذا } [ الأنبياء : 63 ] وقوله لسارة : إنها أختي . حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { وألحقني بالصالحين } يعني أهل الجنة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { واجعل لي لسان صدق في الآخرين } قال : يؤمن بإبراهيم كل ملة .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر ، وابن مردويه من طريق الحسن عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا توضأ العبد لصلاة مكتوبة فاسبغ الوضوء ثم خرج من باب داره يريد المسجد ، فقال حين يخرج : بسم الله الذي خلقني فهو يهدين . هداه الله للصواب - ولفظ ابن مردويه : لصواب الأعمال - والذي هو يطعمني ويسقين . أطعمه الله من طعام الجنة ، وسقاه من شراب الجنة ، وإذا مرضت فهو يشفين . شفاه الله وجعل مرضه كفارة لذنوبه ، والذي يميتني ثم يحيين . أحياه الله حياة السعداء ، وأماته ميتة الشهداء ، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين . غفر الله خطاياه كلها وإن كانت أكثر من زبد البحر ، رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين . وهب الله له حكماً وألحقه بصالح من مضى وصالح من بقي ، واجعل لي لسان صدق في الآخرين . كتب في ورقة بيضاء أن فلان بن فلان من الصادقين ، ثم وفقه الله بعد ذلك للصدق ، واجعلني من ورثة جنة النعيم . جعل الله له القصور والمنازل في الجنة » وكان الحسن يزيد فيه - واغفر لوالدي كما ربياني صغيراً .
وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه « عن عائشة أنها قالت : يا رسول الله أن ابن جدعان كان يقري الضيف ، ويصل الرحم ، ويفعل ويفعل . أينفعه ذلك؟ قال : لا . إنه لم يقل يوماً قط : رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين » .
وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { واغفر لأبي } قال : امنن عليه بتوبة يستحق بها مغفرتك . (7/397)
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ولا تخزني يوم يبعثون } قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : « ليجيئن رجل يوم القيامة من المؤمنين آخذاً بيد أب له مشرك حتى يقطعه النار ، ويرجو أن يدخله الجنة ، فيناديه مناد : أنه لا يدخل الجنة مشرك . فيقول : رب أبي . . ووعدت أن لا تخزيني . قال : فما يزال متشبثاً به حتى يحوله الله في صورة سيئة وريح منتنة في سورة ضبعان ، فإذا رآه كذلك تبرأ منه وقال : لست بأبي قال : فكنا نرى أنه يعني إبراهيم وما سمى به يومئذ » .
وأخرج البخاري والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيقول له إبراهيم : ألم أقل لك لا تعصيني؟ فيقول أبوه : فاليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم : رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون ، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد . فيقول الله : إني حرمت الجنة على الكافرين . ثم يقال : يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار » .
وأخرج أحمد عن رجل من بني كنانة قال : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح فسمعته يقول « اللهم لا تخزني يوم القيامة » .
إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)
أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم عن ابن عباس في قوله { إلا من أتى الله بقلب سليم } قال : شهادة أن لا إله إلا الله . (7/398)
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { إلا من أتى الله بقلب سليم } قال : كان يقال : سليم من الشرك .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { إلا من أتى الله بقلب سليم } قال : من الشرك . ليس فيه شك في الحق .
وأخرج عبد بن حميد عن عون قال : ذكروا الحجاج عند ابن سيرين فقال : غير ما تقولون أخوف على الحجاج عندي منه قلت : وما هو قال : إن كان لقي الله بقلب سليم فقد أصاب الذنوب خير منه قلت : وما القلب السليم؟ قال : إن يعلم أنه لا إله إلا الله .