صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور
المؤلف : عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وأخرج البخاري والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس : « أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم : » البينة ، أو حدٌّ في ظهرك « . فقال : يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة! فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : وإلاَّ حَدٌّ في ظهرك . فقال هلال : والذي بعثك بالحق إني لصادق ، ولينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحد ، فنزل جبريل فأنزل الله عليه { والذين يرمون أزواجهم } حتى بلغ { إن كان من الصادقين } فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما فجاء هلال يشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا : إنها موجبة . فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ، ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم ، فمضت فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين ، سابغ الاليتين ، خدلج الساقين ، فهو لشريك بن سحماء . فجاءت به كذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن » .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال :

(7/243)


« جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرمى امرأته برجل . فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل يردده حتى أنزل الله { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم } حتى فرغ من الآيتين فأرسل إليهما فدعاهما فقال : إن الله قد أنزل فيكما . . فدعا الرجل فقرأ عليه . فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ، ثم أمر به فأمسك على فيه ، فوعظه فقال له : كل شيء أهون عليك من لعنة الله . ثم أرسله فقال : لعنة الله عليه ان كان من الكاذبين ، ثم دعا بها فقرأ عليها . فشهدت أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين ، ثم أمر بها فأمسك على فيها ، فوعظها وقال : ويحك! كل شيء أهون عليك من غضب الله ، ثم أرسلت فقالت : غضب الله عليها إن كان من الصادقين » .
وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : « جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن امرأتي زنت . وسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه منكس في الأرض ثم رفع رأسه فقال : قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك فائت بها . فجاءت فقال : قم فاشهد أربع شهادات ، فقام فشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين . فقال له : ويلك أو ويحك! إنها موجبة . فشهد الخامسة ان لعنة الله عليه ان كان من الكاذبين . ثم قامت امرأته فشهدت أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين . ثم قال ويلك أو ويحك! إنها موجبة . فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها ان كان من الصادقين . ثم قال له : اذهب فلا سبيل لك عليها فقال : يا رسول الله مالي . . ؟ قال : لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها ، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك منها » .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال : « سألت عن المتلاعنين أيفرق بينهما؟ فقال : » سبحان الله! نعم . . إن أول من سأل عن ذلك فلان ابن فلان قال : يا رسول الله أرأيت الرجل يرى امرأته على فاحشة فإن تكلم تكلم بأمر عظيم وإن سكت سكت على مثل ذلك؟ فسكت فلم يجبه فلما كان بعد ذلك أتاه فقال : إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به فأنزل الله هذه الآية في سورة النور { والذين يرمون أزواجهم } حتى بلغ { أَن غضب الله عليها إن كان من الصادقين } فبدأ بالرجل فوعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فقال : والذي بعثك بالحق ما كذبتك . ثم ثنى بالمرأة فوعظها وذكرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فقالت : والذي بعثك بالحق أنه لكاذب . فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين ، والخامسة أن لعنة الله عليه ان كان من الكاذبين . ثم ثنى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين ، والخامسة أن غضب الله عليها ان كان من الصادقين « .

(7/244)


وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عمر قال : كنا جلوساً عشية الجمعة في المسجد فجاء رجل من الأنصار فقال : أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلاً فقتله قتلتموه ، وان تكلم جلدتموه ، وإن سكت سكت على غيظ ، والله لئن أصبحت صالحاً لأسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فسأله فقال : يا رسول الله أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلاً فقتله قتلتموه وإن تكلم جلدتموه ، وإن سكت سكت على غيظ . اللهم احكم . فنزلت آية اللعان فكان ذلك الرجل أول من ابتلى به .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن منذر والطبراني عن سهل بن سعد قال : « جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال : سل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فقتله أيقتل به؟ أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل فلقيه عويمر فقال : ما صنعت؟ فقال : إنك لم تأتني بخير ، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب المسائل فقال : والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأسألنه ، فأتاه فوجده قد أنزل عليه . . فدعا بهما ، فلاعن بينهما قال عويمر : أن انطلق بها يا رسول الله لقد كذبت عليها ، ففارقها قبل أن يخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارت سنة المتلاعنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبصروها فإن جاءت به أسحم أدعج العينين ، عظيم الاليتين ، فلا أراه إلا قد صدق . وإن جاءت به أحمر كأنه وحرة ، فلا أراه إلا كاذباً . فجاءت به على النعت المكروه » .
واخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أنس قال : « لأوّل لعان كان في الإِسلام أن شريك بن سحماء رماه هلال بن أمية بامرأته ، فرفعته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أربعة شهود ، وإلا فحد في ظهرك . فقال : يا رسول الله إن الله ليعلم أني لصادق ، ولينزلن الله ما يبرىء ظهري من الجلد . فأنزل الله آية اللعان { والذين يرمون أزواجهم . . } إلى آخر الآية فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا . فشهد بذلك أربع شهادات بالله ، ثم قال له في الخامسة : لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا . ففعل . ثم دعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : قومي فاشهدي بالله أنه لمن الكاذبين فيما رماك به من الزنا . فشهدت بذلك أربع شهادات ، ثم قال لها في الخامسة وغضب الله عليك ان كان من الصادقين فيما رماك به من الزنا . قال : فلما كان في الرابعة أو الخامسة سكتت سكته حتى ظنوا أنها ستعترف . ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت على القول ، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقال : انظروا فإن جاءت به جعداً أخمش الساقين ، فهو لشريك بن سحماء ، وإن جاءت به أبيض سبطاً ، قصير العينين ، فهو لهلال بن أمية ، فجاءت به آدم جعداً أخمش الساقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لولا ما نزل فيهما من كتاب الله لكان لي ولها شأن » .

(7/245)


وأخرج النسائي وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده « أن رجلاً من الأنصار من بني زريق قذف امرأته ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فرد ذلك عليه أربع مرات . فأنزل الله آية الملاعنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين السائل قد نزل من الله أمر عظيم؟ فأبى الرجل إلا أن يلاعنها ، وأبت ألا تدرأ عن نفسها العذاب . فتلاعنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما تجيء به أصفر أخمش مفتول العظام فهو للملاعن ، واما تجيء به أسود كالجمل الأورق فهو لغيره ، فجاءت به أسود كالجمل الأورق ، فدعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعله لعصبة أمه وقال : لولا الآيات التي مضت لكان فيه كذا وكذا » .
وأخرج البزار عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر « لو رأيت مع أم رومان رجلاً ما كنت فاعلاً به؟ قال : كنت - والله - فاعلاً به شراً قال : فأنت ياعمر؟ قال : كنت - والله - قاتله فنزلت { والذين يرمون أزواجهم . . . } قلت : رجال إسناده ثقات إلا أن البزار كان يحدث من حفظه فيخطىء . وقد أخرجه ابن مردويه والديلمي من هذا الطريق وزاد بعد قوله كنت قاتله قال : فأنت يا سهيل بن بيضاء قال : كنت أقول لعن الله الأبعد فهو خبيث ، ولعن الله البُعْدَى فهي خبيثة ، ولعن الله أوّل الثلاثة أخبر بهذا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تأوّلت القرآن يا ابن بيضاء { والذين يرمون أزواجهم } وهذا أصح من قول البزار فنزلت » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن زيد بن نفيع « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر : أرأيت لو وجدت مع أهلك رجلاً كيف كنت صانعاً؟ قال : إذاً لقتلته . ثم قال لعمر . . فقال مثل ذلك . فتتابع القوم على قول أبي بكر وعمر . ثم قال لسهيل بن البيضاء . . قال : كنت أقول لعنك الله فأنت خبيثة ، ولعنك الله فأنت خبيث ، ولعن الله أول الثلاثة منا يخرج هذا الحديث . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تأوّلت القرآن يا ابن البيضاء لو قتله قتل به ، ولو قذفه جلد ، ولو قذفها لاعنها » .

(7/246)


وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { والذين يرمون أزواجهم } قال : هو الرجل يرمي زوجته بالزنا { ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم } يعني ليس للرجل شهداء غيره ان امرأته قد زنت ، فرفع ذلك إلى الحكام فشهادة أحدهم - يعني الزوج - يقوم بعد الصلاة في المسجد فيحلف أربع شهادات بالله ويقول : أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أن فلانة - يعني امرأته - زانية . والخامسة أن لعنة الله عليه - يعني على نفسه - ان كان من الكاذبين في قوله . ويدرأ يدفع الحكام عن المرأة العذاب - يعني الحد - أن تشهد أربع شهادات بالله أنه - يعني زوجها - لمن الكاذبين . فتقوم المرأة مقام زوجها فتقول أربع مرات أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أني لست بزانية ، وإن زوجي لمن الكاذبين . والخامسة أن غضب الله عليها - يعني على نفسها - إن كان زوجها من الصادقين .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين } قال : فإن هي اعترفت رجمت ، وإن هي أبت يدرأ عنها العذاب قال : عذاب الدنيا { أن تشهد أربع شهادات بالله إِنه لمن الكاذبين ، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين } . ثم يفرق بينهما وتعتد عدة المطلقة .
وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب قال : لا يجتمع المتلاعنان أبداً .
وأخرج عبد الرزاق عن علي وابن مسعود . مثله .
وأخرج عبد الرزاق عن الشعبي قال : اللعان أعظم من الرجم .
وأخرج عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب قال : وجبت اللعنة على أكذبهما .
وأخرج البزار عن جابر قال : ما نزلت آية التلاعن إلا لكثرة السؤال .
وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة قال : « لما نزلت هذه الآية قال سعد بن عبادة : إني لو رأيت أهلي ومعها رجل أنتظر حتى آتي بأربعة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم . قال : والذي بعثك بالحق لو رأيته لعاجلته بالسيف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » يا معشر الأنصار اسمعوا ما يقول سيدكم ان سعداً لغيور ، وأنا أغير منه ، والله أغير مني « » .
وأخرج ابن ماجة وابن حبان والحاكم وابن مردويه عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين نزلت آية الملاعنة « أيما امرأة أدخلت على قوم ما ليس منهم فليست من الله في شيء ، ولن يدخلها الله جنته . وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه يوم القيامة ، وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين » .

(7/247)


إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)

أخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري وعبد بن حميد ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج إلى سفر أقرع بين أزواجه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه .
قالت عائشة : فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي ، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل الحجاب وأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه ، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك ، وقفل فدنونا من المدينة قافلين . آذن ليلة بالرحيل ، فقمت حين آذنوا بالرحيل ، فمشيت حتى جاوزت الجيش ، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع ، فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه ، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه ، وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلهن اللحم ، إنما تأكل المرأة العلقة من الطعام ، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه ، وكنت جارية حديثة السن ، فبعثوا الجمل فساروا فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش ، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب ، فيممت منزلي الذي كنت به فظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي .
فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت . وكان صفوان بن المعطل السلمي ، ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج ، فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسان نائم ، فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني ، فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة واحدة ، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ، حتى أناخ راحلته فوطىء على يديها ، فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد أن نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك في من هلك .
وكان الذي تولى الإِفك عبدالله بن أبي ابن سلول . فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهراً ، والناس يفيضون في قول أصحاب الإِفك لا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي ، إنما يدخل عليَّ فيسلم ثم يقول : كيف تيكم؟ ثم ينصرف . فذاك الذي يريبني ولا أشعر بالشر ، حتى خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهي متبرزنا ، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريباً من بيوتنا ، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط . فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا ، فانطلقت أنا وأم مسطح ، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي قد أشرعنا من ثيابنا ، فعثرت أم مسطح في مرطها ، فقالت : تعس مسطح فقلت لها : بئس ما قلت اتسبين رجلاً شهد بدراً! قالت : أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال!؟ قلت : وما قال .

(7/248)


. ؟ فأخبرتني بقول أهل الإِفك ، فازددت مرضاً على مرضي .
فلما رجعت إلى بيتي دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم قال : « كيف تيكم » ؟ فقلت : أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت : - وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما - قالت : فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجئت لأبوي فقلت لأمي يا أمتاه ما يتحدث الناس؟ قالت يا بينة هوّني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها ، فقلت - سبحان الله - ولقد تحدث الناس بهذا؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا اكتحل بنوم ، ثم أصبحت أبكي ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ، وأسامة بن زيد ، حين استبلث الوحي يستأمرهما في فراق أهله . فأما أسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله ، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال يا رسول الله : أهلك ولا نعلم إلا خيراً ، وأما علي بن أبي طالب فقال يا رسول الله : لم يضيّق الله عليك والنساء سواها كثير ، وان تسأل الجارية تصدقك . فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال : « أي بريرة هل رأيت شيئاً يريبك » ؟ قالت بريرة : لا والذي بعثك بالحق ان رأيت عليها أمراً أغمصه أكثر من أنها جارية حديثة السن ، تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله .
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر يومئذ من عبدالله بن أبي فقال وهو على المنبر : « يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً ، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً ، وما كان يدخل على أهلي إلا معي » فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : يا رسول الله أنا أعذرك منه ، إن كان من الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من بني الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك ، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية فقال لسعد : كذبت لعمر الله ما تقتله ولا تقدر على قتله . فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة : كذبت لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين . فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر ، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت .

(7/249)


فبكيت يومي ذلك فلا يرقا لي دمع ولا أكتحل بنوم ، فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوماً لا أكتحل بنوم ولا يرقا لي دمع ، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي . فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت على امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي ، فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلس ولم يجلس عندي منذ قيل فيّ ما قيل قبلها وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء ، فَتَشَهَّدْ حين جلس ثم قال : « أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا . . فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه » فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة فقلت لأبي : أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقلت لأمي : أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم - وصدقتم به ، فلئن قلت لكم إني برئية - والله يعلم أني برئية - لا تصدقوني ولئن اعترف لكم بأمر - والله يعلم أني منه بريئة - لتصدقني والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } [ يوسف : 18 ] .
ثم تحولت فاضطجعت على فراشي وأنا حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي ، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحياً يتلى ، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى ، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا يبرئني الله بها قالت : فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه ، فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سري عنه وهو يضحك ، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال : « ابشري يا عائشة أما الله فقد برأك » فقالت أمي : قومي إليه فقلت : والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي . وأنزل الله { إن الذين جاءوا بالإِفك عصبة منكم } العشر الآيات كلها .

(7/250)


فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر : وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ما قال ، فأنزل الله { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين } [ النور : 22 ] إلى قوله { رحيم } قال أبو بكر : والله إني أحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال : والله لا أنزعها منه أبداً قالت عائشة : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب ابنة جحش عن أمري فقال : « يا زينب ماذا عملت أو رأيت » ؟ فقالت : يا رسول الله أحمي سمعي وبصري ما علمت إلا خيراً قالت : وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، فعصمها الله بالورع ، وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإِفك .
وأخرج البخاري والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة قالت : لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به . قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطيبا ، فتشهد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : « أما بعد أشيروا عليَّ في أناس أنبوا أهلي - وأيم الله - ما علمت على أهلي سوء ، وأنبوهم بمن - والله - ما علمت عليه من سوء قط ، ولا يدخل بيتي قط إلا وأنا حاضر ، ولا غبت في سفر إلا غاب معي » ، فقام سعد بن معاذ فقال : ائذن لي يا رسول الله أن تضرب أعناقهم ، وقام رجل من بني الخزرج وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل فقال : كذبت أما والله لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم حتى كاد أن يكون بين الأوس والخزرج شرقي المسجد وما علمت .
فلما كان مساء ذلك اليوم ، خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح ، فعثرت فقالت : تعس مسطح فقلت : أي أم تسبين ابنك؟ فسكتت ثم عثرت الثانية فقالت : تعس مسطح فقلت لها : أي أم تسبين ابنك؟ ثم عثرت الثالثة فقالت : تعس مسطح فانتهرتها فقالت : والله لم أسبه إلا فيك فقلت : في أي شأني؟! فقرأت لي الحديث . فقلت وقد كان هذا! قالت : نعم . والله . .
فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلاً ولا كثيراً ، ووعكت فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أرسلني إلى بيت أبي ، فأرسل معي الغلام ، فدخلت الدار ، فوجدت أم رومان في السفل وأبا بكر فوق البيت يقرأ . فقالت أمي : ما جاء بك يا بنية؟ فأخبرتها وذكرت لها الحديث ، وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني . فقالت : يا بنية خففي عليك الشأن ، فإنه - والله - لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا حسدتها وقيل فيها .

(7/251)


قلت : وقد علم به أبي؟ قالت : نعم . قلت : ورسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : نعم . فاستعبرت ، وبكيت ، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق بيت يقرأ ، فنزل فقال لأمي : ما شأنها؟ قالت : بلغها الذي ذكر من شأنها ففاضت عيناه فقال : أقسمت عليك أي بنية إلا رجعت إلى بيتك ، فرجعت .
ولقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتي فسأل عني خادمي فقالت : لا والله ما علمت عليها عيباً إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة ، فتأكل خميرها أو عجينها ، وانتهرها بعض أصحابه فقال : اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسقطوا لهابه فقالت - سبحان الله - ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر ، فبلغ إلى ذلك الرجل الذي قيل له فقال - سبحان الله - والله ما كشفت كنف أنثى قط قالت : فقتل شهيداً في سبيل الله قالت : وأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صلى العصر ، ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وشمالي ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : « أما بعد يا عائشة ان كنت قارفت سوءاً ، أو ظلمت ، فتوبي إلى الله ، فإن الله يقبل التوبة عن عباده » .
قالت : وقد جاءت إمرأة من الأنصار فهي جالسة بالباب فقلت : ألا تستحي من هذه المرأة أن تذكر شيئاً ، فوعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتفت إلى أبي فقلت : أجبه قال : ماذا أقول؟ فالتفت إلى أمي فقلت : أجيبيه قالت : أقول ماذا؟ فلما لم يجيباه تشهدت ، فحمدت الله وأثنيت عليه ، ثم قلت : أما بعد - فوالله - لئن قلت لكم أني لم أفعل - والله يشهد أني لصادقة - ما ذاك بنافعي عندكم ، وقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم . وإن قلت : إني فعلت - والله يعلم أني لم أفعل - لتقولن قد باءت به على نفسها وأني - والله - لا أجد لي ولكم مثلاً . والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه إلا أبا يوسف حين قال { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } [ يوسف : 18 ] .
وأنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من ساعته فسكتنا ، فرفع عنه . وإني لأتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه ويقول : « ابشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك » قالت : وقد كنت أشد مما كنت غضباً فقال لي أبواي : قومي إليه فقلت : والله لا أقوم إليه ولا أحمده ، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي . لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه ، وكانت عائشة تقول : أما زينب بنت جحش فعصمها الله بدينها ، فلم تقل إلا خيراً ، وأما أختها حمنة ، فهلكت فيمن هلك ، وكان الذي تكلم فيها مسطح ، وحسان بن ثابت ، والمنافق عبدالله بن أبي ، وهو الذي كان يستوشيه ويجمعه ، وهو الذي كان تولى كبره منهم ، هو وحمنة قالت : فحلف أبو بكر أن لا ينفع مسطحاً بنافعة أبداً ، فأنزل الله

(7/252)


{ ولا يأتل أولوا الفضل منكم } [ النور : 22 ] . . إلى آخر الآية . يعني أبا بكر . { والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين } يعني مسطحاً . إلى قوله { ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم } قال أبو بكر : بلى والله إنا نحب أن يغفر الله لنا ، وعاد له كما كان يصنع .
وأخرج أحمد والبخاري وسعيد بن منصور وابن منذر وابن مردويه عن أم رومان قالت : بينا أنا عند عائشة ، إذا دخلت عليها امرأة فقالت : فعل الله بابنها وفعل فقالت عائشة : ولم؟ قالت : إنه كان فيمن حدث الحديث قالت عائشة : وأي حديث؟ قالت : كذا وكذا قلت : وقد بلغ ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : نعم . . قلت : وأبا بكر؟ قالت : نعم . . فخرت عائشة مغشياً عليها ، فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض ، فقمت فزبرتها ، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما شأن هذه؟ قلت : يا رسول الله أخذتها حمى بنافض قال : فلعله من حديث تحدث به .
قالت واستوت عائشة قاعدة فقالت : والله لئن حلفت لا تصدقوني . ولئن اعتذرت إليكم لا تعذروني ، فمثلى ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه ، { والله المستعان على ما تصفون } وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عذرها ، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم معه أبو بكر فدخل فقال : يا عائشة إن الله قد أنزل عذرك فقالت : بحمد الله لا بحمدك فقال لها أبو بكر : أتقولين هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! قالت نعم . .
قالت : وكان فيمن حدث الحديث رجل كان يعوله أبو بكر ، فحلف أبو بكر أن لا يصلح ، فأنزل الله { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة . . } إلى آخر الآية قال أبو بكر : بلى . . فوصله .
وأخرج البزار وابن مردويه بسند حسن عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اراد سفراً أقرع بين نسائه ، فأصاب عائشة القرعة في غزوة بني المصطلق ، فلما كان في جوف الليل انطلقت عائشة لحاجة فانحلت قلادتها ، فذهبت في طلبها ، وكان مسطح يتيماً لأبي بكر وفي عياله ، فلما رجعت عائشة لم تَرَ العسكر ، وكان صفوان بن المعطل السلمي يتخلف عن الناس ، فيصيب القدح والجراب والاداوة فيحمله ، فنظر فإذا عائشة ، فغطى وجهه عنها ثم أدنى بعيره منها ، فانتهى إلى العسكر فقالوا قولاً؛ وقالوا فيه قال : ثم ذكر الحديث حتى انتهى ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيء ، فيقوم على الباب فيقول : « كيف تيكم؟ » حتى جاء يوماً فقال : ابشري يا عائشة قد أنزل الله عذرك فقالت : بحمد الله لا بحمدك وأنزل في ذلك عشر آيات { إن الذين جاءوا بالإِفك عصبة منكم } فحد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسطحاً ، وحمنة ، وحسان .

(7/253)


وأخرج ابن مردويه بسنده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر جاء ببعض نسائه . وسافر بعائشة وكان لها هودج ، وكان الهودج له رجال يحملونه . ويضعونه ، فعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وخرجت عائشة للحاجة فباعدت ، فلم يعلم بها ، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم والناس قد ارتحلوا ، وجاء الذين يحملون الهودج ، فحملوه فلم يعلموا إلا أنها فيه ، فساروا ، وأقبلت عائشة فوجدت النبي صلى الله عليه وسلم والناس قد ارتحلوا ، فجلست مكانها ، فاستيقظ رجل من الأنصار يقال له صفوان بن المعطل ، وكان لا يقرب النساء ، فتقرب منها ومعه بعير له ، فلما رآها وكان قد عرفها وهي صغيرة قال : أم المؤمنين! ولوى وجهه ، وحملها ثم أخذ بخطام الجمل ، وأقبل يقوده حتى لحق الناس .
والنبي صلى الله عليه وسلم قد نزل وفقد عائشة ، فأكثروا القول وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فشق عليه حتى اعتزلها ، واستشار فيها زيد بن ثابت وغيره فقال : يا رسول الله دعها لعل الله أن يحدث أمره فيها فقال علي بن أبي طالب : النساء كثير . وخرجت عائشة ليلة تمشي في نساء فعثرت أم مسطح فقالت : تعس مسطح قالت عائشة : بئس ما قلت فقالت : إنك لا تدري ما يقول فأخبريها . فسقطت عائشة مغشياً عليها ، ثم أنزل الله { إن الذين جاءُوا بالإِفك . . } الآيات .
وكان أبو بكر يعطي مسطحاً ويصله ويبره ، فحلف أبو بكر لا يعطيه ، فنزل { ولا يأتل أولوا الفضل منكم . . . } فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيها ويبشرها ، فجاء أبو بكر فأخبرها بعذرها ، وما أنزل الله فيها فقالت : بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد صاحبك .
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسنده عن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه ثلاثاً ، فمن أصابته القرعة خرج بها معه ، فلما غزا بني المصطلق ، أقرع بينهن ، فأصابت عائشة ، وأم سلمة ، فخرج بهما معه ، فلما كانوا في بعض الطريق ، مال رحل أم سلمة ، فأناخوا بعيرها ليصلحوا رحلها ، وكانت عائشة تريد قضاء حاجة ، فلما أبركوا إبلهم قالت عائشة : فقلت في نفسي إلى ما يصلح رحل أم سلمة أقضي حاجتي . قالت فنزلت من الهودج ولم يعلموا بنزولي . فأتيت خربة ، فانقطعت قلادتي ، فاحتبست في جمعها ونظامها ، وبعث القوم إبلهم ومضوا وظنوا أني في الهودج ، فخرجت ولم أر أحداً ، فاتبعتهم حتى أعييت . فقلت في نفسي : إن القوم سيفقدوني ويرجعون في طلبي ، فقمت على بعض الطريق ، فمر بي صفوان بن المعطل وكان سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعله على الساقة فجعله .

(7/254)


وكان إذا رحل الناس قام يصلي ثم اتبعهم ، فما سقط منهم من شيء حمله حتى يأتي به أصحابه قالت عائشة : فلما مر بي ظن أني رجل فقال : يا نومان قم فإن الناس قد مضوا فقلت : إني لست رجلاً ، أنا عائشة قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم أناخ بعيره ، فعقل يديه ، ثم ولى عني ، فقال يا أمه : قومي فاركبي ، فإذا ركبت فآذنيني قالت : فركبتُ ، فجاء حتى خلَّ العقال ثم بعث جمله فأخذ بخطام الجمل قال عمر : فما كلمها كلاماً حتى أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقال عبدالله بن أبي ابن سلول للناس : فجربها ورب الكعبة . وأعانه على ذلك حسان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة ، وشاع ذلك في العسكر ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان في قلب النبي صلى الله عليه وسلم مما قالوا حتى رجعوا إلى المدينة ، وأشاع عبدالله بن أبي هذا الحديث في المدينة ، واشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قالت عائشة : فدخلت ذات يوم أم مسطح ، فرأتني وأنا أريد المذهب ، فحملت معي السطل وفيه ماء ، فوقع السطل منها فقالت : تعس مسطح قالت لها عائشة - سبحان الله - تسبين رجلاً من أهل بدر وهو ابنك؟ قالت لها أم مسطح : أنه سال بك السيل وأنت لا تدرين وأخبرتها بالخبر . قالت : فلما أخبرتني أخذتني الحمى بنافض مما كان ، ولم أجد المذهب .
قالت عائشة : وقد كنت أرى من النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك جفوة ، ولم أدر من أي شيء هو ، فلما حدثتني أم مسطح علمت أن جفوة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذاك ، فلما دخل عليَّ قلت : تأذن لي أن أذهب إلى أهلي؟ قال : اذهبي ، فخرجت عائشة حتى أتت أباها فقال لها : ما لك؟ قلت : اخرجني رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيته قال لها أبو بكر : فأخرجك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيته وآويك أنا ، والله لا آويك حتى يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤويها فقال لها أبو بكر : والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية قط فكيف وقد أعزنا الله بالإِسلام؟ فبكت عائشة ، وأمها أم رومان ، وأبو بكر ، وعبد الرحمن ، وبكى معهم أهل الدار .
وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه فقال : « أيها الناس من يعذرني ممن يؤذيني » ؟ فقام إليه سعد بن معاذ ، فسل سيفه وقال : يا رسول الله أنا أعذرك منه؟ إن يكن من الأوس أتيتك برأسه ، وإن يكن من الخزرج أمرتنا بأمرك فيه ، فقام سعد بن عبادة فقال : كذبت والله ما تقدر على قتله ، إنما طبتنا بذحول كانت بيننا وبينكم في الجاهلية فقال هذا : يال الأوس وقال هذا : يال الخزرج .

(7/255)


فاضطربوا بالنعال والحجارة فتلاطموا ، فقام أسيد بن حضير فقال : فيم الكلام؟ هذا رسول الله يأمرنا بأمره فنفعله عن رغم أنف من رغم .
ونزل جبريل وهو على المنبر ، فلما سري عنه ، تلا عليهم ما نزل به جبريل { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا . . } [ الحجرات : 9 ] إلى آخر الآيات فصاح الناس : رضينا بما أنزل الله وقام بعضهم إلى بعض ، وتلازموا ، وتصايحوا ، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم عن المنبر .
وأبطأ الوحي في عائشة ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب ، وأسامة بن زيد ، وبريرة ، وكان إذا أراد أن يستشير في أمر أهله لم يعد علياً ، وأسامة بن زيد ، بعد موت أبيه زيد فقال لعلي : « ما تقول في عائشة فقد أهمني ما قال الناس » ؟ قال : يا رسول الله قد قال الناس ، وقد حل لك طلاقها ، وقال لأسامة : « ما تقول أنت » ؟ قال - سبحان الله - ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم . فقال لبريرة : « ما تقولين يا بريرة » ؟ قالت والله يا رسول الله ما علمت على أهلك إلا خيراً ، إلا أنها امرأة نؤم تنام حتى تجيء الداجن ، فتأكل عجينها وإن كان شيء من هذا ليخبرنك الله .
فخرج صلى الله عليه وسلم حتى أتى منزل أبي بكر ، فدخل عليها فقال : « يا عائشة إن كنت فعلت هذا الأمر فقولي لي حتى أستغفر الله لك » فقالت : والله لا أستغفر الله منه أبداً . إن كنت قد فعلته فلا غفر الله لي ، وما أجد مثلي ومثلكم إلا مثل أبي يوسف ، اذهب اسم يعقوب من الأسف قال { إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون } [ يوسف : 86 ] .
فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمها إذ نزل جبريل بالوحي ، فأخذت النبي صلى الله عليه وسلم نعسة ، فسري وهو يبتسم فقال : « يا عائشة إن الله قد أنزل عذرك » فقالت : بحمد الله لا بحمدك . فتلا عليها سورة النور إلى الموضع الذي انتهى إلى عذرها وبراءتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « قومي إلى البيت فقامت » .
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ، فدعا أبا عبيدة بن الجراح ، فجمع الناس ، ثم تلا عليهم ما أنزل الله من البراءة لعائشة ، وبعث إلى عبدالله بن أبي ، فجيء به ، فضربه النبي صلى الله عليه وسلم حدين ، وبعث إلى حسان ، ومسطح ، وحمنة ، فضربوا ضرباً وجيعاً ووجيء في رقابهم قال ابن عمر : إنما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن أبي حدين لأنه من قذف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعليه حدان .

(7/256)


فبعث أبو بكر إلى مسطح لا وصلتك بدرهم أبداً ، ولا عطفت عليك بخير أبداً ، ثم طرده أبو بكر وأخرجه من منزله . ونزل القرآن { ولا يأتل أولوا الفضل منكم } إلى آخر الآية . فقال أبو بكر : أما إذ نزل القرآن يأمرني فيك لأضاعفن لك .
وكانت امرأة عبدالله بن أبيّ منافقَةً معه ، فنزل القرآن { الخبيثات } يعني امرأة عبدالله { للخبيثين } يعني عبدالله { والخبيثون للخبيثات } عبدالله وامرأته { والطيبات } يعني عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم { للطيبين } يعني النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي اليسر الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : يا عائشة قد أنزل الله عذرك قالت : بحمد الله لا بحمدك . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند عائشة ، فبعث إلى عبدالله بن أبي ، فضربه حدين ، وبعث إلى مسطح ، وحمنة ، فضربهم .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس { إن الذين جاءُوا بالإِفك عصبة منكم } يريد أن الذين جاءوا بالكذب على عائشة أم المؤمنين أربعة منكم { لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم } يريد خيراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبراءة لسيدة نساء المؤمنين ، وخير لأبي بكر ، وأم عائشة ، وصفوان بن المعطل { لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإِثم والذي تولى كبره منهم } يريد إشاعته منهم يريد عبدالله بن أبي بن سلول { له عذاب عظيم } يريد في الدنيا جلده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي الآخرة مصيره إلى النار { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفك مبين } وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار فيها بريرة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : خير وقالوا : هذا كذب عظيم { لولا جاءُوا عليه بأربعة شهداء } لكانوا هم والذين شهدوا كاذبين { فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون } يريد الكذب بعينه { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } يريد ولولا ما من الله به عليكم وستركم { هذا بهتان عظيم } يريد البهتان الافتراء مثل قوله في مريم بهتاناً عظيماً { يعظكم الله أن تعودوا لمثله } يريد مسطحاً ، وحمنة ، وحسان { ويبين الله لكم الآيات } التي أنزلها في عائشة والبراءة لها { والله عليم } بما في قلوبكم من الندامة فيما خضتم به { حكيم } في القذف ثمانين جلدة { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة } يريد بعد هذا { في الذين آمنوا } يريد المحصنين والمحصنات من المصدقين { لهم عذاب أليم } وجيع في الدنيا يريد الحد ، وفي الآخرة العذاب في النار { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } ما دخلتم فيه وما فيه من شدة العذاب وأنتم لا تعلمون شدة سخط الله على من فعل هذا .
{ ولولا فضل الله عليكم } يريد لولا ما تفضل الله به عليكم { ورحمته } يريد مسطحاً ، وحمنة ، وحسان { وإن الله رؤوف رحيم } يريد من الرحمة رؤوف بكم حيث ندمتم ورجعتم إلى الحق { يا أيها الذين آمنوا } يريد صدقوا بتوحيد الله { لا تتبعوا خطوات الشيطان } يريد الزلات { فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر } يريد بالفحشاء عصيان الله ، والمنكر كل ما يكره الله تعالى { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } يريد ما تفضل الله به عليكم ورحمكم { ما زكى منكم من أحد أبداً } يريد ما قبل توبة أحد منكم أبداً { ولكن الله يزكي من يشاء } فقد شئت أن يتوب عليكم { والله سميع عليم } يريد سميع لقولكم عليم بما في أنفسكم من الندامة .

(7/257)


{ ولا يأتل } يريد ولا يحلف { أولوا الفضل منكم والسعة } يريد ولا يحلف أبو بكر أن لا ينفق على مسطح { أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا } فقد جعلت فيك يا أبا بكر الفضل ، وجعلت عندك السعة والمعرفة بالله ، فسخطت يا أبا بكر على مسطح فله قرابة ، وله هجرة ، ومسكنة ، ومشاهد رضيتها منه يوم بدر { ألا تحبون } يا أبا بكر { أن يغفر الله لكم } يريد فاغفر لمسطح { والله غفور رحيم } يريد فإني غفور لمن أخطأ ، رحيم بأوليائي .
{ إن الذين يرمون المحصنات } يريد العفائف { الغافلات المؤمنات } يريد المصدقات بتوحيد الله وبرسله وقد قال حسان بن ثابت في عائشة :
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
فقالت عائشة : لكنك لست كذلك { لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم } يقول أخرجهم من الإِيمان مثل قوله في سورة الأحزاب للمنافقين { ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتِّلوا تقتيلاً } [ الأحزاب : 61 ] .
{ والذي تولى كبره } يريد كبر القذف وإشاعته عبدالله بن أبي الملعون { يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } يريد أن الله ختم على ألسنتهم فشهدت الجوارح ، وتكلمت على أهلها بذلك ، وذلك أنهم قالوا تعالوا نحلف بالله ما كنا مشركين ، فختم الله على ألسنتهم ، فتكلمت الجوارح بما عملوا ، ثم شهدت ألسنتهم عليهم بعد ذلك . { يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق } يريد يجازيهم بأعمالهم بالحق ، كما يجازي أولياءه بالثواب ، كذلك يجازي أعداءه بالعقاب ، كقوله في الحمد { مالك يوم الدين } يريد يوم الجزاء { ويعلمون } يريد يوم القيامة { أن الله هو الحق المبين } وذلك أن عبدالله بن أبي كان يشك في الدنيا ، وكان رأس المنافقين فذلك قوله { يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق } ويعلم ابن سلول { إن الله هو الحق المبين } يريد انقطع الشك واستيقن حيث لا ينفعه اليقين .
{ الخبيثات للخبيثين } يريد أمثال عبدالله بن أبي ، ومن شك في الله ويقذف مثل سيدة نساء العالمين { والطيبات للطيبين } عائشة طيبها الله لرسوله . أتى بها جبريل في سرقة من حرير قبل أن تصور في رحم أمها فقال له : عائشة بنت أبي بكر زوجتك في الدنيا ، وزوجتك في الجنة عوضاً من خديجة ، وذلك عند موتها بشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقر بها عيناه .

(7/258)


{ والطيبون للطيبات } يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبه الله لنفسه ، وجعله سيد ولد آدم { والطيبات } يريد عائشة { أولئك مبرأون مما يقولون } يريد برأها الله من كذب عبدالله بن أبي { لهم مغفرة } يريد عصمة في الدنيا { ومغفرة } في الآخرة { ورزق كريم } يريد الجنة وثواب عظيم .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن سعيد بن جبير { إن الذين جاءوا بالإِفك } الكذب { عصبة منكم } يعني عبدالله بن أبي المنافق ، وحسان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش ، { لا تحسبوه شراً لكم } يقول لعائشة وصفوان : لا تحسبوا الذي قيل لكم من الكذب { شراً لكم بل هو خير لكم } لأنكم تؤجرون على ذلك { لكل امرئ منهم } يعني ممن خاض في أمر عائشة { ما اكتسب من الإِثم } على قدر ما خاض فيه من أمرها { والذي تولى كبره } يعني خطه منهم يعني القذفة وهو ابن أبي رأس المنافقين ، وهو الذي قال : ما برئت منه ، وما برىء منها { له عذاب عظيم } وفي هذه الآية عبرة عظيمة لجميع المسلمين إذا كانت فيهم خطيئة فمن أعان عليها بفعل ، أو كلام ، أو عرض لها ، أو أعجبه ذلك ، أو رضي ، فهو في تلك الخطيئة على قدر ما كان منه ، وإذا كان خطيئة بين المسلمين فمن شهد وكره فهو مثل الغائب ، ومن غاب ورضي فهو مثل شاهد .
{ لولا إذ سمعتموه } قذف عائشة وصفوان { ظن المؤمنون والمؤمنات } لأن منهم حمنة بنت جحش هلا كذبتم به { بأنفسهم خيراً } هلا ظن بعضهم ببعض خيراً أنهم لم يزنوا { وقالوا هذا إِِفك مبين } الا قالوا هذا القذف كذب بين { لولا جاءوا عليه } يعني على القذف { بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك } يعني الذين قذفوا عائشة { عند الله هم الكاذبون } في قولهم { ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة } من تأخير العقوبة { لمسكم فيما أفضتم فيه } يعني فيما قلتم من القذف { عذاب عظيم ، إذ تلقونه بألسنتكم } وذلك حين خاضوا في أمر عائشة فقال بعضهم : سمعت فلاناً يقول كذا وكذا وقال بعضهم : بل كان كذا وكذا فقال { تلقونه بألسنتكم } يقول : يرويه بعضكم عن بعض { وتقولون بأفواهكم } يعني بألسنتكم من قذفها { ما ليس لكم به علم } يعني من غير أن تعلموا أن الذي قلتم من القذف حق { وتحسبونه هيناً } تحسبون أن القذف ذنب هين { وهو عند الله عظيم } يعني من الزور { لولا إذ سمعتموه } يعني القذف { قلتم ما يكون } يعني ألا قلتم ما يكون { ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا } ولم تره أعيننا { سبحانك هذا بهتان عظيم } يعني ألا قلتم هذا كذب عظيم مثل ما قال سعد بن معاذ الأنصاري : وذلك أن سعداً لما سمع قول من قال في أمر عائشة قال { سبحانك هذا بهتان عظيم } والبهتان الذي يبهت فيقول ما لم يكن .

(7/259)


{ يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً } يعني القذف { إن كنتم مؤمنين } يعني مصدقين { ويبين الله لكم الآيات } يعني ما ذكر من المواعظ { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة } تفشوا ويظهر الزنا { لهم عذاب أليم في الدنيا } بالحد { وفي الآخرة عذاب النار } .
{ ولولا فضل الله } لعاقبكم بما قلتم لعائشة { وإن الله رؤوف رحيم } حين عفا عنكم فلم يعاقبكم { ومن يتبع خطوات الشيطان } يعني تزيينه { فإنه يأمر بالفحشاء } يعني بالمعاصي { والمنكر } ما لا يعرف مثل ما قيل لعائشة { ولولا فضل الله عليكم ورحمته } يعني نعمته { ما زكا } ما صلح { ولكن الله يزكي } يصلح { من يشاء } .
فلما أنزل الله عذر عائشة ، وبرأها ، وكذب الذين قذفوها ، حلف أبو بكر أن لا يصل مسطح بن أثاثة بشيء أبداً ، لأنه كان فيمن ادعى على عائشة من القذف ، وكان مسطح من المهاجرين الأولين ، وكان ابن خالة أبي بكر ، وكان يتيماً في حجره فقيراً ، فلما حلف أبو بكر أن لا يصله نزلت في أبي بكر { ولا يأتل } أي ولا يحلف { أولوا الفضل منكم } يعني في الغنى أبا بكر الصديق { والسعة } يعني في الرزق { أن يؤتوا أولي القربى } يعني مسطح بن أثاثة قرابة أبي بكر وابن خالته { والمساكين } يعني أن مسطحاً كان فقيراً { والمهاجرين في سبيل الله } يعني أن مسطحاً كان من المهاجرين { وليعفوا وليصفحوا } يعني ليتجاوزوا عن مسطح { ألا تحبون أن يغفر الله لكم } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : أما تحب أن يغفر الله لك قال : بلى يا رسول الله قال : فاعف واصفح فقال أبو بكر : قد عفوت وصفحت لا أمنعه معروفاً بعد اليوم .
{ إن الذين يرمون المحصنات } يعني يقذفون بالزنا الحافظات لفروجهن العفائف { الغافلات } يعني عن الفواحش يعني عائشة { المؤمنات } يعني الصادقات { لعنوا } يعني جلدوا { في الدنيا والآخرة } يعذبون بالنار يعني عبدالله بن أبي لأنه منافق له عذاب عظيم .
{ يوم تشهد عليهم ألسنتهم } يعني من قذف عائشة يوم القيامة { يومئذ } يعني في الآخرة { يوفيهم الله دينهم الحق } حسابهم العدل لا يظلمهم { ويعلمون أن الله هو الحق المبين } يعني العدل المبين { الخبيثات } يعني السيء من الكلام قذف عائشة { للخبيثين } من الرجال والنساء يعني الذين قذفوها { والخبيثون } يعني من الرجال والنساء { للخبيثات } يعني السيء من الكلام لأنه يليق بهم الكلام السيء { والطيبات } يعني الحسن من الكلام { للطيبين } من الرجال والنساء يعني الذين ظنوا بالمؤمنين والمؤمنات خيراً { والطيبون } من الرجال والنساء { للطيبات } للحسن من الكلام لأنه يليق بهم الكلام الحسن { أولئك } يعني الطيبين من الرجال والنساء { مبرأون مما يقولون } هم براء من الكلام السيء { لهم مغفرة } يعني لذنوبهم { ورزق كريم } يعني حسنا في الجنة فلما أنزل الله عذر عائشة ضمها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نفسه وهي من أزواجه في الجنة .

(7/260)


وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت : أنزل الله عذري وكادت الأمة تهلك في سببي ، فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرج الملك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : « اذهب إلى ابنتك ، فاخبرها أن الله قد أنزل عذرها من السماء » قالت : فأتاني أبي وهو يعدو يكاد أن يعثر فقال : ابشري يا بنية بأبي وأمي ، فإن الله قد أنزل عذرك قلت : بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد صاحبك الذي أرسلك ، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتناول ذراعي فقال بيده هكذا ، فأخذ أبو بكر النعل ليعلوني بها ، فمنعته أمي ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أقسمت لا تفعل .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت : والله ما كنت أرجو أن ينزل فيّ كتاب الله ، ولا أطمع فيه ، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا فيذهب ما في نفسه وقد سأل الجارية الحبشية فقالت : والله لعائشة أطيب من طيب الذهب ، ولكنها ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل عجينها ، والله لئن كان ما يقول الناس حقاً ليخبرنك الله . فعجب الناس من فقهها .
وأخرج الطبراني عن الحكم ابن عتيبة قال : « لما خاض الناس في أمر عائشة ، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عائشة فقال : يا عائشة ما يقول الناس؟ فقالت : لا أعتذر من شيء قالوه حتى ينزل عذري من السماء . فأنزل الله فيها خمس عشرة آية من سورة النور ، ثم قرأ حتى بلغ { الخبيثات للخبيثين } » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : نزلت ثمان عشرة آية متواليات بتكذيب من قذف عائشة وببراءتها .
وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه بسند صحيح عن عائشة قالت : لما رميت بما رميت به ، هممت أن آتي قليباً فاطرح نفسي فيه .
وأخرج البزار بسند صحيح عن عائشة : أنه لما نزل عذرها قبَّل أبو بكر رأسها فقالت : الا عذرتني؟ فقال : أي أسماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت ما لا أعلم .
وأخرج أحمد عن عائشة قالت : لما نزل عذري من السماء ، جاءني النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبرني بذلك ، فقلت : بحمد الله لا بحمدك .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه والطبراني والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت : لما نزل عذري ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر ، فذكر ذلك وتلا القرآن ، فلما نزل .

(7/261)


. أمر برجلين وامرأة ، فضربوا حدين .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن عبد الله بن جحش قال : تفاخرت عائشة وزينب فقالت زينب : أنا التي نزل تزويجي وقالت عائشة : وأنا التي نزل عذري في كتابه حين حملني ابن المعطل فقالت لها زينب : يا عائشة ما قلت حين ركبتيها؟ قالت : قلت حسبي الله ونعم الوكيل قالت : قلتِ كلمة المؤمنين .
وأخرج البخاري وابن مردويه عن ابن عباس : أنه دخل على عائشة قبل موتها وهي مغلوبة فقال : كيف تجدينك؟ قالت : بخير إن اتقيت قال : فأنت بخير . زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكح بكراً غيرك ، ونزل عذرك من السماء .
وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة قالت : خلال فيَّ تسع لم تكن لأحد إلا ما آتى الله مريم ، جاء الملك بصورتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتزوجني وأنا ابنة سبع سنين ، وأهديت إليه وأنا ابنة تسع ، وتزوّجني بكراً ، وكان يأتيه الوحي وأنا وهو في لحاف واحد ، وكنت من أحب الناس إليه ، ونزل فيَّ آيات من القرآن كادت الأمة تهلك فيها ، ورأيت جبريل ولم يره أحد من نسائه غيري ، وقبض في بيتي لم يله أحد غير الملك إلا انا .
وأخرج ابن سعد عن عائشة قالت : فضلت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم بعشر . قيل ما هن يا أم المؤمنين؟ قالت : لم ينكح بكراً قط غيري ، ولم ينكح امرأة أبواها مهاجران غيري ، وأنزل الله براءتي من السماء ، وجاءه جبريل بصورتي من السماء في حريرة وقال تزوّجها فإنها امرأتك ، وكنت أغتسل أنا وهو من اناء واحد ولم يكن يصنع ذلك بأحد من نسائه غيري ، وكان يصلي وأنا معترضة بين يديه ولم يكن يفعل ذلك بأحد من نسائه غيري ، وكان ينزل عليه الوحي وهو معي ولم يكن ينزل عليه وهو مع أحد من نسائه غيري ، وقبض الله نفسه وهو بين سحري ونحري ، ومات في الليلة التي كان يدور عليَّ فيها ، ودُفِنَ في بيتي .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن مجاهد في قوله { إن الذين جاءُوا بالإفك عصبة منكم } قال : أصحاب عائشة عبد الله بن أبي ابن سلول ، ومسطح ، وحسان .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال : الذين افتروا على عائشة حسان ، ومسطح ، وحمنة بنت جحش ، وعبد الله بن أبي .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عروة : أن عبد الملك بن مروان كتب إليه يسأله عن الذين جاءوا بالإِفك ، فكتب إليه أنه لم يسم منهم إلا حسان ، ومسطح ، وحمنة بنت جحش ، في آخرين لا علم لي بهم .
وأخرج البخاري وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن الزهري قال : كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال : الذي تولى كبره منهم علي .

(7/262)


فقلت : لا . حدثني سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وعلقمة بن وقاص ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، كلهم سمع عائشة تقول : الذي تولى كبره عبد الله بن أبي قال : فقال لي فما كان جرمه؟ قلت : حدثني شيخان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، أنهما سمعا عائشة تقول : كان مسيئاً في أمري .
وقال يعقوب بن شبة في مسنده : حدثنا الحسن بن علي الحلواني ، ثنا الشافعي ، ثنا عمي قال : دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك فقال له : يا سليمان الذي تولى كبره من هو؟ قال : عبد الله بن أبي قال : كذبت وهو علي . قال أمير المؤمنين أعلم بما يقول فدخل الزهري فقال : يا ابن شهاب من الذي تولى كبره؟ فقال له : ابن أبي قال : كذبت . هو عليّ قال : أنا أكذب - لا أبا لك - لو نادى مناد من السماء أن الله أحل الكذب ما كذبت . حدثني عروة ، وسعيد ، وعبيد الله ، وعلقمة ، عن عائشة : أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن مسروق قال : دخل حسان بن ثابت على عائشة رضي الله عنها فشبب وقال :
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثي من لحوم الغوافل
قالت : لكنك لست كذلك قلت : تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله { والذي تولى كبره منهم لهم عذاب عظيم } قالت : وأي عذاب أشد من العمى؟! ولفظ ابن مردويه أو ليس في عذاب قد كف بصره؟
وأخرج ابن جرير من طريق الشعبي عن عائشة أنها قالت : ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان ، وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة . قوله لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هشام :
هجوت محمداً وأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
فان أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
أتشتمه ولست له بكفء ... فشركما لخير كما الفداء
لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدره الدلاء
فقيل : يا أم المؤمنين أليس هذا لغو؟ قالت : لا إنما اللغو ما قيل عند النساء قيل : أليس الله يقول { والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم } ؟ قالت : أليس قد أصابه عذاب أليم؟ أليس قد أصيب بصره ، وكسع بالسيف ، وتعني الضربة التي ضربها إياه صفوان بن المعطل حين بلغه عنه أنه تكلم في ذلك فعلاه بالسيف وكاد يقتله؟؟
وأخرج محمد بن سعد عن محمد بن سيرين؛ أن عائشة كانت تأذن لحسان بن ثابت ، وتدعو له بالوسادة وتقول : لا تؤذوا حسان فإنه كان ينصر رسول الله بلسانه وقال الله { والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم } وقد عمي ، والله قادر أن يجعل ذلك العذاب العظيم عماه .

(7/263)


وأخرج ابن جرير وابن ابي حاتم عن الضحاك { والذي تولى كبره منهم } يقول : الذي بدأ بذلك .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن مجاهد { والذي تولى كبره } قال : عبد الله بن أبي ابن سلول يذيعه .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال : ذكر لنا أن الذي تولى كبره رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، أحدهما من قريش ، والآخر من الأنصار؛ عبد الله بن أبي ابن سلول ولم يكن شرٌ قطُّ إلا وله قادة ورؤساء في شرهم .
وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين؛ أن عائشة كانت تأذن لحسان بن ثابت ، وتلقي له الوسادة وتقول : لا تقولوا لحسان إلا خيراً ، فإنه كان يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال الله { والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم } وقد عمي ، والعمى عذاب عظيم ، والله قادر على أن يجعله ذلك ، ويغفر لحسان ، ويدخله الجنة .
وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عم مسروق قال في قراءة عبد الله « والذي تولى كبره منهم له عذاب أليم » .

(7/264)


لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14)

أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن بعض الأنصار أن امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإِفك ما قالوا : ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال : بلى وذلك الكذب أكنت أنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت : لا والله قال : فعائشة والله خير منك وأطيب ، إنما هذا كذب وإفك باطل ، فلما نزل القرآن ذكر الله من قال من الفاحشة ما قال من أهل الافك ، ثم قال { ولولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفك مبين } أي كما قال أبو أيوب وصاحبته .
وأخرج الواحدي وابن عساكر والحاكم عن أفلح مولى أبي أيوب أن أم أيوب قالت : ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال : بلى وذلك الكذب أفكنت يا أم أيوب فاعلة ذلك؟ قالت : لا والله قال : فعائشة والله خير منك . فلما نزل القرآن ، وذكر أهل الافك قال الله { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات } .

(7/265)


إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)

أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن مجاهد أنه قرأ { إذ تلقونه بألسنتكم } قال : يرويه بعضكم عن بعض .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { إذ تلقونه بألسنتكم } قال : يرويه بعضكم عن بعض .
وأخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن أبي مليكة قال : كانت عائشة تقرأ { إذ تلقونه بألسنتكم } وتقول : إنما هو ولق القول . والولق الكذب قال ابن أبي مليكة : هي أعلم به من غيرها لأن ذلك نزل فيها .
أما قوله تعالى : { وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم } .
وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً ، يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض » .
وأخرج الطبراني عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة » .

(7/266)


وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16)

أخرج ابن مردويه عن عائشة قالت : كان أبو أيوب الأنصاري حين أخبرته امرأته قالت : يا أبا أيوب ألا تسمع ما يتحدث الناس؟ فقال { ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم } .
وأخرج سنيد في تفسيره عن سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ما قيل في أمر عائشة قال : سبحانك! هذا بهتان عظيم .
وأخرج ابن أبي سمي في فوائده عن سعيد بن المسيب قال : كان رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعا شيئاً من ذلك قالا : سبحانك! هذا بهتان عظيم ، زيد بن حارثة ، وأبو أيوب .

(7/267)


يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18)

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه { يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً } قال يحرج الله عليكم .
وأخرج الفريابي والطبراني عن مجاهد في قوله { يعظكم الله } قال : ينهاكم .

(7/268)


إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20)

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن مجاهد { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة } قال : تظهر . يحدث عن شأن عائشة .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة } قال : يحبون أن يظهر الزنا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن خالد بن معدان قال : من حدث بما أبصرت عيناه ، وسمعت أذناه ، فهو من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال : من أشاع الفاحشة فعليه النكال ، وإن كان صادقاً .
وأخرج البخاري في الأدب والبيهقي في الشعب عن علي بن أبي طالب قال : العامل الفاحشة ، والذي يشيع بها ، في الإِثم سواء .
وأخرج البخاري في الأدب عن شبل بن عون قال : كان يقال من سمع بفاحشة فأفشاها فهو فيها كالذي أبداها .
وأخرج أحمد عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « لا تؤذوا عباد الله ، ولا تعيروهم ، ولا تطلبوا عوراتهم . فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته » .

(7/269)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ما زكا منكم } قال : ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير .

(7/270)


وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ولا يأتل أولوا الفضل } يقول : لا تقسموا أن لا تنفقوا على أحد .
وأخرج ابن المنذر عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان مسطح بن اثاثة ممن تولى كبره من أهل الإِفك ، وكان قريباً لأبي بكر ، وكان في عياله ، فحلف أبو بكر رضي الله عنه أن لا ينيله خيراً أبداً ، فأنزل الله { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة } قالت : فأعاده أبو بكر إلى عياله وقال : لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا تحللتها ، وأتيت الذي هو خير .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله { ولا يأتل أولوا الفضل منكم . . . . } قال : « نزلت هذه الآية في رجل من قريش يقال له مسطح ، كان بينه وبين أبي بكر قرابة ، وكان يتيماً في حجره ، وكان ممن أذاع على عائشة ما أذاع ، فلما أنزل الله براءتها وعذرها ، تألى أبو بكر لا يرزؤه خيراً ، فأنزل الله هذه الآية . فذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دعا أبا بكر ، فتلاها عليه فقال : ألا تحب أن يغفر الله لك؟ قال : بلى قال : فاعف عنه وتجاوز فقال أبو بكر : لا جرم . . . والله لا أمنعه معروفاً كنت أوليه قبل اليوم » .
وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال : كان ذو قرابة لأبي بكر ممن كثر على عائشة ، فحلف أبو بكر لا يصله بشيء وقد كان يصله قبل ذلك ، فلما نزلت هذه الآية { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة . . . } إلى آخر الآية فصار أبو بكر يضعف له بعد ذلك بعدما نزلت هذه الآية ضعفي ما كان يعطيه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال : حلف أبو بكر لا ينفع مسطح بن أثاثة ، ولا يصله ، وكان بينه وبين أبي بكر قرابة من قبل النساء ، فأقبل إلى أبي بكر يعتذر فقال مسطح : جعلني الله فداءك والله الذي أنزل على محمد ما قذفتها ، وما تكلمت بشيء مما قيل لها أي خالي - وكان أبو بكر خاله - قال أبو بكر : ولكن قد ضحكت وأعجبك الذي قيل فيها قال : لعله يكون قد كان بعض ذلك ، فأنزل الله في شأنه { ولا يأتل أولوا الفضل . . . } .
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن محمد بن سيرين قال : حلف أبو بكر في يتيمين كانا في حجره ، كانا فيمن خاض في أمر عائشة؛ أحدهما مسطح بن اثاثة قد شهد بدراً ، فحلف لا يصلهما ولا يصيبا منه خيراً . فنزلت هذه الآية { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة . . . . } .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة .

(7/271)


. . } قال : كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رموا عائشة بالقبيح ، وأفشوا ذلك ، وتكلموا فيها ، فأقسم ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر ، أن لا يتصدقوا على رجل تكلم بشيء من هذا ولا يصلوه قال : لا يقسم أولوا الفضل منكم والسعة أن يصلوا أرحامهم ، وأن يعطوهم من أموالهم كالذي كانوا يفعلون قبل ذلك ، فأمر الله أن يغفر لهم وأن يعفو عنهم .
وأخرج ابن المنذر عن أبي سلمة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما نقص مال من صدقة قط . تصدقوا ، ولا عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله عزا . فاعفوا يعزكم الله ، ولا فتح رجل على نفسه باب مسألة يسأل الناس إلا فتح الله له باب فقر . إلا أن العفة خير » .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في ذم الغضب ، والخرائطي في مكارم الأخلاق ، والحاكم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه ، عن أبي وائل قال : رأيت عبد الله أتاه رجل برجل نشوان فأقام عليه الحد ثم قال للرجل الذي جاء به : ما أنت منه؟ قال : عمه . قال : ما أحسنت الأدب ولا سترته { وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم . . . . } ثم قال عبد الله : إني لأذكر أول رجل قطعه النبي صلى الله عليه وسلم أتى رجل فلما أمر به لتقطع يده كأنما سف وجهه رماداً فقيل : يا رسول الله كان هذا شق عليك قال : « لا ينبغي أن تكونوا للشيطان عوناً على أخيكم ، فإنه لا ينبغي للحاكم إذا انتهى إليه حد إلا أن يقيمه ، وإن الله عفو يحب العفو ، ثم قرأ { وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم } » .

(7/272)


إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23)

أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } قال : نزلت في عائشة خاصة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن خصيف قال : قلت لسعيد بن جبير أيما أشد : الزنا أم القذف؟ قال : الزنا . قلت : إن الله يقول { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } قال : إنما أنزل هذا في شأن عائشة خاصة .
وأخرج الطبراني عن الضحاك قال : نزلت هذه الآية في عائشة خاصة { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } قال : إنما عني بهذا نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي الجوزاء { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } قال : هذه لأمهات المؤمنين خاصة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سلمة بن نبيط { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } قال : هن نساء النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس . أنه قرأ سورة النور ففسرها ، فلما أتى على هذه الآية { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات } قال : هذه في عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يجعل لمن فعل ذلك توبة ، وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم التوبة ، ثم قرأ { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } إلى قوله { إلا الذين تابوا } ولم يجعل لمن قذف امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم توبة ، ثم تلا هذه الآية { لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم } فهم بعض القوم أن يقوم إلى ابن عباس ، فيقبل رأسه لحسن ما فسر .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة قالت : رميت بما رميت به وأنا غافلة ، فبلغني بعد ذلك : فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندي جالس ، إذ أوحي إليه وهو جالس ، ثم استوى ، فمسح على وجهه وقال : يا عائشة ابشري فقلت : بحمد الله لا بحمدك فقرأ { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } حتى بلغ { أولئك مبرؤون مما يقولون } .

(7/273)


يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)

أخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم فيقال : هؤلاء جيرانك يشهدون عليك فيقول : كذبوا فيقال : أهلك وعشيرتك فيقول : كذبوا فيقال : احلفوا فيحلفون ، ثم يصمتهم الله وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ، ثم يدخلهم النار » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي أيوب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن أول من يختصم يوم القيامة الرجل وامرأته ، فما ينطق لسانها ولسانه ولكن يداها ورجلاها ، يشهدان عليها بما كانت تغتاله ، أو توليه أو كلمة نحوها ، ويداه ورجلاه يشهدون عليه بما كان يوليها ، ثم يدعى الرجل وخوله فمثل ذلك » .
وأخرج أحمد وابن مردويه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أنكم تدعون مقدمة أفواهكم بالفدام ، وإن أول ما يبين عن أحدكم فرجه وكفه » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي امامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أول ما ينطق من ابن آدم يوم القيامة فخذه » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أول ما يستنطق من ابن آدم جوارحه في محاقير عمله . فيقول وعزتك يا رب إن عندي المضرات العظام » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن مردويه عن أبي أمامة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إني لأعلم آخر رجل من أمتي يجوز الصراط ، رجل يتلوى على الصراط كالغلام حين يضربه أبوه تزلّ يده مرة فتصيبها النار ، وتزل رجله مرة فتصيبها النار ، فتقول له الملائكة : أرأيت إن بعثك الله من مقامك هذا فمشيت سوياً أتخبرنا بكل عمل عملته؟ فيقول : أي وعزته لا أكتمكم من عملي شيئاً فيقولون له : قم فامش سوياً . فيقوم فيمشي حتى يجاوز الصراط فيقولون له : اخبرنا باعمالك التي عملت فيقول في نفسه : إن أخبرتهم بما عملت ردوني إلى مكاني فيقول : لا وعزته ما عملت ذنباً قط فيقولون : إن لنا عليك بينة ، فيلتفت يميناً وشمالاً هل يرى من الآدميين ممن كان يشهد في الدنيا أحد . فلا يراه فيقول : هاتوا بينتكم فيختم الله على فيه ، فتنطق يداه ورجلاه وجلده بعمله فيقول : أي وعزتك لقد عملتها وان عندي العظام العظائم المضرات فيقول : اذهب فقد غفرتها لك » .
وأخرج ابن مردويه وابن جرير عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أول عظم يتكلم من الإِنسان بعد أن يختم على فيه فخذه من جانبه الأيسر » .

(7/274)


يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق } قال : حسابهم ، وكل شيء في القرآن الدين فهو الحساب .
وأخرج عبد بن حميد والطبراني عن قتادة ، { يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق } أي أعمالهم الحق لحقهم ، وأهل الباطل لباطلهم { ويعلمون أن الله هو الحق المبين } .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد أنه قرأها « الحق » بالرفع .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : ( يومئذ يوفيهم الله الحق دينهم ) .

(7/275)


الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { الخبيثات } قال من الكلام { للخبيثين } قال : من الرجال { والخبيثون } من الرجال { للخبيثات } من الكلام { والطيبات } من الكلام { للطيبين } من الناس { والطيبون } من الناس { للطيبات } من الكلام . نزلت في الذين قالوا في زوجة النبي صلى الله عليه وسلم ما قالوا من البهتان .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن مجاهد في قوله { الخبيثات } قال من الكلام { للخبيثين } من الناس { والخبيثون } من الناس { للخبيثات } من الكلام { والطيبات } من الكلام { للطيبين } من الناس { والطيبون } من الناس { للطيبات } من الكلام { أولئك مبرأون مما يقولون } قال : من كان طيباً فهو مبرأ من كل قول خبيث لقوله يغفر الله له . ومن كان خبيثاً فهو مبرأ من كل قول صالح يقوله يرده الله عليه لا يقبله منه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والطبراني عن قتادة في قوله { الخبيثات } قال : من القول والعمل { للخبيثين } من الناس { والخبيثون } من الناس { للخبيثات } من القول والعمل { والطيبات } من القول والعمل { للطيبين } من الناس { والطيبون } من الناس { للطيبات } من القول والعمل { لهم مغفرة } لذنوبهم { ورزق كريم } هو الجنة .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن { للخبيثات } قال : من الكلام { والطيبات } من الكلام { للطيبين } من الناس { والطيبون } من الناس { للطيبات } من الكلام وهؤلاء { مبرأون مما } يقال لهم من السوء يعني عائشة .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير عن الضحاك وإبراهيم . مثله .
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء { الخبيثات } قال : من القول { للخبيثين } من الناس { والخبيثون } من الناس { للخبيثات } من القول { والطيبات } من القول { للطيبين } من الناس { والطيبون } من الناس { للطيبات } من القول . ألا ترى أنك تسمع بالكلمة الخبيثة من الرجل الصالح فتقول غفر الله لفلان ما هذا من خلقه ، ولا من شيمه ، ولا مما يقول . قال الله { أولئك مبرأون مما يقولون } أن يكون ذلك من شيمهم ، ولا من أخلاقهم ، ولكن الزلل قد يكون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى الجزار قال : جاء أسير بن جابر إلى عبد الله فقال : قد سمعت الوليد بن عقبة اليوم تكلم بكلام اعجبني فقال عبد الله : إن الرجل المؤمن يكون في فيه الكلمة غير طيبة تتجلجل في صدره ما تستقر حتى يلفظها ، فيسمعها رجل عنده مثلها ، فيضمها إليها . وان الرجل الفاجر تكون في قلبه الكلمة الطيبة تتجلجل في صدره ما تستقر حتى يلفظها ، فيسمعها الرجل الذي عنده مثلها ، فيضمها إليها . ثم قرأ عبد الله { الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن زيد في قوله { الخبيثات للخبيثين } قال : نزلت عائشة حين رماها المنافق بالبهتان والفرية فبرأها الله من ذلك ، وكان عبد الله بن أبي هو الخبيث ، فكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة ويكون لها ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم طيباً ، وكان أولى أن تكون له الطيبة ، وكانت عائشة الطيبة ، فكانت أولى أن يكون لها الطيب ، وفي قوله { أولئك مبرأون مما يقولون } قال : ههنا برئت عائشة .

(7/276)


وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت : لقد نزل عذري من السماء ، ولقد خلقت طيبة وعند طيب ، ولقد وعدت مغفرة وأجراً عظيماً .
وأخرج الطبراني عن ذكوان حاجب عائشة قال : دخل ابن عباس على عائشة فقال : ابشري ما بينك وبين أن تلقي محمداً والأحبة إلا أن تخرج الروح من الجسد ، كنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله ، ولم يكن يحب رسول الله إلا طيباً ، وسقطت قلادتك ليلة الأبواء ، فأنزل الله أن { تيمموا صعيداً طيباً } [ النساء : 43 ] وكان ذلك بسببك ، وما أنزل الله لهذه الأمة من الرخصة ، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات جاء بها الروح الأمين فأصبح وليس مسجد من مساجد الله يذكر الله فيه إلا هي تتلى فيه آناء الليل وآناء النهار قالت : دعني منك يا ابن عباس ، فوالذي نفسي بيده لوددت أني كنت نسياً منسياً .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « إذا كان يوم القيامة حد الله الذين قذفوا عائشة ثمانين ثمانين على رؤوس الخلائق ، فيستوهب ربي المهاجرين منهم ، فاستأمرك يا عائشة ، فسمعت عائشة الكلام وهي في البيت فبكت ثم قالت : والذي بعثك بالحق نبياً ، لَسُرُورُكَ أحب إليّ من سروري ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكاً وقال : إنها ابنة أبيها » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام » .
وأخرج الحاكم عن الزهري قال : « إن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام » .
وأخرج الحاكم عن الزهري قال : لو جمع علم الناس كلهم ، ثم علم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، لكانت عائشة أوسعهم علماً .
وأخرج الحاكم عن عروة قال ما رأيت أحداً أعلم بالحلال والحرام والعلم والشعر والطب من عائشة رضي الله عنها .
وأخرج الحاكم عن موسى بن طلحة قال : ما رأيت أحداً أفصح من عائشة رضي الله عنها .
وأخرج أحمد في الزهد والحاكم عن الأحنف قال : سمعت خطبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والخطباء هلم جرا ، فما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن منه من عائشة رضي الله عنها .

(7/277)


وأخرج سعيد بن منصور والحاكم عن مسروق أنه سئل أكانت عائشة تحسن الفرائض؟ فقال : لقد رأيت الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونها عن الفرائض .
وأخرج الحاكم عن عطاء قال : كانت عائشة أفقه الناس ، وأعلم الناس ، وأحسن الناس رأياً في العامة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مسلم البطين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « عائشة زوجتي في الجنة » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت : خلال فيَّ سبع لم تكن في أحد من الناس إلا ما آتى الله مريم بنت عمران . والله ما أقول هذا لكي أفتخر على صواحبي قيل : وما هن؟ قالت : نزل الملك بصورتي ، وتزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم لسبع سنين ، وأهديت إليه وأنا بنت تسع سنين ، وتزوجني بكراً لم يشركه فيَّ أحدٌ من الناس ، وأتاه الوحي وأنا وإياه في لحاف واحد ، وكنت من أحب الناس إليه ، ونزل فيَّ آيات من القرآن كادت الأمة تهلك فيهن ، ورأيت جبريل لم يره أحد من نسائه غيري ، وقبض لم يله أحد غير الملك وأنا .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : « إن جبريل يقرأ عليك السلام قالت عائشة : وعليه السلام ورحمة الله وبركاته » .
وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد من طريق أبي بكر محمد بن عمر البغدادي الحنبلي عن أبيه ، ثنا محمد بن الحسن الكاراني ، حدثني إبراهيم الخرجي قال : ضاق بي شيء من أمور الدنيا ، فدعوت بدعوات يقال لها دعاء الفرج فقلت : وما هي؟ فقال : حدثني أبو عبد الله أحمد ابن محمد بن حنبل ، حدثني سفيان بن عيينة ، ثنا محمد بن واصل الأنصاري ، عن أبيه عن جده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كنت جالساً عند أم المؤمنين عائشة لأقر عينيها بالبراءة وهي تبكي فقالت : والله قد هجرني القريب والبعيد حتى هجرتني الهرة ، وما عرض عليَّ طعام ولا شراب ، فكنت أرقد وأنا جائعة ظامئة ، فرأيت في منامي فتى فقال لي : ما لك فقلت : حزينة مما ذكر الناس فقال : ادعي بهذه يفرج عنك فقلت : وما هي؟ فقال : قولي يا سابغ النعم ، ودافع النقم ، ويا فارج الغمم ، ويا كاشف الظلم ، يا أعدل من حكم ، يا حسيب من ظلم . يا ولي من ظلم ، يا أول بلا بداية ، ويا آخر بلا نهاية ، يا من له اسم بلا كنية ، اللهم اجعل لي من أمري فرجاً ، ومخرجاً ، قالت : فانتبهت وأنا ريانة شبعانة ، وقد أنزل الله منه فرجي قال ابن النجار : خبر غريب .

(7/278)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29)

أخرج الفريابي وابن جرير من طريق عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار قال : قالت امراة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني أكون في بيتي على الحالة التي لا أحب أن يراني عليها أحد لا ولد ولا والد ، فيأتيني الآتي فيدخل علي ، فكيف أصنع؟ ولفظ ابن جرير : وانه لا يزال يدخل عليَّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال ، فنزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم } الآية .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان والضياء في المختارة من طرق ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } قال : أخطأ الكاتب إنما هي حتى تستأذنوا .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن إبراهيم قال : في مصحف عبد الله { حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا }
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال : هي في قراءة أبي { حتى تسلموا وتستأذنوا } .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { حتى تستأنسوا } قال : حتى تستأذنوا .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الاستئناس . الاستئذان .
وأخرج ابن أبي شيبة والحكيم والترمذي وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي أيوب قال : قلت يا رسول الله أرأيت قول الله { حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } هذا التسليم قد عرفناه فما الاستئناس؟ قال : يتكلم الرجل بتسبيحة ، وتكبيرة ، وتحميدة ، ويتنحنح ، فيؤذن أهل البيت .
وأخرج الطبراني عن أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الاستئناس . أن تدعو الخادم حتى يستأنس أهل البيت الذين يسلم عليهم » .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { حتى تستأنسوا } قال : تنحنحوا وتنخموا .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب وأبو داود والبيهقي في سننه من طريق ربعي قال : « حدثنا رجل من بني عامر استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت فقال : أألج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه : أخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقيل له : قل السلام عليكم . أأدخل؟ » .
وأخرج ابن جرير عن عمرو بن سعد الثقفي « أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أألج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأمة له يقال لها روضة : » قومي إلى هذا فعلميه ، فإنه لا يحسن يستأذن فقولي له يقول السلام عليكم . أأدخل؟ « » .

(7/279)


وأخرج ابن سعيد وأحمد والبخاري في الأدب وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق كلدة؛ « أن صفوان بن أمية بعثه في الفتح بلبن وجداية وضغابيس والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى الوادي قال : فدخلت عليه ولم أسلم ، ولم استأذن فقال النبي صلى الله عليه وسلم : » ارجع فقل السلام عليكم . أأدخل؟ « » .
وأخرج قاسم بن أصبغ وابن عبد البر في التمهيد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : استأذن عمر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : السلام على رسول الله السلام عليكم . أيدخل عمر؟
وأخرج ابن وهب في كتاب المجالس وابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم قال : أرسلني أبي إلى ابن عمر فجئته فقلت : أألج؟ فقال : ادخل . فلما دخلت قال : مرحباً يا ابن أخي لا تقل أألج؟ ولكن قل السلام عليكم ، فإذا قالوا وعليك فقل : أأدخل؟ فإن قالوا ادخل فأدخل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أم أياس قالت : كنت في أربع نسوة نستأذن على عائشة فقلت : ندخل فقالت : لا . فقالت واحدة : السلام عليكم . أندخل؟ قالت : ادخلوا ثم قالت { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } .
وأخرج الترمذي عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « السلام قبل الكلام » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب عن أبي هريرة؛ فيمن يستأذن قبل أن يسلم قال : لا يؤذن له حتى يبدأ بالسلام .
وأخرج البخاري في الأدب عن أبي هريرة قال : إذا دخل ولم يقل السلام عليكم فقل : لا . . حتى تأتي بالمفتاح .
واخرج ابن أبي حاتم عن أبي عبيدة قال : كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس تكلم ورفع صوته .
وأخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن مسعود قال : عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم واخواتكم .
وأخرج البخاري في الأدب وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا دخل البصر فلا اذن له » .
وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الاستئذان في البيوت فقال « من دخلت عينه قبل أن يستأذن ويسلم فقد عصى الله ، ولا أذن له » .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من كان يشهد أني رسول الله فلا يدخل على أهل بيت حتى يستأنس ويسلم ، فإذا نظر في قعر البيت فقد دخل » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والبيهقي في شعب الإِيمان عن هذيل قال :

(7/280)


« جاء سعد فوقف على باب النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن ، فقام على الباب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم » هكذا عنك فإنما الإِستئذان من النظر « » .
وأخرج البخاري في الأدب وأبو داود عن عبد الله بن بشر قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم ، لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه . ولكن من ركنه الأيمن أو الايسر ، ويقول : السلام عليكم السلام عليكم ، وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن سهل بن سعد قال : « اطلع رجل من جحر في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم ومعه مدرى يحك بها رأسه فقال » لو أعلم أنك تنظر لطعنت بها في عينك ، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر « وفي لفظ : » إنما جعل الله الإِذن من أجل البصر « .
وأخرج الطبراني عن سعد بن عبادة قال : » جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيته فقمت مقابل الباب استأذنت ، فأشار إليَّ أن تباعد وقال « هل الاستئذان إلا من أجل النظر » « .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الايمان عن قتادة في قوله { حتى تستأنسوا } قال : هو الاستئذان قال : وكان يقال الاستئذان ثلاث ، فمن لم يؤذن له فيهن فليرجع . أما الأولى فيسمع الحي . وأما الثانية فيأخذوا حذرهم . واما الثالث فإن شاؤوا أذنوا وإن شاؤوا ردوه .
وأخرج مالك والبخاري ومسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدري قال : كنت جالساً في مجلس من مجالس الأنصار ، فجاء أبو موسى فزعاً ، فقلنا له : ما أفزعك؟ قال : أمرني عمر أن آتيه ، فأتيته فاستأذنت ثلاثاً ، فلم يؤذن لي ، فرجعت فقال : ما منعك أن تأتيني قلت : قد جئت ، فاستأذنت ثلاثاً ، فلم يؤذن لي وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع « قال : لتأتيني على هذا بالبينة فقالوا : لا يقوم إلا أصغر القوم ، فقام أبو سعيد معه فشهد له فقال عمر لأبي موسى : إني لم أتهمك ، ولكن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم } يعني بيوتاً ليست لكم { حتى تستأنسوا وتسلموا } فيها تقديم يعني حتى تسلموا ثم تستأذنوا ، والسلام قبل الاستئذان ، { ذلكم } يعني الاستئذان والتسليم { خير لكم } يعني أفضل من أن تدخلوا من غير إِذن ، ان لا تأثموا ، ويأخذ أهل البيت حذرهم { لعلكم تذكرون } { فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم } يعني في الدخول { وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا } يعني لا تقعدوا ولا تقوموا على أبواب الناس { هو أزكى لكم } يعني الرجوع خير لكم من القيام والقعود على أبوابهم { والله بما تعملون عليم } يعني بما يكون عليم { ليس عليكم جناح } لا حرج عليكم { أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة } يعني ليس بها ساكن .

(7/281)


وهي الخانات التي على طرق الناس للمسافر ، لا جناح عليكم أن تدخلوها بغير استئذان ولا تسليم { فيها متاع لكم } يعني منافع من البرد والحر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { فإن لم تجدوا فيها أحداً } يقول : إن لم يكن لكم فيها متاع ، فلا تدخلوها إلا بإذن ، وفي قوله { ليس عليكم جناح . . . . } قال : كانوا يضعون بطرق المدينة أقتاباً وامتعات في بيوت ليس فيها أحد ، فأحلت لهم أن يدخلوها بغير إذن .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { بيوتاً غير مسكونة } قال : هي بالبيوت التي منزلها السفر ، لا يسكنها أحد .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن الحنفية في قوله { بيوتاً غير مسكونة } قال : هي هذه الخانات التي في الطرق .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء في قوله { فيها متاع لكم } قال : الخلاء والبول .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله { بيوتاً غير مسكونة } قال : هي البيوت الْخَرِبَةُ لقضاء الحاجة .
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم النخعي . مثله .
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله { فيها متاع لكم } يعني الخانات . ينتفع بها من المطر والحر والبرد .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { بيوتاً غير مسكونة } قال : هي البيوت التي ينزلها الناس في أسفارهم لا أحد فيها وفي قوله { فيها متاع لكم } قال : بلغة ومنفعة .
وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن مردويه عن أنس قال : قال رجل من المهاجرين : لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها؛ أن استأذن على بعض اخواني فيقول لي : ارجع . فأرجع وأنا مغتبط لقوله تعالى { وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال : كان الرجل في الجاهلية إذا لقي صاحبه لا يسلم عليه يقول : حييت صباحاً ، وحييت مساء . وكان ذلك تحية القوم بينهم ، وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه فلا يستأذن حتى يقتحم ويقول : قد دخلت . فيشق ذلك على الرجل ، ولعله يكون مع أهله ، فغير الله ذلك كله في ستر وعفة فقال { لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم } فلما نزلت آية التسليم في البيوت والاستئذان فقال أبو بكر : يا رسول الله فكيف بتجار قريش الذين يختلفون بين مكة والمدينة والشام وبيت المقدس ، ولهم بيوت معلومة على الطريق ، فكيف يستأذنون ويسلمون ، وليس فيهم سكان؟ فرخص الله في ذلك . فأنزل الله { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة } بغير اذن .
وأخرج البخاري في الأدب وأبو داود في الناسخ وابن جرير عن ابن عباس قال { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } ففسح واستثنى من ذلك فقال { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم } .

(7/282)


قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)

أخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال : « مر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق من طرقات المدينة ، فنظر إلى امرأة ونظرت إليه ، فوسوس لهما الشيطان : إنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا اعجاباً به ، فبينا الرجل يمشي إلى جنب حائط ينظر إليها ، إذ استقبله الحائط فشق أنفه فقال : والله لا اغسل الدم حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاعلمه أمري ، فأتاه فقص عليه قصته فقال النبي صلى الله عليه وسلم : » هذا عقوبة ذنبك « وأنزل الله { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم . . . } الآية » .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم . . . } الآية أي عما لا يحل لهم { ويحفظوا فروجهم } أي عما لا يحل لهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } قال من شهواتهم عما يكره الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } يعني أبصارهم ، فمن هنا صلة في الكلام . يعني يحفظوا أبصارهم عما لا يحل لهم النظر إليه ، ويحفظوا فروجهم عن الفواحش { ذلك أزكى لهم } يعني غض البصر ، وحفظ الفرج .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : كل آية يذكر فيها حفظ الفرج ، فهو من الزنا إلا هذه الآية في النور { ويحفظوا فروجهم } { ويحفظن فروجهن } فهو ان يراها .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال : قلت يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال : احفظ عورتك إلا من زوجتك ، أو ما ملكت يمينك قلت : يا نبي الله إذا كان القوم بعضهم في بعض قال : إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها قلت : إذا كان أحدنا خالياً قال : الله أحق أن يستحي منه من الناس .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن العلاء بن زياد قال : كان يقال لا تتبعن بصرك حسن رداء امرأة ، فإن النظر يجعل شبقاً في القلب .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال : الشيطان من الرجل على ثلاثة منازل : على عينيه ، وقلبه ، وذكره ، وهو من المرأة على ثلاثة : على عينها ، وقلبها ، وعجزها .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه عن جرير البجلي قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة ، فأمرني أن أصرف بصري .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والبيهقي في سننه عن بريدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي

(7/283)


« لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه من حديث علي مثله .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم « قال لا تجلسوا في المجالس ، فإن كنتم لا بد فاعلين ، فردوا السلام ، وغضوا الأبصار ، واهدوا السبيل ، وأعينوا على الحمولة » .
وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إياكم والجلوس على الطرقات قالوا : يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا . نتحدث فيها فقال : إن أبيتم فاعطوا الطريق حقه قالوا : وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال : غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر » .
وأخرج أبو القاسم البغوي في معجمه والطبراني عن أبي أمامة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « اكفلوا لي بست أكفل لكم بالجنة . إذا حدث أحدكم فلا يكذب ، وإذا ائتمن فلا يخن ، وإذا وعد فلا يخلف ، غضوا أبصاركم ، وكفوا أيديكم ، واحفظوا فروجكم » .
وأخرج أحمد والحكيم في نوادر الأصول والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما من مسلم ينظر إلى امرأة أول رمقة ثم يغض بصره إلا أحدث الله له عبادة يجد حلاوتها في قلبه » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله عز وجل كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة . فزنا العين النظر ، وزنا اللسان المنطق ، وزنا الأذنين الاستماع ، وزنا اليدين البطش ، وزنا الرجلين الخطو ، والنفس تمني وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه » .
وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة ، فمن تركها من خوف الله أثابه إِيماناً يجد حلاوته في قلبه » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والديلمي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كل عين باكية يوم القيامة ، إلا عيناً غضت عن محارم الله ، وعيناً سهرت في سبيل الله ، وعيناً خرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله » .

(7/284)


وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)

أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال : بلغنا - والله أعلم - أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث : أن أسماء بنت مرشد كانت في نخل لها في بني حارثة ، فجعل النساء يدخلن عليها غير مؤتزرات ، فيبدو ما في أرجلهن يعني الخلاخل ، ويبدو صدورهن وذوائبهن فقالت أسماء : ما أقبح هذا . . . ! فأنزل الله في ذلك { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن . . . } الآية .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله { ولا يبدين زينتهن } قال : الزينة . السوار ، والدملج ، والخلخال ، والقرط ، والقلادة ، { إلا ما ظهر منها } قال : الثياب والجلباب .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : الزينة زينتان . زينة ظاهرة ، وزينة باطنة لا يراها إلا الزوج ، فاما الزينة الظاهرة : فالثياب . وأما الزينة الباطنة : فالكحل ، والسوار ، والخاتم . ولفظ ابن جرير فالظاهرة منها : الثياب . وما يخفي : فالخلخالان ، والقرطان ، والسواران .
وأخرج احمد والنسائي والحاكم والبيهقي في سننه عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أيما امرأة استعطرت ، فخرجت ، فمرت على قوم فيجدوا ريحها ، فهي زانية » .
وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } قال : الكحل ، والخاتم .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } قال : الكحل ، والخاتم ، والقرط ، والقلادة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن ابن عباس في قوله { إلا ما ظهر منها } قال : هو خضاب الكف ، والخاتم .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إلا ما ظهر منها } قال : وجهها ، وكفاها ، والخاتم .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إلا ما ظهر منها } قال : رقعة الوجه ، وباطن الكف .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن الزينة الظاهرة فقالت : القلب ، والفتخ ، وضمت طرف كمها .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة في قوله { إلا ما ظهر منها } قال : الوجه ، وثغرة النحر .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله { إلا ما ظهر منها } قال : الوجه ، والكف .
وأخرج ابن جرير عن عطاء في قوله { إلا ما ظهر منها } قال الكفان ، والوجه .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } قال : المسكتان ، والخاتم ، والكحل قال قتادة : وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

(7/285)


« لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج يدها إلا إلى ههنا ويقبض نصف الذراع » .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن المسور بن مخرمة في قوله { إلا ما ظهر منها } قال : القلبين يعني السوار ، والخاتم ، والكحل .
وأخرج سنيد وابن جرير عن ابن جريج قال : قال ابن عباس في قوله { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } قال : الخاتم ، والمسكة قال ابن جريج . وقالت عائشة رضي الله عنها : القلب والفتخة . قالت عائشة : دخلت على ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزينة ، فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وأعرض فقالت عائشة رضي الله عنها : انها ابنة أخي وجارية فقال « إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها ، وإلا ما دون هذا ، وقبض على ذراع نفسه ، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى » .
وأخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي والبيهقي في سننه عن « أم سلمة إنها كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم وميمونة فقالت : بينا نحن عنده أقبل ابن أبي مكتوم ، فدخل عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » احتجبا عنه فقالت : يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا؟ فقال أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟! « » .
وأخرج أبو داود وابن مردويه والبيهقي عن عائشة : أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق ، فأعرض عنها وقال « يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا ، وأشار إلى وجهه وكفه » .
وأخرج أبو داود في مراسيله عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل » والله أعلم .
وأخرج البخاري وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عائشة قالت : رحم الله نساء المهاجرات الأول؛ لما أنزل الله { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } أخذ النساء أزُرَهُنَّ فشققنها من قبل الحواشي ، فاختمرن بها .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه عن عائشة قالت : لما نزلت هذه الآية { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } شققن أكتف مروطهن ، فاختمرن به .
وأخرج الحاكم وصححه عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي تختمر فقال : لية لا ليتين .
وأخرج أبو داود وابن أبي حاتم وابن مردويه عن صفية بنت شيبة قالت : بينا نحن عند عائشة فذكرن نساء قريش وفضلهن فقالت عائشة : ان نساء قريش لفضلى ، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار ، أشد تصديقاً لكتاب الله ، ولا إيماناً بالتنزيل ، لقد أنزلت سورة النور { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل إليهن فيها ، ويتلو الرجل على امرأته وبنته وأخته ، وعلى ذي قرابته ، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها فاعتجرت به تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله في كتابه ، فاصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم للصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان .

(7/286)


وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن عائشة : أن امرأة دخلت عليها وعليها خمار رقيق يشف جبينها ، فأخذته عائشة فشقته ثم قالت : ألا تعلمين ما أنزل الله في سورة النور ، فدعت لها بخمار فكستها اياه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { وليضربن } وليشددن { بخمرهن على جيوبهن } يعني النحر ، والصدر ، فلا يرى منه شيء .
وأخرج أبو داود في الناسخ عن ابن عباس قال : في سورة النور { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن } وقال { يدنين عليهن من جلابيبهن } ثم استثنى فقال { والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن . . . . } والمتبرجات اللاتي يخرجن غير نحورهن .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } والزينة الظاهرة . الوجه ، وكحل العينين ، وخضاب الكف ، والخاتم ، فهذا تظهره في بيتها لمن دخل عليها ثم قال : { ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن . . . } والزينة التي تبديها لهؤلاء قرطاها ، وقلادتها ، وسوارها ، فأما خلخالها ، ومعضدها ، ونحرها ، وشعرها ، فإنها لا تبديه إلا لزوجها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { ولا يبدين زينتهن } يعني ولا يضعن الجلباب وهو القناع من فوق الخمار { إلا لبعولتهن أو آبائهن . . . . } قال : فهو محرم . وكذلك العم ، والخال { أو نسائهن } يعني نساء المؤمنات { أو ما ملكت أيمانهن } يعني عبد المرأة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الشعبي وعكرمة في هذه الآية { ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن } حتى فرغ منها قال : لم يذكر العم والخال لأنهما ينعتان لأبنائهما ، فلا تضع خمارها عند العم والخال .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس { أو نسائهن } قال : من المسلمات ، لا تبديه ليهودية ، ولا لنصرانية ، وهو النحر ، والقرط ، والوشاح ، وما حوله .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في سننه عن مجاهد قال : لا تضع المسلمة خمارها أي لا تكون قابلة عند مشركة ، ولا تقبلها لأن الله تعالى يقول { أو نسائهن } فلسن من نسائهن .
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في سننه وابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي عبيدة أما بعد؛ فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك ، فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها .

(7/287)


وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { أو ما ملكت أيمانهن } يعني عبد المرأة لا يحل لها أن تضع جلبابها عند عبد زوجها .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال : لا بأس أن يرى العبد شعر سيدته .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال : تضع المرأة الجلباب عند المملوك .
وأخرج أبو داود وابن مردويه والبيهقي عن أنس « أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها ، وعلى فاطمة ثوب ، إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها ، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال : » إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك « » .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا كان لإِحداكن مكاتب وكان له ما يؤدي فلتحتجب منه » .
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد رضي الله عنه قال : كان العبيد يدخلون على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { أو ما ملكت أيمانهن } قال : في القراءة الأولى . الذين لم يبلغوا الحلم مما ملكت أيمانكم .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن طاوس ومجاهد قال : لا ينظر المملوك لشعر سيدته قالا : وفي بعض القراءة ( أو ما ملكت أيمانكم الذين لم يبلغوا الحلم ) .
وأخرج عبد الرزاق عن عطاء أنه سئل : هل يرى غلام المرأة رأسها وقدمها؟ قال : ما أحب ذلك إلا أن يكون غلاماً يسراً ، فأما رجل ذو لحية فلا .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال : لا تغرنكم هذه الآية { أو ما ملكت أيمانهن } إنما عني بها الإِماء ، ولم يعن بها العبيد .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال : تستتر المرأة من غلامها .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في قوله { أو التابعين غير أولي الإِربة من الرجال } قال : هو الذي لا يستحي منه النساء .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { أو التابعين غير أولي الإِربة } قال : هذا الرجل يتبع القوم وهو مغفل في عقله ، لا يكترث للنساء ، ولا يشتهي النساء .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { أو التابعين غير أولي الإِربة من الرجال } قال : كان الرجل يتبع الرجل في الزمان الأول لا يغار عليه ، ولا ترهب المرأة أن تضع خمارها عنده ، وهو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء .

(7/288)


وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن طاوس { غير أولي الإِربة } قال : هو الأحمق الذي ليس له في النساء أرب ولا حاجة .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { غير أولي الإِربة } قال : هو الأبله الذي لا يعرف أمر النساء .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { غير أولي الإِربة } قال : هو المخنث الذي لا يقوم زبه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { غير أولي الإِربة من الرجال } قال : هو الشيخ الكبير الذي لا يطيق النساء .
وأخرج عبد بن حميد { غير أولي الإِربة } هو العنين .
وأخرج ابن المنذر عن الكلبي { غير أولي الإِربة } قال : هو الخصي والعنين .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عكرمة قال هو الذي لا يقوم زبه .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن سعيد بن جبير قال : هو المعتوه .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن الشعبي قال : هو الذي لم يبلغ أربه أن يطلع على عورات النساء .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن عائشة قالت : « كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث فكانوا يعدونه من غير أولي الإِربة ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة قال : إذا أقبلت أقبلت بأربع ، وإذا أدبرت أدبرت بثمان فقال النبي صلى الله عليه وسلم » لا أرى هذا يعرف ما ههنا لا يدخلن عليكم فحجبوه « » .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت : « كان يدخل على أزاوج النبي صلى الله عليه وسلم هيت وإنما كن يعددنه من غير أولي الإِربة من الرجال ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو ينعت امرأة يقول : إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع ، وإذا أدبرت أدبرت بثمات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أسمع هذا يعلم ما ههنا لا يدخلن عليكم ، فأخرجه فكان بالبيداء يدخل كل جمعة يستطعم » .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } قال : هم الذين لا يدرون ما النساء من الصغر قبل الحلم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء } قال : الغلام الذي لم يحتلم .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة مثله .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال : كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها .

(7/289)


والله أعلم .
وأخرج ابن جرير عن حضرمي : أن امرأة اتخذت معرنين من فضة ، واتخذت جزعاً فمرت على القوم ، فضربت برجلها فوقع الخلخال على الجزع فصّوت ، فأنزل الله { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ولا يضربن بأرجلهن } وهو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال ، أو تكون على رجليها خلاخل فتحركهن عند الرجال . فنهى الله عن ذلك لأنه من عمل الشيطان .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { ولا يضربن بأرجلهن } قال : كانت المرأة تضرب برجلها ليسمع قعقعة الخلخال فيها ، فنهى عن ذلك .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } قال : الخلخال . نهى أن تضرب برجلها ليسمع صوت الخلخال .
وأخرج عبد بن حميد عن معاوية بن قرة قال : كن نساء الجاهلية يلبسن الخلاخيل الصم ، فأنزل الله هذه الآية { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك قال : كانت المراة تمر على المجلس في رجلها الخرز ، فإذا جاوزت المجلس ضربت برجلها ، فنزلت { ولا يضربن بأرجلهن } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : إن المرأة كانت يكون في رجلها الخلخال فيه الجلاجل ، فإذا دخل عليها غريب تحرك رجلها عمداً ليسمع صوت الخلخال فقال : { ولا يضربن } يعني لا يحركن أرجلهن { ليعلم ما يخفين } يعني ليعلم الغريب إذا دخل عليها ما تخفي من زينتها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود { ليعلم ما يخفين من زينتهن } قال : الخلخال .
وأخرج الترمذي عن ميمونة بنت سعد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الرافلة في الزينة في غير أهلها كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها » .
وأخرج أحمد والبخاري في الأدب ومسلم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن الأغر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « يا أيها الناس توبوا إلى الله جميعاً فإني أتوب إليه كل يوم مائة مرة » .
وأخرج أحمد عن حذيفة قال : كان في لساني ذوب إلى أهلي فلم أعده إلى غيره فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : « أين أنت من الاستغفار يا حذيفة؟ إني لاستغفر الله في كل يوم مائة مرة ، وأتوب إليه » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : كم للمؤمنين من ستر؟ قال : هي أكثر من أن يحصى ، ولكن المؤمن إذا عمل خطيئة هتك منها ستراً ، فإذا تاب رجع إليه ذلك الستر ، وتسعة معه وإذا لم يبق عليه منها شيء قال الله تعالى لمن يشاء من ملائكته : « إن بني آدم يعيرون ولا يغفرون فحفوه بأجنحتكم ، فيفعلون به ذلك ، فإن تاب رجعت إليه الأستار كلها ، وإذا لم يتب عجبت منه الملائكة فيقول الله لهم : اسلموه .

(7/290)


فيسلموه حتى لا يستر منه عورة « .
وأخرج ابن المنذر عن عبد الله بن مغفل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : » الندم توبة « .
وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن مسعود قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : » الندم توبة « .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس أنه سئل : عن الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها فقال : أوّله سفاح ، وآخره نكاح ، وتوبتهما إلي جميعاً أحب من توبتهما إلي متفرقين ، إن الله يقول { توبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنين } .

(7/291)


وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)

أخرج عبد بن حميد عن قتادة { وأنكحوا الأيامى منكم } قال : قد أمركم الله - كما تسمعون أن تنكحوهن ، فإنه أغض لأبصارهم ، واحفظ لفروجهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن أنه قال : وانكحوا الصالحين من عبيدكم وامائكم .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال انكحوا الصالحين والصالحات فما تبعهم بعد ذلك فهو حسن .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { وانكحوا الأيامى منكم } الآية . قال : أمر الله سبحانه بالنكاح ورغبهم فيه ، وأمرهم أن يتزوجوا أحرارهم وعبيدهم ، ووعدهم في ذلك الغنى فقال { إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله }
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق قال : أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى قال تعالى { إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق . قال : أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى قال تعالى { إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله } .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد عن قتادة قال : ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قال : ما رأيت كرجل لم يلتمس الغنى في الباءة وقد وعده الله فيها ما وعده فقال { إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله } .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة معاً في المصنف عن عمر بن الخطاب قال : ابتغوا الغنى في الباءة .
وفي لفظ اطلبوا الفضل في الباءة وتلا { إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله } .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال : التمسوا الغنى في النكاح . يقول الله { إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله } .
وأخرج الديلمي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « التمسوا الرزق بالنكاح » .
وأخرج البزار وابن مردويه والديلمي من طريق عروة عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « انكحوا النساء فإنهن يأتينكم بالمال » وأخرجه ابن أبي شيبة وأبو داود في مراسيله عن عروة مرفوعاً مرسلاً .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ثلاثة حق على الله عونهم الناكح يريد العفاف ، والمكاتب يريد الأداء ، والغازي في سبيل الله » .
وأخرج الخطيب في تاريخه عن جابر قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو إليه الفاقة فأمره أن يتزوج .

(7/292)


وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً } قال : هو الرجل يرى المرأة فكأنه يشتهي ، فإن كانت له امرأة فليذهب إليها فليقض حاجته منها ، وإن لم تكن له امرأة فلينظر في ملكوت السموات والأرض حتى يغنيه الله من فضله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي روق { وليستعفف } يقو : عما حرم الله عليهم حتى يرزقهم الله .
وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس في قوله { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً } الآية قال : ليتزوج من لا يجد فإن الله سيغنيه .
وأخرج ابن السكن في معرفة الصحابة عن عبد الله بن صبيح عن أبيه قال : كنت مملوكاً لحويطب بن عبد العزى . فسألته الكتاب فأبى ، فنزلت { والذين يبتغون الكتاب . . . } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { والذين يبتغون الكتاب } يعني الذين يطلبون المكاتبة من المملوكين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله { فكاتبوهم } قال : هذا تعليم ورخصة وليست بعزيمة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عامر الشعبي { فكاتبوهم } قال : إن شاء كاتب وإن شاء لم يكاتب .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن أنس بن مالك قال : سألني سيرين المكاتبة ، فأبيت عليه ، فأتى عمر بن الخطاب ، فأقبل عليَّ بالدرة وقال : كاتبه وتلا { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً } فكاتبته .
وأخرج أبو داود في المراسيل والبيهقي في سننه عن يحيى بن أبي كثير قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً } قال : » إن علمتم فيهم حرفة ولا ترسلوهم كلا على الناس « .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله { إن علمتم فيهم خيراً } قال : المال .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد مثله .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس في قوله { إن علمتم فيهم خيراً } قال : أمانة ووفاء .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس في قوله { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً } إن علمت إن مكاتبك يقضيك .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن ابن جريج قال : قلت لعطاء ما قوله { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً } الخير المال أم الصلاح أم كل ذلك؟ قال ما أراه إلا المال كقوله { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً } الخير . المال .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني { إن علمتم فيهم خيراً } قال : إن علمتم عندهم أمانة .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة وإبراهيم وأبي صالح . مثله .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والبيهقي عن نافع قال : كان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم يكن له حرفة ويقول : يطعمني من أوساخ الناس .

(7/293)