صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور |
وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82) وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91) قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97)
أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن محمد بن كعب في قوله : { فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً } قال : يابساً ليس فيه ماء ولا طين . (7/26)
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { طريقاً في البحر يبساً } قال : يابساً .
وأخرج ابن المنذر ، عن ابن جريج قال : قال أصحاب موسى : هذا فرعون قد أدركنا ، وهذا البحر قد عمنا . فأنزل الله { لا تخاف دركاً ولا تخشى } من البحر غرقاً ولا وحلاً .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { لا تخاف دركاً } قال : من آل فرعون { ولا تخشى } من البحر غرقاً .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي في قوله : { فغشيهم من اليم } قال البحر .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { ولا تطغوا فيه } قال : الطغيان فيه أن يأخذه بغير حله .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم في قوله : { فيحل عليكم غضبي } قال : فينزل عليكم غضبي .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الأعمش أنه قرأ { من يحلل عليه غضبي } بكسر اللام على تفسير من يجب عليه غضبي .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن أبي مجلز في قوله : { ومن يحلل عليه غضبي } قال : إن غضبه خلق من خلقه يدعوه فيكلمه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { فقد هوى } قال : شقي .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن سقي بن ماتع : أن في جهنم قصراً يرمى الكافر من أعلاه ، فيهوي في جهنم أربعين ، قبل أن يبلغ الصلصال ، فذلك قوله : { ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى } .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس { وإني لغفار لمن تاب } قال : من الشرك { وآمن } . قال : وحد الله { وعمل صالحاً } قال : أدى الفرائض { ثم اهتدى } قال : لم يشك .
وأخرج سعيد بن منصور والفريابي ، عن ابن عباس في قوله : { وإني لغفار } الآية . قال : تاب من الذنب ، وآمن من الشرك . وعمل صالحاً فيما بينه وبين ربه { ثم اهتدى } علم أن لعمله ثواباً يجزى عليه .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير في قوله : { ثم اهتدى } قال : ثم استقام لفرقة السنة والجماعة .
وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والبيهقي في الشعب من طريق عمرو بن ميمون ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : فعجل موسى إلى ربه فقال الله : { وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى } قال : فرأى في ظل العرش رجلاً فعجب له . فقال : من هذا يا رب؟ قال : لا أحدثك حديثه لكن سأحدثك بثلاث فيه : كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله ، ولا يعق والديه ، ولا يمشي بالنميمة .
وأخرج ابن مردويه ، عن وهب بن مالك رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله لما وعد موسى أن يكلمه ، خرج للوقت الذي وعده ، فبينما هو يناجي ربه ، إذ سمع خلفه صوتاً ، فقال إلهي إني أسمع خلفي صوتاً ، قال : لعل قومك ضلوا ، قال : إلهي ، من أضلهم؟ قال : السامري . قال : كيف أضلهم؟ قال : صاغ لهم { عجلاً جسداً له خوار } قال : إلهي هذا السامري صاغ لهم العجل : فمن نفخ فيه الروح حتى صار له خوار؟ قال : أنا يا موسى ، قال : فبعزتك ، ما أَضَلَّ قومي أحد غيرك . قال : صدقت . قال : يا حكيم الحكماء ، لا ينبغي حكيم أن يكون أحكم منك » . (7/27)
وأخرج ابن جرير في تهذيبه ، عن راشد بن سعد قال : إن موسى لما قدم على ربه - واعد قومه أربعين ليلة - قال : يا موسى ، إن قومك قد افتتنوا من بعدك . قال : يا رب كيف يفتنون؟ وقد نجيتهم من فرعون ، ونجيتهم من البحر ، وأنعمت عليهم ، وفعلت بهم؟! قال : يا موسى إنهم اتخذوا من بعدك عجلاً له خوار قال : يا رب ، فمن جعل فيه الروح؟ قال : أنا . قال : فأنت يا رب أضللتهم . قال : يا موسى ، يا رأس النبيين ، ويا أبا الحكام ، إني رأيت ذلك في قلوبهم ، فيسرته لهم .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه ، عن علي رضي الله عنه قال : لما تعجل موسى إلى ربه ، عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلي بني إسرائيل فضربه عجلاً ، ثم ألقى القبضة في جوفه ، فإذا هو عجل جسد له خوار فقال لهم السامري : { هذا إلهكم وإله موسى } فقال لهم هارون : { يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً } فلما أن رجع موسى أخذ رأس أخيه ، فقال له هارون ما قال ، فقال موسى للسامري : { ما خطبك } فقال : { قبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي } فعمد موسى إلى العجل ، فوضع عليه المبارد فبرده وهو على شطر نهر ، فما شرب أحد من ذلك الماء - ممن كان يعبد ذلك العجل - إلا اصفر وجهه مثل الذهب! فقالوا : يا موسى ، ما توبتنا؟ قال : يقتل بعضكم بعضاً ، فأخذوا السكاكين ، فجعل الرجل يقتل أباه وأخاه وابنه ، لا يبالي من قتل ، حتى قتل منهم سبعون ألفاً! فأوحى الله إلى موسى : مرهم فليرفعوا أيديهم ، فقد غفرت لمن قتل ، وتبت على من بقي .
وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : لما هجم فرعون على البحر وأصحابه - وكان فرعون على فرس أدهم حصان ، هاب الحصان أن يقتحم البحر ، فمثل له جبريل على فرس أنثى ، فلما رآها الحصان هجم خلفها ، وعرف السامري جبريل - لأن أمه حين خافت أن يذبح خلفته في غار وأطبقت عليه - فكان جبريل يأتيه فيغذوه بأصابعه ، في واحدة لبناً ، وفي الأخرى عسلاً ، وفي الأخرى سمناً ، فلم يزل يغذوه حتى نشأ ، فلما عاينه في البحر عرفه ، فقبض قبضة من أثر فرسه .
قال أخذ من تحت الحافر قبضة ، وألقى في روع السامري : إنك لا تلقيها على شيء فتقول كن كذا إلا كان ، فلم تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر ، فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر ، أغرق الله آل فرعون . قال موسى لأخيه هارون { اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين } ومضى موسى لموعد ربه ، وكان مع بني إسرائيل حلي من حلي آل فرعون ، فكأنهم تأثموا منه ، فأخرجوه لتنزل النار فتأكله ، فلما جمعوه قال السامري : بالقبضة هكذا ، فقذفها فيه ، وقال : كن عجلاً جسداً له خوار فصار { عجلاً جسداً له خوار } فكان يدخل الريح من دبره ، ويخرج من فيه يسمع له صوت! فقال { هذا إلهكم وإله موسى فعكفوا } على العجل يعبدونه . فقال هارون : { يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري } { قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى } . (7/28)
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : كان السامري رجلاً من أهل ماجرما ، وكان من قوم يعبدون البقر ، فكان يحب عبادة البقر في نفسه ، وكان قد أظهر الإسلام في بني إسرائيل ، فلما فصل موسى إلى ربه قال لهم هارون : إنكم قد حملتم { أوزاراً من زينة القوم } آل فرعون ومتاعاً وحلياً فتطهروا منها ، فإنها رجس ، وأوقد لهم ناراً ، فقال : اقذفوا ما معكم من ذلك فيها ، فجعلوا يأتون بما معهم فيقذفون فيها ، ورأى السامري أثر فرس جبريل ، فأخذ تراباً من أثر حافره ، ثم أقبل إلى النار ، فقال لهارون يا نبي الله ، ألقي ما في يدي؟ قال : نعم . ولا يظن هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره من ذلك الحلي والأمتعة فقذفه فيها فقال : كن { عجلاً جسداً له خوار } ، فكان للبلاء والفتنة . فقال : { هذا إلهكم وإله موسى } { فعكفوا عليه } وأحبوه حباً لم يحبوا مثله شيئاً قط : يقول الله : { فنسي } أي ترك ما كان عليه من الإسلام ، يعني السامري { أفلا يرون أَلاَّ يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً } وكان اسم السامري : موسى بن ظفر وقع في أرض مصر ، فدخل في بني إسرائيل ، فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال : { يا قوم ، إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى } فأقام هارون فيمن معه من المسلمين مخافة أن يقول له موسى : { فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي } وكان له سامعاً مطيعاً .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن هارون مر بالسامري وهو يتنحت العجل فقال له : ما تصنع؟ قال : اصنع ما لا يضر ولا ينفع! فقال هارون : اللهم أعطه ما سأل على نفسه ، ومضى هارون فقال السامري : اللهم إني أسألك أن يخور ، فخار . فكان إذا خار سجدوا له ، وإذا خار رفعوا رؤوسهم . (7/29)
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن بني إسرائيل استعاروا حليا من القبط ، فخرجوا به معهم ، فقال لهم هارون : قد ذهب موسى إلى السماء اجمعوا هذا الحلي حتى يجيء موسى ، فيقضي فيه ما قضى ، فجمع ثم أذيب ، فلما ألقى السامري القبضة تحول { عجلاً جسداً له خوار } فقال : { هذا إلهكم وإله موسى فنسي } قال : إن موسى ذهب يطلب ربه ، فضل فلم يعلم مكانه وهو هذا .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن علي رضي الله عنه قال : إن جبريل لما نزل فصعد بموسى إلى السماء ، بصر به السامري من بين الناس ، فقبض قبضة من أثر الفرس ، وحمل جبريل موسى خلفه حتى إذا دنا من باب السماء صعد ، وكتب الله الألواح ، وهو يسمع صرير الأقلام في الألواح ، فلما أخبره أن قومه قد فتنوا من بعده ، نزل موسى فأخذ العجل فأحرقه .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان السامري من أهل كرمان .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي رضي الله عنه قال انطلق موسى إلى ربه فكلمه قال له : { ما أعجلك عن قومك يا موسى } { قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى } قال : { فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري } فلما خبره خبرهم قال : يا رب ، هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل . أرأيت الروح من نفخها فيه؟ قال الرب : أنا . قال : يا رب . فأنت إذاً أضللتهم . ثم رجع { موسى إلى قومه غضبان أسفاً } قال : حزيناً { قال يا قوم ألم يَعِدَكُم ربكم وعداً حسناً } إلى قوله : { ما أخلفنا موعدك بملكنا } يقول : بطاقتنا { ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم } يقول : من حلي القبط : { فقذفناها فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلاً جسداً خوار } { فعكفوا عليه يعبدونه } وكان يخور ويمشي . فقال لهم هارون : { يا قوم إنما فتنتم به } يقول ابتليتم بالعجل . قال : { فما خطبك يا سامري } ما بالك . إلى قوله : { وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليك عاكفاً لنحرقنه } قال : فأخذه فذبحه ثم خرقه بالمبرد . يعني سحكه ، ثم ذراه في اليم . فلم يبق نهر يجري يومئذ إلا وقع فيه منه شيء ، ثم قال لهم موسى : اشربوا منه ، فشربوا .
فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب ، فذلك حين يقول : { وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم } قال : فلما سقط في أيدي بني إسرائيل حين جاء موسى { ورأوا أنهم قد ضلوا ، قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين } فأبى الله أن يقبل توبة بني إسرائيل؛ إلا بالحال التي كرهوا أنهم كرهوا أن يقاتلوهم ، حين عبدوا العجل { فقال موسى يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم ، فاقتلوا أنفسكم } فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف ، فكان من قتل من الفريقين شهيداً ، حتى كثر القتل ، حتى كادوا أن يهلكوا ، حتى قتل منهم سبعون ألفاً ، وحتى دعا موسى وهارون : ربنا هلكت بنو إسرائيل ، ربنا البقية . . . البقية ، فأمرهم أن يضعوا السلاح ، وتاب عليهم ، فكان من قتل منهم . . . . كان شهيداً ، ومن بقي كان مكفراً عنه ، فذلك قوله تعالى : { فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم } ثم إن الله تعالى أمر موسى : أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ، فوعدهم موعداً { فاختار موسى سبعين رجلاً } ثم ذهب ليعتذروا من عبادة العجل ، فلما أتوا ذلك ، قالوا : { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } فإنك قد كلمته فأرناه { فأخذتهم الصاعقة } فماتوا فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول : رب . ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ { رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل . فذلك حين يقول موسى : { إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء } الآية . (7/30)
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { أفطال عليكم العهد } يقول : الوعد وفي قوله : { فأخلفتم موعدي } يقول : عهدي وفي قوله : { ما أخلفنا موعدك بملكنا } بأمر ملكنا { ولكنا حملنا أوزاراً } قال : أثقالاً من زينة القوم ، وهي الحلي الذي استعاروه من آل فرعون { فقذفناها } قال : فألقيناها { فكذلك ألقى السامري } قال : كذلك صنع { فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار } قال : حفيف الريح فيه . فهو خواره ، والعجل ولد البقرة .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { بملكنا } قال : بأمرنا .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { ما أخلفنا موعدك بملكنا } قال : بطاقتنا .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الحسن رضي الله عنه في قوله : { بملكنا } قال : بسلطاننا .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر ، عن يحيى أنه قرأ { بملكنا } وملكنا . واحد .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله : { هذا إلهكم وإله موسى فنسي } قال : نسي موسى أن يذكر لكم : إن هذا إلهه!
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه { فنسي } قال هم يقولونه ، قومه : أخطأ الرب العجل { أفلا يرون أَلاَّ يرجع إليهم قولاً } قال : العجل { ولا يملك لهم ضراً } قال : ضلالة .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن زيد في قوله : { قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعن } قال : تدعهم . (7/31)
وأخرج ابن المنذر ، عن ابن جريج في الآية قال : أمره موسى أن يصلح ، ولا يتبع سبيل المفسدين ، فكان من إصلاحه أن ينكر العجل . فذلك قوله : { أن لا تتبعن أفعصيت أمري } كذلك أيضاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله : { إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل } قال : خشيت أن يتبعني بعضهم ويتخلف بعضهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل } قال : قد كره الصالحون الفرقة قبلكم .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله : { ولم ترقب قولي } قال : لم تنتظر قولي وما أنا صانع وقائل . قال : وقال ابن عباس رضي الله عنهما { لم ترقب قولي } لم تحفظ قولي .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { قال فما خطبك يا سامري } قال : لم يكن اسمه ، ولكنه كان من قرية اسمها سامرة { قال بصرت بما لم يبصروا به } يعني فرس جبريل .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم ، أنه قرأ { بما لم يبصروا به } بالياء ورفع الصاد .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { فقبضت قبضة من أثر الرسول } قال : من تحت حافر فرس جبريل { فنبذتها } قال : نبذ السامري على حلية بني إسرائيل فانقلبت عجلاً .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { فقبضت قبضة من أثر الرسول } قال : قبض السامري قبضة من أثر الفرس فصره في ثوبه .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ، عن الحسن أنه كان يقرؤها « فقبصت » بالصاد . قال : والقبص بأطراف الأصابع .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الأشهب قال : كان الحسن يقرؤها « فقبصت قبصة » بالصاد ، يعني بأطراف أصابعه ، وكان أبو رجاء يقرؤها « فقبصت قبصة » بالصاد ، هكذا بجميع كفيه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : القبضة ملء الكف ، والقبصة بأطراف الأصابع .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم ، أنه قرأ { فقبضت قبضة } بالضاد على معنى القبض .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس } قال : عقوبة له { وإن لك موعداً لن تخلفه } قال : لن تغيب عنه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً } قال : أقمت { لنحرقنه } قال : بالنار { ثم لننسفنه في اليم نسفاً } قال : لنذرينه في البحر . (7/32)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ، أنه كان يقرأ { لنحرقنه } خفيفة . يقول : إن الذهب والفضة لا يحرقان بالنار ، يسحل بالمبرد ثم يلقى على النار فيصير رماداً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال : في بعض القراءة « لنذبحنه ثم لنحرقنه » خفيفة . قال قتادة : وكان له لحم ودم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نهيك الأزدي ، أنه قرأ { لنحرقنه } بنصب النون وخفض الراء وخففها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : اليم ، البحر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي قال : اليم ، النهر .
إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98) كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (99) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (101) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (102) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (104) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { وسع كل شيء علماً } يقول : ملأ . (7/33)
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي زيد في قوله : { وقد آتيناك من لدنا ذكراً } قال : القرآن .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { يحمل يوم القيامة وزراً } قال : إثماً .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { وساء لهم يوم القيامة حملاً } يقول : بئس ما حملوا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله : { وساء لهم يوم القيامة حملاً } قال : ليس هي ، وسألهم موصولة ينبغي أن يقطع ، فإنك إن وصلت لم تفهم وليس بها خفاء ، ساءلهم حملاً { خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملاً } قال : حمل السوء وبوئ صاحبه النار . قال : وإنما هي { وساء لهم } مقطوعة وساء بعدها لهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ، أن رجلاً أتاه فقال : أرأيت قوله : { ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً } وأخرى عمياً . قال : إن يوم القيامة فيه حالات : يكونون في حال زرقاً وفي حال عمياً .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { يتخافتون بينهم } قال : يتسارّون .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير في قوله : { إذ يقول أمثلهم طريقة } قال : أعلمهم في نفسه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { إذ يقول أمثلهم طريقة } قال : أعدلهم من الكفار { إن لبثتم } أي في الدنيا { إلا يوماً } لما تقاصرت في أنفسهم .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : قالت قريش : يا محمد ، كيف يفعل ربك بهذه الجبال يوم القيامة؟ فنزلت { ويسألونك عن الجبال } الآية .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { فيذرها قاعاً } قال : مستوياً { صفصفاً } قال : لا نبات فيه { لا ترى فيها عوجاً } قال : وادياً { ولا أمتاً } قال : رابية .
وأخرج الطستي عن ابن عباس ، أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل : { فيذرها قاعاً صفصفاً } قال : القاع ، الأملس . والصفصف ، المستوي ، قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت الشاعر وهو يقول :
ملمومة شهباء لو قذفوا بها ... شماريخ من رضوى إذا عاد صفصفا
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة ، أنه سئل عن قوله : { قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً } قال : كان ابن عباس يقول : هي الأرض الملساء التي ليس فيها رابية مرتفعة ولا انخفاض .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله : { قاعاً صفصفاً } قال : مستوياً { لا ترى فيها عوجاً } قال : خفضاً { ولا أمتاً } قال : إرتفاعاً .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله : { صفصفاً } قال : القاع : الأرض ، والصفصف : المستوية { لا ترى فيها عوجاً } قال : صدعاً . { ولا أمتاً } قال : أكمة . (7/34)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { لا ترى فيها عوجاً } قال : ميلاً { ولا أمتاً } قال : الأمت ، الأثر مثل الشراك .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال : العوج ، الإرتفاع ، والأمت ، المبسوط .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية قال : يعني بالأمت ، حفراً .
وأخرج ابن الأنباري في الوقف عن ابن عباس ، أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله تعالى : { لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً } ما الأمت؟ قال : الشي الشاخص من الأرض ، قال فيه كعب بن زهير :
فأبصرت لمحة من رأس عكرشة ... في كافر ما به أمت ولا شرف
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال : يحشر الله الناس يوم القيامة في ظلمة تطوى السماء وتتناثر النجوم وتذهب الشمس والقمر ، وينادي مناد فيسمع الناس الصوت يأتونه . فذلك قول الله : { يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله : { يتبعون الداعي لا عوج له } قال : لا عوج عنه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { لا عوج له } لا يميلون عنه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { لا تسمع إلا همساً } قال : الصوت الخفي .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { فلا تسمع إلا همساً } قال : صوت وطء الأقدام .
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك في قوله : { فلا تسمع إلا همساً } قال : أصوات أقدامهم .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وسعيد في قوله : { فلا تسمع إلا همساً } قال : وطء الأقدام .
وأخرج عبد بن حميد عن حصين بن عبد الرحمن قال : كنت قاعداً عند الشعبي فمرت علينا إبل قد كان عليها جص فطرحته ، فسمعت صوت أخفافها فقال : هذا الهمس .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { فلا تسمع إلا همساً } قال : هو خفض الصوت بالكلام ، يحرك لسانه وشفتيه ولا يسمع .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله : { إلا همساً } قال : سر الحديث وصوت الأقدام . والله أعلم .
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { وعنت الوجوه } قال : ذلت . (7/35)
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه مثله .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { وعنت الوجوه } قال : خشعت .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله : { وعنت الوجوه } قال : استأسرت ، صاروا أسارى كلهم .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية { وعنت الوجوه } قال : خضعت .
وأخرج الطستي عن ابن عباس ، أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل : { وعنت الوجوه للحي القيوم } قال : استسلمت وخضعت يوم القيامة . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت الشاعر وهو يقول :
ليبك عليك كل عان بكربه ... وآل قصيّ من مقل وذي وفر
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { وعنت الوجوه } قال : الركوع والسجود .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن طلق بن حبيب رضي الله عنه في قوله : { وعنت الوجوه للحي القيوم } قال : هو وضعك جبهتك وكفيك وركبتيك وأطراف قدميك في السجود .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير رضي الله عنه في قوله : { وقد خاب من حمل ظلماً } قال : شركاً .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { وقد خاب من حمل ظلماً } قال : شركاً . وفي قوله : { فلا يخاف ظلماً ولا هضماً } قال : { ظلماً } أن يزاد في سيئاته . { ولا هضماً } قال : لا ينقص من حسناته .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله : { فلا يخاف ظلماً ولا هضماً } قال : لا يخاف أن يظلم فيزاد في سيئاته ، ولا يهضم من حسناته .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { فلا يخاف ظلماً } قال : أن يزاد عليه أكثر من ذنوبه { ولا هضماً } قال : أن ينتقص من حسناته شيئاً .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ولا هضماً } قال : غصباً .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { أو يحدث لهم ذكراً } قال : القرآن { ذكراً } قال : جداً وورعاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه جبريل بالقرآن ، أتعب نفسه في حفظه حتى يشق على نفسه ، يتخوف أن يصعد جبريل ولم يحفظه فينسى ما علمه .
فقال الله : { ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه } وقال : { لا تحرك به لسانك لتعجل به } [ القيامة : 16 ] . (7/36)
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه } يقول : لا تعجل حتى نبينه لك .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن الحسن قال : لطم رجل امرأته فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تطلب قصاصاً ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بينهما القصاص ، فأنزل الله { ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علماً } فوقف النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت { الرجال قوّامون على النساء } [ النساء : 34 ] الآية .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن الحسن ، أنه قرأ { من قبل أن يقضى إليك وحيه } .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { ولا تعجل بالقرآن } قال : لا تمله على أحد حتى نتمه لك .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { من قبل أن يقضى إليك وحيه } قال : تبيانه .
وأخرج الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « اللهم انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علماً ، والحمد لله على كل حال » .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن ابن مسعود : أنه كان يدعو : اللهم زدني إيماناً وفقهاً ويقيناً وعلماً .
وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115)
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الصغير ، وابن منده في التوحيد ، والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إنما سمي الإنسان : لأنه عهد إليه فنسي . (7/37)
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن عساكر ، عن أبي أمامة الباهلي قال : لو أن أحلام بني آدم جمعت منذ يوم خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فوضعت في كفة وحلم آدم في كفة ، لرجح حلمه بأحلامهم . ثم قال الله : { ولم نجد له عزماً } قال : حفظاً .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الحسن قال : كان عقل آدم مثل عقل جميع ولده . قال الله : { فنسي ولم نجد له عزماً } .
وأخرج عبد الغني بن سعيد في تفسيره ، عن ابن عباس رضي الله عنهما { ولقد عهدنا إلى آدم } قال : أن لا يقرب الشجرة .
وأخرج ابن جرير وابن منده عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ولم نجد له عزماً } قال : حفظاً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { فنسي } قال : فترك { ولم نجد له عزماً } يقول : لم نجعل له عزماً .
وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سألت عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن قول الله : { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء أن تبد لكم تَسؤْكُم } [ المائدة : 101 ] قال : كان رجال من المهاجرين في أنسابهم شيء ، فقالوا يوماً ، والله لوددنا أن الله أنزل قرآناً في نسبنا . فأنزل الله ما قرأت ، ثم قال لي : إن صاحبكم هذا - يعني علي بن أبي طالب - إن ولِّي زهد ، ولكني أخشى عجب نفسه أن يذهب به . قلت : يا أمير المؤمنين ، إن صاحبنا من قد علمت . . . والله ما نقول أنه غيَّر ولا غدَل ولا أسخط رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام صحبته ، فقال : ولا في بنت أبي جهل . وهو يريد أن يخطبها على فاطمة ، قلت : قال الله في معصية آدم عليه السلام { ولم نجد له عزماً } وصاحبنا لم يعزم على إسخاط رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن الخواطر التي لم يقدر على دفعها عن نفسه . وربما كانت من الفقيه في دين الله العالم بأمر الله ، فإذا نبه عليها رجع وأناب . فقال : يا ابن عباس ، منْ ظَنّ أنه يرد بحوركم فيغوص فيها حتى يبلغ قعرها فقد ظن عجزاً .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، عن ابن عباس أنه قال لعمر بن الخطاب : يا أمير المؤمنين ، لم يذكر الرجل ولم ينس؟ فقال : إن على القلب طخاة كطخاة القمر ، فإذا تغشت القلب نسي ابن آدم ما كان يذكر ، فإذا انجلت ذكر ما نسي .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنه قال : لا تأكلوا بشمائلكم ولا تشربوا بشمائلكم ، فإن آدم أكل بشماله فنسي فأورث ذلك النسيان . (7/38)
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن عطية { ولم نجد له عزماً } قال : حفظا لما أمر به .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { ولم نجد له عزماً } قال : صبراً .
وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب قال : لو وزن حلم آدم بحلم العالمين لوزنه .
أخرج ابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير قال : لم يكن آدم من أولي العزم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله : { فنسي } قال : ترك ما قدم إليه ولو كان منه نسيان ما كان عليه شيء؛ لأن الله قد وضع عن المؤمنين النسيان والخطأ ، ولكن آدم ترك ما قدم إليه من أكل الشجرة .
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)
أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن الحسن رضي الله عنه في قوله : { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } قال : عنى به شقاء الدنيا ، فلا تلقى ابن آدم إلا شقياً ناصباً . (7/39)
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة قال : لم يقل فتشقيان؛ لأنها دخلت معه فوقع المعنى عليهما جميعاً وعلى أولادهما ، كقوله : { يا أيها النبي إذا طلقتم } [ الطلاق : 1 ] و { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } [ التحريم : 1- 2 ] فدخلوا في المعنى معه وإنما كلم النبي وحده .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر ، عن سعيد بن جبير رضي الله عنهما قال : إن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض استقبله ثور أبلق ، فقيل له : اعمل عليه . فجعل يمسح العرق عن جبينه ويقول : هذا ما وعدني ربي { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } ثم نادى حواء : أحواء ، أنت عملت في هذا؟ فليس أحد من بني آدم يعمل على ثور إلا قال : حوّاء دخلت عليهم من قبل آدم عليه السلام .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى } قال : لا يصيبك فيها عطش ولا حر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله : { لا تظمأ } قال : لا تعطش { ولا تضحى } قال : لا يصيبك فيها حر .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس ، أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله : { وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى } قال : لا تعرق فيها من شدة الشمس . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت الشاعر يقول :
رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأما بالعشيّ فيخصر
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله : { ولا تضحى } قال : لا يصيبك حر الشمس .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها ، وهي شجرة الخلد » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال : لما أسكن الله آدم الجنة وزوجته ونهاه عن الشجرة ، رأى غصونها متشعبة بعضها على بعض ، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم وهي الثمرة التي نهى الله آدم عنها وزوجته ، فلما أراد إبليس أن يستزلهما دخل الحية ، وكانت الحية لها أربع قوائم كأنها بختية من أحسن دابة خلقها الله ، فلما دخلت الحية الجنة خرج من جوفها إبليس فأخذ من الشجرة التي نهى الله آدم وزوجته عنها فجاء بها إلى حواء فقال : انظري إلى هذه الشجرة ، ما أطيب ريحها! وأطيب طعمها وأحسن لونها! فأخذتها حواء فأكلتها ثم ذهبت بها إلى آدم فقالت : انظر إلى هذه الشجرة ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها! .
. فأكل منها آدم { فبدت لهما سوآتهما } ، فدخل آدم في جوف الشجرة فناداه ربه : أين أنت؟ قال : ها أناذا يا رب . قال : ألا تخرج؟ قال : أستحي منك يا رب . قال : اهبط إلى الأرض . ثم قال : يا حواء ، غررت عبدي؟ فإنك لا تحملين حملاً إلا حملتِ كرْهاً ، فإذا أردت أن تضعي ما في بطنك أشرفت على الموت مراراً . (7/40)
وقال للحية : أنت التي دخل الملعون في جوفك حتى غرّ عبدي . . . أنت ملعونة لعنة تتحوّل قوائمك في بطنك ولا يكون لك رزق إلا التراب ، أنت عدو بني آدم وهم أعداؤك ، أينما لقيت أحداً منهم أخذت بعقبيه وحيث ما لقيك أحد منهم شرخ رأسك . قيل لوهب : وهل كانت الملائكة تأكل؟ قال : يفعل الله ما يشاء .
وأخرج الحكيم الترمذي عن علقمة قال : اقتلوا الحيات كلها إلا الجان الذي كأنه ميل ، فإنه جنها ولا يضر أحدكم كافراً قتل أو مسلماً .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان ، عن أبي عبد الله المغربي قال : تفكر إبراهيم عليه السلام في شأن آدم قال : يا رب ، خلقته بيدك ونفخت فيه من روحك وأسجدت له ملائكتك ، ثم بذنب واحد ملأت أفواه الناس حتى يقولوا : { وعصى آدم ربه فغوى } فأوحى الله إليه : يا إبراهيم ، أما علمت أن مخالفة الحبيب على الحبيب شديدة؟
قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)
أخرج الطبراني والخطيب في المتفق والمفترق وابن مردويه عن أبي الطفيل ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : { فمن اتبع هداي } . (7/41)
وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من اتبع كتاب الله ، هداه الله من الضلالة في الدنيا ووقاه سوء الحساب يوم القيامة » وذلك أن الله يقول : { فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى } .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان من طرق ، عن ابن عباس قال : أجار الله تابع القرآن من أن يضل في الدنيا أو يشقى في الآخرة . ثم قرأ : { فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى } قال : لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور ومسدد في مسنده ، وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في كتاب عذاب القبر ، عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً في قوله : { معيشة ضنكا } قال : عذاب القبر . ولفظ عبد الرزاق قال : يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه . ولفظ ابن أبي حاتم عن ضمة القبر .
وأخرج البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال : إن المعيشة الضنك : أن يسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً تنهشه في القبر .
وأخرج البزار وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ، « عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { فإن له معيشة ضنكاً } قال : المعيشة الضنك التي قال الله : » إنه يسلط عليه تسعة وتسعون حية تنهش لحمه حتى تقوم الساعة « » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم من وجه آخر ، عن أبي هريرة « عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { فإن له معيشة ضنكاً } قال : » عذاب القبر « » .
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذكر الموت والحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « المؤمن في قبره في روضة خضراء ، ويرحب له قبره سبعين ذراعاً ، ويضيء حتى يكون كالقمر ليلة البدر . . . هل تدرون فيما أنزلت { فإن له معيشة ضنكاً } ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : عذاب الكافر في قبره ، يسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً . . . هل تدرون ما التنين؟ تسعة وتسعون حية ، لكل حية سبعة رؤوس يخدشونه ويلسعونه وينفخون في جسمه إلى يوم يبعثون » .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في كتاب عذاب القبر ، عن ابن مسعود قال : إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديق ذلك من كتاب الله ، إن المؤمن إذا وضع في قبره أجلس فيه فيقال له : من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيثبته الله فيقول : ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم .
فيوسع له في قبره ويروّح له فيه . ثم قرأ عبد الله { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } فإذا مات الكافر أجلس في قبره فيقال له : من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول : لا أدري . قال : فيضيق عليه قبره ويعذب فيه . ثم قرأ : { ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً } . (7/42)
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { معيشة ضنكاً } قال : الشقاء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { معيشة ضنكاً } قال : شدة عليه في النار .
وأخرج الطستي عن ابن عباس ، أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله : { معيشة ضنكاً } قال : الضنك ، الشديد من كل وجه . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت الشاعر وهو يقول :
والخيل قد لحقت بنا في مارق ... ضنك نواحيه شديد المقدم
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني والبيهقي ، عن ابن مسعود في قوله : { فإن له معيشة ضنكاً } قال : عذاب القبر .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن مسعود مثله .
وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن أبي صالح والربيع مثله .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الحسن قال : المعيشة الضنك ، خصم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { معيشة ضنكاً } قال : يقول : كل مال أعطيته عبداً من عبادي قلّ أو كثر لا يطيعني فيه فلا خير فيه ، وهو الضنك في المعيشة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله : { معيشة ضنكاً } قال : ضيقة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله : { معيشة ضنكاً } قال : الضنك ، من المعيشة إذا وسع الله على عبده أن يجعل معيشته من الحرام ، فيجعله الله عليه ضيقاً في نار جهنم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن دينار في قوله : { معيشة ضنكاً } قال : يحول الله رزقه في الحرام ، فلا يطعمه إلا حراماً حتى يموت فيعذبه عليه .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله : { معيشة ضنكاً } قال : العمل السيء والرزق الخبيث .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله : { معيشة ضنكاً } قال : في النار شوك وزقوم وغسلين والضريع ، وليس في القبر ولا في الدنيا معيشة ، ما المعيشة والحياة إلا في الآخرة .
وأخرج البيهقي عن مجاهد { معيشة ضنكاً } ضيقة يضيق عليه قبره .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { فإن له معيشة ضنكاً } قال : رزقاً { ونحشره يوم القيامة أعمى } قال : عن الحجة { قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً } قال : في الدنيا { قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى } قال : تترك في النار .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله : { ونحشره يوم القيامة أعمى } قال : ليس له حجة . (7/43)
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن عكرمة في قوله : { ونحشره يوم القيامة أعمى } قال : عمي عليه كل شيء إلا جهنم . وفي لفظ قال : لا يبصر إلا النار .
وأخرج هناد عن مجاهد في قوله : { لم حشرتني أعمى } قال : لا حجة له .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { أتتك آياتنا فنسيتها } يقول : تركتها أن تعمل بها . { وكذلك اليوم تنسى } قال : في النار . والله أعلم .
وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (128) وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)
أخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله : { وكذلك نجزي من أسرف } قال : من أشرك . (7/44)
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { أفلم يهد لهم } قال : ألم نبين لهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { أفلم يهد لهم } قال : أفلم نبين لهم { كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم } نحو عاد وثمود ومن أهلك من الأمم . وفي قوله : { ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً وأجل مسمى } قال : هذا من مقاديم الكلام يقول : لولا كلمة من ربك وأجل مسمى لكان لزاماً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً } قال : لكان أخذاً ، ولكنا أخرناهم إلى يوم بدر وهو اللزوم ، وتفسيرها { ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاماً وأجل مسمى } لكان لزاماً ، ولكنه تقديم وتأخير في الكلام .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال : الأجل المسمى ، الكلمة التي سبقت من ربك { لكان لزاماً وأجل مسمى } قال : أجل مسمى الدنيا .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { لكان لزاماً } قال : موتاً .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } قال : هي الصلاة المكتوبة .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس } قال : هي صلاة الفجر { وقبل غروبها } قال : صلاة العصر { ومن آناء الليل } قال : صلاة المغرب والعشاء { وأطراف النهار } قال : صلاة الظهر .
وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن جرير ، « عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } قال : » { قبل طلوع الشمس } صلاة الصبح { وقبل غروبها } صلاة العصر « » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } قال : كان هذا قبل أن تفرض الصلاة .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان وابن مردويه ، عن جرير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ، فافعلوا » ثم قرأ : { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها } .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والنسائي ، عن عمارة بن رومية : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
« لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها » . (7/45)
وأخرج الحاكم عن فضالة بن وهب الليثي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : « حافظ على العصرين . قلت : وما العصران؟ قال : صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها » .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله : { ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار } قال : بعد الصبح وعند غروب الشمس .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله : { لعلك ترضى } قال : الثواب فيما يزيدك الله على ذلك .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي عبد الرحمن ، أنه قرأ { لعلك ترضى } برفع التاء .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن راهويه والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والخرائطي في مكارم الأخلاق ، وأبو نعيم في المعرفة عن أبي رافع قال : « أضاف النبي صلى الله عليه وسلم ضيفاً ولم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم ما يصلحه ، فأرسلني إلى رجل من اليهود أن بعنا أو أسلِفْنا دقيقاً إلى هلال رجب . فقال : لا ، إلا برهن . فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال : أما والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض ، ولو أسلفني أو باعني لأديت إليه ، اذهب بدرعي الحديد ، فلم أخرج من عنده حتى نزلت هذه الآية { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم } كأنه يعزيه عن الدنيا » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله : { ولا تمدن عينيك } الآية . قال : تعزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن أخوف ما أخاف عليكم ، ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا . قالوا : وما زهرة الدنيا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : بركات الأرض » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { زهرة الحياة الدنيا } قال : زينة الحياة الدنيا { لنفتنهم فيه } قال : لنبتليهم فيه { ورزق ربك خير وأبقى } قال : مما متع به هؤلاء من زهرة الدنيا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { ورزق ربك خير وأبقى } يقول : رزق الجنة .
وأخرج المرهبي في فضل العلم عن زياد الصدي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من طلب العلم تكفل الله برزقه » .
وأخرج المرهبي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من غدا في طلب العلم ، أظلت عليه الملائكة ، وبورك له في معيشته ولم ينقص من رزقه وكان عليه مباركاً » .
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله : { وأمر أهلك بالصلاة } قال : قومك . (7/46)
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري في قوله : { لا نسألك رزقاً } قال : لا نكلفك الطلب .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عروة ، أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا فرأى من دنياهم طرفاً ، فإذا رجع إلى أهله فدخل الدار قرأ { ولا تمدن عينيك } إلى قوله : { نحن نرزقك } ثم يقول : الصلاة . . . الصلاة رحمكم الله .
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر وابن النجار ، عن أبي سعيد الخدري قال : « لما نزلت { وأمر أهلك بالصلاة } » كان النبي صلى الله عليه وسلم يجيء إلى باب عليّ صلاة الغداة ثمانية أشهر يقول : الصلاة رحمكم الله { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } [ الأحزاب : 33 ] « » .
وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان ، عن ثابت قال : « كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابت أهله خصاصة نادى أهله بالصلاة : صلوا . . . صلوا . . . » قال ثابت : وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد عن معمر ، عن رجل من قريش قال : « كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل على أهله بعض الضيق في الرزق ، أمر أهله بالصلاة ثم قرأ { وأمر أهلك بالصلاة . . . } الآية » .
وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر والطبراني في الأوسط ، وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح ، عن عبد الله بن سلام قال : « كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزلت بأهله شدة أو ضيق ، أمرهم بالصلاة وتلا { وأمر أهلك بالصلاة . . . } الآية » .
وأخرج مالك والبيهقي عن أسلم قال : كان عمر بن الخطاب يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي ، حتى إذا كان آخر الليل أيقظ أهله للصلاة ويقول لهم : الصلاة . . . الصلاة . . . ويتلو هذه الآية : { وأمر أهلك بالصلاة } .
وأخرج ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة قال : قال لنا أبي : إذا رأى أحدكم شيئاً من زينة الدنيا وزهرتها ، فليأت أهله وليأمر أهله بالصلاة وليصطبر عليها ، فإن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم . . . . } وقرأ إلى آخر الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { والعاقبة للتقوى } قال : هي الجنة . والله أعلم .
وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (135)
أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى } قال : التوراة والإنجيل . (7/47)
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية قال : الهالك في الفترة والمعتوه والمولود يقول : رب لم يأتني كتاب ولا رسول . وقرأ هذه الآية { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً . . . } الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { أصحاب الصراط السوي } قال : العدل .
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9) لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10) وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15)
أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة ، « عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون } قال : » من أمر الدنيا « » . (7/48)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم ، عن ابن جريج في قوله : { اقترب للناس حسابهم } قال : ما يوعدون .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { ما يأتيهم من ذكر من ربهم } يقول : ما ينزل عليهم شيء من القرآن . وفي قوله : { لاهية قلوبهم } قال : غافلة . وفي قوله : { وأسروا النجوى الذين ظلموا } يقول : أسروا الذين ظلموا النجوى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { وأسروا النجوى } قال : أسروا نجواهم بينهم { هل هذا إلا بشر مثلكم } يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم { أفتأتون السحر } يقولون : إن متابعة محمد صلى الله عليه وسلم متابعة السحر . وفي قوله : { قال ربي يعلم القول } قال : الغيب وفي قوله : { بل قالوا أضغاث أحلام } قال : أباطيل أحلام .
وأخرج ابن منده وأبو نعيم في المعرفة والبيهقي في سننه وابن عدي ، عن جندب البجلي أنه قتل ساحراً كان عند الوليد بن عقبة ثم قال : { أفتأتون السحر وأنتم تبصرون } .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { بل قالوا أضغاث أحلام } أي فعل الأحلام إنما هي رؤيا رآها { بل افتراه بل هو شاعر } كل هذا قد كان منه { فليأتنا بآية كما أرسل الأوّلون } كما جاء موسى وعيسى بالبينات والرسل { ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها } أي أن الرسل كانوا إذا جاؤوا قومهم بالآيات فلم يؤمنوا لم ينظروا .
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال : « قال أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم : إن كان ما تقول حقاً ويسرك أن نؤمن ، فحوّل لنا الصفا ذهباً . فأتاه جبريل فقال : إن شئت كان الذي سألك قومك ، ولكنه إن كان ثم لم يؤمنوا لم ينظروا؛ وإن شئت استأنيت بقومك . قال : بل أستأني بقومي » فأنزل الله { ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون } .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : { أفهم يؤمنون } قال : يصدقون بذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام } يقول : لم نجعلهم جسداً ليس يأكلون الطعام ، إنما جعلناهم جسداً يأكلون الطعام .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { وما كانوا خالدين } قال : لا بد لهم من الموت أن يموتوا . وفي قوله : { ثم صدقناهم الوعد } إلى قوله : { وأهلكنا المسرفين } قال : هم المشركون .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان ، عن ابن عباس في قوله : { لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم } قال : فيه شرفكم .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { كتاباً فيه ذكركم } قال : فيه حديثكم . (7/49)
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن الحسن في قوله : { كتاباً فيه ذكركم } قال : فيه دينكم ، أمسك عليكم دينكم بكتابكم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { كتاباً فيه ذكركم } يقول : فيه ذكر ما تعنون به وأمر آخرتكم ودنياكم .
وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي ، عن ابن عباس قال : بعث الله نبياً من حمير يقال له شعيب ، فوثب إليه عبد فضربه بعصا فسار إليهم بختنصر فقاتلهم فقتلهم حتى لم يبق منهم شيء ، وفيهم أنزل الله { وكم أهلكنا من قرية كانت ظالمة } إلى قوله : { خامدين } .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر ، عن الكلبي { وكم قصمنا من قرية } قال : هي حصون بني أزد .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { وكم قصمنا من قرية } قال : أهلكناها . وفي قوله : { لا تركضوا } قال : لا تفروا . وفي قوله : { لعلكم تسألون } قال : تتفهمون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال : كانوا إذا أحسوا بالعذاب وذهبت عنهم الرسل من بعد ما أنذروهم فكذبوهم ، فلما فقدوا الرسل وأحسوا بالعذاب أرادوا الرجعة إلى الإيمان وركضوا هاربين من العذاب ، فقيل لهم؛ لا تركضوا . فعرفوا أنه لا محيص لهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { إذا هم منها يركضون } قال : يفرون .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { وارجعوا إلى ما أترفتم فيه } يقول : ارجعوا إلى دنياكم التي أترفتم فيها { لعلكم تسألون } من دنياكم شيئاً استهزاء بهم . وفي قوله : { فما زالت تلك دعواهم } قال : لما رأوا العذاب وعاينوه ، لم يكن لهم هجيري إلا قولهم : { إنا كنا ظالمين } حتى دمر الله عليهم وأهلكهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله : { وارجعوا إلى ما أترفتم فيه } قال : ارجعوا إلى دوركم وأموالكم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد { فما زالت تلك دعواهم } قال : هم أهل حصون ، كانوا قتلوا نبيهم فأرسل الله عليهم بختنصر فقتلهم . وفي قوله : { حتى جعلناهم حصيداً خامدين } قال : بالسيف ضربت الملائكة وجوههم حتى رجعوا إلى مساكنهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب قال : حدثني رجل من المحررين قال : كان باليمن قريتان ، يقال لإحداهما حضور ، والأخرى فلانة ، فبطروا وأترفوا حتى كانوا يغلقون أبوابهم ، فلما أترفوا بعث الله إليهم نبياً فدعاهم فقتلوه ، فألقى الله في قلب بختنصر أن يغزوهم فجهز إليهم جيشاً فقاتلوهم فهزموا جيشه ، ثم رجعوا منهزمين إليه فجهز إليهم جيشاً آخر أكثف من الأول فهزموهم أيضاً ، فلما رأى بختنصر ذلك غزاهم هو بنفسه فقاتلوه فهزمهم حتى خرجوا منها يركضون ، فسمعوا منادياً يقول : { لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم } فرجعوا فسمعوا منادياً يقول : يا لثارات النبي ، فقتلوا بالسيف فهي التي قال الله : { وكم قصمنا من قرية } إلى قوله : { خامدين } .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { حتى جعلناهم حصيداً } قال : الحصاد { خامدين } قال : كخمود النار إذا طفئت . (7/50)
وأخرج الطستي عن ابن عباس ، أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله : { خامدين } قال : ميتين . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول :
خلوا ثيابهم على عوراتهم ... فهم بأفنية البيوت خمود
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين } يقول : ما خلقناهما عبثاً ولا باطلاً . (7/51)
لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20)
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن عكرمة في قوله : { لو أردنا أن نتخذ لهواً } قال : اللهو ، الولد . (7/52)
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { لو أردنا أن نتخذ لهواً } الآية . يقول : لو أردت أن أتخذ ولداً لأتخذت من الملائكة .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله : { لو أردنا أن نتخذ لهواً } قال : النساء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال : اللهو بلسان اليمن ، المرأة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { لو أردنا أن نتخذ لهواً } قال : اللهو بلغة أهل اليمن ، المرأة . وفي قوله : { إن كنا فاعلين } أي ، إن ذلك لا يكون ولا ينبغي .
وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي في قوله : { لو أردنا أن نتخذ لهواً } قال : نساء { لاتخذناه من لدنا } قال : من الحور العين .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { لو أردنا أن نتخذ لهواً } قال : لعباً .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { لاتخذناه من لدنا } قال : من عندنا { إن كنا فاعلين } أي ما كنا فاعلين . يقول : وما خلقنا جنة ولا ناراً ولا موتاً ولا بعثاً ولا حساباً ، وكل شيء في القرآن { إن } فهو إنكار .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { بل نقذف بالحق } قال : القرآن { على الباطل } قال : اللبس { فإذا هو زاهق } قال : هالك .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث ، عن الحسن رضي الله عنه في قوله : { ولكم الويل مما تصفون } قال : هي والله لكل واصف كذب إلى يوم القيامة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { ومن عنده } قال : الملائكة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ولا يستحسرون } يقول : لا يرجعون .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { ولا يستحسرون } قال : لا يحسرون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله : { ولا يستحسرون } قال : لا يعيون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { ولا يستحسرون } قال : لا ينقطعون من العبادة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الشعب ، عن عبدالله بن الحارث بن نوفل رضي الله عنه ، أنه سأل كعباً عن قوله : { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } أما شغلهم رسالة؟ أما شغلهم عمل؟ فقال : جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النفس ، ألست تأكل وتشرب ، وتجيء وتذهب ، وتتكلم وأنت تتنفس؟ فكذلك جعل لهم التسبيح .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الحسن رضي الله عنه في قوله : { يسبحون الليل والنهار لا يفترون } قال : جعلت أنفاسهم تسبيحاً .
وأخرج أبو الشيخ عن يحيى بن أبي كثير قال : خلق الله الملائكة صمداً ليس لهم أجواف .
أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)
أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون } قال : يحيون . (7/53)
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون } يقول : ينشرون الموتى من الأرض ، يقول : يحيونهم من قبورهم .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { أم اتخذوا آلهة من الأرض } يعني مما اتخذوا من الحجارة والخشب . وفي قوله : { لو كان فيهما آلهة إلا الله } قال : لو كان معهما آلهة إلا الله { لفسدتا فسبحان الله رب العرش } يسبح نفسه تبارك وتعالى إذا قيل عليه البهتان .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { لا يسأل عما يفعل } قال : بعباده { وهم يسألون } قال : عن أعمالهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله : { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } قال : لا يسأل الخلاق عما يقضي في خلقه ، والخلق مسؤولون عن أعمالهم .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر ، عن ابن عباس قال : ما في الأرض قوم أبغض إليّ من القدرية ، وما ذلك إلا لأنهم لا يعلمون قدرة الله تعالى . قال الله : { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } .
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبدالله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن في بعض ما أنزل الله في الكتب : إني أنا الله لا إله إلا أنا ، قدرت الخير والشر فطوبى لمن قدرت على يده الخير ويسّرْتُه له ، وويل لمن قدرت على يده الشر ويسرته له . . إني أنا الله لا إله إلا أنا لا أُسْأَل عما أفعل وهم يسألون ، فويل لمن قال وكيف » .
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات ، عن ميمون بن مهران قال : لما بعث الله موسى وكلمه وأنزل عليه التوراة قال : اللهم إنك رب عظيم ، لو شئت أن تطاع لأطِعْت ، ولو شئت أن لا تُعْصَى ما عُصِيت ، وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى! فكيف هذا يا رب؟ فأوحى الله إليه : « إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون » .
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن نوف البكالي قال : قال عزير فيما يناجي ربه : « يا رب ، تخلق خلقاً { تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء } [ الأعراف : 155 ] فقال له : يا عزير ، أعرض عن هذا . فأعاد ، فقيل له : لتعرضن عن هذا وإلا محوتك من النبوّة ، إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون » .
وأخرج البيهقي عن داود بن أبي هند ، أن عزيراً سأل ربه عن القدر فقال : سألتني عن علمي ، عقوبتك أن لا أسميك في الأنبياء .
وأخرج الطبراني من طريق ميمون بن مهران ، عن ابن عباس قال : لما بعث الله موسى عليه السلام وأنزل عليه التوراة قال : اللهم إنك رب عظيم ولو شئت أن تطاع لأطعت ، ولو شئت أن لا تُعْصى ما عُصِيت ، وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى ، فكيف يا رب!؟ فأوحى الله إليه : إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون . فانتهى موسى . (7/54)
فلما بعث الله عزيراً وأنزل عليه التوراة بعد ما كان رفعها عن بني إسرائيل ، حتى قال : من قال : إنه ابن الله؟ قال : اللهم إنك رب عظيم ، ولو شئت أن تطاع لأُطِعْت ، ولو شئت أن لا تُعْصى ما عُصِيت ، وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى ، فكيف يا رب!؟ فأوحى الله أني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون . فأبت نفسه حتى سأل أيضاً فقال : أتستطيع أن تصرّ صرة من الشمس؟ قال : لا . قال : أفتستطيع أن تجيء بمكيال من ريح؟ قال : لا . قال : أفتستطيع أن تجيء بمثقال من نور؟ قال : لا . قال : أفتستطيع أن تجيء بقيراط من نور؟ قال : لا . قال : فهكذا إن لا تقدر على الذي سألت إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون ، أما أني لا أجعل عقوبتك إلا أن أمحو اسمك من الأنبياء فلا تذكر فيهم . فمحي اسمه من الأنبياء فليس يذكر فيهم وهو نبي .
فلما بعث الله عيسى ورأى منزلته من ربه وعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ، قال : اللهم إنك رب عظيم ، لو شئت أن تُطاع لأطِعْت ، ولو شئت أن لا تعصى ما عُصيت ، وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى! فكيف هذا يا رب؟ فأوحى الله إليه : إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون ، وأنت عبدي ورسولي وكلمتي ألقيتك إلى مريم وروح مني ، خلقتك من تراب ثم قلت لك كن فكنت ، لئن لم تنته لأفعلن بك كما فعلت بصاحبك بين يديك . . . إني لا أسال عما أفعل وهم يسألون . فجمع عيسى من تبعه وقال : القدر سرّ الله فلا تكلفوه .
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم } يقول : هاتوا بينتكم على ما تقولون { هذا ذكر من معي } يقول : هذا القرآن فيه ذكر الحلال والحرام { وذكر من قبلي } يقول : فيه ذكر أعمال الأمم السالفة وما صنع الله بهم وإلى ما صاروا { بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون } عن كتاب الله { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } قال : أرسلت الرسل بالإخلاص والتوحيد لله ، لا يقبل منهم حتى يقولوه ويقروا به ، والشرائع تختلف في التوراة شريعة وفي الإنجيل شريعة وفي القرآن شريعة ، حلال وحرام فهذا كله في الإخلاص لله وتوحيد الله . (7/55)
وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29) أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه قال : قالت اليهود : إن الله عز وجل صاهر الجن فكانت بينهم الملائكة . فقال الله تكذيباً لهم { بل عباد مكرمون } أي الملائكة ليس كما قالوا ، بل هم عباد أكرمهم الله بعبادته { لا يسبقونه بالقول } يثني عليهم { ولا يشفعون } قال : لا تشفع الملائكة يوم القيامة { إلا لمن ارتضى } قال : لأهل التوحيد . (7/56)
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { إلا لمن ارتضى } قال : لمن رضي عنه .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في قوله : { إلا لمن ارتضى } قال : قول لا إله إلا الله .
واخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { إلا لمن ارتضى } قال : الذين ارتضاهم لشهادة أن لا إله إلا الله .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في البعث ، عن جابر رضي الله عنه : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول الله { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } فقال : » إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي « » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « ليلة أسري بي مررت بجبريل ، وهو بالملأ الأعلى ملقى كالحلس البالي من خشية الله » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله : { ومن يقل منهم } يعني من الملائكة { إني إله من دونه } قال : ولم يقل ذلك أحد من الملائكة إلا إبليس ، دعا إلى عبادة نفسه وشرع الكفر .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { ومن يقل منهم إني إله من دونه . . . } الآية . قال : إنما كانت هذه خاصة لإبليس .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { كانتا رتقاً ففتقناهما } قال : فتقت السماء بالغيث ، وفتقت الأرض بالنبات .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { كانتا رتقاً } قال : لا يخرج منهما شيء { ففتقناهما } قال : فتقت السماء بالمطر وفتقت الأرض بالنبات .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية من طريق عبدالله بن دينار ، عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن رجلاً أتاه فسأله عن { السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما } قال : اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله ثم تعالَ فأخبرني ما قال . فذهب إلى ابن عباس فسأله قال : نعم ، كانت السماء رتقاء لا تمطر وكانت الأرض رتقاء لا تنبت ، فلما خلق الله الأرض فتق هذه بالمطر وفتق هذه بالنبات .
فرجع الرجل على ابن عمر فأخبره فقال ابن عمر : الآن علمت أن ابن عباس قد أوتي في القرآن علماً ، صدق ابن عباس هكذا كانت . (7/57)
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { كانتا رتقاً } قال : ملتصقتين .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد حميد وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن عكرمة قال : سئل ابن عباس عن الليل ، كان قبل أم النهار؟ قال : الليل . ثم قرأ { إن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما } فهل تعلمون كان بينهما إلا ظلمة .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { كانتا رتقاً ففتقناهما } قال : فتق من الأرض ست أرضين معها ، فتلك سبع أرضين بعضهن تحت بعض ، ومن السماء سبع سموات منها معها ، فتلك سبع سموات بعضهن فوق بعض ولم تكن الأرض والسماء مماستين .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة ، عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله : { كانتا رتقاً ففتقناهما } قال : كانت السماء واحدة ففتق منها سبع سموات ، وكانت الأرض واحدة ففتق منها سبع أرضين .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن وقتادة في قوله : { كانتا رتقاً ففتقناهما } قال : كانتا جمعاً ففصل الله بينهما بهذا الهواء .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : كانت السموات والأرضون ملتزقتين ، فلما رفع الله السماء وابتزها من الأرض ، فكان فتقها الذي ذكر الله .
وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات ، « عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : » قلت : يا رسول الله ، إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني ، فأنبئني عن كل شيء ، قال : كل شيء خلق من الماء « » .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات ، عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله : { وجعلنا من الماء كل شيء حي } قال : نطفة الرجل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله : { وجعلنا من الماء كل شيء حي } قال : خلق كل شيء من الماء ، وهو حياة كل شيء .
وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً } قال : بين الجبال . (7/58)
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { فجاجاً } أي أعلاماً { سبلاً } أي طرقاً .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد في قوله : { وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً } قال : مرفوعاً { وهم عن آياتها معرضون } قال : الشمس والقمر والنجوم من آيات السماء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة ، « أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما يوم الجمعة؟ قال : خلق الله في ساعتين منه الليل والنهار » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { كل في فلك } قال : دوران { يسبحون } قال : يجرون .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { كل في فلك } قال : فلكة كفلكة المغزل { يسبحون } قال : يدورون في أبواب السماء ما تدور الفلكة في المغزل .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { كل في فلك } قال : هو فلك السماء .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن حسان بن عطية قال : الشمس والقمر والنجوم مسخرة في فلك بين السماء والأرض .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله : { كل في فلك } قال : الفلك الذي بين السماء والأرض من مجاري النجوم والشمس والقمر . وفي قوله : { يسبحون } قال : يجرون .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر ، عن الكلبي رضي الله عنه قال : كل شيء يدور فهو فلك .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { كل في فلك يسبحون } النجوم والشمس والقمر . قال : كفلكة المغزل ، قال : هو مثل حسبان ، قال : فلا يدور الغزل إلا بالفلكة ، ولا تدور الفلكة إلا بالمغزل ، ولا يدور الرحى إلا بالحسبان ، ولا يدور الحسبان إلا بالرحى ، كذلك النجوم والشمس والقمر لا يدرن إلا به ولا يدور إلا بهن ، قال : والحسبان والفلك يصيران إلى شيء واحد ، غير أن الحسبان في الرحى كالفلكة في المغزل .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { كل في فلك } قال : الفلك كهيئة حديدة الرحى .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { كل في فلك يسبحون } قال : يجرون في فلك السماء كما رأيت .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه { كل في فلك يسبحون } قال : هو الدوران .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه { كل في فلك يسبحون } قال : المغزل قال كما تدور الفلكة في المغزل .
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه { كل في فلك يسبحون } قال : وكان عبدالله يقرأ « كل في فلك يعملون » .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { كل في فلك يسبحون } قال : يجرون .
وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34)
أخرج ابن المنذر عن جريج قال : لما نعى جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم نفسه قال : يا رب ، فمن لأمتي فنزلت { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد . . . } الآية . (7/59)
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنه قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبو بكر رضي الله عنه في ناحية المدينة ، فجاء فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجى فوضع فاه على جبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يقبله ويبكي ويقول : بأبي وأمي طبت حياً وطبت ميتاً ، فلما خرج مرّ بعمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يقول : ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يموت حتى يقتل الله المنافقين وحتى يخزي الله المنافقين . قال : وكانوا قد استبشروا بموت النبي صلى الله عليه وسلم فرفعوا رؤوسهم فقال : أيها الرجل ، أربع على نفسك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات . . . ألم تسمع الله يقول : { إنك ميت وإنهم ميتون } [ الزمر : 30 ] وقال : { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون } قال : ثم أتى المنبر فصعده فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ، إن كان محمد صلى الله عليه وسلم إلهكم الذي تعبدون ، فإن محمداً قد مات؛ وإن كان إلهكم الذي في السماء ، فإن إلهكم لم يمت ثم تلا { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } [ آل عمران : 144 ] حتى ختم الآية . ثم نزل وقد استبشر المسلمون بذلك واشتد فرحهم وأخذت المنافقين الكآبة .
قال عبدالله بن عمر : فوالذي نفسي بيده ، لكأنما كانت على وجوهنا أغطية فكشفت .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل ، عن عائشة قالت : دخل أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم وقد مات ، فقبله وقال : وانبياه! . . . واخليلاه! . . . واصفياه! . . . ثم تلا { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد } الآية . وقوله : { إنك ميت وإنهم ميتون } .
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم واللالكائي في السنة ، عن ابن عباس في قوله : { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } قال : نبتليكم بالشدة والرخاء والصحة والسقم ، والغنى والفقر ، والحلال والحرام ، والطاعة والمعصية ، والهدى والضلالة . والله أعلم . (7/60)
وَإِذَا رَآَكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آَلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (36)
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال : « مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على أبي سفيان وأبي جهل وهما يتحدثان ، فلما رآه أبو جهل ضحك وقال لأبي سفيان : هذا نبي بني عبد مناف . فغضب أبو سفيان فقال : ما تنكرون أن يكون لبني عبد مناف نبي . فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فرجع إلى أبي جهل فوقع به وخوّفه وقال : ما أراك منتهياً حتى يصيبك ما أصاب عمك . وقال لأبي سفيان : أما إنك لم تقل ما قلت إلا حمية » فنزلت هذه الآية { وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزواً } الآية . (7/61)
خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38)
أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر ، عن عكرمة قال : لما نفخ في آدم الروح ماد في رأسه فعطس فقال : الحمد لله . فقالت الملائكة : يرحمك الله ، فذهب لينهض قبل أن تمور في رجليه فوقع فقال الله : { خلق الإنسان من عجل } . (7/62)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال : أول ما نفخ فيه الروح نفخ في رأسه ثم في ركبتيه ، فذهب ليقوم قال : { خلق الإنسان من عجل } .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { خلق الإنسان من عجل } قال : آدم حين خلق بعد كل شيء آخر النهار من يوم خلق الخلق ، فلما أجرى الروح في عينيه ولسانه ورأسه ولم يبلغ أسفله ، قال : يا رب ، استعجل بخلقي قبل غروب الشمس .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : نفخ الرب تبارك وتعإلى الروح في نافوخ آدم ، فأبصر ولم يعقل حتى إذا بلغ الروح قلبه ونظر فرأى الجنة ، فعرف أنه إن قام دخلها ولم يبلغ الروح أسفله فتحرك ، فذلك قوله تعالى : { خلق الإنسان من عجل } .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { خلق الإنسان من عجل } قال : خلق عجولاً . والله أعلم .
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (40) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (41)
أخرج البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما منكم أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة ليس بينه وبينه حجاب يحجبه ولا ترجمان يترجم له ، فيقول : ألم أوتك مالاً؟ فيقول : بلى . فيقول : ألم أرسل إليك رسولاً؟ فيقول : بلى . فينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار ، وينظر عن يساره فلا يرى إلا النار ، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار ، فليتق أحدكم النار ولو بشق تمرة ، فإن لم يجد فبكلمة طيبة » . (7/63)
قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42) أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43) بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (44) قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (45) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46)
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { قل من يكلؤكم } قال : يحرسكم . وفي قوله : { ولا هم منا يصحبون } قال : لا ينصرون . (7/64)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { ولا هم منا يصحبون } قال : لا ينصرون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : { قل من يكلؤكم } قال : يحفظكم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { ولا هم منا يصحبون } قال : لا يجارون .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { ولا هم منا يصحبون } قال : لا يمنعون .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم } يعني الآلهة { ولا هم منا يصحبون } يقول : لا يصحبون من الله بخير . وفي قوله : { أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } قال : كان الحسن يقول : ظهور النبي صلى الله عليه وسلم على من قاتله أرضاً أرضاً وقوماً قوماً ، وقوله : { أفهم الغالبون } أي ليسوا بغالبين ، ولكن الرسول هو الغالب . وفي قوله : { قل إنما أنذركم بالوحي } أي بهذا القرآن { ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون } يقول : إن الكافر أصم عن كتاب الله ، لا يسمعه ولا ينتفع به ولا يعقله كما يسمعه أهل الإيمان . وفي قوله : { ولئن مستهم نفحة } يقول : لئن أصابتهم عقوبة .
وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)
أخرج أحمد والترمذي وابن جرير في تهذيبه ، وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان ، « عن عائشة أن رجلاً قال : » يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأضربهم وأشتمهم ، فكيف أنا منهم؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك ، وعقابك إياهم ، فإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك ، وإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك؛ وإن عقابك إياك فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل . فجعل الرجل يبكي ويهتف ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما تقرأ كتاب الله { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين } فقال الرجل : يا رسول الله ، ما أجد لي ولهم شيئاً خيراً من مفارقتهم . . . أشهدك أنهم أحرار « » . (7/65)
وأخرج الحكيم الترمذي ي نوادر الأصول وابن أبي حاتم ، عن رفاعة بن رافع الزرقي قال : « قال رجل : يا رسول الله ، كيف ترى في رقيقنا نضربهم؟ فقال : توزن ذنوبهم وعقوبتكم إياهم ، فإن كانت عقوبتكم أكثر من ذنوبهم أخذوا منكم . قال : أفرأيت سبّنا إياهم؟ قال : توزن ذنوبهم وأذاكم إياهم ، فإن كان أذاكم إياهم أكثر أعطوا منكم . قال : أرأيت يا رسول الله ولدي أضربهم؟ قال : إنك لا تتهم في ولدك ولا تطيب نفسك ، تشبع ويجوعون وتكسى ويعرون » .
وأخرج الحكيم عن زيد بن أسلم قال : « قال رجل : يا رسول الله ، ما تقول في ضرب المماليك؟ قال : إن كان ذلك في كنهه ، وإلا أقيد منكم يوم القيامة . قيل : يا رسول الله ، ما تقول في سبهم؟ قال : مثل ذلك . قال : يا رسول الله ، فإنا نعاقب أولادنا ونسبهم! قال : إنهم ليسوا أولادكم؛ لأنكم لا تتهمون على أولادكم » .
وأخرج الحكيم عن زياد بن أبي زياد قال : « قال رجل : يا رسول الله ، إن لي مالاً وإن لي خدماً ، وإني أغضب فأعرم وأشتم وأضرب . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : توزن ذنوبه بعقوبتك ، فإن كانت سواء فلا لك ولا عليك؛ وإن كانت العقوبة أكثر فإنما هو شيء يؤخذ من حسناتك يوم القيامة . فقال الرجل : أوه . . . أوه! . . . يؤخذ من حسناتي؟! أشهدك يا رسول الله أن مماليكي أحرار ، أنا لا أمسك شيئاً يؤخذ من حسناتي له . قال : فحسبت ماذا؟ ألم تسمع إلى قوله تعالى : { ونضع الموازين القسط } الآية » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والبيهقي في البعث ، عن ابن مسعود قال : يجاء بالناس يوم القيامة إلى الميزان فيتجادلون عنده أشد الجدال .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : { ونضع الموازين القسط . . . } الآية . قال : هو كقوله : { والوزن يومئذ الحق } [ الأعراف : 8 ] . (7/66)
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد أنه كان يقرأ « وإن كان مثقال حبة من خردل آتينا بها » بمد الألف . قال : جازينا بها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عاصم بن أبي النجود ، أنه كان يقرأ { وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها } على معنى جئنا بها لا يمد أتينا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { وإن كان مثقال حبة } قال : وزن حبة . وفي قوله : { وكفى بنا حاسبين } قال : محصين .
وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50)
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس ، أنه كان يقرأ { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء } ويقول : خذوا هذه الواو واجعلوها ههنا { والذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم . . . } الآية . (7/67)
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء } قال : انزعوا هذه الواو واجعلوها في { الذين يحملون العرش ومن حوله } [ غافر : 7 ] .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان } قال : التوراة .
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله : { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان } قال : الفرقان ، التوراة حلالها وحرامها مما فرق الله بين الحق والباطل .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله : { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان } قال : الفرقان ، الحق آتاه الله موسى وهارون فرق بينهما وبين فرعون ، فصل بينهم بالحق . وقرأ { وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان } [ الأنفال : 41 ] قال : يوم بدر .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، عن الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « قال الله تبارك وتعالى : وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين ، فمن خافني في الدنيا أمنته في الآخرة » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { وهذا ذكر مبارك أنزلناه } أي هذا القرآن .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران قال : خصلتان فيهما البركة : القرآن والمطر . وتلا { وأنزلنا من السماء ماء } { وهذا ذكر مبارك } والله أعلم .
وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56)
أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { ولقد آتينا إبراهيم رشده } قال : هديناه صغيراً . وفي قوله : { ما هذه التماثيل } قال : الأصنام . (7/68)
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله : { ولقد آتينا إبراهيم رشده } يقول : آتيناه هداه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { التي أنتم لها عاكفون } قال : عابدون . وفي قوله : { قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين } أي على دين ، وإنا متبعوهم على ذلك .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي ، وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب ، عن علي بن أبي طالب أنه مر على قوم يلعبون بالشطرنج فقال : ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ لأن يمس أحدكم جمراً حتى يطفأ خير له من أن يمسها .
وأخرج ابن عساكر عن علي قال : لا يسلم على أصحاب النردشير والشطرنج .
وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : لما خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم مروا عليه فقالوا : يا إبراهيم ، ألا تخرج معنا؟ قال : إني سقيم ، وقد كان بالأمس قال : { تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين } فسمعه ناس منهم ، فلما خرجوا انطلق إلى أهله فأخذ طعاماً ثم انطلق إلى آلهتهم فقرّبه إليهم فقال : ألا تأكلون؟ فكسرها إلا كبيرهم ، ثم ربط في يده الذي كسر به آلهتهم ، فلما رجع القوم من عيدهم دخلوا فإذا هم بآلهتهم قد كسرت ، وإذا كبيرهم في يده الذي كسر به الأصنام ، قالوا : من فعل هذا بآلهتنا؟ فقال الذين سمعوا إبراهيم قال : { تالله لأكيدن أصنامكم } سمعنا فتى يذكرهم . فجادلهم عند ذاك إبراهيم . (7/69)
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ، عن مجاهد في قوله : { وتالله لأكيدن أصنامكم } قال : قول إبراهيم حين استتبعه قومه إلى عيدهم فأبى وقال : إني سقيم ، فسمع منه وعيده أصنامهم رجل منهم استأخر ، وهو الذي قال : { سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم } ، وجعل إبراهيم الفأس التي أهلك بها أصنامهم مسندة إلى صدر كبيرهم الذي تُرِك .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ، أن أبا إبراهيم خليل الرحمن كان يعمل هذه الأصنام ثم يشكها في حبل ويحمل إبراهيم على عنقه ويدفع إليه المشكوك يدور يبيعها ، فجاء رجل يشتري فقال له إبراهيم : ما تصنع بهذا حين تشتريه؟ قال : أسجد له . قال له إبراهيم : أنت شيخ تسجد لهذا الصغير! إنما ينبغي للصغير أن يسجد للكبير فعندها { قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { وتالله لأكيدن أصنامكم } قال : ترى أنه قال ذلك من حيث لا يسمعون { فجعلهم جذاذاً } قال : قطعاً { إلا كبيراً لهم } يقول : إلا كبير آلهتهم وأنفسها وأعظمها في أنفسهم . { لعلهم إليه يرجعون } قال : كايدهم بذلك لعلهم يتذكرون أو يبصرون . وفي قوله : { قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون } قال : كرهوا أن يأخذوه بغير بينة . وفي قوله : { أنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم . . . } إلى قوله : { أنتم الظالمون } قال : وهذه هي الخصلة التي كايدهم بها { ثم نكسوا على رؤوسهم } قال : أدركت القوم غيرة سوء فقالوا : { لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { جذاذاً } قال : حطاماً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { جذاذاً } قال : فتاتاً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن ابن عباس في قوله : { بل فعله كبيرهم هذا } قال : عظيم آلهتهم .
وأخرج أبو داود والترمذي وابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
« لم يكذب إبراهيم في شيء قط إلا في ثلاث كلهن في الله : قوله إني سقيم ولم يكن سقيماً ، وقوله لسارة أختي ، وقوله : { بل فعله كبيرهم هذا } » . (7/70)
وأخرج أبو يعلى عن أبي سعيد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يأتي الناس إبراهيم فيقولون له : اشفع لنا إلى ربك . فيقول : إني كذبت ثلاث كذبات . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما منها كذبة إلا ما حل بها عن دين الله ، قوله : { إني سقيم } [ الصافات : 89 ] وقوله : { بل فعله كبيرهم هذا } وقوله لسارة إنها أختي » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله : { فرجعوا إلى أنفسهم } قال : نظر بعضهم إلى بعض .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد { ثم نكسوا على رؤوسهم } قال : في الرأي .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله : { أف } يعني الرديء من الكلام .
قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73)
أخرج ابن جرير عن مجاهد قال : تلوت هذه الآية على عبدالله بن عمر فقال : أتدري يا مجاهد من الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار؟ قلت : لا . قال : رجل من أعراب فارس ، يعني الأكراد . (7/71)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لما جمع لإبراهيم عليه السلام ما جمع وألقي في النار ، جعل خازن المطر يقول : متى أومر بالمطر فأرسله؟ فكان أمر الله أسرع ، قال الله : { كوني برداً وسلاماً } فلم يبق في الأرض نار إلا طفئت .
وأخرج أحمد والطبراني وأبو يعلى وابن أبي حاتم ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن إبراهيم حين ألقي في النار لم تكن في الأرض دابة إلا تطفئ عنه النار غير الوزغ ، فإنه كان ينفخ على إبراهيم » فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله .
وأخرج ابن مردويه عن أم شريك ، « أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأوزاغ وقال : » كانت تنفخ على إبراهيم « » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف ، أخبرنا معمر عن قتادة عن بعضهم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « كانت الضفدع تطفئ النار عن إبراهيم ، وكانت الوزغ تنفخ عليه ، ونهى عن قتل هذا وأمر بقتل هذا » .
وأخرجه ابن المنذر فقال : أخبرنا أبو سعيد الشامي عن أبان عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تسبوا الضفدع ، فإن صوته تسبيح وتقديس وتكبير ، إن البهائم استأذنت ربها في أن تطفئ النار عن إبراهيم فأذن للضفادع ، فتراكبت عليه فأبدلها الله بحر النار برد الماء » .
وأخرج أبو يعلى وأبو نعيم وابن مردويه والخطيب ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لما ألقي إبراهيم في النار قال : اللهم إنك في السماء واحد ، وأنا في الأرض واحد أعبدك » .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر ، عن ابن عمرو قال : أول كلمة قالها إبراهيم حين ألقي في النار ، حسبنا الله ونعم الوكيل .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ، عن كعب قال : ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن المنهال بن عمرو قال : أخبرت أن إبراهيم ألقي في النار فكان فيها إما خمسين وإما أربعين ، قال : ما كنت أياماً وليالي قط أطيب عيشاً إذ كنت فيها ، وددت أن عيشي وحياتي كلها مثل عيشي إذ كنت فيها .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال : لما ألقي إبراهيم خليل الرحمن في النار قال الملك خازن المطر : يا رب ، إن خليلك إبراهيم رجا أن يؤذن له فيرسل المطر ، فكان أمر الله أسرع من ذلك فقال : { يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم } فلم يبق في الأرض نار إلا طفئت .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي قال : الذي قال حروقه ، هبون . فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة . (7/72)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { قلنا يا نار } قال : كان جبريل هو الذي قالها .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس قال : لو لم يتبع بردها { سلاماً } لمات إبراهيم من بردها ، فلم يبق في الأرض يومئذ نار إلا طفئت ، ظننت أنها هي تعنى .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر ، عن علي في قوله : { قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً } قال : لولا أنه قال : { وسلاماً } لقتله بردها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن شمر بن عطية قال : لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار ، نادى الملك الذي يرسل المطر : رب ، خليلك رجا أن يؤذن له فيرسل المطر . فقال الله : { يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم } فلم يبق في الأرض يومئذ نار إلا بردت .
وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد من طريق أبي هلال ، عن بكر بن عبدالله المزني قال : لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار ، جاءت عامة الخليقة فقالت : « يا رب ، خليلك يلقى في النار فائذن لنا نطفئ عنه . قال : هو خليلي ليس لي في الأرض خليل غيره ، وأنا آلهه ليس له إله غيري ، فإن استغاثكم فأغيثوه ، وإلا فدعوه » قال : وجاء ملك القطر قال : « يا رب ، خليلك يلقى في النار فائذن لي أن أطفئ عنه بالقطر . قال : هو خليلي ليس لي في الأرض خليل غيره ، وأنا إلهه ليس له إله غيري ، فإن استعان بك فأعنه وإلا فدعه » . قال : فلما ألقي في النار دعا بدعاء نسيه أبو هلال فقال الله عز وجل : { يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم } قال : فبردت في المشرق والمغرب فما أنضجت يومئذ كراعاً .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير ، عن قتادة قال : قال كعب : ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار ولا أحرقت النار يومئذ شيئاً ، إلا وثاق إبراهيم .
وقال قتادة : لم تأت دابة يومئذ إلا أطفأت عنه النار ، إلا الوزغ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال : يذكرون أن جبريل كان مع إبراهيم في النار يمسح عنه العرق .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية قال : لما ألقي إبراهيم في النار قعد فيها ، فأرسلوا إلى ملكهم فجاء ينظر متعجباً . . . ! فطارت منه شرارة فوقعت على إبهام رجله فاشتعل كما تشتعل الصوفة .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : خرج إبراهيم من النار يعرق لم تحرق النار إلا وثاقه ، فأخذوا شيخاً منهم فجعلوه على نار كذلك فاحترق . (7/73)
وأخرج عبد بن حميد عن سليمان بن صرد . وكان قد أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - أن إبراهيم لما أرادوا أن يلقوه في النار ، جعلوا يجمعون له الحطب فجعلت المرأة العجوز تحمل على ظهرها ، فيقال لها : أين تريدين؟ فتقول : أذهب إلى هذا الذي يذكر آلهتنا . فلما ذهب به ليطرح في النار { قال إني ذاهب إلى ربي سيهدين } [ الصافات : 99 ] فلما طرح في النار قال : حسبي الله ونعم الوكيل . فقال الله : { يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم } فقال أبو لوط - وكان عمه - إن النار لم تحرقه من أجل قرابته مني . فأرسل الله عنقاً من النار فأحرقته .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير ، عن علي بن أبي طالب في قوله : { قلنا يا نار كوني برداً } قال : بردت عليه حتى كادت تؤذيه ، حتى قيل : { وسلاماً } قال : لا تؤذيه .
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لو لم يقل : { وسلاماً } لقتله البرد .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال : إن أحسن شيء قاله أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار ، وجده يرشح جبينه فقال عند ذلك : نعم الرب ربك يا إبراهيم .
وأخرج ابن جرير عن شعيب الجبائي قال : ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة ، وذبح إسحاق وهو ابن سبع سنين .
وأخرج ابن جرير عن معتمر بن سليمان التيمي ، عن بعض أصحابه قال : جاء جبريل إلى إبراهيم وهو يوثق ليلقى في النار قال : يا إبراهيم ، ألك حاجة؟ قال : أما إليك فلا .
وأخرج ابن جرير عن أرقم ، أن إبراهيم عليه السلام قال : حين جعلوا يوثقونه ليلقوه في النار : « لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين ، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك » .
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله : { قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً } قال : السلام لا يؤذيه بردها ، ولولا أنه قال : { سلاماً } لكان البرد أشد عليه من الحر .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله : { فأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين } قال : ألقوا شيخاً في النار منهم لأن يصيبوا نجاته كما نجا إبراهيم فاحترق .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي مالك في قوله : { إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين } قال : الشام .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب في قوله : { إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين } قال : الشام . وما من ماء عذب إلا يخرج من تلك الصخرة التي ببيت المقدس ، يهبط من السماء إلى الصخرة ثم يتفرق في الأرض .
وأخرج ابن عساكر عن عبدالله بن سلام قال : بالشام من قبور الأنبياء ألفا قبر وسبعمائة قبر ، وإن دمشق معقل الناس في آخر الزمان من الملاحم .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس ، قال لوط : كان ابن أخي إبراهيم عليهما السلام . (7/74)
وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال : لما هرب إبراهيم من كوثي وخرج من النار ، ولسانه يومئذ سرياني ، فلما عبر الفرات من حران غيّر الله لسانه فقلب عبرانياً حيث عبر الفرات ، وبعث نمرود في نحو أثره وقال : لا تدعوا أحداً يتكلم بالسريانية إلا جئتموني به ، فلقوا إبراهيم يتكلم بالعبرانية فتركوه ولم يعرفوا لغته .
وأخرج ابن عساكر عن حسان بن عطية قال : أغار ملك نبط على لوط عليه السلام فسباه وأهله ، فبلغ ذلك إبراهيم فأقبل في طلبه في عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر ، فالتقى هو وتلك النبط في صحراء معفور ، فعبى إبراهيم ميمنة وميسرة وقلباً ، وكان أول من عبى الحرب هكذا ، فاقتتلوا فهزمهم إبراهيم واستنقذ لوطاً وأهله .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية { ونجيناه } يعني إبراهيم { ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين } قال : هي الأرض المقدسة التي بارك الله فيها للعالمين؛ لأن كل ماء عذب في الأرض منها يخرج ، يعني من أصل الصخرة التي في بيت المقدس ، يهبط من السماء إلى الصخرة ثم يتفرق في الأرض .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر ، عن قتادة رضي الله عنه { ونجيناه ولوطاً } قال : كانا بأرض العراق ، فانجيا إلى أرض الشام . وكان يقال : الشام عماد دار الهجرة ، وما نقص من الأرض زيد في الشام ، وما نقص من الشام زيد في فلسطين . وكان يقال : هي أرض المحشر والمنشر ، وفيها ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام وبها يهلك الله شيخ الضلالة الدجال .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { إلى الأرض التي باركنا فيها } قال : الشام .
وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب رضي الله عنه في قوله : { إلى الأرض التي باركنا فيها } قال : إلى حران .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما { ووهبنا له إسحاق } قال : ولداً { ويعقوب نافلة } قال : ابن ابن .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه { ووهبنا له إسحاق } قال : أعطاه { ويعقوب نافلة } قال : عطية .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي في الآية قال : دعا بالحق فاستجيب له وزيد يعقوب .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن الحكم قال : النافلة ابن الابن .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { وجعلناهم أئمة يهدون } الآية . قال : جعلهم الله أئمة يقتدى بهم في أمر الله .
وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77)
أخرج ابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي قال : كان في قوم لوط عشر خصال يعرفون بها : لعب الحمام ، ورمي البندق ، والمكاء ، والخذف في الأنداء ، وتسبيط الشعر ، وفرقعة العلك ، واسبال الإزار ، وحبس الأقبية ، وإتيان الرجال ، والمنادمة على الشراب ، وستزيد هذه الأمة عليها . (7/75)
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وابن عساكر ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ستة من أخلاق قوم لوط في هذه الأمة : الجلاهق ، والصفر ، والبندق ، والخذف ، وحل إزار القباء ، ومضغ العلك .
وأخرج إسحاق بن بشر والخطيب وابن عساكر ، عن الحسن رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « عشر خصال عملتها قوم لوط ، بها اهلكوا ، وتزيدها أمتي بخلة : إتيان الرجال بعضهم بعضاً ، ورميهم بالجلاهق ، والخذف ، ولعبهم الحمام ، وضرب الدفوف ، وشرب الخمور ، وقص اللحية ، وطول الشارب ، والصفر ، والتصفيق ، ولباس الحرير ، وتزيدها أمتي بخلة : إتيان النساء بعضهم بعضاً » .
وأخرج ابن عساكر عن الزبير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كل سنن قوم لوط قد فقدت إلا ثلاثاً : جر نعال السيوف ، وقصف الأظفار ، وكشف العورة » .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله : { وأدخلناه في رحمتنا } قال : في الإسلام .
وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82)
أخرج الحاكم عن وهب قال : داود بن إيشا بن عويد بن عابر من ولد يهوذا بن يعقوب ، وكان قصيراً أزرق قليل الشعر طاهر القلب . (7/76)
وأخرج ابن جرير عن مرة رضي الله عنه في قوله : { إذ يحكمان في الحرث } قال : كان الحرث نبتاً ، فنفشت فيه ليلاً فاختصموا فيه إلى داود فقضى بالغنم لأصحاب الحرث ، فمروا على سليمان فذكروا ذلك له فقال : لا تدفع الغنم . فيصيبون منها ويقوم هؤلاء على حرثهم ، فإذا عاد كما كان ردوا عليهم فنزلت { ففهمناها سليمان } .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه والحاكم و البيهقي في سننه ، عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله : { وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم } قال : كرم قد أنبتت عناقيده فأفسدته الغنم ، فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم ، فقال سليمان : أغير هذا يا نبي الله؟ قال : وما ذاك؟ قال : تدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان ، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها ، حتى إذا عاد الكرم كما كان دفعت الكرم لصاحبه ودفعت الغنم إلى صاحبها . فذلك قوله : { ففهمناها سليمان } .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مسروق قال : الحرث الذي { نفشت فيه غنم القوم } إنما كان كرماً نفشت فيه غنم القوم فلم تدع فيه ورقة ولا عنقوداً من عنب إلا أكلته ، فأتوا داود فأعطاهم رقابها ، فقال سليمان : إن صاحب الكرم قد بقي له أصل كرمه وأصل أرضه ، بل تؤخذ الغنم فيعطاها أهل الكرم فيكون لهم لبنها وصوفها ونفعها ، ويعطى أهل الغنم الكرم فيعمرونه ويصلحونه حتى يعود كالذي كان ليلة نفشت فيه الغنم ، ثم يعطى أهل الغنم غنمهم وأهل الكرم كرمهم .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { وداود وسليمان } إلى قوله : { وكنا لحكمهم شاهدين } يقول : كنا لما حكما شاهدين ، وذلك أن رجلين دخلا على داود : أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم ، فقال صاحب الحرث : إن هذا أرسل غنمه في حرثي فلم تبق من حرثي شيئاً . فقال له داود : اذهب فإن الغنم كلها لك . فقضى بذلك داود ، ومر صاحب الغنم بسليمان فأخبره بالذي قضى به داود ، فدخل سليمان على داود فقال : يا نبي الله ، إن القضاء سوى الذي قضيت . فقال : كيف؟ قال سليمان : إن الحرث لا يخفى على صاحبه ما يخرج منه في كل عام ، فله من صاحب الغنم أن ينتفع من أولادها وأصوافها وأشعارها حتى يستوفي ثمن الحرث ، فإن الغنم لها نسل كل عام . فقال داود : قد أصبت ، القضاء كما قضيت . ففهمها الله سليمان .
وأخرج ابن جرير وعبد الرزاق عن مجاهد في الآية قال : أعطاهم داود رقاب الغنم بالحرث ، وحكم سليمان بجزة الغنم وألبانها لأهل الحرث ، وعليهم رعاؤها ويحرث لهم أهل الغنم حتى يكون الحرث كهيئته يوم أكل ، ثم يدفعونه إلى أهله ويأخذون غنمهم .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال : النفش بالليل والهمل بالنهار . ذكر لنا أن غنم القوم وقعت في زرع ليلاً فرفع ذلك إلى داود ، فقضى بالغنم لأصحاب الزرع فقال سليمان : ليس كذلك ، ولكن له نسلها ورسلها وعوارضها وجزازها ، حتى إذا كان من العام المقبل كهيئته يوم أكل ، دفعت الغنم إلى أربابها وقبض صاحب الزرع زرعه . قال الله : { ففهمناها سليمان } . (7/77)
وأخرج ابن جرير عن قتادة والزهري في الآية قال : نفشت غنم في حرث قوم فقضى داود أن يأخذوا الغنم ففهمها الله سليمان ، فلما أخبر بقضاء داود قال : لا ، ولكن خذوا الغنم ولكم ما خرج من رسلها وأولادها وأصوافها إلى الحول .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت امرأة عابدة من بني إسرائيل ، وكانت تبتلت وكان لها جاريتان جميلتان ، وقد تبتلت المرأة لا تريد الرجال ، فقالت إحدى الجاريتين للأخرى : قد طال علينا هذا البلاء ، أما هذه فلا تريد الرجال ولا نزال بشر ما كنا لها ، فلو أنا فضحناها فرجمت فصرنا إلى الرجال . فأتيا ماء البيض فأتياها وهي ساجدة ، فكشفتا عن ثوبها ونضحتا في دبرها ماء البيض ، وصرختا : إنها قد بغت . وكان من زنى فيهم حدّه الرجم ، فرفعت إلى داود وماء البيض في ثيابها فأراد رجمها ، فقال سليمان : ائتوا بنار ، فإنه إن كان ماء الرجال تفرق؛ وإن كان ماء البيض اجتمع . فأتي بنار فوضعها عليه فاجتمع فدرأ عنها الرجم ، فعطف داود على سليمان فأحبه .
ثم كان بعد ذلك أصحاب الحرث وأصحاب الشياه ، فقضى داود عليه السلام بالغنم لأصحاب الحرث فخرجوا وأخرجت الرعاة معهم الكلاب فقال سليمان : كيف قضى بينكم؟ فأخبروه فقال : لو وليت أمرهم لقضيت بغير هذا القضاء . فقيل لداود عليه السلام : إن سليمان يقول كذا وكذا . فدعاه فقال : كيف تقضي بينهم؟ فقال : أدفع الغنم إلى أصحاب الحرث هذا العام فيكون لهم أولادها وسلالها وألبانها ومنافعها ، ويذر أصحاب الحرث الحرث هذا العام ، فإذا بلغ الحرث الذي كان عليه أخذ هؤلاء الحرث ودفعوا إلى هؤلاء الغنم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس { نفشت } قال : رعت .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس ، أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله : { نفشت } قال : النفش ، الرعي بالليل . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت قول لبيد :
بدلن بعد النفش الوجيفا ... وبعد طول الحزن الصريفا
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي شيبة وأحمد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه ،