صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور |
فنزلت : { وما نتنزل إلا بأمر ربك } إلى آخر الآية . زاد ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم ، فكان ذلك الجواب لمحمد . (6/480)
وأخرج ابن مردويه ، عن أنس قال : « سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أي البقاع أحب إلى الله وأيها أبغض إلى الله؟ قال : ما أدري حتى أسأل جبريل ، وكان قد أبطأ عليه فقال : لقد أبطأت عليّ حتى ظننت أن بربي عليّ موجدة! . . . فقال : { وما نتنزل إلا بأمر ربك } » .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم ، عن عكرمة قال : « أبطأ جبريل على النبي - صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً ثم أنزل ، فقال له النبي - صلى الله عليهه وسلم - » ما نزلت حتى اشتقت إليك « فقال له جبريل : » أنا كنت إليك أشوق ولكني مأمور « فأوحى الله إلى جبريل أن قل له : { وما نتنزل إلا بأمر ربك } » .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي قال : احتبس جبريل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة حتى حزن واشتد عليه ، فشكا إلى خديجة ، فقالت خديجة : لعل ربك قد ودعك أو قلاك ، فنزل جبريل بهذه الآية : { ما ودعك ربك وما قلى } [ الضحى : 2 ] قال : يا جبريل ، احتبست عني حتى ساء ظني ، فقال جبريل : { وما نتنزل إلا بأمر ربك } .
وأخرج ابن جرير ، عن مجاهد قال : « لبث جبريل عن النبي - صلى الله عليه وسلم اثني عشرة ليلة ، فلما جاءه قال : » لقد رثت حتى ظن المشركون كل ظن « فنزلت الآية .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد قال : » أبطأت الرسل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أتاه جبريل فقال : « ما حبسك عني » قال : كيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم ، ولا تنقون براجمكم ، ولا تأخذون شواربكم ولا تستاكون وقرأ { وما نتنزل إلا بأمر ربك } « .
وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : احتبس جبريل ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ، وحزن فأتاه جبريل وقال : يا محمد : { وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا } يعني من الدنيا { وما خلفنا } يعني من الآخرة .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عكرمة { له ما بين أيدينا } قال : الدنيا { وما خلفنا } قال : الآخرة .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - { له ما بين أيدينا } قال : من أمر الآخرة { وما خلفنا } من أمر الدنيا { وما بين ذلك } ما بين الدنيا والآخرة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { وما بين ذلك } قال : ما بين النفختين .
وأخرج هناد وابن المنذر ، عن أبي العالية { وما بين ذلك } قال : ما بين النفختين . (6/481)
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي { وما كان ربك نسياً } قال : { ما كان ربك } لينساك يا محمد .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبزار والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه والحاكم وصححه ، عن أبي الدرداء رفع الحديث قال : ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عافية ، فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً . ثم تلا { وما كان ربك نسيا } .
وأخرج ابن مردويه من حديث جابر مثله .
وأخرج الحاكم عن سلمان « سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن [ ] والفراء فقال : » الحلال ما أحل الله في كتابه ، والحرام ما حرم الله في كتابه ، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه « » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { هل تعلم له سميا } قال : هل تعلم للرب مثلاً أو شبها .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ، والبيهقي في شعب الإيمان ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - { هل تعلم له سميا } قال : ليس أحد يسمى الرحمن غيره .
وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { هل تعلم له سميا } يا محمد هل تعلم لإلهك من ولد؟ .
وأخرج الطستي ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله : { هل تعلم له سمياً } قال : هل تعلم له ولداً؟ قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت الشاعر وهو يقول :
أما السمي فأنت منه مكثر ... والمال مال يغتدي ويروح
وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (70) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74) قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79)
أخرج ابن المنذر ، عن ابن جريج في قوله : { ويقول الإنسان } الآية قال : قالها العاصي بن وائل . (6/482)
وأخرج عبد بن حميد ، عن عاصم أنه قرأ { لسوف أخرج } برفع الألف { أولا يذكر الإنسان } خفيفة بنصب الياء ورفع الكاف .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { جثياً } قال : قعوداً . وفي قوله { عتياً } قال : معصية .
وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { عتيا } قال : عصيا .
وأخرج الحاكم ، عن ابن عباس قال : لا أدري كيف قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { عتياً } أو { جثياً } فإنهما جميعاً بالضم .
وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد والبيهقي في البعث ، عن عبدالله بن باباه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كأني أراكم بالكوم دون جهنم جاثين » .
وأخرج عبد بن حميد ، عن عاصم أنه قرأ { جثياً } برفع الجيم { وعتياً } برفع العين وصليا برفع الصاد .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي رضي الله عنه في قوله : { حول جهنم جثياً } قال : قياماً .
وأخرج ابن المنذر . عن ابن جريج { ثم لننزعن } قال لنبدأن .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { ثم لننزعن } الآية : قال : { لننزعن من كل } أهل دين قادتهم ورؤوسهم في الشر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله : { أيهم أشد على الرحمن عتياً } قال : في الدنيا .
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن أبي الأحوص { ثم لننزعن من كل شيعة } الآية . قال : يبدأ بالأكابر فالأكابر جرماً .
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في البعث ، عن ابن مسعود قال : يحشر الأوّل على الآخر ، حتى إذا تكاملت العدة أثارهم جميعاً ، ثم بدأ بالأكابر فالأكابر جرماً ، ثم قرأ { فوربك لنحشرنهم } إلى قوله : { عتياً } . وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي ، عن مجاهد في قوله : { لننزعن من كل شيعة } قال : من كل أمة أشد على الرحمن { عتياً } قال : كفراً .
وأخرج ابن المنذر ، عن ابن جريج في قوله : { ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً } يقول : إنهم أولى بالخلود في جهنم .
وأخرج الحرث بن أبي أسامة وابن جرير بسند حسن عن ابن عباس قال : إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم ، وزيد في سعتها كذا وكذا ، وجمع الخلائق بصعيد واحد ، جنهم وإنسهم ، فإذا كان ذلك اليوم قيضت هذه السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض ، ولأهل السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض جنهم وإنسهم بضعف ، فإذا نثروا على وجه الأرض ، فزعوا إليهم فيقولون : أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم ويقولون : سبحان ربنا! ليس فينا وهو آت .
ثم تقاض السماء الثانية ، ولأهل السماء الثانية وحدهم ، أكثر من أهل السماء الدنيا ، ومن جميع أهل الأرض ، بضعف جنهم وإنسهم ، فإذا نثروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون : أفيكم ربنا؟ فيفزعون من قولهم ، ويقولون : سبحان ربنا! ليس فينا وهو آت ، ثم تقاض السموات : سماء سماء ، كلما قيضت سماء عن أهلها ، كانت أكثر من أهل السموات التي تحتها ، ومن جميع أهل الأرض بضعف ، فإذا نثروا على أهل الأرض ، يفزع إليهم أهل الأرض ، فيقولون لهم مثل ذلك ، فيرجعون إليهم مثل ذلك ، حتى تقاض السماء السابعة ، فلأهل السماء السابعة ، أكثر من أهل ست سموات ، ومن جميع أهل الأرض بضعف ، فيجيء الله فيهم ، والأمم جثيّ صفوف ، فينادي مناد : ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم ، ليقم الحمادون لله على كل حال ، فيقومون ، فيسرحون إلى الجنة ، ثم ينادي الثانية : ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم ، أين الذين كانت { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون } [ السجدة : 16 ] فيقومون فيسرحون إلى الجنة ، ثم ينادي الثالثة ، ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم؟ أين الذين { لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار } [ النور : 37 ] فيقومون فيسرحون إلى الجنة . فإذا أخذ كل من هؤلاء ثلاثة ، خرج عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول : إني وكلت منكم بثلاثة : بكل جبار عنيد ، فتلقطهم من الصفوف لقط الطير حب السمسم ، فتحبس بهم في جهنم ، ثم تخرج ثانية فتقول : إني وكلت منكم بمن آذى الله تعالى ورسوله ، فتلقطهم من الصفوف لقط الطير حَبَّ السمسم ، فتحبس بهم في جهنم ، ثم تخرج ثالثة فتقول : إني وكلت بأصحاب التصاوير ، فتلقطهم من الصفوف لقط الطير حب السمسم ، فتحبس بهم في جهنم ، فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة ، ومن هؤلاء ثلاثة : نشرت الصحف ، ووضعت الموازين ، ودعي الخلائق للحساب . (6/483)
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث ، عن أبي سمية قال : اختلفنا في الورود فقال بعضنا : لا يدخلها مؤمن ، وقال بعضهم : يدخلونها جميعاً { ثم ينجي الله الذين اتقوا } فلقيت جابر بن عبدالله ، فذكرت له فقال : وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه صمتاً ، إن لم أكن سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : « لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها ، فتكون على المؤمن برداً وسلاماً ، كما كانت على إبراهيم ، حتى أن للنار ضجيجاً من بردهم { ثم ينجّي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثياً } » .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث ، عن مجاهد قال : خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس فقال ابن عباس : الورود الدخول : وقال نافع : لا .
فقرأ ابن عباس { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون } [ الأنبياء : 98 ] وقال : وردوا أم لا ، وقرأ { يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار } [ هود : 98 ] أوردوا أم لا ، أما أنا وأنت فسندخلها ، فانظر هل نخرج منها أم لا . (6/484)
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { وإن منكم إلا واردها } قال : يردُهَا البَرّ والفاجر . ألم تسمع قوله : { فأوردهم النار وبئس الورد المورود } [ هود : 98 ] وقوله : { ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً } [ مريم : 86 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن ابن عباس : أن رجالاً من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يطلبون العاص بن وائل بدين فأتوه يتقاضونه ، فقال : ألستم تزعمون أن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً ومن كل الثمرات؟ قالوا : بلى . قال : فإن موعدكم الآخرة . والله لأوتين مالاً وولداً ، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به . فقال الله : { أفرأيت الذي كفر بآياتنا } الآيات .
وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن قال : كان لرجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - دين على رجل من المشركين فأتاه يتقاضاه ، فقال ألست مع هذا الرجل؟ قال : نعم . قال أليس يزعم أن لكم جنة وناراً وأموالاً وبنين؟ قال : بلى . قال : اذهب ، فلست بقاضيك إلا ثمة . فأنزلت { أفرأيت الذي كفر بآياتنا } إلى قوله : { ويأتينا فرداً } .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { أطلع الغيب } يقول : أطلعه الله الغيب؟ يقول : ما له فيه { أم اتخذ عند الرحمن عهداً } بعمل صالح قدمه .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما { أم اتخذ عند الرحمن عهداً } قال : لا إله إلا الله ، يرجو بها . والله أعلم .
وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ونرثه ما يقول } قال : ماله وولده . (6/485)
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { ونرثه ما يقول } قال : ماله وولده ، وذاك الذي قال العاص بن وائل .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { ونرثه ما يقول } قال : ما عنده . وهو قوله : { لأوتين مالاً وولداً } في حرف ابن مسعود { ونرثه ما عنده ويأتينا فرداً } لا مال له ولا ولد .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن أبي نهيك أنه قرأ { كلا سيكفرون بعبادتهم } برفع الكاف . قال : يعني الآلهة كلها ، إنهم { سيكفرون بعبادتهم } .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { ويكونون عليهم ضداً } قال : أعواناً .
وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { ويكونون عليهم ضداً } قال : أوثانهم يوم القيامة في النار ، تكون عليهم عوناً ، يعني أوثانهم تخاصمهم وتكذبهم يوم القيامة في النار .
وأخرج عبد بن حميد ، عن ابن عباس رضي الله عنهما - في قوله : { ويكونون عليهم ضداً } قال : حسرة .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عكرمة مثله .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { ويكونون عليهم ضداً } قال : قرناء في النار يلعن بعضهم بعضاً ، ويتبرأ بعضهم من بعض .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله : { ويكونون عليهم ضداً } قال : أعداء .
وأخرج ابن الأنباري في الوقف ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله : { ويكونون عليهم ضداً } ما الضد؟ قال : قال فيه حمزة بن عبد المطلب :
وان تكونوا لهم ضداً نكن لكم ... ضدا بغلباء مثل الليل مكتوم
أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً } قال : تغويهم إغواء . (6/486)
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { تؤزهم } قال : تحرض المشركين على محمد وأصحابه .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { تؤزهم أزاً } تشليهم أشلاء .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { تؤزهم أزاً } قال : تزعجهم إزعاجاً إلى معاصي الله .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن زيد في قوله : { ألم تر أنَّا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً } قال : كقوله : { ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً } [ الزخرف : 36 ] .
وأخرج ابن الأنباري في الوقف ، عن ابن عباس : أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله : { تؤزهم أزاً } قال : توقدهم وقوداً . قال فيه الشاعر :
حكيم أمين لا يبالي بخلبة ... إذا أزه الأقوام لم يترمرم
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { إنما نعد لهم عداً } يقول : أنفاسهم التي يتنفسون في الدنيا ، فهي معدودة ، كسنهم وآجالهم .
وأخرج عبد بن حميد ، عن أبي جعفر محمد بن علي في قوله : { إنما نعد لهم عداً } قال : كل شيء حتى النفس .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث ، عن ابن عباس في قوله : { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً } قال : ركباناً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة وابن المنذر ، عن أبي هريرة { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً } قال : على الإبل .
وأخرج عبد بن حميد ، عن أبي سعيد رضي الله عنه { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً } قال : على نجائب رواحلها من زمرد وياقوت ، ومن أي لون شاء .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله : { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً } قال : إلى الجنة .
وأخرج عبد بن حميد ، عن الربيع { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً } قال : يفدون إلى ربهم ، فيكرمون ويعطون ويحيون ويشفعون .
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق : راغبين ، وراهبين ، واثنان على بعير ، وثلاثة على بعير ، وأربعة على بعير ، وعشرة على بعير ، وتحشر بقيتهم النار ، تقيل معهم حيث قالوا ، وتبيت معهم حيث باتوا » .
وأخرج ابن مردويه ، عن علي ، « عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله : { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً } قال : أما والله ما يحشرون على أقدامهم ، ولا يساقون سوقاً ، ولكنهم يؤتون من الجنة ، لم تنظر الخلائق إلى مثلها : رحالها الذهب ، وأزمتها الزبرجد ، فيقعدون عليها ، حتى يقرعوا باب الجنة » .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبدالله بن أحمد وفي زوائد المسند وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في البعث ، عن علي رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً } فقال : أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم ، ولا يساقون سوقاً ، ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة ، لم تنظر الخلائق إلى مثلها ، عليها رحال الذهب ، وأزمتها الزبرجد ، فيركبون عليها ، حتى يطرقوا باب الجنة . (6/487)
وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق ، « عن علي قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً } قلت : يا رسول الله ، هل الوفد إلا الركب؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها أجنحة وعليها رحال الذهب شرك نعالهم نور يتلألأ ، كل خطوة منها مثل مد البصر ، وينتهون إلى باب الجنة ، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء ، على صفائح الذهب وإذا شجرة على باب الجنة ينبع من أصلها عينان ، فإذا شربوا من إحدى العينين فتغسل ما في بطونهم من دنس ، ويغتسلون من الأخرى ، فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبداً ، فيضربون بالحلقة على الصفيحة ، فلو سمعت طنين الحلقة يا علي ، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل ، فتستخفها العجلة ، فتبعث قيمها فيفتح له الباب ، فإذا رآه خر له ساجداً ، فيقول : ارفع رأسك فإنما أنا قيمك ، وكلت بأمرك . فيتبعه ويقفو أثره ، فتستخف الحوراء العجلة ، فتخرج من خيام الدر والياقوت ، حتى تعتنقه ، ثم تقول : أنت حبي ، وأنا حبك وأنا الراضية ، فلا أسخط أبداً ، وأنا الناعمة فلا أبأس أبداً ، وأنا الخالدة فلا أموت أبداً ، وأنا المقيمة فلا أظعن أبداً ، فيدخل بيتاً من أساسه إلى سقفه مائة ألف ذراع بني على جندل اللؤلؤ والياقوت طرائق حمر ، وطرائق خضر ، وطرائق صفر ، ما منها طريقة تشاكل صاحبتها . وفي البيت سبعون سريراً ، على كل سرير سبعون فراشاً ، عليها سبعون زوجة ، على كل زوجة سبعون حلة ، يرى مخ ساقها من وراء الحلل ، يقضي جماعهن في مقدار ليلة من لياليكم هذه ، تجري من تحتهم الأنهار؛ أنهار مطردة { أنهار من ماء غير آسن } [ محمد : 15 ] صاف ليس فيه كدور { وأنهار من لبن لم يتغير طعمه } [ محمد : 15 ] ولم يخرج من ضروع الماشية . { وأنهار من خمر لذة للشاربين } [ محمد : 15 ] لما يعصرها الرجال بأقدامها . { وأنهار من عسل مصفى } [ محمد : 15 ] لم يخرج من بطون النحل ، فيستحلي الثمار فإن شاء أكل قائماً ، وإن شاء أكل قاعداً ، وإن شاء أكل متكئاً ، فيشتهي الطعام فيأتيه طير بيض أجنحتها فيأكل من جنوبها ، أي لون شاء ، ثم تطير فتذهب ، فيدخل الملك فيقول : { سلام عليكم } [ الزمر : 73 ] { تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون } [ الأعراف : 43 ] » .
وأخرج ابن أبي حاتم ، من طريق مسلم بن جعفر البجلي قال : سمعت أبا معاذ البصري : أن علياً قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده ، إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون بنوق لها أجنحة عليها رحال الذهب ، شرك نعالهم نور تلألأ ، كل خطوة منها مد البصر ، فينتهون إلى شجرة ، ينبع من أصلها عينان ، فيشربون من احداهما ، فيغسل ما في بطونهم من دنس ، ويغتسلون من الأخرى ، فلا تشعث أبشارهم ، ولا أشعارهم بعدها أبداً ، وتجري عليهم نضرة النعيم ، فيأتون باب الجنة ، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب ، فيضربون بالحلقة على الصفحة ، فيسمع لها طنين فيبلغ كل حوراء : أن زوجها قد أقبل ، فتبعث قيمها فيفتح له ، فإذا رآه خر له ساجداً فيقول : ارفع رأسك إنما أنا قيمك وكلت بأمرك ، فيتبعه ويقفو أثره ، فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه ثم تقول : أنت حبي وإنا حبك ، وأنا الخالدة التي لا أموت ، وأنا الناعمة التي لا أبأس ، وأنا الراضية التي لا أسخط ، وأنا المقيمة التي لا أظعن ، فيدخل بيتاً من أسه إلى سقفه مائة ألف ذراع ، بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق : أصفر وأحمر وأخضر ، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها ، في البيت سبعون سريراً ، على كل سرير سبعون حشية ، على كل حشية سبعون زوجة ، على كل زوجة سبعون حلة ، يرى مخ ساقها من باطن الحلل ، يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه ، الأنهار من تحتهم تطرد : { أنهار من ماء غير آسن } [ محمد : 15 ] قال : صاف لا كدر فيه ، { وأنهار من لبن لم يتغير طعمه } [ محمد : 15 ] قال : لم يخرج من ضروع الماشية ، { وأنهار من خمر لذة للشاربين } [ محمد : 15 ] قال : لم تعصرها الرجال بأقدامها ، { وأنهار من عسل مصفى } [ محمد : 15 ] قال : لم يخرج من بطون النحل فيستحلي الثمار ، فإن شاء أكل قائماً وإن شاء أكل قاعداً ، وإن شاء أكل متكئاً . ثم تلا { ودانية عليهم ظلالها } [ الإنسان : 14 ] الآية . فيشتهي الطعام فيأتيه طير أبيض وربما قال : أخضر ، فترفع أجنحتها فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء ، ثم يطير فيذهب فيدخل الملك فيقول : { سلام عليكم } { تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون } » . (6/488)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث ، عن ابن عباس في قوله : { ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً } قال : عطاشاً .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ، عن قتادة في قوله : { ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً } قال : ظماء إلى النار .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن مجاهد : { ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً } قال : متقطعة أعناقهم من العطش . (6/489)
وأخرج ابن المنذر ، عن أبي هريرة : { ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً } قال : عطاشاً .
وأخرج هناد ، عن الحسن مثله .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات ، عن ابن عباس في قوله : { إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً } قال : شهادة أن لا إله إلا الله ، وتبرأ من الحول والقوّة ، ولا يرجو إلا الله .
وأخرج ابن المنذر ، عن ابن جريج في قوله : { إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً } قال : المؤمنون يومئذ بعضهم لبعض شفعاء .
وأخرج ابن أبي شيبة ، عن مقاتل بن حيان { إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً } قال : العهد الصلاح .
وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عباس في قوله : { إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً } قال : من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة .
وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أدخل على مؤمن سروراً فقد سرني ، ومن سرني فقد اتخذ عند الرحمن عهداً ، ومن اتخذ عند الرحمن عهداً فلا تمسه النار . إن الله لا يخلف الميعاد » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه ، عن ابن مسعود أنه قرأ { إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً } قال : إن الله يقول يوم القيامة : « من كان له عندي عهد فليقم ، فلا يقوم إلا من قال هذا في الدنيا . قولوا اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا إنك أن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير ، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعله لي عندك عهداً تؤديه إلي يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد » .
وأخرج الطبراني في الأوسط ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من جاء بالصلوات الخمس يوم القيامة - قد حافظ على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها لم ينقص منها شيئاً - جاء وله عند الله عهد أن لا يعذبه ، ومن جاء قد انتقص منهن شيئاً ، فليس له عند الله عهد ، إن شاء رحمه وإن شاء عذبه » .
وأخرج الحكيم الترمذي ، عن أبي بكر الصديق قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قال في دبر كل صلاة - بعدما سلم - هؤلاء الكلمات : كتبه ملك في رق فختم بخاتم ، ثم دفعها إليّ يوم القيامة ، فإذا بعث الله العبد من قبره ، جاءه الملك ومعه الكتاب ينادي : أين أهل العهود؟ حتى تدفع إليهم ، والكلمات أن تقول : اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم - إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا بأنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك ، فلا تكلني إلى نفسي ، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير ، وإني لا أثق إلا برحمتك ، فاجعل رحمتك لي عهداً عندك تؤديه إلي يوم القيامة : إنك لا تخلف الميعاد » وعن طاوس : أنه أمر بهذه الكلمات فكتبت في كفنه .
وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { لقد جئتم شيئاً إدّاً } قال : قولاً عظيماً . وفي قوله : { تكاد السماوات يتفطرن منه } الآية . قال : إن الشرك فزعت منه السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق ، إلا الثقلين ، وكادت تزول منه لعظمة الله : وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك ، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين . وفي قوله : { وتخر الجبال هدّاً } قال : هدماً . (6/490)
وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان من طريق عون ، عن ابن مسعود قال : إن الجبل لينادي الجبل باسمه يا فلان ، هل مر بك اليوم أحد ذكر الله؟ فإذا قال نعم ، استبشر . قال عون : أفيسمعن الزور إذا قيل ، ولا يسمعن الخير؟! هي للخير اسمع . وقرأ { وقالوا اتخذ الرحمن ولداً } الآيات .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة ، عن محمد بن المنكدر قال : بلغني أن الجبلين إذا أصبحا ، نادى أحدهما صاحبه يناديه باسمه فيقول : أي فلان ، هل مر بك ذاكر لله؟ فيقول : نعم . فيقول : لقد أقر الله عينك ، ولكن ما مر بي ذاكر لله عز وجل اليوم .
وأخرج الحاكم وصححه ، عن أبي أمامة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ « تكاد السموات ينفطرن » بالياء والنون { وتخر الجبال } بالتاء .
وأخرج ابن المنذر ، عن مجاهد في قوله : { يتفطرن منه } قال : الانفطار الانشقاق .
وأخرج أبو الشيخ ، عن الضحاك في قوله : { تكاد السماوات يتفطرن منه } قال : يتشققن من عظمة الله .
وأخرج ابن المنذر ، عن هرون قال : في قراءة ابن مسعود { تكاد السماوات يتفطرن } بالياء .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه ، عن عبدالله بن عوف : إنه لما هاجر إلى المدينة؛ وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة منهم : شيبة بن ربيعة ، وعتبة بن ربيعة ، وأمية بن خلف ، فأنزل الله { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً } .
وأخرج ابن مردويه والديلمي ، عن البراء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ : « قل : اللهم اجعل لي عندك عهداً ، واجعل لي عندك ودّاً ، واجعل لي في صدور المؤمنين مودة » فأنزل الله { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً } قال : فنزلت في علي .
وأخرج الطبراني وابن مردويه ، عن ابن عباس قال : نزلت في علي بن أبي طالب { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً } قال : محبة في قلوب المؤمنين .
وأخرج الحكيم الترمذي وابن مردويه ، « عن علي قال : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قوله : { سيجعل لهم الرحمن وداً } ما هو؟ قال : المحبة ، في قلوب المؤمنين ، والملائكة المقربين . يا علي ، إن الله أعطى المؤمن ثلاثاً . المنة والمحبة والحلاوة والمهابة في صدور الصالحين » .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير ، عن ابن عباس في قوله : { سيجعل لهم الرحمن وداً } قال : محبة في الناس في الدنيا . (6/491)
وأخرج هناد ، عن الضحاك { سيجعل لهم الرحمن وداً } قال : محبة في صدور المؤمنين .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وهناد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس { سيجعل لهم الرحمن وداً } قال : يحبهم ويحبونه .
وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا أحب الله عبداً ، نادى جبريل : إني قد أحببت فلاناً ، فأحبه . فينادي في السماء ، ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض ، فذلك قول الله : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً } وإذا أبغض الله عبداً ، نادى جبريل : إني قد أبغضت فلاناً ، فينادي في أهل السماء ، ثم تنزل له البغضاء في أهل الأرض » .
وأخرج ابن مردويه ، عن ثوبان ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : « » إن العبد ليلتمس مرضاة الله ، فلا يزال كذلك ، فيقول الله لجبريل : إن عبدي فلاناً يلتمس أن يرضيني ، فرضائي عليه ، فيقول جبريل : رحمة الله على فلان ، ويقوله حملة العرش ، ويقوله الذين يلونهم ، حتى يقوله : أهل السموات السبع ، ثم يهبط إلى الأرض « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي الآية التي أنزل الله في كتابه { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً } » وإن العبد ليلتمس سخط الله ، فيقول الله : يا جبريل ، إن فلاناً يسخطني ، ألا وإن غضبي عليه؛ فيقول جبريل : غضب الله على فلان ، ويقوله حملة العرش ، ويقوله من دونهم ، حتى يقوله أهل السموات السبع ، ثم يهبط إلى الأرض « » .
وأخرج عبد بن حميد ، عن كعب قال : أجد في التوراة : أنه لم تكن محبة لأحد من أهل الأرض ، حتى تكون بدؤها من الله تعالى؛ ينزلها على أهل الأرض ، ثم قرأت القرآن فوجدت فيه { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً } .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، عن ابن عباس بسند ضعيف : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله أعطى المؤمن ثلاثة : المقة والملاحة والمودة والمحبة في صدور المؤمنين » ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً } .
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : كتب أبو الدرداء إلى مسلمة بن مخلد سلام عليك أما بعد : فإن العبد إذا عمل بطاعة الله أحبه الله ، فإذا أحبه الله حببه إلى عباده ، وإن العبد إذا عمل بمعصية الله أبغضه الله ، فإذا أبغضه الله بغضه إلى عباده .
وأخرج الحكيم الترمذي ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لكل عبد صيت ، فإن كان صالحاً وضع في الأرض ، وإن كان سيئاً وضع في الأرض » . (6/492)
وأخرج أحمد والحكيم الترمذي ، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن المقة من الله ، والصيت من السماء ، فإذا أحب الله عبداً قال لجبريل : إني أحب فلاناً ، فينادي جبريل : إن ربكم يحب فلاناً فأحبوه ، فتنزل له المحبة في الأرض ، وإذا أبغض عبداً قال لجبريل : إني أبغض فلاناً ، فأبغضه ، فينادي جبريل : إن ربكم يبغض فلاناً فابغضوه ، فيجري له البغض في الأرض » .
وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس في قوله : { وتنذر به قوماً لداً } قال : فجاراً .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن الحسن في قوله : { لداً } قال : صماً .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن الضحاك في قوله : { لداً } قال : خصماء .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ، عن قتادة في قوله : { قوماً لداً } قال : جدلاً بالباطل .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة { قوماً لداً } قال : هم قريش .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد { لداً } قال : لا يستقيمون .
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98)
أخرج ابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير في قوله : { هل تحس منهم من أحد } قال : هل ترى منهم من أحد . (6/493)
وأخرج عبد بن حميد ، عن عاصم أنه قرأ { هل تحس منهم } برفع التاء وكسر الحاء ورفع السين ولا يدغمها .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله تعالى : { هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً } قال : هل ترى عيناً أو تسمع صوتاً .
وأخرج عبد بن حميد ، عن الحسن في الآية قال : ذهب القوم فلا صوت ولا عين .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { ركزاً } قال : صوتاً .
وأخرج الطستي في مسائله ، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله : { ركزاً } فقال : حساً . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول الشاعر :
وقد توجس ركزاً متفقد ندس ... بنية الصوت ما في سمعه كذب
طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8) وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11)
أخرج ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان ، عن ابن عباس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أول ما أنزل عليه الوحي ، كان يقوم على صدور قدميه إذا صلى ، فأنزل الله : { طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } . (6/494)
وأخرج ابن مردويه وابن جرير ، عن ابن عباس قال : قالوا لقد شقي هذا الرجل بربه ، فأنزل الله : { طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } .
وأخرج ابن عساكر ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا قام من الليل يربط نفسه بحبل؛ كي لا ينام فأنزل الله عليه { طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } .
وأخرج عبد بن حميد ، عن مجاهد قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يربط نفسه ، ويضع إحدى رجليه على الأخرى ، فنزلت : { طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } .
وأخرج ابن مردويه ، عن علي رضي الله عنه قال : لما نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - { يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً } [ المزمل : 1 ] قام الليل كله حتى تورمت قدماه ، فجعل يرفع رجلاً ، ويضع رجلاً ، فهبط عليه جبريل ، فقال : { طه } يعني : الأرض بقدميك يا محمد { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } وأنزل { فاقرؤوا ما تيسر من القرآن } .
وأخرج البزار بسند حسن ، عن علي قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يراوح بين قدميه ، يقوم على كل رجل ، حتى نزلت { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر ، عن الربيع بن أنس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ، إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى ، فأنزل الله { طه } يعني طأ الأرض يا محمد ، { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } .
وأخرج ابن مردويه ، عن بان عباس في قوله : { طه } قال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربما قرأ القرآن إذا صلى ، قام على رجل واحدة ، فأنزل الله { طه } برجليك { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الضحاك قال : لما أنزل الله القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - قام به وأصحابه ، فقال له كفار قريش : ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى به . فأنزل الله { طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه ، عن ابن عباس في قوله : { طه } قال : يا رجل .
وأخرج الحارث بن أبي أسامة وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { طه } بالنبطية أي { طا } يا رَجُل .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { طه } بالنبطِيَّةِ أي { طا } يا رجل .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { طه } قال : هو كقولك يا رجل . (6/495)
وأخرج ابن أبي شيبة ، عن عكرمة قال : { طه } يا رجل بالنبطية .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال : { طه } بالنبطية يا رجل .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك قال : { طه } يا رجل بالنبطية .
وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس قال : { طه } يا رجل . بالسريانية .
وأخرج الحاكم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { طه } قال : هو كقولك يا محمد بلسان الحبش .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله : { طه } قال : هو كقولك يا رجل : بلسان الحبشة .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن أبي صالح في قوله : { طه } قال : كلمة عربت .
وأخرج عن مجاهد ، قال : { طه } فواتح السور .
وأخرج عن محمد بن كعب { طه } قال : الطاء من ذي الطول .
وأخرج ابن مردويه ، عن أبي الطفيل قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن لي عشرة أسماء عند ربي قال أبو الطفيل : حفظت منها ثمانية : محمد وأحمد وأبو القاسم والفاتح والخاتم والماحي والعاقب والحاشر ، وزعم سيف أن أبا جعفر قال : الاسمان الباقيان { طه } ويس .
وأخرج ابن مردويه والحاكم وصححه ، عن زر قال : قرأ رجل على ابن مسعود { طه } مفتوحة فأخذها عليه عبدالله { طه } مكسورة فقال له الرجل : إنها بمعنى ضع رجلك . فقال عبد الله : هكذا قرأها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهكذا أنزلها جبريل .
وأخرج ابن عساكر ، « عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : أول سورة تعلمتها من القرآن { طه } وكنت إذا قرأت { طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } قال النبي صلى الله عليه وسلم : » لا شقيت يا عائش « » .
وأخرج البيهقي في الدلائل ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس في قوله : { طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } وكان يقوم الليل على رجليه فهي لغة لعك إن قلت لعكي يا رجل ، لم يلتفت وإذا قلت { طه } التفت إليك .
وأخرج عبد بن حميد ، عن عروة بن خالد - رضي الله عنه - قال : سمعت الضحاك ، وقال رجل من بني مازن بن مالك : ما يخفى علي شيء من القرآن ، وكان قارئاً للقرآن شاعراً . فقال له الضحاك : أنت تقول ذلك؟ أخبرني ما { طه } ؟ قال : هي من أسماء الله الحسنى . نحو : طسم ، وحم ، فقال الضحاك : إنما هي بالنبطية يا رجل .
وأخرج ابن المنذر وابن مسعود ، عن ابن عباس قال : { طه } قسم أقسمه الله ، وهو من أسماء الله .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } يقول : في الصلاة هي مثل قوله :
{ فاقرؤوا ما تيسر منه } [ المزمل : 20 ] قال : وكانوا يعلقون الحبال بصدروهم في الصلاة . (6/496)
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } يا رجل { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } لا والله ، ما جعله الله شقياً ، ولكن جعله الله رحمة ونوراً ودليلاً إلى الجنة { إلا تذكرة لمن يخشى } قال : إن الله أنزل كتابه وبعث رسله رحمة رحم بها العباد لِيذْكُر ذاكر وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله ، وهو ذكر أنزله الله ، فيه حلاله وحرامه .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن محمد بن كعب { وما تحت الثرى } ما تحت سبع أرضين .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة قال : { الثرى } كل شيء مبتل .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي : { وما تحت الثرى } قال : هي الصخرة التي تحت الأرض السابعة ، وهي صخرة خضراء ، وهو سجين الذي فيه كتاب الكفار .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الضحاك قال : الثرى ما حفر من التراب مبتلاً .
وأخرج أبو يعلى عن جابر بن عبدالله : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ، ما تحت هذه الأرض؟ قال : الماء . قيل : فما تحت الماء؟ قال : ظلمة . قيل : فما تحت الظلمة؟ قال : الهواء . قيل : فما تحت الهواء؟ قال : الثرى . قيل : فما تحت الثرى؟ قال : انقطع علم المخلوقين عند علم الخالق .
وأخرج ابن مردويه ، عن جابر بن عبدالله قال : كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك ، إذ عارضنا رجل مترجب - يعني طويلاً - فدنا من النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذ بخطام راحلته فقال : أنت محمد؟ قال : نعم . قال : إني أريد أن أسألك عن خصال لا يعلمها أحد من أهل الأرض ، إلا رجل أو رجلان؟ فقال : سل عما شئت . قال : يا محمد ، ما تحت هذه؟ - يعني الأرض - قال : خلق . قال : فما تحتهم؟ قال : أرض . قال : فما تحتها؟ قال : خلق؟ قال : فما تحتهم؟ قال : أرض ، حتى انتهى إلى السابعة . قال : فما تحت السابعة؟ قال : صخرة . قال : فما تحت الصخرة؟ قال : الحوت . قال : فما تحت الحوت؟ قال : الماء . قال : فما تحت الماء؟ قال : الظلمة . قال : فما تحت الظلمة؟ قال : الهواء . قال : فما تحت الهواء؟ قال : الثرى . قال : فما تحت الثرى؟ ففاضت عينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبكاء؟ فقال : انقطع علم المخلوقين عند علم الخالق أيها السائل ، ما المسؤول بأعلم من السائل . قال : صدقت ، أشهد أنك رسول الله يا محمد ، أما إنك لو ادعيت تحت الثرى شيئاً ، لعلمت أنك ساحر كذاب ، أشهد أنك رسول الله ، ثم ولى الرجل . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « أيها الناس ، هل تدرون ما هذا؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : هذا جبريل » .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الأسماء والصفات ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { يعلم السر وأخفى } قال : السر ما أسره ابن آدم في نفسه { وأخفى } ما خفي ابن آدم مما هو فاعلة ، قبل أن يعلمه ، فإنه يعلم ذلك كله ، فعلمه فيما مضى من ذلك ، وما بقي علم واحد وجميع الخلائق عنده في ذلك ، كنفس واحدة وهو كقوله : { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } [ لقمان : 28 ] . (6/497)
وأخرج الحاكم وصححه ، عن ابن عباس في قوله : { يعلم السر وأخفى } قال : السر ما علمته أنت ، وأخفى ما قذف الله في قلبك مما لم تعلمه .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ، وأبو الشيخ في العظمة ، والبيهقي بلفظ : يعلم ما تسر في نفسك ، ويعلم ما تعمل غداً .
وأخرج عبد الرزاق ، وعبد بن حميد ، عن قتادة في قوله : { يعلم السر وأخفى } قال : أخفى من السر ما حدثت به نفسك ، وما لم تحدث به نفسك أيضاً مما هو كائن .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { يعلم السر وأخفى } قال : الوسوسة ، والسر العمل الذي تسرون من الناس .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر ، عن الحسن قال : السر ما أسر الرجل إلى غيره ، وأخفى من ذلك ما أسر في نفسه .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر ، عن سعيد بن جبير في الآية . قال : السر ما تسر في نفسك ، وأخفى من السر ، ما لم يكن بعد وهو كائن .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر ، عن عكرمة في الآية . قال : السر ما حدث به الرجل أهله ، وأخفى ما تكلمت به في نفسك .
وأخرج عبد بن حميد ، عن الضحاك في قوله : { يعلم السر وأخفى } قال : السر ما أسررت في نفسك { وأخفى } ما لم تحدث به نفسك .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة ، عن زيد بن أسلم في قوله : { يعلم السر وأخفى } قال : يعلم أسرار العباد { وأخفى } سره فلا نعلمه والله أعلم .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { إني آنست ناراً } أي أحسست ناراً . { أو أجد على النار هدى } قال : من يهديني .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله : { أو أجد على النار هدى } قال : من يهديني إلى الطريق ، وكانوا شاتين فضلوا الطريق .
وأخرج ابن المنذر ، عن ابن عباس في قوله : { أو أجد على النار هدى } يقول : من يدل على الطريق .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر ، عن مجاهد في قوله : { أو أجد على النار هدى } قال : يهديه الطريق .
وأخرج عبد بن حميد ، عن عكرمة في قوله : { أو أجد على النار هدى } قال : هادٍ يهديني إلى الماء .
وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن وهب بن منبه قال : لما رأى موسى النار ، انطلق يسير ، حتى وقف منها قريباً ، فإذا هو بنار عظيمة : تفور من ورق شجرة خضراء شديدة الخضرة ، يقال لها العليق ، لا تزداد النار فيما يرى إلا عظماً وتضرماً ، ولا تزداد الشجرة على شدة الحريق ، إلا خضرة وحسناً! فوقف ينظر لا يدري ما يصنع ، إلا أنه قد ظن أنها شجرة تحترق ، وأوقد إليها موقد ، فنالها فاحترقت ، وإنه إنما يمنع النار ، شدة خضرتها ، وكثرة مائها ، وكثافة ورقها ، وعظم جذعها ، فوضع أمرها على هذا ، فوقف وهو يطمع أن يسقط منها شيء فيقتبسه ، فلما طال عليه ذلك ، أهوى إليها بضغث في يده وهو يريد أن يقتبس من لهبها ، فلما فعل ذلك موسى مالت نحوه كأنها تريده ، فاستأخر عنها وهاب ، ثم عاد فطاف بها ، ولم تزل تطمعه ويطمع بها ، ثم لم يكن شيء بأوشك من خمودها ، فاشتد عند ذلك عجبه وفكر موسى في أمرها ، فقال : هي نار ممتنعة لا يقتبس منها ، ولكنها تتضرم في جوف شجرة فلا تحرقها ، ثم خمودها على قدر عظمها في أوشك من طرفة عين . فلما رأى ذلك موسى قال : إن لهذه شأناً . ثم وضع أمرها على أنها مأمورة أو مصنوعة ، لا يدري من أمرها ولا بما أمرت ولا من صنعها ولا لم صنعت ، فوقف متحيراً لا يدري أيرجع أم يقيم؟ فبينا هو على ذلك ، إذ رمى بطرفه نحو فرعها فإذا هو أشد مما كان خضرة ساطعة في السماء ، ينظر إليها يغشى الظلام ، ثم لم تزل الخضرة تنوّر وتصفر وتبيض حتى صارت نوراً ساطعاً عموداً بين السماء والأرض ، عليه مثل شعاع الشمس ، تكل دونه الأبصار ، كلما نظر إليه يكاد يخطف بصره ، فعند ذلك اشتد خوفه وحزنه ، فرد يده على عينيه ، ولصق بالأرض وسمع الحنين والوجس . إلا أنه سمع حينئذ شيئا لم يسمع السامعون بمثله عظماً! فلما بلغ موسى الكرب واشتد عليه الهول نودي من الشجرة ، فقيل : يا موسى ، فأجاب سريعاً ، وما يدري من دعاه؟ وما كان سرعة إجابته إلا استئناساً بالإنس ، فقال لبيك مراراً إني لأسمع صوتك ، وأحس حسك ، ولا أرى مكانك ، فأين أنت؟ قال : أنا فوقك ومعك وخلفك وأقرب إليك من نفسك . فلما سمع هذا موسى علم أنه لا ينبغي هذا إلا لربه ، فأيقن به ، فقال : كذلك أنت يا إلهي ، فكلامك اسمع أم رسولك؟ قال : بل أنا الذي أكلمك فادن مني ، فجمع موسى يديه في العصا ، ثم تحامل حتى استقل قائماً ، فرعدت فرائصه حتى اختلفت ، واضطربت رجلاه ، وانقطع لسانه وانكسر قلبه ، ولم يبق منه عظم يحمل آخر ، فهو بمنزلة الميت ، إلا أن روح الحياة تجري فيه ، ثم زحف على ذلك وهو مرعوب ، حتى وقف قريباً من الشجرة التي نودي منها فقال له الرب تبارك وتعالى : { ما تلك بيمينك يا موسى } قال : هي عصاي . (6/498)
قال : ما تصنع بها؟ - ولا أحد أعلم منه بذلك - قال موسى : { أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى } قد علمتها ، وكان لموسى في العصا مآرب ، كان لها شعبتان ومحجن تحت الشعبتين ، فإذا طال الغصن حناه بالمحجن ، وإذا أراد كسره لواه بالشعبتين ، وكان يتوكأ عليها ويهش بها ، وكان إذا شاء ألقاها على عاتقه ، فعلق بها قوسه وكنانته ومرجامه ومخلاته وثوبه ، وزاداً إن كان معه ، وكان إذا ارتع في البرية حيث لا ظل له ركزها ، ثم عرض بالوتد بين شعبتيها ، وألقى فوقها كساءه فاستظل بها ما كان مرتعاً ، وكان إذا ورد ماء يقصر عنه رشاؤه وصل بها ، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه . قال له الرب { ألقها يا موسى } فظن موسى أنه يقول : ارفضها . فألقاها على وجه الرفض ، ثم حانت منه نظرة ، فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون يرى! يلتمس كأنه يبتغي شيئاً يريد أخذه ، يمر بالصخرة مثل الخلفة من الإبل فيلتقمها ، ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها ، عينان توقدان ناراً ، وقد عاد المحجن عرقاً فيه شعر مثل النيازك ، وعاد الشعبتان فهما مثل القليب الواسع فيه أضراس وأنياب لها صريف ، فلما عاين ذلك موسى { ولى مدبراً ولم يعقب } [ النمل : 10 ] فذهب حتى أمعن ورأى أنه قد أعجز الحية ، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه ثم { نودي يا موسى } أن ارجع حيث كنت ، فرجع وهو شديد الخوف فقال : خذها بيمينك ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى . قال : وكان على موسى حينئذ مدرعة فجعلها في يده ، فقال له ملك : أرأيت يا موسى لو أذن الله بما تحاذر؟ أكانت المدرعة تغني عنك شيئاً قال : لا . ولكني ضعيف ومن ضعف خلقت . فكشف عن يده ثم وضعها على فم الحية ، ثم سمع حس الأضراس والأنياب ، ثم قبض فإذا هي عصاه التي عهدها ، وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا تؤكأ بين الشعبتين . قال له ربه : « ادن » . فلم يزل يدنيه - حتى شد ظهره بجذع الشجرة . فاستقر وذهبت عنه الرعدة ، وجمع يديه في العصا ، وخضع برأسه وعنقه ثم قال له : إني قد أقمتك اليوم في مقام لا ينبغي لبشر بعدك أن يقوم مقامك . . . إذ أدنيتك وقربتك حتى سمعت كلامي ، وكنت بأقرب الأمكنة مني ، فانطلق برسالتي ، فإنك بعيني وسمعي ، وإن معك يدي وبصري ، وإني قد ألبستك جبة من سلطاني ، لتكمل بها القوّة في أمري ، فأنت جند عظيم من جنودي ، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي ، بطر من نعمتي ، وأمن مكري ، وغرته الدنيا حتى جحد حقي ، وأنكر ربوبيتي ، وعد من دوني ، وزعم أنه لا يعرفني ، وإني لأقسم بعزتي : لولا العذر والحجة التي وضعت بيني وبين خلقي . (6/499)
. . لبطشت به بطشة جبار - يغضب لغضبه السموات والأرض والجبال والبحار - فإن أمرت السماء حصبته ، وإن أمرت الأرض ابتلعته ، وإن أمرت البحار غرقته ، وإن أمرت الجبال دمرته ، ولكنه هان عليّ وسقط من عيني ، وَسعَهُ حلمي ، واستغنيت بما عندي ، وحق لي أني أنا الغني لا غني غيري ، فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي وتوحيدي ، وإخلاص اسمي ، وذكره بآياتي ، وحذره نقمتي وبأسي ، وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي { وقل له } فيما بين ذلك : { قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى } وأخبره أني إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة ، ولا يروعنك ما ألبسته من لباس الدنيا ، فإن ناصيته بيدي ليس يطرف ولا ينطق ولا يتنفس إلا بإذني ، وقل له : أجب ربك فإنه واسع المغفرة فإنه قد أمهلك أربعمائة سنة؛ في كلها أنت مبارزه بالمحاربة ، تتشبه وتتمثل به وتصد عباده عن سبيله ، وهو يمطر عليك السماء ، وينبت لك الأرض ، لم تسقم ولم تهرم ولم تفتقر ولم تغلب ، ولو شاء أن يجعل لك ذلك أو يسلبكه فعل ، ولكنه ذو أناة وحلم عظيم ، وجاهده بنفسك وأخيك ، وأنتما محتسبان بجهاده ، فإني لو شئت أن آتيه بجنود لا قبل له بها فعلت ، ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي قد أعجبته نفسه وجموعه : أن الفئة القليلة ، ولا قليل مني تغلب الفئة الكبيرة بإذني ، ولا يعجبنكما زينته ولا ما متع به ، ولا تمدا إلى ذلك أعينكما ، فإنها زهرة الحياة الدنيا ، وزينة المترفين ، وإني لو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة ، يعلم فرعون - حين ينظر إليها - أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلت ، ولكن أرغب بكما عن ذلك وأزويه عنكما ، وكذلك أفعل بأوليائي ، وقد نما ما حويت لهم من ذلك ، فإني لأذودهم عن نعيمها ورخائها؛ كما يذود الراعي الشفيق غنمه من مواقع الهلكة ، وإني لأجنبهم شكوها وغنمها ، كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك الغرة ، وما ذاك لهوَانِهم عليّ ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالماً موفراً لم تكلمه الدنيا ولم يطغه الهوى ، واعلم أنه لم يتزين إليّ العباد بزينة . . . هي أبلغ فيما عندي من الزهد في الدنيا ، فإنه زينة المتقين عليهم منه : لباس يعرفون به من السكينة والخشوع { سيماهم في وجوههم من أثر السجود } [ الفتح : 29 ] « أولئك هم أوليائي حقاً فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك ، وذلل لهم قلبك ولسانك ، واعلم أنه من أهان لي ولياً أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة ، وبادأني وعرض لي نفسه ودعاني إليها ، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي ، فيظن الذي يحاربني أو يعاديني أن يعجزني ، أو يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني ، وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة؟! لا أكل نصرتهم إلى غيري » قال : فأقبل موسى إلى فرعون في مدينة قد جعل حولها الأسد في غيضة قد غرسها ، والأسد فيها مع ساستها إذا أرسلها على أحد أكلته ، وللمدينة أربعة أبواب في الغيضة ، فأقبل موسى من الطريق الأعظم الذي يراه فرعون ، فلما رأته الأسد صاحت صياح الثعالب ، فأنكر ذلك الساسة وفرقوا من فرعون ، فأقبل موسى حتى انتهى إلى الباب الذي فيه فرعون فقرعه بعصاه وعليه جبة من صوف وسراويل ، فلما رآه البوّاب عجب من جراءته فتركه ولم يأذن له ، فقال هل تدري باب من أنت تضرب؟! إنما أنت تضرب باب سيدك . (6/500)
قال : أنت وأنا وفرعون عبيد لربي ، فأنا ناصره ، فأخبر البوّاب الذي يليه من البوابين ، حتى بلغ ذلك أدناهم ودونه سبعون حاجباً ، كل حاجب منهم تحت يده من الجنود ما شاء الله ، حتى خلص الخبر إلى فرعون فقال : أدخلوه عليّ ، فأدخل فلما أتاه قال له فرعون : أعرفك؟ قال : نعم . قال : { ألم نربك فينا وليداً } [ الشعراء : 18 ] قال : فرد إليه موسى الذي رد . قال : فرعون خذوه . فبادر موسى { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } [ الشعراء : 32 ] فحملت على الناس فانهزموا منها ، فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً ، قتل بعضهم بعضاً ، وقام فرعون منهزماً حتى دخل البيت فقال لموسى : { اجعل بيننا وبينك موعداً } ننظر فيه . قال : موسى : لم أؤمر بذلك ، إنما أمرت بمناجزتك ، وإن أنت لم تخرج إليّ دخلت عليك . فأوحى الله إلى موسى : أن اجعل بينك وبينه أجلاً ، وقل له : أن يجعله هو . قال فرعون : اجعله إلى أربعين يوماً ففعل . قال : وكان فرعون لا يأتي الخلاء إلا في كل أربعين يوماً مرة ، فاختلف ذلك اليوم أربعين مرة . قال : وخرج موسى من المدينة ، فلما مر بالأسد خضعت له بأذنابها ، وسارت مع موسى تشيعه ، ولا تهيجه ، ولا أحداً من بني إسرائيل . (7/1)
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)
أخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم ، عن علي رضي الله عنه في قوله : { فاخلع نعليك } قال : كانتا من جلد حمار ميت ، فقيل له اخعلهما . (7/2)
وأخرج عبد بن حميد ، عن الحسن رضي الله عنه قال : ما بال خلع النعلين في الصلاة؟ إنما أمر موسى بخلع نعليه ، إنهما كانا من جلد حمار ميت .
وأخرج عبد بن حميد ، عن كعب رضي الله عنه في قوله : { فاخلع نعليك } قال : كان نعلا موسى من جلد حمار ميت ، فأراد ربك أن يمسه القدس كله .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الزهري في قوله : { فاخلع نعليك } قال : كانتا من جلد حمار أهلي .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه قال : كانت نعلا موسى التي قيل له اخعلهما : من جلد خنزير .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم ، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله : { فاخلع نعليك } قال كي تمس راحة قدميك الأرض الطيبة .
وأخرج الطبراني ، عن علقمة؛ أن ابن مسعود أتى أبا موسى الأشعري منزله ، فحضرت الصلاة فقال أبو موسى - رضي الله عنه - تقدم يا أبا عبد الرحمن ، فإنك أقدم سناً وأعلم . قال : لا . بل تقدم أنت ، فإنما أتيناك في منزلك ، فتقدم أبو موسى رضي الله عنه فخلع نعليه ، فلما صلى قال له ابن مسعود : - رضي الله عنه - لم خلعت نعليك؟ أبالواد المقدس أنت؟ لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في الخفين والنعلين .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { إنك بالواد المقدس } قال : المبارك { طوى } قال : اسم الوادي .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله : { بالواد المقدس } قال : الطاهر .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الحسن رضي الله عنه في قوله : { بالواد المقدس } قال : واد بفلسطين قدس مرتين .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله : { بالواد المقدس طوى } يعني الأرض المقدسة ، وذلك أنه مر بواديها ليلاً فطوي . يقال : طويت وادي كذا وكذا ، والطاوي من الليل وارتفع إلى أعلى الوادي ، وذلك نبي الله موسى عليه السلام .
وأخرج ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد وابن المنذر ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { إنك بالواد المقدس } قال المبارك : { طوى } قال : اسم الوادي .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن مبشر بن عبيد { طوى } بغير نون وادٍ بإيلة زعم أنه طوي بالبركة مرتين .
وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { طوى } قال : طا الوادي .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي نجيح رضي الله عنه في قوله : { طوى } قال طا الأرض حافياً كما تدخل الكعبة حافياً .
يقول : من بركة الوادي ، هذا قول سعيد بن جبير . قال : وكان مجاهد رضي الله عنه يقول : { طوى } اسم الوادي . (7/3)
وأخرج عبد بن حميد ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { بالواد المقدس طوى } قال : واد قدس مرتين واسمه { طوى } .
وأخرج عبد بن حميد ، عن عاصم أنه قرأ { طوى } برفع الطاء وبنون فيها .
وأخرج أبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « مكتوب على باب الجنة : إنني أنا الله لا إله إلا أنا لا أعذب من قالها » .
وأخرج ابن سعد وأبو يعلى والحاكم والبيهقي في الدلائل ، عن أنس رضي الله عنه قال : خرج عمر متقلداً بالسيف لقيه رجل من بني زهرة فقال له : أين تغدو يا عمر ، قال : أريد أن أقتل محمداً . قال : وكيف تأمن بني هاشم وبني زهرة؟ فقال له عمر : ما أراك إلا قد صبأت وتركت دينك! قال : أفلا أدلك على العجب؟! إن أختك وختنك قد صبآ وتركا دينك ، فمشى عمرا زائراً حتى أتاهما ، وعندهما خباب ، فلما سمع خباب بحس عمر ، توارى في البيت ، فدخل عليهما فقال : ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم وكانوا يقرأون { طه } فقالا : ما عدا حديثاً تحدثنا به . قال : فلعلكما قد صبأتما . فقال له خنته : يا عمر ، إن كان الحق في غير دينك؟ فوثب عمر على ختنه فوطئه وطأ شديداً : فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها ، فنفخها نفخة بيده فدمى وجهها . فقال عمر : أعطوني الكتاب الذي هو عندكم فأقرأه ، فقالت أخته : إنك رجس وإنه { لا يمسه إلا المطهرون } [ الواقعة : 79 ] فقم فتوضأ ، فقام فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ { طه } حتى انتهى إلى { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري } فقال عمر : دلوني على محمد ، فلما سمع خباب قول عمر ، خرج من البيت فقال : أبشر يا عمر ، فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لك - ليلة الخميس - « اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب ، أو بعمر بن هشام » فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج أبو نعيم في الحلية ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن جبريل - عليه السلام - قال : « قال الله عز وجل { إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } » من جاءني منكم بشهادة أن لا إله إلا الله بالإخلاص دخل حصني ، ومن دخل حصني أمن عذابي « » .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { وأقم الصلاة لذكري } قال : إذا صلى عبد ذكر ربه .
وأخرج عبد بن حميد ، عن إبراهيم في قوله : { وأقم الصلاة لذكري } قال : حين تذكر . (7/4)
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن مردويه ، عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها ، فإن الله قال أقم الصلاة لذكري » .
وأخرج الترمذي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « لما قفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خيبر أسري ليلة حتى أدركه الكرى ، أناخ فعرس ثم قال : » يا بلال ، أكلأنا الليلة « قال : فصلى بلال ثم تساند إلى راحلته مستقبل الفجر ، فغلبته عيناه فنام ، فلم يستيقظ أحد منهم حتى ضربتهم الشمس ، وكان أولهم استيقاظاً النبي صلى الله عليه وسلم فقال : » أي بلال « فقال بلال : بأبي أنت يا رسول الله ، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك ، فقال رسول الله : - صلى الله عليه وسلم - » اقتادوا « ثم أناخ فتوضأ وأقام الصلاة ثم صلى مثل صلاته للوقت في تمكث ، ثم قال : » من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها ، فإن الله قال : { أقم الصلاة لذكري } « وكان ابن شهاب يقرؤها » للذكرى « .
وأخرج الطبراني وابن مردويه ، عن عبادة بن الصامت قال : » سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجل غفل عن الصلاة حتى طلعت الشمس أو غربت ما كفارتها؟ قال : « يتقرب إلى الله ويحسن وضوءه ويصلي فيحسن الصلاة ويستغفر الله فلا كفارة لها إلا ذلك » إن الله يقول : { أقم الصلاة لذكري } .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر ، عن سمرة بن يحيى قال : نسيت صلاة العتمة حتى أصبحت ، فغدوت إلى ابن عباس فأخبرته فقال : قم فصلها ، ثم قرأ { أقم الصلاة لذكري } .
وأخرج عبد بن حميد ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إذا نسيت صلاة فاقضها متى ما ذكرت .
وأخرج ابن أبي شيبة ، عن الشعبي وإبراهيم في قوله : { أقم الصلاة لذكري } قالا : صلِّها إذا ذكرتها وقد نسيتها .
وأخرج ابن أبي شيبة ، عن إبراهيم قال : من نام عن صلاة أو نسيها ، يصلي متى ذكرها عند طلوع الشمس وعند غروبها ، ثم قرأ { أقم الصلاة لذكري } قال : إذا ذكرتها فصلها في أي ساعة كنت .
وأخرج ابن أبي شيبة ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : « أقبلنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الحديبية فنزلنا دهاساً من الأرض - والدهاس الرمل - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - : من يكلؤنا؟ قال بلال : أنا ، فناموا حتى طلعت عليهم الشمس ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : » افعلوا كما كنتم تفعلون « كذلك لمن نام أو نسي .
وأخرج ابن أبي شيبة ، عن أبي جحيفة قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفره الذي ناموا فيه ، حتى طلعت الشمس ثم قال : » إنكم كنتم أمواتاً فرد الله إليكم أرواحكم ، فمن نام عن الصلاة أو نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها ، وإذا استيقظ « .
إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24)
أخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { إن الساعة آتية أكاد أخفيها } يقول : لا أظهر عليها أحداً غيري . (7/5)
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { إن الساعة آتية أكاد أخفيها } قال : أكاد أخفيها من نفسي .
وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { أكاد أخفيها } قال : من نفسي .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن الأنباري ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه قرأ « أكاد أخفيها من نفسي » . يقول : لأنها لا تخفى من نفس الله أبداً .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي رضي الله عنه قال : ليس من أهل السموات والأرض أحد إلا وقد أخفى الله عنه علم الساعة ، وهي في قراءة ابن مسعود « أكاد أخفيها عن نفسي » . يقول : أكتمها من الخلائق حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي لفعلت .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه قال : في بعض القراءة « أكاد أخفيها عن نفسي » . قال : لعمري ، لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين ، ومن الأنبياء والمرسلين .
وأخرج عبد بن حميد ، عن أبي صالح في قوله : { أكاد أخفيها } قال : يخفيها من نفسه .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن الأنباري ، عن ورقاء قال : أقرأنيها سعيد بن جبير { أكاد أخفيها } يعني بنصب الألف وخفض الفاء . يقول : أظهرها . ثم قال أما سمعت قول الشاعر :
دأت شهرين ثم شهراً دميكاً ... ما دميكين يخفيان عميرا
وأخرج ابن الأنباري ، عن الفراء قال : في قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه « أكاد أخفيها من نفسي فكيف أطلعكم عليها » .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { لتجزى كل نفس بما تسعى } قال : لتعطى ثواب ما تعمل .
أخرج ابن أبي حاتم ، عن الشعبي رضي الله عنه وابن شبرمة قال : إنما سمي هوى ، لأنه يهوي بصاحبه إلى النار .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس : عصا موسى - قال - : أعطاه إياها ملك من الملائكة ، إذ توجه إلى مدين فكانت تضيء له بالليل ، ويضرب بها الأرض فيخرج له النبات ، ويهش بها على غنمه ورق الشجر .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن زيد في قوله : { هي عصاي أتوكأ عليها } قال : إذا مشى مع غنمه .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله : { وأهش بها على غنمي } قال : أضرب بها الشجر فيتساقط منه الورق على غنمي .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عمرو بن ميمون في قوله : { وأهش بها على غنمي } قال : الهش أن يخبط الرجل بعصاه الشجر ، فيتساقط الورق . (7/6)
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عمرو بن ميمون قال : الهش ، العصا بين الشعبتين ، ثم يحركها حتى يسقط الورق ، والخبط ، أن يخبط حتى يسقط الورق .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن مالك بن أنس قال : الهش ، أن يضع الرجل المحجن في الغصن ، ثم يحركه حتى يسقط ورقه وثمره ، ولا يكسر العود ، فهذا الهش ولا يخبط .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر ، عن قتادة في قوله : { وأهش بها على غنمي } قال : أخبط بها الشجر . { ولي فيها مآرب أخرى } قال : حاجات أخرى .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ولي فيها مآرب أخرى } قال : حوائج .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { مآرب أخرى } قال : حاجات ومنافع .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي رضي الله عنه في قوله : { مآرب أخرى } يقول : حوائج أخرى ، أحمل عليها المزود والسقاء .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { ولي فيها مآرب أخرى } قال : كانت تضيء له بالليل ، وكانت عصا آدم عليه السلام .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس : { فألقاها فإذا هي حية تسعى } ولم تكن قبل ذلك حية ، فمرت بشجرة فأكلتها ، ومرت بصخرة فابتلعتها ، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها ف { ولى مدبراً } [ النمل : 10 ] فنودي أن يا موسى خذها فلم يأخذها ثم نودي الثانية أن { خذها ولا تخف } فقيل له في الثالث : { إنك من الآمنين } [ القصص : 31 ] فأخذها .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما { سنعيدها سيرتها الأولى } قال : حالتها الأولى .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { سنعيدها سيرتها الأولى } قال : هيئتها الأولى : { واضمم يدك إلى جناحك } قال : أدخل كفك تحت عضدك { تخرج بيضاء من غير سوء } قال : من غير برص .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { من غير سوء } قال : من غير برص .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الحسن رضي الله عنه قال : أخرجها كأنها مصباح ، فعلم موسى أنه قد لقي ربه ، ولهذا قال تعالى : { لنريك من آياتنا الكبرى } .
قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47)
أخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر ، عن أسماء بنت عميس قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإزاء ثبير وهو يقول : « أشرق ثبير أشرق ثبير اللهم إني أسألك بما سألك أخي موسى أن تشرح لي صدري وأن تيسر لي أمري وأن تحل عقدة من لساني { يفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً إنك كنت بنا بصيراً } . (7/7)
وأخرج السلفي في الطيوريات بسند واه ، عن أبي حعفر محمد بن علي قال : » لما نزلت { واجعل لي وزيراً من أهلي ، هارون أخي اشدد به أزري } كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جبل ، ثم دعا ربه وقال « اللهم اشدد أزري بأخي علي » فأجابه إلى ذلك .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله : { واحلل عقدة من لساني } قال : عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه ، عن أمر امرأة فرعون تدرأ به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته ، وهو لا يعقل . قال : هذا عدوّ لي ، فقالت امرأته : إنه لا يعقل .
وأخرج ابن المنذر ، عن ابن عباس في قوله : { واجعل لي وزيراً من أهلي ، هارون أخي } قال : كان أكبر من موسى .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن عطية في قوله : { اشدد به أزري } قال ظهري .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن زيد في قوله : { اشدد به أزري } يقول : اشدد به أمري وقوّني به ، فإن لي به قوّة .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { وأشركه في أمري } قال : نُبِئَ هرون ساعتئذ حين نبئ موسى عليهما السلام .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عروة أن عائشة سمعت رجلاً يقول : إني لأدري أي أخ في الدنيا كان أنفع لأخيه : موسى حين سأل لأخيه النبوّة . فقالت : صدق والله .
وأخرج الحاكم ، عن وهب قال : كان هرون فصيحاً بين النطق يتكلم في تؤدة ويقول بعلم وحلم ، وكان أطول من موسى طولاً ، وأكبرهما في السن ، وأكثرهما لحماً ، وأبيضهما جسماً ، وأعظمهما ألواحاً ، وكان موسى جعداً آدم طوالاً ، كأنه من رجال شنوأة ، ولم يبعث الله نبياً إلا وقد كان عليه شامة النبوّة في يده اليمنى ، إلا أن يكون نبينا - صلى الله عليه وسلم - فإن شامة النبوّة كانت بين كتفيه .
وأخرج عبد بن حميد ، عن عاصم بن أبي النجود أنه قرأ { كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً إنك كنت بنا بصيراً } بنصب الكاف الأولى في كلهن .
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش : أنه كان يجزم هذه الكافات كلها .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي رضي الله عنه في قوله : { فاقذفيه في اليم } قال هو النيل . (7/8)
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { وألقيت عليك محبة مني } قال : كان كل من رآه ألقيت عليه منه محبة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن سلمة بن كهيل - رضي الله عنه - في قوله : { وألقيت عليك محبة مني } قال : حببتك إلى عبادي .
وأخرج عبد بن حميد ، عن عكرمة في قوله : { وألقيت عليك محبة مني } قال : حيث نظرت آسية وجه موسى ، فرأت حسناً وملاحة ، فعندها قالت لفرعون : { قرة عين لي ولك لا تقتلوه } [ القصص : 9 ] .
وأخرج الحكيم الترمذي ، عن أبي رجاء في قوله : { وألقيت عليك محبة مني } قال : الملاحة والحلاوة .
وأخرج ابن عساكر ، عن قتادة في قوله : { وألقيت عليك محبة مني } قال : حلاوة في عيني موسى ، لم ينظر إليه خلق إلا أحبه .
وأخرج ابن المنذر ، عن مجاهد - رضي الله عنه - قال : كنت مع عبدالله بن عمر - رضي الله عنه - فتلقاه الناس يسلمون عليه ويحيونه ويثنون عليه ويدعون له - فيضحك ابن عمر - فإذا انصرفوا عنه ، أقبل علي فقال : إن الناس ليجيئون حتى لو كنت أعطيهم الذهب والفضة ما زادوا عليه ، ثم تلا هذه الآية { وألقيت عليك محبة مني } .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن أبي نهيك - رضي الله عنه - في قوله : { ولتصنع على عيني } قال : ولتعمل على عيني .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن أبي عمران الجوني رضي الله عنه في قوله : { ولتصنع على عيني } قال : تربى بعين الله .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { ولتصنع على عيني } قال : ولتغذى على عيني .
وأخرج ابن المنذر ، عن ابن جريج في الآية يقول : أنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت ثم في البحر { إذ تمشي أختك } .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والخطيب ، عن ابن عمر : « سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ . يقول الله : { وقتلت نفساً فنجيناك من الغم } » .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { فنجيناك من الغم } قال : من قتل النفس { وفتناك فتوناً } قال : أخلصناك إخلاصاً .
وأخرج سعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { وفتناك فتوناً } قال : ابتليناك إبتلاء .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { وفتناك فتوناً } قال : ابتليناك ببلاء نعمة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { وفتناك فتوناً } قال : اختبرناك اختباراً .
وأخرج عبد بن حميد ، عن مجاهد في قوله : { وفتناك فتوناً } قال : بلاء إلقاؤه في التابوت ، ثم في اليم ، ثم التقاط آل فرعون إياه ، ثم خروجه خائفاً يترقب . (7/9)
وأخرج ابن أبي عمر العدني في مسنده ، وعبد بن حميد ، والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : سألت ابن عباس عن قول الله تعالى لموسى عليه السلام : { وفتناك فتوناً } فسألت عن الفتون ما هو؟ فقال : استأنف النهار يا ابن جبير ، فإن لها حديثاً طويلاً ، فلما أصبحت غدوت على ابن عباس ، لأتنجز ما وعدني من حديث الفتون فقال : تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله عز وجل - وعد إبراهيم عليه السلام - من أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً . فقال بعضهم : إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك ما يشكون فيه ، ولقد كانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب ، فلما هلك قالوا : ليس هذا كان وعد الله إبراهيم . قال فرعون : فكيف ترون؟ فائتمروا وأجمعوا أمرهم ، على أن يبعث رجالاً - معه الشفار - يطوفون في بني إسرائيل : فلا يجدون مولوداً إلا ذبحوه ، ففعلوا فلما رأوا أن الكبار يموتون بآجالهم ، وإن الصغار يذبحون قالوا : يوشك أن يفني بنو إسرائيل ، فتصيروا تباشروا الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم ، فاقتلوا عاماً كل مولود ذكر ، فتقل أبناؤهم . ودعوا عاماً لا تقتلوا منهم أحداً ، فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار؛ فإنهم لن يكثروا فتخافون مكاثرتهم إياكم ، ولن يفنوا بمن تقتلون فتحتاجون إليهم ، فاجمعوا أمرهم على ذلك ، فحملت أم موسى بهرون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان ، فولدت علانية آمنة ، حتى إذا كان في قابل حملت بموسى ، فوقع في قلبها الهم والحزن ، فذلك من الفتون يا ابن جبير ، لما دخل عليه في بطن أمه ما يراد به ، فأوحى الله إليها : أن : { لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين } [ القصص : 7 ] وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت ، ثم تلقيه في اليم ، فلما ولدت فعلت ما أمرت به ، حتى إذا توارى عنها ابنها - أتاها الشيطان - وقالت في نفسها : ما فعلت بابني؟! لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إليّ من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه . فانطلق به الماء حتى أوفى به عند مستقى جواري امرأة فرعون ، فرأينه فأخذنه فهممن أن يفتحن الباب ، فقال بعضهن لبعض : إن في هذا لمالاً ، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه ، فحملنه بهيئته لم يحركن منه شيئاً ، حتى دفعنه إليها ، فلما فتحته رأت فيه الغلام ، فألقي عليها محبة لم تلق منها على أحد من البشر قط ، { وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً } [ القصص : 10 ] من ذكر كل شيء ، إلا من ذكر موسى ، فلما سمع الذباحون بأمره ، أقبلوا إلى امرأة فرعون بشفارهم يريدون أن يذبحوه ، وذلك من الفتون يا ابن جبير ، فقالت للذباحين : إن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل ، وإني آتي فرعون فأستوهبه منه ، فإن وهبه لي فقد أحسنتم وأجملتم ، وإن أمر بذبحه لم ألمكم ، فلما أتت به فرعون قالت :
{ قرة عين لي ولك لا تقتلوه } [ القصص : 9 ] قال فرعون : يكون لك ، وأمَّا لي فلا حاجة لي فيه . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « والذي يحلف به ، لو أقر فرعون بأن يكون قرة عين له ، كما قالت امرأته لهداه الله به ، كما هدى به امرأته ولكن الله - عز وجل - حرمه ذلك ، فأرسلت إلى من حولها من كل امرأة لها لبن لتختار له ظئراً ، فكلما أخذته امرأة منهن لترضعه ، لم يقبل ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمنتع من اللبن ، فيموت فأحزنها ذلك ، فأمرت به فأخرج إلى السوق ، ومجمع الناس ترجو أن تجد له ظئراً يأخذ منها ، فلم يفعل ، وأصبحت أم موسى والهاً ، فقالت لأخته : قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكراً؟ أحي أم قد أكلته الدواب؟ ونسيت الذي كان وعد الله { فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون } والجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه ، وهو لا يشعر به ( فقالت ) - من الفرح حين أعياهم الظوائر - { هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون } فأخذوها ، فقالوا : وما يدريك ما نصحهم له؟ هل يعرفونه حتى شكوا في ذلك؟ وذلك من الفتون يا ابن جبير . فقالت : نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في جانب الملك رجاء شفقته . فتركوها فانطلقت إلى أمه فأخبرتها الخبر فجاءت ، فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا ، وانطلق البشرى إلى امرأة فرعون يبشرونها : إنا قد وجدنا لابنك ظئراً . فأرسلت إليها فأتيت بها وبه ، فلما رأت ما يصنع قالت لها : امكثي عندي أرضعي ابني هذا - فإني لم أحب حبه شيئاً قط - قالت : لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع ، فإن طابت نفسك أن تعطينيه؟ فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيراً فعلت ، وإلا فإني غير تاركة بيتي وولدي . فذكرت أم موسى ما كان الله عز وجل وعدها ، فتعاسرت على امرأة فرعون لذلك ، وأيقنت أن الله عز وجل منجز وعده . فرجعت بابنها من يومها ، فأنبته الله نباتاً حسناً ، وحفظه لما قد قضى فيه ، فلم يزل بنو إسرائيل - وهم يجتمعون في ناحية القرية - يمتنعون به من الظلم والسخرة منذ كان فيهم ، فلما ترعرع ، قالت امرأة فرعون لأم موسى : أريد أن تريني ابني ، فوعدتها يوماً تزورها فيه به . (7/10)
فقالت لخزانها وجواريها وقهارمتها : لا يبقى منكم اليوم واحد إلا استقبل ابني بهدية وكرامة أرى ذلك فيه ، وأنا باعثة أميناً يحضر ما صنع كل إنسان منكم ، فلم تزل الهدايا والنحل والكرامة تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل عليها ، فلما دخل عليها أكرمته ونحلته وفرحت به وأعجبها ، ونحلت أمه لحسن أثرها عليه ، ثم قالت لأنطلقن به إلى فرعون فلينحلنه وليكرمنه . فلما دخلت به عليه وجعلته في حجره ، فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض ، فقالت له الغواة - من أعداء الله - : ألا ترى إلى ما وعد الله إبراهيم؟ إنه يرثك ويصرعك ويعلوك . فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه . وذلك من الفتون يا ابن جبير ، بعد كل بلاء ابتلي به ، وأريد به فتوناً . فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون ، فقالت : ما بدا لك في هذا الصبي الذي وهبته لي؟ قال : ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني!؟ قالت له : اجعل بيني وبينك أمراً تعرف فيه الحق؛ ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقربهن إليه ، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين علمت أن يعقل ، وإن هو تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين ، فاعلم أن أحداً لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل . فلما قرب إليه الجمرتين واللؤلؤتين أخذ الجمرتين ، فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا بدنه . فقال للمرأة : لا يذبح . وصرفه الله عنه بعد أن كان هم به ، وكان الله بالغ أمره فيه ، فلما بلغ أشده - وكان من الرجال - لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ، ولا بسخرة حتى امتنعوا كل الإمتناع . فبينما هو يمشي في ناحية المدينة ، إذا هو برجلين يقتتلان - أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون - فاستغاثة الإسرائيلي على الفرعوني ، فغضب موسى واشتد غضبه ، لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل ، وحفظه لهم : لا يعلم إلا أن ذلك من الرضاع من أم موسى ، إلا أن يكون الله تعالى أطلع موسى من ذلك على ما لم يطلع غيره عليه ، فوكز موسى الفرعوني فقتله ، وليس يراهما أحد إلا الله ، وموسى والإسرائيلي . ( فقال ) موسى : حين قتل الرجل { هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين } [ القصص : 15 ] ثم { قال ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له ، وأصبح في المدينة خائفاً يترقب } [ القصص : 17 ] الأخبار ، فأتى فرعون فقيل له : إن بني إسرائيل قتلوا رجلاً من آل فرعون ، فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم . فقال ائتوني به ومن شهد عليه ، فإن الملك - وإن كان صفوه مع قومه لا يستقيم له ، أن يقيد بغير بينة ولا ثبت ، فاطلبوا علم ذلك آخذ لكم بحقكم ، فبينما هم يطوفون فلا يجدون بينة ولا ثبتاً ، إذا موسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونياً آخر ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، فصادف موسى قد ندم على ما كان من وكزه الذي رأى ، فغضب من الإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم وقال : (7/11)
{ إنك لغوي مبين } [ القصص : 18 ] فنظر الإسرائيلي إلى موسى حين قال له ما قال - فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس - فخاف بعدما قال له : { إنك لغوي مبين } [ القصص : 18 ] أن يكون إياه أراد ، وإنما الفرعوني { فقال يا موسى ، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس } [ القصص : 19 ] وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى؛ فليقتله فيتداركا ، فانطلق الفرعوني إلى قومه ، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي حين يقول : { أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس } [ القصص : 19 ] فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى ، فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون على هينتهم يطلبون موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم ( وجاء رجل ) من شيعة موسى { من أقصى المدينة } [ القصص : 20 ] فاختصر طريقاً قريباً حتى سبقهم إلى موسى فأخبره الخبر ، وذلك من الفتون يا ابن جبير ، فخرج موسى متوجهاً نحو مدين ، لم يلق بلاء مثل ذلك ، وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه ، فإنه { قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل } [ القصص : 22 ] { ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان } [ القصص : 23 ] يعني فلم تسقيا غنمهما قال : { ما خطبكما } [ القصص : 23 ] معتزلتين لا تسقيان مع الناس؟ قالتا : ليست لنا قوة نزاحم القوم ، وإنما ننتظر فضول حياضهم { فسقى لهما } [ القصص : 24 ] فجعل يغرف في الدلو ماءً كثيراً حتى كانتا أول الرعاة فراغاً - فانصرفتا إلى أبيهما بغنمهما ، وانصرف موسى إلى شجرة فاستظل بها { فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير } فاستنكر أبو الجاريتين سرعة صدورهما بغنمهما حفلاً بطاناً وقال : إن لكما اليوم لشأناً : فحدثتاه بما صنع موسى . فأمر إحداهما أن تدعوه له ، فأتته فدعته . فلما كلمه { قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين } [ القصص : 25 ] ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان ، ولسنا في مملكته . قالت ابنته : { يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين } [ القصص : 26 ] فحملته الغيرة أن قال : وما يدريك ما قوته؟ وما أمانته؟ قالت : أما قوته : فما رأيت منه حين سقى لنا ، لم أر رجلاً قط أقوى في ذلك السقي منه حين سقى لنا . وأمانته : فإنه نظر حين أقبلت إليه وشخصت له ، فلما علم أني امرأة ، صوب رأسه ولم يرفعه ، ولم ينظر إليّ حين أقبلت إليه ، حتى بلغته رسالتك . فقال لي : امشي خلفي وانعتي لي الطريق ، فلم يقل هذا إلا وهو أمين ، فسري عن أبيها وصدقها وظن به الذي قالت . فقال : هل لك { أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ، على أن تأجرني ثماني حجج ، فإن أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشق عليك } [ القصص : 27 ] ففعل وكانت على موسى ثماني حجج واجبة ، وكانت سنتان عدة منه ، فقضى الله عدته فأتمها عشراً . (7/12)
قال سعيد : فسألني رجل من أهل النصرانية من علمائهم : هل تدري أي الأجلين قضى موسى؟ قلت : لا . وأنا يومئذ لا أعلم . فلقيت ابن عباس ، فذكرت له الذي قال النصراني فقال : أما كنت تعلم أن ثمانياً واجبة؟ لم يكن موسى لينتقص منها ، وتعلم أن الله تعالى كان قاضياً عن موسى عدته التي وعد؟ فإنه قضى عشراً ، فأخبرت النصراني فقال : الذي أخبرك بهذا هو أعلم منك . قلت؛ أجل وأولى! ( سار موسى بأهله ) ورأى من أمر النار ما قص الله عليك في القرآن ، وأمر العصا ويده فشكا إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل ، وعقدة لسانه - فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام - فسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون؛ ليكون له ردءاً ، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به ، فأتاه الله سؤاله فحل عقدة من لسانه ، وأوحى إلى هارون ، وأمره أن يلقى موسى ، فاندفع موسى بالعصا ، ولقي هارون فانطلقا جميعاً إلى فرعون ، فأقاما ببابه حيناً لا يؤذن لهما ، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا : { إنا رسولا ربك } فقال : { ومن ربكما يا موسى } فأخبراه بالذي قص الله في القرآن . قال : فما تريدان؟ وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت قال : أريد أن تؤمن بالله وترسل معي بني إسرائيل . فأبى عليه ذلك . وقال : ائت بآية إن كنت من الصادقين فألقى عصاه ، فتحوّلت حية عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون ، - فلما رأى فرعون أنها قاصدة إليه - خافها فاقتحم عن سريره واستغاث بموسى : ( أن يكفها عنه ففعل ، وأخرج يده من جيبه بيضاء من غير سوء ) يعني برص ، ثم أعادها إلى كمه فصارت إلى لونها الأول . فاستشار الملأ فيما رأى ، فقالوا له : { هذان ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى } يعنون ملكهم الذي هم فيه ، والعيش ، فأبوا على موسى أن يعطوه شيئاً مما طلب . وقالوا له : اجمع لهم السحرة - فإنهم بأرضنا كثير - حتى تغلب بسحرهم سحرهما { فأرسل فرعون في المدائن حاشرين } [ الشعراء : 54 ] فحشر له كل ساحر متعالم ، فلما أتوا فرعون قالوا : بم يعمل هذا الساحر . قالوا : يعمل بالحيات والحبال . وقالوا : فلا والله ، ما في الأرض قوم يعملون بالحيات والحبال والعصي بالسحر ما نعمل به! فما أجرنا إن غلبناه؟ قال لهم : أنتم أقاربي وخاصتي ، وأنا صانع بكم كل شيء أحببتم ، فتواعدوا ليوم الزينة { وأن يحشر الناس ضحى } قال سعيد : فحدثني ابن عباس : أن يوم الزينة - اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة - وهو يوم عاشوراء ، فلما اجتمعوا في صعيد واحد . قال الناس بعضهم لبعض : اذهبوا بنا فلنحضر هذا الأمر و { نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين } (7/13)
[ الشعراء : 40 ] - يعنون بذلك موسى وهارون استهزاء بهما - فقالوا : يا موسى - لقدرتهم بسحرهم - { إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين } [ الأعراف : 115 ] قال : ألقوا { فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون } [ الأعراف : 44 ] فرأى موسى من سحرهم ما أوجس منه خيفة . فأوحى الله إليه { أن ألق عصاك } [ القصص : 31 ] فلما ألقاها صارت ثعباناً عظيماً فاغرة فاها ، فجعل العصا بدعوة موسى تلتبس بالحبال ، حتى صارت [ ] جرداً إلى الثعبان ، حتى تدخل فيه حتى ما أبقت عصا ولا حبلاً إلا ابتلعته ، فلما عاين السحرة ذلك قالوا : لو كان هذا سحراً لم تبتلع من سحرنا كل هذا! ولكن هذا من أمر الله عز وجل . فآمنا بالله ، وبما جاء به موسى ، ونتوب إلى الله عز وجل مما كنا فيه ، فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه ، فظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون { فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين } [ الأعراف : 119 ] وامرأة فرعون بارزة متبذلة - تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون - فمن رآها - من آل فرعون ظن أنها تبذلت شفقة على فرعون وأشياعه ، وإنما كان حزنها وهمها لموسى . فلما طال مكث موسى لمواعد فرعون الكاذبة ، كلما جاء بآية وعد عندها أن يرسل معه بني إسرائيل ، فإذا كشف ذلك عنه ، نكث عهده واختلف وعده ، حتى أمر موسى بقومه ، فخرج بهم ليلاً . فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا بعث في المدينة وحولها حاشرين ، فتبعهم جنود عظيمة كثيرة ، وأوحى الله إلى البحر : إذا ضربك عبدي موسى فانفرق له اثني عشر فرقاً ، حتى يجوز موسى ومن معه ، ثم التق بعد على من بقي من قوم فرعون وأشياعه . فنسي موسى أن يضرب بعصاه ، فدفع إلى البحر وله قصيف؛ مخافة أن يضربه بعصاه وهو غافل فيصير عاصياً { فلما تراءى الجمعان } وتقاربا { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } [ الشعراء : 61 ] فافعل ما أمرك به ربك فإنك لم تكذب ولم تكذب . قال : وعدني ربي إذا انتهيت إلى البحر أن ينفرق لي حتى أجوز ، ثم ذكر بعد ذلك العصا ، فضرب البحر - حين دنا أوائل جند فرعون - من أواخر جند موسى فانفرق البحر - كما أمره الله وكما وعد موسى ، فلما جاز أصحاب موسى كلهم ، ودخل أصحاب فرعون كلهم ، التقى البحر عليهم كما أمره الله عز وجل ، فما أن جاوز البحر { قال أصحاب موسى إنا لمدركون } [ الشعراء : 61 ] إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق ، ولا نأمن هلاكه! فدعا ربه فأخرجه له ببدنه من البحر ، حتى استيقنوا . ثم مروا بعد ذلك { على قوم يعكفون على أصنام لهم ، قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة . قال إنكم قوم تجهلون ، إن هؤلاء مُتَبَّرٌ ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون } [ الأعراف : 138 ] قد رأيتم من العبر ما يكفيكم وسمعتم به ، فمضى حتى أنزلهم منزلاً ، ثم قال لهم : أطيعوا هارون فإني قد استخلفته عليكم ، وإني ذاهب إلى ربي ، وأجلهم ثلاثين يوماً أن يرجع إليهم فيها ، فلما أتى ربه وأراد أن يكلمه في ثلاثين يوماً - فصامهن ليلهن ونهارهن - كره أن يكلم ربه وريح فمه ريح فم الصائم ، فتناول موسى من نبات الأرض شيئاً فمضغه . (7/14)
فقال له ربه : - حين أتاه - لم أفطرت؟ وهو أعلم بالذي كان . قال : يا رب ، إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح . قال : وما علمت يا موسى ، أن ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك! ارجع حتى تصوم عشرة أيام ثم ائتني . ففعل موسى الذي أمره الله به ، فلما رأى قوم موسى أنه لم يأتهم للأجل ساءهم ذلك . وقد كان هارون خطبهم وقال له : إنكم خرجتم من مصر وعندكم ودائع لقوم فرعون وعوار ، ولكم فيهم مثل ذلك ، وأنا أرى أن تحتسبوا ما كان لكم عندهم ، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها أو عارية ، ولسنا نرى أداء شيء من ذلك إليهم ، ولا مُمْسِكيه . فحفر حفرة وأمر كل قوم عندهم شيء من ذلك من متاع أو حلية بأن يدفنوه في الحفرة ، ثم أوقد عليه النار فأحرقه وقال : لا يكون لنا ولا لهم . وكان السامري رجلاً من قوم يعبدون البقر ، ليس من بني إسرائيل ، جار لهم ، فاحتمل مع بني إسرائيل حين احتملوا ، فقضى له أن رأى أثر الفرس ، فقبض منه قبضة فمر بهارون فقال له هارون : يا سامري . ألا تلقي ما في يديك؟ - وهو قابض عليه لا يراه أحد [ ] طوال ذلك - فقال : هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر ، فلا ألقيها لشيء ، إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها ، أن يكون ما أريد . قال : فألقاها ودعا له هارون . فقال : أريد أن يكون عجلاً ، فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع : نحاس أو حديد أو حلى ، فصار عجلاً أجوف ليس فيه روح له خوار . فقال ابن عباس : والله ما كان له صوت ، ولكن الريح كانت تدخل في دبره وتخرج من فيه ، فكان ذلك الصوت من ذلك . فتفرق بنو إسرائيل فقالت فرقة : يا سامري ، ما هذا فإنك أنت أعلم به؟ فقال : هذا ربكم ، ولكن موسى أخطأ الطريق . فقالوا : لا نكذب بهذا { حتى يرجع إلينا موسى } [ طه : 91 ] فإن يك ربنا لم يكن ضيعنا وعجزنا حين رأيناه ، وإن لم يكن ربنا فإننا نتبع قول موسى . وقال فرقة : هذا من عمل الشيطان ، وليس ربنا ولا نصدق به ولا نؤمن به . وأشرب فرقة في قلوبهم التصديق بما قال السامري في العجل : وأعلنوا التكذيب و { قال لهم هارون يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن } وليس بهكذا . (7/15)
قالوا : فما بال موسى وعدنا ثلاثين ليلة ، ثم أخلفنا فهذه أربعون ليلة : فقال سفهاؤهم : أخطأ ربه فهو يطلبه ويتبعه ، فلما كلم الله موسى وقال ما قال له ، وأخبره بما لقي قومه من بعده ، { فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً } [ الأعراف : 150 ] فقال لهم ما سمعتم في القرآن { وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه } [ الأعراف : 150 ] من الغضب غير أنه عذر أخاه ، واستغفر ربه ، ثم انصرف إلى السامري فقال له : ما حملك على ما صنعت؟ فقال : { قبضت قبضة من أثر الرسول } وفطنت وعميت عليكم { فقذفتها وكذلك سوّلت لي نفسي } { قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس } إلى قوله : { في اليم نسفاً } ولو كان إلهاً لم يخلص إلى ذلك! فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة ، واغتبط الذين كان رأيهم رأي هارون ، فقالوا : يا موسى ، سل ربك أن يفتح لنا باب توبة نعملها ونكفر عنا ما عملنا { فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً } [ الأعراف : 155 ] لذلك لا يألوا لخير خيار بني إسرائيل ، ومن لم يشرك في العجل ، فانطلق بهم ليسأل ربهم التوبة ، فرجفت الأرض بهم فاستحيا موسى عليه السلام من قومه ، ووفده حين فعل بهم ذلك فقال : { رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء } [ الأعراف : 155 ] الآية . ومنهم من قد اطلع الله منه على ما أشرب قلبه العجل والإيمان به؛ فلذلك رجفت بهم الأرض . فقال : { رحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون } [ الأعراف : 155 ] إلى قوله : { والإنجيل } [ الأعراف : 156 ] فقال : رب سألتك التوبة لقومي فقلت : إن رحمتك كتبتها لقوم غير قومي ، فليتك أخرتني حتى أخرج في أمة ذلك الرجل المرحومة . قال الله عز وجل : فإن توبتهم ، أن يقتل كل رجل منهم كل من لقي من والد أو ولد ، فيقتله بالسيف ولا يبالي من قبل ذلك الموطن فتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون ، وما اطلع الله عليهم من ذنوبهم فاعترفوا بها . وفعلوا ما أمروا به فغفر الله للقاتل والمقتول ، ثم سار بهم موسى متوجهاً نحو الأرض المقدسة ، فأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب ، وأمرهم بالذي أمره الله أن يبلغهم من الوظائف ، فثقلت عليهم وأبوا أن يقروا بها ، حتى نتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة ، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم ، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون ينظرون الأرض ، والكتاب الذي أخذوه بأيديهم ، وهم ينظرون إلى الجبل مخافة أن يقع عليهم ، ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة ، فوجدوا فيها مدينة جبارين ، خلقهم خلق منكر ، وذكروا من ثمارهم أمراً عجيباً من عظمها! فقالوا : يا موسى { إن فيها قوماً جبارين } [ المائدة : 22 ] لا طاقة لنا اليوم بهم ، ولا ندخلها ما داموا فيها { فإن يخرجوا منها فإنا داخلون } قال رجلان من الجبارين : آمنا بموسى ، فخرجا إليه فقالا : نحن أعلم بقومنا إن كنتم تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم ، فإنهم ليس لهم قلوب ولا منعة عندهم ، (7/16)
{ فادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون } [ المائدة : 23 ] ويقول أناس إنهما من قوم موسى ، وزعم سعيد أنهما من الجبارين ، آمنا بموسى . يقول : { من الذين يخافون أنعم الله عليهما } [ المائدة : 33 ] وإنما يعني بذلك الذين يخافهم بنو إسرائيل . فقالوا : { يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } [ المائدة : 24 ] فأغضبوا موسى فدعا عليهم ، فسماهم فاسقين ، ولم يدع عليهم قبل ذلك ، لما رأى فيهم من المعصية وإساءتهم - حتى كان يومئذ - فدعا عليهم فاستجاب الله له ، وسماهم كما سماهم موسى فاسقين { فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض } [ المائدة : 26 ] يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار ، ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام ، وأنزل عليهم المن والسلوى ، وجعل لهم ثياباً لا تبلى ولا تتسخ ، وجعل بين ظهرانيهم حجراً مربعاً ، وأمر موسى فضربه بعصاه { فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً } [ البقرة : 60 ] في كل ناحية ثلاث عيون ، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها ، لا يرتحلون بها من مرحلة إلا وجدوا ذلك الحجر منهم بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأوّل . رفع الحديث ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصدق ذلك عندي : أن معاوية بن أبي سفيان سمع من ابن عباس هذا الحديث ، فأنكر عليه : أن يكون الفرعوني هو الذي أفشى على موسى أمر القتيل . وقال : إنما أفشى عليه الإسرائيلي ، فأخذ ابن عباس بيده فانطلق إلى سعد بن مالك الزهري فقال : أرأيت يوم حدثنا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتيل موسى من آل فرعون ، من أفشى عليه؟ الإسرائيلي أو الفرعوني؟ قال : أفشى عليه الفرعوني ، بما سمع من الإسرائيلي الذي شهد ذلك وحضره . (7/17)
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { فلبثت سنين في أهل مدين } [ طه : 40 ] قال : عشر سنين { ثم جئت على قدر يا موسى } [ طه : 40 ] قال على موعد .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { ثم جئت على قدر } قال : الميقات .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { ثم جئت على قدر } قال : على موعد .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله : { ولا تنيا في ذكري } قال لا تضعفا .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ، عن قتادة - رضي الله عنه - مثله .
وأخرج عبد بن حميد ، عن مجاهد - رضي الله عنه - مثله .
وأخرج الطستي ، عن ابن عباس : أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله - عز وجل - { ولا تنيا عن ذكري } قال : ولا تضعفا عن أمري .
قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت الشاعر وهو يقول : (7/18)
إني وجدك ما ونيت وإنني ... أبغي الفكاك له بكل سبيل
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله : { ولا تنيا } قال : لا تبطئا .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن علي رضي الله عنه في قوله : { فقولا له قولاً ليناً } قال : كنه .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر ، عن ابن عباس في قوله : { فقولا له قولاً ليناً } قال : كنِّياه .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن سفيان الثوري : { فقولا له قولاً ليناً } قال : كنياه يا أبا مرة .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الحسن { فقولا له قولاً ليناً } قال اعذرا إليه ، وقولا له : إن لك رباً ولك معاداً وإن بين يديك جنة وناراً .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الفضل بن عيسى الرقاشي أنه تلا هذه الآية { فقولا له قولاً ليناً } فقال : يا من يتحبب إلى من يعاديه ، فكيف بمن يتولى ويناديه؟ .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { لعله يتذكر } قال : هل يتذكر .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { إنا نخاف أن يفرط علينا } قال : يعجل { أو أن يطغى } قال : يعتدي .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { إنا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى } قال : عقوبة منه .
وأخرج ابن المنذر ، عن ابن جريج في قوله : { قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى } قال : أسمع ما يقول { وأرى } ما يجاوبكما ، فأوحي إليكما فتجاوباه .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم بسند جيد ، عن ابن مسعود قال : لما بعث الله موسى إلى فرعون ، قال : رب ، أي شيء أقول؟ قال : قل أهيا شراً هيا . قال الأعمش : تفسير ذلك ، الحي قبل كل شيء ، والحي بعد كل شيء .
وأخرج أحمد في الزهد ، عن ابن عباس قال : لما بعث الله موسى إلى فرعون قال : « لا يغرنكما لباسه الذي ألبسته ، فإن ناصيته بيدي ، فلا ينطق ولا يطرف إلا بإذني ، ولا يغرنكما ما متع به من زهرة الدنيا وزينة المترفين ، فلو شئت أن أزينكما من زينة الدنيا بشيء ، يعرف فرعون أن قدرته تعجز عن ذلك لفعلت ، وليس ذلك لهوانكما علي ، ولكني ألبستكما نصيبكما من الكرامة على أن لا تنقصكما الدنيا شيئاً ، وإني لأذود أوليائي عن الدنيا ، كما يذود الراعي إبله عن مبارك الغيرة ، وإني لأجنبهم كما يجنب الراعي إبله عن مراتع الهلكة ، أريد أن أنور بذلك صدورهم ، وأطهر بذلك قلوبهم فيَّ ، سيماهم الذين يعرفون وأمرهم الذي يفتخرون به ، وأعلم : أنه من أخاف لي ولياً فقد بارزني ، وأنا الثائر لأوليائي يوم القيامة » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبخاري ومسلم وابن مردويه من طريق ابن عباس ، عن أبي سفيان بن حرب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى هرقل « من محمد رسول الله ، إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي في الشعب ، عن قتادة قال : التسليم على أهل الكتاب إذا دخلت عليهم بيوتهم أن تقول : السلام على من اتبع الهدى .
إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48) قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52)
أخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى } قال : من كذب بكتاب الله ، وتولى عن طاعة الله . (7/19)
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات ، عن ابن عباس في قوله : { الذي أعطى كل شيء خلقه } قال : خلق لكل شيء روحه ، ثم { هدى } قال : هداه لمنكحه ، ومطعمه ، ومشربه ، ومسكنه .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { أعطى كل شيء خلقه } يقول : مثله ، أعطى الإنسان انسانة ، والحمار حمارة ، والشاة شاته : { ثم هدى } إلى الجماع .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر ، عن الحسن في قوله : { أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } قال : أعطى كل شيء ما يصلحه ثم هداه له .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله : { أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } قال : سوى خلق كل دابة ثم هداها لما يصلحها وعلمها إياه ، لم يجعل خلق الناس كخلق البهائم ، ولا خلق البهائم كخلق الناس ، ولكن { خلق كل شيء فقدره تقديراً } [ الفرقان : 2 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله : { أعطى كل شيء خلقه } قال : أعطى كل ذي خلق ما يصلحه من خلقه ، ولم يجعل الإنسان في خلق الدابة ، ولا الدابة في خلق الكلب ، ولا الكلب في خلق الشاة ، وأعطى كل شيء ما ينبغي له من النكاح ، وهيأ كل شيء على ذلك ، ليس منها شيء يملك شيئاً في فعاله ، في الخلق والرزق والنكاح { ثم هدى } قال : هدى كل شيء إلى رزقه وإلى زوجته .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { أعطى كل شيء خلقه } قال : أعطى كل شيء صورته { ثم هدى } قال : لمعيشته .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله : { أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } قال : ألم تر إلى البعير كيف يقوم لصاحبه ينتظره! حتى يجيء هذا منه! .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر ، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله : { ثم هدى } قال : كيف يأتي الذكر الأنثى .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن سابط قال : ما أبهمت البهائم ، فلم تبهم عن أربع : تعلم أن الله ربها ، ويأتي الذكر الأنثى ، وتهتدي لمعايشها ، وتخاف الموت .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { قال فما بال القرون الأولى } يقول : فما حال القرون .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { لا يضل ربي } قال : لا يخطئ .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { لا يضل ربي ولا ينسى } قال : هما شيء واحد . (7/20)
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { لا يضل ربي ولا ينسى } قال : { لا يضل ربي } الكتاب { ولا ينسى } ما فيه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن أبي المليح قال : الناس يعيبون علينا الكتاب ، وقال الله تعالى : { علمها عند ربي في كتاب } .
وأخرج ابن سعد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن أبي هلال قال : كنا عند قتادة فذكروا الكتاب وسألوه عن ذلك؟ فقال : وما بأس بذلك . أليس الله الخبير يخبر؟ قال : { فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب } .
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (54)
أخرج ابن المنذر ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { فأخرجنا به أزواجاً } يقول : أصنافاً فكل صنف من نبات الأرض أزواج . النخل زوج صنف ، والأعناب زوج صنف ، وكل شيء تنبته الأرض أزواج . (7/21)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { من نبات شتى } قال : مختلف وفي قوله : { لأولي النهى } قال : لأولي التقى .
وأخرج ابن المنذر ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { لأولي النهى } قال : لذوي الحجا والعقول .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { لأولي النهى } قال : لأولي الورع .
وأخرج ابن المنذر ، عن سفيان رضي الله عنه في قوله : { لأولي النهى } قال : الذين ينتهون عما نهوا عنه .
مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55) وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آَيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (58)
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر ، عن عطاء الخراساني قال : إن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه ، فيذره على النطفة فيخلق من التراب ومن النطفة ، وذلك قوله منها خلقناكم وفيها نعيدكم . (7/22)
وأخرج أحمد والحاكم ، عن أبي أمامة قال : « لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } » بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله « » .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { تارة أخرى } قال مرة أخرى .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، ن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { مكاناً سوى } قال : منصفاً بينهم .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { مكاناً سوى } قال : نصفاً بيني وبينك .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي رضي الله عنه في قوله : { مكاناً سوى } قال : عدلاً .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله : { مكاناً سوى } قال : مكاناً مستوياً يتبين الناس سواء فيه . لا يكون صوت ، ولا شيء يتغيب بعض ذلك ، عن بعض مستوحين يرى .
قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60)
أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { موعدكم يوم الزينة } قال : يوم عاشوراء . (7/23)
وأخرج ابن المنذر ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من صام يوم الزينة أدرك ما فاته من صيام تلك السنة ، ومن تصدق يومئذ بصدقة أدرك ما فاته من صدقة تلك السنة » يعني يوم عاشوراء .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { قال موعدكم يوم الزينة } قال : هو يوم عيد كان لهم .
وأخرج عبد بن حميد ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { قال موعدكم يوم الزينة } قال : هو عيدهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : { موعدكم يوم الزينة } قال : يوم السوق .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن زيد رضي الله عنه قال : { موعدكم يوم الزينة } قال : يوم العيد : يوم يتفرغ الناس من الأعمال ، ويشهدون ويحضرون ويرون .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { وأن يحشر الناس ضحى } قال : يجتمعون لذلك الميعاد الذي واعدوه .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن أبي نهيك أنه قرأ « وأن تحشر الناس ضحى » بالتاء وأن تشحر الناس أنت قال : فرعون يحشر قومه .
قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70) قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { ويذهبا بطريقتكم المثلى } قالوا : أولو العقل والشرف والأسنان . (7/24)
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ووكيع في الغرور ، عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله : { ويذهبا بطريقتكم المثلى } قال باشرافكم .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله : { ويذهبا بطريقتكم المثلى } قال : يذهبا بالذي أنتم عليه .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { وقد أفلح اليوم من استعلى } قال : من غلب .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { تلقف ما صنعوا } قال : ألقاها موسى فتحوّلت حية تأكل حبالهم وما صنعوا .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا أخذتم الساحر فاقتلوه » ثم قرأ { ولا يفلح الساحر حيث أتى } قال : لا يأمن حيث وجد .
قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76)
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن عكرمة : أن سحرة فرعون كانوا تسعمائة فقالوا لفرعون : إن يكونا هذان ساحرين ، فإنا نغلبهم ، فإنه لا أسحر منا ، وإن كان من رب العالمين ، فلما كان من أمرهم { خروا سجداً } أراهم الله في سجودهم منازلهم التي إليها يصيرون فعندها قالوا : { لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات } إلى قوله : { والله خير وأبقى } . (7/25)
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن القاسم بن أبي بزة قال : لما وقعوا سجداً رأوا أهل النار ، وأهل الجنة وثواب أهليهما فقالوا : { لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات } .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { وما أكرهتنا عليه من السحر } قال : أخذ فرعون أربعين غلاماً من بني إسرائيل ، فأمر أن يعلموا السحر بالعوماء ، وقال : علموهم تعليماً لا يغلبهم أحد في الأرض . قال ابن عباس : فهم من الذين قالوا : { إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر } .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن محمد بن كعب القرظي في قوله : { والله خير وأبقى } قال : خير منك أن أطيع وأبقى منك عذاباً إن عصي .
وأخرج مسلم وأحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن أبي سعيد الخدري : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فأتى على هذه الآية { إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » أما أهلها الذين هم أهلها ، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ، وأما الذين ليسوا بأهلها ، فإن النار تميتهم إماتة ، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون ، فيؤتى بهم ضبائر على نهر يقال له الحياة أو الحيوان فينبتون كما ينبت القثاء في حميل السبيل والله أعلم « » .
وأخرج الطبراني ، عن أبي الدرداء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : « ثلاث من كن فيه ، لم ينل الدرجات العلى : من تكهن ، أو استقسم ، أو رده من سفره طيرة » .
وأخرج الأصبهاني في الترغيب ، عن أبي الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من كان وصلة لأخيه إلى سلطان في مبلغ بر ، أو مدفع مكروه ، رفعه الله في الدرجات » .
وأخرج ابن المبارك في الزهد وأبو نعيم في الحلية ، عن عون بن عبد الله قال : إن الله ليدخل خلقاً الجنة فيعطيهم حتى يملوا ، وفوقهم ناس في { الدرجات العلى } فإذا نظروا إليهم عرفوهم فيقولون : يا ربنا إخواننا كنا معهم فبم فضلتهم علينا؟ فيقال : هيهات . . ! إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون ، ويظمؤون حين تروون ، ويقومون حين تنامون ، ويستحصون حين تختصون .
وأخرج أحمد في الزهد ، عن ابن عمير قال : إن الرجل وعبده يدخلان الجنة ، فيكون عبده أرفع درجة منه ، فيقول : يا رب هذا كان عبدي في الدنيا؟! فيقال : إنه كان أكثر ذكراً لله تعالى منك .
وأخرج أبو داود وابن مردويه ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الذري في أفق السماء ، وأن أبا بكر وعمر منهم وانعما » .