صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور
المؤلف : عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في تاريخه وابن المنذر وابن مردويه ، عن دراج أبي السمح : أن شيخاً من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها } إنما نزلت في الدعاء ، لا ترفع صوتك في دعائك فتذكر ذنوبك فتسمع منك فتعير بها » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن منيع وابن جرير ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن مردويه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ولا تجهر بصلاتك } قال : نزلت في الدعاء ، كانوا يجهرون بالدعاء : اللهم ارحمني . فلما نزلت ، أمروا أن يخافتوا ولا يجهروا .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر ، عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه قال : كان أعراب من بني تميم إذا سلم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : اللهم ارزقنا إبلاً وولداً . فنزلت هذه الآية { ولا تجهر بصلاتك } .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { ولا تجهر بصلاتك } قال : ذلك في الدعاء والمسألة .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ولا تجهر بصلاتك } ولا تصلِّ مراياة الناس { ولا تخافت بها } قال : لا تدعها مخافة الناس .
وأخرج ابن عساكر عن الحسن رضي الله عنه في قوله : { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها } قال : لا تُصلِّها رياء ولا تدعها حياء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ولا تجهر بصلاتك } لا تجعلها كلها جهراً { ولا تخافت بها } قال : لا تجعلها كلها سراً .
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف ، عن أبي رزين رضي الله عنه قال : في قراءة عبد الله بن عمر { ولا تخافت } بصوتك ولا تعال به .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير ، عن ابن مسعود قال : لم يخافت من أسمع أذنيه .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم ، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال : العلم خير من العمل ، وخير الأمور أوسطها ، والحسنة بين تلك السيئتين ، وذلك لأن الله تعالى يقول : { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً } .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي قلابة قال : خير الأمور أوسطها .

(6/333)


وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال : إن اليهود والنصارى قالوا { اتخذا الله ولداً } [ البقرة : 116 ] وقالت العرب : لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك . وقال الصابئون والمجوس : لولا أولياء الله لذل ، فأنزل الله هذه الآية { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً } .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { ولم يكن له ولي من الذل } قال : لم يخف أحداً ولم يبتغ نصر أحد .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله : { وكبره تكبيراً } قال : كبره أنت يا محمد على ما يقولون تكبيراً .
وأخرج أحمد والطبراني ، عن معاذ بن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « آية العز : { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً . . . } » الآية كلها .
وأخرج أبو يعلى وابن السني ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « خرجت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ويدي في يده ، فأتى على رجل رث الهيئة فقال : أي فلان ، ما بلغ بك ما أرى؟ قال : السقم والضر . قال : ألا أعلمك كلمات تذهب عنك السقم والضر؟ . . . قل : توكلت على الحي الذي لا يموت ، و { الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً } فأتى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حسنت حالته ، فقال : مهيم؟ فقال : لم أزل أقول الكلمات التي علمتني » .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الفرج ، والبيهقي في الأسماء والصفات ، عن إسماعيل بن أبي فديك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما كربني أمر إلا تمثل لي جبريل عليه السلام فقال : يا محمد ، قل توكلت على الحي الذي لا يموت و { الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك . . . } الآية » .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم يعلم أهله هذه الآية { الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً } إلى آخرها . الصغير من أهله والكبير .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبد الكريم بن أبي أمية قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الغلام من بني هاشم إذا أفصح سبع سنوات { الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً } .
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عبد الكريم ، عن عمرو بن شعيب رضي الله عنه قال : كان الغلام إذا أفصح من بني عبد المطلب ، علمه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية سبع مرات { الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً } الآية .

(6/334)


وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده .
وأخرج ابن السني والديلمي ، عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها : « إذا أخذت مضجعك فقولي : الحمد لله الكافي . . . سبحان الله الأعلى . . . حسبي الله وكفى ما شاء الله . . . قضى ، سمع الله لمن دعا ، ليس من الله ملجأ ولا وراء الله ملتجأ . . . توكلت على ربي وربكم . . . ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها . . . إن ربي على صراط مستقيم { الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً } من يقولها عند منامه ثم ينام وسط الشياطين والهوام فلا تضره » .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن التوراة كلها في خمس عشرة آية من بني إسرائيل ، ثم تلا { لا تجعل مع الله إلهاً آخر } والله أعلم .

(6/335)


الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي ، عن ابن عباس في قوله : { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيماً } قال : أنزل الكتاب عدلاً قيماً ولم يجعل له عوجاً ملتبساً .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً } قال : هذا من التقديم والتأخير ، أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله : { قيماً } قال : مستقيماً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { لينذر بأساً شديداً } قال : عذاباً شديداً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { من لدنه } أي من عنده .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً } يعني ، الجنة . وفي قوله : { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً } قال : هم اليهود والنصارى .

(6/336)


فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : اجتمع عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام والنضر بن الحارث وأمية بن خلف والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأبو البختري في نفر من قريش ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كبر عليه ما يرى من خلاف قومه إياه وإنكارهم ما جاء به من النصيحة ، فأحزنه حزناً شديداً . . . فأنزل الله { فلعلك باخع نفسك } الآية .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { فلعلك باخع نفسك } قال : قاتل نفسك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله : { فلعلك باخع نفسك } قال : قاتل نفسك .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { فلعلك باخع نفسك } قال : قاتل نفسك { إن لم يؤمنوا بهذا الحديث } قال : القرآن : { أسفاً } قال : حزناً إن لم يؤمنوا .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { أسفاً } قال : جزعا .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً } قال : حزناً عليهم ، نهى الله نبيه أن يأسف على الناس في ذنوبهم .
وأخرج ابن الأنباري في الوقف ، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله : { فلعلك باخع نفسك } ما الباخع؟ فقال : يقول : قاتل نفسك . قال فيه لبيد بن ربيعة :
لعلك يوماً ان فقدت مزارها ... على بعده يوماً لنفسك باخع

(6/337)


إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8)

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } قال : ما عليها من شيء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله : { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } قال : الرجال .
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } قال : الرجال .
وأخرج أبو نصر السجزي في الإبانة ، عن ابن عباس في قوله : { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } قال : العلماء زينة الأرض .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله : { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } قال : هم الرجال العباد العمال لله بالطاعة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في التاريخ ، « عن ابن عمر قال : تلا رسول الله صلى الله علية وسلم هذه الآية { لنبلوهم أيهم أحسن عملاً } فقلت : ما معنى ذلك يا رسول الله؟ قال : » ليبلوكم أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرعكم في طاعة الله « » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { لنبلوهم } قال : لنختبرهم { أيهم أحسن عملاً } قال : أيهم أتم عقلاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله : { لنبلوهم أيهم أحسن عملاً } قال : أشدهم للدنيا تركا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري في قوله : { لنبلوهم أيهم أحسن عملاً } قال : أزهدهم في الدنيا .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : { وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً } قال : يهلك كل شيء عليها ويبيد .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { صعيداً جرزاً } قال : الصعيد ، التراب . والجزر ، التي ليس فيها فروع .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله : { جرزاً } قال : يعني بالجرز ، الخراب . والله أعلم .

(6/338)


أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12)

أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال : { الكهف } هو غار في الوادي .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي ، عن ابن عباس قال : { الرقيم } الكتاب .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي ، عن ابن عباس قال : { الرقيم } وادٍ دون فلسطين قريب من أيلة .
وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج ، عن ابن عباس قال : والله ما أدري ما الرقيم ، لكتاب أم بنيان؟
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر ، عن مجاهد قال : { الرقيم } منهم من يقول كتاب قصصهم ، ومنهم من يقول الوادي .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر ، عن أبي صالح قال : { الرقيم } لوح مكتوب .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير قال : { الرقيم } لوح من حجارة ، كتبوا فيه قصة أصحاب الكهف وأمْرهم ، ثم وضع على باب الكهف .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : { الرقيم } حين رقمت أسماؤهم في الصخرة ، كتب الملك فيها أسماؤهم وكتب أنهم هلكوا في زمان كذا وكذا في ملك ريبوس ، ثم ضربها في سور المدينة على الباب ، فكان من دخل أو خرج قرأها . فذلك قوله : { أصحاب الكهف والرقيم } .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم والزجاجي في أماليه وابن مردويه ، عن ابن عباس قال : لا أدري ما الرقيم ، وسألت كعباً فقال : اسم القرية التي خرجوا منها .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال : كل القرآن أعلمه ، إلا أربعاً : غسلين ، وحناناً ، والأواه ، والرقيم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك قال : { الرقيم } الكلب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا } يقول : الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب ، أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً } كانوا بقولهم أعجب آياتنا ، ليسوا بأعجب آياتنا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً } قال : ليسوا بأعجب آياتنا ، كانوا من أبناء الملوك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر قال : كان أصحاب الكهف صيارفة .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه ، عن النعمان بن بشير أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن أصحاب الرقيم : « أن ثلاثة نفر دخلوا إلى الكهف ، فوقع من الجبل حجر على الكهف فأوصد عليهم ، فقال قائل منهم : تذكروا أيكم عمل حسنة لعل الله أن يرحمنا .

(6/339)


فقال أحدهم : نعم ، قد عملت حسنة مرة . . . إنه كان لي عمال استأجرتهم في عمل لي ، كل رجل منهم بأجر معلوم . فجاءني رجل ذات يوم وذلك في شطر النهار فاستأجرته بقدر ما بقي من النهار بشطر أصحابه الذين يعملون بقية نهارهم ذلك ، كل رجل منهم نهاره كله . فرأيت من الحق أن لا أنقصه شيئاً مما استأجرت عليه أصحابه . فقال رجل منهم : يعطي هذا مثل ما يعطيني ولم يعمل إلا نصف نهاره!! فقلت له : إني لا أبخسك شيئاً من شرطك ، وإنما هو مالي أحكم فيه بما شئت . فغضب وترك أجره ، فلما رأيت ذلك عزلت حقه في جانب البيت ما شاء الله ، ثم مر بي بعد ذلك بقر فاشتريت له فصيلاً من البقر حتى بلغ ما شاء الله ، ثم مر بي الرجل بعد حين وهو شيخ ضعيف وأنا لا أعرفه ، فقال لي : إن لي عندك حقاً . فلم أذكره حتى عرّفني ذلك ، فقلت له : نعم . . . إياك أبغي . فعرضت عليه ما قد أخرج الله له من ذلك الفصيل من البقر ، فقلت له : هذا حقك من البقر . فقال لي : يا عبد الله ، لا تسخر بي . . . إن لا تتصدق علي أعطني حقي . فقلت : والله ما أسخر منك : إن هذا لحقك . فدفعته إليه ، اللهم فإن كنت تعلم أني قد كنت صادقا وأني فعلت ذلك لوجهك فأفرج عنا هذا الحجر . فانصدع حتى رأوا الضوء وأبصروا .
وقال الآخر : قد عملت حسنة مرة ، وذلك أنه كان عندي فضل فأصاب الناس شدة فجاءتني امرأة فطلبت مني معروفاً ، فقلت : لا والله ، ما هو دون نفسك . فأبت عليَّ ثم رَجَعَتْ فذكّرتني بالله ، فأبيت عليها وقلت : لا والله ، ما هو دون نفسك . فأبت عليّ ثم رجَعَت فذكّرتني بالله فأبيت عليها وقلت : لا والله ، ما هو دون نفسك . فأبت عليّ فذكَرَتْ ذلك لزوجها فقال : أعطيه نفسك وأغني عيالك . فلما رأت ذلك سمحت بنفسها ، فلما هممت بها قالت : إني أخاف الله رب العالمين . فقلت لها : تخافين الله في الشدّة ولم أخفه في الرخاء؟ فأعطيتها ما استغنت هي وعيالها . اللهم فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك لوجهك فأفرج عنا هذا الحجر ، فانصدع الحجر حتى رأوا الضوء وأيقنوا الفرج .
ثم قال الثالث : قد عملت حسنة مرة ، كان لي أبوان شيخان كبيران قد بلغهما الكبر ، وكانت لي غنم فكنت أرعاها . . . وأختلف فيما بين غنمي وبين أبوي أطعمهما وأشبعهما وأرجع إلى غنمي ، فلما كان ذات يوم أصابني غيث شديد فحبسني فلم أرجع إلا مؤخراً ، فأتيت أهلي فلم أدخل منزلي حتى حلبت غنمي ، ثم مضيت إلى أبوي أسقيهما فوجدتهما قد ناما ، فشق عليّ أن أوقظهما وشق عليّ أن أترك غنمي ، فلم أبرح جالساً ومحلبي على يدي حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما ، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك لوجهك فأفرج عنا هذا الحجر .

(6/340)


ففرّج الله عنهم وخرجوا إلى أهليهم راجعين « .
وأخرج أحمد وابن المنذر ، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم : » أن ثلاثة نفر فيما سلف من الناس انطلقوا يرتادون لأهليهم ، فأخذتهم السماء فدخلوا غاراً فسقط عليهم حجر ، فجافّ حتى ما يرون منه خصاصة . فقال بعضهم لبعض : قد وقع الحجر وعفا الأثر ولا يعلم مكانكم إلا الله ، فادعوا الله عز وجل بأوثق أعمالكم . فقال رجل منهم :
اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي والدان فكنت أحلب لهما في إنائهما فآتيهما ، فإذا وجدتهما راقدين قمت على رأسيهما كراهة أن أرد سنتهما في رأسيهما حتى يستيقظا متى استيقظا ، اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك ومخافة عذابك ففرِّج عنا . فزال ثلث الحجر .
وقال الثاني : اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيراً على عمل يعمله فأتاني يطلب أجره وأنا غضبان فزبرته فانطلق وترك أجره فجمعته وثمرته حتى كان منه كل المال فأتاني يطلب أجره فدفعت إليه ذلك كله ، ولو شئت لم أعطه إلا أجره الأوّل ، اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك ومخافة عذابك ، فافرج عنا . فزال ثلثا الحجر .
وقال الثالث : اللهم إن كنت تعلم أنه أعجبته امرأة فجعل لها جعلاً فلما قدر عليها وفر لها نفسها وسلّم لها جَعْلَها . اللهم إن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك رجاء رحمتك ومخافة عذابك ، ففرّج عنا . فزال الحجر وخرجوا معاتيق يمشون « .
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن المنذر ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : » بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون ، إذ أصابهم مطر فأووا إلى غار فانطبق عليهم ، فقال بعضهم لبعض : إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصّدْق ، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه قد صدق فيه . فقال واحد منهم :
اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أجير يعلم على فرق من أرز فذهب وتركه ، وإني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته فصار من أمره أني اشتريت منه بقراً ، وأنه أتاني يطلب أجره فقلت له : اعمد إلى تلك البقر فسقْها فقال لي : إنما لي عندك فرق من أرز . فقلت له : اعمد إلى تلك البقر فإنها من ذلك الفرق فساقها ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا . فانساخت عنهم الصخرة .
فقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت آتيهما كل لية بلبن غنم لي ، فأبطأت عليهما ليلة فجئت وقد رقدا ، وعيالي يتضاغون من الجوع فكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي ، فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أدعهما فيستكنا بشربتهما ، فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر ، فإن كُنْتَ تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنا . فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء .
فقال الآخر : اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم من أحب الناس إليّ ، وإني راودتها عن نفسها فأبت إلا أن آتيها بمائة دينار ، فطلبتها حتى قَدِرْتُ فأتيتها بها فدفعْتها إليها فأمكنتني من نفسها ، فلما قعدت بين رجليها قال : اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه . فقمت وتركت المائة دينار ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنّا . ففرج الله عنهم فخرجوا « .

(6/341)


وأخرج البخاري في تاريخه من حديث ابن عباس مثله .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس قال : غزونا مع معاوية غزوة المضيق نحو الروم فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف الذي ذكر الله في القرآن ، فقال معاوية : لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم! فقال له ابن عباس : ليس ذلك لك ، قد منع الله ذلك عمن هو خير منك . فقال : { لو اطلعت عليهم لَوَلَّيْتَ منهم فراراً ولَمُلِئْتَ منهم رعباً } فقال معاوية : لا أنتهي حتى أعلم علمهم . فبعث رجالاً فقال : اذهبوا فادخلوا الكهف فانظروا . فذهبوا ، فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحاً فأخرجتهم . فبلغ ذلك ابن عباس فأنشأ يحدث عنهم فقال : إنهم كانوا في مملكة ملك من الجبابرة يعبد الأوثان ، وقد أجبر الناس على عبادتها ، وكان وهؤلاء الفتية في المدينة ، فلما رأوا ذلك خرجوا من تلك المدينة فجمعهم الله على غير ميعاد ، فجعل بعضهم يقول لبعض : أين تريدون . . . ؟ أين تذهبون . . . !؟ فجعل بعضهم يخفي على بعض ، لأنه لا يدري هذا على ما خرج هذا ، ولا يدري هذا . فأخذوا العهود والمواثيق أن يخبر بعضهم بعضاً ، فإن اجتمعوا على شيء وإلا كتم بعضهم بعضاً . فاجتمعوا على كلمة واحدة { فقالوا ربنا رب السماوات والأرض . . . } إلى قوله : { مرفقاً } قال : فقعدوا فجاء أهلهم يطلبونهم لا يدرون أين ذهبوا ، فرفع أمرهم إلى الملك فقال : ليكونن لهؤلاء القوم بعد اليوم شأن . . . ناس خرجوا لا يدري أين ذهبوا في غير خيانة ولا شيء يعرف . . . !! فدعا بلوح من رصاص فكتب فيه أسماؤهم ثم طرح في خزانته . فذلك قول الله : { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم } والرقيم ، هو اللوح الذي كتبوا . فانطلقوا حتى دخلوا الكهف فضرب الله على آذانهم فقاموا . فلو أن الشمس تطلع عليهم لأحرقتهم ، ولولا أنهم يقلبون لأكلتهم الأرض . ذلك قول الله : { وترى الشمس . . . } الآية . قال : ثم إن ذلك الملك ذهب وجاء ملك آخر فعبد الله وترك تلك الأوثان ، وعدل بين الناس ، فبعثهم الله لما يريد { وقال قائل منهم كم لبثتم } فقال بعضهم : يوماً . وقال بعضهم يومين . وقال بعضهم أكثر من ذلك . فقال كبيرهم : لا تختلفوا ، فإنه لم يختلف قوم قطّ إلا هلكوا ، فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة .

(6/342)


فرأى شارة أنكرها ورأى بنياناً أنكره ، ثم دنا إلى خباز فرمى إليه بدرهم وكانت دراهمهم كخفاف الربع - يعني ولد الناقة - فأنكر الخباز الدرهم فقال : من أين لك الدرهم؟ لقد وجدت كنزاً لتدلّني عليه أو لأرفعنك إلى الأمير . فقال : أَوَ تخوّفني بالأمير؟ وأتى الدهقان الأمير ، قال : من أبوك؟ قال : فلان . فلم يعرفه . قال : فمن الملك؟ قال : فلان . فلم يعرفه ، فاجتمع عليهم الناس فرفع إلى عالمهم فسأله فأخبره فقال : عليّ باللوح ، فجيء به فسمى أصحابه فلاناً وفلاناً . وهم مكتوبون في اللوح ، فقال للناس : إن الله قد دلكم على إخوانكم . وانطلقوا وركبوا حتى أتوا إلى الكهف ، فلما دنوا من الكهف قال الفتى : مكانكم أنتم حتى أدخل أنا على أصحابي ، ولا تهجموا فيفزعون منكم وهم لا يعلمون أن الله قد أقبل بكم وتاب عليكم . فقالوا لتخرجن علينا قال : نعم إن شاء الله . فدخل فلم يدروا أين ذهب ، وعمي عليهم فطلبوا وحرضوا فلم يقدروا على الدخول عليهم { فقالوا لنتخذن عليهم مسجداً } فاتخذوا عليهم مسجداً يصلون عليهم ويستغفرون لهم .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم ، عن عكرمة رضي الله عنه قال : كان أصحاب الكهف أبناء ملوك ، رزقهم الله الإسلام فتعوذوا بدينهم واعتزلوا قومهم حتى انتهوا إلى الكهف ، فضرب الله على صماخاتهم فلبثوا دهراً طويلاً حتى هلكت أمتهم ، وجاءت أمة مسلمة وكان ملكهم مسلماً ، واختلفوا في الروح والجسد فقال قائل : يبعث الروح والجسد جميعاً . وقال قائل : يبعث الروح وأما الجسد فتأكله الأرض فلا يكون شيئاً ، فشق على ملكهم إختلافهم فانطلق فلبس المسوح وجلس على الرماد ، ثم دعا الله فقال : أي رب ، قد ترى إختلاف هؤلاء فابعث لهم آية تبين لهم ، فبعث الله أصحاب الكهف ، فبعثوا أحدهم ليشتري لهم طعاماً فدخل السوق ، فلما نظر جعل ينكر الوجوه ويعرف الطرق ، ورأى الإيمان ظاهراً بالمدينة . فانطلق وهو مستخف حتى أتى رجلاً يشتري منه طعاماً ، فلما نظر الرجل إلى الورق أنكرها . حسبت أنه قال : كأنها أخفاف الربيع - يعني الإبل الصغار - فقال الفتى : أليس ملككم فلان؟ قال الرجل : بل ملكنا فلان . فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك ، فنادى في الناس فجمعهم فقال : إنكم اختلفتم في الروح والجسد وإن الله قد بعث لكم آية ، فهذا رجل من قوم فلان - يعني ملكهم الذي قبله - فقال الفتى : انطلق بي إلى أصحابي . فركب الملك وركب معه الناس حتى انتهى إلى الكهف ، فقال الفتى : دعوني أدخل إلى أصحابي . فلما أبصروه وأبصرهم ضرب على آذانهم ، فلما استبطؤوه دخل الملك ودخل الناس معه ، فإذا أجساد لا يبلى منها شيء غير أنها لا أرواح فيها . فقال الملك : هذه آية بعثها الله لكم ، فغزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة فمروا بالكهف فإذا فيه عظام ، فقال رجل : هذه عظام أهل الكهف .

(6/343)


فقال ابن عباس : ذهبت عظامهم أكثر من ثلثمائة سنة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه قال : كان أصحاب الكهف أبناء عظماء أهل مدينتهم وأهل شرفهم ، خرجوا فاجتمعوا وراء المدينة على غير ميعاد ، فقال رجل منهم - هو أشبههم - : إني لأجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً يجده . قالوا : ما تجد؟ قال : أجد في نفسي أن ربي رب السموات والأرض . فقاموا جميعاً فقالوا : { ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذا شططاً } وكان مع ذلك من حديثهم وأمرهم ما قد ذكر الله في القرآن ، فأجمعوا أن يدخلوا الكهف وعلى مدينتهم إذ ذاك جبار يقال له ( دقيوس ) فلبثوا في الكهف ما شاء الله رقوداً ، ثم بعثهم الله فبعثوا أحدهم ليبتاع لهم طعاماً ، فلما خرج إذا هم بحظيرة على باب الكهف ، فقال : ما كانت هذه ههنا عشية أمس . فسمع كلاما من كلام المسلمين بذكر الله - وكان الناس قد أسلموا بعدهم وملك عليهم رجل صالح - فظن أنه أخطأ الطريق ، فجعل ينظر إلى مدينته التي خرج منها وإلى مدينتين وجاهها ، أسماؤهن : اقسوس وايديوس وشاموس . فيقول : ما أخطأت الطريق - هذه اقسوس وايديوس وشاموس!!! . . . فعمد إلى مدينته التي خرج منها ، ثم عمد حتى جاء السوق فوضع ورقة في يد رجل ، فنظر فإذا ورق ليست بورق الناس ، فانطلق به إلى الملك وهو خائف فسأله وقال : لعل هذا من الفتية الذين خرجوا على عهد دقيوس ، فإني قد كنت أدعو الله أن يرينيهم وأن يعلمني مكانهم . ودعا مشيخة أهل القرية - وكان رجل منهم قد كان عنده أسماؤهم وأنسابهم - فسألهم فأخبروه ، فسأل الفتى فقال : صدق . وانطلق الملك وأهل المدينة معه لأن يدلهم على أصحابه ، حتى إذا دنوا من الكهف سمع الفتية حسّ الناس فقالوا : أتيتم . . . ظهر على صاحبكم ، فاعتنق بعضهم بعضاً وجعل يوصي بعضهم بعضاً بدينهم ، فلما دنا الفتى منهم أرسلوه ، فلما قدم إلى أصحابه ماتوا عند ذلك ميتة الحق . فلما نظر إليهم الملك شق عليه أن لم يقدر عليهم أحياء ، وقال : لا أدفنهم إذاً ، فائتوني بصندوق من ذهب . فأتاه آت منهم في المنام فقال : أردت أن تجعلنا في صندوق من ذهب ، فلا تفعل ودعنا في كهفنا ، فمن التراب خلقنا وإليه نعود . فتركهم في كهفهم وبنى على كهفهم مسجداً .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر ، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال : جاء رجل من حواريي عيسى عليه السلام إلى مدينة أصحاب الكهف ، فأراد أن يدخلها فقيل : على بابها صنم لا يدخلها أحد إلا سجد له ، فكره أن يدخل فأتى حماماً فكان فيه قريباً من تلك المدينة وكان يعمل فيه يؤاجر نفسه من صاحب الحمام؛ ورأى صاحب الحمام في حمامه البركة والرزق وجعل يسترسل إليه وعلقه فتية من أهل المدينة ، فجعل يخبرهم عن خبر السماء والأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا به وصدقوه ، وكانوا على مثل حاله في حسن الهيئة ، وكان يشترط على صاحب الحمام : أن الليل لي ولا تحول بيني وبين الصلاة إذا حضرت ، حتى أتى ابن الملك بامرأة يدخل بها الحمام فعيره الحواري فقال : أنت ابن الملك وتدخل مع هذه الكداء؟! .

(6/344)


. . فاستحيا فذهب ، فرجع مرة أخرى فسبه وانتهره فلم يلتفت حتى دخل - ودخلت معه المرأة ، فباتا في الحمام جميعاً فماتا فيه . فأتى الملك فقيل له : قتل ابنك صاحب الحمام . فالتمس فلم يقدر عليه وهرب من كان يصحبه ، فسموا الفتية . فالتمسوا فخرجوا من المدينة فمروا بصاحب لهم في زرع له وهو على مثل أمرهم ، فذكروا له أنهم التمسوا فانطلق معه ومعه كلب حتى آواهم الليل إلى الكهف فدخلوا فيه ، فقالوا : نبيت ههنا الليلة حتى نصبح إن شاء الله ثم تروا رأيكم . فضرب على آذانهم ، فخرج الملك بأصحابه يبتغونهم حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف ، فكلما أراد الرجل منهم أن يدخل أرعب فلم يطق أحد أن يدخله ، فقال له قائل : ألست قلت : لو قدرت عليهم قتلتهم؟ قال : بلى . قال : فابن عليهم باب الكهف ودعهم يموتوا عطشاً وجوعاً . ففعل . ثم صبروا زماناً ، ثم إن راعي غنم أدركه المطر عند الكهف فقال : لو فتحت هذا الكهف وأدخلت غنمي من المطر ، فلم يزل يعالجه حتى فتح لغنمه فادخلها فيه ، ورد الله أرواحهم في أجسادهم من الغد حين أصبحوا فبعثوا أحدهم بورق ليشتري لهم طعاماً ، فكلما أتى باب مدينتهم لا يرى أحد من ورقهم شيئاً إلا استنكرها ، حتى جاء رجلاً فقال : بعني بهذه الدراهم طعاماً . فقال : ومن أين لك هذه الدراهم؟ قال : إني رحت وأصحابي أمس فأتى الليل ثم أصبحنا فأرسلوني . قال : فهذه الدراهم كانت على عهد ملك فلان! . . . فأنى لك هذه الدراهم؟!! . . . فرفعه إلى الملك - وكان رجلاً صالحاً - فقال : ومن أين لك هذا الورق؟ قال : خرجت أنا وأصحابي أمس حتى إذا أدركنا الليل في كهف كذا وكذا ، ثم أمروني أن اشتري لهم طعاماً . قال : وأين أصحابك؟ قال : في الكهف . فانطلق معه حتى أتوا باب الكهف فقال : دعوني أدخل إلى أصحابي قبلكم . فلما رأوه ودنا منهم ، ضرب على أذنه وآذانهم فأرادوا أن يدخلوا فجعل كلما دخل رجل منهم رعب ، فلم يقدروا أن يدخلوا إليهم ، فبنوا عندهم مسجداً يصلون فيه .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أصحاب الكهف أعوان المهدي » .

(6/345)


وأخرج الزجاجي في أماليه ، عن ابن عباس في قوله : { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم } قال : إن الفتية لما هربوا من أهليهم خوفاً على دينهم . فقدوهم فخبروا الملك خبرهم ، فأمر بلوح من رصاص فكتب فيه أسماءهم وألقاه في خزانته وقال : إنه سيكون لهم شأن ، وذلك اللوح هو الرقيم ، والله أعلم .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله : { فضربنا على آذانهم } يقول : أرقدناهم { ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين } من قوم الفتية أهل الهدى وأهل الضلالة { أحصى لما لبثوا } أنهم كتبوا اليوم الذي خرجوا فيه والشهر والسنة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { أي الحزبين } قال : من قوم الفتية { أحصى لما لبثوا أمداً } قال : عدداً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمداً } يقول : ما كان لواحد من الفريقين علم ، لا لكفارهم ولا لمؤمنيهم .

(6/346)


نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)

أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : ما بعث الله نبياً إلا وهو شاب ، ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب . وقرأ : { قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم } { وإذ قال موسى لفتاه } و { إنهم فتية آمنوا بربهم } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله : { وزدناهم هدى } قال : إخلاصاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { وربطنا على قلوبهم } قال : بالإيمان . وفي قوله : { لقد قلنا إذاً شططا } قال : كذباً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { لقد قلنا إذا شططا } قال : جوراً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في الآية قال : الشطط ، الخطأ من القول .

(6/347)


وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (16)

أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن عطاء الخراساني في قوله : { وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله } قال : كان قوم الفتية يعبدون الله ويعبدون معه آلهة شتى ، فاعتزلت الفتية عبادة تلك الآلهة ولم تعتزل عبادة الله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه { وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله } قال : هي في مصحف ابن مسعود : وما يعبدون من دون الله ، فهذا تفسيرها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : { فأووا إلى الكهف } قال : كان كهفهم بين جبلين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { ويهيء لكم من أمركم مرفقاً } يقول : غذاء .

(6/348)


وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18) وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { تزاور } قال : تميل . وفي قوله : { تقرضهم } قال : تذرهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { تقرضهم } قال : تتركهم { وهم في فجوة منه } قال : المكان الداخل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله : { وهم في فجوة منه } قال : يعني بالفجوة ، الخلوة من الأرض . ويعني بالخلوة ، الناحية من الأرض .
وأخرج ابن المنذر عن أبي مالك في قوله : { وهم في فجوة منه } قال : في ناحية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة { وتحسبهم } يا محمد { أيقاظاً وهم رقود } يقول : في رقدتهم الأولى { ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال } قال : وهذا التقليب في رقدتهم الأولى ، كانوا يقلبون في كل عام مرة .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن ابن عباس في قوله : { ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال } قال : ستة أشهر على ذي الجنب ، وستة أشهر على ذي الجنب .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عياض في قوله : { ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال } قال : في كل عام مرتين .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { ونقلبهم } قال : في التسع سنين ليس فيما سواه .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر ، عن سعيد بن جبير في قوله : { ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال } قال : كي لا تأكل الأرض لحومهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : { وكلبهم } قال : اسم كلبهم قطمور .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال : اسم كلب أصحاب الكهف ، قطمير .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : قلت لرجل من أهل العلم : زعموا أن كلبهم كان أسداً ، قال : لعمر الله ما كان أسداً ، ولكنه كان كلباً أحمر خرجوا به من بيوتهم يقال له ، قطمور .
وأخرج ابن أبي حاتم عن كثير النواء قال : كان كلب أصحاب الكهف أصفر .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سفيان قال : قال رجل بالكوفة يقال له : عبيد وكان لا يتهم بكذب ، قال : رأيت كلب أصحاب الكهف أحمر كأنه كساء انبجاني .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق جويبر ، عن عبيد السواق قال : رأيت كلب أصحاب الكهف صغيراً ، باسطاً ذراعيه بفناء باب الكهف ، وهو يقول : هكذا يضرب بأذنيه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدالله بن حميد المكي في قوله : { وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد } قال : جعل رزقه في لحس ذراعيه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق ، عن ابن عباس في قوله : { بالوصيد } قال : بالفناء .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن ابن عباس في قوله : { بالوصيد } قال : بالباب .

(6/349)


وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية في قوله : { بالوصيد } قال : بفناء باب الكهف .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير في قوله : { بالوصيد } قال : بالصعيد .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله : { وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد } قال : ممسك عليهم باب الكهف .
وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب رضي الله عنه قال : كان لي صاحب شديد النفس ، فمر بجانب كهفهم فقال : لا أنتهي حتى أنظر إليهم ، فقيل له : لا تفعل . . . أما تقرأ { لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً } فأبى إلا أن ينظر ، فأشرف عليهم فابيضت عيناه وتغير شعره ، وكان يخبر الناس بعد يقول : عدتهم سبعة .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { أزكى طعاماً } قال : أحل ذبيحة ، وكانوا يذبحون للطواغيت .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر ، عن ابن عباس في قوله : { أزكى طعاماً } يعني ، أطهر؛ لأنهم كانوا يذبحون الخنازير .

(6/350)


وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21)

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { وكذلك أعثرنا عليهم } قال : أطلعنا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : دعا الملك شيوخاً من قومه فسألهم عن أمرهم فقالوا : كان ملك يدعى دقيوس ، وإن فتية فُقِدُوا في زمانه ، وأنه كتب أسماءهم في الصخرة التي كانت عند باب بالمدينة . فدعا بالصخرة فقرأها فإذا فيها أسماؤهم ، ففرح الملك فرحاً شديداً وقال : هؤلاء قوم كانوا قد ماتوا فبعثوا ، ففشا فيهم أن الله يبعث الموتى . فذلك قوله : { وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها } فقال الملك : لأتخذن عند هؤلاء القوم الصالحين مسجداً ، فلأعبدن الله فيه حتى أموت . فذلك قوله : { قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجداً } .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { قال الذين غلبوا على أمرهم } قال : هم الأمراء ، أو قال : السلاطين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : بنى عليهم الملك بيعة فكتب في أعلاها أبناء الأراكنة أبناء الدهاقين .

(6/351)


سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22)

أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { سيقولون ثلاثة } قال : اليهود { ويقولون خمسة } قال : النصارى .
وأخرج ابن أبي حاتم وعبد الرزاق ، عن قتادة في قوله : { رجما بالغيب } قال : قذفا بالظن .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مسعود رضي الله عنه في قوله { ما يعلمهم إلا قليل } قال : إنا من القليل ، كانوا سبعة .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن سعد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق ، عن ابن عباس في قوله : { ما يعلمهم إلا قليل } قال : إنا من القليل ، كانوا سبعة .
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند صحيح ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { ما يعلمهم إلا قليل } قال : أنا من القليل ، مكسلمينا وتمليخا ، وهو المبعوث بالورق إلى المدينة ، ومرطوس ونينونس ودردوتس وكفاشطهواس ومنطفوا سيسوس ، وهو الراعي . والكلب اسمه قطمير ، دون الكردي وفوق القبطي الألطم فوق القبطي . قال أبو عبد الرحمن : بلغني أن من كتب هذه الأسماء في شيء وطرحه في حريق سكن الحريق .
وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال : كل شي في القرآن قليل ، وإلا قليل فهو دون العشرة .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : { فلا تمار فيهم } يقول : حسبك ما قصصت عليك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : { فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً } قال : يقول : إلا ما أظهرنا لك من أمرهم { ولا تستفت فيهم منهم أحداً } قال : يقول لا تسأل اليهود عن أصحاب الكهف ، إلا ما قد أخبرناك من أمرهم .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { فلا تُمارِ فيهم } الآية . قال : حسبك ما قصصنا عليك .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق ، عن ابن عباس في قوله : { ولا تستفت فيهم منهم أحداً } قال : اليهود . والله أعلم .

(6/352)


وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24)

أخرج ابن المنذرعن مجاهد ، أن قريشاً اجتمعت فقالوا : « يا محمد ، قد رغبت عن ديننا ودين آبائنا ، فما هذا الدين الذي جئت به؟ قال : هذا دين جئت به من الرحمن . فقالوا : إنا لا نعرف الرحمن ، إلا رحمن اليمامة - يعنون مسيلمة الكذاب - ثم كاتبوا اليهود فقالوا : قد نبغ فينا رجل يزعم أنه نبي ، وقد رغب عن ديننا ودين آبائنا ، ويزعم أن الذي جاء به من الرحمن . قلنا : لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة ، وهو أمين لا يخون . . وفيّ لا يغدر . . صدوق لا يكذب ، وهو في حسب وثروة من قومه ، فاكتبوا إلينا بأشياء نسأله عنها . فاجتمعت يهود فقالوا : إن هذا لوصفه وزمانه الذي يخرج فيه . فكتبوا إلى قريش : أن سلوه عن أمر أصحاب الكهف ، وعن ذي القرنين ، وعن الروح . فإن يكن الذي أتاكم به من الرحمن ، فإن الرحمن هو الله عز وجل ، وإن يكن من رحمن اليمامة فينقطع . فلما أتى ذلك قريشاً أتى الظفر في أنفسها فقالوا : يا محمد ، قد رغبت عن ديننا ودين آبائك . . . فحدثنا عن أمر أصحاب الكهف وذي القرنين والروح . قال : ائتوني غداً . ولم يستثن ، فمكث جبريل عنه ما شاء الله لا يأتيه ، ثم أتاه فقال : سألوني عن أشياء لم يكن عندي بها علم فأجيب حتى شق ذلك عليّ . قال : ألم ترنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة؟ - وكان في البيت جرو كلب - ونزلت { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشداً } من علم الذي سألتموني عنه أن يأتي قبل غد؟ ونزل ما ذكر من أصحاب الكهف ونزل { ويسألونك عن الروح . . . } [ الإسراء : 85 ] الآية » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم حلف على يمين فمضى له أربعون ليلة ، فأنزل الله { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله } واستثنى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أربعين ليلة .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وابن مردويه ، عن ابن عباس أنه كان يرى الاستثناء ولو بعد سنة ، ثم قرأ { واذكر ربك إذا نسيت } قال : إذا ذكرت .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني ، عن ابن عباس في هذه الآية قال : إذا نسيت أن تقول لشيء؛ إني أفعله ، فنسيت أن تقول إن شاء الله ، فقل إذا ذكرت : إن شاء الله .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر ، عن أبي العالية في قوله : { واذكر ربك إذا نسيت } قال : تستثني إذا ذكرت .

(6/353)


وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في رجل حلف ونسي أن يستثني ، قال له : ثنياه إلى شهر ، وقرأ { واذكر ربك إذا نسيت } .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن دينار ، عن عطاء أنه قال : من حلف على يمين فله الثنيا حلب ناقة . وكان طاوس يقول : ما دام في مجلسه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم قال : يستثني « ما دام » في كلامه .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه ، عن ابن عباس في قوله : { واذكر ربك إذا نسيت } قال : إذا نسيت الاستثناء فاستثن إذا ذكرت . قال : هي خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس لأحدنا أن يستثني إلا في صلة يمينه .
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر قال : كل استثناء موصول فلا حنث على صاحبه ، وإذا كان غير موصول فهو حانث .
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من حلف فقال : إن شاء الله . فإن شاء مضى ، وإن شاء رجع غير حانث » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « قال سليمان بن داود عليهما السلام : لأطوفن الليلة على تسعين امرأة ، تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله . فقال له الملك : قل إن شاء الله ، فلم يقل . فطاف فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان » .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده ، لو قال إن شاء الله ، لم يحنث وكان دركاً لحاجته » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان ، عن عكرمة في قوله : { واذكر ربك إذا نسيت } قال : إذا غضبت .
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات ، عن الحسن في قوله : { واذكر ربك إذا نسيت } قال : إذا لم تقل إن شاء الله .
وأخرج البيهقي من طريق المعتمر بن سليمان قال : سمعت أبا الحارث ، عن رجل من أهل الكوفة كان يقرأ القرآن في الآية قال : إذا نسي الإنسان أن يقول إن شاء الله ، فتوبته من ذلك أن يقول : { عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشداً } .

(6/354)


وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِع مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26)

أخرج الخطيب في تاريخه عن حكيم بن عقال قال : سمعت عثمان بن عفان يقرأ : { ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين } منوّنة .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن ابن عباس قال : إن الرجل ليفسر الآية يرى أنها كذلك ، فيهوي أبعد ما بين السماء والأرض ، ثم تلا { ولبثوا في كهفهم . . . } الآية . ثم قال : كم لبث القوم؟ قالوا : ثلاثمائة وتسع سنين . قال : لو كانوا لبثوا كذلك ، لم يقل الله : { قل الله أعلم بما لبثوا } ولكنه حكى مقالة القوم فقال : { سيقولون ثَلاَثَة } إلى قوله : { رجماً بالغيب } وأخبر أنهم لا يعلمون قال : سيقولون { ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً } .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في حرف ابن مسعود « وقالوا لبثوا في كهفهم » الآية . يعني ، إنما قاله الناس . ألا ترى أنه قال : { قل الله أعلم بما لبثوا } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً } قال : هذا قول أهل الكتاب ، فرد الله عليهم { قل الله أعلم بما لبثوا } .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن الضحاك قال : لما نزلت هذه الآية { في كهفهم ثَلاَثمائَة } قيل : يا رسول الله ، أياماً ، أم شهوراً ، أم سنين؟ فأنزل الله { سنين وازدادوا تسعاً } .
وأخرج ابن مردويه من وجه آخر ، عن الضحاك عن ابن عباس موصولاً .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً } يقول : عدد ما لبثوا .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { أبصر به وأسمع } قال : الله يقوله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { أبصر به وأسمع } قال : لا أحد أبصر من الله ولا أسمع تبارك وتعالى . والله أعلم بالصواب والحمد لله وحده .

(6/355)


وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)

أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { ملتحداً } قال : ملجأ .
وأخرج ابن الأنباري في الوقف ، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله : { ولن تجد من دونه ملتحداً } ما الملتحد؟ قال : المدخل في الأرض ، قال فيه خصيب الضمري :
يا لهف نفسي ولهف غير محدثه ... عليّ وما عن قضاء الله ملتحد
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان ، عن سلمان قال : جاءت المؤلفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : عيينة بن بدر ، والأقرع بن حابس ، فقالوا : يا رسول الله ، لو جلست في صدر المجلس وتغيبت عن هؤلاء وأرواح جبابهم - يعنون سلمان ، وأبا ذر وفقراء المسلمين ، وكانت عليهم جباب الصفوف - جالسناك أو حادثناك وأخذنا عنك ، فأنزل الله { واتل ما أوحي إليك من كتاب رَبك } إلى قوله : { أعتدنا للظالمين ناراً } يهددهم بالنار .
وأخرج أبو الشيخ عن سلمان قال : « قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمسهم حتى أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله ، فقال : » الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي ، معكم المحيا والممات « » .
وأخرج عبد بن حميد عن سلمان قال : نزلت هذه الآية فيّ وفي رجل دخل على النبي صلى الله عليه وسلم - ومعي شن خوص - فوضع مرفقه في صدري فقال : تَنَحَّ . حتى ألقاني على البساط ، ثم قال : يا محمد ، إنا ليمنعنا كثيراً من أمرك هذا وضرباؤه ، أن ترى لي قدماً وسواداً ، فلو نَحّيْتَهُمْ إذا دخلنا عليك ، فإذا خرجنا أذنت لهم إذا شئت . فلما خرج أنزل الله { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم } إلى قوله : { وكان أمره فرطاً } .
وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه ، « عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف قال : نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } فخرج يلتمسهم فوجد قوماً يذكرون الله ، فيهم ثائر الرأس وجاف الجلد وذو الثوب الواحد ، فلما رآهم جلس معهم وقال : » الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم « » .
وأخرج البزار عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا : « جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقرأ سورة الحجر وسورة الكهف ، فسكت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم « » .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عمر بن ذر ، عن أبيه : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى نفر من أصحابه - منهم عبد الله بن رواحة - يذكرهم بالله ، فلما رآه عبدالله سكت ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذكّر أصحابك . فقال : يا رسول الله ، أنت أحق . فقال : أما إنكم الملأ الذين أمرني أن أصبر نفسي معهم ، ثم تلا { واصبر نفسك } الآية » .

(6/356)


وأخرج الطبراني في الصغير وابن مردويه من طريق عمر بن ذر : حدثني مجاهد عن ابن عباس قال : « مر النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن رواحة وهو يذكر أصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » أما إنكم للملأ الذين أمرني الله أن أصبر نفسي معهم . ثم تلا { واصبر نفسك } الآية . قال : إنه ما جلس عدتكم إلا جلس معه عدتهم جليسهم من الملائكة ، إن سبّحوا الله سبحوه ، وإن حَمَدوا الله حمدوه ، وإن كبّروا الله كبروه . . . يصعدون إلى الرب وهو أعلم فيقولون : ربنا ، إن عبادك سبحوك فسبحنا ، وكبروك فكبرنا ، وحمدوك فحمدنا . فيقول ربنا : يا ملائكتي أشهدكم أني قد غفرت لهم . فيقولون : فيهم فلان الخطاء . فيقول : هم القوم لا يشقى بهم جليسهم « » .
وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال : « خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قاصّ يقص ، فأمسك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قصّ ، فلأن أقعد غدوة إلى أن تشرق الشمس ، أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب » .
وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وأبو نصر السجزي في الإبانة ، « عن أبي سعيد قال : أتى علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ناس من ضعفة المسلمين ، ورجل يقرأ علينا القرآن ويدعو لنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم ، ثم قال : بشر فقراء المسلمين بالنور التام يوم القيامة ، يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم ، مقدار خمسمائة عام . هؤلاء في الجنة يتنعمون وهؤلاء يحاسبون « » .
وأخرج أحمد في الزهد ، عن ثابت قال : « كان سلمان في عصابة يذكرون الله ، فمر النبي فكفوا فقال : ما كنتم تقولون؟ قلنا : نذكر الله . قال : فإني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها . ثم قال : الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم » .
وأخرج أحمد عن أنس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله لا يريدون بذلك إلا وجهه ، إلا ناداهم منادٍ من السماء أن : قوموا مغفوراً لكم ، قد بدلت سيئاتكم حسنات » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن نافع قال : أخبرني عبد الله بن عمر في هذه الآية { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم } أنهم الذين يشهدون الصلوات المكتوبة .

(6/357)


وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده في قوله : { واصبر نفسَكَ } الآية . قال : نزلت في صلاة الصبح وصلاة العصر .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عبيدالله بن عبدالله بن عدي بن الخيار في هذه الآية قال : هم الذين يقرأون القرآن .
وأخرج ابن مردويه من طريق جويبر عن الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا } قال : نزلت في أمية بن خلف ، وذلك أنه دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمر كرهه الله من طرد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة ، فأنزل الله { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا } يعني ، من ختمنا على قلبه ، يعني التوحيد { واتبع هواه } يعني الشرك { وكان أمره فرطاً } يعني فرطا في أمر الله وجهالة بالله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن بريدة قال : دخل عيينة بن حصن على النبي صلى الله عليه وسلم في يوم حار وعنده سلمان عليه جبة من صوف ، فثار منه ريح العرق في الصوف ، فقال عيينة : يا محمد ، إذا نحن أتيناك فأخرج هذا وضرباءه من عندك؛ لا يؤذونا؛ فإذا خرجنا فأنت وهم أعلم . فأنزل الله { ولا تطع من أغفلنا قلبه } الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع قال : « حدثنا أن النبي صلى الله عليه وسلم تصدى لأمية بن خلف وهو ساه غافل عما يقال له ، فأنزل الله { ولا تطع من أغفلنا قَلبَه } الآية . فرجع إلى أصحابه وخلى عن أمية ، فوجد سلمان يذكرهم فقال : » الحمد لله الذي لم أفارق الدنيا حتى أراني أقواماً من أمتي أمرني أن أصبر نفسي معهم « » .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مغيرة ، عن إبراهيم في قوله : { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } قال : هم أهل الذكر .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر من طريق منصور ، عن إبراهيم في قوله : { واصبر نفسَكَ } الآية . قال : لا تطردهم عن الذكر .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن أبي جعفر في الآية قال : أمر أن يصبر نفسه مع أصحابه يعلمهم القرآن .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { مع الذين يدعون ربهم } قال : يعبدون ربهم . وقوله : { ولا تعد عيناك عنهم } يقول : لا تتعداهم إلى غيرهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هاشم في الآية قال : كانوا يتفاضلون في الحلال والحرام .
وأخرج الحكيم الترمذي ، عن سعيد بن جبير في قوله : { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } قال : المفاضلة في الحلال والحرام .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان ، عن إبراهيم ومجاهد { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } قال : الصلوات الخمس .

(6/358)


وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : نزلت { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا } في عيينة بن حصن؛ قال للنبي صلى الله عليه وسلم : لقد آذاني ريح سلمان الفارسي ، فاجعل لنا مجلساً معك لا يجامعنا فيه ، واجعل لهم مجلساً منك لا نجامعهم فيه . فنزلت .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله { وكان أمره فرطاً } قال : ضياعاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { وقل الحق من ربكم } قال : الحق هو القرآن .
وأخرج حنيش في الاستقامة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات ، عن ابن عباس في قوله : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } يقول : من شاء الله له الإيمان آمن ، ومن شاء الله له الكفر كفر ، وهو قوله : { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } [ التكوير : 29 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } قال : هذا تهديد ووعيد .
وأخرج ابن أبي حاتم عن رباح بن زياد قال : سألت عمر بن حبيب عن قوله : { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } قال : حدثني داود بن نافع أن مجاهداً كان يقول : فليس بمعجزي وعيد من الله .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : { أحاط بهم سرادقها } قال : حائط من نار .
وأخرج أحمد والترمذي وابن أبي الدنيا في صفة النار ، وابن جرير وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « السرادق النار أربعة جدر كافة ، كل جدار منها أربعون سنة » .
وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه ، وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث ، عن يعلى بن أمية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « » إن البحر من جهنم « ثم تلا { ناراً أحاط بهم سرادقها } » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف ، عن قتادة أن الأحنف بن قيس كان لا ينام في السرادق ويقول : لم يذكر السرادق إلا لأهل النار .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { بماء كالمهل } ، قال : كعكر الزيت ، فإذا أقرب إليه سقطت فروة وجهه فيه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { كالمهل } يقول : أسود كعكر الزيت .
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن عطية قال : سئل ابن عباس عن المهل قال : ماء غليظ كدردي الزيت .

(6/359)


وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير ، عن سعيد بن جبير في قوله : { كالمهل } قال : كدردي الزيت .
وأخرج عبد بن حميد عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : المهل ، دردي الزيت .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك في قوله : { كالمهل } قال : المهل ، دردي الزيت .
وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني ، عن ابن مسعود أنه سئل عن المهل فدعا بذهب وفضة ، فإذا به قلما ذاب . قال : هذا أشبه شيء بالمهل الذي هو شراب أهل النار ، ولونه لون السماء ، غير أن شراب أهل النار أشد حراً من هذا .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { كالمهل } قال : القيح والدم أسود كعكر الزيت .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله : { كالمهل } قال : أسود ، وهي سوداء وأهلها سود .
وأخرج ابن المنذر عن خصيف قال : المهل ، النحاس إذا أذيب فهو أشد حراً من النار .
وأخرج عبد بن حميد عن الحكم في قوله : { كالمهل } قال : مثل الفضة إذا أذيبت .
وأخرج عبد بن حميد ، عن سعيد بن جبير في قوله : { كالمهل } قال : أشد ما يكون حراً .
وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال : هل تدرون ما المهل؟ مهل الزيت : يعني آخره .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { وساءت مرتفقاً } قال : مجتمعاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { وساءت مرتفقاً } قال : منزلاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { وساءت مرتفقاً } قال : عليها مرتفقون على الحميم حين يشربون ، والإرتفاق هو المتكأ .

(6/360)


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)

أخرج ابن المبارك وابن أبي حاتم ، عن المقبري قال : بلغني أن عيسى ابن مريم كان يقول : يا ابن آدم ، إذا عملت الحسنة فاله عنها ، فإنها عند من لا يضيعها . ثم تلا { إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً } وإذا عملت سيئة فاجعلها نصب عينيك .
وأخرج ابن مردويه عن سعد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لو أن رجلاً من أهل الجنة اطلع فبدت أساوره ، لطمس ضوءه ضوء الشمس كما يطمس ضوء النجوم » .
وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في البعث ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لو أن أدنى أهل الجنة حلية عدلت حليته بحلية أهل الدنيا جميعاً ، لكان ما يحليه الله به في الآخرة أفضل من حلية أهل الدنيا جميعاً » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة ، عن كعب الأحبار قال : « إن لله ملكاً - وفي لفظ - : في الجنة ملك ، لو شئت أن أسميه لسميته ، يصوغ حلى أهل الجنة من يوم خلق إلى أن تقوم الساعة ، ولو أن حلياً منها أخرج لرد شعاع الشمس . وإن لأهل الجنة أكاليل من در ، لو أن إكليلاً منها دلي من السماء الدنيا لذهب بضوء الشمس كما تذهب الشمس بضوء القمر » .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر ، عن عكرمة قال : إن أهل الجنة يحلون أسورة من ذهب ولؤلؤ وفضة ، هي أخف عليهم من كل شيء إنما هي نور .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله : { أساور من ذهب } قال : الأساور ، المسك .
وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء » .
وأخرج النسائي والحاكم عن عقبة بن عامر ، « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمنع أهله الحلية والحرير ، ويقول : » إن كنتم تحبون حلية الجنة وحريرها فلا تلبسوهما في الدنيا « » .
وأخرج الطيالسي والبخاري في تاريخه والنسائي والبزار وابن مردويه والبيهقي في البعث ، عن ابن عمرو قال : قال رجل : « يا رسول الله ، أخبرنا عن ثياب أهل الجنة . . أخلقاً تخلق أم نسجاً تنسج؟ قال : بل يشقق عنها ثمر الجنة » .
وأخرج ابن مردويه من حديث جابر نحوه .
وأخرج البيهقي عن أبي الخير مرثد بن عبدالله قال : في الجنة شجرة تنبت السندس ، منه يكون ثياب أهل الجنة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم ، عن الضحاك قال : الاستبرق ، الديباج الغليظ ، وهو بلغة العجم استبره .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عكرمة قال : الاستبرق ، الديباج الغليظ .

(6/361)


وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير ، عن قتادة قال : الاستبرق الغليظ من الديباج .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن سابط قال : يبعث الله إلى العبد من أهل الجنة بالكسوة فتعجبه ، فيقول : لقد رأيت الجنان فما رأيت مثل هذه الكسوة قط! فيقول الرسول الذي جاء بالكسوة : إن ربك يأمر أن تهيئ لهذا العبد مثل هذه الكسوة ما شاء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال : لو أن ثوباً من ثياب أهل الجنة نشر اليوم في الدنيا ، لصعق من ينظر إليه وما حملته أبصارهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سليم بن عامر قال : إن الرجل من أهل الجنة يلبس الحلة من حلل أهل الجنة فيضعها بين أصبعيه ، فما يرى منها شيء ، وإنه يلبسها فيتعفر حتى تغطي قدميه ، يكسى في الساعة الواحدة سبعين ثوباً . . . إن أدناها مثل شقيق النعمان ، وإنه يلبس سبعين ثوباً يكاد أن يتوارى ، وما يستطيع أحد في الدنيا أن يلبس سبعة أثواب ما يسعه عنقه .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي رافع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من كفن ميتاً ، كساه الله من سندس واستبرق الجنة » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الهيثم بن مالك الطائي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الرجل ليتكئ المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحوّل عنه ولا يمله ، يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ثابت قال : بلغنا أن الرجل يتكئ في الجنة سبعين سنة ، عنده من أزواجه وخدمه وما أعطاه الله من الكرامة والنعيم ، فإذا حانت منه نظرة ، فإذا أزواج له لم يكن يراهن من قبل ذلك فيقلن : قد آن لك أن تجعل لنا منك نصيباً .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الأرائك ، السرر في جوف الحجال . . . عليها الفرش منضود في السماء فرسخ .
وأخرج البيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لا تكون أريكة حتى يكون السرير في الحجلة ، فإن كان سرير بغير حجلة لم يكن أريكة؛ وإن كانت حجلة بغير سرير لم تكن أريكة ، فإذا اجتمعا كانت أريكة .
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن جرير ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { على الأرائك } قال : السرر عليها الحجال .
وأخرج عبد بن حميد والبيهقي عن مجاهد رضي الله عنه قال : الأرائك من لؤلؤ وياقوت .
وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في الوقف والابتداء ، عن الحسن رضي الله عنه قال : لم نكن ندري ما الأرائك حتى لقينا رجلاً من أهل اليمن ، فأخبرنا أن الأريكة عندهم الحجلة إذا كان فيها سرير .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي رجاء قال : سئل الحسن رضي الله عنه عن الأرائك فقال : هي الحجال ، أهل اليمن يقولون أريكة فلان .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ، أنه سئل عن الأرائك فقال : هي الحجال على السرر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال : الأرائك ، الحجال فيها السرر .

(6/362)


وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37)

أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله : { جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب } قال : إن الجنة هي البستان ، فكان له بستان واحد وجدار واحد ، وكان بينهما نهر ولذلك كان جنتين ، فلذلك سماه جنة من قبل الجدار الذي يليها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني قال : نهر أبي فرطس نهر الجنتين . قال ابن أبي حاتم : وهو نهر مشهور بالرملة .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً } قال : لم تنقص ، كل شجر الجنة أطعم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله : { وفجرنا خلالهما نهراً } يقول : وسطهما .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { وكان له ثمر } يقول : مال .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه قال : قرأها ابن عباس { وكان له ثمر } بالضم ، يعني أنواع المال .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { وكان له ثمر } قال : ذهب وفضة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن بشير بن عبيد ، أنه كان قرأ { وكان له ثمر } برفع الثاء ، وقال : الثمر ، المال والولدان والرقيق . والثمر : الفاكهة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي يزيد المدني ، أنه كان يقرؤها { وكان له ثمر } قال : الأصل والثمر ، الثمرة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { ودخل جنته وهو ظالم لنفسه } يقول كفور لنعمة ربه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله : { قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً } يقول : تهلك { وما أظن الساعة قائمة ولئن } كانت قائمة ثم { رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً } .

(6/363)


لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39)

أخرج ابن أبي حاتم عن أسماء بنت عميس قالت : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن عند الكرب : « الله الله ربي لا أشرك به شيئاً » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان ، عن عروة أنه كان إذا رأى من ماله شيئاً يعجبه ، أو دخل حائطاً من حيطانه قال : { ما شاء الله لا قوة إلا بالله } ويتأول قول الله : { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن زياد بن سعد قال : كان ابن شهاب إذا دخل أمواله قال : { ما شاء الله لا قوة إلا بالله } ويتأول قوله : { ولولا إذ دخلت جنتك } الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن مطرف قال : كان مالك إذا دخل بيته قال : { ما شاء الله } قلت لمالك لم تقول هذا؟ قال : ألا تسمع الله يقول : { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله } .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن حفص بن ميسرة قال : رأيت على باب وهب بن منبه مكتوباً { ما شاء الله } وذلك قول الله : { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله } .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عمر بن مرة قال : إن من أفضل الدعاء قول الرجل : { ما شاء الله } .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن إبراهيم بن أدهم قال : ما سأل رجل مسألة أنجح من أن يقول : { ما شاء الله } .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ، عن يحيى بن سليم الطائفي ، عمن ذكره قال : طلب موسى عليه السلام من ربه حاجة فأبطأت عليه فقال : { ما شاء الله } فإذا حاجته بين يديه فقال : يا رب أنا أطلب حاجتي منذ كذا وكذا أعطيتنيها الآن؟ فأوحى الله إليه يا موسى ، أما علمت أن قولك : { ما شاء الله } أنجح ما طلبت به الحوائج .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي ، عن معاذ بن جبل : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ألا أدلك على باب من أبواب الجنة؟ قال : ما هو؟ قال : لا حول ولا قوة إلا بالله » .
وأخرج ابن سعد وأحمد والترمذي وصححه والنسائي ، « عن قيس بن سعد بن عبادة أن أباه دفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخدمه قال : فخرج عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم - وقد صليت ركعتين واضطجعت ، فضربني برجله وقال : » ألا أدلك على باب من أبواب الجنة؟ قلت : بلى . قال : لا حول ولا قوة إلا بالله « » .
وأخرج أحمد ، عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر :

(6/364)


« يا أبا ذر ، ألا أعلمك كلمة من كنز الجنة؟ قال : بلى . قال : » قل لا حول ولا قوة إلا بالله « » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ، عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله » .
وأخرج ابن أبي شيبة ، عن أبي أيوب الأنصاري قال : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أكثر من قول « لا حول ولا قوة إلا بالله » فإنه كنز من كنوز الجنة .
وأخرج ابن أبي شيبة ، عن زيد بن ثابت : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : « ألا أدلكم على كنز من كنوز الجنة؟ تكثرون من لا حول ولا قوة إلا بالله » .
وأخرج ابن أبي شيبة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة » .
وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في الشعب ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل أو مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله إلا دفع الله عنه كل آفة حتى تأتيه منيته » وقرأ { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } .
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر ، عن أنس رضي الله عنه قال : من رأى شيئاً من ماله فأعجبه فقال : { ما شاء الله لا قوة إلا بالله } لم يصب ذلك المال آفة أبداً ، وقرأ { ولولا إذ دخلت جنتك } الآية . وأخرجه البيهقي في الشعب ، عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً .
وأخرج ابن مردويه ، عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أنعم الله عليه نعمة فأراد بقاءها ، فليكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله » ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } .
وأخرج أحمد ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة تحت العرش؟ قلت : نعم . قال : أن تقول : { لا قوة إلا بالله } » قال عمرو بن ميمون : قلت لأبي هريرة - رضي الله عنه - « لا حول ولا قوة إلا بالله » فقال : لا إنها في سورة الكهف { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } .
وأخرج ابن منده في الصحابة من طريق حماد بن سلمة ، عن سماك ، عن جرير قال : خرجت إلى فارس فقلت : { ما شاء الله لا قوة إلا بالله } فسمعني رجل فقال : ما هذا الكلام الذي لم أسمعه من أحد منذ سمعته من السماء؟ فقلت : ما أنت وخبر السماء؟ قال : إني كنت مع كسرى فأرسلني في بعض أموره ، فخرجت ثم قدمت ، فإذا شيطان خلفني في أهلي على صورتي ، فبدأ لي ، فقال : شارطني على أن يكون لي يوم ولك يوم ، وإلا أهلكتك ، فرضيت بذلك ، فصار جليسي يحادثني وأحادثه ، فقال لي ذات يوم : إني ممن يسترق السمع والليلة نوبتي ، قلت : فهل لك أن أختبئ معك؟ قال : نعم .

(6/365)


فتهيأ ثم أتاني فقال : خذ بمعرفتي ، وإياك أن تتركها فتهلك ، فأخذت بمعرفته فعرج بي حتى لمست السماء ، فإذا قائل يقول : « ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله » فسقطوا على وجوههم وسقطت ، فرجعت إلى أهلي فإذا أنا به يدخل بعد أيام ، فجعلت أقول : « ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله » قال : فيذوب لذلك حتى يصير مثل الذباب . ثم قال لي : قد حفظته فانقطع عنا .
وأخرج أحمد في الزهد ، عن يحيى بن سليم الطائفي ، عن شيخ له قال : الكلمة التي تزجر بها الملائكة الشياطين حتى يسترقون السمع { ما شاء الله } .
وأخرج أبو نعيم في الحلية ، عن صفوان بن سليم قال : ما نهض ملك من الأرض حتى يقول : « لا حول ولا قوة إلا بالله » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا حول ولا قوة إلا بالله دواء من تسعة وتسعين داء أيسرها الهم » .
وأخرج ابن مردويه والخطيب والديلمي من طرق ، عن ابن مسعود رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم قال : « أخبرني جبريل أن تفسير { لا حول ولا قوة إلا بالله } أنه لا حول عن معصية الله ، إلا بقوة الله ، ولا قوة على طاعة الله ، إلا بعون الله » .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنها في « لا حول ولا قوّة إلا بالله » قال : لا حول بنا على العمل بالطاعة إلا بالله ، ولا قوة لنا على ترك المعصية إلا بالله .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن زهير بن محمد أنه سئل ، عن تفسير لا حول ولا قوة إلا بالله قال : لا تأخذ ما تحب إلا بالله ، ولا يمتنع مما تكره إلا بعون الله .

(6/366)


فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45)

أخرج ابن جرير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الحسبان العذاب .
وأخرج الطستي ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله : { حسباناً من السماء } قال : ناراً . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت حسان بن ثابت وهو يقول :
بقية معشر صبت عليهم ... شآبيب من الحسبان شهب
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم ، عن الضحاك في قوله : { حسباناً من السماء } قال : ناراً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { فتصبح صعيداً زلقاً } قال : مثل الجزر .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { حسباناً من السماء } قال : عذاباً { فتصبح صعيداً زلقاً } أي قد حصد ما فيها فلم يترك فيها شيء { أو يصبح ماؤها غوراً } أي ذاهباً قد غار في الأرض { وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه } قال يصفق { على ما أنفق فيها } متلهفاً على ما فاته .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي رضي الله عنه في قوله : { صعيداً زلقاً } قال : الصعيد الأملس ، والزلق التي ليس فيها نبات { وأحيط بثمره } قال : بثمر الجنتين فأهلكت { فأصبح يقلب كفيه } يقول : ندامة عليها { وهي خاوية على عروشها } قال : قلب أسفلها أعلاها .
وأخرج ابن المنذر ، عن الضحاك في قوله : { أحيط بثمره } قال : أحاط به أمر الله فهلك .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { ولم تكن له فئة } قال : عشيرة .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { ولم تكن له فئة } قال : عشيرة .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { ولم تكن له فئة } أي جند يعينونه { من دون الله وما كان منتصراً } أي ممتنعاً .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن مبشر بن عبيد قال : { الولاية } الدين والولاية ما أتولى .
وأخرج الحاكم وصححه ، عن صهيب أن - النبي صلى الله عليه وسلم - لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها : « اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما ذرين فإنا نسألك خير هذه القرية ، وخير أهلها ، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها » .

(6/367)


الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48)

أخرج ابن أبي حاتم والخطيب ، عن سفيان الثوري قال : كان يقال إنما سمي المال ، لأنه يميل بالناس ، وإنما سميت الدنيا لأنها دنت .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عياض بن عقبة أنه مات له ابن يقال له يحيى ، فلما نزل في قبره قال له رجل : والله إن كان لسيد الجيش فاحتسبه . فقال : وما يمنعني أن أحتسبه؟ وكان أمس من زينة الدنيا ، وهو اليوم من الباقيات الصالحات .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن علي بن أبي طالب قال : { المال والبنون } حرث الدنيا ، والعمل الصالح حرث الآخرة ، وقد يجمعهما الله لأقوام .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { والباقيات الصالحات } قال سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله . والله أكبر .
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه ، عن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « » استكثروا من الباقيات الصالحات « قيل : وما هن يا رسول الله؟ قال : » التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلا بالله « » .
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وابن مردويه ، عن النعمان بن بشير : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ألا وأن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر من الباقيات الصالحات » .
وأخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الصغير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « » خذوا جنتكم « قيل : يا رسول الله أمن عدوّ قد حضر قال : لا . » بل جنتكم من النار قول : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات معقبات محسنات وهن الباقيات الصالحات « » .
وأخرج الطبراني وابن شاهين في الترغيب في الذكر وابن مردويه ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله هن الباقيات الصالحات وهن يحططن الخطايا كما تحط الشجرة ورقها وهن من كنوز الجنة » .
وأخرج ابن مردويه ، عن أنس بن مالك قال : « مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بشجرة يابسة ، فتناول عوداً من أعوادها فتناثر كل ورق عليها فقال : » والذي نفسي بيده ، إن قائلاً يقول : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لتتناثر الذنوب عن قائلها ، كما يتناثر الورق عن هذه الشجرة «

(6/368)


قال الله في كتابه : هن { الباقيات الصالحات } .
وأخرج أحمد ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر تنفض الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها » .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات ، عن سمرة بن جندب : ما من الكلام شيء أحب إلى الله من الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر هن أربع فلا تكثر علي لا يضرك بأيهن بدأت .
وأخرج ابن مردويه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن عجزتم عن الليل أن تكابدوه ، والعدوّ ، أن تجاهدوه ، فلا تعجزوا عن قول : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإنهن الباقيات الصالحات » .
وأخرج ابن مردويه ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خذوا جنتكم من النار ، قولوا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ، فإنهن المقدمات ، وإنهن المؤخرات ، وهن المنجيات ، وهن الباقيات الصالحات » .
وأخرج ابن أبي شيبة ، وابن المنذر وابن مردويه ، عن عائشة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم لأصحابه « » خذوا جنتكم « مرتين ، أو ثلاثاً ، قالوا : من عدوّ حضر؟ قال : » بل من النار . قولوا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ، فإنهن يجئن يوم القيامة مقدمات ومحسنات ومعقبات وهن الباقيات الصالحات « » .
وأخرج ابن مردويه ، عن علي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الباقيات الصالحات من قال : لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله » .
وأخرج ابن مردويه من طريق الضحاك ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن يثبطكم الليل فلم تقوموه ، وعجزتم عن النهار ، فلم تصوموه ، وبخلتم بالمال فلم تعطوه ، وجبنتم عن العدوّ فلم تقاتلوه . فأكثروا من سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، فإنهن الباقيات الصالحات » .
وأخرج الطبراني ، « عن سعد بن جنادة قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم فأسلمت وعلمني { قل هو الله أحد } و { إذا زلزلت } و { قل يا أيها الكافرون } وعلمني هؤلاء الكلمات : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر . وقال : » هن الباقيات الصالحات « » .
وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر ، عن عثمان بن عفان أنه سئل عن { الباقيات الصالحات } قال : هي لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله .

(6/369)


وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير عن ابن عمر أنه سئل عن { الباقيات الصالحات } قال : لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله ولا حول ولا قوّة إلا بالله .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن ابن عباس قال : { والباقيات الصالحات } قال : هي ذكر الله ، لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله وتبارك الله ولا حول ولا قوّة إلا بالله وأستغفر الله وصلى الله على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والصلاة والصيام والحج والصدقة والعتق والجهاد والصلة وجميع أعمال الحسنات وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد ، عن سعيد بن المسيب قال : كنا عند سعد بن أبي وقاص ، فسكت سكتة فقال : لقد قلت في سكتتي هذه خيراً مما سقى النيل والفرات . قلنا له : وما قلت؟ قال : قلت : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس { والباقيات الصالحات } قال : الكلام الطيب .
وأخرج ابن أبي شيبة ، عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الذين يذكرون من جلال الله من تسبيحه وتحميده وتكبيره وتهليله ، يتعاطفن حول العرش ، لهن دوي كدوي النحل ، يذكرن بصاحبهن ، أو لا يحب أحدكم أن لا يزال عند الرحمن شيء يذكر به » .
وأخرج ابن أبي شيبة ، عن عبدالله بن أبي أوفى قال : « أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أنه لا يستطيع أن يأخذ من القرآن شيئاً ، وسأله شيئاً يجزئ من القرآن؟ فقال له : » قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله « » .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم ، عن موسى بن طلحة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كلمات إذا قالهن العبد وضعهن ملك في جناحه ، ثم عرج بهن فلا يمر على ملأ من الملائكة إلا صلوا عليهن ، وعلى قائلهن ، حتى يوضعن بين يدي الرحمن ، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلا بالله وسبحان الله أبرئه عن السوء » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن البصري قال : رأى رجل في المنام ، أن منادياً نادى في السماء ، أيها الناس خذوا سلاح فزعكم ، فعمد الناس وأخذوا السلاح حتى إن الرجل ليجيء وما معه عصا ، فنادى مناد من السماء ليس هذا سلاح فزعكم ، فقال رجل من الأرض ما سلاح فزعنا؟ فقال : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر .
وأخرج ابن أبي شيبة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(6/370)


« لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إليّ من أتصدق بعددها دنانير » .
وأخرج ابن أبي شيبة ، عن عبد الله بن عمرو قال : لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إليّ من أن أحمل على عدتها من خيل بأرسانها .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ، عن أبي هريرة قال : من قال من قبل نفسه الحمد لله رب العالمين كتب الله له ثلاثين حسنة ، ومحا عنه ثلاثين سيئة ، ومن قال : الله أكبر ، كتب الله له بها عشرين حسنة ، ومحا عنه بها عشرين سيئة ، ومن قال : لا إله إلا الله ، كتب الله له عشرين حسنة ، ومحا عنه بها عشرين سيئة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس أنه قال : في قوله : { والباقيات الصالحات } { والحسنات يذهبن السيئات } الصلوات الخمس .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { والباقيات الصالحات } قال : كل شيء من طاعة الله فهو من الباقيات الصالحات .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن قتادة أنه سئل ، عن { الباقيات الصالحات } فقال : كل ما أريد به وجه الله .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير في قوله : { خير عند ربك ثواباً } قال : خير جزاء من جزاء المشركين .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { وخير أملاً } قال : إن لكل عامل أملاً يؤمله ، وإن المؤمن خير الناس أملاً .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { وترى الأرض بارزة } قال : لا عمران فيها ولا علامة .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { وترى الأرض بارزة } قال : ليس عليها بناء ولا شجرة .
وأخرج ابن منده في التوحيد ، عن معاذ بن جبل : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله ينادي يوم القيامة يا عبادي ، أنا الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين ، أحضروا حجتكم ويسروا جواباً ، فإنكم مسؤولون مُحَاسَبُون ، يا ملائكتي أقيموا عبادي صفوفاً على أطراف أنامل أقدامهم للحساب » .

(6/371)


وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)

أخرج البزار ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين : ديوان فيه العمل الصالح ، وديوان فيه ذنوبه ، وديوان فيه النعم من الله عليه » .
وأخرج الطبراني ، عن سعد بن جنادة قال : « لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين نزلنا قفرا من الأرض ليس فيه شيء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : » اجمعوا من وجد عوداً فليأت ، ومن وجد عظماً أو شيئاً فليأت به « قال : فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاماً . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : » أترون هذا؟ فكذلك تجتمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا ، فليتق الله رجل لا يذنب صغيرة ولا كبيرة فإنها محصاة عليه « » .
وأخرج ابن مردويه ، عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إياك ومحقرات الذنوب ، فإن لها من الله طالباً » .
وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عباس في قوله : { لا يغادر صغيرة ولا كبيرة } قال : الصغيرة التبسم ، والكبيرة الضحك .
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة ، وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في الآية قال : الصغيرة التبسم بالاستهزاء بالمؤمنين ، والكبيرة القهقهة بذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { ويقولون يا ويلتنا } الآية . قال : يشتكي القوم كما تسمعون . الإحصاء ، ولم يشتك أحد ظلماً ، فإياكم والمحقرات من الذنوب ، فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري في الآية . قال : سئلوا حتى عن التبسم ، فقيل فيم تبسمت يوم كذا وكذا؟! .

(6/372)


وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإيمان ، عن ابن عباس قال : إن من الملائكة قبيلة يقال لهم الجن ، فكان إبليس منهم ، وكان يوسوس ما بين السماء والأرض ، فعصى فسخط الله عليه ، فمسخه الله شيطاناً رجيماً .
وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس في قوله : { إلا إبليس كان من الجن } قال : كان خازن الجنان فسمي بالجن .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة ، عن الضحاك قال : اختلف ابن عباس وابن مسعود في إبليس فقال أحدهما : كان من سبط من الملائكة يقال لهم الجن .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن ابن عباس قال : إن إبليس كان من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة وكان خازناً على الجنان ، وكان له سلطان السماء الدنيا ، وكان له مجمع البحرين ، بحر الروم وفارس ، أحدهما قبل المشرق ، والآخر قبل المغرب ، وسلطان الأرض ، وكان مما سولت نفسه مع قضاء الله ، أنه يرى أن له بذلك عظمة وشرفاً على أهل السماء ، فوقع في نفسه من ذلك كبر لم يعلم ذلك أحد إلا الله ، فلما كان عند السجود لآدم حين أمره الله أن يسجد لآدم ، استخرج الله كبره عند السجود ، فلعنه إلى يوم القيامة { وكان من الجن } قال ابن عباس : إنما سمي بالجنان ، لأنه كان خازناً عليها .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { إلا إبليس كان من الجن } قال : كان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن ، وكان ابن عباس يقول : لو لم يكن من الملائكة ، لم يؤمر بالسجود ، وكان على خزانة السماء الدنيا .
وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في كتاب الأضداد وأبو الشيخ في العظمة ، عن الحسن قال : ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين ، وإنه لأصل الجن ، كما أن آدم أصل الإنس .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن الحسن قال : قاتل الله أقواماً يزعمون أن إبليس كان من ملائكة الله ، والله تعالى يقول : { كان من الجن } .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة ، عن سعيد بن جبير في قوله : { كان من الجن } قال : من خزنة الجنان .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن الأنباري في الأضداد من وجه آخر ، عن سعيد بن جبير في قوله : { كان من الجن } قال : هم حي من الملائكة لم يزالوا يصوغون حلي أهل الجنة حتى تقوم الساعة .
وأخرج البيهقي في الشعب ، عن سعيد بن جبير في قوله : { كان من الجن } قال : من الجنانين الذين يعملون في الجنة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة ، عن ابن شهاب في قوله : { إلا إبليس كان من الجن } قال : إبليس أبو الجن ، كما أن آدم أبو الإنس ، وآدم من الإنس وهو أبوهم .

(6/373)


وإبليس من الجن وهو أبوهم ، وقد تبين للناس ذلك حين قال الله : { أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني } .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال : كان إبليس رئيساً من الملائكة في سماء الدنيا .
وأخرج ابن جرير ، عن سعيد بن منصور قال : كانت الملائكة تقاتل الجن ، فسبي إبليس ، وكان صغيراً فكان مع الملائكة فتعبد معها .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن شهر بن حوشب قال : كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة ، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة ، عن قتادة في قوله : { إلا إبليس كان من الجن } قال : أجن من طاعة الله .
وأخرج أبو الشيخ ، عن سعيد بن جبير قال : لما لعن إبليس تغيرت صورته عن صورة الملائكة ، فجزع لذلك فرن رنة ، فكل رنة في الدنيا إلى يوم القيامة من رنته .
وأخرج أبو الشيخ ، عن نوف قال كان إبليس رئيس سماء الدنيا .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { ففسق عن أمر ربه } قال : في السجود لآدم .
وأخرج ابن المنذر ، عن الشعبي أنه سئل عن إبليس هل له زوجة؟ فقال : إن ذلك العرس ما سمعت به .
وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { أفتتخذونه وذريته } قال : ولد إبليس خمسة : ثبر والأعور وزلنبور ومسوط وداسم ، فمسوط صاحب الصخب ، والأعور وداسم لا أدري ما يفعلان ، والثبر صاحب المصائب ، وزلنبور الذي يفرق بين الناس ، ويبصر الرجل عيوب أهله .
وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ ، عن مجاهد في قوله : { أفتتخذونه وذريته } قال : باض إبليس خمس بيضات : زلنبور وداسم وثبر ومسوط والأعور ، فأما الأعور ، فصاحب الزنا ، وأما ثبر فصاحب المصائب ، وأما مسوط فصاحب أخبار الكذب ، يلقيها على أفواه الناس ولا يجدون لها أصلاً ، وأما داسم فهو صاحب البيوت إذا دخل بيته ولم يسلم دخل معه ، وإذا أكل أكل معه ويريه من متاع البيت ما لا يحصى موضعه ، وأما زلنبور فهو صاحب الأسواق ويضع رأسه في كل سوق بين السماء والأرض .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة في قوله : { أفتتخذونه وذريته } قال : هم أولاده يتوالدون كما يتوالد بنو آدم وهم أكثر عدداً .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن سفيان قال : باض إبليس خمس بيضات : وذريته من ذلك . قال : وبلغني أنه يجتمع على مؤمن واحد أكثر من ربيعة ومضر .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { بئس للظالمين بدلاً } قال بئسما استبدلوا بعبادة ربهم إذ أطاعوا إبليس لعنه الله تعالى .

(6/374)


مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51) وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (52)

أخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي في قوله : { ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم } قال : يقول ما أشهدت الشياطين الذين اتخذتم معي هذا { وما كنت متخذ المضلين } قال : الشياطين { عضداً } قال : ولا اتخذتهم عضداً على شيء عضدوني عليه فأعانوني .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { وما كنت متخذ المضلين عضداً } قال : أعواناً .
وأخرج ابن المنذر ، عن مجاهد في قوله : { وما كنت متخذ المضلين عضداً } قال : أعواناً .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي ، عن ابن عباس في قوله : { وجعلنا بينهم موبقاً } يقول : مهلكاً .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر ، عن مجاهد في قوله : { موبقاً } يقول : مهلكاً .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر ، عن مجاهد في قوله : { موبقاً } قال : واد في جهنم .
وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث ، عن أنس في قوله : { وجعلنا بينهم موبقاً } قال : واد في جهنم من قيح ودم .
وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي ، عن ابن عمر في قوله : { وجعلنا بينهم موبقاً } قال : هو واد عميق في النار ، فرق الله به يوم القيامة بين أهل الهدى والضلالة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن عمرو البكالي قال : الموبق الذي ذكر الله ، واد في النار بعيد القعر يفرق به يوم القيامة بين أهل الإسلام ، وبين من سواهم من الناس .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عكرمة في قوله : { موبقاً } قال : هو نهر في النار يسيل ناراً ، على حافتيه حيات أمثال البغال الدهم ، فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا بالإقتحام في النار منها .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن كعب قال : إن في النار أربعة أودية يعذب الله بها أهلها : غليظ ، وموبق ، وأثام ، وغي .

(6/375)


وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (53) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54)

أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { فظنوا أنهم مواقعوها } قال : علموا .
وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن حبان والحاكم وصححه ابن مردويه ، عن أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ينصب الكافر يوم القيامة مقدار خمسين ألف سنة كما لم يعمل في الدنيا ، وأن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة والله أعلم » .
وأخرج البخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن علي رضي الله عنه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة ليلاً فقال : « » ألا تصليان « فقلت : يا رسول الله ، إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا . وانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئاً ، ثم سمعته بضرب فخذه ويقول : { وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً } » .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن زيد في قوله : { وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً } قال : الجدل الخصومة ، خصومة القوم لآنبيائهم ، وردهم عليهم ما جاؤوا به ، وكل شيء في القرآن من ذكر الجدل ، فهو من ذلك الوجه ، فيما يخاصمونهم من دينهم ، يردون عليهم ما جاؤوا به ، والله أعلم .

(6/376)


وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (55) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59)

أخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { إلا أن تأتيهم سنة الأوّلين } قال : عقوبة الأولين .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد أنه قرأ { أو يأتيهم العذاب قبلاً } قال : قبائل .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { أو يأتيهم العذاب قبلاً } قال : فجأة .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة أنه قرأ { أو يأتيهم العذاب قبلاً } أي عياناً .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الأعمش في قوله : { قبلاً } قال : جهاراً .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي في قوله : { أو يأتيهم العذاب قبلاً } قال : مقابلهم فينظرون إليه .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { ونسي ما قدمت يداه } أي نسي ما سلف من الذنوب الكثيرة .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { بما كسبوا } يقول : بما علموا .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي في قوله : { بل لهم موعد } قال : الموعد يوم القيامة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي ، عن ابن عباس في قوله : { لن يجدوا من دونه موئلاً } قال : ملجأ .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله { لن يجدوا من دونه موئلاً } قال : مجوزاً . وفي قوله : { وجعلنا لمهلكهم موعداً } قال : أجلاً .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن العباس بن عزوان أسنده في قوله : { وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً } قال : قضى الله العقوبة حين عصي ، ثم أخرها حتى جاء أجلها ، ثم أرسلها .

(6/377)


وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)

أخرج ابن عساكر من طريق ابن سمعان ، عن مجاهد قال : كان ابن عباس يقول في هذه الآية { وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح } يقول : لا أنفك ولا أزال { حتى أبلغ مجمع البحرين } يقول : ملتقى البحرين { أو أمضي حقباً } يقول : أو أمضي سبعين خريفاً { فلما بلغا مجمع بينهما } يقول : بين البحرين { نسيا حوتهما } يقول : ذهب منهما وأخطأهما ، وكان حوتاً مليحاً معهما يحملانه فوثب من المكتل إلى الماء فكان { سبيله في البحر سرباً } فأنسى الشيطان فتى موسى أن يذكره ، وكان فتى موسى يوشع بن نون { واتخذ سبيله في البحر عجباً } يقول : موسى عجب من أثر الحوت ودوراته التي غار فيها { قال ذلك ما كنا نبغي } قول موسى : فذاك حيث أخبرت أني أجد الخضر حيث يفارقني الحوت { فارتدا على آثارهما قصصاً } يقول : اتبع موسى ويوشع أثر الحوت في البحر وهم راجعان على ساحل البحر { فوجدا عبداً من عبادنا } يقول : فوجدا خضراً { آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً } قال الله تعالى : { وفوق كل ذي علم عليم } [ يوسف : 76 ] فصحب موسى الخضر وكان من شأنهما ما قص الله في كتابه .
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس أن نوفاً البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى صاحب بني إسرائيل : قال ابن عباس : كذب عدوّ الله! . . . حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل ، فسئل : أي الناس أعلم؟ فقال : أنا . فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه ، فأوحى الله إليه : أن لي عبداً بمجمع البحرين وهو أعلم منك . قال موسى : يا رب ، كيف لي به؟ قال : تأخذ معك حوتاً تجعله في مكتل ، فحيثما فقدت الحوت فهو ثَم . فأخذ حوتاً فجعله في مكتل ، ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رأسيهما فناما ، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر { فاتخذ سبيله في البحر سرباً } وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق ، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت ، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد { قال } موسى { لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً } قال : ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به فقال له فتاه { أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجباً } قال : فكان للحوت سرباً ، ولموسى ولفتاه عجباً . فقال موسى { ذلك ما كنا نبغي فارتدّا على آثارهما قصصاً } قال سفيان : يزعم ناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة ، ولا يصيب ماؤها ميتاً إلا عاش . قال : وكان الحوت قد أكل منه ، فلما قطر عليه الماء عاش . قال : فرجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة ، فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى ، فقال الخضر : وأنى بأرضك السلام؟ قال : أنا موسى . قال : موسى بني إسرائيل؟ قال : نَعَم أتيتك لتعلمني مما علمت رشداً { قال إنك لن تستطيع معي صبراً } يا موسى ، إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلَمُهُ أنت ، وأنت على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه . فقال موسى { ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً } فقال له الخضر { فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً فانطلقا } يمشيان على ساحل البحر ، فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم ، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول ، فلما ركبا في السفينة فلم يفجأه إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم ، فقال له موسى : قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلَهَا؟ . { لقد جئت شيئاً إمْرَا } فقال : { ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً } .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كانت الأولى من موسى نسياناً ، قال : وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة ، فقال له الخضر : ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ، ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل ، إذ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر بيده فاقتلعه فقتله ، فقال له موسى : { أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً } قال : وهذه أشد من الأولى { قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض } قال : مائل ، فأخذ الخضر بيده هكذا فأقامه ، فقال موسى : قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا { لو شئت لاتخذت عليه أجراً } فقال : { هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً } .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما » .

(6/378)


قال سعيد بن جبير : وكان ابن عباس يقرأ « وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصباً » وكان يقرأ « وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين » .
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق آخر ، عن سعيد بن جبير قال : إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال : سلوني .

(6/379)


قلت : أي أبا عباس ، جعلني الله فداءك ، بالكوفة رجل قاص يقال له نوف ، يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل . قال : كذب عدوّ الله ، حدثني أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن موسى عليه السلام ذكر الناس يوماً ، حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولّى ، فأدركه رجل فقال : أي رسول الله ، هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال : لا . فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله تعالى . قيل : بلى . قال : أي رب ، فأين؟ قال : بمجمع البحرين . قال : أي رب ، اجعل لي علماً أعلم به ذلك . قال : خذ حوتاً ميتاً حيث ينفخ فيه الروح ، فأخذ حوتاً فجعله في مكتل ، فقال لفتاه : لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت . قال : ما كلفت كثيراً . قال : فبينا هو في ظل صخرة في مكان سريان أن تضرب الحوت وموسى نائم ، فقال فتاه : لا أوقظه . حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره . وتضرب الحوت حتى دخل البحر ، فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كان أثره في حجر . قال موسى { لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً } قال : قد قطع الله عنك النصب ، فرجعا فوجدا خضراً على طنفسة خضراء على كبد البحر ، مسجى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه ، فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال : هل بأرض من سلام . . . !؟ من أنت؟ قال : أنا موسى . قال : موسى بني إسرائيل؟ قال : نعم . قال : فما شأنك؟ قال : جئت لتعلمني مما علمت رشداً . قال : أما يكفيك أن التوراة بيديك ، وأن الوحي يأتيك يا موسى؟ إن لي علماً لا ينبغي أن تعلمه ، وإن لك علماً لا ينبغي لي أعلمه . فأخذ طائر بمنقاره من البحر ، فقال : والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ الطير منقاره من البحر . حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغاراً تحمل أهل الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر ، فعرفوه فقالوا : عبد الله الصالح لا نحمله بأجر ، فخرقها ووتد فيها وتداً . قال موسى { أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمْراً قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً } كانت الأولى نسياناً والوسطى والثالثة عمداً { قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله } ووجد غلماناً يلعبون فأخذ غلاماً كافراً ظريفاً فأضجعه ثم ذبحه بالسكين ، فقال : { أقتلت نفساً زكية } لم تعمل الحنث . قال ابن عباس قرأها : { زكية } زاكية مسلمة ، كقولك : غلاماً زكياً . { فانطلقا فوجدا { جداراً يريد أن ينقض فأقامه } قال : بيده هكذا ، ورفع يده فاستقام { قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً } قال : أجراً تأكله { وكان وراءهم ملك } قرأها ابن عباس » وكان أمامهم ملك « يزعمون مدد بن ندد ، والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسور { ملك يأخذ كل سفينة } صالحة { غصباً } فأردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها ، ومنهم من يقول سدوها بالقار { فكان أبواه مؤمنين } وكان كافراً { فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفراً } أي يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه { فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحماً } هما به أرحم منهما بالأول الذي قتله خضر . » وزعم غير سعيد أنهما أُبْدِلا جارية « .

(6/380)


وأخرج عبد بن حميد ومسلم وابن مردويه من وجه آخر ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وكنا عنده ، فقال القوم : إن نوفاً الشامي يزعم أن الذي ذهب يطلب العلم ليس بموسى بني إسرائيل ، فكان ابن عباس متكئاً فاستوى جالساً فقال : كذب نوف ، حدثني أبي بن كعب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول « رحمة الله علينا وعلى موسى ، لولا أنه عجل واستحيا وأخذته دمامة من صاحبه فقال له : إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني ، لرأى من صاحبه عجباً » .
قال : وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر نبياً من الأنبياء بدأ بنفسه فقال : « رحمة الله علينا وعلى صالح ، ورحمة الله علينا وعلى أخي عاد ، ثم قال : إن موسى بينا هو يخطب قومه ذات يوم ، إذ قال لهم : ما في الأرض أحد أعلم مني . فأوحى الله إليه : أن في الأرض من هو أعلم منك ، وآية ذلك أن تزوّد حوتاً مالحاً فإذا فقدته فهو حيت تفقده ، فتزوّد حوتاً مالحاً فانطلق هو وفتاه حتى إذا بلغا المكان الذي أمروا به ، فلما انتهوا إلى الصخرة انطلق موسى يطلب ، ووضع فتاه الحوت على الصخرة فاضطرب { فاتخذ سبيله في البحر سرباً } قال فتاه : إذا جاء نبي الله حدثته . فأنساه الشيطان ، فانطلقا فأصابهما ما يصيب المسافر من النصب والكلال حين جاوز ما أمر به ، فقال موسى : { لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً } قال فتاه : يا نبي الله { أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت } أن أحدثك { وما أَنْسَانِيهُ إلا الشيطان } { فاتخذ سبيله في البحر سرباً } { قال ذلك ما كنا نبغي } فرجعا { على آثارهما قصصاً } يقصان الأثر حتى انتهيا إلى الصخرة ، فأطاف فإذا هو برجل مسجى بثوب فسلم عليه ، فرفع رأسه فقال له : من أنت؟ قال : موسى . قال : من موسى؟ قال : موسى بني إسرائيل . قال : فما لك؟ قال : أخبرت أن عندك علماً فأردت أن أصحبك { قال إنك لن تستطيع معي صبراً } { قال ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً } { قال كيف تصبر على ما لم تحط به خبراً } قال : قد أمرت أن أفعله { قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكراً فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة } فخرج من كان فيها وتخلف ليخرقها ، فقال له موسى : تخرقها { لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبراً قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسراً } فانطلقا ، حتى إذا أتوا على غلمان يلعبون على ساحل البحر وفيهم غلام ليس في الغلمان أحسن ولا ألطف منه ، فأخذه فقتله فنفر موسى عند ذلك وقال { أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكراً قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً } قال : فأخذته دمامة من صاحبه واستحيا فقال { إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذراً فانطلقا حتى أتيا أهل قرية } وقد أصاب موسى جهد شديد فلم يضيفوهما { فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه } قال له موسى مما نزل به من الجهد { لو شئت لاتخذت عليه أجراً قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً } فأخذ موسى بطرف ثوبه فقال : حدثني : { أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر } { وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباً } فإذا مر عليها فرآها منخرقة تركها ورقعها أهلها بقطعة من خشب فانتفعوا بها .

(6/381)