صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور |
لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم } يقول : يحملون مع ذنوبهم ذنوب الذين يضلونهم بغير علم وذلك مثل قوله { وأثقالاً مع أثقالهم } . (6/133)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة . . . } الآية . قال : حملهم ذنوب أنفسهم وذنوب من أطاعهم ، ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم من العذاب شيئاً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن الربيع بن أنس في قوله { ليحملوا أوزارهم كاملة . . . } الآية . قال : قال النبي « أيما داعٍ دعا إلى ضلالة فاتبع ، كان عليه مثل أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء . وأيما داع إلى هدى فاتبع ، فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء » .
وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم ، أنه بلغه أنه يتمثل للكافر عمله في صورة أقبح ما خلق الله وجهاً وأنتنه ريحاً ، فيجلس إلى جنبه . كلما أفزعه شيء زاده ، وكلما تخوّف شيئاً زاده خوفاً ، فيقول : بئس الصاحب أنت ، ومن أنت؟ فيقول : وما تعرفني!؟ فيقول : لا . فيقول : أنا عملك . . . كان قبيحاً فلذلك تراني قبيحاً ، وكان منتناً فلذلك تراني منتناً . . . طأطئ إليَّ اركبك ، فطالما ركبتني في الدنيا . فيركبه . وهو قوله { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة } والله أعلم .
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (27) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله { قد مكر الذين من قبلهم } قال : هو نمرود بن كنعان حين بنى الصرح . (6/134)
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير ، عن زيد بن أسلم قال : أول جبار كان في الأرض نمرود ، فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره ، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق . وارحم الناس به من جمع يديه فضرب بهما رأسه ، وكان جباراً أربعمائة سنة فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه ، ثم أماته الله . وهو الذي كان بَنَى صرحاً إلى السماء الذي قال الله { فأتى الله بنيانهم من القواعد } .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ، عن مجاهد في قوله { قد مكر الذين من قبلهم } قال : مكر نمرود بن كنعان الذي حاج إبراهيم في ربه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله { قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد } قال : أتاها أمر الله من أصلها { فخر عليهم السقف من فوقهم } و { السقف } عالي البيوت فائتفكت بهم بيوتهم ، فأهلكهم الله ودمرهم { وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي ، عن ابن عباس في قوله { تشاقون فيهم } يقول : تخالفوني .
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله { وقيل للذين اتقوا } قال : هؤلاء المؤمنون ، يقال لهم { ماذا أنزل ربكم } فيقولون { خيراً للذين أحسنوا } أي آمنوا بالله وكتبه وأمروا بطاعته ، وحثوا عباد الله على الخير ودعوهم إليه . (6/135)
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين } قال : أحياء وأمواتاً ، قدر الله ذلك لهم . (6/136)
وأخرج ابن مالك وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة ، وأبو القاسم بن منده في كتاب الأحوال ، والبيهقي في شعب الإِيمان ، عن محمد بن كعب القرظي قال : إذا استفاقت نفس العبد المؤمن ، جاءه الملك فقال : السلام عليك يا ولي الله ، الله يقرأ عليك السلام . ثم نزع بهذه الآية { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم } .
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (34) وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة } قال : بالموت . وقال في آية أخرى { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة } [ الأنفال : 50 ] . وهو ملك الموت ، وله رسل { أو يأتي أمر ربك } وذاك يوم القيامة . (6/137)
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة } يقول : عند الموت ، حين تتوفاهم { أو يأتي أمر ربك } قال : ذلك يوم القيامة .
إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37)
أخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن مسعود ، أنه قرأ { فإن الله لا يهدي } بفتح الياء { من يضل } بضم الياء . (6/138)
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن الأعمش قال : قال لي الشعبي : يا سليمان ، كيف تقرأ هذا الحرف؟ قلت { لا يهدي من يضل } فقال : كذلك سمعت علقمة أنه كان يقرأ { لا يهدي من يضل } .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر ، عن علقمة أنه كان يقرأ { لا يهدي من يضل } .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن إبراهيم ، أنه قرأ { لا يهدي من يضل } .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد أنه كان يقرأ هذا الحرف { فإن الله لا يهدي من يضل } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { فإن الله لا يهدي من يضل } قال : من يضله الله لا يهديه أحد .
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (39)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن أبي العالية قال : كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه ، فكان فيما تكلم به والذي أرجوه بعد الموت ، أنه لكذا وكذا . فقال له المشرك : إنك لتزعم أنك تبعث من بعد الموت . . . فأقسم بالله جهد يمينه : لا يبعث الله من يموت . فأنزل الله : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت . . . } الآية . (6/139)
وأخرج ابن مردويه عن علي في قوله : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت } قال : نزلت في .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن أبي هريرة قال : « قال الله : سبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يسبني ، وكذبني ولم يكن ينبغي له أن يكذبني . فأما تكذيبه إياي فقال : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت } وقلت : { بلى وعداً عليه حقاً } وأما سبه إياي فقال : { إن الله ثالث ثلاثة } وقلت { هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد } [ الصمد ] » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { ليبين لهم الذي يختلفون فيه } قال : للناس عامة ، والله أعلم .
إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42)
أخرج أحمد والترمذي وحسنه ، وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان - واللفظ له - عن أبي ذر ، عن رسول الله قال : « يقول الله : يا ابن آدم ، كلكم مذنب إلا من عافيت . . فاستغفروني أغفر لكم . وكلكم فقراء إلا من أغنيت ، فسلوني أُعْطِكُم . وكلكم ضال إلا من هديت ، فسلوني الهدى أهدكم . ومن استغفرني وهو يعلم أني ذو قدرة على أن أغفر له ، غفرت له ولا أبالي . ولو أن أوّلكم وآخركم وحيّكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على قلب أشقى واحد منكم ، ما نقص ذلك من سلطاني مثل جناح بعوضة . ولو أن أوّلكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على قلب أتقى واحد منكم ، ما زادوا في سلطاني مثل جناح بعوضة . ولو أن أوّلكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم سألوني حتى تنتهي مسألة كل واحد منكم ، فأعطيتهم ما سألوني ما نقص ذلك مما عندي كغرز إبرة غمسها أحدكم في البحر ، وذلك أني جواد ماجد واجد عطائي كلام ، وعذابي كلام ، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له { كن فيكون } » . (6/140)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن ابن عباس في قوله : { والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا } قال : إنهم قوم من أهل مكة ، هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ظلمهم ، ظَلَمَهُمُ المشركون .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم ، عن داود بن أبي هند قال : نزلت { والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا . . . . } إلى قوله : { وعلى ربهم يتوكلون } في أبي جندل بن سهيل .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا } قال : هؤلاء أصحاب محمد ، ظلمهم أهل مكة فأخرجوهم من ديارهم ، حتى لحق طوائف منهم بأرض الحبشة ، ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة ، وجعل لهم أنصاراً من المؤمنين { ولأجر الآخرة أكبر } قال : أي والله لما يثيبهم عليه من جنته ونعمته { أكبر لو كانوا يعلمون } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الشعبي في قوله : { لنبوّئنهم في الدنيا حسنة } قال : المدينة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { لنبوّئنهم في الدنيا حسنة } قال : لنرزقنهم في الدنيا رزقاً حسناً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبان بن تغلب قال : كان الربيع بن خثيم يقرأ هذا الحرف في النحل { والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة } ويقرأ في العنكبوت ( لَنَثْويَنَّهُمْ من الجنة غرفا ) [ العنكبوت : 58 ] ويقول : التَّنَبُّؤ في الدنيا والثواء في الآخرة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن عمر بن الخطاب : أنه كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاء يقول : خذ . . . بارك الله لك ، هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ادّخر لك في الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون .
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس قال : لما بعث الله محمداً رسولاً أنكرت العرب ذلك ، ومن أنكر منهم قالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد . فأنزل الله : { أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم } [ يونس : 2 ] وقال : { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } يعني فاسألوا أهل الذكر والكتب الماضية : أبشرا كانت الرسل الذين أتتهم أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أتتكم ، وإن كانوا بشراً فلا تنكروا أن يكون رسولاً . ثم قال : { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحى إليهم من أهل القرى } [ يوسف : 109 ] أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم . (6/141)
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً } قال : قالت العرب { لولا أنزل علينا الملائكة } [ المائدة : 73 ] قال الله : ما أرسلت الرسل إلا بشراً { فاسألوا } يا معشر العرب { أهل الذكر } وهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، الذين جاءتهم قبلكم { إن كنتم لا تعلمون } أن الرسل الذين كانوا من قبل محمد كانوا بشراً مثله ، فإنهم سيخبرونكم أنهم كانوا بشراً مثله .
وأخر الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن ابن عباس { فاسألوا أهل الذكر } يعني مشركي قريش ، أن محمداً رسول الله في التوراة والإنجيل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله : { فاسألوا أهل الذكر } قال : نزلت في عبد الله بن سلام ونفر من أهل التوراة ، وكانوا أهل كتب يقول : فاسألوهم { إن كنتم لا تعلمون } أن الرجل ليصلي ويصوم ويحج ويعتمر ، وأنه لمنافق . قيل : يا رسول الله ، بماذا دخل عليه النفاق؟ قال : يطعن على إمامه ، وإمامه من قال الله في كتابه : { فاسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون } .
وأخرج ابن مردويه عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا ينبغي للعالم أن يسكت عن علمه ، ولا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله . وقد قال الله { فاسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون } فينبغي للمؤمن أن يعرف عمله على هدى أم على خلافه » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { بالبينات } قال : الآيات { والزبر } قال : الكتب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي عن أصحابه في قوله : { بالبينات والزبر } قال : { البينات } الحلال والحرام الذي كانت تجيء به الأنبياء { والزبر } كتب الأنبياء { وأنزلنا إليك الذكر } قال : هو القرآن .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله : { لتبين للناس ما نزل إليهم } قال : ما أحل لهم وما حرم عليهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { لتبين للناس ما نزل إليهم } قال : أرسله الله إليهم ليتخذ بذلك الحجة عليهم .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله : { ولعلهم يتفكرون } قال : يطيعون . (6/142)
وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً أخبرنا بما يكون إلى قيام الساعة ، عقله منا من عقله ونسيه من نسيه .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ، عن مجاهد في قوله : { أفأمن الذين مكروا السيئات } قال : هو نمرود بن كنعان وقومه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { أفأمن الذين مكروا السيئات } أي الشرك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله : { أفأمن الذين مكروا السيئات } قال : تكذيبهم الرسل وأعمالهم بالمعاصي .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { أو يأخذهم في تقلبهم } قال : في اختلافهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { أو يأخذهم في تقلبهم } قال : إن شئت أخذته في سفره . وفي قوله : { أو يأخذهم على تخوف } يقول : إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه . وتخوف بذلك .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { أو يأخذهم في تقلبهم } قال : في أسفارهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن الضحاك في قوله : { أو يأخذهم في تقلبهم } يعني على أي حال كانوا بالليل والنهار { أو يأخذهم على تخوف } يعني أن يأخذ بعضاً بالعذاب ويترك بعضاً ، وذلك أنه كان يعذب القرية فيهلكها ويترك الأخرى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { أو يأخذهم على تخوف } قال : ينقص من أعمالهم .
وأخرج ابن جرير من طريق عطاء الخراساني ، عن ابن عباس في قوله : { أو يأخذهم على تخوف } قالوا : ما نرى إلا أنه عند تنقص ما نردده من الآيات ، فقال عمر : ما أرى إلا أنه على ما تنتقصون من معاصي الله . فخرج رجل ممن كان عند عمر فلقي أعرابياً فقال : يا فلان ، ما فعل ربك . فقال : قد تخيفته . يعني تنقصته . فرجع إلى عمر فأخبره فقال : قدر الله ذلك .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ، عن مجاهد في قوله : { أو يأخذهم على تخوف } قال : يأخذهم بنقص بعضهم بعضاً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن زيد في قوله : { أو يأخذهم على تخوف } قال : كان يقال : التخوف ، هو التنقص . . . تنقصهم من البلد والأطراف .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤُا ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله } قال : ظل كل شيء فيه ، وظل كل شيء سجوده . { فاليمين } أول النهار { والشمائل } آخر النهار .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن الضحاك في قوله : { أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤُا ظلاله } قال : إذا فَاءَ الْفَيءُ توجه كل شيء ساجداً لله قِبَلَ القبلة من بيت أو شجر . قال : فكانوا يستحبون الصلاة عند ذلك . (6/143)
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة ، عن الضحاك في الآية قال : إذا فاء الفيء ، لم يبق شيء من دابة ولا طائر إلا خر لله ساجداً .
وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن المنذر وأبو الشيخ ، عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أربع قبل الظهر بعد الزوال تحسب بمثلين من صلاة السحر » . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « وليس من شيء إلا وهو يسبح الله تلك الساعة » ثم قرأ { يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله . . . } الآية كلها .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعد بن إبراهيم قال : صلوا صلاة الآصال حتى يفيء الفيء قبل النداء بالظهر ، من صلاها فكأنما تهجد بالليل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال : فيء كل شيء ظله ، وسجود كل شيء فيه سجود الخيال فيها .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال : إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية في قوله : { يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل } قال : الغدو والآصال ، إذا فاء ظل كل شيء . أما الظل بالغداة فعن اليمين ، وأما بالعشي فعن الشمائل . إذا كان بالغداة سجدت لله ، وإذا كان بالعشي سجدت له .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي غالب الشيباني قال : أمواج البحر صلاته .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { داخرون } قال : صاغرون .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر ، عن قتادة في قوله { وهم داخرون } قال : صاغرون .
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50) وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (55) وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة } قال : لم يدع شيئاً من خلقه إلا عبده له طائعاً أو كارهاً . (6/144)
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : يسجد من في السموات طوعاً ، ومن في الأرض طوعاً وكرهاً .
وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس في قوله : { يخافون ربهم من فوقهم } قال : مخافة الإجلال .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه ، عن أبي هريرة قال : « مر النبي صلى الله عليه وسلم بسعد وهو يدعو بأصبعيه فقال له : يا سعد ، أحد أحد » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال : كانوا إذا رأوا إنساناً يدعو بأصبعيه ، ضربوا إحداهما وقالوا : { إنما هو إله واحد } .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت : إن الله يحب أن يدعى هكذا ، وأشارت بأصبع واحدة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال : هو الإخلاص ، يعني الدعاء بالاصبع .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال : الدعاء هكذا - وأشار بأصبع واحدة - مقمعة الشيطان .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال : الإخلاص هكذا . وأشار بأصبعيه والدعاء هكذا يعني ببطون كفيه . وللاستخارة هكذا ، ورفع يديه وولى ظهرهما وجهه .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { وله الدين واصباً } قال : { الدين } الإخلاص { واصباً } دائماً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صالح في قوله : { وله الدين واصباً } قال : لا إله إلا الله .
واخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { وله الدين واصباً } قال : دائماً .
وأخرج الفريابي وابن جرير عن ابن عباس في قوله : { وله الدين واصباً } قال : واجباً .
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء ، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله : { وله الدين واصباً } ما الواصب؟ قال : الدائم . قال فيه أمية بن أبي الصلت :
وله الدين واصباً وله ... الملك وحمد له على كل حال
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن الحسن في الآية قال : إن هذا الدين دين واصب . . . شغل الناس وحال بينهم وبين كثير من شهواتهم ، فما يستطيعه من إلا من عرف فضله ورجا عاقبته .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { فإليه تجأرون } قال : تتضرعون دعاء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { فإليه تجأرون } يقول : تضجون بالدعاء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { ثم إذا كشف الضر عنكم . . . } الآية ، قال : الخلق كلهم يُقِرُّونَ لله أنه ربهم ثم يشركون بعد ذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله : { فتمتعوا فسوف تعلمون } قال : هو وعيد . (6/145)
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله : { ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم } قال : يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم ، ثم يجعلون لما يعلمون أنه يضرهم ولا ينفعهم نصيباً مما رزقناهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً } قال : هم مشركو العرب جعلوا لأوثانهم وشياطينهم نصيباً مما رزقهم الله ، وجزأوا من أموالهم جزءاً فجعلوه لأوثانهم وشياطينهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { ويجعلون لما لا يعلمون نصيباً مما رزقناهم } هو قولهم هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا .
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن ابن عباس في قوله : { ويجعلون لله البنات . . . } الآيات . يقول : يجعلون له البنات ، يرضونهن له ولا يرضونهن لأنفسهم . وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا ولد للرجل منهم جارية أمسكها على هون أو دسّها في التراب وهي حية . (6/146)
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن الضحاك في قوله : { ولهم ما يشتهون } قال : يعني به البنين .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم } قال : هذا صنيع مشركي العرب ، أخبرهم الله بخبث صنيعهم . فأما المؤمن ، فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله له ، وقضاء الله خير من قضاء المرء لنفسه . ولعمري ما ندري أنه لخير لرب جارية خير لأهلها من غلام ، وإنما أخبركم الله بصنيعهم لتجتنبوه وتنتهوا عنه ، فكان أحدهم يغذو كلبه ويئد ابنته .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : كانت العرب يقتلون ما ولد لهم من جارية فيدسونها في التراب وهي حية حتى تموت .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { على هون } أي هوان بلغة قريش .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن ابن جريج في قوله : { أم يدسه في التراب } قال : يئد ابنته .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { ألا ساء ما يحكمون } قال : بئس ما حكموا . يقول : شيء لا يرضونه لأنفسهم ، فكيف يرضونه لي . . . . ؟
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { ولله المثل الأعلى } قال : شهادة أن لا إله إلا الله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات ، عن ابن عباس في قوله : { ولله المثل الأعلى } قال : يقول ليس كمثله شيء .
وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67)
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله : { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة } قال : ما سقاهم المطر . (6/147)
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية يقول : إذا قحط المطر لم يبق في الأرض دابة إلا ماتت .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ، عن قتادة في قوله : { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة } قال : قد فعل الله ذلك في زمان نوح ، أهلك الله ما على ظهر الأرض من دابة إلا ما حملت سفينة نوح .
وأخرج أحمد في الزهد عن ابن مسعود قال : ذنوب ابن آدم قتلت الجعل في جحره ، ثم قال : أي والله . . . ومن غرق قوم نوح عليه السلام .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب ، عن ابن مسعود قال : كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم ، ثم قرأ { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة } .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات ، عن أنس بن مالك قال : كاد الضب أن يموت في جحره هولاً من ظلم ابن آدم .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير والبيهقي في الشعب ، عن أبي هريرة أنه سمع رجلاً يقول : إن الظالم لا يضر إلا نفسه . فقال أبو هريرة : بلى . والله ، إن الحبارى لتموت هزلاً وكرهاً من ظلم الظالم .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو أن الله يؤاخذني وعيسى ابن مريم بذنونبا ، » وفي لفظ : « بما جنت هاتان - الإبهام والتي تليها - لعذبنا ما يظلمنا شيئاً » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله : { ويجعلون لله ما يكرهون } قال : يقول : تجعلون لي البنات وتكرهون ذلك لأنفسكم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { ويجعلون لله ما يكرهون } قال : وهن الجواري .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى } قال : قول كفار قريش لنا البنون ولله البنات .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { وتصف ألسنتهم الكذب } أي يتكلمون بأن { لهم الحسنى } الغلمان .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ، عن مجاهد في قوله : { وأنهم مفرطون } قال : مسيئون .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير في قوله : { وأنهم مفرطون } قال : متروكون في النار ينسون فيها أبداً .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر ، عن قتادة في قوله : { وأنهم مفرطون } قال : قد فرطوا في النار أي معجلين . (6/148)
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله : { وأنهم مفرطون } قال : معجل بهم إلى النار .
وأخرج ابن مردويه ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي كبشة ، عن أبيه ، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما شرب أحد لبناً فيشرق؛ إن الله يقول { لبناً خالصاً سائغاً للشاربين } » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي حاتم ، عن ابن سيرين . إن ابن عباس لبناً فقال له مطرف : ألا تمضمضت؟ فقال : ما أباليه بالة ، اسمح يسمح لك . فقال قائل : إنه يخرج من بين فرث ودم . فقال ابن عباس : قد قال الله { لبناً خالصاً سائغاً للشاربين } .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وابن مردويه والحاكم وصححه ، عن ابن عباس أنه سئل عن قوله : { تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً } قال : السكر ما حرم من ثمرتها ، والرزق الحسن ما حل من ثمرتها .
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن ابن عباس في الآية قال : السكر الحرام منه ، والرزق الحسن زبيبه وخله وعنبه ومنافعه .
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في الآية قال : السكر النبيذ ، والرزق الحسن ، فنسختها هذه الآية { إنما الخمر والميسر } [ المائدة : 90 ] .
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير ، عن أبي رزين في الآية قال : نزل هذا وهم يشربون الخمر قبل أن ينزل تحريمها .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في الآية قال : السكر الخل ، والنبيذ وما أشبهه . والرزق الحسن : الثمر والزبيب وما أشبهه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي ، عن ابن عباس في قوله : { تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً } قال : فحرم الله بعد ذلك السكر ، مع تحريم الخمر ، لأنه منه ، ثم قال : { ورزقاً حسناً } فهو الحلال من الخل والزبيب والنبيذ وأشباه ذلك ، فأقره الله وجعله حلالاً للمسلمين .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه ، عن ابن عباس في قوله : { تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً } قال : إن الناس يسمون الخمر سكراً ، وكانوا يشربونها ، ثم سماها الله بعد ذلك الخمر حين حرمت ، وكان ابن عباس يزعم أن الحبشة يسمون الخل السكر . وقوله { ورزقاً حسناً } يعني بذلك الحلال التمر والزبيب ، وكان حلالاً لا يسكر .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ، عن ابن مسعود قال : السكر خمر .
وأخرج ابن أبي شيبة ، عن سعيد بن جبير والحسن والشعبي وإبراهيم وأبي رزين مثله .
وأخرج عبد الرزاق وابن الأنباري في المصاحف والنحاس ، عن قتادة في قوله : { تتخذون منه سكراً } قال : خمور الأعاجم ، ونسخت في سورة المائدة .
وأخرج النسائي عن سعيد بن جبير قال : السكر الحرام ، والرزق الحسن الحلال .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله : { تتخذون منه سكراً } قال : ذكر الله نعمته عليهم في الخمر قبل أن يحرمها عليهم .
وأخرج ابن الأنباري والبيهقي ، عن إبراهيم والشعبي في قوله : { تتخذون منه سكراً } قالا : هي منسوخة .
وأخرج الخطيب ، عن أبي هريرة قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : « لكم في العنب أشياء تأكلونه عنباً ، وتشربونه عصيراً ما لم ييبس ، وتتخذون منه زبيباً ورباً والله أعلم » .
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70)
أخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { وأوحى ربك إلى النحل } قال : ألهمها . (6/149)
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الحسن قال : النحل دابة أصغر من الجندب ، ووحيه إليها قذف في قلوبها .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن مجاهد في قوله : { وأوحى ربك إلى النحل } قال : ألهمها إلهاماً ، ولم يرسل إليها رسولاً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي ، عن ابن عباس في قوله : { وأوحى ربك إلى النحل } قال : أمرها أن تأكل من كل الثمرات ، وأمرها أن تتبع سبل ربها ذللاً .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { فاسلكي سبل ربك ذللاً } قال : طرقاً لا يتوعر عليها مكان سلكته .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر ، عن قتادة في قوله : { فاسلكي سبل ربك ذللاً } قال : مطيعة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن زيد في الآية قال : الذلول الذي يقاد ويذهب به حيث أراد صاحبه . قال : فهم يخرجون بالنحل وينتجعون بها . ويذهبون وهي تتبعهم . وقرأ { أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لهم مالكون وذللناها لهم } [ يس : 71-72 ] الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي رضي الله عنه في قوله : { فاسلكي سبل ربك ذللاً } قال : ذليلة لذلك . وفي قوله : { يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه } قال : هذا العسل { فيه شفاء للناس } يقول : فيه شفاء الأوجاع التي شفاؤها فيه .
وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس } يعني العسل .
وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس } قال : هو العسل فيه الشفاء ، وفي القرآن .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير ، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : إن العسل فيه شفاء من كل داء ، والقرآن شفاء لما في الصدور .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه ، عن ابن مسعود قال : عليكم بالشفاءين : العسل والقرآن .
وأخرج ابن ماجه وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان ، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « عليكم بالشفاءين العسل والقرآن » .
وأخرج البخاري ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الشفاء في ثلاثة : في شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو كية بنار ، وأنا أنهي أمتي عن الكي » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
« أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن أخي استطلق بطنه ، فقال : » اسقه عسلاً « فسقاه عسلاً ، ثم جاء فقال : ما زاده إلا استطلاقاً : قال : » اذهب فاسقه عسلاً « فسقاه عسلاً ، ثم جاء فقال : ما زاده إلا استطلاقاً! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » صدق الله وكذب بطن أخيك ، اذهب فاسقه عسلاً « فذهب فسقاه فبرأ » . (6/150)
وأخرج ابن ماجه وابن السني والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من لعق العسل ثلاث غدوات كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء » .
وأخرج البيهقي في الشعب ، عن عامر بن مالك قال : بعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم من وعك كان بي ألتمس منه دواء أو شفاء ، فبعث إليّ بعَكَّة من عسل .
وأخرج حميد بن زنجويه ، عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان لا يشكو قرحة ولا شيئاً إلا جعل عليه عسلاً حتى الدُّمَّلَ إذا كان به طلاه عسلاً ، فقلنا له : تداوي الدُمَّلَّ بالعسل؟ فقال أليس يقول الله : { فيه شفاء للناس } .
وأخرج أحمد والنسائي ، عن معاوية بن خديج قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن كان في شيء شفاء ففي شرطة من محجم أو شربة من عسل أو كية بنار تصيب ألماً ، وما أحب أن أكتوى » .
وأخرج ابن أبي شيبة ، عن حشرم المجمري : أن ملاعب الأسنة عامر بن مالك بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله الدواء والشفاء من داء نزل به؟ فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم بعسل أو بعكة من عسل .
وأخرج ابن أبي شيبة ، عن عبد الله بن عمر وقال : مثل المؤمن كمثل النحلة تأكل طيبا وتضع طيباً .
وأخرج ابن أبي شيبة ، عن الزهري قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النمل والنحل .
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مثل بلالٍ كمثل النحلة ، غدت تأكل من الحلو والمر ، ثم هو حلو كله » .
وأخرج الحاكم وصححه ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله لا يحب الفاحش ولا المتفحش وسوء الجوار وقطيعة الرحم ، ثم قال : إنما مثل المؤمن كمثل النحلة رتعت فأكلت طيباً ثم سقطت فلم تؤذ ولم تكسر » .
وأخرج الطبراني عن سهل بن سعد الساعدي : أن النبي صلى الله عليه وسلم : نهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصرد والضفدع .
وأخرج الخطيب في تاريخه ، عن أبي هريرة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب : النملة والنحلة والهدهد والصرد .
وأخرج أبو يعلى عن أنس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « عمر الذباب أربعون يوماً ، والذباب كله في النار ، إلا النحل » . (6/151)
وأخرج عبد الرزاق في المصنف من طريق مجاهد ، عن عبيد بن عمير أو ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « كل الذباب في النار إلا النحل » وكان ينهى عن قتلها .
وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الذباب كلها في النار إلا النحل » .
وأخرج ابن جرير ، عن علي رضي الله عنه في قوله : { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } قال : خمس وسبعون سنة .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي في قوله : { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } الآية . أرذل العمر هو الخوف .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن عكرمة قال : من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر ، ثم قرأ { لكي لا يعلم بعد علم شيئاً } .
وأخرج ابن أبي شيبة ، عن طاوس قال : إن العالم لا يخرف .
وأخرج ابن أبي شيبة ، عن عبد الملك بن عمير قال : كان يقال أن أبقى الناس عقولاً قراء القرآن .
وأخرج البخاري وابن مردويه ، عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو ، « أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا وفتنة الممات » .
وأخرج ابن مردويه ، عن ابن مسعود قال : كان دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم « أعوذ بالله من دعاء لا يسمع ومن قلب لا يخشع ومن علم لا ينفع ومن نفس لا تشبع ، اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع . ومن الخيانة فإنها بئست البطانة . وأعوذ بك من الكسل والهرم والبخل والجبن ، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر ، وأعوذ بك من فتنة الدجال وعذاب القبر » .
وأخرج ابن مردويه ، عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه كان يدعو « اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر ، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر » .
وأخرج ابن مردويه ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « المولود حتى يبلغ الحنث ما يعمل من حسنة أثبت لوالده أو لوالديه ، وإن عمل سيئة لم تكتب عليه ولا على والديه ، فإذا بلغ الحنث وجرى عليه القلم أمر الملكان اللذان معه فحفظاه وسددا ، فإذا بلغ أربعين سنة في الإسلام ، آمنه الله من البلايا الثلاثة : من الجنون والجذام والبرص ، فإذا بلغ الخمسين ضاعف الله حسناته ، فإذا بلغ ستين رزقه الله الانابة إليه فيما يحب ، فإذا بلغ سبعين أحبه أهل السماء ، فإذا بلغ تسعين سنة غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر وشفعه في أهل بيته وكان اسمه عنده أسير الله في أرضه ، فإذا بلغ إلى أرذل العمر { لكي لا يعلم بعد علم شيئاً } كتب الله له مثل ما كان يعمل في صحته من الخير ، وإن عمل سيئة لم تكتب عليه » .
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { والله فضل بعضكم على بعض في الرزق } الآية . يقول : لم يكونوا يشركون عبيدهم في أموالهم ونسائهم ، وكيف تشركون عبيدي معي في سلطاني؟ . (6/152)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في الآية قال : هذا مثل الآلهة الباطل مع الله .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { والله فضل بعضكم على بعض في الرزق } الآية . قال : هذا مثل ضربه الله ، فهل منكم من أحد يشارك مملوكه في زوجته وفي فراشه؟! أفتعدلون بالله خلقه وعباده؟ فإن لم ترض لنفسك هذا ، فالله أحق أن تبرئه من ذلك ، ولا تعدل بالله أحداً من عباده وخلقه .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عطاء الخراساني في الآية . قال : هذا مثل ضربه الله في شأن الآلهة ، فقال كيف تعدلون بي عبادي ، ولا تعدلون عبيدكم بأنفسكم ، وتردون ما فضلتم به عليهم فتكونون أنتم وهم في الرزق سواء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال : كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري ، اقنع برزقك في الدنيا ، فإن الرحمن فضل بعض عباده على بعض في الرزق ، بلاء يبتلى به كلا ، فيبتلي به من بسط له ، كيف شكره فيه ، وشكره لله أداؤه الحق الذي افترض عليه مما رزقه وخوله .
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً } قال : خلق آدم ثم خلق زوجته منه . (6/153)
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور والبخاري في تاريخه وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه ، عن ابن مسعود في قوله : { بنين وحفدة } قال الحفدة الأختان .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس قال : الحفدة الأصهار .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس قال : الحفدة الولد وولد الولد .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس قال : الحفدة بنو البنين .
وأخرج الطستي ، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل : { وحفدة } قال : ولد الولد وهم الأعوان قال : وهل تعرف العرب ذلك قال : نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول :
حفد الولائد حولهن وأسلمت ... بأكفهن أزمة الاجمال
وأخرج ابن جرير ، عن أبي حمزة قال : سئل ابن عباس عن قوله : { بنين وحفدة } قال : من أعانك فقد حفدك ، أما سمعت قول الشاعر :
حفد الولائد حولهن وأسلمت ... بأكفهن أزمة الاجمال
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس قال : الحفدة بنو امرأة الرجل ليسوا منه .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن أبي مالك قال : الحفدة الأعوان .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن عكرمة قال : الحفدة الخدم .
وأخرج ابن جرير ، عن الحسن قال : الحفدة البنون وبنو البنين ، ومن أعانك من أهل أو خادم فقد حفدك .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { أفبالباطل يؤمنون } قال : الشرك .
وأخرج ابن المنذر ، عن ابن جريج في قوله : { أفبالباطل يؤمنون } قال : الشيطان { وبنعمة الله } قال : محمد .
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (74) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَم لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض } قال : هذه الأوثان التي تعبد من دون الله ، لا تملك لمن يعبدها رزقاً ولا ضراً ولا نفعاً ولا حياة ولا نشوراً { فلا تضربوا لله الأمثال } فإنه أحد صمد { لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد } [ الإخلاص : 3 ] . (6/154)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { فلا تضربوا لله الأمثال } يعني اتخاذهم الأصنام . يقول : لا تجعلوا معي إلهاً غيري ، فإنه لا إله غيري .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء } يعني الكافر ، إنه لا يستطيع أن ينفق نفقة في سبيل الله { ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً } يعني المؤمن وهو المثل في النفقة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً } قال : هذا مثل ضربه الله للكافر رزقه الله مالاً فلم يقدم فيه خيراً ولم يعمل فيه بطاعة الله . { ومن رزقناه منا رزقاً حسناً } قال : هو المؤمن أعطاه الله مالاً رزقاً حلالاً ، فعمل فيه بطاعة الله ، وأخذه بشكر ومعرفة حق الله ، فأثابه الله على ما رزقه الرزق المقيم الدائم لأهله في الجنة . قال الله : { هل يستويان مثلاً } قال : لا والله لا يستويان .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقاً حسناً } و { رجلين أحدهما أبكم } { ومن يأمر بالعدل } قال : كل هذا مثل إله الحق ، وما يدعون من دونه الباطل .
وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج ، عن ابن عباس في قوله : { ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء } قال : يعني بذلك الآلهة التي لا تملك ضراً ولا نفعاً ، ولا تقدر على شيء . ينفعها ومن رزقناه منا رزقاً حسناً فهو ينفق منه سراً وجهراً قال علانية المؤمن الذي ينفق سراً وجهراً لله .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الحسن في قوله : { ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء } قال الصنم .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الربيع بن أنس قال : إن الله ضرب الأمثال على حسب الأعمال ، فليس عمل صالح ، إلا له المثل الصالح ، وليس عمل سوء ، إلا له مثل سوء ، وقال : إن مثل العالم المتفهم ، كطريق بين شجر وجبل ، فهو مستقيم لا يعوّجه شيء ، فذلك مثل العبد المؤمن الذي قرأ القرآن وعمل به .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر . عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية { ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء } في رجل من قريش وعبده ، في هشام بن عمر ، وهو الذي ينفق ماله سراً وجهراً ، وفي عبده أبي الجوزاء الذي كان ينهاه . (6/155)
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس قال : ليس للعبد طلاق إلا بإذن سيده . وقرأ { عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء } .
وأخرج البيهقي في سننه . عن ابن عباس أنه سئل عن المملوك يتصدق بشيء؟ قال : { ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء } لا يتصدق بشيء .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { ضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم } إلى آخر الآية . يعني بالأبكم الذي { هو كل على مولاه } الكافر . وبقوله : { ومن يأمر بالعدل } المؤمن . وهذا المثل في الأعمال .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر ، عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية { وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم } في رجلين أحدهما عثمان بن عفان ، ومولى له كافر ، وهو أسيد بن أبي العيص ، كان يكره الإسلام ، وكان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤنة ، وكان الآخر ينهاه عن الصدقة والمعروف ، فنزلت فيهما .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والبخاري في تاريخه وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة ، عن ابن عباس في قوله : { ومن يأمر بالعدل } قال : عثمان بن عفان .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي في الآية قال : هذا مثل ضربه الله للآلهة أيضا . أما الأبكم فالصنم ، فإنه أبكم لا ينطق { وهو كل على مولاه } ينفقون عليه وعلى من يأتيه ، ولا ينفق عليهم ولا يرزقهم { هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل } وهو الله .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر ، عن قتادة في قوله : { أحدهما أبكم } قال : هو الوثن { هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل } قال : الله .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر ، عن ابن عباس في قوله : { كل } قال : الكل العيال . كانوا إذا ارتحلوا حملوه على بعير ذلول ، وجعلوا معه نفراً يمسكونه خشية أن يسقط ، فهو عناء وعذاب وعيال عليهم { هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم } يعني نفسه .
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود أنه قرأ خبر .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { وما أمر الساعة إلا كلمح البصر } هو أن يقول : كن أو أقرب ، فالساعة { كلمح البصر أو أقرب } .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي في قوله : { كلمح البصر } يقول : كلمح ببصر العين من السرعة . أو { أقرب } من ذلك إذا أردنا .
وأخرج ابن المنذر ، عن ابن جريج في قوله : { وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب } قال : هو أقرب ، وكل شيء في القرآن أو ، فهو هكذا ( مائة ألف أو يزيدون ) والله أعلم .
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)
أخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي في قوله : { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم } قال : من الرحم . (6/156)
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون } قال : كرامة أكرمكم الله بها ، فاشكروا نعمه .
وأخرج أحمد وابن ماجه وابن حبان والطبراني وابن مردويه ، عن حبة وسواء ابنَيْ خالد أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم : وهو يعالج بناء ، فقال لهما : هلم ، فعالجا معه ، فعالجا فلما فرغ ، أمر لهما بشيء وقال لهما : « لا تَيْأَسا من الرزق ما تهزهزت رؤوسكما . فإنه ليس من مولود يولد من أمة إلا أحمر ليس عليه قشرة ثم يرزقه الله » .
أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { في جوّ السماء } في كبد السماء . (6/157)
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي في قوله : { في جو السماء } قال : جوف السماء { ما يمسكهن إلا الله } قال : يمسكه الله على كل ذلك والله أعلم بالصواب .
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80)
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { والله جعل لكم من بيوتكم سكناً } قال : تسكنون فيها . (6/158)
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي في قوله : { جعل لكم من بيوتكم سكناً } قال : تسكنون وتقرون فيها { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً } وهي خيام الأعراب { تستخفونها } يقول في الحمل { ومتاعا إلى حين } قال : إلى الموت .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { تستخفونها يوم ظعنكم } قال بعض : بيوت السيارة في ساعة وفي قوله : { وأوبارها } قال : الإبل { وأشعارها } قال : الغنم .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { أثاثاً } قال : الأثاث المال { ومتاعاً إلى حين } يقول تنتفعون به إلى حين .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن عطاء قال : إنما أنزل القرآن على قدر معرفة العرب . ألا ترى إلى قوله : { ومن أصوافها وأوبارها } وما جعل الله لهم من غير ذلك أعظم منه وأكثر ، ولكنهم كانوا أصحاب وبر وشعر . ألا ترى إلى قوله : { والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكناناً } وما جعل من السهل أعظم وأكثر ، ولكنهم كانوا أصحاب جبال . ألا ترى إلى قوله : { وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر } وما يقي البرد أعظم وأكثر ، ولكنهم كانوا أصحاب حر . ألا ترى إلى قوله : ( من جبال فيها من برد ) يعجبهم بذلك ، وما أنزل من الثلج أعظم وأكثر ، ولكنهم كانوا لا يعرفونه .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { ومتاعاً إلى حين } قال : إلى أجل ، وبلغة .
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (82) يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (83)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { والله جعل لكم مما خلق ظلالاً } قال : من الشجر ومن غيرها { وجعل لكم من الجبال أكناناً } قال : غارات يسكن فيها . { وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر } من القطن والكتان والصوف { وسرابيل تقيكم بأسكم } من الحديد { كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون } ولذلك هذه السورة تسمى سورة النعم . (6/159)
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الكسائي ، عن حمزة عن الأعمش وأبي بكر وعاصم ، أنهم قرأوا { لعلكم تسلمون } برفع التاء من أسلمت .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { سرابيل تقيكم الحر } قال : يعني الثياب { وسرابيل تقيكم بأسكم } قال : يعني الدروع والسلاح { كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون } يعني من الجراحات . وكان ابن عباس يقرؤها { تسلمون } .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه : أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله؟ فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم { والله جعل لكم من بيوتكم سكناً } قال : الأعرابي نعم ، قال : { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها } قال : الأعرابي نعم ثم قرأ عليه ، كل ذلك يقول نعم ، حتى بلغ { كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون } فولى الأعرابي ، فأنزل الله { يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون } .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها } قال : هي المساكن والأنعام وما ترزقون منها ، وسرابيل من الحديد والثياب ، تعرف هذا كفار قريش ، ثم تنكره بأن تقول : هذا كان لآبائنا فورثونا إياه .
وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن كثير في الآية قال : يعلمون أن الله خلقهم وأعطاهم ، بعدما أعطاهم يكفرون ، فهو معرفهم نعمته ، ثم إنكارهم إياها كفرهم بعد .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن عون بن عبد الله في قوله : { يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها } قال : انكارهم إياها ، أن يقول الرجل : لولا فلان أصابني كذا وكذا ، ولولا فلان لم أصب كذا وكذا .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن السدي في قوله : { يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها } قال محمد : - صلى الله عليه وسلم - ولفظ ابن أبي حاتم قال : هذا في حديث أبي جهل والأخنس ، حين سأل الأخنس أبا جهل عن محمد : فقال : هو نبي .
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (85) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (86) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (87) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { ويوم نبعث من كل شهيداً } قال : شهيدها نبيها على أنه قد بلغ رسالات ربه . قال الله : { وجئنا بك شهيداً على هؤلاء } قال : ذكر لنا أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا قرأ هذه الآية ، فاضت عيناه . (6/160)
وأخرج ابن أبي حاتم عن العالية في قوله : { وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون } قال : هذا ، كقوله : { هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { فألقوا إليهم القول } قال : حدثوهم .
وأخرج ابن المنذر ، عن ابن جريج في قوله : { وألقوا إلى الله يومئذ السلم } قال : استسلموا .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { وألقوا إلى الله يومئذ السلم } يقول : ذلوا واستسلموا يومئذ .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد بن السري وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور ، عن ابن مسعود في قوله : { زدناهم عذاباً فوق العذاب } قال : زيدوا عقارب لها أنياب كالنخل الطوال .
وأخرج ابن مردويه والخطيب في تالي التلخيص ، عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم - سئل عن قول الله : { زدناهم عذاباً فوق العذاب } قال : « عقارب أمثال النخل الطوال ينهشونهم في جهنم » .
وأخرج هناد عن ابن مسعود قال : أفاعي في النار .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية : إن أهل النار إذا جزعوا من حرها استغاثوا بضحضاح في النار ، فإذا أتوه تلقاهم عقارب كأنهن البغال الدهم ، وأفاع كأنهن البخاتي فضربنهم ، فذلك الزيادة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن عبيد بن عمير قال : إن في جهنم لجبابا فيها حيات أمثال البخت وعقارب أمثال البغال ، يستغيث أهل النار من تلك الجباب إلى الساحل ، فتثب إليهم فتأخذ جباههم وشفارهم فكشطت لحومهم إلى أقدامهم فسيتغيثون منها إلى النار ، فتتبعهم حتى تجد حرها فترجع وهي في أسراب .
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد عن مجاهد مثله .
وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن عمرو قال : إن لجهنم سواحل فيها حيات وعقارب ، أعناقها كأعناق البخت .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الأعمش ، عن مالك بن الحارث قال : إذا طرح الرجل في النار هوى فيها ، فإذا انتهى إلى بعض أبوابها قيل : مكانك حتى تتحف ، فيسقى كأساً من سم الأساود والعقارب ، فيتميز الجلد على حدة والشعر على حدة والعصب على حدة والعروق على حدة .
وأخرج أبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { زدناهم عذاباً فوق العذاب } قال : خمسة أنهار من نار صبها الله عليهم ، يعذبون ببعضها بالليل وببعضها بالنهار . (6/161)
وأخرج ابن مردويه عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الزيادة خمسة أنهار تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار ، ثلاثة أنهار على مقدار الليل ونهران على مقدار النهار ، فذلك قوله : { زدناهم عذاباً فوق العذاب بما كانوا يفسدون } » .
وأخرج ابن مردويه عن مجاهد قال : قال ابن عباس : أتدري ما سعة جهنم؟ قلت : لا . قال : إن ما بين شحمة أذن أحدهم وبين عاتقه مسيرة سبعين خريفاً ، تجري أودية القيح والدم . قلت له : الأنهار؟ قال : لا . . . بل الأودية .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن مسعود قال : إن الله أنزل في هذا الكتاب تبياناً لكل شيء ، ولقد عملنا بعضاً مما بين لنا في القرآن . ثم تلا { ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء } .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ، وابن الضريس في فضائل القرآن ومحمد بن نصر في كتاب الله والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان ، عن ابن مسعود قال : من أراد العلم فليتنوّر القرآن ، فإنه فيه علم الأوّلين والآخرين .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال : لا تهذوا القرآن كهذا الشعر ، ولا تنثروه نثر الدقل ، وقفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال : إن هذا القرآن مأدبة الله ، فمن دخل فيه فهو آمن .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال : إن هذه القلوب أوعية ، فأشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن مجاهد في قوله : { تبياناً لكل شيء } قال : مما أمروا به ونهوا عنه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي رضي الله عنه في قوله : { ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء } قال : بالسنة .
وأخرج أحمد عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً إذ شخص بصره فقال : « أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من السورة » { إن الله يأمر بالعدل والإحسان . . . . } إلى قوله : { تذكرون } .
وأخرج أحمد والبخاري في الأدب ، وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء بيته جالساً ، إذ مر به عثمان بن مظعون رضي الله عنه ، فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبينما هو يحدثه إذ شخص بصره إلى السماء ، فنظر ساعة إلى السماء فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض ، فتحرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جليسه عثمان إلى حيث وضع رأسه فأخذ ينفض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له ، فلما قضى حاجته شخص بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء كما شخص أول مرة ، فاتبعه بصره حتى توارى في السماء فأقبل إلى عثمان كجلسته الأولى ، فسأله عثمان رضي الله عنه فقال : أتاني جبريل آنفاً . قال : فما قال لك؟ قال : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان . . . } إلى قوله : { تذكرون . . . } قال عثمان : - رضي الله عنه - فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمداً صلى الله عليه وسلم » .
وأخرج الباوردي وابن السكن وابن منده وأبو نعيم في معرفة الصحابة ، عن عبد الملك بن عمير رضي الله عنه قال : « بلغ أكتم بن صيفي مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأراد أن يأتيه . فأتى قومه فانتدب رجلين فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : نحن رسل أكتم ، يسألك من أنت وما جئت به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم » أنا محمد بن عبد الله ، عبد الله ورسوله « ثم تلا عليهما هذه الآية { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } إلى { تذكرون } قالا : ردد علينا هذا القول . فردده عليهما حتى حفظاه ، فأتيا أكتم فأخبراه . فلما سمع الآية قال : إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها ، فكونوا في هذا الأمر رؤوساء ، ولا تكونوا فيه أذناباً » ورواه الأموي في مغازيه وزاد ، فركب متوجهاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فمات في الطريق : قال : ويقال نزلت فيه هذه الآية { ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت } [ النساء : 100 ] الآية . (6/162)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { إن الله يأمر بالعدل } قال : شهادة أن لا إله إلا الله ، { والإحسان } قال : أداء الفرائض ، { وإيتاء ذي القربى } قال : إعطاء ذوي الرحم الحق الذي أوجبه الله عليك بسبب القرابة والرحم { وينهى عن الفحشاء } قال : الزنا { والمنكر } ، قال : الشرك { والبغي } قال : الكبر والظلم : { يعظكم } يوصيكم { لعلكم تذكرون } .
وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في الأدب ، ومحمد بن نصر في الصلاة ، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه في شعب الإيمان ، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : أعظم آية في كتاب الله تعالى { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [ آل عمران : 2 ] وأجمع آية في كتاب الله للخير والشر - الآية التي في النحل - { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } وأكثر آية في كتاب الله تفويضاً { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب } [ الطلاق : 2-3 ] وأشد آية في كتاب الله رجاء
{ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } [ الزمر : 53 ] الآية . (6/163)
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } إلى آخرها ثم قال : إن الله عز وجل جمع لكم الخير كله ، والشر كله في آية واحدة ، فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئا إلا جمعه ، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئاً إلا جمعه .
وأخرج ابن النجار في تاريخه من طريق العكلي ، عن أبيه قال : مر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بقوم يتحدثون فقال : فيم أنتم؟! فقالوا : نتذاكر المروءة ، فقال : أو ما كفاكم الله عز وجل ذاك في كتابه؟! إذ يقول الله : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } فالعدل ، الانصاف . والاحسان ، التفضل ، فما بقي بعد هذا؟ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } الآية . قال : ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويعظمونه ويخشونه إلا أمر الله به وليس من خلق سيء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه ، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال : دعاني عمر بن عبد العزيز فقال : صف لي العدل ، فقلت : بخ . . . سألت عن أمر جسيم ، كُنْ لصغير الناس أباً ولكبيرهم ابناً ، وللمثل منهم أخاً وللنساء كذلك ، وعاقب الناس على قدر ذُنوبهم وعلى قدر أجسادهم ولا تضربن بغضبك سوطاً واحداً متعدياً فتكون من العادين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال : قال عيسى ابن مريم : إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك والله أعلم .
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن مزيدة بن جابر في قوله : { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم } قال : نزلت هذه الآية في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم ، كان من أسلم بايع على الإسلام فقال : { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } فلا تحملنكم قلة محمد وأصحابه وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام . (6/164)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } قال : تغليظها في الحلف : { وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً } قال : وكيلاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ، عن قتادة في قوله : { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } يقول : بعد تشديدها وتغليظها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله : { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } يعني ، بعد تغليظها وتشديدها { وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً } يعني في العهد شهيداً ، والله أعلم بالصواب .
وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93) وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (94) وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96)
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن حفص قال : كانت سعيدة الأسدية مجنونة تجمع الشعر والليف ، فنزلت هذه الآية { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها . . . } الآية . (6/165)
وأخرج ابن مردويه من طريق عطاء بن أبي رباح قال : قال لي ابن عباس : يا عطاء ، ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فأراني حبشية صفراء ، فقال : « هذه أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن بي هذه الموتة - يعني الجنون - فادع الله أن يعافيني . فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن شئت دعوت الله فعافاك ، وإن شئت صبرت واحتسبت ولك الجنة ، فاختارت الصبر والجنة »
قال : وهذه المجنونة سعيدة الأسدية ، وكانت تجمع الشعر والليف فنزلت هذه الآية { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها . . . } الآية .
وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن كثير في قوله : { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها } قال : خرقاء كانت بمكة تنقضه بعدما تبرمه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها } قال : كانت امرأة بمكة ، كانت تسمى خرقاء مكة كانت تغزل فإذا أبرمت غزلها تنقضه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها } قال : نقضت حبلها بعد إبرامها إياه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في الآية : لو سمعتم بامرأة نقضت غزلها من بعد إبرامه لقلتم : ما أحمق هذه . . . ! وهذا مثل ضربه الله لمن نكث عهده . وفي قوله : { تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم } قال : خيانة وغدراً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { أن تكون أمة هي أربى من أمة } قال : ناس أكثر من ناس .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { أن تكون أمة هي أربى من أمة } قال : كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز فينقضون حلف هؤلاء ، ويحالفون هؤلاء الذين هم أعز فنهوا عن ذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في الآية قال : ولا تكونوا في نقض العهد بمنزلة التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً ، يعني بعد ما أبرمته { تتخذون أيمانكم } يعني العهد { دخلاً بينكم } يعني بين أهل العهد ، يعني مكراً أو خديعة ليدخل العلة فيستحل به نقض العهد { أن تكون أمة هي أربى من أمة } يعني أكثر { إنما يبلوكم الله به } يعني بالكثرة { وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } يعني المسلمة والمشركة { أمة واحدة } يعني ملة الإسلام وحدها { ولكن يضل من يشاء } يعني عن دينه ، وهم المشركون { ويهدي من يشاء } يعني المسلمين { ولتسألن } يوم القيامة { عما كنتم تعملون } ثم ضرب مثلاً آخر للناقض العهد فقال : { ولا تتخذوا أيمانكم } يعني العهد { دخلاً بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها } يقول : إن ناقض العهد يزل في دينه كما يزل قدم الرجل بعد الاستقامة { وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله } يعني العقوبة { ولا تشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً } يعني عرضاً من الدنيا يسيراً { إنما عند الله } يعني الثواب { هو خير لكم } يعني أفضل لكم من العاجل { ما عندكم ينفد } يعني ما عندكم من الأموال يفنى { وما عند الله باق } يعني وما عند الله في الآخرة من الثواب دائم لا يزول عن أهله ، وليجزين { الذين صبروا بأحسن ما كانوا يعملون } في الدنيا ويعفو عن سيئاتهم .
وأخرج سعيد بن منصور والطبراني ، عن ابن مسعود قال : إياكم وأرأيت فإنما هلك من كان قبلكم بأرأيت ، ولا تقيسوا الشيء بالشيء { فتزل قدم بعد ثبوتها } وإذا سئل أحدكم عما لا يعلم فليقل : لا أعلم ، فإنه ثلث العلم . (6/166)
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)
أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أنه سئل عن هذه الآية { من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة } قال : الحياة الطيبة ، الرزق الحلال في هذه الحياة الدنيا . وإذا صار إلى ربه جازاه بأحسن ما كان يعمل . (6/167)
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله : { فلنحيينه حياة طيبة } قال : الحياة الطيبة ، الرزق الحلال في هذه الحياة الدنيا ، وإذا صار إلى ربه جازاه بأحسن ما كان يعمل .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه في قوله : { فلنحييه حياة طيبة } قال : يأكل حلالاً ويشرب حلالاً ويلبس حلالاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { حياة طيبة } قال : الكسب الطيب والعمل الصالح .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { حياة طيبة } قال : السعادة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب من طرق ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { فلنحيينه حياة طيبة } قال : القنوع . قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو : « اللهم قنّعني بما رزقتني وبارك لي فيه ، واخلف على كل غائبة لي بخير » .
وأخرج وكيع في الغرر ، عن محمد بن كعب القرظي في قوله : { فلنحيينه حياة طيبة } قال : القناعة .
وأخرج وكيع عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « القناعة مال لا ينفد » .
وأخرج مسلم عن ابن عمرو ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه » .
وأخرج الترمذي والنسائي عن فضالة بن عبيد ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « قد أفلح من هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافاً وقنع به » .
وأخرج وكيع في الغرر ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « القناعة مال لا ينفد » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن الحسن رضي الله عنه في قوله : { حياة طيبة } قال : ما تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة .
فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } قال : هذا دليل من الله دل عليه عباده . (6/168)
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر ، عن عطاء قال : الاستعاذة واجبة لكل قراءة في الصلاة أو غيرها ، من أجل قوله : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في سننه ، عن جبير بن مطعم : « أن النبي لما دخل في الصلاة كبر ثم قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنه ، أنه كان يتعوذ يقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .
وأخرج أبو داود والبيهقي ، عن أبي سعيد قال : « كان رسول الله إذا قام من الليل فاستفتح الصلاة قال : سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله إلا غيرك ، ثم يقول : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم » .
وأخرج أبو داود والبيهقي ، عن عائشة رضي الله عنها في ذكر الإفك قالت : « جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكشف عن وجهه وقال : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم { إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم . . . } [ النور : 11 ] الآيات » .
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن سفيان الثوري في قوله : { إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا } قال : ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر لهم . (6/169)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سفيان الثوري في قوله { إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا } قال : ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر لهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { إنما سلطانه على الذين يتولونه } قال : حجته على الذين يتولونه { والذين هم به مشركون } قال : يعدلونه برب العالمين .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله : { إنما سلطانه على الذين يتولونه } يقول : سلطان الشيطان على من تولى الشيطان وعمل بمعصية الله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في الآية قال : إن عدو الله إبليس حين غلبت عليه الشقاوة قال : { لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } [ ص : 82-83 ] فهؤلاء الذين لم يجعل للشيطان عليهم سبيل ، وإنما سلطانه على قوم اتخذوه ولياً فأشركوه في أعمالهم .
وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102)
أخرج أبو داود في ناسخه وابن مردويه والحاكم وصححه ، عن ابن عباس في قوله : { وإذا بدلنا آية مكان آية } وقوله : { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا } [ النحل : 110 ] قال : عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار . وأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم الفتح ، فاستجار له عثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجاره . (6/170)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { وإذا بدلنا آية مكان آية } قال : هو كقوله { ما ننسخ من آية أو ننسها } [ البقرة : 106 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { وإذا بدلنا آية مكان آية } قال : هذا في الناسخ والمنسوخ . قال : إذا نسخنا آية وجئنا بغيرها . قالوا ما بالك؟ قلت : كذا وكذا ، ثم نقضته أنت تفتري . قال الله : { والله أعلم بما ينزل } .
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم قيناً بمكة اسمه بلعام ، وكان عجمي اللسان فكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج من عنده ، فقالوا : إنما يعلمه بلعام فأنزل الله { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر . . . } الآية . (6/171)
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان ، عن ابن عباس في قوله : { إنما يعلمه بشر } قال : قالوا إنما يعلم محمداً عبدة بن الحضرمي - وهو صاحب الكتب - فقال الله : { لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين } .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرئ غلاماً لبني المغيرة أعجمياً ، يقال له مقيس . وأنزل الله { ولقد نعلم أنهم يقولون . . . } الآية .
وأخرج آدم بن أبي إياس وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان ، عن مجاهد { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر } قال : قول قريش : إنما يعلم محمداً بن الحضرمي وهو صاحب كتب { لسان الذي يلحدون إليه أعجمي } يتكلم بالرومية { وهذا لسان عربي مبين } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال : يقولون إنما يعلم محمداً عبدة بن الحضرمي كان يسمى مقيس .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن الضحاك في الآية قال : كانوا يقولون : إنما يعلمه سلمان الفارسي ، وأنزل الله { لسان الذي يلحدون إليه أعجمي } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب : « إن الذي ذكر الله في كتابه أنه قال : { إنما يعلمه بشر } إنما افتتن من أنه كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان يملي عليه سميع عليم ، أو عزيز حكيم أو نحو ذلك من خواتيم الآية ، ثم يشتغل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول : » يا رسول الله ، أعزيز حكيم أو سميع عليم؟ فيقول : أي ذلك كتبت فهو كذلك ، فافتتن وقال : إن محمداً ليكل ذلك إلي فأكتب ما شئت « فهذا الذي ذكر لي سعيد بن المسيب من الحروف السبعة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا آذاه أهل مكة ، دخل على عبد لبني الحضرمي يقال له : أبو يسر ، كان نصرانياً وكان قد قرأ التوراة والإنجيل ، فساءله وحدثه . فلما رآه المشركون يدخل عليه قالوا : يعلمه أبو اليسر . قال الله : { هذا لسان عربي مبين } ولسان أبي اليسر عجمي .
وأخرج ابن أبي حاتم عن معاوية بن صالح قال : ذكر الكذب عند أبي أمامة فقال : اللهم عفواً ، أما تسمعون الله يقول : { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون } .
وأخرج الخرائطي في مساوئ الأخلاق وابن عساكر في تاريخه ، عن عبد الله بن جراد أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم : « هل يزني المؤمن؟ قال : قد يكون ذلك . قال : هل يسرق المؤمن؟ قال : قد يكون ذلك . قال : هل يكذب المؤمن؟ قال : لا . ثم أتبعها نبي الله صلى الله عليه وسلم { إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون } » . (6/172)
وأخرج الخطيب في تاريخه ، عن عبد الله بن جراد قال : قال أبو الدرداء « يا رسول الله ، هل يكذب المؤمن؟ قال : لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر من إذا حدث كذب » .
وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أخوف ما أخاف عليكم ثلاثاً : رجل آتاه الله القرآن ، حتى إذا رأى بهجته وتردى الإسلام ، أعاره الله ما شاء ، اخترط سيفه ، وضرب جاره ، ورماه بالكفر . قالوا : يا رسول الله ، أيهما أولى بالكفر ، الرامي أو المرمي به؟ قال : الرامي ، وذو خليفة قبلكم آتاه الله سلطاناً فقال : من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، وكذب ما جعل الله خليفة حبه دون الخالق ، ورجل استهوته الأحاديث كلما كذب كذبة وصلها بأطول منها ، فذاك الذي يدرك الدجال فيتبعه » .
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن ابن عباس قال : « لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجر إلى المدينة ، قال لأصحابه : تفرقوا عني ، فمن كانت به قوة فليتأخر إلى آخر الليل ، ومن لم تكن به قوة فليذهب في أول الليل ، فإذا سمعتم بي قد استقرت بي الأرض ، فالحقوا بي . فأصبح بلال المؤذن وخباب وعمار وجارية من قريش كانت أسلمت ، فأصبحوا بمكة فأخذهم المشركون وأبو جهل ، فعرضوا على بلال أن يكفر فأبى ، فجعلوا يضعون درعاً من حديد في الشمس ثم يلبسونها إياه ، فإذا ألبسوها إياه قال : أحد . . أحد . . وأما خباب ، فجعلوا يجرونه في الشوك ، وأما عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقيةً ، وأما الجارية ، فوتد لها أبو جهل أربعة أوتاد ثم مدها فأدخل الحربة في قلبها حتى قتلها ، ثم خلوا عن بلال وخباب وعمار ، فلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بالذي كان من أمرهم ، واشتد على عمار الذي كان تكلم به . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف كان قلبك حين قلت الذي قلت : أكان منشرحاً بالذي قلت أم لا؟ قال : لا . قال : وأنزل الله { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } » . (6/173)
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه ، والبيهقي في الدلائل من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار ، عن أبيه قال : « أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم . بخير ، ثم تركوه فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : شر ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير قال : كيف تجد قلبك؟ قال : مطمئن بالايمان . قال : إن عادوا فعد . فنزلت { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } » .
وأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين : « إن النبي لقي عماراً وهو يبكي ، فجعل يمسح عن عينيه ويقول : أخذك الكفار فغطوك في الماء فقلت كذا وكذا . . . فإن عادوا فقل ذلك لهم » .
وأخرج ابن سعد عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر في قوله : { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } قال : ذلك عمار بن ياسر ، وفي قوله : { ولكن من شرح بالكفر صدراً } قال : ذاك عبد الله بن أبي سرح .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ، عن أبي مالك في قوله : { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } قال : نزلت في عمار بن ياسر .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحكم { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } قال : نزلت في عمار .
وأخرج ابن جرير عن السدي ، أن عبد الله بن أبي سرح أسلم ثم ارتد فلحق بالمشركين ، ووشى بعمار وخباب عند ابن الحضرمي ، أو ابن عبد الدار فأخذوهما وعذبوهما حتى كفرا ، فنزلت { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } .
وأخرج مسدد في مسنده وابن المنذر وابن مردويه ، عن أبي المتوكل الناجي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمار بن ياسر إلى بئر للمشركين يستقي منها ، وحولها ثلاث صفوف يحرسونها ، فاستقى في قربة ثم أقبل ، فأخذوه فأرادوه على أن يتكلم بكلمة الكفر ، فأنزلت هذه الآية فيه { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } . (6/174)
وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن قتادة قال : ذكر لنا أن هذه الآية { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } نزلت في عمار بن ياسر ، أخذه بنو المغيرة فغطوه في بئر وقالوا : اكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم . فاتبعهم على ذلك وقلبه كاره فنزلت . . .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال : نزلت هذه الآية { إلا من أكره } في عياش بن أبي ربيعة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد قال : نزلت هذه الآية في أناس من أهل مكة آمنوا ، فكتب إليهم بعض الصحابة بالمدينة : أن هاجروا فإنا لا نرى أنكم منا حتى تهاجروا إلينا ، فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش في الطريق ففتنوهم ، فكفروا مكرهين ، ففيهم نزلت هذه الآية .
وأخرج ابن سعد عن عمر بن الحكم قال : كان عمار بن ياسر يعذب حتى لا يدري ما يقول ، وكان صهيب يعذب حتى لا يدري ما يقول ، وكان أبو فكيهة يعذب حتى لا يدري ما يقول ، وبلال وعامر وابن فهيرة وقوم من المسلمين ، وفيهم نزلت هذه الآية { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق علي ، عن ابن عباس في قوله : { من كفر بالله } الآية ، قال : أخبر الله سبحانه أن { من كفر بالله من بعد إيمانه } فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم ، فأما من أكره ، فتكلم بلسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوه ، فلا حرج عليه ، لأن الله سبحانه إنما يؤاخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري قالا في سورة النحل { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } ثم نسخ واستثنى من ذلك فقال : { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم } وهو عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار ، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل يوم فتح مكة ، فاستجار له أبو بكر وعمر وعثمان بن عفان فأجاره النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس مثله . (6/175)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ، عن قتادة في قوله : { إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا . . . } الآية ، قال : ذكر لنا أنه لما أنزل الله أن أهل مكة لا يقبل منهم إسلام حتى يهاجروا ، كتب بها أهل المدينة إلى أصحابهم من أهل مكة فخرجوا فأدركهم المشركون فردوهم ، فأنزل الله { الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } [ العنكبوت : 1-2 ] فكتب بهذا أهل المدينة إلى أهل مكة ، فلما جاءهم ذلك تبايعوا على أن يخرجوا ، فإن لحق بهم المشركون من أهل مكة قاتلوهم حتى ينجوا أو يلحقوا بالله ، فخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم ، فمنهم من قتل ومنهم من نجا . فأنزل الله { ثم إن ربك للذين هاجروا . . . } الآية .
وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي نحوه .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نزلت هذه الآية فيمن كان يفتن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا } .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان قوم من أهل مكة قد أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام ، فنزلت فيهم { ثم إن ربك للذين هاجروا . . . } الآية ، فكتبوا إليهم بذلك أن الله قد جعل لكم مخرجاً فاخرجوا . فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه ، « أن عيوناً لمسيلمة أخذوا رجلين من المسلمين فأتوه بهما ، فقال لأحدهما : أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال : نعم . قال : أتشهد أني رسول الله؟ فأهوى إلى أذنيه فقال : إني أَصَمّ . فأمر به فقتل . وقال للآخر : أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال : نعم . قال : أتشهد أني رسول الله؟ قال : نعم . فأرسله . . . فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : » أما صاحبك فمضى على إيمانه ، وأما أنت فأخِذْتَ الرخصة « .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا } قال : نزلت في عياش بن أبي ربيعة ، أحد بني مخزوم ، وكان أخا أبي جهل لأمه ، وكان يضربه سوطاً وراحلته سوطاً .
وأخرج ابن جرير عن أبي إسحق في قوله : { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا } قال : نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر وعياش بن أبي ربيعة والوليد بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد رضي الله عنهم .
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111)
أخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن كعب قال : كنت عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : خوفنا يا كعب ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، أوليس فيكم كتاب الله وحكمة رسوله؟ قال : بلى ، ولكن خوفنا ، قلت : يا أمير المؤمنين ، لو وافيت القيامة بعمل سبعين نبياً لازدريت عملك مما ترى . قال : زدنا . قلت : يا أمير المؤمنين ، لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ورجل بالمغرب ، لغلا دماغه حتى يسيل من حرّها . قال : زدنا . قلت : يا أمير المؤمنين ، إن جهنم لتزفر زفرة يوم القيامة ، لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر جاثياً على ركبتيه ، حتى أن إبراهيم خليله ليخرّ جاثياً على ركبتيه ، فيقول : ربّ نفسي . . . نفسي . . . لا أسألك اليوم إلا نفسي فأطرق عمر ملياً . قلت : يا أمير المؤمنين ، أوليس تجدون هذا في كتاب الله؟ قال : كيف؟ قلت : قول الله في هذه الآية { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون } . (6/176)
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114)
أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة . . . } الآية . قال : يعني مكة . (6/177)
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية رضي الله عنه في قوله : { وضرب الله مثلاً قرية } قال : هي مكة ، ألا ترى أنه قال : { ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه } .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { قرية كانت آمنة } قال : مكة . ألا ترى إلى قوله : { ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب } قال : أخذهم الله بالجوع والخوف والقتل الشديد .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { فأذاقها الله لباس الجوع والخوف } قال : فأخذهم الله بالجوع والخوف والقتل . وفي قوله : { ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه } قال : أي والله يعرفون نسبه وأمره .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن سليم بن عمر قال : صحبت حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي خارجة من مكة إلى المدينة ، فأخبرت أن عثمان قد قتل فرجعت . وقالت : ارجعوا بي ، فوالذي نفسي بيده إنها للقرية التي قال الله : { قرية كانت آمنة مطمئنة . . . } إلى آخر الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب . قال : القرية التي قال الله : { كانت آمنة مطمئنة } هي يثرب .
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله : { إنما حرم عليكم الميتة } قال : إن الإسلام دين مطهر ، طهره الله من كل سوء وجعل لك فيه يا ابن آدم سعة إذا اضطررت إلى شيء من ذلك . (6/178)
وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117)
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام } قال : هي البحيرة والسائبة . (6/179)
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نضرة قال : قرأت هذه الآية في سورة النحل { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام . . . } إلى آخر الآية ، فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا .
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : عسى رجل أن يقول إن الله أمر بكذا ونهى عن كذا ، فيقول الله عز وجل له : كذبت . ويقول : إن الله حرم كذا وأحل كذا ، فيقول الله عز وجل له : كذبت .
وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن الحسن في قوله : { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل } قال : في سورة الأنعام . (6/180)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : { وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل } قال : ما قص الله ذكره في سورة الأنعام ، حيث يقول : { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر . . . } [ الأنعام : 146 ] إلى قوله : { وإنا لصادقون } [ الأنعام : 146 ] .
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)
أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه ، عن ابن مسعود أنه سئل : ما الأمة؟ قال : الذي يعلم الناس الخير . قالوا : فما القانت؟ قال : الذي يطيع الله ورسوله . (6/181)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { إن إبراهيم كان أمة قانتاً } قال : كان على الإسلام ولم يكن في زمانه من قومه أحد على الإسلام غيره ، فلذلك قال الله : { كان أمة قانتاً } .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله : { إن إبراهيم كان أمة } قال : إماماً في الخير { قانتاً } قال : مطيعاً .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { إن إبراهيم كان أمة } قال : كان مؤمناً وحده والناس كفار كلهم .
وأخرج ابن جرير عن شهر بن حوشب قال : لم يبق في الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض ويخرج بركتها ، إلا زمن إبراهيم فإنه كان وحده .
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من عبد يشهد له أمة إلا قبل الله شهادتهم . والأمة ، الرجل فما فوقه إن الله يقول : { إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين } » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { إن إبراهيم كان أمة } قال : إمام هدى يقتدى به وتتبع سنته .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { وآتيناه في الدنيا حسنة } قال : لسان صدق .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { وآتيناه في الدنيا حسنة } قال : فليس من أهل دين إلا يرضاه ويتولاه .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة معاً في المصنف ، وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الشعب ، عن ابن عمرو قال : صلى إبراهيم الظهر والعصر والمغرب بعرفات ثم وقف ، حتى إذا غابت الشمس دفع . ثم صلى المغرب والعشاء بجمع ، ثم صلى به الفجر كأسرع ما يصلي أحد من المسلمين ، ثم وقف به حتى إذا كان كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين ، دفع ثم رمى الجمرة ثم ذبح وحلق ، ثم أفاض به إلى البيت فطاف به فقال الله لنبيه : { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً } والله تعالى أعلم .
إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124)
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد في قوله : { إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه } قال : أراد الجمعة فأخذوا السبت مكانه . (6/182)
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه } قال : إن الله فرض على اليهود الجمعة فأبوا وقالوا : يا موسى ، إنه لم يخلق يوم السبت شيئاً فاجعل لنا السبت ، فلما جعل عليهم السبت استحلوا فيه ما حرم عليهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق السدي ، عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله : { إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه } قال : بإستحلالهم إياه ، رأى موسى عليه السلام رجلاً يحمل حطباً يوم السبت فضرب عنقه .
وأخرج الشافعي في الأم والبخاري ومسلم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم يوم الجمعة فاختلفوا فيه فهدانا الله له ، فالناس لنا فيه تبع اليهود غداً والنصارى بعد غد » .
وأخرج أحمد ومسلم عن أبي هريرة وحذيفة قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا ، فكان لليهود يوم السبت ، وكان للنصارى يوم الأحد ، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة والسبت والأحد ، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة ، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق والله أعلم » .
ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)
أخرج ابن مردويه عن أبي ليلى الأشعري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « تمسكوا بطاعة أئمتكم ولا تخالفوهم ، فإن طاعتهم طاعة الله معصيتهم معصية الله ، فإن الله إنما بعثني أدعو إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة ، فمن خالفني في ذلك فهو من الهالكين وقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله ، ومن ولي من أمركم شيئاً فعمل بغير ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين » . (6/183)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله : { وجادلهم بالتي هي أحسن } قال : أعرض عن أذاهم إياك .
وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)
أخرج الترمذي وحسنه وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند ، والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل ، عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً ، ومن المهاجرين ستة ، منهم حمزة فمثلوا بهم فقالت الأنصار : لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لَنُربِيَنَّ عليهم ، فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « نصبر ولا نعاقب . . . كفوا عن القوم إلا أربعة » . (6/184)
وأخرج ابن سعد والبزار وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل ، عن أبي هريرة : « أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة حين استشهد ، فنظر إلى منظر لم يَرَ شيئاً قط كان أوجع لقلبه منه ، ونظر إليه قد مثل به فقال : رحمة الله عليك فإنك كنت ما علمت وصولاً للرحم فعولاً للخيرات ، ولولا حزن من بعدك عليك لسّرني أن أتركك حتى يحشرك الله من أرواح شتى ، أما والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك . فنزل جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بخواتيم النحل { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم . . . } الآية . فكفّر النبي عن يمينه وأمسك عن الذي أراد وصبر » .
وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قتل حمزة ومثل به : « لئن ظفرت بقريش لأمثلن بسبعين رجلاً منهم . فأنزل الله { وإن عاقبتم . . . } الآية . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل نصبر يا رب » فصبر ونهى عن المثلة .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير ، عن الشعبي قال : « لما كان يوم أحد وانصرف المشركون فرأى المسلمون بإخوانهم مثله ، جعلوا يقطعون آذانهم وآنافهم ويشقون بطونهم . فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : لئن أنالَنَا الله منهم لنفعلن ولنفعلن . . . فأنزل الله { وإن عاقبتم . . . } الآية . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » بل نصبر « » .
وأخرج ابن إسحق وابن جرير عن عطاء بن يسار قال : نزلت سورة النحل كلها بمكة إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة يوم أحد حيث قتل حمزة ومثل به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بثلاثين رجلاً منهم فلما سمع المسلمون ذلك قالوا : والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط » فأنزل الله { وإن عاقبتم فعاقبوا .
. . } إلى آخر السورة . (6/185)
وأخرج ابن جرير وابن مردويه ، عن ابن عباس في قوله : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } قال : هذا حين أمر الله نبيه أن يقاتل من قاتله ، ثم نزلت براءة وانسلاخ الأشهر الحرم . قال : فهذا من المنسوخ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن زيد قال : كانوا قد أمروا بالصفح عن المشركين فأسلم رجال ذو منعة ، فقالوا : يا رسول الله ، لو أذن الله لنا لانتصرنا من هؤلاء الكلاب . فنزلت هذه الآية ، ثم نسخ ذلك بالجهاد .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن الحسن في قوله : { إن الله من الذين اتقوا والذين هم محسنون } قال : اتقوا فيما حرم الله عليهم وأحسنوا فيما افترض عليهم .
وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن هرم بن حيان أنه لما نزل به الموت قالوا له : أوص . قال : أوصيكم بآخر سورة النحل { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة . . . } إلى آخر السورة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ، عن مجاهد في قوله : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } قال : لا تعتدوا .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن محمد بن سيرين في قوله : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } قال : إن أخذ منك رجل شيئاً فخذ منه مثله .
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8)
أخرج ابن جرير عن حذيفة أنه قرأ « سبحان الذي أسرى بعبده من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى » . (6/186)
وأخرج الطستي عن ابن عباس ، أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله تعالى : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً } قال : { سبحان } تنزيه الله تعالى { الذي أسرى } بمحمد صلى الله عليه وسلم { من المسجد الحرام } إلى بيت المقدس ، ثم رده إلى المسجد الحرام . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت الأعشى وهو يقول :
قلت له لما علا فخره ... سبحان من علقمة الفاجر
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه من طريق ثابت ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أتيت بالبراق ، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل ، يضع حافره عند منتهى طرفه . . . فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء ، ثم دخلت المسجد فصليت ركعتين ثم خرجت ، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن فقال جبريل : اخترت الفطرة . ثم عرج بنا إلى سماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل : من أنت؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال : محمد ، قيل : وقد بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه . ففتح لنا فإذا أنا بآدم ، فرحب بي ودعا لي بخير .
ثم عرج بنا إلى السماء الثانية ، فاستفتح جبريل فقيل : من أنت؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال : محمد ، قيل : بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه . ففتح لنا فإذا أنا بإبني الخالة ، عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا ، فرحّبا بي ودعوا إلي بخير .
ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل : من أنت؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال : محمد ، قيل : وقد بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه . ففتح لنا فإذا أنا بيوسف ، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن ، فرحب بي ودعا لي بخير .
ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل فقيل : من هذا؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال : محمد ، قيل : وقد بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه . ففتح لنا فإذا أنا بإدريس ، فرحب بي ودعا لي بخير .
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل فقيل : من هذا؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال : محمد ، قيل : وقد بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه . ففتح لنا فإذا أنا بهارون ، فرحب بي ودعا لي بخير .
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل : من هذا؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال : محمد ، قيل : وقد بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه . ففتح لنا فإذا أنا بموسى ، فرحب بي ودعا لي بخير .
ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح ، فقيل : من هذا؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال : محمد ، قيل : وقد بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه . ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم مسند ظهره إلى البيت المعمور ، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى ، فإذا ورقها فيها كآذان الفيلة ، وإذا ثمرها كالقلال ، فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت ، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها ، فأوحى إلي ما أوحى وفرض عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة ، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال : ما فرض ربك على أمتك؟ قلت : خمسين صلاة . قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فإن أمتك لا تطيق ذلك ، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم . فرجعت إلى ربي فقلت : يا رب ، خفف عن أمتي . فحط عني خمساً فرجعت إلى موسى فقلت : حط عني خمساً ، فقال : إن أمتك لا يطيقون ذلك ، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف . قال : فلم أزل أرجع بين ربي وموسى حتى قال : يا محمد ، إنهن خمس صلوات لكل يوم وليلة ، بكل صلاة عشر ، فتلك خمسون صلاة ، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشراً ، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئاً ، فإن عملها كتبت سيئة واحدة . فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فقلت : قد رجعت إلى ربي حتى استحيت منه » .
وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن مردويه من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، عن أنس قال : « ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة ، جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام ، فقال أولهم : أيهم هو؟ فقال أوسطهم : هو خيرهم . فقال أحدهم : خذوا خيرهم . فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى ، فيما يرى قلبه ، وتنام عيناه ولا ينام قلبه ، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ، فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم ، فتولاه منهم جبريل فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه ، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه ، ثم أتى بطست من ذهب محشواً إيماناً وحكمة فحشا به صدره ولغاديده - يعني عروق حلقه - ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا ، فضرب باباً من أبوابها فقيل : من هذا؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال : محمد ، قيل : وقد بعث إليه؟ قال : نعم . قالوا : مرحباً به وأهلاً . ووجد في السماء الدنيا آدم ، فقال له جبريل : هذا أبوك آدم فسلم عليه ، فسلم عليه ورد عليه آدم وقال : مرحباً وأهلاً بإبني . . . نعم الإبن أنت . فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان فقال : ما هذان النهرين يا جبريل؟ قال : هذا النيل والفرات عنصرهما . ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد ، فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر . قال : ما هذا يا جبريل؟ قال : هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك . (6/187)
ثم عرج به إلى السماء الثانية فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى : من هذا؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال : محمد ، قيل : وقد بعث إليه؟ قال : نعم . قالوا : مرحبا به وأهلاً .
ثم عرج به إلى السماء الثالثة فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية .
ثم عرج به إلى السماء الرابعة فقالوا له مثل ذلك ، ثم عرج به إلى الخامسة فقالوا مثل ذلك ، ثم عرج به إلى السادسة فقالوا له مثل ذلك ، ثم عرج به إلى السابعة فقالوا له مثل ذلك ، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم ، منهم إدريس في الثانية ، وهارون في الرابعة ، وآخر في الخامسة ولم أحفظ اسمه ، وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله ، فقال موسى : رب لم أظن أن ترفع عليّ أحداً ، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى ، ودنا الجبار رب العزة فتدلّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى الله فيما يوحي إليه خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة ، ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال : يا محمد ، ماذا عهد إليك ربك؟ قال : عهد إلي ، خمسين صلاة كل يوم وليلة . قال : إن أمتك لا تستطيع ذلك ، ارجع فليخفف عنك ربك وعنهم . فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم كأنه يستشيره فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت ، فعلا به إلى الجبار تبارك وتعالى فقال وهو مكانه : يا رب ، خفف عنا . . . ؛ فإن أمتي لا تستطيع ذلك . فوضع عنه عشر صلوات . ثم رجع إلى موسى واحتبسه ، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات ، ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال : يا محمد ، والله لقد راودت بني إسرائيل على أدنى من هذا فضعفوا وتركوه ، فأمتك أضعف أجساداً وقلوباً وأبداناً وأبصاراً وأسماعاً ، فارجع فليخفف عنك ربك كل ذلك . يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل ، فرفعه عند الخامسة فقال : يا رب ، إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم ، فخفف عنا . فقال الجبار : يا محمد ، قال : لبيك وسعديك . قال : إنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب ، وكل حسنة بعشر أمثالها . فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك . فرجع إلى موسى فقال : كيف فعلت؟ فقال : خفف عنا ، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها . فقال موسى : قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه ، ارجع إلى ربك فليخفف عنك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا موسى ، قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه . قال : فاهبط بسم الله . واستيقظ وهو في المسجد الحرام » .