صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور
المؤلف : عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (68)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد . . . } قال : رهب يعقوب عليهم العين .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ، عن محمد بن كعب - رضي الله عنه - في قوله { لا تدخلوا من باب واحد } قال : خشي عليهم العين .
وأخرج ابن جرير ، عن الضحاك - رضي الله عنه - في قوله { لا تدخلوا من باب واحد } قال : خشي يعقوب على ولده العين .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { لا تدخلوا من باب واحد } قال : خاف عليهم العين .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله { لا تدخلوا من باب واحد } قال : كانوا قد أوتوا صوراً وجمالاً ، فخشي عليهم أنفس الناس .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن إبراهيم النخعي - رضي الله عنه - في قوله { وادخلوا من أبواب متفرقة } قال : أحب يعقوب أن يلقى يوسف أخاه في خلوة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد في قوله { إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها } قال : خيفة العين على بنيه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { وإنه لذو علم لما علمناه } قال : إنه لعامل بما علم ، ومن لا يعمل لا يكون عالماً .

(5/428)


وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { آوى إليه أخاه } قال : ضمه إليه وأنزله معه . وفي قوله { فلا تبتئس } قال : لا تحزن ولا تيأس . وفي قوله { فلما جهزهم بجهازهم } قال : لما قضى حاجتهم وكال لهم طعامهم . وفي قوله { جعل السقاية } قال : هو إناء الملك الذي يشرب منه { في رحل أخيه } قال : في متاع أخيه .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { جعل السقاية } قال : هو الصواع ، وكل شيء يشرب منه فهو صواع .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري ، عن مجاهد - رضي الله عنه - قال : السقاية والصواع شيء واحد ، يشرب منه يوسف .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عكرمة - رضي الله عنه - قال : السقاية ، هو الصواع . وكان كأساً من ذهب على ما يذكرون .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { أيتها العير } قال : كانت العير حميراً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري وأبو الشيخ وابن منده في غرائب شعبة ، وابن مردويه والضياء ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { صواع الملك } قال : شيء يشبه المكوك من فضة ، كانوا يشربون فيه .
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والطستي ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن نافع بن الأزرق قال لهك أخبرني عن قوله { صواع الملك } قال : الصواع ، الكأس الذي يشرب فيه . قال وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم . أما سمعت الأعشى وهو يقول :
له درمك في رأسه ومشارب ... وقدر وطباخ وصاع وديسق
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { صواع الملك } قال : هو المكوك الذي يلتقي طرفاه ، كانت تشرب فيه الأعاجم .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { صواع الملك } قال : كان من فضة .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { صواع الملك } قال : كان من نحاس .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر ، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - أنه كان يقرأ { نفقد صواع الملك } بضم الصاد مع الألف .
وأخرج سعيد بن منصور وابن الأنباري ، عن أبي هريرة . رضي الله عنه - أنه كان يقرأ « صاع الملك » .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرؤها « صوغ الملك » بالغين المعجمة .

(5/429)


قال : كان صيغ من ذهب أو فضة ، سقايته التي كان يشرب فيها .
وأخرج ابن الأنباري ، عن أبي رجاء - رضي الله عنه - أنه قرأ { نفقد صواع الملك } بعين غير معجمة ، وصاد مفتوحة .
وأخرج عن عبد الله بن عون - رضي الله عنه - أنه كان يقرأ « صوع الملك » بصاد مضمومة .
وأخرج عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - أنه كان يقرأ « صياع الملك » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { ولمن جاء به حمل بعير } قال : حمل حمار طعام ، وهي لغة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { حمل بعير } وقر بعير .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { وأنا به زعيم } قال كفيل .
وأخرج ابن جرير ، عن سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك مثله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { وأنا به زعيم } قال : الزعيم ، هو المؤذن الذي قال { أيتها العير } .
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله { وأنا به زعيم } ما الزعيم؟ . . . . قال : الكفيل . قال فيه فروة بن مسيك :
اكون زعيمكم في كل عام ... بجيش جحفل لجب لهام
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن الربيع بن أنس - رضي الله عنه - في قوله { ما جئنا لنفسد في الأرض } يقول : ما جئنا لنعصي في الأرض .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن زيد - رضي الله عنه - في قوله { قالوا فما جزاؤه } قال : عرفوا الحكم في حكمهم فقالوا { جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه } وكان الحكم عند الأنبياء! يعقوب وبنيه عليهم السلام ، أن يؤخذ السارق بسرقته عبداً يسترق .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر ، عن الكلبي - رضي الله عنه - قال : أخبروه بما يحكم في بلادهم ، أنه من سرق أخذ عبداً . فقالوا { جزاؤه من وجد في رحله } .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { فبدأ بأوعيتهم } الآية . قال : ذكر لنا أنه كان كلما فتح متاع رجل ، استغفر تأثماً مما صنع ، حتى بقي متاع الغلام ، قال : ما أظن أن هذا أخذ شيئاً . قالوا : بلى ، فاستبره .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن الضحاك - رضي الله عنه - في قوله { كذلك كدنا ليوسف } قال : كذلك صنعنا ليوسف { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } يقول : في سلطان الملك .

(5/430)


قال : كان في دين ملكهم أنه من سرق أخذت منه السرقة ومثلها معها من ماله ، فيعطيه المسروق .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } يقول : في سلطان الملك .
وأخرج ابن جرير ، عن محمد بن كعب القرظي - رضي الله عنه - في الآية . قال : دين الملك لا يؤخذ به من سرق أصلاً ، ولكن الله تعالى كاد لأخيه ، حتى تكلموا بما تكلموا به فآخذهم بقولهم ، وليس في قضاء الملك .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } قال : لم يكن ذلك في دين الملك أن يأخذ من سرق عبداً .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر ، عن الكلبي - رضي الله عنه - قال : كان حكم الملك ، أن من سرق ضاعف عليه الغرم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { إلا أن يشاء الله } قال : إلا بعلة ، كادها الله ليوسف عليه السلام ، فاعتل بها .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق مالك بن أنس - رضي الله عنه - قال : سمعت زيد بن أسلم - رضي الله عنه - يقول في هذه الآية { نرفع درجات من نشاء } قال : بالعلم . يرفع الله به من يشاء في الدنيا .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { نرفع درجات من نشاء } قال : يوسف واخوته ، اوتوا علماً . فرفعنا يوسف فوقهم في العلم درجة .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { وفوق كل ذي علم عليم } قال : يكون هذا أعلم من هذا ، وهذا أعلم من هذا ، والله فوق كل عالم .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات ، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - قال : كنا عند ابن عباس - رضي الله عنهما - فحدث بحديث ، فقال رجل عنده { وفوق كل ذي علم عليم } فقال ابن عباس - رضي الله عنهما - بئس ما قلت؛ الله العليم الخبير هو فوق كل عالم .
وأخرج ابن جرير ، عن محمد بن كعب - رضي الله عنه - قال : سأل رجل علياً - رضي الله عنه - عن مسألة ، فقال فيها .

(5/431)


فقال الرجل : ليس هكذا ، ولكن كذا وكذا ، قال علي - رضي الله عنه - : أحسنت وأخطأت { وفوق كل ذي علم عليم } .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات ، عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله { وفوق كل ذي علم عليم } قال : علم الله فوق كل عالم .
وأخرج ابن جرير ، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - { وفوق كل ذي علم عليم } قال الله أعلم من كل أحد .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن الحسن في الآية قال : ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي العلم إلى الله . منه بدأ وإليه يعود . وفي قراءة عبد الله « وفوق كل عالم عليم » .
وأخرج ابن المنذر ، عن مجاهد وأبو الشيخ ، عن ابن جريج في قوله { وفوق كل ذي علم عليم } قالا : هو ذلك أيضاً ، يوسف واخوته هو فوقهم في العلم .

(5/432)


قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77) قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (79)

أخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } قال : يعنون يوسف .
وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم ، عن مجاهد - رضي الله عنه - قال : كان أول ما دخل على يوسف عليه السلام من البلاء فيما بلغني ، أن عمته ، وكانت أكبر ولد إسحق عليه السلام ، وكانت إليها منطقة إسحق . فكانوا يتوارثونها بالكبر ، وكان يعقوب حين ولد له يوسف عليه السلام ، قد حضنته عمته ، فكان معها وإليها . فلم يحب أحد شيئاً من الأشياء كحبها إياه ، حتى إذا ترعرع وقعت نفس يعقوب عليه السلام عليه ، فأتاها فقال : يا أخية ، سلمي إلي يوسف ، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة . قالت : فوالله ما أنا بتاركته ، فدعه عندي أياماً أنظر إليه ، لعل ذلك يسليني عنه . فلما خرج يعقوب من عندها ، عمدت إلى منطقة إسحق عليه السلام فحزمتها على يوسف عليه السلام من تحت ثيابه ، ثم قالت : فقدت منطقة إسحق ، فانظروا من أخذها ومن أصابها . فالتمست ثم قالت : اكشفوا أهل البيت . فكشفوهم فوجدوها مع يوسف عليه السلام ، فقالت : والله إنه لسلم لي أصنع فيه ما شئت ، فأتاها يعقوب عليه السلام فأخبرته الخبر ، فقال لها : أنت وذاك إن كان فعل ذلك ، فهو سلم لك؛ ما أستطيع غير ذلك ، فأمسكته فما قدر عليه حتى ماتت عليها السلام . فهو الذي يقول إخوة يوسف عليهم السلام ، حين صنع بأخيه ما صنع : { إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } .
وأخرج ابن المنذر ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : سرق مكحلة لخالته .
وأخرج ابو الشيخ ، عن عطية - رضي الله عنه - قال : سرق في صباه ميلين من ذهب .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - « عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } قال : » سرق يوسف عليه السلام صنماً لجده أبي أمه من ذهب وفضة ، فكسره وألقاه في الطريق ، فعيره بذلك إخوته « » .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن ابن جريج - رضي الله عنه - في الآية ، قال : كانت أم يوسف عليه السلام أمرت يوسف عليه السلام أن يسرق صنماً لخاله كان يعبده ، وكانت مسلمة .
وأخرج ابن جرير ، عن قتادة - رضي الله عنه - قال : سرقته التي عابوه بها : أخذ صنماً كان لأبي أمه ، وإنما أراد بذلك الخير .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن زيد بن أسلم - رضي الله عنه - قال : كان يوسف عليه السلام غلاماً صغيراً مع أمه عند خال له ، وهو يلعب مع الغلمان ، فدخل كنيسة لهم فوجد تمثالاً لهم صغيراً من ذهب ، فأخذه .

(5/433)


قال : وهو الذي عيره إخوته به { إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن عطية - رضي الله عنه - في الآية قال : كان يوسف عليه السلام معهم على الخوان ، فأخذ شيئاً من الطعام فتصدق به .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابو الشيخ ، عن وهب بن منبه - رضي الله عنه - أنه سئل : كيف أخاف يوسف أخاه بأخذ الصواع وقد كان أخبره أنه أخوه ، وأنتم تزعمون أنه لم يزل متنكراً لهم؟! . . . مكايدهم حتى رجعوا فقال : إنه لم يعترف له بالنسب ، ولكنه قال : أنا أخوك مكان أخيك الهالك .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم } قال : أسر في نفسه . قوله { أنتم شر مكاناً والله أعلم بما تصفون } .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { شر مكاناً } قال يوسف : يقول { والله أعلم بما تصفون } قال : تقولون .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف ، عن شيبة - رضي الله عنه - قال : لما لقي يوسف أخاه قال : هل تزوجت بعدي؟ قال : نعم . وما شغلك الحزن علي؟ قال : إن أباك يعقوب عليه السلام قال لي : تزوج لعل الله أن يذرأ منك ذرية يثقلون ، أو قال يسكنون الأرض بتسبيحة .

(5/434)


فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80)

أخرج ابن جرير ، عن ابن إسحق - رضي الله عنه - { فلما استيأسوا منه } قال : أيسوا ورأوا شدته في الأمر .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { خلصوا نجياً } قال : وحدهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { قال كبيرهم } قال : شمعون الذي تخلف أكبرهم عقلاً ، وأكبر منه في الميلاد ، روبيل .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { قال كبيرهم } هو روبيل ، وهو الذي كان نهاهم عن قتله ، وكان أكبر القوم .
وأخرج ابن المنذر ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { أو يحكم الله لي } قال : أقاتل بالسيف حتى أقتل .
وأخرج أبو الشيخ ، عن وهب - رضي الله عنه - قال : إن شمعون كان أشد بني يعقوب بأساً ، وإنه كان إذا غضب ، قام شعره وانتفخ ، فلا يطفئ غضبه شيء إلا أن يمسه أحد من آل يعقوب . وإنه كان قد أغار مرة على أهل قرية فدمرهم . وإنه غضب يوم أخذ بنو يعقوب بالصواع غضباً شديداً . حتى انتفخ ، فأمر يوسف عليه السلام ابنه أن يمسه ، فسكن غضبه وبرد ، وقال : قد مسني يد من آل يعقوب .

(5/435)


ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83)

أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قرأ { إن ابنك سرق } .
وأخرج ابن جرير ، عن ابن زيد - رضي الله عنه - قال : قال يعقوب عليه السلام لبنيه : ما يدري هذا الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته إلا بقولكم . قالوا : ما شهدنا إلا بما علمنا ، لم نشهد أن السارق يؤخذ بسرقته إلا وذاك الذي علمنا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم - رضي الله عنه - أنه كره أن يكتب الرجل شهادته ، فإذا استشهد شهد ، ويقرأ { وما شهدنا إلا بما علمنا } .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { وما كنا للغيب حافظين } قال : لم نعلم أنه سيسرق .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله { وما كنا للغيب حافظين } قال : ما كنا نعلم أن ابنك يسرق .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { وما كنا للغيب حافظين } قال : يقولون ما كنا نظن أن ابنك يسرق .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { وسأل القرية } قال : مصر . وفي قوله { عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً } قال : بيوسف وأخيه وروبيل .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج - رضي الله عنه - في قوله { عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً } قال : بيوسف وأخيه وكبيرهم الذي تخلف .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن أبي روق - رضي الله عنه - قال : لما حبس يوسف عليه السلام أخاه بسبب السرقة ، كتب إليه يعقوب عليه السلام : من يعقوب بن إسحق بن إبراهيم خليل الله إلى يوسف عزيز فرعون ، أما بعد فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء ، إن أبي إبراهيم عليه السلام ألقي في النار في الله فصبر ، فجعلها الله عليه برداً وسلاماً ، وإن أبي إسحق عليه السلام قرب للذبح في الله فصبر ، ففداه الله بذبح عظيم . وإن الله كان وهب لي قرة عين فسلبنيه ، فأذهب حزنه بصري ، وأيبس لحمي على عظمي ، فلا ليلي ليل ، ولا نهاري نهار ، والأسير الذي في يديك بما ادعي عليه من السرق أخوه لأمه ، فكنت إذا ذكرت أسفي عليه قربته مني ، فيسلي عني بعض ما كنت أجد . وقد بلغني أنك حبسته بسبب سرقة ، فخل سبيله ، فإني لم ألد سارقاً وليس بسارق ، والسلام .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن أبي الجلد - رضي الله عنه - قال : قال له أخوه : يا أيها العزيز ، لقد ذهب لي أخ ما رأيت أحداً أشبه به منك ، لكأنه الشمس . فقال له يوسف عليه السلام : اسأل إله يعقوب أن يرحم صباك ، وإن يرد إليك أخاك .

(5/436)


وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق ، عن ابن عباس - رضي الله عنه - في قوله { يا أسفى على يوسف } قال : يا حزناً .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { يا أسفى على يوسف } قال : يا حزناً على يوسف .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { يا أسفى على يوسف } قال : يا جزعاً .
وأخرج أبو عبيد وابن سعيد وابن أبي شيبة وابن المنذر ، عن يونس - رضي الله عنه - قال : لما مات سعيد بن الحسن حزن عليه الحسن حزناً شديداً ، فكلم الحسن في ذلك فقال : ما سمعت الله عاب على يعقوب عليه السلام الحزن .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وأبو الشيخ ، عن الحسن - رضي الله عنه - قال : كان منذ خرج يوسف عليه السلام من عند يعقوب عليه السلام إلى يوم رجع ، ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه ، ودموعه تجري على خديه . ولم يزل يبكي حتى ذهب بصره . والله ما على وجه الأرض يومئذ خليقة أكبر على الله من يعقوب .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - قال : لم يعط أحد الاسترجاع غير هذه الأمة ، ولو أعطيها أحد لأعطيها يعقوب عليه السلام . ألا تستمعون إلى قوله { يا أسفى على يوسف } .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الأحنف بن قيس - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن داود قال : يا رب ، إن بني إسرائيل يسألونك بإبراهيم وإسحق ويعقوب ، فاجعلني لهم رابعاً . فأوحى الله إليه أن إبراهيم ألقي في النار بسببي فصبر ، وتلك بلية لم تنلك . وأن إسحق بذل مهجة دمه في سببي فصبر ، وتلك بلية لم تنلك ، وأن يعقوب أخدت منه حبيبه حتى ابيضت عيناه من الحزن فصبر ، وتلك بلية لم تنلك » .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { فهو كظيم } قال : حزين .
وأخرج ابن الأنباري في الوقف ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - إن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله { فهو كظيم } ما الكظيم؟ قال : المغموم . قال فيه قيس بن زهير :
فإن أك كاظماً لمصاب شاس ... فإني اليوم منطلق لساني
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { فهو كظيم } قال : كظم الحزن .

(5/437)


وأخرج ابن المبارك وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { فهو كظيم } قال : كظم على الحزن ، فلم يقل إلا خيراً ، أو في لفظ : يردد حزنه في جوفه ولم يتكلم بسوء .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن عطاء الخراساني - رضي الله عنه - في قوله { فهو كظيم } قال : فهو مكروب .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله { كظيم } قال : مكروب .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن الضحاك رضي الله عنه قال : الكظيم الكمد .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد - رضي الله عنه - { فهو كظيم } قال : مكمود .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن ابن زيد رضي الله عنه قال : الكظيم الذي لا يتكلم ، بلغ به الحزن حتى كان لا يكلمهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ليث بن أبي سليم - رضي الله عنه - أن جبريل عليه السلام ، دخل على يوسف عليه السلام في السجن فعرفه ، فقال له : أيها الملك الكريم على ربه ، هل لك علم بيعقوب؟ قال نعم . قال : ما فعل؟ قال : ابيضت عيناه من الحزن عليك . قال : فماذا بلغ من حزنه؟ قال : حزن سبعين مثكلة . قال : هل له على ذلك من أجر؟ قال : نعم . أجر مائة شهيد .
وأخرج ابن جرير من طريق ليث ، عن ثابت البناني - رضي الله عنه - مثله سواء .
وأخرج ابن جرير من طريق ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد - رضي الله عنه - قال : حدثت أن جبريل عليه السلام ، دخل على يوسف عليه السلام وهو بمصر في صورة رجل ، فلما رآه يوسف عليه السلام عرفه ، فقام إليه فقال : أيها الملك الطيب ريحه ، الطاهر ثيابه ، الكريم على ربه ، هل لك بيعقوب من علم؟ قال : نعم . قال : فكيف هو؟ . . . فقال : ذهب بصره . قال : وما الذي أذهب بصره؟ قال : الحزن عليك . قال : فما أعطي على ذلك؟ قال : أجر سبعين شهيداً .
وأخرج ابن جرير ، عن عبد الله بن أبي جعفر - رضي الله عنه - قال : دخل جبريل عليه السلام على يوسف عليه السلام في السجن فقال له يوسف : يا جبريل ، ما بلغ من حزن أبي؟ قال : حزن سبعين ثكلى . قال : فما بلغ أجره من الله؟ قال : أجر مائة شهيد .
وأخرج ابن أبي شيبة عن خلف بن حوشب مثله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن وهب بن منبه - رضي الله عنه - قال : لما أتى جبريل عليه السلام يوسف عليه السلام بالبشرى وهو في السجن قال : هل تعرفني أيها الصديق؟ قال : أرى صورة طاهرة ، وريحاً طيبة لا تشبه أرواح الخاطئين .

(5/438)


قال : فإني رسول رب العالمين ، وأنا الروح الأمين . قال : فما الذي أدخلك إلى مدخل المذنبين ، وأنت أطيب الطيبين ، ورأس المقربين ، وأمين رب العالمين؟؟؟ . . . قال : ألم تعلم يا يوسف ، أن الله يطهر البيوت بمطهر النبيين؟ وأن الأرض التي تدخلونها هي أطيب الأرضين؟ وأن الله قد طهر بك السجن وما حوله بأطهر الطاهرين وابن المطهرين؟ إنما يتطهر بفضل طهرك وطهر آبائك الصالحين المخلصين . قال : كيف تسميني بأسماء الصديقين وتعدني من المخلصين ، وقد دخلت مدخل المذنبين ، وسميت بالضالين المفسدين؟ . . . قال : لم يفتن قلبك الحزن ، ولم يدنس حريتك الرق ، ولم تطع سيدتك في معصية ربك ، فلذلك سماك الله بأسماء الصديقين ، وعدّك مع المخلصين ، وألحقك بآبائك الصالحين . قال : هل لك علم بيعقوب؟ قال : نعم ، وهب الله له الصبر الجميل ، وابتلاه بالحزن عليك فهو كظيم . قال : فما قدر حزنه؟ قال : سبعين ثكلى . قال : فماذا له من الأجر؟ قال : قدر مائة شهيد .
وأخرج ابن جرير ، عن عكرمة - رضي الله عنه - قال : أتى جبريل عليه السلام ، يوسف عليه السلام وهو في السجن ، فسلم عليه ، فقال له يوسف : أيها الملك الكريم على ربه ، الطيب ريحه ، الطاهر ثيابه ، هل لك علم بيعقوب؟ قال : نعم ، ما أشد حزنه! . . قال : ماذا له من الأجر؟ قال : أجر سبعين ثكلى . قال : أفتراني لاقيه؟ قال : نعم . فطابت نفس يوسف .
وأخرج ابن جرير ، عن الحسن - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه سئل « ما بلغ وجد يعقوب على ابنه؟ قال : وجد سبعين ثكلى . قيل فما كان له من الأجر؟ قال : أجر مائة شهيد ، وما ساء ظنه بالله ساعة من ليل أو نهار » .
وأخرج أحمد في الزهد ، عن عمرو بن دينار أنه ألقي على يعقوب عليه السلام حزن سبعين مثكل ، ومكث في ذلك الحزن ثمانين عاماً .

(5/439)


قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { تالله تفتأ تذكر يوسف } قال : لا تزال تذكر يوسف { حتى تكون حرضاً } قال : دنفاً من المرض { أو تكون من الهالكين } قال الميتين .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف } قال : لا تزال تذكر يوسف ، لا تفتر عن حبه { حتى تكون حرضاً } قال : هرماً { أو تكون من الهالكين } قال : أو تموت .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك - رضي الله عنه - { حتى تكون حرضاً } قال : الحرض الشيء البالي { أو تكون من الهالكين } قال الميتين .
وأخرج ابن الأنباري والطستي ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله { تفتأ تذكر يوسف } قال : لا تزال تذكر يوسف . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت الشاعر وهو يقول :
لعمرك لا تفتأ تذكر خالدا ... وقد غاله ما غال تبع من قبل
قال : أخبرني عن قوله { حتى تكون حرضاً } قال : الحرض ، المدنف الهالك من شدة الوجع . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت الشاعر وهو يقول :
أمن ذكر ليلى أن نأت قرية بها ... كأنك حم للأطباء محرض
وأخرج ابن جرير عن طلحة بن مصرف الأيامي قال : ثلاثة لا تذكرهن واجتنب ذكرهن : لا تَشْكُ مرضك ، ولا تَشْكُ مصيبتك ، ولا تُزَكِّ نفسكَ . قال : وأنبئت أن يعقوب عليه السلام دخل عليه جار له فقال : يا يعقوب ، ما لي أراك قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك؟ قال : هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من هم يوسف ، وذكره . فأوحى الله إليه « يا يعقوب ، اتشكوني إلى خلقي؟ فقال : يا رب ، خطيئة أخطأتها فاغفرها لي . قال : فإني قد غفرت لك » . فكان بعد ذلك إذا سئل قال { إنما أشكو بثي وحزني إلى الله } .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير ، عن مسلم بن يسار - رضي الله عنه - يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال « من بث لم يصبر » ثم قرأ { إنما أشكو بثي وحزني إلى الله } .
وأخرج ابن عدي والبيهقي في شعب الإِيمان ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من كنوز البر ، إخفاء الصدقة ، وكتمان المصائب والأمراض ، ومن بث لم يصبر » .
وأخرج البيهقي من وجه آخر ، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب - رضي الله عنه - قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(5/440)


« ثلاث من كنوز البر : كتمان الصدقة ، وكتمان المصيبة ، وكتمان المرض » .
وأخرج البيهقي في الشعب وضعفه ، عن أنس - رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أصبح حزيناً على الدنيا ، أصبح ساخطاً على ربه . ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به ، فإنما يشكو الله . ومن تضعضع لغني لينال من دنياه ، أحبط الله ثلثي عمله . ومن أعطي القرآن فدخل النار ، فأبعده الله » .
وأخرج البيهقي وضعفه ، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - مرفوعاً مثله .
وأخرج أحمد في الزهد والبيهقي عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال : ثلاث من ملاك أمرك : أن لا تشكو مصيبتك ، وأن لا تحدث بوجعك ، وإن لا تزكي نفسك ، بلسانك .
وأخرج أحمد في الزهد والبيهقي ، عن وهب بن منبه - رضي الله عنه - قال : وجدت في التوراة أربعة أسطر متوالية : من شكا مصيبته فإنما يشكو ربه ، ومن تضعضع لغني ذهب ثلثا دينه ، ومن حزن على ما في يد غيره فقد سخط قضاء ربه ، ومن قرأ كتاب الله فظن أن لا يغفر له ، فهو من المستهزئين بآيات الله .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي ، عن الحسن - رضي الله عنه - قال : من ابتلى ببلاء فكتمه ثلاثاً ، لا يشكو إلى أحد ، أتاه الله برحمته .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن حبيب بن أبي ثابت : أن يعقوب عليه السلام ، كان قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر ، فكان يرفعهما بخرقة . فقيل له : ما بلغ بك هذا؟ قال طول الزمان ، وكثرة الأحزان . فأوحى الله إليه « يا يعقوب ، أتشكوني؟ قال : يا رب ، خطيئة أخطأتها ، فاغفر لي » .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن نصر بن عربي قال : بلغني أن يعقوب عليه السلام ، لما طال حزنه على يوسف ، ذهبت عيناه من الحزن . فجعل العوّاد يدخلون عليه فيقولون : السلام عليك يا نبي الله ، كيف تجدك؟ فيقول : شيخ كبير قد ذهب بصري . فاوحى الله إليه « يا يعقوب ، شكوتني إلى عوادك؟ قال : أي رب ، هذا ذنب عملته لا أعود إليه » فلم يزل بعد يقول { إنما أشكو بثي وحزني إلى الله } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إنما أشكو بثي } . قال : همي .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن الحسن - رضي الله عنه - في قوله { أشكو بثي } قال : حاجتي .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { وأعلم من الله ما لا تعلمون } يقول : أعلم أن رؤيا يوسف عليه السلام صادقة ، وإني سأسجد له .

(5/441)


وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإِيمان ، عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه قال : سمعت نشيج عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وإني لفي آخر الصفوف في صلاة الصبح ، وهو يقرأ { إنما أشكو بثي وحزني إلى الله } .
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي ، عن علقمة بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال : صليت خلف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - العشاء ، فقرأ سورة يوسف عليه السلام ، فلما أتى على ذكر يوسف عليه السلام ، نشج حتى سمعت نشيجه وأنا في مؤخر الصفوف .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - قال : ذكر لنا أن يعقوب عليه السلام ، لم تنزل به شدة بلاء قط إلا أتاه حسن ظنه بالله من وراء بلائه .
وأخرج ابن المنذر عن عبد الرزاق - رضي الله عنه - قال : بلغنا أن يعقوب عليه السلام قال : « يا رب ، أذهبت ولدي ، وأذهبت بصري! . . . قال : بلى ، وعزتي وجلالي وإني لأرحمك ، ولأردنَّ عليك بصرك وولدك . وإنما ابتليتك بهذه البلية ، لأنك ذبحت جملاً فشويته ، فوجد جارك ريحه فلم تنله » .
وأخرج إسحق بن راهويه في تفسيره ، وابن أبي الدنيا في كتاب الفرج بعد الشدة ، وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط ، وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان ، عن أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كان ليعقوب عليه السلام أخ مؤاخ ، فقال له ذات يوم : يا يعقوب ، ما الذي أذهب بصرك؟ وما الذي قوس ظهرك؟ قال : أما الذي أذهب بصري ، فالبكاء على يوسف . وأما الذي قوس ظهري ، فالحزن على بنيامين . فأتاه جبريل عليه السلام فقال : يا يعقوب ، إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك : ما تستحي تشكوني إلى غيري؟ فقال يعقوب عليه السلام { إنما أشكو بثي وحزني إلى الله } فقال جبريل عليه السلام : الله أعلم بما تشكو يا يعقوب . ثم قال يعقوب : أما ترحم الشيخ الكبير؟ أذهبت بصري وقوست ظهري ، فاردد علي ريحانتي أشمه شمة قبل الموت ، ثم اصنع بي ما أردت . فأتاه جبريل عليه السلام فقال : يا يعقوب ، إن الله يقرئك السلام ويقول لك : أبشر وليفرح قلبك ، فوعزتي لو كانا ميتين لنشرتهما لك . فاصنع طعاماً للمساكين ، فإن أحب عبادي إلي : الأنبياء والمساكين . وتدري لم أذهبت بصرك وقوست ظهرك ، وصنع إخوة يوسف به ما صنعوا؟ إنكم ذبحتم شاة فأتاكم مسكين وهو صائم فلم تطعموه منها شيئاً . فكان يعقوب عليه السلام إذا أراد الغداء أمر منادياً ينادي ، ألا من أراد الغداء من المساكين فليتغد مع يعقوب ، وإذا كان صائماً ، أمر منادياً ألا من كان صائماً ، من المساكين فليفطر مع يعقوب » .

(5/442)


يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)

أخرج ابن أبي حاتم عن النصر بن عربي - رضي الله عنه - قال : بلغني أن يعقوب عليه السلام مكث أربعة وعشرين عاماً لا يدري أحي يوسف عليه السلام أم ميت ، حتى تخلل له ملك الموت فقال له : من أنت؟ قال : أنا ملك الموت . قال : فأنشدك بإله يعقوب ، هل قبضت روح يوسف عليه السلام؟ قال : لا فعند ذلك قال { يا بني ، اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله } فخرجوا إلى مصر ، فلما دخلوا عليه لم يجدوا كلاماً أرق من كلام استقبلوه به . { قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر } .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { ولا تيأسوا من روح الله } قال : من رحمة الله .
وأخرج ابن جرير ، عن الضحاك - رضي الله عنه - مثله .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن ابن زيد - رضي الله عنه - في قوله { ولا تيأسوا من روح الله } قال : من فرج الله ، يفرج عنكم الغم الذي أنتم فيه .

(5/443)


فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88)

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر } أي الضر في المعيشة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { وجئنا ببضاعة } قال : دراهم { مزجاة } قال : كاسدة غير طائلة .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { ببضاعة مزجاة } قال : رثة المتاع ، خلق الحبل والغرارة والشيء .
وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - { ببضاعة مزجاة } قال : الورق الردية الزيوف ، التي لا تنفق حتى يوضع فيها .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله { ببضاعة مزجاة } قال : قليلة .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله { ببضاعة مزجاة } قال : دراهم زيوف .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن سعيد بن جبير وعكرمة - رضي الله عنهما - في قوله { ببضاعة مزجاة } قال أحدهما : ناقصة . وقال الآخر : فلوس رديئة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن عبد الله بن الحارث - رضي الله عنه - في قوله { ببضاعة مزجاة } قال : متاع الإِعراب ، الصوف والسمن .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن أبي صالح - رضي الله عنه - في قوله { ببضاعة مزجاة } قال : حبة الخضراء ، وصنوبر وقطن .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { ببضاعة مزجاة } قال : ببعيرات وبقرات عجاف .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ، عن الضحاك - رضي الله عنه - في قوله { مزجاة } قال : كاسدة .
وأخرج ابن النجار ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { ببضاعة مزجاة } قال : سويق المقل .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن مالك بن أنس - رضي الله عنهما - أنه سئل عن أجر الكيالين : أيؤخذ من المشتري؟ قال : الصواب - والذي يقع في قلبي - أن يكون على البائع . وقد قال إخوة يوسف عليهم السلام : { أوف لنا الكيل وتصدق علينا } . وكان يوسف عليه السلام هو الذي يكيل .
وأخرج ابن جرير ، عن إبراهيم - رضي الله عنه - قال : في مصحف عبد الله « فأوف لنا الكيل وأوقر ركابنا » .
وأخرج ابن جرير ، عن سفيان بن عيينة - رضي الله عنه ، أنه سئل : هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ألم تسمع قوله { فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين } .

(5/444)


وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير قال : الأنبياء عليهم السلام لا يأكلون الصدقة ، إنما كانت دراهم نفاية لا تجوز بينهم ، فقالوا : تجوّز عنا ولا تُنْقِصْنا من السعر لأجل رديء دراهمنا .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن ابن جريج - رضي الله عنه - في قوله { وتصدق علينا } قال : اردد علينا أخانا .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - أن رجلاً قال له : تصدق عليَّ ، تصدق الله عليك بالجنة ، فقال : ويحك ، إن الله لا يتصدق ، ولكن الله يجزي المتصدقين .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر ، عن مجاهد - رضي الله عنه - أنه سئل : أيكره أن يقول الرجل في دعائه : اللهم تصدق علي؟ فقال نعم إنما الصدقة لمن يبتغي الثواب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ثابت البناني - رضي الله عنه - قال : قيل لبني يعقوب : إن بمصر رجلاً يطعم المسكين ويملأ حجر اليتيم . قالوا : ينبغي أن يكون هذا منا أهل البيت ، فنظروا فإذا هو يوسف بن يعقوب .

(5/445)


قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)

أخرج أبو الشيخ عن الأعمش - رضي الله عنه - قال : قرأ يحيى بن وثاب - رضي الله عنه « أنك لأنت يوسف » بهمزة واحدة .
وأخرج أبو الشيخ ، عن الضحاك - رضي الله عنه - قال : في حرف عبدالله { قال : أنا يوسف وهذا أخي } بيني وبينه قربى { قد منّ الله علينا } .
وأخرج أبو الشيخ في قوله { إنه من يتق } الزنا { ويصبر } على العزوبة فإن الله { لا يضيع أجر المحسنين } .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن الربيع بن أنس - رضي الله عنه - قال : مكتوب في الكتاب الأول ، أن الحاسد لا يضر بحسده إلا نفسه ، ليس ضاراً من حسد . وإن الحاسد ينقصه حسده ، وإن المحسود إذا صبر ، نجاه الله بصبره؛ لأن الله يقول { إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } .

(5/446)


قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { قالوا تالله لقد آثرك الله علينا } وذلك بعدما عرفهم نفسه ، لقوا رجلاً حليماً لم يبث ولم يثرب عليهم أعمالهم .

(5/447)


قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93)

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر ، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { لا تثريب } قال لا تعيير .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { لا تثريب } قال لا إباء .
وأخرج أبو الشيخ ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه ، عن جده قال : « لما استفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، التفت إلى الناس فقال : » ماذا تقولون ، وماذا تظنون؟ . . . قالوا : ابن عم كريم . فقال { لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم } « » .
وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة ، صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : « يا أهل مكة ، ماذا تظنون ، ماذا تقولون؟ قالوا : نظن خيراً ونقول خيراً : ابن عم كريم قد قدرت ، قال : فإني أقول كما قال أخي يوسف { لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين } » .
وأخرج البيهقي في الدلائل ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة ، طاف بالبيت وصلى ركعتين ، ثم أتى الكعبة فأخذ بعضادتي الباب ، فقال : » ماذا تقولون ، وماذا تظنون؟ قالوا : نقول ابن أخ وابن عم حليم رحيم ، فقال : أقول كما قال يوسف { لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين } فخرجوا كأنما نشروا من القبور فدخلوا في الإِسلام « » .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن عطاء الخراساني - رضي الله عنه - قال : طلب الحوائج إلى الشباب ، أسهل منها إلى الشيوخ . ألم تر إلى قول يوسف { لا تثريب عليكم اليوم } وقال يعقوب عليه السلام { سوف أستغفر لكم ربي } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني - رضي الله عنه - قال : أما والله ، ما سمعنا بعفو قط مثل عفو يوسف .
وأخرج الحكيم الترمذي وأبو الشيخ ، عن وهب بن منبه - رضي الله عنه - قال : لما كان من أمر إخوة يوسف ما كان ، كتب يعقوب إلى يوسف - وهو لا يعلم أنه يوسف - بسم الله الرحمن الرحيم . من يعقوب بن إسحق بن إبراهيم إلى عزيز آل فرعون ، سلام عليك . فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد : فإنا أهل بيت ، مولع بنا أسباب البلاء . كان جدي إبراهيم ، خليل الله عليه السلام ألقي في النار في طاعة ربه ، فجعلها عليه الله برداً وسلاماً . وأمر الله جدي أن يذبح له أبي ، ففداه الله بما فداه الله به . وكان لي ابن وكان من أحب الناس إلي ففقدته .

(5/448)


فأذهب حزني عليه نور بصري ، وكان له أخ من أمه ، كنت إذا ذكرته ضممته إلى صدري . فأذهب عني وهو المحبوس عندك في السرقة ، وأني أخبرك أني لم أسرق ولم ألد سارقاً . فلما قرأ يوسف عليه السلام الكتاب ، بكى وصاح وقال { اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً } .
وأخرج أبو الشيخ ، عن الحسن - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله { اذهبوا بقميصي هذا } « إن نمرود لما ألقى إبراهيم في النار ، نزل إليه جبريل بقميص من الجنة ، وطنفسة من الجنة ، فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة ، وقعد معه يتحدث ، فأوحى الله إلى النار { كوني برداً وسلاماً على إبراهيم } [ الأنبياء : 69 ] ولولا أنه قال : وسلاماً ، لأذاه البرد ولقتله البرد » .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : « يا خير البشر ، فقال : ذاك يوسف صديق الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن اسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله . إن الله كسا إبراهيم ثوباً من الجنة ، فكساه إبراهيم إسحاق ، فكساه اسحاق يعقوب ، فأخذه يعقوب فجعله في قصبة حديد ، وعلقه في عنق يوسف ، ولو علم إخوته إذ ألقوه في الجب لأخذوه ، فلما أراد الله أن يرد يوسف على يعقوب وكان بين رؤياه وتعبيرها أربعين سنة ، أمر البشير أن يبشره من ثمان مراحل ، فوجد يعقوب ريحه فقال { إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون } فلما ألقاه على وجهه ارتد بصيراً ، وليس يقع شيء من الجنة على عاهة من عاهات الدنيا إلا أبرأها بإذن الله تعالى .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن المطلب بن عبدالله بن حنطب - رضي الله عنه - قال : لما ألقي إبراهيم في النار ، كساه الله تعالى قميصاً من الجنة ، فكساه إبراهيم اسحاق ، وكساه اسحاق يعقوب ، وكساه يعقوب يوسف ، فطواه وجعله في قصبة فضة ، فجعله في عنقه وكان في عنقه حين ألقي في الجب ، وحين سجن ، وحين دخل عليه إخوته . وأخرج القميص من القصبة فقال { اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً } فشم يعقوب عليه السلام ريح الجنة وهو بأرض كنعان ، بأرض فلسطين ، فقال { إني لأجد ريح يوسف } .
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : كان أهله حين أرسل إليهم ، فأتوا مصر ثلاثة وتسعين إنساناً ، رجالهم أنبياء ، ونساؤهم صِدِّيقات ، والله ما خرجوا مع موسى عليه السلام ، حتى بلغوا ستمائة ألف وسبعين ألفاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس - رضي الله عنه - قال : خرج يعقوب عليه السلام إلى يوسف عليه السلام بمصر ، في اثنين وسبعين من ولده وولد ولده ، فخرجوا منها مع موسى عليه السلام وهم ستمائة ألف .

(5/449)


وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95)

أخرج عبد الرزاق والفريابي وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما - في قوله { ولما فصلت العير } قال : خرجت العير ، هاجت ريح فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف ، قال : { إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون } تسفهون . قال : فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { إني لأجد ريح يوسف } قال : وجد ريحه من مسيرة عشرة أيام .
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه سئل من كم وجد يعقوب عليه السلام ريح القميص؟ قال : وجده من مسيرة ثمانين فرسخاً .
وأخرج ابن المنذر عن الحسن - رضي الله عنه - قال : وجد ريح يوسف من مسيرة شهر .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : وجد يعقوب عليه السلام ريح يوسف ، من مسيرة ستة أيام .
وأخرج أبو الشيخ ، عن محمد بن كعب - رضي الله عنه - قال : وجد ريحه من مسيرة سبعة أيام .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { لولا أن تفندون } يقول : تجهلون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { لولا أن تفندون } قال : تكذبون .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { لولا أن تفندون } قال : تهرمون ، تقولون قد ذهب عقلك .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن زيد - رضي الله عنه - في الآية قال : المفند ، الذي ليس له عقل . يقولون : لا يعقل . قال : وقال الشاعر :
مهلاً فإن من العقول مفندا ... وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر ، عن الربيع - رضي الله عنه - في قوله { لولا أن تفندون } قال : لولا أن تُحَمِّقون .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن زيد - رضي الله عنه - قال : لما بعث يوسف عليه السلام القميص إلى يعقوب عليه السلام ، أخذه فشمه ، ثم وضعه على بصره فرد الله عليه بصره ، ثم حملوه إليه ، فلما دخلوا ويعقوب متكئ على ابن له يقال له يهودا ، استقبله يوسف عليه السلام في الجنود والناس ، فقال يعقوب : يا يهودا ، هذا فرعون مصر . قال : لا يا أبت ، ولكن هذا ابنك يوسف قيل له إنك قادم فتلقاك في أهل مملكته ، والناس ، فلما لقيه ذهب يوسف عليه السلام ليبدأه بالسلام ، فمنع من ذلك ليعلم أن يعقوب أكرم على الله منه ، فاعتنقه وقبّله وقال : السلام عليك أيها الذاهب بالأحزان عني .

(5/450)


وأخرج أبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - قال : إن يعقوب عليه السلام لقي ملك الموت عليه السلام فقال : هل قبضت نفس يوسف فيمن قبضت؟ قال : لا . فعند ذلك { قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون } .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وأبو الشيخ ، عن عمر بن يونس اليمامي قال : بلغني أن يعقوب عليه السلام كان أحب أهل الأرض إلى ملك الموت ، وأن ملك الموت استأذن ربه في أن يأتي يعقوب عليه السلام ، فأذن له ، فجاءه ، فقال له يعقوب عليه السلام : يا ملك الموت ، أسألك بالذي خلقك : هل قبضت نفس يوسف فيمن قبضت من النفوس؟ قال : لا . قال له ملك الموت : يا يعقوب ، ألا أعلمك كلمات ، لا تسأل الله شيئاً إلا أعطاك؟ قال : بلى . قال : قل : ياذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً ، ولا يحصيه غيرك . فدعا بها يعقوب عليه السلام في تلك الليلة ، فلم يطلع الفجر حتى طرح القميص على وجهه فارتد بصيراً .
وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسن ، أنه حدث أن ملكاً من ملوك العمالق ، خطب إلى يعقوب ابنته رقية ، فأرسل إليه يعقوب أن المرأة المسلمة المعزوزة لا تحل للكافر الأغرل ، فغضب ذلك الملك وقال : لأقتلنه ولأقتلن ولده ، فبعث إليهم جيشاً ، فغزا يعقوب ومعه بنوه ، فجلس لهم على تل مرتفع ، ثم قال : أي بني ، أي ذلك أحب إليكم أن تقتلوهم بأيديكم قتلاً ، أو يكفيكموهم الله؟ فإني قد سألت الله ذلك فأعطانيه . قالوا نقتلهم بأيدينا هو أشفى لأنفسنا . قال : أي بني ، أو تقبلون كفاية الله؟ قال : فدعا الله عليهم يعقوب عليه السلام ، فخسف بهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { إنك لفي ضلالك القديم } يقول : خطئك القديم .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - في قوله { لفي ضلالك القديم } قال : حبك القديم .

(5/451)


فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه } قال : البريد .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن الضحاك - رضي الله عنه - مثله .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { فلما أن جاء البشير } قال : البشير ، يهودا بن يعقوب .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن سفيان - رضي الله عنه - قال : البشير ، هو يهودا . قال : وكان ابن مسعود - رضي الله عنه - يقرأ : [ وجاء البشير من بين يدي العير ] .
وأخرج أبو الشيخ ، عن الحسن - رضي الله عنه - قال : لما جاء البشير إلى يعقوب عليه السلام ، قال : ما وجدت عندنا شيئاً ، وما اختبزنا منذ سبعة أيام . ولكن هوّن الله عليك سكرة الموت .
وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد ، عن لقمان الحنفي - رضي الله عنه - قال : بلغنا أن يعقوب عليه السلام ، لما أتاه البشير قال له : ما أدري ما أثيبك اليوم ، ولكن هوّن الله عليك سكرات الموت .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الحسن - رضي الله عنه - قال : لما أن جاء البشير إلى يعقوب عليه السلام فألقى عليه القميص ، قال : على أي دين خلفت عليه يوسف عليه السلام؟ قال : على الإِسلام . قال : الآن تمت النعمة .

(5/452)


قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98)

أخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني ، عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - في قوله { سأستغفر لكم ربي } قال : إن يعقوب عليه السلام أخر بنيه إلى السَحَر .
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { سأستغفر لكم ربي } قال : أخرهم إلى السَحَرِ ، وكان يصلي بالسحر .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - « أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : لم أخر يعقوب بنيه في الاستغفار؟! . . . قال : » أخرهم إلى السحر؛ لأن دعاء السحر مستجاب « » .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « في قصة قول أخي يعقوب لبنيه { سوف أستغفر لكم ربي } يقول : حتى تأتي ليلة الجمعة » .
وأخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن مردويه ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال جاء علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال « بأبي أنت وأمي ، تفلت هذا القرآن من صدري . فما أجدني أقدر عليه؟ . . . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا الحسن ، أفلا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن ، وينفع الله بهن من علمته ، ويثبت ما تعلمت في صدرك؟ . . . قال : أجل يا رسول الله ، فعلمني . قال : إذا كانت ليلة الجمعة ، فإن استطعت أن تقوم ثلث الليل الأخير ، فإنه ساعة مشهودة ، والدعاء فيها مستجاب . وقد قال أخي يعقوب لبنيه { سوف أستغفر لكم ربي } يقول : حتى تأتي ليلة الجمعة ، فإن لم تستطع ، فقم في وسطها ، فإن لم تستطع ، فقم في أولها ، فصل أربع ركعات ، تقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة يس ، وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب وحم الدخان ، وفي الركعة الثالثة بفاتحة الكتاب والم تنزيل السجدة ، وفي الركعة الرابعة بفاتحة الكتاب وتبارك المفصل ، فإذا فرغت من التشهد ، فاحمد الله وأحسن الثناء على الله ، وصلّ عليّ وعلى سائر النبيين ، واستغفر للمؤمنين والمؤمنات ، ولإِخوانك الذين سبقوك بالإِيمان ، ثم قل في آخر ذلك : اللهم ارحمني بترك المعاصي أبداً ما أبقيتني ، وارحمني أن أتكلف ما لا يعنيني ، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني ، اللهم بديع السموات والأرض ، ذا الجلال والإِكرام والعزة التي لا ترام ، أسألك يا الله ، يا رحمن ، بجلالك ونور وجهك أن تلزم قلبي حفظ كتابك كما علمتني ، وارزقني أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني . اللهم بديع السموات والأرض ، ذا الجلال والإِكرام والعزة التي لا ترام ، أسألك يا ألله ، يا رحمن ، بجلالك ونور وجهك أن تنوّر بكتابك بصري ، وأن تطلق به لساني ، وأن تفرج به عن قلبي ، وأن تشرح به صدري ، وأن تغسل به بدني ، فإنه لا يعينني على الحق غيرك ، ولا يؤتيه إلا أنت ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . يا أبا الحسن ، تفعل ذلك ثلاث جمع ، أو خمساً أو سبعاً ، بإِذن الله تعالى ، والذي بعثني بالحق ما أخطأ مؤمناً قط »

(5/453)


قال ابن عباس - رضي الله عنهما - فوالله ما مكث علي - رضي الله عنه - إلا خمساً أو سبعاً ، حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك المجلس ، قال « يا رسول الله ، إني كنت فيما خلا لا آخذ الأربع آيات ونحوهن ، فإذا قرأتهن على نفسي تفلتن ، وأنا أتعلم اليوم أربعين آية ونحوها ، فإذا قرأتها على نفسي فكأنما كتاب الله بين عيني ، ولقد كنت أسمع الحديث ، فإذا رددته تفلت . وأنا اليوم أسمع الأحاديث ، فإذا تحدثت بها لم أخرم منها حرفاً . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : مؤمن ورب الكعبة أبا الحسن . . . » .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن عمرو بن قيس - رضي الله عنه - في قوله { سأستغفر لكم ربي } قال : في صلاة الليل .
وأخرج ابن جرير عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : إن الله لما جمع ليعقوب عليه السلام شمله ببنيه وأقر عينه ، خلا ولده نجيا . فقال بعضهم لبعض : ألستم قد علمتم ما صنعتم وما لقي منكم الشيخ؟ فجلسوا بين يديه ويوسف إلى جنب أبيه قاعد ، قالوا : يا أبانا ، أتيناك في أمر لم نأتك في مثله قط ، ونزل بنا أمر لم ينزل بنا مثله ، حتى حركوه - والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، أرحم البرية - فقال : ما لكم يا بني؟؟؟ . . . قالوا : ألست قد علمت ما كان منا إليك ، وما كان منا إلى أخينا يوسف؟ قالا بلى . قالوا : يا بني؟ قالوا : نريد أن تدعو الله ، فإذا جاءك من عند الله بأنه قد عفا ، قرت أعيننا واطمأنت قلوبنا . وإلا ، فلا قرة عين في الدنيا لنا أبداً . قال : فقام الشيخ فاستقبل القبلة ، وقام يوسف خلف أبيه ، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين . فدعا وأمن يوسف ، فلم يجب فيهم عشرين سنة ، حتى إذا كان رأس العشرين ، نزل جبريل عليه السلام على يعقوب عليه السلام فقال : إن الله بعثني أبشرك بأنه قد أجاب دعوتك في ولدك ، وإنه قد عفا عما صنعوا ، وإنه قد اعتقد مواثيقهم من بعدك على النبوّة .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن - رضي الله عنه - قال : لما جمع الله ليعقوب عليه السلام بنيه ، قال ليوسف : حدثني ، ما صنع بك اخوتك؟ قال : فابتدأ يحدثه ، فغشي عليه جزعاً .

(5/454)


فقال : يا أبت ، إن هذا من أهون ما صنعوا بي ، فقال لهم يعقوب عليه السلام : يا بني ، أما لكم موقف بين يدي الله تخافون أن يسألكم عما صنعتم؟ قالوا يا أبانا ، قد كان ذاك فاستغفر لنا ، قال : وقد كان الله تبارك وتعالى عود يعقوب عليه السلام ، إذا سأله حاجة أن يعطيها إياه في أول يوم أو في الثاني أو الثالث لا محالة - فقال : إذا كان السحر ، فأفيضوا عليكم من الماء ، ثم البسوا ثيابكم التي تصونوها ، ثم هلموا إلي : ففعلوا فجاؤوا ، فقام يعقوب أمامهم ويوسف عليه السلام خلفه ، وهم خلف يوسف إلى أن طلعت الشمس لم تنزل عليهم التوبة ، ثم اليوم الثاني ، ثم اليوم الثالث ، فلما كانت الليلة الرابعة ، ناموا ، فجاءهم يعقوب عليه السلام فقال : يا بني ، تنامون والله عليكم ساخط؟! فقوموا . فقام وقاموا عشرين سنة يطلبون إلى الله الحاجة ، فأوحى الله إلى يعقوب عليه السلام : إني قد تبت عليهم وقبلت توبتهم . قال : يا رب ، النبوّة قال : قد أخذت ميثاقهم في النبيين .
وأخرج أبو الشيخ ، عن ابن عائشة قال : ما تيب على ولد يعقوب إلا بعد عشرين سنة ، وكان أبوهم بين أيديهم فما تيب عليهم ، حتى نزل جبريل عليه السلام فعلمه هذا الدعاء « يا رجاء المؤمنين ، لا تقطع رجاءنا ، يا غياث المؤمنين ، أغثنا . يا مانع المؤمنين ، امنعنا . يا مجيب التائبين ، تب علينا » . قال : فأخره إلى السحر فدعا به ، فتيب عليهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الليث بن سعد ، أن يعقوب وإخوة يوسف ، أقاموا عشرين سنة يطلبون فيما فعل إخوة يوسف بيوسف ، لا يقبل ذلك منهم ، حتى لقي جبريل يعقوب فعلمه هذا الدعاء : يا رجاء المؤمنين ، لا تخيب رجائي ، ويا غوث المؤمنين؛ أغثني . ويا عون المؤمنين ، أعني . يا حبيب التوّابين ، تب علي . فاستجيب لهم .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر ، عن ابن جريج في قوله { سوف أستغفر لكم ربي . . . } إلى قوله { إن شاء الله آمنين } قال يوسف : أستغفر لكم ربي إن شاء الله . وبين هذا وبين ذاك ما بينه قال : وهذا من تقديم القرآن وتأخيره . قال أبو عبيد : ذهب ابن جريج إلى أن الاستثناء في قوله { إن شاء الله } من كلام يعقوب عليه السلام ، حين قال ادخلوا مصر .
وأخرج ابن جرير عن أبي عمران الجوني - رضي الله عنه - قال : ما قص الله علينا نبأهم يعيرهم بذلك إنهم أنبياء من أهل الجنة ، ولكن قص علينا نبأهم لئلا يقنط عبده .

(5/455)


فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)

أخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة قال : دخل يعقوب عليه السلام مصر في ملك يوسف عليه السلام ، وهو ابن مائة وثمانين سنة ، وعاش في ملكه ثلاثين سنة . ومات يوسف عليه السلام وهو ابن مائة وعشرين سنة . قال أبو هريرة - رضي الله عنه - وبلغني أنه كان عمر إبراهيم خليل الله مائة وخمسة وتسعين سنة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { آوى إليه أبويه } قال : أبوه وأمه ضمهما .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن وهب بن منبه - رضي الله عنه - في قوله { ورفع أبويه على العرش } قال : أبوه وخالته ، وكانت توفيت أم يوسف في نفاس أخيه بنيامين .
وأخرج أبو الشيخ عن سفيان بن عيينة { ورفع أبويه } قال : كانت الخالة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي اله عنهما - في قوله { ورفع أبويه على العرش } قال : السرير .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { ورفع أبويه على العرش } قال : السرير .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد - رضي الله عنه - في قوله { ورفع أبويه على العرش } قال : مجلسه .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - في قوله { وخروا له سجداً } قال : كان تحية من كان قبلكم السجود ، بها يحيي بعضهم بعضاً ، وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة ، كرامة من الله عجلها لهم ونعمة منه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن زيد - رضي الله عنه - في قوله { وخروا له سجداً } قال : ذلك السجود تشرفة ، كما سجدت الملائكة عليهم السلام تشرفة لآدم عليه السلام ، وليس بسجود عبادة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { وخروا له سجداً } قال : بلغنا أن أبويه واخوته سجدوا ليوسف عليه السلام إيماء برؤوسهم ، كهيئة الأعاجم ، وكانت تلك تحيتهم كما يصنع ذلك ناس اليوم .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك وسفيان - رضي الله عنهما - قالا : كانت تلك تحيتهم .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات ، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان ، عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - قال : كان بين رؤيا يوسف عليه السلام وبين تأويلها ، أربعون سنة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ والبيهقي ، عن عبد الله بن شداد - رضي الله عنه - قال : كان بين رؤيا يوسف عليه السلام وتأويلها .

(5/456)


أربعون سنة . وإليه ينتهي أقصى الرؤيا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة - رضي الله عنه - قال : بينهما خمسة وثلاثون عاماً .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ، عن الحسن - رضي الله عنه - قال : كان بين الرؤيا والتأويل ثمانون سنة .
وأخرج ابن جرير والحاكم وابن مردويه ، عن الفضيل بن عياض - رضي الله عنه - قال : كان بين فراق يوسف بن يعقوب إلى أن التقيا ، ثمانون سنة .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج - رضي الله عنه - قال : كان بينهما سبع وسبعون سنة .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن عبد الحكم في فتوح مصر ، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه ، عن الحسن - رضي الله عنه - أن يوسف عليه السلام ألقي في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة ، ولقي أباه بعد ثمانين سنة ، وعاش بعد ذلك ثلاثاً وعشرين سنة ، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة .
وأخرج ابن مردويه عن زياد يرفعه قال : لبث يوسف عليه السلام في العبودية ، بضعة وعشرين سنة .
وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد ، عن حذيفة - رضي الله عنه - قال : كان بين فراق يوسف يعقوب عليهما السلام إلى أن لقيه ، سبعون سنة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن علي بن أبي طلحة - رضي الله عنه - في قوله { وجاء بكم من البدو } قال : كان يعقوب وبنوه بأرض كنعان ، أهل مواش وبرية .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { وجاء بكم من البدو } قال : كانوا أهل بادية وماشية ، وبلغنا أن بينهم يومئذ ثمانين فرسخاً ، وقد كان فارقه قبل ذلك ببضع وسبعين سنة .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { إن ربي لطيف لما يشاء } قال : لطف بيوسف وصنع له حين أخرجه من السجن ، وجاء بأهله من البدو ، ونزع من قلبه نزغ الشيطان ، وتحريشه على اخوته .
وأخرج أبو الشيخ عن ثابت البناني - رضي الله عنه - قال : لما قدم يعقوب على يوسف عليه السلام ، تلقاه يوسف عليه السلام على العجل ، ولبس حلية الملوك ، وتلقاه فرعون إكراماً ليوسف ، فقال يوسف لأبيه : إن فرعون قد أكرمنا ، فقل له فقال يعقوب : لقد بوركت يا فرعون .
وأخرج أبو الشيخ عن سفيان الثوري - رضي الله عنه - قال : لما التقى يوسف ويعقوب ، عانق كل واحد منهما صاحبه وبكى . فقال يوسف : يا أبت ، بكيت علي حتى ذهب بصرك ، ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ قال : بلى يا بني ، ولكن خشيت أن يسلب دينك فيحال بيني وبينك .

(5/457)


وأخرج أبو الشيخ عن ثابت البناني - رضي الله عنه - قال : لما حضر يعقوب عليه السلام الموت قال : ليوسف عليه السلام . إني أسألك خصلتين وأعطيك خصلتين : أسألك أن تعفو عن اخوتك ولا تعاقبهم بما صنعوا بك ، وأسألك إذا أنا متّ أن تحملني فتدفنني مع آبائي إبراهيم واسحق وأعطيك أن تغمضني عند الموت ، وأن ادخل ابنين لك في الأسباط ، فلما وضع يوسف عليه السلام يده على وجه أبيه ليغمضه ، فتح عينيه ثم قال : يا بني ، إن هذا من الأبناء للآباء عند الله عظيم .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي بكر بن عياش - رضي الله عنهما - قال : لما مات يعقوب النبي عليه السلام ، أقيم عليه النوائح أربعة أشهر .
وأخرج أحمد في الزهد عن مالك بن دينار - رضي الله عنه - أن يعقوب عليه السلام ، قال لما ثقل لابنه يوسف عليه السلام : أدخل يدك تحت صلبي ، فاحلف لي برب يعقوب لتدفنني مع آبائي ، فإني قد اشركتهم في العمل ، فاشركني معهم في قبورهم . فلما توفي يعقوب عليه السلام ، فعل ذلك يوسف حتى أتى به أرض كنعان فدفنه معهم .

(5/458)


رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن الأعمش - رضي الله عنه - قال : لما قال يوسف عليه السلام { رب قد آتيتني من الملك . . . . } إلى قوله { توفني مسلماً وألحقني بالصالحين } شكر الله له ذلك ، فزاد في عمره ثمانين عاماً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق ابن جريج ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في الآية قال : اشتاق إلى لقاء الله ، وأحب أن يلحق به وبآبائه ، فدعا الله أن يتوفاه وأن يلحقه بهم . قال ابن عباس - رضي الله عنهما - ولم يسأل نبي قط الموت غير يوسف عليه السلام ، فقال { رب قد آتيتني من الملك . . . } الآية . قال ابن جريج - رضي الله عنه - وأنا أقول : في بعض القرآن من الأنبياء من قال توفني .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : ما سأل نبي الوفاة غير يوسف .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك - رضي الله عنه - في قوله { توفني مسلماً وألحقني بالصالحين } يقول : توفني على طاعتك ، واغفر لي إذا توفيتني .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك - رضي الله عنه - في قوله { وألحقني بالصالحين } قال : يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله { توفني مسلماً وألحقني بالصالحين } قال : يعني أهل الجنة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه - رضي الله عنه - قال : لما أوتي يوسف عليه السلام من الملك ما أوتي ، تاقت نفسه إلى آبائه قال { رب قد آتيتني من الملك . . . } إلى قوله { وألحقني بالصالحين } قال : بآبائه إبراهيم وإسحق ويعقوب .
وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم ، عن قتادة قال : لما قدم على يوسف أبوه واخوته وجمع الله شمله وأقر عينيه - وهو يومئذ مغموس في نعيم من الدنيا - اشتاق إلى آبائه الصالحين : إبراهيم وإسحق ويعقوب ، فسأل الله القبض ، ولم يتمن الموت أحد قط ، نبي ولا غيره إلا يوسف .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن سعيد بن عبد العزيز - رضي الله عنه - أن يوسف عليه السلام ، لما حضرته الوفاة قال : يا اخوتاه ، إني لم انتصر من أحد ظلمني في الدنيا ، وإني كنت أحب أن أظهر الحسنة وأخفي السيئة ، فذلك زادي من الدنيا . يا اخوتاه ، إني أشركت آبائي في أعمالهم ، فأشركوني معهم في قبورهم ، وأخذ عليهم الميثاق ، فلم يفعلوا حتى بعث الله موسى عليه السلام ، فسأل عن قبره ، فلم يجد أحداً يخبره إلا امرأة يقال لها شارخ بنت شيرا بن يعقوب ، فقالت : أدلك عليه على أن أشترط عليه .

(5/459)


قال ذاك لك ، قالت : أصير شابة كلما كبرت . قال : ذاك لك . قالت : وأكون معك في درجتك يوم القيامة . فكأنه امتنع ، فأمر أن يمضي لها ذلك ففعل ، فدلته عليه فأخرجه ، فكانت كلما كانت بنت خمسين سنة ، صارت مثل ابنة ثلاثين سنة . حتى عمرت عمر نسرين ألف وستمائة سنة ، أو ألف وأربعمائة سنة ، حتى أدركها سليمان بن داود عليه السلام فتزوجها .
وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم ، عن عروة بن الزبير - رضي الله عنه - قال : إن الله حين أمر موسى عليه السلام بالسير ببني إسرائيل ، أمره أن يحتمل معه عظام يوسف عليه السلام ، وأن لا يخلفها بأرض مصر ، وأن يسير بها معه حتى يضعها بالأرض المقدسة ، فسأل موسى عليه السلام عمن يعرف موضع قبره ، فما وجد إلا عجوزاً من بني إسرائيل ، فقالت : يا نبي الله ، إني أعرف مكانه ، إن أنت أخرجتني معك ولم تخلفني بأرض مصر ، دللتك عليه . قال : أفعل . وقد كان موسى وعد بني إسرائيل أن يسير بهم إذا طلع الفجر ، فدعا ربه أن يؤخر طلوعه حتى يفرغ من أمر يوسف ، ففعل . فخرجت به العجوز حتى أرته إياه في ناحية من النيل في الماء ، فاستخرجه موسى عليه السلام صندوقاً من مرمر فاحتمله .

(5/460)


ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104) وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون } قال : هم بنو يعقوب ، إذ يمكرون بيوسف .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - { وما كنت لديهم } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ، يقول { ما كنت لديهم } وهم يلقونه في غيابة الجب { وهم يمكرون } بيوسف .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك - رضي الله عنه - { وكأين من آية } قال : كم من آية في السماء ، يعني شمسها وقمرها ونجومها وسحابها . وفي الأرض ، ما فيها من الخلق والأنهار والجبال والمدائن والقصور .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة قال في مصحف عبد الله [ وكأين من آية في السموات والأرض يمشون عليها ] والسماء والأرض آيتان عظيمتان .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } قال : سلهم من خلقهم ، ومن خلق السموات والأرض؟؟ . . . فيقولون : الله . فذلك إيمانهم وهم يعبدون غيره .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن عطاء - رضي الله عنه - في قوله { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } قال : كانوا يعلمون إن الله ربهم وهو خالقهم وهو رازقهم ، وكانوا مع ذلك يشركون .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } قال : إيمانهم ، قولهم الله خلقنا وهو يرزقنا ويميتنا . فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن الضحاك - رضي الله عنه - في قوله { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } قال : كانوا يشركون به في تلبيتهم ، يقولون : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك ، تملكه وما ملك .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن - رضي الله عنه - في قوله { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } قال : ذاك المنافق ، يعمل بالرياء وهو مشرك بعمله .

(5/461)


أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { غاشية من عذاب الله } قال : تغشاهم .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { غاشية من عذاب الله } قال : واقعة تغشاهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { غاشية } قال : عقوبة من عذاب الله .

(5/462)


قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { قل هذه سبيلي } قال : دعوتي .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن الربيع بن أنس - رضي الله عنه - مثله .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - { قل هذه سبيلي } قال : صلاتي .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن زيد - رضي الله عنه - في قوله { قل هذه سبيلي } قال : أمري وسنتي ومنهاجي .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { على بصيرة } أي على هدى { أنا ومن اتبعني } .

(5/463)


وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109)

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى } أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن ابن جريج - رضي الله عنه - في قوله { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم } قال : إنهم قالوا { ما أنزل الله على بشر من شيء } [ الأنعام : 91 ] وقوله { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } { وما تسألهم عليه من أجر } وقوله { وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها } وقوله { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله } وقوله { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } قال : كل ذلك قال لقريش أفلم يسيروا في الأرض فينظروا في آثارهم فيعتبروا ويتفكروا .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى } قال : ما نعلم أن الله أرسل رسولاً قط إلا من أهل القرى ، لأنهم كانوا أعلم وأحكم من أهل العمود .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن - رضي الله عنه - في قوله { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } قال : فينظروا كيف عذب الله قوم نوح وقوم لوط وقوم صالح والأمم التي عذب .

(5/464)


حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)

أخرج أبو عبيد والبخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق عروة ، أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قوله { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا } قال : قلت : أكذبوا ، أم كذبوا؟ قالت عائشة - رضي الله عنها بل { كذّبوا } يعني بالتشديد ، قلت : والله لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم ، فما هو بالظن . قالت : أجل ، لعمري لقد استيقنوا بذلك . فقلت لعلها { وظنوا أنهم قد كذبوا } مخففة . قالت : معاذ الله ، لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها . قلت : فما هذه الآية؟ قالت : هم اتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم ، وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر ، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم ، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم ، جاءهم نصر الله عند ذلك .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه ، عن عبد الله بن أبي مليكة - رضي الله عنه - أن ابن عباس - رضي الله عنهما - قرأها عليه { وظنوا أنهم قد كذبوا } مخففة . يقولوا اخلفوا ، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - وكانوا بشراً ، وتلا { حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله } [ البقرة : 214 ] قال ابن أبي مليكة : فذهب ابن عباس - رضي الله عنهما - إلى أنهم يئسوا وضعفوا ، فظنوا أنهم قد أخلفوا ، قال ابن أبي مليكة : وأخبرني عروة عن عائشة أنها خالفت ذلك وأبته وقالت : ما وعد الله رسوله من شيء إلا علم أنه سيكون قبل أن يموت ، ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد كذبوهم ، وكانت تقرؤها { وظنوا أنهم قد كذبوا } مثقلة للتكذيب .
وأخرج ابن مردويه من طريق عروة ، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ { وظنوا أنهم قد كذبوا } بالتشديد .
وأخرج ابن مردويه من طريق عمرة ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ { وظنوا أنهم قد كذبوا } مخففة .
وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يقرأ { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا } مخففة . قال : يئس الرسل من قومهم أن يستجيبوا لهم ، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم فيما جاؤوهم به { جاءهم نصرنا } قال : جاء الرسل نصرنا .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ ، عن تميم بن حرام قالت : قرأ على ابن مسعود - رضي الله عنه - القرآن فلم يأخذ علي إلا حرفين { كل أتوه داخرين } فقال : أتوه ، مخففة .

(5/465)


وقرأت عليه { وظنوا أنهم قد كذبوا } فقال : { كذبوا } مخففة قال : { استيأس الرسل } من أيمان قومهم أن يؤمنوا لهم ، وظن قومهم حين ابطأ الأمر { أنهم قد كذبوا } .
وأخرج ابن مردويه من طريق أبي الأحوص ، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال : حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة يوسف { وظنوا أنهم قد كذبوا } خفيفة .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن ربيعة بن كلثوم قال : حدثني أبي أن مسلم بن يسار - رضي الله عنه - سأل سعيد بن جبير - رضي الله عنه - فقال : يا أبا عبد الله ، آية قد بلغت مني كل مبلغ { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا } فهذا الموت إن نظن الرسل أنهم قد كذبوا أو نظن أنهم قد كذبوا مخففة . فقال سعيد بن جبير - رضي الله عنه - { حتى إذا استيأس الرسل } من قومهم أن يستجيبوا لهم ، وظن قومهم أن الرسل كذبتهم { جاءهم نصرنا } فقام مسلم إلى سعيد فاعتنقه وقال : فرج الله عنك كما فرجت عني .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن إبراهيم ، عن أبي حمزة الجزري قال : صنعت طعاماً فدعوت ناساً من أصحابنا ، منهم سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم ، فسأل فتى من قريش سعيد بن جبير - رضي الله عنه - فقال : يا أبا عبد الله ، كيف تقرأ هذا الحرف؟ فإني إذا أتيت عليه تمنيت أني لا أقرأ هذه السورة { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا } قال : نعم { حتى إذا استيأس الرسل } من قومهم أن يصدقوهم ، وظن المرسل إليهم أن الرسل { قد كذبوا } فقال الضحاك - رضي الله عنه - لو رحلت في هذه إلى اليمن ، لكان قليلاً .
وأخرج ابن جرير ، عن مجاهد - رضي الله عنه - أنه قرأها { كذبوا } بفتح الكاف والتخفيف . قال : استيأس الرسل أن يعذب قومهم ، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا { جاءهم نصرنا } قال : جاء الرسل نصرنا . قال مجاهد : قال في المؤمن { فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم } [ غافر : 83 ] قال قولهم : نحن أعلم منهم ولن نعذب ، وقوله { وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } [ الزمر : 48 ] قال : حاق بهم ما جاءت به رسلهم من الحق .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما { فننجي من نشاء } قال : فننجي الرسل ومن نشاء { ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين } وذلك أن الله تعالى بعث الرسل يدعون قومهم ، فأخبروهم أنه من أطاع الله نجا ، ومن عصاه عذب وغوى .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - { جاءهم نصرنا } قال : العذاب .
وأخرج أبو الشيخ عن نصر بن عاصم - أنه قرأ [ فنجا من نشاء ] .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي بكر - أنه قرأ { فننجي من نشاء } .
وأخرج أبو الشيخ ، عن السدي - { ولا يرد بأسنا } قال عذابه .

(5/466)


لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { لقد كان في قصصهم عبرة } قال : يوسف واخوته .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { لقد كان في قصصهم عبرة } قال : معرفة { لأولي الألباب } قال : لذوي العقول .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - { ما كان حديثاً يفترى } والفرية ، الكذب { ولكن تصديق الذي بين يديه } قال : القرآن ، يصدق الكتب التي كانت قبله من كتب الله التي أنزلها قبله على أنبيائه ، فالتوراة والإِنجيل والزبور ، يصدق ذلك كله ويشهد عليه أن جميعه حق من عند الله { وتفصيل كل شيء } فصل الله به بين حرامه وحلاله ، وطاعته ومعصيته .
وأخرج ابن السني والديلمي ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا عسر على المرأة ولادتها أخذ اناءٌ نظيفٌ وكُتِبَ عليه { كأنهم يوم يرون ما يوعدون . . . } [ الأحقاف : 35 ] إلى آخر الآية { وكأنهم يوم يرونها } [ النازعات : 46 ] إلى آخر الآية { ولقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب . . . . } إلى آخر الآية ، ثم تغسل وتسقى المرأة منه وينضح على بطنها وفرجها » .

(5/467)


المر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1)

أخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { المر } قال : أنا الله أرى .
وأخرج ابن جرير ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { تلك آيات الكتاب } قال : التوراة والإِنجيل { والذي أنزل إليك من ربك الحق } قال : القرآن .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { تلك آيات الكتاب } قال : الكتب التي كانت قبل القرآن { والذي أنزل إليك من ربك الحق } أي هذا القرآن .

(5/468)


اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن عكرمة - رضي الله عنه - قال : قلت لابن عباس - رضي الله عنهما - إن فلان يقول : إنها على عمد ، يعني السماء . فقال : اقرأها { بغير عمد ترونها } أي لا ترونها .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { رفع السموات بغير عمد ترونها } قال : وما يدريك لعلها بعمد لا ترونها .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { بغير عمد ترونها } يقول : لها عمد ، ولكن لا ترونها . يعني الأعماد .
وأخرج ابن جرير ، عن إياس بن معاوية - رضي الله عنه - في قوله { رفع السماوات بغير عمد ترونها } قال : السماء مقبية على الأرض مثل القبة .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : السماء على أربعة أملاك ، كل زاوية موكل بها ملك .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { بغير عمد ترونها } قال : هي بعمد لا ترونها .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن الحسن وقتادة - رضي الله عنهما - أنهما كانا يقولان : خلقها بغير عمد . قال لها قومي فقامت .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر ، عن معاذ قال : في مصحف أبي [ بغير عمد ترونه ] .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى } قال : أجل معلوم ، وحد لا يقصر دونه ولا يتعدى .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { يدبر الأمر } قال : يقضيه وحده .
وأخرج أبو الشيخ ، عن قتادة في قوله { لعلكم بلقاء ربكم توقنون } قال : إن الله إنما أنزل كتابه وبعث رسله ، ليؤمن بوعده ويستيقن بلقائه .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عمر بن عبد الله ، مولى غفرة . أن كعباً قال لعمر بن الخطاب : إن الله جعل مسيرة ما بين المشرق والمغرب ، خمسمائة سنة . فمائة سنة في المشرق ، لا يسكنها شيء من الحيوان ، لا جن ولا إنس ولا دابة ولا شجرة . ومائة سنة في المغرب بتلك المنزلة ، وثلثمائة فيما بين المشرق والمغرب يسكنها الحيوان .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمر : والدنيا مسيرة خمسمائة عام ، أربعمائة عام خراب ومائة عمار ، في أيدي المسلمين من ذلك مسيرة سنة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية ، عن وهب بن منبه - رضي الله عنه - قال : ما العمارة في الدنيا في الخراب إلا كفسطاط في البحر .

(5/469)


وأخرج ابن أبي حاتم ، عن أبي الجلد - رضي الله عنه - قال : الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ ، فالسودان اثنا عشر ألفاً ، والروم ثمانية ، ولفارس ثلاثة ، وللعرب ألف .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن خالد بن مضرب - رضي الله عنه - قال : الأرض مسيرة خمسمائة سنة ، ثلثمائة عمار ، ومائتان خراب .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن حسان بن عطية - رضي الله عنه - قال : سعة الأرض مسيرة خمسمائة سنة ، البحار ثلثمائة ، ومائة خراب ، ومائة عمران .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : الأرض سبعة أجزاء : ستة أجزاء فيها يأجوج ومأجوج ، وجزء فيه سائر الخلق .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة - رضي الله عنه - قال : ذكر لي أن الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ ، اثنا عشر ألفاً منه أرض الهند ، وثمانية الصين ، وثلاثة آلاف المغرب ، وألف العرب .
وأخرج ابن المنذر عن مغيث بن سمي - رضي الله عنه - قال : الأرض ثلاثة أثلاث ، ثلث فيه الناس والشجر ، وثلث فيه البحار ، وثلث هواء .
أما قوله تعالى : { وجعل فيها رواسي } .
أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : إن الله تبارك وتعالى حين أراد أن يخلق الخلق ، خلق الريح فنشجت الريح ، فأبدت عن حشفة ، فهي تحت الأرض . ومنها دُحيت الأرض حيث ما شاء في العرض والطول ، فكانت تميد فجعل الجبال الرواسي .
وأخرج ابن جرير عن عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : لما خلق الله الأرض ، قمصت وقالت : أي رب ، تجعل عليّ بني آدم يعملون عليّ الخطايا ويجعلون عليّ الخبث؟ فأرسل الله فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون ، فكان إقرارها كاللحم ترجرج .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم ، عن عطاء رضي الله عنه - قال : أول جبل وضع في الأرض ، أبو قبيس .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { جعل فيها زوجين اثنين } قال : ذكراً وانثى من كل صنف .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { يغشي الليل النهار } أي يلبس الليل النهار .

(5/470)


وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { وفي الأرض قطع متجاورات } قال : يريد الأرض الطيبة العذبة التي تخرج نباتها بإذن ربها ، تجاورها السبخة القبيحة المالحة التي لا تخرج ، وهما أرض واحدة وماؤهما شيء ملح وعذب . ففضلت احداهما على الأخرى .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : ليس في الأرض ماء ، إلا ما نزل من السماء ، ولكن عروق في الأرض تغيره ، فمن أراد أن يعود الملح عذباً فليصعد الماء من الأرض .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { وفي الأرض قطع متجاورات } قال : السبخة والعذبة والمالح والطيب .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه { وفي الأرض قطع متجاورات } قال : قرى متجاورات ، قريب بعضها من بعض .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن - رضي الله عنه - { وفي الأرض قطع متجاورات } قال : فارس والأهواز والكوفة والبصرة .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { وفي الأرض قطع متجاورات } قال : الأرض تنبت حلواً ، والأرض تنبت حامضاً . وهي متجاورات تسقى بماء واحد .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - { وفي الأرض قطع متجاورات } قال : الأرض الواحدة ، يكون فيها الخوخ والكمثرى والعنب الأبيض والأسود ، وبعضه أكبر حملاً من بعض ، وبعضه حلو وبعضه حامض ، وبعضه أفضل من بعض .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه ، عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - في قوله { صنوان وغير صنوان } قال : الصنوان ، ما كان أصله واحداً وهو متفرق وغير صنوان ، التي تنبت وحدها . وفي لفظ { صنوان } النخلة في النخلة ملتصقة ، وغير صنوان النخل المتفرق .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما { صنوان } قال : مجتمع النخيل في أصل واحد { وغير صنوان } قال : النخل المتفرق .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { وفي الأرض قطع متجاورات } قال : طيبها عذبها . وخبيثها السباخ . وفي قوله { وجنات من أعناب } قال : جنات وما معها . وفي قوله { صنوان } قال : النخلتان وأكثر في أصل واحد { وغير صنوان } وحدها تسقى { بماء واحد } قال : ماء السماء ، كمثل صالح بني آدم وخبيثهم ، أبوهم واحد . وكذلك النخلة ، أصلها واحد وطعامها مختلف . وهو يشرب بماء واحد .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر ، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - في قوله { صنوان وغير صنوان } قال : مجتمع وغير مجتمع { يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل } قال : العنب الأبيض والأسود والأحمر ، والتين الأبيض والأسود ، والنخل الأحمر والأصفر .

(5/471)


وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن مجاهد - رضي الله عنه - { صنوان } قال : ثلاث نخلات في أصل واحد ، كمثل ثلاثة من بني أب وأم يتفاضلون في العمل ، كما يتفاضل ثمر هذه النخلات الثلاث في أصل واحد .
وأخرج ابن جرير عن الحسن - رضي الله عنه - في الآية قال : مثل ضربه الله عز وجل لقلوب بني آدم ، كما كانت الأرض في يد الرحمن طينة واحدة ، فسطحها وبطحها ، فصارت الأرض قطعاً متجاورة ، فينزل عليها الماء من السماء ، فتخرج هذه زهرتها وثمرها وشجرها ، وتخرج نباتها وتحيي موتاها ، وتخرج هذه سبخها وملحها وخبثها ، وكلتاهما { يسقى بماء واحد } فلو كان الماء مالحاً ، قيل إنما استبخت هذه من قبل الماء ، كذلك الناس خلقوا من آدم ، فينزل عليهم من السماء تذكرة فترق قلوب فتخشع وتخضع ، وتقسو قلوب فتلهو وتسهو وتجفو ، قال الحسن - رضي الله عنه - والله ما جالس القرآن أحد ، إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان . قال الله تعالى { وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً } [ الإسراء : 82 ] .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير ، عن قتادة - رضي الله عنه - { صنوان } قال : الصنوان ، النخلة التي يكون فيها نخلتان وثلاث ، أصلهن واحد . قال : وحدثني رجل أنه كان بين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وبين العباس قول ، فأسرع إليه العباس فجاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال : يا نبي الله ، ألم تر عباساً؟ فعل بي وفعل ، فأردت أن أجيبه فذكرت مكانك منه فكففت عنه . فقال : يرحمك الله ، إن عم الرجل صنو أبيه .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير . عن مجاهد - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا تؤذوني في العباس ، فإنه بقية آبائي ، وإن عم الرجل صنو أبيه » .
وأخرج ابن جرير عن عطاء - رضي الله عنه - وابن أبي مليكة . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر : « يا عمر ، أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه؟ » .
وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي وابن مردويه ، عن جابر - رضي الله عنه - سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « يا علي ، الناس من شجر شتى ، وأنا وأنت يا علي ، من شجرة واحدة » ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان } .
وأخرج الحاكم وصححه ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قرأ { ونفضل بعضها على بعض } بالنون .

(5/472)


وأخرج الترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { ونفضل بعضها على بعض في الأكل } قال : الدقل والفارسي والحلو والحامض .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { ونفضل بعضها على بعض في الأكل } قال : هذا حامض وهذا حلو وهذا دقل وهذا فارسي .
وأخرج أبو الشيخ ، عن مجاهد { ونفضل بعضها على بعض في الأكل } قال : هذا حلو وهذا مر وهذا حامض ، كذلك بنو آدم أبوهم واحد ، ومنهم المؤمن والكافر .

(5/473)


وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5)

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن الحسن - رضي الله عنه - في قوله { وإن تعجب فعجب قولهم } قال : إن تعجب يا محمد من تكذيبهم إياك ، فعجب قولهم } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن زيد - رضي الله عنه - في الآية قال : إن تعجب من تكذيبهم وهم رأوا من قدرة الله وأمره ، وما ضرب لهم من الأمثال وأراهم حياة الموتى والأرض الميتة ، فتعجب من قولهم { أئذا كنا تراباً أئنا لفي خلق جديد } أو لا يرون أنه خلقهم من نطفة أشد من الخلق من تراب وعظام؟؟ . .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { وإن تعجب فعجب قولهم } قال : عجب الرحمن من تكذيبهم بالبعث .
أما قوله تعالى { وأولئك الأغلال في أعناقهم } .
أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والخطيب ، عن الحسن - رضي الله عنه - قال : إن الأغلال لم تجعل في أعناق أهل النار لأنهم أعجزوا الرب ، ولكنها جعلت في أعناقهم ، لكي إذا طغا بهم اللهب أرسبتهم في النار .

(5/474)


وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6)

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } قال : بالعقوبة قبل العافية { وقد خلت من قبلهم المثلات } قال : وقائع الله في الأمم فيمن خلا قبلهم .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال { المثلات } ما أصاب القرون الماضية من العذاب .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { وقد خلت من قبلهم المثلات } قال : الأمثال .
وأخرج ابن جرير عن الشعبي - رضي الله عنه - في قوله { وقد خلت من قبلهم المثلات } قال : القردة والخنازير ، هي المثلات . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب } قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لولا عفو الله وتجاوزه ، ما هنأ لأحد العيش ، ولولا وعيده ، وعقابه ، لاتَّكَلَ كُلُّ أحد » .

(5/475)


وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7)

أخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه } قال : هذا قول مشركي العرب { إنما أنت منذر ولكل قوم هاد } لكل قوم داع يدعوهم إلى الله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - { ولكل قوم هاد } قال : داع .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { إنما أنت منذر ولكل قوم هاد } قال : المنذر ، محمد صلى الله عليه وسلم { ولكل قوم هاد } نبي يدعوهم إلى الله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - في قوله { إنما أنت منذر ولكل قوم هاد } قال : محمد المنذر ، والهادي الله عز وجل .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { إنما أنت منذر ولكل قوم هاد } قال : المنذر ، محمد صلى الله عليه وسلم ، والله عز وجل ، هادي كل قوم . وفي لفظ؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المنذر وهو الهادي .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة - رضي الله عنه - وأبي الضحى في قوله { إنما أنت منذر ولكل قوم هاد } وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره فقال : « أنا المنذر ، وأومأ بيده على منكب علي - رضي الله عنه - فقال : أنت الهادي يا علي ، بك يهتدي المهتدون من بعدي » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي - رضي الله عنه - سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « { إنما أنت منذر } ووضع يده على صدر نفسه ثم وضعها على صدر علي ويقول : » لكل قوم هاد « » .
وأخرج ابن مردوية والضياء في المختارة ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في الآية ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « المنذر أنا والهادي علي بن أبي طالب رضي الله عنه » .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند ، وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط ، والحاكم وصححه وابن مردويه وابن عساكر ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله { إنما أنت منذر ولكل قوم هاد } قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر ، وانا الهادي . وفي لفظ ، والهادي : رجل من بني هاشم . يعني نفسه .

(5/476)


اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8)

أخرج ابن جرير عن الضحاك - رضي الله عنه - { الله يعلم ما تحمل كل أنثى } قال : يعلم ذكر هو أو أنثى { وما تغيض الأرحام } قال : هي المرأة ترى الدم في حملها .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { وما تغيض الأرحام } قال خروج الدم { وما تزداد } قال : استمساكه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { وما تغيض الأرحام } قال : أن ترى الدم في حملها { وما تزداد } قال : في التسعة أشهر .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك - رضي الله عنه - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { وما تغيض الأرحام وما تزداد } قال : ما تزداد على التسعة ، وما تنقص من التسعة . قال الضحاك - رضي الله عنه - : وضعتني أمي وقد حملتني في بطنها سنتين ، وولدتني قد خرجت ثنيتي .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { وما تغيض الأرحام } قال : ما دون تسعة أشهر ، وما تزداد فوق التسعة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام } يعني السقط { وما تزداد } يقول : ما زادت في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماماً ، وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر ، ومنهن من تحمل تسعة أشهر ، ومنهن من تزيد في الحمل ، ومنهن من تنقص . فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى ، وكل ذلك بعلمه تعالى .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن الضحاك - رضي الله عنه - قال : ما دون التسعة أشهر فهو غيض ، وما فوقها فهو زيادة .
وأخرج ابن جرير عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : لا يكون الحمل أكثر من سنتين ، قدرٌ ما يتحول فلكة مغْزَل .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن عكرمة - رضي الله عنه - قال : ما غاضت الرحم بالدم يوماً ، إلا زاد في الحمل يوماً حتى تستكمل تسعة أشهر طاهراً .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن الحسن - رضي الله عنه - في قوله { وما تغيض الأرحام } قال : السقط .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في الآية قال : إذا رأت الدم ، هش الولد . وإذا لم تر الدم ، عظم الولد .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول - رضي الله عنه - قال : الجنين في بطن أمه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم ، وإنما يأتيه رزقه في بطن أمه من دم حيضتها ، فمن ثم لا تحيض الحامل ، فإذا وقع إلى الأرض استهل .

(5/477)


واستهلاله استنكار لمكانه ، فإذا قطعت سرته حول الله رزقه إلى ثدي أمه ، حتى لا يطلب ولا يغتم ولا يحزن ، ثم يصير طفلاً يتناول الشيء بكفه فيأكله ، فإذا بلغ قال : أنى لي بالرزق ، يا ويحك ، غَذَّاكَ وأنت في بطن أمك وأنت طفل صغير ، حتى إذا اشتددت وعقلت قلت : أنى لي بالرزق؟! ثم قرأ مكحول - رضي الله عنه - { يعلم ما تحمل كل أنثى . . . . } الآية .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة في قوله { وكل شيء عنده بمقدار } أي بأجل ، حفظ أرزاق خلقه وآجالهم ، وجعل لذلك أجلاً معلوماً .

(5/478)


عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10)

أخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { عالم الغيب والشهادة } قال : السر والعلانية .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { سواء منكم من أسر القول ومن جهر به } قال : من أسره وأعلنه عنده سواء { ومن هو مستخف بالليل } راكب رأسه في المعاصي { وسارب بالنهار } قال : ظاهر بالنهار بالمعاصي .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - { سواء منكم من أسر القول ومن جهر به } قال : كل ذلك عنده سواء ، السر عنده علانية والظلمة عنده ضوء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن - رضي الله عنه - في الآية قال : يعلم من السر ما يعلم من العلانية ، ويعلم من العلانية ما يعلم من السر ، ويعلم من الليل ما يعلم من النهار ، ويعلم من النهار ما يعلم من الليل .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { وسارب بالنهار } قال : الظاهر .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار } قال : هو صاحب ريبة { مستخف بالليل } وإذا خرج بالنهار ، أرى الناس أنه بريء من الإِثم .

(5/479)


لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11)

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير ، وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل ، من طريق عطاء بن يسار - رضي الله عنه - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - « أن أربد بن قيس وعامر بن الطفيل ، قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانتهيا إليه وهو جالس ، فجلسا بين يديه فقال عامر : ما تجعل لي إن أسلمت؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم . قال : أتجعل لي إن أسلمت ، الأمر من بعدك؟ قال : ليس لك ولا لقومك ، ولكن لك أعنة الخيل . قال : فاجعل لي الوبر ولك المدر . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا . فلما قفى من عنده قال لأمَلأَنَّها عليك خيلاً ورجالاً . قال النبي صلى الله عليه وسلم : يمنعك الله » فلما خرج أربد وعامر ، قال عامر : يا أربد ، إني سألهي محمداً عنك بالحديث ، فاضربه بالسيف ، فإن الناس إذا قتلت محمداً لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ويكرهوا الحرب ، فسنعطيهم الدية . فقال أربد : أفعل . فأقبلا راجعين فقال عامر : يا محمد ، قم معي أكلمك . فقام معه فخليا إلى الجدار ، ووقف معه عامر يكلمه وسل أربد السيف ، فلما وضع يده على سيفه يبست على قائم السيف ، فلا يستطيع سل سيفه . وأبطأ أربد على عامر بالضرب ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع فانصرف عنهما . وقال عامر لأربد : ما لك حشمت؟ قال وضعت يدي على قائم السيف فيبست ، فلما خرج عامر واربد من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا كانا بحرة واقم ، نزلا . فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير فقال : اشخصا يا عدوَّي الله ، لعنكما الله ، ووقع بهما . فقال عامر : من هذا يا سعد؟ فقال سعد : هذا أسيد بن حضير الكتائب ، قال : اما والله ان كان حضير صديقاً لي ، حتى إذا كانا بالرقم أرسل الله على أربد صاعقة فقتلته ، وخرج عامر حتى إذا كان بالخريب أرسل الله عليه قرحة فأدركه الموت فيها : فأنزل الله { الله يعلم ما تحمل كل أنثى . . . . } إلى قوله { . . . له معقبات من بين يديه } قال : المعقبات من أمر الله ، يحفظون محمداً صلى الله عليه وسلم . ثم ذكر أربد وما قتله ، فقال { هو الذي يريكم البرق . . . } إلى قوله { . . . وهو شديد المحال } .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردوية عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه } قال : هذه للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة .

(5/480)


وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { يحفظونه من أمر الله } قال : عن أمر الله ، يحفظونه من بين يديه ومن خلفه .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { يحفظونه من أمر الله } قال : ذلك الحفظ من أمر الله بأمر الله .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { له معقبات } قال : الملائكة { يحفظونه من أمر الله } قال : باذن الله .
وأخرج ابن جرير عن الحسن - رضي الله عنه - في قوله { له معقبات } قال : الملائكة .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { له معقبات . . . } الآية قال : الملائكة من أمر الله .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - في قوله { له معقبات } قال : الملائكة { يحفظونه من أمر الله } قال : حفظهم إياه بأمر الله .
وأخرج ابن جرير عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { يحفظونه من أمر الله } قال : بأمر الله . قال : وفي بعض القراءة [ يحفظونه بأمر الله ] .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { له معقبات } الآية . يعني ولي السلطان ، يكون عليه الحراس يحفظونه من بين يديه ومن خلفه ، يقول الله « يحفظونه من أمري؟! . . فإني إذا أردت بقوم سوءاً فلا مرد له » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { له معقبات } الآية . قال : الملوك يتخذون الحرس يحفظونه من أمامه ومن خلفه ، وعن يمينه وعن شماله يحفظونه من القتل . ألم تسمع أن الله تعالى يقول { وإذا أراد الله بقوم سوءاً } لم يغن الحرس عنه شيئاً .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة - رضي الله عنه - في قوله { له معقبات } قال : هؤلاء الأمراء .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { له معقبات } قال : هم الملائكة ، تعقب بالليل والنهار وتكتب على بني آدم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { له معقبات } قال : الحفظة .
وأخرج ابن المنذر من وجه آخر ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { له معقبات } قال : الملائكة تعقب الليل والنهار ، تكتب على ابن آدم . وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يجتمعون فيكم عند صلاة الصبح وصلاة العصر من بين يديه » مثله قوله { عن اليمين وعن الشمال } [ ق : 17 ] الحسنات من بين يديه ، والسيئات من خلفه . الذي على يمينه يكتب الحسنات ، والذي على يساره لا يكتب إلا بشهادة الذي على يمينه ، فإذا مشى كان أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه { يحفظونه من أمر الله } قال : يحفظون عليه .

(5/481)


وأخرج أبو الشيخ عن عطاء - رضي الله عنه - { له معقبات } قال : هم الكرام الكاتبون ، حفظة من الله على ابن آدم أمروا به .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن إبراهيم - رضي الله عنه - في قوله { يحفظونه من أمر الله } قال : من الجن
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { له معقبات } قال : ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه ، فإذا جاء قدره خلوا عنه .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد - رضي الله عنه - قال : ما من عبد إلا به ملك موكل يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام . فما منها شيء يأتيه يريده إلا قال وراءك . إلا شيئاً يأذن الله فيه فيصيبه .
وأخرج ابن جرير عن كعب الأحبار - رضي الله عنه - قال : لو تجلى لابن آدم كل سهل وحزن ، لرأى على كل شيء من ذلك شياطين ، لولا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم ، إذاً لَتَخَطَّفَتْكُم .
وأخرج ابن جرير ، عن أبي مجلز - رضي الله عنه - قال : جاء رجل من مراد إلى علي رضي الله عنه - وهو يصلي فقال : احترس؛ فإن ناساً من مراد يريدون قتلك . فقال : إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر! فإذا جاء القدر ، خليا بينه وبينه ، وأن الأجل جنة حصينة .
وأخرج ابن جرير عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال : ما من آدمي إلا ومعه ملك يذود عنه ، حتى يسلمه للذي قدر له .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي - رضي الله عنه - في الآية قال : ليس من عبد إلا له معقبات من الملائكة ، ملكان يكونان معه في النهار ، فإذا جاء الليل صعدا وأعقبهما ملكان ، فكانا معه ليله حتى يصبح يحفظونه من بين يديه ومن خلفه ، ولا يصيبه شيء لم يكتب عليه ، إذا غشي من ذلك شيء دفعاه عنه . ألم تره يمر بالحائط فإذا جاز سقط؟ فإذا جاء الكتاب خلوا بينه وبين ما كتب له . وهم { من أمر الله } أمرهم أن يحفظوه .
وأخرج ابن جرير عن قتادة - رضي الله عنه - قال : في قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه [ له معقبات من بين يديه ورقيب من خلفه يحفظونه من أمر الله ] .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يقرأ [ له معقبات من بين يديه ورقباء من خلفه من أمر الله يحفظونه ] .

(5/482)


وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم ، عن الجارود بن أبي سبرة - رضي الله عنه - قال : سمعني ابن عباس - رضي الله عنهما - اقرأ { له معقبات من بين يديه ومن خلفه } فقال : ليست هناك ، ولكن [ له معقبات من بين يديه ورقيب من خلفه ] .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن علي - رضي الله عنه - { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } قال : ليس من عبد إلا ومعه ملائكة يحفظونه من أن يقع عليه حائط ، أو يتردى في بئر ، أو يأكله سبع ، أو غرق أو حرق ، فإذا جاء القدر ، خلوا بينه وبين القدر .
وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان ، والطبراني والصابوني في المائتين ، عن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « وكل بالمؤمن ثلثمائة وستون ملكاً ، يدفعون عنه ما لم يقدر عليه من ذلك » للبصر سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل من الذباب في اليوم الصائف ، وما لو بدا لكم لرأيتموه على كل سهل وجبل ، كلهم باسط يديه فاغر فاه ، وما لو وكل العبد فيه إلى نفسه طرفة عين ، لاختطفته الشياطين .
وأخرج أبو داود في القدر ، وابن أبي الدنيا وابن عساكر ، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال : لكل عبد حفظة يحفظونه ، لا يخر عليه حائط أو يتردى في بئر أو تصيبه دابة ، حتى إذا جاء القدر الذي قدّر له ، خلت عنه الحفظة فأصابه ما شاء الله أن يصيبه . وفي لفظ لأبي داود : وليس من الناس أحد إلا وقد وكل به ملك ، فلا تريده دابة ولا شيء إلا قال اتقه اتقه ، فإذا جاء القدر خلى عنه .
وأخرج ابن جرير عن كنانة العدوي - رضي الله عنه - قال : دخل عثمان بن عفان - رضي الله عنه - على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « يا رسول الله ، أخبرني عن العبد ، كم معه من ملك؟ فقال : ملك عن يمينك على حسناتك ، وهو أمين على الذي على الشمال ، إذا عملت حسنة كتبت عشراً ، فإذا عملت سيئة ، قال الذي على الشمال للذي على اليمين : اكتب؟ قال : لا ، لعله يستغفر الله ويتوب ، فإذا قال ثلاثاً قال : نعم اكتبه ، أراحنا الله منه فبئس القرين ، ما أقل مراقبته لله وأقل استحياءه منه؟! يقول الله { وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } [ ق : 18 ] وملكان من بين يديك ومن خلفك ، يقول الله { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } وملك قابض على ناصيتك ، فإذا تواضعت لله رفعك ، وإذا تجبرت على الله قصمك ، وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك ، وملكان على يمينك ، فهؤلاء عشرة أملاك على كل بني آدم ، ينزل ملائكة الليل على ملائكة النهار ، لأن ملائكة الليل سوى ملائكة النهار ، فهؤلاء عشرون ملكاً على كل آدمي ، وإبليس بالنهار وولده بالليل » .

(5/483)


وأخرج أبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } لا يغير ما بهم من النعمة حتى يعملوا بالمعاصي ، فيرفع الله عنهم النعم .
وأخرج ابن أبي شيبة في كتاب العرش ، وأبو الشيخ وابن مردويه ، عن علي - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله « وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي ، ما من أهل قرية ولا أهل بيت ولا رجل ببادية ، كانوا على ما كرهته من معصيتي ، ثم تحوّلوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي ، إلا تحوّلت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي؛ وما من أهل بيت ولا قرية ولا رجل ببادية كانوا على ما أحببت من طاعتي ، ثم تحولوا عنها إلى ما كرهت من معصيتي ، إلا تحولت لهم عما يحبون من رحمتي إلى ما يكرهون من غضبي » .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن ابن زيد - رضي الله عنه - قال : أتى عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له عامر : « ما تجعل لي إن اتبعتك؟ قال : أنت فارس ، أعطيك أعنة الخيل . قال : فقط؟ قال : فما تبغي؟ قال : لي الشرق ولك الغرب ، ولي الوبر ولك المدر . قال : لا . قال : لأملأنها إذاً عليك خيلاً ورجالاً . قال : يمنعك الله ذلك » وأتيا قبيلة تدعى الأوس والخزرج ، فخرجا ، فقال عامر لأربد : إن كان الرجل لنا يمكنا لو قتلناه ما انتطحت فيه عنزان ، ولرضوا بأن نعقله لهم ، وأحبوا السلم وكرهوا الحرب إذا رأوا أمراً قد وقع ، فقال الآخر : إن شئت . فتشاورا وقال : أرجع ، أنا أشغله عنك بالمجادلة ، وكن وراءه فاضربه بالسيف ضربة واحدة ، فكانا كذلك ، واحد وراء النبي صلى الله عليه وسلم ، والآخر قال : أقصص عليّ قصصك . قال : ما تقول؟ قال : قرأتك ، فجعل يجادله ويستبطئه ، حتى قال له ما لك ، أحشمت؟ قال : وضعت يدي على قائم السيف فيبست ، فما قدرت على أن أحلي ولا أمري ، فجعل يحركها ولا تتحرك ، فخرجا ، فلما كانا بالحرة سمع بذلك سعد بن معاذ وأسيد بن خضير ، فخرجا إليه على كل واحد منهما لأمته ورمحه بيده ، وهو متقلد سيفه ، فقال أسيد لعامر بن الطفيل : يا أعور الخبيث ، أنت الذي تشترط على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! لولا أنك في أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما رمت المنزل حتى ضربت عنقك .

(5/484)