صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور
المؤلف : عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قال عمر رضي الله عنه : فقمت فقلت : رضيت بالله ربًّا ، وبالإِسلام ديناً ، وبك رسولاً ، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن الضريس عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه قال : كان بالكوفة رجل يطلب كتب دانيال وذلك الضرب ، فجاء فيه كتاب من عمر بن الخطاب أن يدفع إليه ، فلما قدم على عمر رضي الله عنه علاه بالدرة ، ثم جعل يقرأ عليه { الر تلك آيات الكتاب المبين } حتى بلغ { الغافلين } قال : فعرفت ما يريد ، فقلت يا أمير المؤمنين ، دعني . فوالله لا أدع عندي شيئاً من تلك الكتب إلا حرقته . قال فتركه .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه { نحن نقص عليك أحسن القصص } ل : من الكتب الماضية وأمور الله السالفة في الأمم { وإن كنت من قبله } أي من قبل هذا القرآن { لمن الغافلين } .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه { نحن نقص عليك أحسن القصص } قال القرآن .

(5/368)


إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)

أخرج أحمد والبخاري عن ابن عمر رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم : يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وابن مردوية عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إني رأيت أحد عشر كوكباً } قال رؤيا الأنبياء وحي .
وأخرج سعيد بن منصور والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والعقيلي وابن حبان في الضعفاء ، وأبو الشيخ والحاكم وصححه ، وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في دلائل النبوة ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : جاء بستاني يهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « يا محمد ، أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف عليه السلام ساجدة له ، ما أسماؤها؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه بشيء . فنزل جبريل عليه السلام فأخبره بأسمائها ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البستاني اليهودي فقال : هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟ قال نعم . قال : حرثان والطارق والذيال وذو الكفتان وقابس ودثان وهودان والفيلق والمصبح والضروح والفريخ والضياء والنور ، رآها في أفق السماء ساجدة له ، فلما قص يوسف على يعقوب قال : هذا أمر مشتت يجمعه الله من بعد ، فقال اليهودي : أي والله ، أنها لأسماؤها .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { أحد عشر كوكباً } قال : إخوته . والشمس قال امه ، والقمر : قال أبوه ، ولأمه راحيل ثلث الحسن .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { أحد عشر كوكباً والشمس والقمر } قال : الكواكب إخوته ، والشمس والقمر أبواه .
وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه في قوله { إني رأيت أحد عشر كوكباً } الآية . قال : رأى أباه وإخوته سجوداً له .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في الآية قال : قال إخوته - وكانوا أنبياء - ما رضي أن يسجد له إخوته حتى سجد له أبواه حين بلغهم .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن منبه عن أبيه قال : كانت رؤيا يوسف عليه السلام ليلة القدر .

(5/369)


قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)

أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما { وكذلك يجتبيك ربك } قال يصطفيك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة مثله .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ويعلمك من تأويل الأحاديث } قال : عبارة الرؤيا .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { ويعلمك من تأويل الأحاديث } قال : تأويل العلم والحلم . قال : وكان يومئذ أعبر الناس .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه في قوله : { كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق } قال : فنعمته على إبراهيم نجاه من النار ، وعلى إسحق أن نجاه من الذبح .

(5/370)


لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7)

أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله { لقد كان في يوسف وإخوته آيات } قال عبرة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين } يقول : من سأل عن ذلك ، فهو كذا ما قص الله عليكم وأنبأكم به .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين } قال : من كان سائلاً عن يوسف وإخوته ، فهذا نبؤهم .
وأخرج ابن جرير عن ابن إسحق رضي الله عنه قال : إنما قص الله على محمد صلى الله عليه وسلم خبر يوسف وبغي إخوته عليه ، وحسدهم إياه ، حين ذكر رؤياه . لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بغي قومه عليه وحسدهم إياه ، وحين أكرمه الله بنبوّته ليتأسى به .

(5/371)


إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن السدي رضي الله عنه قال : كان يعقوب عليه السلام نازلاً بالشام ، وكان ليس له هم إلا يوسف وأخوه بنيامين ، فحسده إخوته مما رأوا من حب أبيه له . ورأى يوسف عليه السلام في النوم رؤيا إن أحد عشر كوكباً والشمس والقمر ساجدين له ، فحدث أباه بها فقال له يعقوب عليه السلام : { يا بني ، لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً } فبلغ إخوة يوسف الرؤيا فحسدوه ، فقالوا { ليوسف وأخوه } بنيامين { أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة } - كانوا عشرة - { إن أبانا لفي ضلال مبين } قالوا : في ضلال من أمرنا . { اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين } يقول : تتوبون مما صنعتم به . { قال قائل منهم . . . } وهو يهوذا { لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين } فلما أجمعوا أمرهم على ذلك أتوا أباهم فقالوا له { يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف } قال : لن أرسله معكم إني { أخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنَّا إذاً لخاسرون } فأرسله معهم فأخرجوه وبه عليه كرامة . فلما برزوا إلى البرية أظهروا له العداوة فجعل يضربه أحدهم فيستغيث بالآخر فيضربه ، فجعل لا يرى منهم رحيماً ، فضربوه حتى كادوا يقتلونه ، فجعل يصيح ويقول : يا أبتاه ، يا يعقوب ، لو تعلم ما صنع بابنك بنو الإماء . فلما كادوا يقتلونه قال يهوذا : أليس قد أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه؟ . . . فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه فيه ، فجعلوا يدلونه في البئر ، فيتعلق بشفير البئر ، فربطوا يديه ونزعوا قميصه ، فقال : يا إخوتاه ، ردوا عليّ قميصي أتوارى به في الجب . فقالوا له : ادع الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر يؤنسوك . قال : فإني لم أر شيئاً . فدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت ، فكان في البئر ماء ، فسقط فيه فلم يضره ، ثم أوى إلى صخرة في البئر فقام عليها ، فجعل يبكي فناداه إخوته ، فظن إنها رقة أدركتهم فأجابهم ، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة ، فقام يهوذا فمنعهم وقال : قد أعطيتموني موثقاً أن لا تقتلوه ، فكان يهوذا يأتيه بالطعام ، ثم إنهم رجعوا إلى أبيهم فأخذوا جدياً من الغنم فذبحوه ونضحوا دمه على القميص ، ثم أقبلوا إلى أبيهم عشاء يبكون ، فلما سمع أصواتهم فزع وقال : يا بني ، ما لكم؟ هل أصابكم في غنمكم شيء؟! . . . قالوا لا . قال : فما فعل يوسف : { قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا } يعني بمصدق لنا { ولو كنا صادقين } فبكى الشيخ وصاح بأعلى صوته ثم قال : أين القميص؟ ثم جاؤوا بقميصه وعليه دم كذب ، فأخذ القميص وطرحه على وجهه ، ثم بكى حتى خضب وجهه من دم القميص ، ثم قال : إن هذا الذئب يا بني لرحيم ، فكيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه؟! .

(5/372)


. . وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه فتعلق يوسف عليه السلام بالحبل ، فخرج ، فلما رآه صاحب الدلو ، دعا رجلاً من أصحابه يقال له بشراي فقال : يا بشراي ، هذا غلام . فسمع به إخوة يوسف عليه السلام فجاؤوا فقالوا : هذا عبد لنا آبق ، ورطنوا له بلسانهم فقالوا : لئن أنكرت إنك عبد لنا لنقتلنك ، أترانا نرجع بك إلى يعقوب عليه السلام ، وقد أخبرناه إن الذئب قد أكلك؟ . . . قال : يا إخوتاه ، ارجعوا بي إلى أبي يعقوب . فأنا أضمن لكم رضاه ولا أذكر لكم هذا أبداً . فأبوا ، فقال الغلام : أنا عبد لهم . فلما اشتراه الرجلان فرقا من الرفقة أن يقولا اشتريناه ، فيسألونهما الشركة فيه ، فقالا : نقول إن سألونا ما هذا؟ نقول هذه بضاعة استبضعناها على البئر . فذلك قوله { وأسروه بضاعة } { وشروه بثمن بخس دراهم معدودة } - وكانت عشرين درهماً - وكانوا في يوسف من الزاهدين ، فانطلقوا به إلى مصر فاشتراه العزيز - ملك مصر - فانطلق به إلى بيته فقال لامرأته { أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً } فأحبته امرأته فقالت له : يا يوسف ، ما أحسن شعرك؟ . . قال : هو أوّل ما يتناثر من جسدي . قالت : يا يوسف ، ما أحسن عينيك؟ قال : هما أوَّل ما يسيلان إلى الأرض من جسدي . قالت : يا يوسف ، ما أحسن وجهك؟ قال : هو للتراب يأكله { قالت هيت لك } قال هلم لك؟ - وهي بالقبطية - قال معاذ الله ، إنه ربي ، قال : سيدي أحسن مثواي فلا أخونه في أهله . فلم تزل به حتى أطمعها ، فهمّت به وهمّ بها ، فدخلا البيت { وغلقت الأبواب } فذهب ليحل سراويله فإذا هو بصورة يعقوب عليه السلام قائماً في البيت قد عض على أصبعه يقول : يا يوسف ، لا تواقعها ، فإنما مثلك مثل الطير في جوّ السماء لا يطاق ، ومثلك إذا وقعت عليها مثله إذا مات فوقع على الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ، ومثلك مثل الثور الصعب الذي لم يعمل عليه ، ومثلك إذا واقعتها مثله إذا مات فدخل الماء في أصل قرنيه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه . فربط سراويله وذهب ليخرج ، فأدركته فأخذت بمؤخر قميصه من خلفه فخرقته حتى أخرجته منه وسقط وطرحه يوسف ، واشتد نحو الباب ، والفيا سيدها جالساً عند الباب هو وابن عم المرأة ، فلما رأته المرأة { قالت : ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً؟ إلا أن يسجن ، أو عذاب أليم } إنه راودني عن نفسي فدفعته عني فشققت قميصه . فقال يوسف : لا بل هي راودتني عن نفسي ، فأبيت وفررت منها فأدركتني فأخذت بقميصي فشقّته علي ، فاقل ابن عمها : في القميص تبيان الأمر ، انظروا إن كان القميص قدّ من قبل فصدقت وهو من الكاذبين ، وإن كان قدّ من دُبر فكذبت وهو من الصادقين ، فلما أتي بالقميص وجده قد قدّ من دُبر ، فقال : { إنه من كيدكن ، إن كيدكن عظيم .

(5/373)


يوسف ، أعرض عن هذا . واستغفري لذنبك } يقول : لا تعودي لذنبك . { وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه ، قد شغفها حباً } والشغاف جلدة على القلب يقال لها لسان القلب . يقول دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب - فلما سمعت بمكرهن - يقول بقولهن - أرسلت إليهن واعتدت لهن متكأً يتكئن عليه ، وآتت كل واحدة منهن سكيناً وأترجاً تأكله وقالت ليوسف : أخرج عليهن . فلما خرج ورأى النسوة يوسف ، أعظمنه وجعلن يحززن أيديهن وهن يحسبن إنهن يقطعن الأترج ، ويقلن : { حاشا لله! ما هذا بشراً ، إن هذا إلا ملك كريم } . قالت : { فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } بعدما كان حل سراويله ثم لا أدري ما بدا له . قال يوسف : { رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه } من الزنا . ثم إن المرأة قالت لزوجها : إن العبد العبراني قد فضحني في الناس ، إنه يعتذر إليهم ويخبرهم أني راودته عن نفسه ، ولست أطيق أن أعتذر بعذري ، فإما أن تأذن لي فأخرج فاعتذر كما يعتذر ، وإما أن تحبسه كما حبستني ، فذلك قوله { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات . . . } وهو شق القميص وقطع الأيدي { ليسجننه حتى حين ودخل معه السجن فتيان . . . } غضب الملك على خَبّازه ، أنه يريد أن يسمه ، فحبسه وحبس الساقي وظن أنه مالأه على السم ، فلما دخل يوسف عليه السلام السجن قال : إني أعبّر الأحلام قال أحد الفتيين : هلم فَلْنُجَرِّب هذا العبد العبراني ، فتراءيا من غير أن يكونا رأيا شيئاً ، ولكنهما خرصا فعبر لهما يوسف خرصهما فقال الساقي : رأيتني أعصر خمراً . وقال الخباز : رأيتني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه . قال يوسف عليه السلام : لا يأتيكما طعام ترزقانه في النوم إلا نبأتكما بتأويله في اليقظة ، ثم قال : { يا صاحبي السجن ، أما أحدكما فيسقي ربه خمراً } فيعاد على مكانه ، { وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه } . ففزعا وقالا : والله ما رأينا شيئاً . قال يوسف عليه السلام : { قضي الأمر الذي فيه تستفتيان } إن هذا كائن لا بد منه ، وقال يوسف عليه السلام للساقي : { اذكرني عند ربك } . ثم أن الله أرى الملك رؤيا في منامه هالته ، فرأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ، وسبع سنبلات خضر يأكلهن سبع يابسات ، فجمع السحرة والكهنة والعافة - وهم القافة - والحاذة ، - وهم الذين يزجرون الطير - فقصها عليهم فقالوا : أضغاث أحلام ، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين .

(5/374)


{ وقال الذي نجا منهما - وادّكر بعد أمة - أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون } .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : لم يكن السجن في المدينة ، فانطلق الساقي إلى يوسف عليه السلام فقال : { أفتنا في سبع بقرات . . . } إلى قوله { لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون } تأويلها { قال تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله } قال هو أبقى له { إلا قليلاً مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلاً مما تحصنون } قال : مما ترفعون { ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون } قال : العنب فلما أتى الملك الرسول وأخبره قال : { ائتوني به ، فلما جاءه الرسول } فأمره أن يخرج إلى الملك ، أبى يوسف وقال : { ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن } .
قال السدي : قال ابن عباس رضي الله عنهما : لو خرج يوسف يومئذ قبل أن يعلم الملك بشأنه ، ما زالت في نفس العزيز منه حاجة ، يقول هذا الذي راود امرأته . قال الملك ائتوني بهن ، { قال : ما خطبكن إذ راودتُنَّ يوسف عن نفسه؟ قلن حاشا لله ، ما علمنا عليه من سوء } ، ولكن امرأة العزيز أخبرتنا أنها راودته عن نفسه ودخل معها البيت وحل سراويله ثم شده بعد ذلك ، ولا تدري ما بدا له . فقالت امرأة العزيز { الآن حصحص الحق } قال تبين . { أنا راودته عن نفسه } ، قال يوسف - وقد جيء به - ذلك ليعلم العزيز { أني لم أخنه بالغيب } في أهله ، { وأن الله لا يهدي كيد الخائنين } . فقالت امرأة العزيز : يا يوسف ، ولا حين حللت السراويل؟ قال يوسف عليه السلام : { وما أبرئ نفسي } . فلما وجد الملك له عذراً قال : { ائتوني به استخلصه لنفسي } فأستعمله على مصر ، فكان صاحب أمرها هو الذي يلي البيع والأمر ، فأصاب الأرض الجوع وأصاب بلاد يعقوب التي كان فيها ، فبعث بنيه إلى مصر وأمسك بنيامين أخا يوسف ، فلما دخلوا على يوسف { عرفهم وهم له منكرون } ، فلما نظر إليهم أخذهم وأدخلهم الدار - دار الملك - وقال لهم : أخبروني ، ما أمركم؟ فإني أنكر شأنكم . قالوا : نحن من أرض الشام . قال : فما جاء بكم؟ قالوا نمتار طعاماً . قال : كذبتم ، أنتم عيون ، كم أنتم؟ قالوا نحن عشرة . قال أنتم عشرة آلاف ، كل رجل منكم أمير ألف ، فأخبروني خبركم . قالوا : إنا إخوة بنو رجل صديق ، وإنا كنا إثني عشر فكان يحب أخاً لنا وأنه ذهب معنا إلى البرية فهلك منا وكان أحبنا إلى أبينا . قال : فإلى من يسكن أبوكم بعده؟ . . . قالوا إلى أخ له أصغر منه . قال : كيف تحدثوني أن أباكم صدّيق وهو يحب الصغير منكم دون الكبير ، ائتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه ، { فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون .

(5/375)


قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون } قال : فإني أخشى أن لا تأتوني به ، فضعوا بعضكم رهينة حتى ترجعوا . فارتهن شمعون عنده ، فقال لفتيته وهو يكيل لهم : اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم ، لعلهم يرجعون إليَّ . فلما رجعٍ القوم إلى أبيهم كلموه فقالوا : يا أبانا ، إن ملك مصر أكرمنا كرامة لو كان رجلاً منا من بني يعقوب ما أكرمنا كرامته ، وإنه ارتهن شمعون وقال : ائتوني بأخيكم هذا الذي عطف عليه أبوكم بعد أخيكم الذي هلك حتى أنظر إليه ، فإن لم تأتوني به فلا تقربوا بلادي أبداً . فقال لهم يعقوب عليه السلام : إذا أتيتم ملك مصر فاقرؤوه مني السلام وقولوا : إن أبانا يصلي عليك ويدعو لك بما أوليتنا ، ولما فتحوا رحالهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم ، أتوا أباهم { قالوا : يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا } فقال أبوه حين رأى ذلك : { لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم } . فحلفوا له ، { فلما آتوه موثقهم } قال يعقوب : { الله على ما نقول وكيل } . ورهب عليهم أن يصيبهم العين إن دخلوا مصر فيقال هؤلاء لرجل واحد ، قال : { يا بني ، لا تدخلوا من باب واحد } - يقول من طريق واحد - فلما دخلوا على يوسف عرف أخاه فأنزلهم منزلاً وأجرى عليهم الطعام والشراب ، فلما كان الليل أتاهم بمثل ، قال : لينم كل أخوين منكم على مثال حتى بقي الغلام وحده ، فقال يوسف عليه السلام : هذا ينام معي على فراشي ، فبات مع يوسف ، فجعل يشم ريحه ويضمه إليه حتى أصبح وجعل يقول روبيل : ما رأينا رجلاً مثل هذا! إن نحن نجونا منه ، { فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه } ، والأخ لا يشعر ، فلما ارتحلوا { أذن مؤذّن } قبل أن يرتحل العير : { أيتها العير ، إنكم لسارقون } ، فانقطعت ظهورهم { وأقبلوا عليهم } يقولون : { ماذا تفقدون } إلى قوله { فما جزاؤه } { قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه } يقول تأخذونه فهو لكم ، { فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه } فلما بقي رحل أخيه الغلام قال : ما كان هذا الغلام ليأخذها . قالوا والله لا يترك حتى تنظروا في رحله ونذهب وقد طابت نفوسكم ، فأدخل يده في رحله فاستخرجها من رحل أخيه . يقول الله { كذلك كدنا ليوسف } يقول صنعنا ليوسف { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } يقول في حكم الملك { إلا أن يشاء الله } ولكن صنعنا لشأنهم قالوا فهذا جزاؤه . قال فلما استخرجها من رحل الغلام انقطعت ظهورهم وهلكوا وقالوا : ما يزال لنا منكم بلاء يا بني راحيل ، حتى أخذت هذا الصواع . قال بنيامين : بنو راحيل ، لا يزل لنا منكم بلاء ، ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية وما وضع هذا الصواع في رحلي إلا الذي وضع الدراهم في رحالكم ، قالوا لا تذكر الدراهم فتؤخذ بها ، فوقعوا فيه وشتموه ، فما أدخلوهم على يوسف دعا بالصواع ، ثم نقر فيه ، ثم أدناه من أذنه ثم قال : إن صواعي هذا يخبرني أنكم كنتم إثني عشر أخاً ، وأنكم انطلقتم بأخٍ لكم فبعتموه .

(5/376)


فلما سمع بنيامين قام فسجد ليوسف وقال : أيها الملك ، سل صواعك هذا ، أحيّ أخي ذاك أم لا؟ فنقرها يوسف ثم قال : نعم هو حي ، وسوف تراه . قال : اصنع بي ما شئت ، فإنه أعلم بي . فدخل يوسف عليه السلام فبكى ثم توضأ ، ثم خرج . فقال بنيامين : أيها الملك ، إني أراك تضرب بصواعك الحق ، فسله من صاحبه؟ فنقر فيه ثم قال : إن صواعي هذا غضبان ، يقول : كيف تسألني من صاحبي وقد رأيت مع من كنت ، وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا ، فغضب روبيل فقام فقال : أيها الملك ، والله لتتركنا أو لأصِيحَنَّ صيحةً لا تبقى امرأة حامل بمصر إلا طرحت ما في بطنها ، وقامت كل شعرة من جسد روبيل ، فخرجت من ثيابه ، فقال يوسف لابنه مرة : مر إلى جنب روبيل فمسه مسة فذهب غضبه ، فقال روبيل : من هذا؟! . . إن في هذه البلاد لبزراً من بزر يعقوب . قال يوسف عليه السلام : ومن يعقوب؟ فغضب روبيل فقال : أيها الملك ، لا تذكرَنَّ يعقوب ، فإنه بشرى لله ابن ذبيح الله ابن خليل الله ، فقال يوسف عليه السلام : أنت إذاً كنت صادقاً ، فإذا أتيتم أباكم فاقرؤوا عليه مني السلام وقولوا له : إن ملك مصر يدعو لك أن لا تموت حتى ترى ابنك يوسف ، حتى يعلم أبوكم أن في الأرض صديقين مثله . فلما أيسوا منه وأخرج لهم شمعون وكان قد ارْتَهَنَهُ ، خلوا بينهم نجياً يتناجون بينهم ، قال كبيرهم - وهو روبيل ولم يكن بأكبرهم سناً ولكن كان كبيرهم في العلم - : { ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف؟ فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين } . فأقام روبيل بمصر ، وأقبل التسعة إلى يعقوب عليه السلام فأخبروه الخبر فبكى وقال : يا بني ما تذهبون من مرو إلا نقصتم واحداً . ذهبتم فنقصتم يوسف ، ثم ذهبتم الثانية فنقصتم شمعون ، ثم ذهبتم الثالثة فنقصتم بنيامين وروبيل { فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً إنه هو العليم الحكيم وتولى عنهم وقال : يا أسفا على يوسف . وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم } من الغيظ . { قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين } الميتين . { قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون } . قال : أتى يوسف جبريل عليه السلام وهو في السجن فسلم عليه وجاءه في صورة رجل حسن الوجه طيب الريح نقي الثياب فقال له يوسف : أيها الملك الحسن الوجه الكريم على ربه ، الطيب ريحه ، حدثني كيف يعقوب؟ قال حزن عليك حزناً شديداً .

(5/377)


قال فما بلغ من حزنه ، قال حزن سبعين مثكلة . قال فما بلغ من أجره قال أجر سبعين شهيداً . قال يوسف عليه السلام : فإلى من أوى بعدي؟ قال إلى أخيك بنيامين . قال فتراني ألقاه؟ قال نعم . فبكى يوسف عليه السلام لما لقي أبوه بعده ثم قال : ما أبالي بما لقيت أن الله أرانيه . قال : فلما أخبروه بدعاء الملك أحست نفس يعقوب وقال : ما يكون في الأرض صديق إلا ابني فطمع قال : لعله يوسف . قال : { يا بني ، اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه } بمصر { ولا تيأسوا من روح الله } . قال : مِنْ فَرَجِ الله أن يرد يوسف ، فلما رجعوا إليه { قالوا : يا أيها العزيز ، مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل } بها كما كنت تعطينا بالدراهم الجيدة ، { وتصدق علينا } تفضل ما بين الجياد والرديئة . قال لهم يوسف - ورحمهم عند ذلك - : { ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون؟ قالوا : أئنك لأنت يوسف . قال : أنا يوسف وهذا أخي } . فاعتذروا إليه ، { قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين . قال : لا تثريب عليكم اليوم } لا أذكر لكم ذنبكم { يغفر الله لكم } ، ثم قال ما فعل أبي بعدي؟ قالوا عمي من الحزن . { فقال اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيراً ، وأتوني بأهلكم أجمعين } . قال يهوذا أنا ذهبت بالقميص إلى يعقوب عليه السلام وهو متلطخ بالدماء وقلت : أن يوسف قد أكله الذئب ، وأنا أذهب بالقميص وأخبره أن يوسف عليه السلام حي فأفرحه كما أحزنته . فهو كان البشير ، فلما { فصلت العير } من مصر منطلقة إلى الشام وجد يعقوب عليه السلام ريح يوسف عليه السلام فقال لبني بنيه : { إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون } . قال له بنو بنيه { تالله إنك لفي ضلالك القديم } من شأن يوسف ، { فلما أن جاء البشير } وهو يهوذا ، ألقى القميص على وجهه { فارتد بصيراً } . قال لبنيه { ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون؟! . . . } ثم حملوا أهلهم وعيالهم فلما بلغوا مصر كلم يوسف عليه السلام الملك الذي فوقه ، فخرج هو والملك يتلقونهم فلما لقيهم قال : { ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين } . فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه أباه وخالته ورفعهما { على العرش } . قال : السرير ، فلما حضر يعقوب الموت أوصى إلى يوسف أن يدفنه عند إبراهيم . فمات فنفخ فيه المر ، ثم حمله إلى الشام وقال يوسف عليه السلام { رب قد آتيتني من الملك } إلى قوله : { توفني مسلماً وألحقني بالصالحين } .

(5/378)


قال ابن عباس رضي الله عنهما هذا أول نبي سأل الله الموت وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم مفرقاً في السورة .
وأخرج ابن جرير ثنا وكيع ثنا عمرو بن محمد العبقري عن أسباط عن السدي وقال ابن أبي حاتم حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث ثنا الحسين بن علي ثنا عامر بن الفرات عن أسباط عن السدي به .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { إذ قالوا ليوسف وأخوه } يعني بنيامين ، وهو أخو يوسف لأبيه وأمه . وفي قوله { ونحن عصبة } قال العصبة ما بين العشرة إلى الأربعين .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { ونحن عصبة } قال : العصبة الجماعة . وفي قوله { إن أبانا لفي ضلال مبين } قال : لفي خطأ من رأيه .

(5/379)


قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (10)

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه عنه في قوله { قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف } قال : كنا نحدث أنه روبيل وهو أكبر إخوته ، وهو ابن خالة يوسف .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف } قال : هو شمعون .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب } قال : قاله كبيرهم الذي تخلف . قال : والجب ، بئر بالشام { يلتقطه بعض السيارة } قال : التقطه ناس من الأعراب .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وألقوه في غيابة الجب } يعني الركية .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ، قال : الجب البئر .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وألقوه في غيابة الجب } قال : هي بئر ببيت المقدس . يقول في بعض نواحيها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه قال : الجب الذي جعل فيه يوسف عليه السلام بحذاء طبرية ، بينه وبينها أميال .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ « تلتقطه بعض السيارة » بالتاء .

(5/380)


قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12)

أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن أبي قاسم رضي الله عنه قال : قرأ أبو رزين « ما لك لا تتمنا على يوسف » قال له عبيد بن نضلة لحنت قال : ما لحن من قرأ بلغة قومه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله « أرسله معنا غداً نرتع ونلعب » قال : نسعى وننشط ونلهو .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن هرون رضي الله عنه قال : كان أبو عمرو يقرأ { نرتع ونلعب } بالنون فقلت لأبي عمرو : كيف يقولون : نرتع ونلعب وهم أنبياء؟! . . قال : لم يكونوا يومئذ أنبياء .
وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه { أرسله معنا غداً يرتع ويلعب } هو ، يعني بالياء .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه أنه قرأ { يرتع } بالياء وكسر العين . قال يرعى غنمه وينظر ويعقل ، ويعرف ما يعرف الرجل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد رضي الله عنه أنه قرأ { نرتع } بالنون وكسر العين . قال يحفظ بعضنا بعضاً ، نتحارس .
وأخرج أبو الشيخ عن الحكم بن عمر الرعيني قال : بعثني خالد القسري إلى قتادة أسأله عن قوله « نرتع ونلعب » فقال قتادة رضي الله عنه لا « نرتع ونلعب » بكسر العين . ثم قال : الناس لا يرتعون إنما ترتع الغنم .
وأخرج أبو الشيخ عن مقاتل بن حيان رضي الله عنه؛ أنه كان يقرؤها « أرسله معنا غداً نلهو ونلعب » .
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن الأعرج رضي الله عنه؛ أنه قرأ « نرتعي » بالنون والياء { ويلعب } بالياء .

(5/381)


قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14)

أخرج أبو الشيخ وابن مردويه والسلفي في الطيوريات عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا تلقنوا الناس فيكذبوا ، فإن بني يعقوب لم يعلموا أن الذئب يأكل الناس ، فلما لقنهم أبوهم كذبوا فقالوا أكله الذئب » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مجلز رضي الله عنه قال : لا ينبغي لأحد أن يلقن ابنه الشر ، فإن بني يعقوب لم يدروا أن الذئب تأكل الناس حتى قال لهم أبوهم إني { أخاف أن يأكله الذئب } .

(5/382)


فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وأوحينا إليه . . . } الآية . قال : أوحى إلى يوسف عليه السلام وهو في الجب ، لتنبئن إخوتك بما صنعوا وهم لا يشعرون بذلك الوحي .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وأوحينا إليه } قال : أوحى الله إليه وحْياً وهو في الجب ، أن ستنبئهم بما صنعوا وهم - أي إخوته - لا يشعرون بذلك الوحي ، فهوّن ذلك الوحي عليه ما صنع به .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وهم لا يشعرون } قال : لا يشعرون أنه أوحي إليه .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { وهم لا يشعرون } يقول : لا يشعرون أنه يوسف .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما دخل إخوة يوسف على يوسف فعرفهم وهم له منكرون . جيء بالصواع فوضعه على يده ، ثم نقره فطن فقال : إني ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف ، يدين دينكم ، وأنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجب ، فأتيتم أباكم فقلتم أن الذئب أكله وجئتم على قميصه بدم كذب . فقال بعضهم لبعض أن هذا الجام ليخبره خبركم . قال ابن عباس رضي الله عنهما : فلا نرى هذه الآية نزلت إلا في ذلك { لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون } .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لما ألقي يوسف في الجب أتاه جبريل عليه السلام فقال له : يا غلام ، من ألقاك في هذا الجب؟ قال : إخوتي . قال : ولم؟ قال : لمودة أبي إياي حسدوني . قال : تريد الخروج من ههنا؟ قال : ذاك إلى إله يعقوب . قال : قل اللهم إني أسألك باسمك المخزون والمكنون ، يا بديع السموات والأرض ، يا ذا الجلال والاكرام أن تغفر لي ذنبي وترحمني ، وأن تجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً ، وأن ترزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب . فقالها ، فجعل الله له من أمره فرجاً ومخرجاً ورزقه ملك مصر من حيث لا يحتسب ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ألظوا بهؤلاء الكلمات ، فإنهن دعاء المصطفين الأخيار » .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي بكر بن عياش رضي الله عنه قال : كان يوسف عليه السلام في الجب ثلاثة أيام .

(5/383)


وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17)

أخرج ابن المنذر عن الشعبي رضي الله عنه قال : جاءت امرأة إلى شريح رضي الله عنه تخاصم في شيء ، فجعلت تبكي ، فقالوا : يا أبا أمية ، أما تراها تبكي؟ فقال : قد جاء اخوة يوسف أباهم عشاء يبكون .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين } قال : نزلت على كلام العرب . كقولك لا تصدق بالصدق ولو كنت صادقاً .

(5/384)


وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وجاؤوا على قميصه بدم كذب } قال : كان دم سخلة .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { بدم كذب } قال : كان ذلك الدم كذباً لم يكن دم يوسف ، كان دم سخلة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال : أخذوا ظبياً فذبحوه فلطخوا به القميص ، فجعل يعقوب عليه السلام يقلب القميص فيقول : ما أرى أثر أثر ناب ولا ظفر ، إن هذا السبع رحيم . فعرف أنهم كذبوه .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما { وجاؤوا على قميصه بدم كذب } قال : لما أتي يعقوب بقميص يوسف عليه السلام فلم ير فيه خرقاً ، قال : كذبتم ، لو كان كما تقولون أكله الذئب لخرق القميص .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال : لما جيء بقميص يوسف عليه السلام إلى يعقوب عليه السلام ، جعل يقلبه فيرى أثر الدم ولا يرى فيه شقاً ولا خرقاً ، فقال : يا بني ، والله ما كنت أعهد الذئب حليماً إذا أكل ابني وأبقى قميصه .
وأخرج ابن جرير عن الشعبي رضي الله عنه قال : ذبحوا جدياً ولطخوه بدمه ، فلما نظر يعقوب إلى القميص صحيحاً ، عرف أن القوم كذبوه فقال لهم : ان كان هذا الذئب لحليماً حيث رحم القميص ولم يرحم ابني .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال : لما أتوا نبي الله يعقوب بقميصه قال : ما أرى أثر سبع ولا طعن ولا خرق .
وأخرج ابو عبد الله محمد بن إبراهيم الجرجاني في أماليه ، عن ربيعة رضي الله عنه قال : لما أتى يعقوب عليه السلام فقيل : إن يوسف عليه السلام أكله الذئب . دعا الذئب فقال : أكلت قرة عيني وثمرة فؤادي . قال : لم أفعل . قال : فمن أين جئت ، ومن أين تريد؟ قال : جئت من أرض مصر ، وأريد أرض جرجان . قال : فما يعنيك بها؟ قال : سمعت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبلك يقولون : من زار حميماً أو قريباً ، كتب الله له بكل خطوة ألف حسنة وحط عنه ألف سيئة يرفع له ألف درجة . فدعا بنيه فقال : اكتبوا هذا الحديث ، فأبى أن يحدثهم . فقال : ما لك لا تحدثهم؟ فقال : إنهم عصاة .
وأخرج أبو الشيخ عن مبارك قال : سئل ابن سيرين عن رجل رأى في المنام أنه يستاك ، كلما أخرج السواك رأى عليه دماً . قال : اتق الله ولا تكذب . وقرأ { وجاؤوا على قميصه بدم كذب } .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً } قال : أمرتكم أنفسكم .

(5/385)


وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { بل سوّلت لكم أنفسكم أمراً } يقول : بل زينت لكم أنفسكم أمراً { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } أي على ما تكذبون .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الصبر ، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حيان بن أبي حيلة رضي الله عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله { فصبر جميل } قال : لا شكوى فيه من بث ولم يصبر .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فصبر جميل } قال ليس فيه جزع .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال : الصبر الجميل ، الذي ليس فيه شكوى إلا إلى الله .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن الثوري ، عن بعض الصحابة قال : يقال ثلاثة من الصبر : أن لا تحدث بما يوجعك ، ولا بمصيبتك ، ولا تركي نفسك .

(5/386)


وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن الضحاك في الآية قال : جاءت سيارة فنزلت على الجب فأرسلوا واردهم فاستقى من الماء فاستخرج يوسف ، فاستبشروا بأنهم أصابوا غلاماً ، لا يعلمون علمه ولا منزلته من ربه ، فزهدوا فيه فباعوه ، وكان بيعه حراماً وباعوه بدراهم معدودة .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فأرسلوا واردهم } يقول : فأرسلوا رسولهم فأدلى دلوه ، فتشبث الغلام بالدلو ، فلما خرج قال : يا بشراي ، هذا غلام تباشروا به حين استخرجوه وهي بئر بيت المقدس معلوم مكانها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي روق في قوله [ يا بشراي ] قال : يا بشارة .
وأخرج ابن المنذر من طريق أبي عبيد قال : سمعت الكسائي يحدث عن حمزة عن الأعمش وأبي بكر ، عن عاصم أنهما قرآ { يا بشرى } بإرسال الياء غير مضاف إليه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { يا بشرى } قال : كان اسم صاحبه بشرى . قال : يا بشرى ، كما تقول يا زيد .
وأخرج أبو الشيخ عن الشعبي في قوله { يا بشرى } قال كان اسمه بشرى .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وأسروه بضاعة } يعني إخوة يوسف ، أسروا شأنه وكتموا أن يكون أخاهم ، وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله ، إخوته ، واختار البيع ، فباعه إخوته بثمن بخس .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه { وأسروه بضاعة } قال : أسروا بيعه .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن مجاهد رضي الله عنه { وأسروه بضاعة } قال : أسره التجار بعضهم من بعض .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وأسروه بضاعة } قال : صاحب الدلو ومن معه ، فقالوا : لأصحابهم : إنا استَبْضعناه خفية أن يستشركوكم فيه ان علموا به وأتبعهم إخوته ، يقولون للمدلي وأصحابه : استوثقوا منه لا يأبقن ، حتى وثقوه بمصر فقال : من يبتاعني ويستسر؟ فابتاعه الملك والملك مسلم .

(5/387)


وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20)

أخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وشروه } قال : إخوة يوسف باعوه حين أخرج المدلي دلوه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وشروه } قال : إخوة يوسف باعوه حين أخرج المدلي دلوه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وشروه } قال : بيع بينهما بثمن بخس . قال : حرام ، لم يحل لهم بيعه ولا أكل ثمنه .
وأخرج ابن جرير عن قتادة { وشروه بثمن بخس } قال : هم السيارة .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن الضحاك رضي الله عنه { وشروه بثمن بخس } قال : باعوه بثمن حرام؛ كان بيعه حراماً وشراؤه حراماً .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وشروه بثمن بخس } قال : البخس ، هو الظلم . وكان بيع يوسف عليه السلام وثمنه حراماً عليهم ، وبيع بعشرين درهماً .
وأخرج أبو الشيخ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ أنه قضى في اللقيط أنه حر { وشروه بثمن بخس } .
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم رضي الله عنه ، أنه كره الشراء والبيع للبدوي وتلا هذه الآية { وشروه بثمن بخس } .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { بثمن بخس } قال : البخس القليل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن الشعبي رضي الله عنه قال : البخس ، القليل .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه ، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : إنما اشتري يوسف عليه السلام بعشرين درهماً ، وكان أهله حين أرسل إليهم بمصر ثلثمائة وتسعين إنساناً ، رجالهم أنبياء ، ونساؤهم صديقات ، والله ما خرجوا مع موسى عليه السلام حتى بلغوا ستمائة ألف وسبعين ألفاً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { دراهم معدودة } قال عشرون درهماً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { دراهم معدودة } قال : اثنان وعشرون درهماً لإخوة يوسف ، أحد عشر رجلاً .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن نوف الشامي البكالي مثله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن عطية رضي الله عنه في قوله { دراهم معدودة } قال : عشرون درهماً ، كانوا عشرة اقتسموا درهمين درهمين .
وأخرج أبو الشيخ ، عن نعيم بن أبي هند { دراهم معدودة } قال : ثلاثون درهماً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن عكرمة في قوله { بثمن بخس } قال : البخس ، القليل . { دراهم معدودة } قال : أربعون درهماً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { وكانوا فيه من الزاهدين } قال : إخوته ، زهدوا فيه لم يعلموا بنبوّته ولا بمنزلته من الله ومكانه .

(5/388)


وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن محمد بن إسحق رضي الله عنه قال : الذي اشتراه ظيفر بن روحب ، وكان اسم امرأته راعيل بنت رعائيل .
وأخرج ابن إسحق وابن جرير وأبو الشيخ ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما باع يوسف صاحبه الذي باعه من العزيز - واسمه مالك بن ذعر - قال حين باعه : من أنت؟ - وكان مالك من مدين - فذكر له يوسف من هو وابن من هو ، فعرفه فقال : لو كنت أخبرتني لم أبعك . ادع لي ، فدعا له يوسف فقال : بارك الله لك في أهلك . قال : فحملت امرأته اثني عشر بطناً ، في كل بطن غلامان .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { أكرمي مثواه } قال منزلته .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة مثله .
وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه ، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : أفرس الناس ثلاثة : العزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته : أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً ، والمرأة التي أتت موسى فقالت لأبيها : يا أبت ، استأجره ، وأبو بكر حين استخلف عمر .
وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ ، عن قتادة رضي الله عنه قال : بلغنا أن العزيز كان يلي عملاً من أعمال الملك . وقال الكلبي : كان خبازه وصاحب شرابه وصاحب دوائه وصاحب السجن .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ولنعلمه من تأويل الأحاديث } قال عبارة الرؤيا .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { والله غالب على أمره } قال فعال .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد { والله غالب على أمره } قال لغة عربية .
وأخرج أبو الشيخ ، عن الضحاك رضي الله عنه { والله غالب على أمره } قال : لما يريد أن يبلغ يوسف .

(5/389)


وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)

أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد ، والطبراني في الأوسط ، وابن مردويه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولما بلغ أشده } قال : ثلاثاً وثلاثين سنة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { بلغ أشده } قال : خمساً وعشرين سنة .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن السدي رضي الله عنه في قوله { بلغ أشده } قال : ثلاثين سنة .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه { ولما بلغ أشده } قال : عشرين سنة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { بلغ أشده } قال عشر سنين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ربيعة في قوله { بلغ أشده } قال : الحلم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه قال : لأشد الحلم ، إذا كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { آتيناه حكماً وعلماً } قال : هو الفقه والعلم والعقل قبل النبوة .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما { وكذلك نجزي المحسنين } يقول المهتدين .

(5/390)


وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { وراودته التي هو في بيتها } قال : هي امرأة العزيز .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { وراودته التي هو في بيتها عن نفسه } قال : حين بلغ مبلغ الرجال .
وأخرج عبد الرزاق والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه ، عن أبي وائل رضي الله عنه قال : قرأها عبد الله { هيت لك } بفتح الهاء والتاء ، فقلنا له : إن ناساً يقرؤونها { هيت لك } فقال : دعوني ، فإني أقرأ كما اقرئت أحب إلي .
وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه ، أنه قرأ { هيت لك } بنصب الهاء والتاء ولا يهمز .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم { هيت لك } يعني « هلم لك » .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أنه كان يقرأ كما يقرأ عبد الله { هيت لك } وقال : هلم لك ، تدعوه إلى نفسها .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { هيت لك } قال : هلم لك ، وهي بالحورانية .
وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه { هيت لك } قال : هلم لك وهي بالقبطية هنا .
وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله { هيت لك } قال : تعال .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { هيت لك } قال : ألقت نفسها واستقلت له ، ودعته إلى نفسها ، وهي لغة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { هيت لك } قال : ألقت نفسها واستلقت له ، لغة عربية تدعوه بها إلى نفسها .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وأبو الشيخ عن يحيى بن وثاب أنه قرأها { هيت لك } يعني بكسر الهاء وضم التاء يعني تهيأت لك .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ { هئت لك } مكسورة الهاء مضمومة التاء مهموزة . قال : تهيأت لك .
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنه ، أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل { هيت لك } قال : تهيأت لك . قم فاقض حاجتك . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت أحيحة الأنصاري وهو يقول :
به أحمى المصاب إذا دعال ... إذا ما قيل للأبطال هيتا
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي وائل رضي الله عنه ، أنه كان يقرأ { هئت لك } رفع ، أي تهيأت لك .

(5/391)


وأخرج ابن جرير عن عكرمة عن زر بن حبيش رضي الله عنه ، أنه كان يقرأ { هيت لك } نصباً ، أي هلم لك . وقال أبو عبيد كذلك . كان الكسائي يحكيها قال : هي لغة لأهل نجد ، وقعت إلى الحجاز معناها : تعال .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن عبد الله بن عامر اليحصبي رضي الله عنه ، أنه قرأ { هيت لك } بكسر الهاء وفتح التاء .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { إنه ربي } قال : سيدي ، يعني زوج المرأة .
وأخرج ابن المنذر عن أبي بكر بن عياش رضي الله عنه في قوله { إنه ربي } قال : يعني زوجها .

(5/392)


وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)

أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما همت به ، تزينت ثم استلقت على فراشها ، وهم بها وجلس بين رجليها يحل تبانه ، نودي من السماء : يا بن يعقوب ، لا تكن كطائر ينتف ريشه ، فبقي لا ريش له ، فلم يتعظ على النداء شيئاً حتى رأى برهان ربه جبريل عليه السلام في صورة يعقوب عاضاً على اصبعيه ، ففزع فخرجت شهوته من أنامله ، فوثب إلى الباب فوجده مغلقاً ، فرفع يوسف رجله فضرب بها الباب الأدنى فانفرج له ، واتبعته فأدركته ، فوضعت يديها في قميصه فشقته حتى بلغت عضلة ساقه ، فألفيا سيدها لدى الباب .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أنه سئل عن هم يوسف عليه السلام ، ما بلغ؟ قال : حل الهميان - يعني السراويل - وجلس منها مجلس الخاتن ، فصيح به يا يوسف ، لا تكن كالطير له ريش ، فإذا زنى قعد ليس له ريش .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله { ولقد همت به وهم بها } قال : طمعت فيه وطمع فيها ، وكان من الطمع أن هم بحل التكة ، فقامت إلى صنم مكلل بالدر والياقوت في ناحية البيت ، فسترته بثوب أبيض بينها وبينه ، فقال : أي شيء تصنعي؟! فقالت : استحي من الهي أن يراني على هذه الصورة . فقال يوسف عليه السلام : تستحين من صنم لا يأكل ولا يشرب ، ولا استحي أنا من إلهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت؟! . . . ثم قال : لا تنالينها مني أبداً . وهو البرهان الذي رأى .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وهم بها } قال : حل سراويله حتى بلغ ثنته ، وجلس منها مجلس الرجل من امرأته ، فمثل له يعقوب عليه السلام ، فضرب بيده على صدره فخرجت شهوته من أنامله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لولا أن رأى برهان ربه } قال : رأى صورة أبيه يعقوب في وسط البيت عاضاً على ابهامه ، فأدبر هارباً وقال : وحقك يا أبت لا أعود أبداً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة وسعيد بن جبير في قوله { لولا أن رأى برهان ربه } قال : حل السراويل وجلس منها مجلس الخاتن ، فرأى صورة فيها وجه يعقوب عاضاً على أصابعه ، فدفع صدره فخرجت الشهوة من أنامله ، فكل ولد يعقوب قد ولد له اثنا عشر ولداً ، إلا يوسف عليه السلام فإنه نقص بتلك الشهوة ولداً ولم يولد له غير أحد عشر ولداً .

(5/393)


وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { لولا أن رأى برهان ربه } قال : تمثل له يعقوب عليه السلام فضرب في صدر يوسف عليه السلام ، فطارت شهوته من أطراف أنامله ، فولد لكل ولد يعقوب اثنا عشر ذكراً ، غير يوسف لم يولد له إلا غلامان .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله { لولا أن رأى برهان ربه } قال : رأى يعقوب عاضاً على أصابعه يقول : يوسف يوسف .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال : رأى آية من آيات ربه ، حجزه الله بها عن معصيته . ذكر لنا أنه مثل له يعقوب عاضاً على أصبعيه وهو يقول له : يا يوسف ، أتهم بعمل السفهاء وأنت مكتوب في الأنبياء؟ فذلك البرهان ، فانتزع الله كل شهوة كانت في مفاصله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن سيرين رضي الله عنه في قوله { لولا أن رأى برهان ربه } قال : مثل له يعقوب عليه السلام عاضاً على أصبعيه يقول : يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم خليل الرحمن ، اسمك في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء؟! . . .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال : رأى صورة يعقوب عليه السلام في الجدار .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال : زعموا أن سقف البيت انفرج ، فرأى يعقوب عاضاً على أصبعيه .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ، عن الحسن رضي الله عنه في قوله { ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه } قال : إنه لما هم قيل له : يوسف ، ارفع رأسك . فرفع رأسه فإذا هو بصورة في سقف البيت تقول : يا يوسف ، أنت مكتوب في الأنبياء ، فعصمه الله عز وجل .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن أبي صالح رضي الله عنه قال : رأى صورة يعقوب في سقف البيت تقول : يوسف ، يوسف .
وأخرج ابن جرير من طريق الزهري ، أن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن البرهان الذي رأى يوسف عليه السلام ، هو يعقوب .
وأخرج ابن جرير عن القاسم بن أبي بزة قال : نودي : يا ابن يعقوب ، لا تكونن كالطير له ريش ، فإذا زنى قعد ليس له ريش . فلم يعرض للنداء ، وقعد فرفع رأسه فرأى وجه يعقوب عاضاً على أصبعه ، فقام مرعوباً استحياء من أبيه .
وأخرج ابن جرير عن علي بن بديمة قال : كان يولد لكل رجل منهم اثنا عشر ، اثنا عشر ، إلا يوسف عليه السلام ولد له أحد عشر ، من أجل ما خرج من شهوته .

(5/394)


وأخرج ابن جرير عن شمر بن عطية قال : نظر يوسف إلى صورة يعقوب عاضاً على أصبعه يقول : يا يوسف ، فذاك حيث كف وقام .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال : يزعمون أنه مثل له يعقوب عليه السلام ، فاستحيا منه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي قال : كان ابن عباس . رضي الله عنهما يقول : في قوله { لولا أن رأى برهان ربه } قال : رأى آية من كتاب الله فنهته ، مثلت له في جدار الحائط .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال : البرهان الذي رأى يوسف عليه السلام ، ثلاث آيات من كتاب الله { وإن عليكم لحافظين . كراماً كاتبين . يعلمون ما تفعلون } [ الإنفطار ، 10-11-12 ] وقول الله { وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً . إذ تفيضون فيه . . . } [ يونس : 61-62 ] وقول الله { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت . . . } [ الرعد : 33 ] .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن محمد بن كعب قال : رأى في البيت في ناحية الحائط مكتوباً { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً } [ الإسراء : 32 ] .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال : لما خلا يوسف وامرأة العزيز ، خرجت كف بلا جسد بينهما ، مكتوب عليه بالعبرانية { أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت . . . . } [ الرعد : 33 ] ثم انصرفت الكف وقاما مقامهما ، ثم رجعت الكف بينهما ، مكتوب عليها بالعبرانية { ان عليكم لحافظين . كراماً كاتبين . يعلمون ما تفعلون } [ الإنفطار : 10-11-12 ] ثم انصرفت الكف وقاما مقامهما ، فعادت الكف الثالثة ، مكتوب عليها { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا } [ الإسراء : 32 ] وانصرفت الكف وقاما مقامهما ، فعادت الكف الرابعة ، مكتوب عليها بالعبرانية { واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } [ البقرة : 281 ] فولى يوسف عليه السلام هارباً .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله { لولا أن رأى برهان ربه } قال : آيات ربه ، رأى تمثال الملك .
وأخرج أبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد رضي الله عنه قال : لما دخل يوسف عليه السلام معها البيت ، وفي البيت صنم من ذهب قالت : كما أنت ، حتى أغطي الصنم ، فإني أستحي منه . فقال يوسف عليه السلام : هذه تستحي من الصنم ، أنا أحق أن أستحي من الله . فكف عنها وتركها .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر رضي الله عنه في قوله { كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء } قال : الزنا والثناء القبيح .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه { إنه من عبادنا المخلصين } قال : الذين لا يعبدون مع الله شيئاً .

(5/395)


وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25)

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { واستبقا الباب } قال : استبق هو والمرأة الباب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة رضي الله عنه قال : في قراءة عبد الله [ ووجدا سيدها ] .
وأخرج ابن جرير عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : السيد ، الزوج .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وألفيا سيدها } قال : زوجها . { لدى الباب } قال : عند الباب .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن نوف الشامي رضي الله عنه قال : ما كان يوسف عليه السلام يريد أن يذكره ، حتى { قالت : ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً . . . } فغضب يوسف عليه السلام وقال { هي راودتني عن نفسي . . . } .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إلا أن يسجن أو عذاب أليم } قال : القيد .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : عثر يوسف عليه السلام ثلاث عثرات : حين هم بها فسجن ، وحين قال : اذكرني عند ربك ، فلبث في السجن بضع سنين فأنساه الشيطان ذكر ربه ، وحين قال : إنكم لسارقون . قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل .

(5/396)


قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28)

أخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه { وشهد شاهد . . . } قال : حكم حاكم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وشهد شاهد من أهلها } قال : صبي في المهد .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه { وشهد شاهد من أهلها } قال : صبي ، أنطقه الله كان في الدار .
وأخرج أحمد وابن جرير والبيهقي في الدلائل ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « تكلم أربعة وهم صغار : ابن ماشطة فرعون ، وشاهد يوسف ، وصاحب جريج ، وعيسى ابن مريم » .
وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « عيسى ، وصاحب يوسف ، وصاحب جريج ، تكلموا في المهد » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جريج وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { وشهد شاهد من أهلها } قال : كان صبياً في المهد .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وشهد شاهد من أهلها } قال : كان رجلاً ذا لحية .
وأخرج الفريابي وابن جرير وأبو الشيخ ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وشهد شاهد من أهلها } قال : كان من خاصة الملك .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله { وشهد شاهد من أهلها } قال : رجل له عقل وفهم .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في قوله { وشهد شاهد من أهلها } قال : ابن عم لها كان حكيماً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وشهد شاهد من أهلها } قال : ذكر لنا أنه رجل حكيم من أهلها . قال : القميص يقضي بينهما ، إن كان قميصه قدّ إلى آخره .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن عكرمة رضي الله عنه مثله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وشهد شاهد من أهلها } قال : ليس بإنسي ولا جان ، هو خلق من خلق الله . وفي لفظ قال : قميصه مشقوق من دبر ، فتلك الشهادة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن الشعبي رضي الله عنه قال : كان في قميص يوسف عليه السلام ثلاث آيات : حين قدّ قميصه من دبر ، وحين ألقي على وجه أبيه فارتدّ بصيراً ، وحين جاؤوا على قميصه بدم كذب ، عرف أن الذئب لو أكله خرق قميصه .

(5/397)


يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29)

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { يوسف أعرض عن هذا } قال : عن هذا الأمر والحديث { واستغفري لذنبك } أيتها المرأة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { يوسف أعرض عن هذا } قال : لا تذكره .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن الحسن رضي الله عنه في قوله { واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين } قال : حلماً .

(5/398)


وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (30)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { قد شغفها حباً } قال غلبها .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { قد شغفها } قال : قتلها حب يوسف . الشغف ، الحب القاتل ، والشغف ، حب دون ذلك . والشغاف ، حجاب القلب .
وأخرج الطستي عن ابن عباس ، أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله { قد شغفها حباً } قال : الشغاف في القلب في النياط ، قد امتلأ قلبها من حب يوسف . قال وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت نابغة بني ذبيان وهو يقول :
وفي الصدر حب دون ذلك داخل ... وحول الشغاف غيبته الأضالع
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { قد شغفها حباً } قال : قد علقها .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن الحسن رضي الله عنه أنه كان يقرؤها { قد شغفها حباً } قال : بطنها حباً . قال : وأهل المدينة يقولون بطنها حباً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي رضي الله عنه في قوله { قد شغفها حباً } قال : الشغوف ، المحب . والمشغوف ، المحبوب .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه أنه كان يقرؤها { قد شغفها حباً } ويقول : الشغف ، شغف الحب . والشغف ، شغف الداب حين تذعر .
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية رضي الله عنه أنه قرأ { قد شعفها حباً } بالعين المهملة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { قد شغفها حباً } قال : هو الحب اللازق بالقلب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان رضي الله عنه قال : الشغاف ، جلدة رقيقة تكون على القلب بيضاء ، حبه خرق ذلك الجلد حتى وصل إلى القلب .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد قال : إن الشعف والشغف يختلفان ، فالشغف في البغض . والشغف في الحب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد العباداني قال : قال رجل ليوسف عليه السلام : إني أحبك . فقال له يوسف : لا أريد أن يحبني أحد غير الله ، من حب أبي ألقيت في الجب ، ومن حب امرأة العزيز ألقيت في السجن .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه { قد شغفها حباً } قال : دخل حبه في شغافها .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { قد شغفها حباً } قال : دخل حبه تحت الشغاف .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك { قد شغفها حباً } يقول : هلكت عليه حباً .
وأخرج ابن جرير ، عن الأعرج رضي الله عنه أنه قرأ { قد شعفها حباً } بالعين المهملة ، وقال { شغفها حباً } يعني بالغين معجمة ، إذا كان هو يحبها .

(5/399)


فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { فلما سمعت بمكرهنَّ } قال : بحديثهن .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان رضي الله عنه في قوله { سمعت بمكرهن } قال : بعملهن . وقال : كل مكر في القرآن فهو عمل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ رضي الله عنه في قوله { وأعتدت لهن متكأ } قال : هيأت لهن مجلساً ، وكان سنتهم إذا وضعوا المائدة ، أعطوا كل إنسان سكيناً يأكل بها . فلما رأينه قال : فلما خرج عليهن يوسف عليه السلام { أكبرنه } قال : أعظمنه ونظرت إليه ، وأقبلن يحززن أيديهن بالسكاكين . وهن يحسبن أنهن يقطعن الطعام .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { وأعتدت لهن متكأ } قال : أعطتهن أترنجاً ، وأعطت كل واحدة منهن سكيناً ، فلما رأين يوسف أكبرنه وجعلن يقطعن أيديهن وهن يحسبن أنهن يقطعن الأترنج .
وأخرج مسدد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : المتكأ ، الأترنج ، وكان يقرؤها خفيفة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { متكأ } قال : هو الأترنج .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من وجه ثالث ، عن مجاهد رضي الله عنه قال : من قرأ { متكأ } شدها ، فهو الطعام . ومن قرأ « مَتَكاً » خففها فهو الأترنج .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن سلمة بن تمام أبي عبيد الله القسري رضي الله عنه قال : { متكاً } بكلام الحبش ، يسمون الأترنج مَتَكاً .
وأخرج ابو الشيخ عن أبان بن تغلب رضي الله عنه أنه كان يقرؤها { واعتدت لهن متكا } مخففة . قال : الأترنج .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { واعتدت لهن متكأ } قال : طعام وشراب وتكاء .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن الضحاك رضي الله عنه مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { متكأ } قال : كل شيء يقطع بالسكين .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن ابن زيد رضي الله عنه قال : أعطتهن ترنجاً وعسلاً ، فكن يحززن الترنج بالسكين ، ويأكلن بالعسل ، فلما قيل له اخرج عليهن ، خرج . فلما رأينه أعظمنه وتهيمن به حتى جعلن يحززن أيديهن بالسكين وفيها الترنج ولا يعقلن ، لا يحسبن إلا أنهن يحززن الأترنج ، قد ذهبت عقولهن مما رأين وقلن { حاشا لله ، ما هذا بشراً } ما هكذا يكون البشر ، ما هذا إلا ملك كريم .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق دريد بن مجاشع ، عن بعض أشياخه قال : قالت للقيم : أدخله عليهن وألبسه ثياباً بيضاً ، فإن الجميل أحسن ما يكون في البياض .

(5/400)


فأدخله عليهن وهن يحززن ما في أيديهن ، فلما رأينه حززن أيديهن وهن لا يشعرن من النظر إليه ، فنظرن إليه مقبلاً ، ثم أومأت إليه أن ارجع . فنظرن إليه مدبراً وهن يحززن أيديهن بالسكاكين لا يشعرن بالوجع من نظرهن إليه ، فلما خرج نظرن إلى أيديهن وجاء الوجع ، فجعلن يولولن . وقالت لهن : أنتن من ساعة واحدة هكذا صنعتن ، فكيف أصنع أنا؟! . . . { قلن : حاشا لله ، ما هذا بشراً ، إن هذا إلا ملك كريم } .
وأخرج أبو الشيخ من طريق عبد العزيز بن الوزير بن الكميت بن زيد بن الكميت الشاعر قال : حدثني أبي عن جدي قال : سمعت جدي الكميت يقول في قوله { فلما رأينه أكبرنه } قال أمنين . وأنشد في ذلك :
لما رأته الخيل من رأس شاهق ... صهلن وأكبرن المنيّ المدفقا
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه عن جده ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فلما رأينه أكبرنه } قال : لما خرج عليهن يوسف حضن من الفرح ، وقال الشاعر :
نأتي النساء لدى اطهارهن ولا ... نأتي النساء إذا أكبرن أكباراً
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فلما رأينه أكبرنه } قال : أعظمنه { وقطعن أيديهن } قال : حزًّا بالسكين حتى ألقينها { وقلن حاشا لله } قال : معاذ الله .
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف والخطيب في تالي التلخيص ، عن أسيد بن يزيد أن في مصحف عثمان { وقلن حاش لله } ليس فيها ألف .
وأخرج ابن جرير ، عن أبي الحويرث الحنفي أنه قرأها { ما هذا بشرا } أي ما هذا بمشترى .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله { إن هذا إلا ملك كريم } قال : قلن ملك من الملائكة من حسنه .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن يزيد بن أساس رضي الله عنه قال : لما قررن وطابت أنفسهن ، قالت لقيمها : آتهن ترنجاً وسكيناً . فأتاهن بهن ، فجعلن يقطعن ويأكلن ، فقالت : هل لكن في النظر إلى يوسف؟ قلن : ما شئت فأمرت قيمها فأدخله عليهن ، فلما رأينه جعلن يقطعن أصابعهن مع الأترنج وهن لا يشعرن ، فلا يجدن ألماً مما رأين من حسنه ، فلما ولى عنهن قالت : هذا الذي لمتنني فيه ، فلقد رأيتكن تقطعن أيديكم وما تشعرن . قال : فنظرن إلى أيديهن فجعلن يصحن ويبكين . قالت : فكيف أصنع؟ فقلن : { حاشا لله ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم } وما نرى عليك من لوم بعد الذي رأينا .
وأخرج أبو الشيخ عن منبه عن أبيه قال : مات من النسوة اللاتي قطعن أيديهن ، تسع عشرة امرأة كمداً .

(5/401)


وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم ، عن أنس رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « أعطي يوسف وأمه شطر الحسن » .
وأخرج ابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني ، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال « أعطي يوسف وأمه ثلث الحسن » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني ، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : كان وجه يوسف مثل البرق ، وكانت المرأة إذا أتت لحاجة ستر وجهه مخافة أن تفتتن به .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني ، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : أوتي يوسف عليه السلام وأمه ثلث حسن خلق الإنسان : في الوجه والبياض وغير ذلك .
وأخرج أبو الشيخ ، عن إسحق بن عبد الله رضي الله عنه قال : كان يوسف عليه الصلاة والسلام إذا سار في أزقة مصر ، تلألأ وجهه على الجدران كما يتلألأ الماء والشمس على الجدران .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أعطي يوسف وأمه ثلث حسن أهل الدنيا ، وأعطي الناس الثلثين » .
وأخرج ابن عساكر ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قسم الله الحسن عشرة أجزاء ، فجعل منها ثلاثة أجزاء في حواء ، وثلاثة أجزاء في سارة ، وثلاثة أجزاء في يوسف ، وجزأ في سائر الخلق . وكانت سارة من أحسن نساء الأرض ، وكانت من أشد النساء غيرة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ربيعة الجرشي رضي الله عنه قال : « قسم الله الحسن نصفين ، فجعل ليوسف وسارة النصف ، وقسم النصف الآخر بين سائر الناس .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن الحسن رضي الله عنه قال : قسم الحسن ثلاثة أقسام ، فأعطي يوسف الثلث ، وقسم الثلثان بين الناس ، وكان أحسن الناس .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن عكرمة رضي الله عنه قال : كان فضل حسن يوسف على الناس ، كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء .
وأخرج الحاكم عن كعب رضي الله عنه قال : قسم الله ليوسف عليه السلام من الجمال الثلثين ، وقسم بين عباده الثلث ، وكان يشبه آدم عليه السلام يوم خلقه الله تعالى ، فلما عصى آدم عليه السلام نزع منه النور والبهاء والحسن ، ووهب له الثلث من الجمال مع التوبة ، فأعطى الله ليوسف عليه السلام ذلك الثلثين ، وأعطاه تأويل الرؤيا . وإذا تبسم رأيت النور من ضواحكه .

(5/402)


قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ (32)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فاستعصم } قال : امتنع .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فاستعصم } قال : فاستعصى .

(5/403)


قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)

أخرج سنيد في تفسيره وابن أبي حاتم ، عن ابن عيينة رضي الله عنه قال : إنما يوفق من الدعاء للمقدر ، أما ترى يوسف عليه السلام قال { رب السجن أحب إلي } ؟ . . قال : لما قال اذكرني عند ربك ، أتاه جبريل عليه السلام فكشف له عن الصخرة فقال : « ما ترى؟ قال : أرى نملة تقضم . قال : يقول ربك انا لم أنس هذه ، أنساك؟ أنا حبستك . أنت قلت { رب السجن أحب إلي } .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { وإلا تصرف عني كيدهن } قال : إن لا يكن منك أنت القوى والمنعة ، لا تكن مني ولا عندي .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله { أحب إليهن } يقول : اتبعهن .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما { أصب إليهن } قال : أطاوعهن .
وأخرج أبو الشيخ ، عن عمرو بن مرة . رضي الله عنه قال : من أتى ذنباً عمداً أو خطأ ، فهو جاهل حين يأتيه . ألا ترى إلى قول يوسف عليه الصلاة والسلام { أصب إليهن وأكن من الجاهلين } ؟ قال : فقد عرف يوسف أن الزنا حرام ، وإن أتاه كان جاهلاً .

(5/404)


فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34)

أخرج ابن المنذر عن بكر بن عبيد الله رضي الله عنه قال : دخلت امرأة العزيز على يوسف عليه السلام ، فلما رأته عرفته وقالت : الحمد لله الذي صير العبيد بطاعته ملوكاً ، وجعل الملوك بمعصيته عبيداً .

(5/405)


ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35)

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن عكرمة رضي الله عنه قال : سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات } . قال : ما سألني عنها أحد قبلك . من الآيات : قد القميص ، وأثرها في جسده ، وأثر السكين ، وقالت امرأة العزيز : إن أنت لم تسجنه ليصدقنه الناس .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن عكرمة رضي الله عنه قال : من الآيات : شق في القميص ، وخمش في الوجه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات . . . } قال : قدَّ القميص من دبر .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { من بعد ما رأوا الآيات } قال : من الآيات كلام الصبي .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال : الآيات ، جَزَّهن أيديهن ، وقدّ القميص .
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه قال : قال رجل ذو رأي منهم للعزيز إنك متى تركت هذا العبد ، يعتذر إلى الناس ، ويقص عليهم أمره ، وامرأةٌ في بيتها لا تخرج إلى الناس عذروه وفضحوا أهلك . فأمر به فسجن .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : عوقب يوسف عليه السلام ثلاث مرات ، أما أول مرة فبالحبس ، لما كان من همه بها . والثانية لقوله : اذكرني عند ربك ، فلبث في السجن بضع سنين ، عوقب بطول الحبس . والثالثة حيث قال { أيتها العير إنكم لسارقون } فاستقبل في وجهه { إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { ليسجننه حتى حين } قال : سبع سنين .
وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء والخطيب في تاريخه ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك رضي الله عنه ، عن أبيه قال : سمع عمر رضي الله عنه رجلاً يقرأ هذا الحرف { ليسجننه حتى حين } فقال له عمر رضي الله عنه : من أقرأك هذا الحرف؟ قال : ابن مسعود رضي الله عنه . فقال عمر رضي الله عنه { ليسجننه حتى حين } ثم كتب إلى ابن مسعود رضي الله عنه : سلام عليك ، أما بعد .
فإن الله أنزل القرآن فجعله قرآناً عربياً مبيناً ، وأنزله بلغة هذا الحي من قريش ، فإذا أتاك كتابي هذا فأقرئ الناس بلغة قريش ، ولا تقرئهم بلغة هذيل .

(5/406)


وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ودخل معه السجن فتيان } قال أحدهما خازن الملك على طعامه ، والآخر ساقيه على شرابه .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه مثله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحق رضي الله عنه قال : في قوله { ودخل معه السجن فتيان } قال : غلامان كانا للملك الأكبر الريان بن الوليد ، كان أحدهما على شرابه والآخر على بعض أمره في سخطة سخطها عليهما ، اسم أحدهما مجلب ، والآخر نبوا الذي كان على الشراب . فلما رأياه قالا : يا فتى ، والله لقد أحببناك حين رأيناك ، قال ابن إسحق : فحدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد رضي الله عنه ، أن يوسف عليه الصلاة والسلام قال لهما حين قالا له ذلك : أنشدكما بالله أن لا تحباني ، فوالله ما أحبني أحد قط إلا دخل علي من حبه بلاء . قد أحبتني عمتي فدخل علي من حبها بلاء ، ثم أحبني أبي فدخل علي بحبه بلاء ، ثم أحبتني زوجة صاحبي فدخل علي بمحبتها إياي بلاء . فلا تحباني بارك الله فيكما ، فأبيا إلا حبه وألفه حيث كان ، وجعل يعجبهما ما يريان من فهمه وعقله . وقد كانا رأيا حين ادخلا السجن رؤيا ، فرأى مجلب أنه رأى فوق رأسه خبزاً تأكل الطير منه ، ورأى نبوا أنه يعصر خمراً ، فاستفتياه فيها وقالا له { نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين } إن فعلت فقال لهما { لا يأتيكما طعام ترزقانه } يقول في نومكما { إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما } ثم دعاهما إلى الله وإلى الإسلام فقال { يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار } أي خير أن تعبدوا ، إلهاً واحداً أم آلهة متفرقة لا تغني عنكم شيئاً؟ . . . . ثم قال لمجلب : أما أنت فتصلب فتأكل الطير من رأسك . وقال لنبوا أما أنت ، فترد على عملك ويرضى عنك صاحبك ، { قضي الأمر الذي فيه تستفتيان } .
وأخرج وكيع في الغرر ، عن عمرو بن دينار قال : قال يوسف عليه السلام : ما لقي أحد في الحب ما لقيت ، أحبني أبي فألقيت في الجب ، وأحبتني امرأة العزيز ، فألقيت في السجن .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إني أراني أعصر خمراً } قال عنباً .
وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري وأبو الشيخ وابن مردويه ، من طرق عن ابن مسعود رضي الله عنه ، أنه قرأ [ اني أراني أعصر عنباً ] وقال : والله لقد أخذتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { اني أراني أعصر خمراً } يقول : أعصر عنباً ، وهو بلغة أهل عمان ، يسمون العنب خمراً .

(5/407)


وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه { نبئنا بتأويله } قال : عبارته .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله { إني أراني أعصر خمراً } قال : هو بلغة عمان . وفي قوله { إنا نراك من المحسنين } قال : كان احسانه فيما ذكر لنا أنه كان يعزي حزينهم ويداوي مريضهم ، ورأوا منه عبادة واجتهاداً فأحبوه به ، وقال لما انتهى يوسف عليه السلام إلى السجن ، وجد فيه قوماً قد انقطع رجاؤهم ، واشتد بلاؤهم ، وطال حزنهم ، فجعل يقول : أبشروا ، اصبروا تؤجروا ، إن لهذا أجراً ، إن لهذا ثواباً . فقالوا : يا فتى ، بارك الله فيك . ما أحسن وجهك ، وأحسن خلقك ، وأحسن خلقك! . . . لقد بورك لنا في جوارك ، إنا كنا في غير هذا منذ حبسنا لما تخبرنا من الأجر والكفارة والطهارة ، فمن أنت يا فتى؟!!! . . . قال : أنا يوسف ابن صفي الله يعقوب ابن ذبيح الله إسحق ابن خليل الله إبراهيم ، عليهم الصلاة والسلام ، وكانت عليه محبة . وقال له عامل السجن : يا فتى ، والله لو استطعت لخليت سبيلك ، ولكن سأحسن جوارك ، وأحسن آثارك ، فكن في أي بيوت السجن شئت .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : دعا يوسف عليه السلام لأهل السجن فقال : « اللهم لا تعم عليهم الأخبار ، وهون عليهم مر الأيام » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان ، عن الضحاك رضي الله عنه؛ أنه سئل عن قوله { إنا نراك من المحسنين } ما كان إحسان يوسف عليه السلام؟ قال : كان إذا مرض إنسان في السجن قام عليه ، وإذا ضاق عليه المكان أوسع له ، وإذا احتاج جمع له .

(5/408)


قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)

أخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { لا يأتيكما طعام ترزقانه } قال : كره العبارة لهما ، فاجابهما بغير جوابهما ليريهما ان عنده علماً ، وكان الملك إذا أراد قتل انسان ، صنع له طعاماً معلوماً فأرسل به إليه . فقال يوسف عليه السلام { لا يأتيكما طعام ترزقانه } إلى قوله { تشكرون } فلم يدعه صاحب الرؤيا حتى يعبر لهما فكرة العبارة ، فقال { يا صاحبي السجن أأرباب . . . } إلى قوله { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } قال : فلم يدعاه فعبر لهما .

(5/409)


وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38)

أخرج الترمذي وحسنه والحاكم وابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ، يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام » .
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم ، عن أبي الأحوص رضي الله عنه قال : فاخر أسماء بن خارجة الفزاري رجلاً فقال : أنا من الأشياخ الكرام ، فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله .
وأخرج الحاكم عن عمر رضي الله عنه؛ أنه استأذن عليه رجل فقال : استأذنوا لابن الأخيار ، فقال عمر : ائذنوا له ، فلما دخل قال : من أنت؟ قال : فلان ابن فلان ابن فلان ، قعدّ رجالاً من أشراف الجاهلية ، فقال له عمر رضي الله عنه : أنت يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم؟! قال : لا . قال : ذاك من الأخيار ، وأنت في الأشرار ، إنما تَعُدّ لي جبال أهل النار .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أنه كان يجعل الجد أباً ويقول : من شاء لاعناه عند الحجر ما ذكر الله جداً ولا جدة ، قال الله إخباراً عن يوسف عليه السلام { واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ذلك من فضل الله علينا } قال : إن جعلنا أنبياء { وعلى الناس } قال : إن جعلنا رسلاً إليهم .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن قتادة رضي الله عنه { ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس } قال : إن المؤمن ليشكر ما به من نعمة الله ، ويشكر ما في الناس من نعمة الله ، ذكر لنا أن أبا الدرداء رضي الله عنه كان يقول : يا ربّ شاكر نعمة غير منعم عليه لا يدري ، ويا ربّ حامل فقه غير فقيه .

(5/410)


يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40)

أخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن قتادة رضي الله عنه في الآية . قال لما عرف نبي الله يوسف عليه السلام إن أحدهما مقتول ، دعاهما إلى حظهما من ربهما وإلى نصيبهما من آخرتهما .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه { يا صاحبي السجن } يوسف يقوله .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله { إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه } قال : أسس الدين على الإِخلاص لله وحده ولا شريك له .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { ذلك الدين القيم } قال العدل .

(5/411)


يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41)

أخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه قال : أتاه فقال : رأيت فيما يرى النائم أني غرست حبة من عنب ، فنبتت فخرج فيه عناقيد فعصرتهن ، ثم سقيتهن الملك . فقال : تمكث في السجن ثلاثة أيام ، ثم تخرج فتسقيه خمراً .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { فيسقي ربه خمراً } قال : سيده .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ما رأى صاحبا سجن يوسف عليه السلام شيئاً ، إنما تحاكما إليه ليجرّبا علمه ، فلما أوّل رؤياهما قالا : إنما كنا نلعب ولم نر شيئاً ، فقال { قضي الأمر الذي فيه تستفتيان } يقول : وقعت العبارة ، فصار الأمر على ما عبر يوسف عليه السلام .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن أبي مجلز رضي الله عنه قال : كان أحد اللذين قصا على يوسف الرؤيا كاذباً .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { قضي الأمر الذي فيه تستفتيان } قال عند قولهما : ما رأينا رؤيا ، إنما كنا نلعب . قال : قد وقعت الرؤيا على ما أوّلت .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال : قال يوسف عليه السلام للخباز : إنك تصلب ، فتأكل الطير من رأسك . وقال لساقيه : أما أنت ، فترد على عملك ، فذكر لنا أنهما قالا حين عبر : لم نر شيئاً . قال { قضي الأمر الذي فيه تستفتيان } .
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه ، أنه قرأ { أما أحدكما فيسقي ربه خمراً } .

(5/412)


وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42)

أخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن ابن سابط رضي الله عنه { وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك } قال : عند ملك الأرض .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله { اذكرني عند ربك } يعني بذلك الملك .
وأخرج ابن جرير ، عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه قال لما انتهى به إلى باب السجن ، قال له : اوصني بحاجتك . قال : حاجتي أن تذكرني عند ربك . ينوي الرب الذي ملك يوسف عليه السلام .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وقال للذي ظن أنه ناج } قال إنما عبارة الرؤيا بالظن ، فَيُحِقُّ الله ما يشاء ويبطل ما يشاء .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات ، وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
« لو لم يقل يوسف عليه السلام الكلمة التي قال : ما لبث في السجن طول ما لبث . حيث يبتغي الفرج من عند غير الله تعالى » .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ ، عن عكرمة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لولا أنه يعني يوسف قال الكلمة التي قال ، ما لبث في السجن طول ما لبث » .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « رحم الله يوسف ، لو لم يقل : اذكرني عند ربك ، ما لبث في السجن طول ما لبث » .
وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن الحسن رضي الله عنه قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : « رحم الله يوسف لولا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث ، قوله اذكرني عند ربك » ثم بكى الحسن رضي الله عنه وقال : نحن إذا نزل بنا أمر فزعنا إلى الناس .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن قتادة رضي الله عنه قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : « لولا أن يوسف استشفع على ربه ، ما لبث في السجن طول ما لبث . ولكن ، إنما عوقب باستشفاعه على ربه » .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن أنس رضي الله عنه قال : أوحى إلى يوسف : « من استنقذك من القتل حين همَّ اخوتك أن يقتلوك؟ قال : أنت يا رب . قال : فمن استنقذك من الجب إذ ألقوك فيه؟ قال : أنت يا رب .

(5/413)


قال : فمن استنقذك من المرأة إذ هممت بها؟ قال : أنت يا رب . قال : فما لك نسيتني وذكرت آدمياً؟ قال : جزعاً ، وكلمة تكلم بها لساني . قال : فوعزتي ، لأخلدنك في السجن بضع سنين . فلبث في السجن بضع سنين « .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن الحسن رضي الله عنه قال : لما قال يوسف عليه السلام للساقي : اذكرني عند ربك ، قيل له » يا يوسف ، اتخذت من دوني وكيلاً؟ لأطيلن حبسك : فبكى يوسف عليه السلام وقال : يا رب ، تشاغل قلبي من كثرة البلوى فقلت كلمة « .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك } قال يوسف للذي نجا من صاحبي السجن : اذكرني للملك ، فلم يذكره حتى رأى الملك الرؤيا ، وذلك أن يوسف أنساه الشيطان ذكر ربه وأمره بذكر الملك وابتغاء الفرج من عنده ، فلبث في السجن بضع سنين عقوبة لقوله { اذكرني عند ربك } .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فلبث في السجن بضع سنين } قال : بلغنا أنه لبث في السجن سبع سنين .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد ، وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال : أصاب أيوب عليه السلام البلاء سبع سنين ، وترك يوسف عليه السلام في السجن سبع سنين ، وعذب بخت نصر خون في السباع سبع سنين .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فلبث في السجن بضع سنين } اثنتي عشرة سنة .
وأخرج ابن مردويه من طريق أبي بكر بن عياش ، عن الكلبي رضي الله عنه قال : قال يوسف عليه السلام كلمة واحدة ، حبس بها سبع سنين قال أبو بكر : وحبس قبل ذلك خمس سنين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن طاوس والضحاك في قوله { فلبث في السجن بضع سنين } قالا أربع عشرة سنة .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه قال : البضع ، ما بين الثلاث إلى التسع .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال : البضع ، ما بين الثلاث إلى التسع .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : البضع دون العشرة .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : عثر يوسف عليه السلام ثلاث عثرات : قوله اذكرني عند ربك ، وقوله لإخوته إنكم لسارقون ، وقوله ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب . فقال له جبريل عليه السلام : ولا حين هممت؟ فقال : وما أبرئ نفسي .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال : ذهب يوسف عليه السلام وهو ابن سبع عشرة ولبث في الجب سبعاً ، وفي السجن سبعاً ، وجمع الطعام في سبع ، فيرون أنه التقى هو وأبوه عند ذلك .

(5/414)


وأخرج أحمد في الزهد عن أبي المليح رضي الله عنه قال : كان دعاء يوسف عليه السلام في السجن اللهم إن كان خلق وجهي عندك ، فإني أتقرب إليك بوجه يعقوب أن تجعل لي فرجاً ومخرجاً ويسراً ، وترزقني من حيث لا أحتسب .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ، عن عبد الله مؤذن الطائف قال : جاء جبريل عليه السلام إلى يوسف عليه السلام فقال : يا يوسف ، اشتد عليك الحبس؟ قال نعم . قال : قل اللهم اجعل لي من كل ما أهمني وكربني من أمر دنياي وأمر آخرتي فرجاً ومخرجاً ، وارزقني من حيث لا أحتسب ، واغفر لي ذنبي وثبت رجائي ، واقطعه من سواك حتى لا أرجو أحداً غيرك .

(5/415)


وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46)

أخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم ، عن مجاهد رضي الله عنه قال : قال يوسف عليه الصلاة والسلام للساقي { اذكرني عند ربك } أي الملك الأعظم ، ومظلمتي وحبسي في غير شيء . قال : أفعل . فلما خرج الساقي ، رد على ما كان عليه رضي عنه صاحبه ، وانساه الشيطان ذكر الملك الذي أمره يوسف عليه السلام أن يذكره له ، فلبث يوسف عليه السلام بعد ذلك في السجن بضع سنين ، ثم إن الملك ريان بن الوليد ، رأى رؤياه التي أري فيها فهالته وعرف أنها رؤيا واقعة ، ولم يدر ما تأويلها فقال للملأ حوله من أهل مملكته { إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات } فلما سمع نبوا من الملك ما سمع منه ومسألته عن تأويلها ، ذكر يوسف عليه السلام وما كان عبر له ولصاحبه ، وما جاء من ذلك على ما قال من قوله ، فقال { أنا أنبئكم بتأويله } .
وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { أضغاث أحلام } قال : من الأحلام الكاذبة .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه مثله .
وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { أضغاث أحلام } قال : أخلاط أحلام .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وادّكر بعد أمة } قال : بعد حين .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد والحسن وعكرمة وعبد الله بن كثير والسدي { رضي الله تعالى عنهم } مثله .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { وادّكر بعد أمة } يقول : بعد سنين .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - في قوله { وادّكر بعد أمة } يقول : بعد سنين .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الحسن - رضي الله عنه - أنه قرأ { وادّكر بعد أمة } قال : بعد أمة من الناس .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قرأ { وادكر بعد أمة } بالفتح والتخفيف ، يقول بعد نسيان .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك - رضي الله عنهم - أنهم قرأوا { بعد أمة } أي بعد نسيان .
وأخرج ابن جرير عن حميد - رضي الله عنه - قال : قرأ مجاهد رضي الله عنه { وادّكر بعد أمة } مجزومة مخففة .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هرون - رضي الله عنه - قال في قراءة أبي بن كعب { أنا آتيكم بتأويله } .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ - رضي الله عنه - أنه كان يقرأ { أنا آتيكم بتأويله } فقيل له : أنا انبئكم . قال : أهو كان ينبئهم؟
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { أفتنا في سبع بقرات . . . } الآية . قال :
أما السمان ، فسنون فيها خصب . وأما السبع العجاف ، فسنون مجدبة . وسبع سنبلات خضر ، هي السنون المخاصيب ، تخرج الأرض نباتها وزرعها وثمارها . وأخر يابسات ، المحول الجدوب لا تنبت شيئاً .

(5/416)


قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن عكرمة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . . « لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه - والله يغفر له - حين سئل عن البقرات العجاف والسمان . ولو كنت مكانه - والله يغفر له - حين أتاه الرسول ، لبادرتهم الباب . ولكنه أراد أن يكون له العذر » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد - رضي الله عنه - قال : لم يرض يوسف عليه السلام أن أفتاهم بالتأويل حتى أمرهم بالرفق ، فقال : { تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله } لأن الحب إذا كان في سنبله لا يؤكل .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فذروه في سنبله } قال : أراد يوسف عليه السلام بالبقاء .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج - رضي الله عنه - في قوله { فذروه في سنبله } قال في بعض القراءة الأولى : هو أبقى له لا يؤكل .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن زيد بن أسلم - رضي الله عنه - أن يوسف عليه السلام في زمانه كان يصنع لرجل طعام اثنين ، فيقربه إلى الرجل فيأكل نصفه ويدع نصفه ، حتى إذ ما كان يوماً قرَّبهُ له فأكله فقال له يوسف عليه السلام : هذا أول يوم من السبع الشداد .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرر وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد } قال : هن السنون المحول الجدوب . وفي قوله { يأكلن ما قدمتم لهن } يقول : يأكلن ما كنتم اتخذتم فيهن من القوت { إلا قليلاً مما تحصنون } أي مما تدخرون .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { مما تحصنون } يقول : تخزنون . وفي قوله { وفيه يعصرون } يقول : الأعناب والدهن .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { عام فيه يغاث الناس } يقول : يصيبهم فيه غيث { وفيه يعصرون } يقول : يعصرون فيه العنب ، ويعصرون فيه الزيت ، ويعصرون من كل الثمرات .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من وجه آخر ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { وفيه يعصرون } يحتلبون .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنهما - في قوله { وفيه يعصرون } يحتلبون .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس } قال : يغاث الناس بالمطر ، { وفيه يعصرون } الثمار والأعناب والزيتون من الخصب .

(5/417)


وهذا علم آتاه الله علمه لم يكن فيما سئل عنه .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { ثم يأتي من بعد ذلك عام . . . } الآية . قال : زادهم يوسف عليه السلام علم سنة لم يسألوه عنه .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { ثم يأتي من بعد ذلك عام } قال : أخبرهم بشيء لم يسألوه عنه وكان الله تعالى قد علمه إياه { فيه يغاث الناس } بالمطر { وفيه يعصرون } السمسم دهناً ، والعنب خمراً ، والزيتون زيتاً .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد - رضي الله عنه { فيه يغاث الناس } قال : بالمطر { وفيه يعصرون } قال : يعصرون أعنابهم .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك - رضي الله عنه { فيه يغاث الناس } قال : يغاث الناس بالمطر { وفيه يعصرون } قال : الزيت .
وأخرج ابن جرير ، عن علي بن طلحة - رضي الله عنه - قال : كان ابن عباس - رضي الله عنه - يقرأ { وفيه تعصرون } بالتاء ، يعني تحتلبون .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق عبدان المروزي - رضي الله عنه - عن عيسى بن عبيد عن عيسى بن عمير الثقفي - رضي الله عنه - قال : سمعته يقرأ { فيه يغاث الناس وفيه تعصرون } بالتاء ، يعني الغياث المطر ، ثم قرأ { وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً } .

(5/418)


وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)

أخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : « تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن } فقال : » لو كنت أنا لأسرعت الاجابة وما ابتغيت العذر « » .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يرحم الله يوسف إن كان لذا أناة حليماً ، لو كنت أنا المحبوس ، ثم أرسل إليّ لخرجت سريعاً » .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طرق ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « عجبت لصبر أخي يوسف وكرمه - والله يغفر له - حيث أرسل إليه ليستفتى في الرؤيا ، وإن كنت أنا لم أفعل حتى أخرج ، وعجبت من صبره وكرمه - والله يغفر له - أتى ليخرج فلم يخرج حتى أخبرهم بعذره ، ولو كنت أنا لبادرت الباب ، ولكنه أحب أن يكون له العذر » .
وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر ، عن الحسن - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « رحم الله أخي يوسف ، لو أنا أتاني الرسول بعد طول الحبس لأسرعت الإجابة ، حين قال { ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة } » .
وأخرج ابن المنذر ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن } قال : أراد يوسف عليه السلام العذر قبل أن يخرج من السجن .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : لما جمع الملك النسوة قال لهن : انتن راودتن يوسف عن نفسه؟ { قلن : حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين } قال يوسف : { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } فغمزه جبريل عليه السلام فقال : ولا حين هممت بها؟ فقال { وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { الآن حصحص الحق } قال : تبين .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد والسدي مثله .
وأخرج الحاكم في تاريخه ، وابن مردويه والديلمي ، عن أنس رضي الله عنه . « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } قال » لما قالها يوسف عليه السلام ، قال له جبريل عليه السلام : يا يوسف ، اذكر همك . قال : { وما أبرئ نفسي } « .

(5/419)


وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن أبي الهذيل قال : لما قال يوسف عليه السلام { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } قال له جبريل عليه السلام : ولا يوم هممت بما هممت به؟ فقال { وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء } .
وأخرج ابن جرير ، عن عكرمة قال : لما قال يوسف عليه السلام { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } قال الملك - وطعن في جنبه - يا يوسف ، ولا حين هممت؟ قال { وما أبرئ نفسي } .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم ، عن حكيم بن جابر في قوله { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } قال : قال له جبريل : ولا حين حللت السراويل؟ فقال عند ذلك { وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء } .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس في قوله { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } قال : هو قول يوسف لمليكه حين أراه الله عذره .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر ، عن ابن جريج قال : أراد يوسف عليه السلام العذر قبل أن يخرج من السجن ، فقال { ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم . . . } و { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } قال ابن جريج : وبين هذا وبين ذلك ما بينه ، قال : وهذا من تقديم القرآن وتأخيره .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر ، عن مجاهد في قوله { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } قال يوسف - يقول - لم أخن سيدي .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ ، عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } قال هذا قول يوسف عليه السلام ، لم يخن العزيز في امرأته . قال : فقال له جبريل عليه السلام : ولا حين حللت السراويل؟ فقال يوسف عليه السلام { وما أبرئ نفسي . . . } إلى آخر الآية .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن الحسن رضي الله عنه في قوله { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } قال : قال له جبريل عليه السلام : اذكر همك . قال { وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن سعيد بن جبير - رضي الله عنه - { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } فقال له الملك أو جبريل : ولا حين هممت بها؟ فقال يوسف عليه السلام { وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء } .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } قال : فقال له الملك : ولا حين هممت؟ فقال { وما أبرئ نفسي } .

(5/420)


وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن قتادة - رضي الله عنه - قال : ذكر لنا أن الملك الذي كان مع يوسف عليه السلام قال له : اذكر ما هممت به . قال { وما أبرئ نفسي } .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن الحسن رضي الله عنه في قوله { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب } قال : خشي نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يكون زكى نفسه فقال { وما أبرئ نفسي . . . } الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر ، عن الحسن - رضي الله عنه - في قوله { وما أبرئ نفسي } قال : يعني همته التي هم بها .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن عبد العزيز بن عمير - رضي الله عنه - قال : النفس أمارة بالسوء ، فإذا جاء العزم من الله ، كانت هي التي تدعو إلى الخير .

(5/421)


وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)

أخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر من طريق الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : فأتاه الرسول فقال له : ألق عنك ثياب السجن ، والبس ثياباً جدداً وقم إلى الملك ، فدعا له أهل السجن - وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة - فلما أتاه ، رأى غلاماً حدثاً . فقال : أيعلم هذا رؤياي ولا يعلمها السحرة والكهنة؟! . . . وأقعده قدامه وقال له : لا تخف ، وألبسه طوقاً من ذهب وثياب حرير وأعطاه دابة مسرجة مزينة كدابة الملك ، وضرب الطبل بمصر أن يوسف عليه السلام خليفة الملك .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { أستخلصه لنفسي } قال : أتخذه لنفسي .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن زيد العمي - رضي الله عنه - قال : لما رأى يوسف عليه السلام عزيز مصر قال : اللهم إني أسألك بخيرك من خيره ، وأعوذ بعزتك من شره .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن أبي ميسرة - رضي الله عنه - قال : لما رأى العزيز لبق يوسف وكيسه وظرفه ، دعاه . فكان يتغدى معه ويتعشى دون غلمانه ، فلما كان بينه وبين المرأة ما كان ، قالت : لم تدني هذا من بين غلمانك؟ . . . مره فليتغد مع الغلمان . قال له : اذهب فتغد مع الغلمان . فقال له يوسف : أترغب أن تأكل معي . . . أنا والله يوسف بن يعقوب ، نبي الله ابن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال الملك ليوسف : إني أحب أن تخالطني في كل شيء ، إلا في أهلي ، وأنا آنف أن تأكل معي . فغضب يوسف عليه السلام فقال : أنا أحق أن آنف ، أنا ابن إبراهيم خليل الله ، وأنا ابن إسحاق ذبيح الله ، وأنا ابن يعقوب نبي الله .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه قال : أسلم الملك الذي كان معه يوسف عليه السلام .

(5/422)


قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)

أخرج ابن أبي حاتم والحاكم ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : استعملني عمر - رضي الله عنه - على البحرين ، ثم نزعني وغرمني اثني عشر ألفاً ، ثم دعاني بعد إلى العمل فأبيت ، فقال : لم؟ وقد سأل يوسف عليه السلام العمل ، وكان خيراً منك . فقلت : إن يوسف عليه السلام نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي ، وأنا ابن أميمة ، وأنا أخاف أن أقول بغير حلم ، وأن أفتي بغير علم ، وأن يضرب ظهري ويشتم عرضي ويؤخذ مالي .
وأخرج الخطيب في رواية مالك ، عن جابر رضي الله عنه قال : كان يوسف عليه السلام لا يشبع ، فقيل له : ما لك لا تشبع وبيدك خزائن الأرض؟! . . . . قال : إني إذا شبعت ، نسيت الجائع .
وأخرج وكيع في الغرر وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان ، عن الحسن - رضي الله عنه - قال : قيل ليوسف عليه السلام : تجوع وخزائن الأرض بيدك؟ قال : إني أخاف أن أشبع فأنسى الجيعان .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن شيبة بن نعامة الضبي - رضي الله عنه - في قوله { اجعلني على خزائن الأرض } يقول : على جميع الطعام إني حفيظ لما استودعتني عليهم بسنين المجاعة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن زيد - رضي الله عنه - في قوله { اجعلني على خزائن الأرض } قال : كان لفرعون خزائن كثيرة غير الطعام ، فأسلم سلطانه كله له ، وجعل القضاء إليه أمره ، وقضاؤه نافذ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله { إني حفيظ } قال : لما وليت ، { عليم } بأمره .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن سفيان رضي الله عنه في قوله { إني حفيظ عليم } قال : حفيظ للحساب ، عليم بالألسن .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ ، عن الأشجعي - رضي الله عنه - مثله .

(5/423)


وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض } قال : ملكناه فيما يكون فيها { حيث يشاء } من تلك الدنيا ، يصنع - فيها ما يشاء ، فوّضت إليه . قال : لو شاء أن يجعل فرعون من تحت يده ، ويجعله من فوق لفعل .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن الفضيل بن عياض - رضي الله عنه - قال : وقفت امرأة العزيز على ظهر الطريق حتى مر يوسف عليه السلام فقالت : الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته ، وجعل الملوك عبيداً بمعصيته .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن إسحق - رضي الله عنه - قال : ذكروا أن أطيفر هلك في تلك الليالي ، وإن الملك الريان زوّج يوسف عليه السلام امرأته راعيل ، فقال لها حين أدخلت عليه : أليس هذا خيراً مما كنت تريدين؟ فقالت : أيها الصديق ، لا تلمني . فإني كنت امرأة كما ترى حسناء جملاء ، ناعمة في ملك ودنيا ، وكان صاحبي لا يأتي النساء ، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك ، فغلبتني نفسي على ما رأيت ، فيزعمون أنه وجدها عذراء ، فأصابها فولدت له رجلين .
وأخرج أبو الشيخ عن عبد العزيز بن منبه ، عن أبيه قال : تعرضت امرأة العزيز ليوسف عليه السلام في الطريق حتى مر بها ، فقالت : الحمد لله الذي جعل الملوك بمعصيته عبيداً ، وجعل العبيد بطاعته ملوكاً ، فعرفها فتزوجها فوجدها بكراً ، وكان صاحبها من قبل لا يأتي النساء .
وأخرج الحكيم الترمذي ، عن وهب بن منبه - رضي الله عنه - قال : أصابت امرأة العزيز حاجة فقيل لها : لو أتيت يوسف بن يعقوب فسألته ، فاستشارت الناس في ذلك فقالوا : لا تفعلي ، فإنا نخاف عليك . قالت : كلا ، إني لا أخاف ممن يخاف الله . فدخلت عليه فرأته في ملكه ، فقالت : الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته ، ثم نظرت إلى نفسها فقالت : الحمد لله الذي جعل الملوك عبيداً بمعصيته ، فقضى لها جميع حوائجها ، ثم تزوجها فوجدها بكراً فقال لها : أليس هذا أجمل مما أردت؟ قالت : يا نبي الله ، إني ابتليت فيك بأربع : كنت أجمل الناس كلهم ، وكنت أنا أجمل أهل زماني ، وكنت بكراً ، وكان زوجي عنيناً .
وأخرج أبو الشيخ ، عن زيد بن أسلم - رضي الله عنه - أن يوسف عليه السلام ، تزوج امرأة العزيز فوجدها بكراً ، وكان زوجها عنيناً .
وأخرج الحكيم الترمذي وابن أبي الدنيا في الفرج ، والبيهقي في الأسماء والصفات ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « اطلبوا الخير دهركم كله ، وتعرضوا لنفحات رحمة الله ، فإن لله عز وجل نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده ، واسألوا الله أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم » .

(5/424)


وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57)

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مالك بن دينار - رضي الله عنه - قال : سألت الحسن - رضي الله عنه - فقلت : يا أبا سعيد ، قوله { ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون } ما هي؟ قال : يا مالك ، اتقوا المحارم ، خمصت بطونهم . تركوا المحارم وهم يشتهونها .

(5/425)


وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : إن إخوة يوسف لما دخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ، جاء بصواع الملك الذي كان يشرب فيه فوضعه على يده ، فجعل ينقره ويطن ، وينقره ويطن ، فقال : إن هذا الجام ليخبرني عنكم خبراً . هل كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف ، وكان أبوه يحبه دونكم ، وإنكم انطلقتم به فألقيتموه في الجب ، وأخبرتم أباكم أن الذئب أكله ، وجئتم على قميصه بدم كذب؟؟؟ . . . . قال : فجعل بعضهم ينظر إلى بعض ، ويعجبون أن هذا الجام ليخبر خبرهم ، فمن أين يعلم هذا؟!
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن أبي الجلد - رضي الله عنه - قال : قال يوسف عليه السلام لإخوته : إن أمركم ليريبني ، كأنكم جواسيس قالوا : يا أيها العزيز إن أبانا شيخ صديق ، وأنا قوم صديقون ، وإن الله ليحيي بكلام الأنبياء القلوب ، كما يحيي وابل السماء والأرض ، ويقول لهم - وفي يده الإِناء وهو يقرعه القرعة - كأن هذا يخبر عنكم بأنكم جواسيس .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن عون قال : قلت للحسن - رضي الله عنه - ترى يوسف عرف اخوته؟ قال : لا والله ما عرفهم حتى تعرفوا إليه .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { فعرفهم وهم له منكرون } قال : لا يعرفونه .
وأخرج أبو الشيخ عن وهب - رضي الله عنه - قال : لما جعل يوسف عليه السلام ينقر الصاع ويخبرهم ، قام إليه بعض اخوته فقال : أنشدك الله أن لا تكشف لنا عورة .

(5/426)


وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (60) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63) قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آَتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { ائتوني بأخ لكم من أبيكم } قال : يعني بنيامين ، وهو أخو يوسف لأبيه وأمه .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله { وأنا خير المنزلين } قال : خير من يضيف بمصر .
وأخرج ابن جرير ، عن ابن جريج ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { وأنا خير المنزلين } قال : خير المضيفين .
وأخرج ابن جرير ، عن مجاهد - رضي الله عنه - { وأنا خير المنزلين } قال يوسف عليه السلام : أنا خير من يضيف بمصر .
وأخرج سعيد بن منصور ، عن إبراهيم أنه كان يقرأ { وقال لفتيته } أي لغلمانه { اجعلوا بضاعتهم } أي أوراقهم .
وأخرج ابن أبي حاتم ، عن ابن إسحق قال : كان منزل يعقوب وبنيه فيما ذكر لي ، بعض أهل العلم بالعربات ، من أرض فلسطين بغور الشام . وبعض كان يقول بالأدلاج ، من ناحية شعب أسفل من جسمي ، وما كان صاحب بادية له بها شاء وإبل .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر ، عن المغيرة ، عن أصحاب عبد الله { فأرسل معنا أخانا نكتل } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن ابن جريج ، رضي الله عنه - { فأرسل معنا أخانا } يكتل له بعيراً .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر ، عن مغيرة ، عن أصحاب عبد الله - رضي الله عنه - { فالله خير حافظاً } .
وأخرج سعيد بن منصور وأبو عبيد وابن المنذر ، عن علقمة أنه كان يقرأ { ردت إلينا } بكسر الراء .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن قتادة - رضي الله عنه - في قوله { ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا } يقول : ما نبغي هذه أوراقنا ردت إلينا ، وقد أوفي لنا الكيل { ونزداد كيل بعير } أي حمل بعير .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر ، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ونزداد كيل بعير } قال : حمل حمار . قال : وهي لغة . قال أبو عبيد يعني مجاهد أن الحمار ، يقال له في بعض اللغات ، بعير .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله { الا أن يحاط بكم } قال : إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك .

(5/427)