صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور
المؤلف : عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال { ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي } وإنك قد وعدتني أن تنجي لي أهلي وان ابني من أهلي .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ما بغت امرأة نبي قط ، وقوله { إنه ليس من أهلك } يقول : إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك .

(5/311)


قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47)

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن نساء الأنبياء لا يزنين ، وكان يقرؤها { إنه عمل غير صالح } يقول : مسألتك إياي يا نوح عمل غير صالح لا أرضاه لك .
وأخرج أبو الشيخ من طريق سعيد عن قتادة في الآية قال : إنه لما نهاه أن يرجعه في أحد كان العمل غير صالح مراجعة ربه في قراءة عبدالله { فلا تسألن ما ليس لك به علم } وعن غير قتادة : كان اسم ابن نوح الذي غرق كنعان ، وقال قتادة : خالف نوحاً في النية والعمل .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي جعفر الرازي قال : سألت زيد بن أسلم قلت : كيف تقرأ هذا الحرف؟ قال : { عمل غير صالح } .
وأخرج ابن المنذر عن علقمة قال : في قراءة عبدالله { إنه عمل غير صالح } .
وأخرج ابن جرير { إنه عمل غير صالح } يقال : سؤالك عما ليس لك به علم .
وأخرج الطيالسي وأحمد وأبو داود والترمذي وابن المنذر وابن مردويه من طريق شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ { إنه عمل غير صالح } .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والطبراني والحاكم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية من طريق شهر بن حوشب عن أم سلمة رضي الله عنه قالت « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها { إنه عمل غير صالح } قال عبد بن حميد : أم سلمة رضي الله عنها هي أسماء بنت يزيد كلا الحديثين عندي واحد » .
وأخرج البخاري في تاريخه وابن مردويه والخطيب من طرق عن عائشة رضي الله عنها « أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ { إنه عمل غير صالح } » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم « أنه قرأ { إنه عمل غير صالح } » .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه قال : في بعض الحروف « إنه عمل عملاً غير صالح » .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه { إنه عمل غير صالح } قال : كان عمله كفراً بالله .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه . أنه قرأ « عمل غير صالح » قال : معصية نبي الله .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فلا تسألن ما ليس لك به علم } قال : بين الله لنوح عليه السلام أنه ليس بابنه .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه { إني أعظك أن تكون من الجاهلين } قال : أن تبلغ بك الجهالة أني لا أفي بوعد وعدتك حتى تسألني .

(5/312)


قال : فإنها خطيئة رب إني أعوذ بك أن أسألك الآية .
وأخرخ أبو الشيخ عن ابن المبارك رضي الله عنه قال : لو أن رجلاً اتقى مائة شيء ولم يتق شيئاً واحداً لم يكن من المتقين ، ولو تورع من مائة شيء ولم يتورع من شيء واحد لم يكن ورعاً ، ومن كان فيه خلة من الجهل كان من الجاهلين ، أما سمعت إلى ما قال نوح عليه السلام { إن ابني من أهلي } قال الله { إني أعظك أن تكون من الجاهلين } .
وأخرج أبو الشيخ عن الفضيل بن عياض رضي الله عنه قال : بلغني أن نوحاً عليه السلام لما سأل ربه فقال : يا رب إن ابني من أهلي . فأوحى الله إليه . يا نوح ان سؤالك إياي أن ابني من أهلي عمل غير صالح { فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين } قال : فبلغني أن نوحاً عليه السلام بكى على قول الله { إني أعظك أن تكون من الجاهلين } أربعين عاماً .
وأخرج أحمد في الزهد عن وهيب بن الورد الحضرمي قال : لما عاتب الله نوحاً عليه السلام في ابنه ، وأنزل عليه { إني أعظك أن تكون من الجاهلين } بكى ثلاثمائة حتى صارت تحت عينيه مثل الجدول من البكاء .

(5/313)


قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48)

أخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { قيل يا نوح اهبط بسلام منا . . . } الآية . قال : اهبطوا والله عنهم راض ، واهبطوا بسلام من الله كانوا أهل رحمته من أهل ذلك ، ثم أخرج منهم نسلاً بعد ذلك أمماً منهم من رحم ، ومنهم من عذب وقرأ { وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم } قال : إنما افترقت الأمم من تلك العصابة التي خرجت من ذلك الماء وسلمت .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله { اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك } قال : فما زال الله يأخذ لنا بسهمنا وحظنا ، وكذلك يذكرنا من حيث لا نذكر أنفسنا كلما هلكت أمة جعلنا في أصلاب من ينجو بلطفه حتى جعلنا في خير أمة أخرجت للناس .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن السني في الطب النبوي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أوّل شجر غرس نوح عليه السلام حين خرج من السفينة الآس .
وأخرج أبو الشيخ عن عثمان بن أبي العاتكة . أن أوّل شيء تكلم به نوح عليه السلام حين استقرت به قدماه على الأرض حين خرج من السفينة أن قال : يا مور اتقن ، كلمة بالسريانية : يعني يا مولاي اصلح .
وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن وهب بن منبه قال : لما أغرق الله قوم نوح أوحى إلى نوح عليه السلام أني خلقت خلقاً بيدي وأمرتهم بطاعتي فعصوني واستأثروا غضبي ، فعذبت من لم يعصني من خلفي بذنب من عصاني ، فبي حلفت وأي شيء مثلي لا أعذب بالغرق العامة بعد هذا ، وإني جعلت قوسي أماناً لعبادي وبلادي من الغرق إلى يوم القيامة ، وكانت القوس فيها سهم ووتر ، فلما فرغ الله من هذا القول إلى نوح نزع الوتر والسهم من القوس وجعلها أماناً لعباده وبلاده من الغرق .
وأخرج ابن عساكر عن خصيف قال : لما هبط نوح من السفينة وأشرف من جبل حسماء رأى تل حران بين نهرين فأتى حران فخطها ثم أتى دمشق فخطها ، فكانت حران أول مدينة خطت بعد الطوفان ثم دمشق .
وأخرج ابن عساكر عن كعب الأحبار رضي الله عنه قال : أول حائط وضع على وجه الأرض بعد الطوفان حائط حران ودمشق ثم بابل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي قال : دخل في ذلك السلام والبركات كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة ، ودخل في ذلك المتاع والعذاب الأليم كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه { وعلى أمم ممن معك } يعني ممن لم يولد أوجب الله لهم البركات لما سبق لهم في علم الله من السعاد { وأمم سنمتعهم } يعني متاع الحياة الدنيا ، ثم يمسهم منا عذاب أليم لما سبق لهم في علم الله من الشقاوة .
وأخرج أحمد في الزهد عن كعب رضي الله عنه قال : لم يزل بعد نوح عليه السلام في الأرض أربعة عشر يدفع بهم العذاب .

(5/314)


تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه { تلك } يعني هذه { من أنباء } يعني أحاديث .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه قال : ثم رجع إلى محمد صلى الله عليه وسلم فقال : { تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك } يعني العرب من قبل هذا القرآن .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة { ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا } أي من قبل القرآن ، وما علم محمد صلى الله عليه وسلم وقومه بما صنع نوح وقومه ، لولا ما بيَّن الله عز وجل له في كتابه .

(5/315)


وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه { إلا على الذي فطرني } أي خلقني .
وأخرج ابن عساكر عن الضحاك رضي الله عنه قال : أمسك عن عاد القطر ثلاث سنين فقال لهم هود { استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً } فأبوا إلا تمادياً .
وأخرج ابن سعد في الطبقات وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وابن المنذر وأبن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن الشعبي رضي الله عنه قال : خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستسقي فلم يزد على الاستغفار حتى يرجع . فقيل له : ما رأيناك استسقيت؟ قال : لقد طلبت المطر بمخاديج السماء التي يستنزل بها المطر ، ثم قرأ { ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً } و { استغفروا ربكم إنه كان غفاراً } [ نوح : 10 ] { يرسل السماء عليكم مدراراً } [ نوح : 11 ] .
وأخرج أبو الشيخ عن هرون التيمي في قوله { يرسل السماء عليكم مدراراً } قال : يدر ذلك عليهم مطراً ومطراً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { ويزدكم قوة إلى قوتكم } قال : ولد الولد .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء } قال : أصابتك بالجنون .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه { اعتراك بعض آلهتنا بسوء } قال : أصابتك الأوثان بجنون .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال : ما يحملك على ذم آلهتنا إلا أنه قد أصابك منها سوء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن سعيد قال : ما من أحد يخاف لصاً عادياً ، أو سبعاً ضارياً ، أو شيطاناً مارداً ، فيتلو هذه الآية { إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم } إلا صرفه الله عنه .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه { إن ربي على صراط مستقيم } قال : الحق .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله { عذاب غليظ } قال : شديد .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { كل جبار عنيد } المشرك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال { كل جبار عنيد } قال : الميثاق .
وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم النخعي عنيد قال : تمالت عن الحق .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله { وأُتبعوا في هذه الدنيا لعنة } قال : لم يبعث نبي بعد عاد إلا لُعِنَتْ عاد على لسانه .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله { وأُتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة } قال : لعنة أخرى .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال : تتابعت عليهم لعنتان من الله لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة .

(5/316)


وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68)

أخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه { هو أنشأكم من الأرض } قال : خلقكم من الأرض .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه { واستعمركم فيها } قال : أعمركم فيها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه { واستعمركم فيها } قال : استخلفكم فيها .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد { فما تزيدونني غير تخسير } يقول : ما تزدادون أنتم إلا خساراً .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء الخراساني { فما تزيدونني غير تخسير } قال : ما تزيدونني بما تصنعون إلا شراً لكم وخسراناً تخسرونه .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج في قوله { ثلاثة أيام } قال : كان بقي من أجل قوم صالح عند عقر الناقة ثلاثة أيام فلم يعذبوا حتى أكملوها .
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله { نجينا صالحاً والذين آمنوا . . . } الآية . قال : نجاه الله برحمة منه ، ونجاه من خزي يومئذ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { فأصبحوا في ديارهم جاثمين } قال : ميتين .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { كأن لم يغنوا فيها } قال : كأن لم يعيشوا فيها .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس { كأن لم يغنوا فيها } قال : كأن لم يعمروا فيها .
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل { كأن لم يغنوا فيها } قال : كأن لم يكونوا فيها يعني في الدنيا حين عذبوا ولم يعمروا فيها . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول :
وغنيت شيئاً قبل نحري وأحسن ... لو كان للنفس اللجوج خلود
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { كأن لم يغنوا فيها } قال : كأن لم ينعموا فيها .

(5/317)


وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69)

أخرج ابن أبي حاتم عن عثمان بن محسن رضي الله عنه في ضيف إبراهيم كانوا أربعة . جبريل عليه السلام ، ويمكائيل ، وإسرافيل ، ورفائيل .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه أنه قرأ : قالوا سلاماً قال سلام وكل شيء سلمت عليه الملائكة فقالوا سلاماً قال سلام .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { بعجل حنيذ } قال : نضيج .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { حنيذ } قال : مشوي .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { بعجل حنيذ } قال : سميط .
وأخرج الطستي عن ابن عباس : أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل { بعجل حنيذ } قال : الحنيذ النضيج ما يشوى بالحجارة . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت قول الشاعر وهو يقول :
لهم راح وفار المسك فيهم ... وشاوهم إذا شاوا حنيذ
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { بعجل حنيذ } قال : الحنيذ الذي أنضِج بالحجارة .
وأخرج أبو الشيخ عن شمر بن عطية قال : الحنيذ الذي شوي وهو يسيل منه الماء .

(5/318)


فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)

أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن كعب رضي الله عنه قال : بلغنا أن إبراهيم عليه السلام كان يشرف على سدوم فيقول : ويلك يا سدوم يوم مالك ، ثم قال { ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاماً قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ } نضيج وهو يحسبهم أضيافاً { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أُرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } قال : ولد الولد { قالت ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب } فقال لها جبريل { أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد } وكلمهم إبراهيم في أمر قوم لوط إذ كان فيهم إبراهيم قالوا : { يا إبراهيم أعرض عن هذا } [ هود : 76 ] إلى قوله { ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم } [ هود : 77 ] قال : ساءه مكانهم لما رأى منه من الجمال { وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب } قال : يوم سوء من قومي ، فذهب بهم إلى منزله ، فذهبت امرأته لقومه { فجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال : يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم } [ هود : 78 ] تزوّجوهن { أليس منكم رجل رشيد ، قالوا : لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد } [ هود : 79 ] وجعل الأضياف في بيته وقعد على باب البيت { قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد } [ هود : 80 ] قال : إلى عشيرة تمنع ، فبلغني أنه لم يبعث بعد لوط عليه السلام رسول إلا في عز من قومه ، فلما رأت الرسل ما قد لقي لوط في سيئتهم { قالوا يا لوط إنا رسل ربك } [ هود : 81 ] إنا ملائكة { لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك } [ هود : 81 ] إلى قوله { أليس الصبح بقريب } [ هود : 81 ] فخرج عليهم جبريل عليه السلام ، فضرب وجوههم بجناحه ضربة فطمس أعينهم والطمس ذهاب الأعين ، ثم احتمل جبريل وجه أرضهم حتى سمع أهل سماء الدنيا نباح كلابهم وأصوات ديوكهم ثم قلبها عليهم { وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل } قال : على أهل بواديهم ، وعلى رعاثهم ، وعلى مسافرهم فلم يبق منهم أحد .
وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما رأى إبراهيم أنه لا تصل إلى العجل أيديهم نكرهم وخافهم ، وإنما كان خوف إبراهيم أنهم كانوا في ذلك الزمان إذا هم أحدهم بأمر سوء لم يأكل عنده يقول : إذا أكرمت بطعامه حرم عليّ أذاه ، فخاف إبراهيم أن يريدوا به سوءاً ، فاضطربت مفاصله ، وامرأته سارة قائمة تخدمهم ، وكان إذا أراد أن يكرم أضيافه أقام سارة لتخدمهم ، فضحكت سارة وإنما ضحكت انها قالت : يا إبراهيم وما تخاف أنهم ثلاثة نفر وأنت وأهلك وغلمانك؟ قال لها جبريل : أيتها الضاحكة أما أنك ستلدين غلاماً يقال له إسحاق ، ومن ورائه غلام يقال له يعقوب { فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها } فأقبلت والهة تقول : واويلتاه .

(5/319)


. . ! ووضعت يدها على وجهها استحياء . فذلك قوله { فصكت وجهها وقالت أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً } قال : لما بشر إبراهيم بقول الله { فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى } باسحاق { يجادلنا في قوم لوط } وإنما كان جداله أنه قال : يا جبريل أين تريدون ، وإلى من بعثتم؟ قال : إلى قوم لوط وقد أمرنا بعذابهم . فقال إبراهيم { إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته } [ العنكبوت : 32 ] وكانت فيما زعموا تسمى والقة فقال إبراهيم : إن كان فيهم مائة مؤمن تعذبونهم؟ قال جبريل : لا . قال : فإن كان فيهم تسعون مؤمنون تعذبونهم؟ قال جبريل : لا ، قال : فإن كان فيهم ثمانون مؤمنون تعذبونهم؟ قال جبريل : لا ، حتى انتهى في العدد إلى واحد مؤمن؟ قال جبريل : لا ، فلما لم يذكروا لإِبراهيم أن فيها مؤمناً واحداً قال : { إن فيها لوطاً قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته } [ العنكبوت : 32 ] .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن وهب بن منبه رضي الله عنه . أن إبراهيم عليه السلام حين أخرجه قومه بعدما ألقوه في النار خرج بامرأته سارة ومعه أخوها لوط وهما ابنا أخيه ، فتوجها إلى أرض الشام ثم بلغوا مصر ، وكانت سارة رضي الله عنها من أجمل الناس ، فلما دخلت مصر تحدث الناس بجمالها وعجبوا له حتى بلغ ذلك الملك ، فدعا ببعلها وسأله ما هو منها فخاف إن قال له زوجها أن يقتله ، فقال : أنا أخوها . فقال : زوجنيها . فكان على ذلك حتى بات ليلة ، فجاءه حلم فخنقه وخوّفه ، فكان هو وأهله في خوف وهول حتى علم أنه قد أتى من قبلها ، فدعا إبراهيم فقال : ما حملك على أن تَغُرَّني زعمت أنها أختك؟ فقال : إني خفت إن ذكرت أنها زوجتي أن يصيبني منك ما أكره ، فوهب لها هاجر أم إسمعيل وحملهم وجهزهم حتى استقر قرارهم على جبل إيليا ، فكانوا بها حتى كثرت أموالهم ومعايشهم ، فكان بين رعاء إبراهيم ورعاء لوط جوار وقتال : فقال لوط لابراهيم : إن هؤلاء الرعاء قد فسد ما بينهم وكانت تضيق فيهم المراعي ، ونخاف أن لا تحملنا هذه الأرض فإن أحببت أن أخف عنك خففت . قال إبراهيم : ما شئت إن شئت فانتقل منها وإن شئت انتقلت منك . قال لوط عليه السلام : لا بل أنا أحق أن أخف عنك . ففر بأهله وماله إلى سهل الأردن ، فكان بها حتى أغار عليه أهل فلسطين فسبوا أهله وماله .
فبلغ ذلك إبراهيم عليه السلام فأغار عليهم بما كان عنده من أهله ورقيقه ، وكان عددهم زيادة على ثلاثمائة من كان مع إبراهيم ، فاستنقذ من أهل فلسطين من كان معهم من أهل لوط حتى ردهم إلى قرارهم ، ثم انصرف إبراهيم إلى مكانه وكان أهل سدوم الذين فيهم لوط قوم قد استغنوا عن النساء بالرجال ، فلما رأى الله كان عند ذلك بعث الملائكة ليعذبوهم ، فأتوا إبراهيم فلما رآهم راعه هيئتهم وجمالهم فسلموا عليه وجلسوا إليه ، فقام ليقرب إليهم قِرىً فقالوا : مكانك .

(5/320)


قال : بل دعوني آتيكم بما ينبغي لكم فإن لكم حقاً لم يأتنا أحد أحق بالكرامة منكم ، فأمر بعجل سمين فحنذ له - يعني شوي لهم - فقرب إليهم الطعام { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة } وسارة رضي الله عنها وراء الباب تسمع { قالوا لا تخف إنا نبشرك بغلام حليم } مبارك فبشر به امرأته سارة فضحكت وعجبت كيف يكون له مني ولد وأنا عجوز وهذا شيخ كبير . . . ! { قالوا أتعجبين من أمر الله } فإنه قادر على ما يشاء ، وقد وهبه الله لكم فابشروا به . فقاموا وقام معهم إبراهيم عليه السلام فمشوا معاً ، وسألهم قال : أخبروني لم بعثتم وما دخل بكم؟ قالوا : إنا أرسلنا إلى أهل سدوم لندمرها فإنهم قوم سوء وقد استغنوا بالرجال عن النساء . قال إبراهيم : إن فيها قوماً صالحين فكيف يصيبهم من العذاب ما يصيب أهل عمل السوء؟ قالوا : وكم فيها؟ قال : أرأيتم إن كان فيها خمسون رجلاً صالحاً . قالوا : إذن لا نعذبهم . قال : إن كان فيهم أربعون؟ قالوا : إذن لا نعذبهم . فلم يزل ينقص حتى بلغ إلى عشرة ، ثم قال : فأهل بيت؟ قالوا : فإن كان فيها بيت صالح . قال : فلوط وأهل بيته؟ قالوا : إن امرأته هواها معهم فكيف يصرف عن أهل قرية لم يتم فيها أهل بيت صالحين .
فلما يئس منهم إبراهيم عليه السلام انصرف وذهبوا إلى أهل سدوم ، فدخلوا على لوط عليه السلام ، فلما رأتهم امرأته أعجبها هيئتهم وجمالهم ، فأرسلت إلى أهل القرية أنه قد نزل بنا قوم لم ير قط أحسن منهم ولا أجمل . فتسامعوا بذلك فغشوا دار لوط من كل ناحية وتسوروا عليهم الجدران ، فلقيهم لوط عليه السلام فقال : يا قوم لا تفضحوني في بيتي وأنا أزوجكم بناتي فهن أطهر لكم . قالوا : لو كنا نريد بناتك لقد عرفنا مكانك ولكن لا بد لنا من هؤلاء القوم الذين نزلوا بك فخل بيننا وبينهم واسلم منا ، فضاق به الأمر ف { قال لو أن لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد } فوجد عليه الرسل في هذه الكلمة فقالوا : إن ركنك لشديد ، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود ، ومسح أحدهم أعينهم بجناحه فطمس أبصارهم فقالوا : سحرنا انصرف بنا حتى ترجع إليهم تغشاهم الليل ، فكان من أمرهم ما قص الله في القرآن ، فأدخل ميكائيل وهو صاحب العذاب جناحه حتى بلغ أسفل الأرض ، ثم حمل قراهم فقلبها عليهم ، ونزلت حجارة من السماء فتتبعت من لم يكن منهم في القرية حيث كانوا ، فأهلكهم الله تعالى ونجا لوط وأهله إلا امرأته .

(5/321)


وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي يزيد البصري رضي الله عنه في قوله { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه } قال : لم ير لهم أيدياً فنكرهم .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { نكرهم } الآية قال : كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم ظنوا أنه لم يأت بخير وإنه يحدث نفسه بشر ، ثم حدثوه عند ذلك بما جاؤوا فيه فضحكت امرأته .
وأخرج ابن المنذر عن عمرو بن دينار رضي الله عنه قال : لما تضيفت الملائكة عليهم السلام إبراهيم عليه السلام قدم لهم العجل فقالوا : لا نأكله إلا بثمن . قال : فكلوا وأدوا ثمنه . قالوا : وما ثمنه؟ قال : تسمون الله إذا أكلتم وتحمدونه إذا فرغتم . قال : فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا : لهذا اتخذك الله خليلاً .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال : لما بعث الله الملائكة عليهم السلام لتهلك قوم لوط أقبلت تمشي في صورة رجال شباب حتى نزلوا على إبراهيم عليه السلام فضيفوه ، فلما رآهم أجلهم فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فذبحه ثم شواه في الرضف ، فهو الحنيذ وأتاهم فقعد معهم ، وقامت سارة رضي الله عنها تخدمهم ، فذلك حين يقول { وامرأته قائمة } وهو جالس في قراءة ابن مسعود { فلما قربه إليهم قال ألا تأكلون } ؟ قالوا : يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاماً إلا بثمن . قال : فإن لهذا ثمناً . قالوا : وما ثمنه؟ قال : تذكرون اسم الله على أوّله وتحمدونه على آخر . فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال : حق لهذا أن يتخذه ربه خليلاً . فلما رأى إبراهيم أيديهم لا تصل إليه يقول : لا يأكلون ، فزع منهم وأوجس منهم خيفة ، فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم وقامت هي تخدمهم ضحكت ، وقالت : عجباً لاضيافنا هؤلاء انا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا . ! قال لها جبريل : ابشري بولد اسمه إسحق ، ومن وراء إسحق يعقوب . فضربت وجهها عجباً فذلك قوله { فصكت وجهها وقالت أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب ، قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد } قالت سارة رضي الله عنها : ما آية ذلك؟ فأخذ بيده عوداً يابساً فلواه بين أصابعه فاهتز أخضر . فقال إبراهيم عليه السلام : هو لله إذن ذبيحاً .
وأخرج ابن المنذر عن المغيرة رضي الله عنه قال : في مصحف ابن مسعود « وامرأته قائمة وهو جالس » .

(5/322)


وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه { وامرأته قائمة } قال : في خدمة أضياف إبراهيم عليه السلام .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال : لما أوجس إبراهيم خيفة في نفسه حدثوه عند ذلك بما جاؤوا فيه ، فضحكت امرأته تعجباً مما فيه قوم لوط من الغفلة ومما أتاهم من العذاب .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما { فضحكت } قال : فحاضت وهي بنت ثمان وتسعين سنة .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { فضحكت } قال : حاضت وكانت ابنة بضع وتسعين سنة ، وكان إبراهيم عليه السلام ابن مائة سنة .
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { فضحكت } قال : حاضت . قال الشاعر :
إني لآتي العرس عند طهورها ... وأهجرها يوماً إذا هي ضاحك
وأخرج ابن عساكر عن الضحاك رضي الله عنه قال : كان اسم سارة يسارة فلما قال لها جبريل عليه السلام : يا سارة . قالت : إن اسمي يسارة فكيف تسمينني سارة؟ قال الضحاك : يسارة العاقر التي لا تلد ، وسارة الطالق الرحم التي تلد . فقال لها جبريل عليه السلام : كنت يسارة لا تحملين فصرت سارة تحملين الولد وترضعينه . فقالت سارة رضي الله عنها : يا جبريل نقصت اسمي قال جبريل : إن الله قد وعدك بأن يجعل هذا الحرف في اسم ولد من ولدك في آخر الزمان ، وذلك أن اسمه عند الله حي فسماه يحيى .
وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان حسن سارة رضي الله عنها حسن حواء عليها السلام .
وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن سارة بنت ملك من الملوك ، وكانت قد أوتيت حسناً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } قال : هو ولد الولد .
وأخرج ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء عن حسان بن أبحر قال : كنت عند ابن عباس ، فجاءه رجل من هذيل فقال له ابن عباس : ما فعل فلان؟ قال : مات ، وترك أربعة من الولد وثلاثة من الوراء . فقال ابن عباس : { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } قال : ولد الولد .
وأخرج ابن الأنباري عن الشعبي رضي الله عنه في قوله { ومن وراء إسحاق يعقوب } قال : ولد الولد .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ضمرة بن حبيب . أن سارة لما بشرها الرسل بإسحق قال : بينا هي تمشي وتحدثهم حين أتت بالحيضة ، فحاضت قبل أن تحمل بإسحق ، فكان من قولها للرسل حين بشروها : قد كنت شابة وكان إبراهيم شاباً فلم أحبل فحين كبرت وكبر أألد؟ قالوا : أتعجبين من ذلك يا سارة ، فإن الله قد صنع بكم ما هو أعظم من ذلك ، إن الله قد جعل رحمته وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد .

(5/323)


وأخرج ابن الأنباري وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً } قال : وهي يومئذ ابنة سبعين ، وهو يومئذ ابن تسعين سنة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله { بعلي } قال : زوجي .
وأخرج أبو الشيخ عن ضرار بن مرة عن شيخ من أهل المسجد قال : بشر إبراهيم بعد سبع عشرة ومائة سنة .
وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن علي رضي الله عنه قال : قالت سارة رضي الله عنها لما بشرتها الملائكة عليهم السلام { يا ويلتاه أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب } فقالت الملائكة ترد على سارة { أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد } قال : فهو كقوله { وجعلها كلمة باقية في عقبه } [ الزخرف : 28 ] بمحمد صلى الله عليه وسلم وآله من عقب إبراهيم .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه في قوله { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد } قال : كنت عند ابن عباس إذ جاءه رجل فسلم عليه ، فقلت : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته . فقال ابن عباس : انته إلى ما انتهيت إليه الملائكة ، ثم تلا { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت } .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس أن سائلاً قام على الباب وهو عند ميمونة رضي الله عنها فقال : السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته وصلواته ومغفرته ، فقال ابن عباس : انتهوا بالتحية إلى ما قال الله { ورحمة الله وبركاته } .
وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في الشعب عن عطاء قال : كنت عند ابن عباس رضي الله عنهما ، فجاء سائل فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته وصلواته . فقال ابن عباس : ما هذا السلام ، وغضب حتى احمرت وجنتاه ، إن الله حد للسلام حداً ثم انتهى ونهى عما وراء ذلك ، ثم قرأ { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد } .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما . أن رجلاً قال له : سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته . فانتهره ابن عمر وقال : حسبك إذا انتهيت إلى وبركاته إلى ما قال الله .

(5/324)


فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى } قال : الغرق { يجادلنا في قوم لوط } قال : يخاصمنا .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه { فلما ذهب عن إبراهيم الروع } قال : الخوف { وجاءته البشرى } بإسحق .
وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن قتادة { وجاءته البشرى } قال : حين اخبروه أنهم أرسلوا إلى قوم لوط وأنهم ليسوا إياه يريدون { يجادلنا في قوم لوط } قال : إنه قال لهم يومئذ : أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين؟ قالوا : إن كان فيهم خمسون لم نعذبهم . قال : أربعون؟ قالوا : وأربعون . قال : ثلاثون؟ قالوا : وثلاثون حتى بلغ عشرة قالوا : وإن كان فيها عشرة؟ قال : ما قوم لا يكون فيهم عشرة فيهم خير . قال قتادة : إنه كان في قرية لوط أربعة آلاف ، ألف إنسان أو ما شاء الله من ذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { يجادلنا في قوم لوط } قال : لما جاء جبريل ومن معه إلى إبراهيم عليه السلام ، وأخبره أنه مهلك قوم لوط قال : أتهلك قرية فيها أربعمائة مؤمن؟ قال : لا . قال : ثلثمائة مؤمن؟ قال : لا . قال : فمائتا مؤمن؟ قال : لا . قال : فمائة؟ قال : لا . قال : فخمسون مؤمناً؟ قال : لا . قال : فأربعون مؤمناً؟ قال : لا . قال : فأربعة عشر مؤمناً؟ قال : لا . وظن إبراهيم أنهم أربعة عشر بامرأة لوط ، وكان فيها ثلاثة عشر مؤمناً وقد عرف ذلك جبريل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما جاءت الملائكة إلى إبراهيم قالوا لإِبراهيم : إن كان فيها خمسة يصلون رفع عنهم العذاب .

(5/325)


إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76)

أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الحلم يجمع لصاحبه شرف الدنيا والآخرة ، ألم تسمع الله وصف نبيه صلى الله عليه وسلم بالحلم فقال { إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب } .
وأخرج أبو الشيخ عن ضمرة رضي الله عنه قال : الحلم ارفع من العقل ، لأن الله عز وجل تسمى به .
وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن ميمون رضي الله عنه قال : الأوّاه الرحيم ، والحليم الشيخ .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن رضي الله عنه في قوله { إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب } قال : كان إذا قال : قال الله ، وإذا عمل عمل لله ، وإذا نوى نوى لله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : المنيب المقبل إلى طاعة الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه قال : المنيب إلى الله المطيع لله الذي أناب إلى طاعة الله وأمره ، ورجع إلى الأمور التي كان عليها قبل ذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال : المنيب المخلص في عمله لله عز وجل .

(5/326)


وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً } قال : ساء ظناً بقومه وضاق ذرعاً باضيافه ، وقال { هذا يوم عصيب } يقول : شديد .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في الآية قال : ساء ظناً بقومه يتخوفهم على أضيافه وضاق ذرعاً باضيافه مخافة عليهم .
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والطستي عن ابن عباس . أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل { يوم عصيب } قال : يوم شديد . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت الشاعر وهو يقول :
هم ضربوا قوانس خيل حجر ... بجنب الردء في يوم عصيب
وقال عدي بن زيد :
فكنت لو أني خصمك لم أعوّد ... وقد سلكوك في يوم عصيب

(5/327)


وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وجاءه قومه يهرعون إليه } قال : يسرعون { ومن قبل كانوا يعملون السيئات } قال : يأتون الرجال .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { وجاءه قومه يهرعون إليه } قال : ويسعون إليه .
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل { يهرعون إليه } قال : يقبلون إليه بالغضب . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت الشاعر وهو يقول :
أتونا يهرعون وهم أسارى ... سيوفهم على رغم الأنوف
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله { ومن قبل كانوا يعملون السيئات } قال : ينكحون الرجال .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { قال يا قوم هؤلاء بناتي } قال : ما عرض لوط عليه السلام بناته على قومه لا سفاحاً ولا نكاحاً إنما قال : هؤلاء بناتي نساؤكم ، لأن النبي إذا كان بين ظهري قوم فهو أبوهم ، قال الله في القرآن { وأزواجه أمهاتهم } [ الأحزاب : 6 ] وهو أبوهم في قراءة أبي رضي الله عنه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد { هؤلاء بناتي } قال : لم تكن بناته ولكن كن من أمته وكل نبي أبو أمته .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : إنما دعاهم إلى نسائهم ، وكل نبي أبو أمته .
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن السدي في قوله { هؤلاء بناتي } قال : عرض عليهم نساء أمته كل نبي فهو أبو أمته ، وفي قراءة عبد الله { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم } [ الأحزاب : 6 ] .
وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال : لما سمعت الفسقة باضياف لوط جاءت إلى باب لوط ، فاغلق لوط عليهم الباب دونهم ثم اطلع عليهم فقال : هؤلاء بناتي . فعرض عليهم بناته بالنكاح والتزويج ولم يعرضها عليهم للفاحشة ، وكانوا كفاراً وبناته مسلمات ، فلما رأى البلاء وخاف الفضيحة عرض عليهم التزويج ، وكان اسم ابنتيه إحداهما رغوثا والأخرى رميثا ، ويقال : ديونا إلى قوله { أليس منكم رجل رشيد } أي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، فلما لم يتناهوا ولم يردهم قوله ولم يقبلوا شيئاً مما عرض عليهم من أمر بناته قال { لو أن لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد } يعني عشيرة أو شيعة تنصرني لحلت بينكم وبين هذا ، فكسروا الباب ودخلوا عليه ، وتحوّل جبريل في صورته التي يكون فيها في السماء ، ثم قال : يا لوط لا تخف نحن الملائكة لن يصلوا إليك ، وأمرنا بعذابهم .

(5/328)


فقال لوط : يا جبريل الآن تعذبهم - وهو شديد الأسف عليهم - قال جبريل : موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب . قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن الله يعبي العذاب في أوّل الليل إذا أراد أن يعذب قوماً ثم يعذبهم في وجه الصبح .
قال : فهيئت الحجارة لقوم لوط في أول الليل لترسل عليهم غدوة الحجارة ، وكذلك عذبت الأمم عاد وثمود بالغداة ، فلما كان عند وجه الصبح عمد جبريل إلى قرى لوط بما فيها من رجالها ونسائها وثمارها وطيرها فحواها وطواها ثم قلعها من تخوم الثرى ، ثم احتملها من تحت جناحه ، ثم رفعها إلى السماء الدنيا فسمع سكان سماء الدنيا أصوات الكلاب والطير والنساء والرجال من تحت جناح جبريل ، ثم أرسلها منكوسة ، ثم أتبعها بالحجارة وكانت الحجارة للرعاة والتجار ومن كان خارجاً عن مدائنهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : عرض عليهم بناته تزويجاً ، وأراد أن يقي أضيافه بتزويج بناته .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { هؤلاء بناتي هن أطهر لكم } قال : أمرهم هود بتزويج النساء ، وقال : هن أطهر لكم .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه { ولا تخزونِ في ضيفي } يقول : ولا تفضحوني .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه { أليس منكم رجل رشيد } قال : رجل يأمر بمعروف وينهى عن المنكر .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما { أليس منكم رجل رشيد } قال : رجل يأمر بمعروف وينهى عن منكر .
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما { أليس منكم رجل رشيد } قال : واحد يقول لا إله إلا الله .
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة . مثله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { قالوا لقد علمنا ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد } قال : إنما نريد الرجال { قال : لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد } يقول : إلى جند شديد لقاتلتكم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { أو آوي إلى ركن شديد } قال : عشيرة .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن عساكر عن قتادة رضي الله عنه { أو آوي إلى ركن شديد } قال : العشيرة .
وأخرج أبو الشيخ عن علي رضي الله عنه . أنه خطب فقال عشيرة الرجل للرجل خير من الرجل لعشيرته . أنه إن كف يداً واحدة وكفوا عنه أيدياً كثيرة مع مودتهم وحفاظتهم ونصرتهم ، حتى لربما غضب الرجل للرجل وما يعرفه إلا بحسبه وسأتلو عليكم بذلك آيات من كتاب الله تعالى ، فتلا هذه الآية { لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد } قال علي رضي الله عنه : والركن الشديد : العشيرة .

(5/329)


فلم يكن للوط عليه السلام عشيرة ، فوالذي لا إله إلا غيره ما بعث الله نبياً بعد لوط إلا في ثروة من قومه .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله { أو آوي إلى ركن شديد } قال : بلغني أنه لم يبعث نبيّ بعد لوط إلا في ثروة من قومه حتى النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه . أن هذه الآية لما نزلت { لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « رحم الله أخي لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد فلأي شيء استكان » .
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال « ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال : رحم الله لوطاً إن كان ليأوي إلى ركن شديد ، وذكر لنا أن الله لم يبعث نبياً بعد لوط إلا في ثروة من قومه ، حتى بعث الله نبيكم صلى الله عليه وسلم في ثروة من قومه » .
وأخرج ابن جرير عن وهب بن منبه قال لوط عليه السلام { لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد } فوجد عليه الرسل ، وقالوا : يا لوط إن ركنك لشديد .
وأخرج سعيد بن منصور وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ما بعث الله نبياً بعد لوط إلا في عز من قومه .
وأخرج البخاري في الأدب والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله { أو آوي إلى ركن شديد } قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « رحم الله لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد - يعني الله تعالى - فما بعث الله بعده نبياً إلا في ثروة من قومه » .
وأخرج سعيد بن منصور والبخاري وابن مردويه من طريق الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يغفر الله للوط إنه كان ليأوي إلى ركن شديد » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « رحم الله لوطاً إن كان ليأوي إلى ركن شديد » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن بشر الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الناس كانوا أنذروا قوم لوط ، فجاءتهم الملائكة عشية فمروا بناديهم فقال قوم لوط بعضهم لبعض : لا تنفروهم ولم يروا قوماً قط أحسن من الملائكة ، فلما دخلوا على لوط عليه السلام راودوه عن ضيفه ، فلم يزل بهم حتى عرض عليهم بناته ، فأبوا فقالت الملائكة { إنا رسل ربك لن يصلوا إليك } قال : رسل ربي؟ قالوا : نعم . قال لوط : فالآن كذا » .

(5/330)


وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : لما أرسلت الرسل إلى قوم لوط ليهلوكهم قيل لهم : لا تهلكوا قوم لوط حتى يشهد عليهم لوط ثلاث مرات ، وكان طريقهم على إبراهيم خليل الرحمن { فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط } وكانت مجادلته إياهم قال : أرأيتم إن كان فيها خمسون من المؤمنين أتهلكونهم؟ قالوا : لا . قال : فأربعون؟ قالوا : لا . حتى انتهى إلى عشرة أو خمسة قال : فأتوا لوطاً وهو في أرض له يعمل فيها ، فحسبهم ضيفاناً ، فأقبل حتى أمسى إلى أهله ، فمشوا معه فالتفت إليهم فقال : ما ترون ما يصنع هؤلاء؟ قالوا : وما يصنعون؟ قال : ما من الناس أحد شر منهم . فمشوا معه حتى قال ذلك ثلاث مرات ، فانتهى بهم إلى أهله فانطلقت عجوز السوء امرأته ، فأتت قومه فقالت : لقد تضيف لوط الليلة قوماً ما رأيت قط أحسن ولا أطيب ريحاً منهم ، فأقبلوا إليه يهرعون فدافعوه بالباب حتى كادوا يغلبون عليه . فقال ملك بجناحه فسفقه دونهم وعلا وعلوا معه ، فجعل يقول { هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله } إلى قوله { أو آوي إلى ركن شديد } فقالوا { إنا رسل ربك لن يصلوا إليك } فذلك حين علم أنهم رسل الله ، وقال ملك بجناحه فما عشى تلك الليلة أحد بجناحه إلا عمي فباتوا بشر ليلة عمياً ينتظرون العذاب ، فاستأذن جبريل عليه السلام في هلاكهم فأذن له ، فاحتمل الأرض التي كانوا عليها وأهوى بها حتى سمع أهل سماء الدنيا صغاء كلابهم ، وأوقد تحتهم ناراً ثم قلبها بهم ، فسمعت امرأة لوط الوجبة وهي معهم ، فالتفتت فأصابها العذاب ، وتبعت سفارهم الحجارة .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما جاءت رسل الله لوطاً عليه السلام ظن أنهم ضيفان لقومه ، فادناهم حتى أقعدهم قريباً ، وجاء ببناته وهن ثلاثة فأقعدهن بين ضيفانه وبين قومه ، فجاءه قومه يهرعون إليه ، فلما رآهم قال { هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزونِ في ضيفي ، قالوا ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد ، قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد } فالتفت إليه جبريل عليه السلام فقال { إنا رسل ربك لن يصلوا إليك } فلما دنو طمس أعينهم فانطلقوا عمياً يركب بعضهم بعضاً ، حتى إذا خرجوا إلى الذين بالباب قالوا : جئناكم من عند أسحر الناس ، ثم رفعت في جوف الليل حتى إنهم يسمعون صوت الطير في جوّ السماء ، ثم قلبت عليهم فمن أصابته الائتفاكة أهلكته ، ومن خرج منها اتبعته حيث كان حجراً فقتلته ، فارتحل ببناته حتى بلغ مكان كذا من الشام ماتت ابنته الكبرى ، فخرجت عندها عين ، ثم انطلق حيث شاء الله أن يبلغ فماتت الصغرى ، فخرجت عندها عين فما بقي منهن إلا الوسطى .

(5/331)


وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أغلق لوط على ضيفه الباب فجاؤوا فكسروا الباب فدخلوا ، فطمس جبريل أعينهم فذهبت أبصارهم قالوا : يا لوط جئتنا بسحرة فتوعدوه ، فأوجس في نفسه خيفة إذا قد ذهب هؤلاء يؤذونني . قال جبريل { لا تخف إنا رسل ربك . . . } إن موعدهم الصبح ، قال لوط : الساعة . قال جبريل { أليس الصبح بقريب } قال : الساعة . فرفعت حتى سمع أهل سماء الدنيا نبيح الكلاب ، ثم أقبلت ورموا بالحجارة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { فأسر بأهلك } يقول : سر بهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { بقطع من الليل } قال : جوف الليل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { بقطع } قال سواد من الليل .
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله { بقطع من الليل } قال : بطائفة من الليل .
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس رضي الله عنهما . أن نافع بن الأزرق رضي الله عنه قال له : أخبرني عن قول الله { فأسر بأهلك بقطع من الليل } ما القطع؟ قال : آخر الليل سحر . قال مالك بن كنانة :
ونائحة تقوم بقطع ليل ... على رجل أهانته شعوب
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولا يلتفت منكم أحداً } قال : لا يتخلف .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ولا يلتفت منكم أحداً } قال : لا ينظر وراءه أحد { إلا امرأتك } .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير عن هرون رضي الله عنه قال : في حرف ابن مسعود رضي الله عنه « فاسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك » .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال : ذكر لنا أنها كانت مع لوط لما خرج من الطرية ، فسمعت الصوت فالتفتت ، فأرسل الله عليها حجراً فأهلكها . فهي معلوم مكانها شاذة عن القوم ، وهي في مصحف عبد الله « ولقد وفينا إليه أهله كلهم إلا عجوزاً في الغبر » قال : ولما قيل له إن موعدهم الصبح . قال : إني أريد أعجل من ذلك . قال { أليس الصبح بقريب } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال : قال لوط : أهلكوهم الساعة .

(5/332)


قالوا : إنا لن نؤمر إلا بالصبح { أليس الصبح بقريب } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : قال له لوط : اهلكوهم الساعة . قال له جبريل عليه السلام { إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب } فأنزلت على لوط { أليس الصبح بقريب } قال : فأمره أن يسري بأهله بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأته ، فسار فلما كانت الساعة التي أهلكوا فيها أدخل جبريل عليه السلام جناحه ، فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب ، فجعل عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ، وسمعت امرأة لوط الهدة فقالت : واقوماه . . . ! فأدركها حجر فقتلها .
وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن أبي الحلة قال : رأيت امرأة لوط قد مسخت حجراً تحيض عند كل رأس شهر .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها } قال : لما أصبحوا عدا جبريل على قريتهم فنقلها من أركانها ، ثم أدخل جناحه ، ثم حملها على خوافي جناحيه بما فيها ، ثم صعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ، ثم قلبها فكان أول ما سقط منها سرادقها ، فلم يصب قوماً ما أصابهم إن الله طمس على أعينهم ، ثم قلب قريتهم وأمطر عليهم حجارة من سجيل .
وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه قال : لما اصبحوا نزل جبريل عليه السلام فاقتلع الأرض من سبع أرضين ، فحملها حتى بلغ السماء الدنيا ، ثم أهوى بها جبريل إلى الأرض .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح . أن جبريل عليه السلام أتى قرية لوط فأدخل يده تحت القرية ، ثم رفعها حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح الكلاب وأصوات الدياك ، وأمطر الله عليهم الكبريت والنار .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه . أن جبريل عليه السلام اجتث مدينة قوم لوط من الأرض ، ثم رفعها بجناحه حتى بلغ بها حيث شاء الله ، ثم جعل عاليها سافلها .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال : حدثت أن الله تعالى بعث جبريل عليه السلام إلى المؤتفكة ، مؤتفكة قوم لوط فاحتملها بجناحه ، ثم صعد بها حتى أن أهل السماء ليسمعون نباح كلابهم وأصوات دجاجهم ، ثم اتبعها الله بالحجارة يقول الله تعالى { جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل } فأهلكها الله ومن حولها من المؤتفكات ، فكن خمساً صنعة وصغرة وعصرة ودوماً وسدوم ، وهي القرية العظمى .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال : ذكر لنا أنها ثلاث قرى فيها من العدد ما شاء الله أن يكون من الكثرة ، ذكر لنا أنه كان منها أربعة آلاف ألف ، وهي سدوم قرية بين المدينة والشام .

(5/333)


وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { حجارة من سجيل } قال : من طين . وفي قوله { مسوّمة } قال : السوم بياض في حمرة .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { حجارة من سجيل } قال : هي بالفارسية سنك وكل حجر وطين . وفي قوله { مسوّمة } قال : معلمة .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { حجارة من سجيل } قال : بالفارسية أوّلها حجارة وآخرها طين . وفي قوله { مسوّمة } قال : معلمة .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه { حجارة من سجيل } قال : هي كلمة أعجمية عربت سنك وكل .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما { حجارة من سجيل } قال : حجارة فيها طين .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { حجارة من سجيل } قال : من طين { منضود } مصفوفة { مسوّمة } مطوّقة بها نصح من حمرة { وما هي من الظالمين ببعيد } لم يبرأ منها ظالم بعدهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع رضي الله عنه في قوله { منضود } قال : قد نضد بعضه على بعض . وفي قوله { مسوّمة } قال : عليها سيما خطوط صفر .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه قال : حجارة مسوّمة لا تشاكل حجارة الأرض .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { حجارة من سجيل } قال : السماء الدنيا ، والسماء الدنيا اسمها سجيل .
وأخرج ابن شيبة عن ابن سابط رضي الله عنه في قوله { حجارة من سجل } قال : هي بالفارسية .
وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن مجاهد رضي الله عنه . أنه سأل هل بقي من قوم لوط أحد؟ قال : لا ، إلا رجل بقي أربعين يوماً ، كان تاجراً بمكة فجاءه حجر ليصيبه في الحرم ، فقامت إليه ملائكة الحرم فقالوا للحجر رجع من حيث جئت فإن الرجل في حرم الله . فرجع الحجر فوقف خارجاً من الحرم أربعين يوماً بين السماء والأرض حتى قضى الرجل تجارته ، فلما خرج أصابه الحجر خارجاً من الحرم . يقول الله { ما هي من الظالمين ببعيد } يعني من ظالمي هذه الأمة ببعيد .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وما هي من الظالمين ببعيد } قال : يرهب بها قريشاً أن يصيبهم ما أصاب القوم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه { وما هي من الظالمين ببعيد } يقول : من ظلمة العرب إن لم يؤمنوا أن يعذبوا بها .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع في الآية قال : كل ظالم فيما سمعنا قد جعل بحذائه حجر ينتظر متى يؤمر أن يقع به ، فخوف الظلمة فقال : وما هي من الظالمين ببعيد .

(5/334)


وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه { وما هي من الظالمين ببعيد } قال : من ظالمي هذه الأمة ، ثم يقول : والله ما أجار الله منها ظالماً بعد .
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن محمد بن المنكدر ويزيد بن حفصة وصفوان بن سليم . أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قد وجد رجلاً في بعض نواحي العرب ينكح كما كانت تنكح المرأة ، وقامت عليه بذلك البينة ، فاستشار أبو بكر رضي الله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إن هذا ذنب لم يعص الله به أمة من الأمم إلا أمة واحدة ، فصنع الله بها ما قد علمتم ، أرى أن تحرقه بالنار . فاجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أن يحرقوه بالنار ، فكتب أبو بكر رضي الله عنه إلى خالد رضي الله عنه أن احرقه بالنار ، ثم حرقهم ابن الزبير رضي الله عنه في إمارته ، ثم حرقهم هشام بن عبد الملك .
وأخرج ابن المنذر عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن الرأي قال : عذب الله قوم لوط فرماهم بحجارة من سجيل ، فلا ترفع تلك العقوبة عمن عمل عمل قوم لوط .

(5/335)


وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)

أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إني أراكم بخير } قال : رخص السعر { وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } قال : غلاء السعر .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { بقية الله } قال : رزق الله .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { بقية الله خير لكم } يقول : حظكم من ربكم خير لكم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { بقية الله } يقول : طاعة الله .
وأخرج أبو الشيخ عن الربيع رضي الله عنه في قوله { بقية الله } قال : وصية الله { خير لكم } .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله { بقية الله } قال : رزق الله خير لكم من بخسكم الناس .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الأعمش رضي الله عنه في قوله { أصلواتك تأمرك } قال : أقراءتك .
وأخرج ابن عساكر عن الأحنف رضي الله عنه . أن شعيباً كان أكثر الأنبياء صلاة .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { يا شعيب أصلواتك تأمرك . . . } الآية . قال : نهاهم عن قطع هذه الدنانير والدراهم فقالوا : إنما هي أموالنا نفعل فيها ما نشاء ، إن شئنا قطعناها وإن شئنا أحرقناها ، وإن شئنا طرحناها .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال : عذب قوم شعيب في قطعهم الدراهم ، وهو قوله { أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم رضي الله عنه { أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء } قال : قرض الدراهم ، وهو من الفساد في الأرض .
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن المنذر وأبو الشيخ وعبد بن حميد عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال : قطع الدراهم والدنانير المثاقيل التي قد جازت بين الناس ، وعرفوها من الفساد في الأرض .
وأخرج أبو الشيخ عن ربيعة بن أبي هلال . أن ابن الزبير عاقب في قرض الدرهم .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما { إنك لأنت الحليم الرشيد } قال : يقولون : إنك لست بحليم ولا رشيد .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه { إنك لأنت الحليم الرشيد } استهزاء به .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { ورزقني منه رزقاً حسناً } قال : الحلال .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } يقول : لم أك لأنهاكم عن أمر واركبه .

(5/336)


وأخرج ابن أبي حاتم عن مسروق رضي الله عنه . أن امرأة جاءت إلى ابن مسعود رضي الله عنه فقالت : اتنهى عن المواصلة؟ قال : نعم . قالت : فلعله في بعض نسائك فقال : ما حفظت إذاً وصية العبد الصالح { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } .
وأخرج أحمد عن معاوية القشيري . أن أخاه مالكاً قال : يا معاوية إن محمداً أخذ جيراني فانطلق إليه ، فانطلقت معه إليه فقال : دع لي جيراني فقد كانوا أسلموا ، فأعرض عنه فقال : ألا والله إن الناس يزعمون أنك تأمر بالأمر وتخالف إلى غيره . فقال : أو قد فعلوها؟ لئن فعلت ذلك لكان علي وما كان عليهم .
وأخرج أبو الشيخ عن مالك بن دينار رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } قال : بلغني أنه يدعى يوم القيامة بالمذكر الصادق ، فيوضع على رأسه تاج الملك ، ثم يؤمر به إلى الجنة فيقول : إلهي إن في مقام القيامة أقواماً قد كانوا يعينوني في الدنيا على ما كنت عليه . قال : فيفعل بهم مثل ما فعل به ، ثم ينطلق يقودهم إلى الجنة لكرامته على الله .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي إسحق الفزاري رضي الله عنه قال : ما أردت أمراً قط فتلوت عنده هذه الآية إلا عزم لي على الرشد { إن أريد إلا الإِصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وإليه أنيب } قال : إليه أرجع .
وأخرج أبو نعيم في الحلية « عن علي قال : قلت : يا رسول الله أوصني قال » قل ربي الله ثم استقم . قلت : ربي والله وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب . قال : ليهنك العلم أبا الحسن ، لقد شربت العلم شرباً ونهلته نهلاً « في إسناده محمد بن يونس الكريمي .

(5/337)


وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه { لا يجرمنكم شقاقي } لا يحملنكم فراقي .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه قال { شقاقي } قال : عدواني .
وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك رضي الله عنه عن ابن عباس . أن شعيباً قال لقومه : يا قوم اذكروا قوم نوح وعاد وثمود { وما قوم لوط منكم ببعيد } وكان قوم لوط أقربهم إلى شعيب ، وكانوا أقربهم عهداً بالهلاك { واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم } لمن تاب إليه من الذنب { ودود } يعني يحبه ، ثم يقذف له المحبة في قلوب عباده . فردوا عليه { قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً } كان أعمى { ولولا رهطك } يعني عشيرتك التي أنت بينهم { لرجمناك } يعني لقتلناك { وما أنت علينا بعزيز } { قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله } قالوا : بل الله . قال فاتخذتم الله وراءكم { ظهرياً } يعني تركتم أمره وكذبتم نبيه ، غير أن علم ربي أحاط بكم ، { إن ربي بما تعملون محيط } قال ابن عباس : وكان بعد الشرك أعظم ذنوبهم تطفيف المكيال والميزان ، وبخس الناس أشياءهم مع ذنوب كثيرة كانوا يأتونها ، فبدا شعيب فدعاهم إلى عبادة الله وكف الظلم وترك ما سوى ذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن خلف بن حوشب قال : هلك قوم شعيب من شعيرة إلى شعيرة ، كانوا يأخذون بالرزينة ويعطون بالخفيفة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله { ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي . . . } الآية . قال : لا يحملنكم عدواتي على أن تتمادوا في الضلال والكفر فيصيبكم من العذاب ما أصابهم .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وما قوم لوط منكم ببعيد } قال : إنما كانوا حديثي عهد قريب بعد نوح وثمود .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن أبي ليلى الكندي رضي الله عنه قال : أشرف عثمان رضي الله عنه على الناس من داره وقد أحاطوا به فقال { يا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد } يا قوم لا تقتلوني ، إنكم إن قتلتموني كنتم هكذا ، وشبك بين أصابعه .
وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { وإنا لنراك فينا ضعيفاً } قال : كان أعمى ، وإنما عمي من بكائه من حب الله عز وجل .
وأخرج الواحدي وابن عساكر عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

(5/338)


« بكى شعيب عليه السلام من حب الله حتى عمي ، فرد الله عليه بصره وأوحى الله إليه : يا شعيب ما هذا البكاء أشوقاً إلى الجنة أم خوفاً من النار؟ فقال : لا ، ولكن اعتقدت حبك بقلبي ، فإذا نظرت إليك فما أبالي ما الذي تصنع بي ، فأوحى الله إليه : يا شعيب إن يكن ذلك حقاً فهنيأً لك لقائي يا شعيب ، لذلك أخدمتك موسى بن عمران كليمي » .
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه والخطيب وابن عساكر من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وإنا لنراك فينا ضعيفاً } قال : كان ضرير البصر .
وأخرج أبو الشيخ عن سفيان في قوله { وإنا لنراك فينا ضعيفاً } قال : كان أعمى ، وكان يقال له : خطيب الأنبياء عليهم السلام .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله { وإنا لنراك فينا ضعيفاً } قال : إنما أنت واحد .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { ولولا رهطك لرجمناك } قال : لولا أن نتقي قومك ورهطك لرجمناك .
وأخرج سعيد بن منصور عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : لو كان للوط مثل أصحاب شعيب لجاهد بهم قومه .
وأخرج أبو الشيخ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه . أنه خطب فتلا هذه الآية في شعيب { وإنا لنراك فينا ضعيفاً } قال : كان مكفوفاً ، فنسبوه إلى الضعف { ولولا رهطك لرجمناك } قال علي : فوالله الذي لا إله غيره ما هابوا جلال ربهم ، ما هابوا إلا العشيرة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { واتخذتموه وراءكم ظهرياً } قال : نبذتم أمره .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { واتخذتموه وراءكم ظهرياً } قال : قضاء قضى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { واتخذتموه وراءكم ظهرياً } يقول : لا تخافونه .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي { واتخذتموه وراءكم ظهرياً } قال : جعلتموه خلف ظهوركم ، فلم تطيعوه ولم تخافوه .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك { واتخذتموه وراءكم ظهرياً } قال : تهاونتم به .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه { واتخذتموه وراءكم ظهرياً } قال : الظهري الفضل مثل الجمال يحتاج معه إلى إبل ظهري فضل لا يحمل عليها شيئاً إلا أن يحتاج إليها ، فيقول : إنما ربكم عندكم هكذا إن احتجتم إليه ، فإن لم تحتاجوا فليس بشيء .

(5/339)


يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { يقدم قومه يوم القيامة } يقول : أضلهم فأوردهم النار .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { يقدم قومه يوم القيامة } قال : فرعون يمضي بين يدي قومه حتى يهجم بهم على النار .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فأوردهم النار } قال { الورود } الدخول .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال { الورود } في القرآن أربعة . في هود { وبئس الورد المورود } ، وفي مريم { وإن منكم إلا واردها } [ مريم : 71 ] ، وفيها أيضاً { ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً } [ مريم : 86 ] ، وفي الأنبياء { حصب جهنم أنتم لها واردون } [ الأنبياء : 98 ] قال : كل هذا الدخول .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد { وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة } أردفوا وزيدوا بلعنة أخرى فتلك لعنتان { بئس الرفد المرفود } اللعنة في أثر اللعنة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { بئس الرفد المرفود } قال : لعنة الدنيا والآخرة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في الآية قال : لم يبعث نبي بعد فرعون إلا لعن على لسانه ويوم القيامة ، يزيد لعنة أخرى في النار .
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والطستي عن ابن عباس . أن نافع بن الأزرق قال له : اخبرني عن قوله عز وجل { بئس الرفد المرفود } قال : بئس اللعنة بعد اللعنة . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت نابغة بني ذبيان وهو يقول :
لا تقدمن بركن لا كفاء له ... وإنما تفك الأعداء بالرفد

(5/340)


ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { منها قائم } يعني بها قرى عامرة { وحصيد } يعني قرى خامدة .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله { ذلك من أنباء القرى نقصه عليك } قال : قال الله ذلك لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم { قائماً } يرى مكانه { وحصيد } لا يرى له أثر ، وقال في آية أخرى { هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً } [ مريم : 98 ] .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج { منها قائم } خاو على عروشه { وحصيد } ملصق بالأرض .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك { منها قائم وحصيد } قال : الحصيد الذي قد خرب ودمر .

(5/341)


وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101)

أخرج أبو الشيخ عن الفضل بن مروان رضي الله عنه في قوله { وما ظلمناهم } قال : نحن أغنى من أن نظلم .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي عاصم رضي الله عنه { فما أغنت عنهم آلهتهم } قال : ما نفعت .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله { وما زادوهم غير تتبيب } يعني غير تخسير .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { وما زادوهم غير تتبيب } قال : تخسير .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه { وما زادوهم غير تتبيب } أي هلكة .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه { وما زادوهم غير تتبيب } قال : وما زادوهم إلا شراً ، وقرأ { تبت يدا أبي لهب وتب } [ المسد : 1 ] وقال : التب الخسران { والتتبيب } ما زادوهم غير خسران ، وقرأ { ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خساراً } [ فاطر : 39 ] .
وأخرج الطستي عن ابن عباس . أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله { وما زادوهم غير تتبيب } قال : غير تخسير . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت بشر بن أبي حازم الشاعر وهو يقول :
هم جدعوا الأنوف فارعبوها ... وهم تركوا بني سعد تبابا

(5/342)


وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102)

أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله سبحانه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، ثم قرأ { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } » .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي عمران الجوني رضي الله عنه قال : لا يغرنكم طول النسيئة ولا حسن الطلب ، فإن أخذه أليم شديد .
وأخرج ابن أبي داود عن سفيان رضي الله عنه قال : في قراءة عبد الله « كذلك أخذ ربك » بغير واو .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد أنه قرأها « وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى بظلم » .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه قال : إن الله تعالى حذر هذه الأمة سطوته بقوله { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد } .

(5/343)


إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104)

أخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة } يقول : انا سوف نفي لهم بما وعدنا في الآخرة ، كما وفينا للأنبياء أنا ننصرهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود } قال : يوم القيامة .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد . مثله .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في الآية قال : ذاك يوم القيامة يجتمع فيه الخلق كلهم ، ويشهده أهل السماء وأهل الأرض .

(5/344)


يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105)

أخرج أبو الشيخ عن ابن جريج في قوله يوم يأت قال ذلك اليوم .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي رضي الله عنه قال : كلام الناس يوم القيامة السريانية .
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن عمر بن ذر . أنه قرأ { يوم يأتون لا تكلم منهم دابة إلا بإذنه } .
وأخرج الترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : « لما نزلت { فمنهم شقي وسعيد } قلت : يا رسول الله فعلام نعمل على شيء قد فرغ منه ، أو على شيء لم يفرغ منه؟ قال » بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر ، ولكن كل ميسر لما خلق له « » .

(5/345)


فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : هاتان من المخبآت ، قول الله { فمنهم شقي وسعيد } و { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا } [ المائدة : 109 ] أما قوله { فمنهم شقي وسعيد } فهم قوم من أهل الكبائر من أهل هذه القبلة ، يعذبهم الله بالنار ما شاء بذنوبهم ، ثم يأذن في الشفاعة لهم فيشفع لهم المؤمنون فيخرجهم من النار فيدخلهم الجنة فسماهم أشقياء حين عذبهم في النار { فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك } حين أذن في الشفاعة لهم وأخرجهم من النار ، وأدخلهم الحنة وهم هم { وأما الذين سعدوا } يعني بعد الشقاء الذي كانوا فيه { ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك } يعني الذين كانوا في النار .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن قتادة . أنه تلا هذه الآية { فأما الذين شقوا } فقال : حدثنا أنس رضي الله عنه . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « يخرج قوم من النار ولا نقول كما قال أهل حروراء » .
وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { فأما الذين شقوا } إلى قوله { إلا ما شاء ربك } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن شاء الله أن يخرج أناساً من الذين شقوا من النار فيدخلهم الجنة فعل » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن خالد بن معدان في قوله { إلا ما شاء ربك } قال : إنها في التوحيد من أهل القبلة .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك { إلا ما شاء ربك } قال : إلا ما استثنى من أهل القبلة .
وأخرج عبد الرزاق وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله الأنصاري أو عن أبي سعيد الخدري أو رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد } قال : هذه الآية قاضية على القرآن كله يقول : حيث كان في القرآن خالدين فيها تأتي عليه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن أبي نضرة قال : ينتهي القرآن كله إلى هذه لآية { إن ربك فعال لما يريد } .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله { وأما الذين سعدوا } الآية . قال : هو في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة ، يقول : خالدين في الجنة { ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك } يقول : إلا ما مكثوا في النار حتى أدخلوا الجنة .

(5/346)


وأخرج أبو الشيخ عن سنان قال : استثنى في أهل التوحيد ، ثم قال { عطاء غير مجذوذ } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ما دامت السماوات والأرض } قال : لكل جنة سماء وأرض .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { ما دامت السماوات والأرض } قال : سماء الجنة وأرضها .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله { ما دامت السماوات والأرض } قال : تبدل سماء غير هذه السماء وأرض غير هذه الأرض ، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال : إذا كان يوم القيامة أخذ الله السموات السبع والأرضين فطهرهن من كل قذر ودنس ، وفصيرهن أرضاً بيضاء فضة نوراً يتلألأ ، فصيرهن أرضاً للجنة ، والسموات والأرض اليوم في الجنة كالجنة في الدنيا يصيرهن الله على عرض الجنة ويضع الجنة عليها ، وهي اليوم على أرض زعفرانية عن يمين العرش ، فأهل الشرك خالدين في جهنم ما دامت أرضاً للجنة .
وأخرج البيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس في قوله { إلا ما شاء ربك } قال : فقد شاء ربك أن يخلد هؤلاء في النار وأن يخلد هؤلاء في الجنة .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله { فأما الذين شقوا . . . } قال : فجاء بعد ذلك من مشيئة الله فنسخها ، فأنزل الله بالمدينة { إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً } [ النساء : 168 ] إلى آخر الآية . فذهب الرجاء لأهل النار أن يخرجوا منها وأوجب لهم خلود الأبد . وقوله { وأما الذين سعدوا } الآية . قال : فجاء بعد ذلك من مشيئة الله ما نسخها ، فأنزل بالمدينة { والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات } [ النساء : 122 ] إلى قوله { ظلاً ظليلاً } [ النساء : 57 ] فأوجب لهم خلود الأبد .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { إلا ما شاء ربك } قال : استثنى الله أمر النار أن تأكلهم .
وأخرج ابن المنذر عن الحسن عن عمر رضي الله عنه قال : لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم يوم على ذلك يخرجون فيه .
وأخرج إسحق بن راهويه عن أبي هريرة قال : سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد وقرأ { فأما الذين شقوا . . . } الآية .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم قال : ما في القرآن آية أرجى لأهل النار من هذه الآية { خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك } قال : وقال ابن مسعود ليأتين عليها زمان تخفق أبوابها .
وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال : جهنم أسرع الدارين عمراناً ، وأسرعهما خراباً .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { إلا ما شاء ربك } قال : الله أعلم بمشيئته على ما وقعت .

(5/347)


وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : قد أخبر الله بالذي شاء لأهل الجنة فقال { عطاء غير مجذوذ } ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار .
وأخرج ابن المنذر عن أبي وائل . أنه كان إذا سئل عن الشيء من القرآن؟ قال : قد أصاب الله به الذي أراد .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لهم فيها زفير وشهيق } قال : الزفير الصوت الشديد في الحلق ، والشهيق الصوت الضعيف في الصدر . وفي قوله { غير مجذوذ } قال : غير مقطوع . وفي لفظ : غير منقطع .
وأخرج ابن الأنباري في الوقف عن ابن عباس رضي الله عنهما . أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله { لهم فيها زفير وشهيق } ما الزفير؟ قال : زفير كزفير الحمار . قال فيه أوس بن حجر :
ولا عذران لاقيت أسماء بعدها ... فيغشى علينا إن فعلت وتعذر
فيخبرها أن رب يوم وقفته ... على هضبات السفح تبكي وتزفر

(5/348)


فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آَبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110) وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111)

أخرج ابن مردويه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال « سلوا الله العافية فإنه لم يعط أحد أفضل من معافاة بعد يقين ، وإياكم والريبة فإنه لم يؤت أحد أشر من ريبة بعد كفر » .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص } قال : ما قدر لهم من خير وشر .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { وإنا لموفوهم نصيبهم } قال : موفوهم نصيبهم من العذاب .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي العالية رضي الله عنه { وإنا لموفوهم نصيبهم } قال : من الرزق .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله تبارك وتعالى يوفي كل عبد ما كتب له من الرزق فاجملوا في المطلب ، دعوا ما حرم وخذوا ما حل » .

(5/349)


فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113)

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فاستقم كما أمرت . . . } الآية . قال : أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستقيم على أمره ولا يطغى في نعمته .
وأخرج أبو الشيخ عن سفيان رضي الله عنه في قوله { فاستقم كما أمرت } قال : استقم على القرآن .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه الآية { فاستقم كما أمرت ومن تاب معك } قال : شمروا شمروا فما رؤي ضاحكاً .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج { ومن تاب معك } قال : آمن .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن العلاء بن عبد الله بن بدر رضي الله عنه في قوله { ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير } قال : لم يرد به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، إنما على الذين يجيئون من بعدهم .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس { ولا تطغوا } يقول : لا تظلموا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه قال : الطغيان خلاف أمره وركوب معصيته .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا } قال : يعني الركون إلى الشرك .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولا تركنوا } قال : لا تميلوا .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ولا تركنوا } قال : لا تذهبوا .
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة في قوله { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار } أن تطيعوهم أو تودوهم أو تصطنعوهم .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي العالية في قوله { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا } قال : لا ترضوا أعمالهم .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال : خصلتان إذا صلحتا للعبد صلح ما سواهم من أمره ، الطغيان في النعمة والركون إلى الظلم ، ثم تلا هذه الآية { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار } .

(5/350)


وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وأقم الصلاة طرفي النهار } قال : صلاة المغرب والغداة { وزلفا من الليل } قال : صلاة العتمة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله { وأقم الصلاة طرفي النهار } قال : الفجر والعصر { وزلفاً من الليل } قال : هما زلفتان صلاة المغرب وصلاة العشاء . قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « هما زلفتا الليل » .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { وأقم الصلاة طرفي النهار } قال : صلاة الفجر وصلاتي العشاء يعني الظهر والعصر { وزلفاً من الليل } قال : المغرب والعشاء .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { وزلفاً من الليل } قال : ساعة بعد ساعة ، يعني صلاة العشاء الآخرة .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس . أنه كان يستحب تأخير العشاء ، ويقرأ { وزلفاً من الليل } .
وأخرج ابن جرير ومحمد بن نصر وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله { إن الحسنات يذهبن السيئات } قال : الصلوات الخمس .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة ومحمد بن نصر وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { إن الحسنات يذهبن السيئات } قال : الصلوات الخمس { والباقيات الصالحات } قال : الصلوات الخمس .
وأخرج ابن حبان عن ابن مسعود قال : « قال رجل : يا رسول الله إني لقيت امرأة في البستان فضممتها إلي وقبلتها وباشرتها وفعلت بها كل شيء إلا أني لم أجامعها؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين } فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها عليه ، فقال عمر : يا رسول الله أله خاصة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل للناس كافة » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن حبان عن ابن مسعود « أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له كأنه يسأل عن كفارتها؟ فأنزلت عليه { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات } فقال : يا رسول الله ألي هذه؟ قال : هي لمن عمل بها من أمتي » .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وهناد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال

(5/351)


« جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني وجدت امرأة في البستان ففعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها قبلتها ولزمتها ولم أفعل غير ذلك فافعل بي ما شئت فلم يقل له رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ، فذهب الرجل فقال عمر : لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه . فأتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره فقال ردوه عليه . فردوه فقرأ عليه { وأقم الصلاة طرفي النهار . . . } الآية . فقال معاذ بن جبل : يا رسول الله أله وحده أم للناس كافة؟ فقال : بل للناس كافة » .
وأخرج الترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن مردويه عن أبي اليسر قال « أتتني امرأة تبتاع تمراً فقلت : إن في البيت تمراً أطيب منه . فدخلت معي البيت فأهويت إليها فقبلتها ، فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له قال : استر على نفسك وتب . فأتيت عمر فذكرت ذلك له فقال : استر على نفسك وتب ولا تخبر أحداً . فلم أصبر ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال : اخلفت غازياً في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟ حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة حتى ظن أنه من أهل النار ، وأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً حتى أوحى الله إليه { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل } إلى قوله { للذاكرين } قال أبو اليسر : فأتيته فقرأها علي فقال أصحابه : يا رسول الله ألهذا خاصة؟ قال : بل للناس كافة » .
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة رضي الله عنه . « أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أقم في حد الله مرة أو مرتين . فأعرض عنه ، ثم أقيمت الصلاة فلما فرغ قال » أين الرجل؟ قال : أنا ذا . قال : أتممت الوضوء وصليت معنا آنفاً؟ قال : نعم . قال : فإنك من خطيئتك كما ولدتك أمك فلا تعد ، وأنزل الله حينئذ على رسول الله صلى الله عليه وسلم { وأقم الصلاة طرفي النهار } الآية « » .
وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن جرير وأبو الشيخ والدارقطني والحاكم وابن مردويه عن معاذ بن جبل قام : « رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما ترى في رجل لقي امرأة لا يعرفها فليس يأتي الرجل من امرأته شيئاً إلا أتى فيها غير أنه لم يجامعها ، فأنزل الله { وأقم الصلاة طرفي النهار . . . } الآية . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم » توضأ وضوءاً حسناً ، ثم قم فصل . قال معاذ : فقلت يا رسول الله : أله خاصة أم للمؤمنين عامة؟ قال : للمؤمنين عامة « .
وأخرج أحمد وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال

(5/352)


« جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن امراة جاءت تبايعني فأدخلتها فأصبت منها ما دون الجماع فقال : لعلها مغيبة في سبيل الله؟ قال : أظن . قال : ادخل . فدخل فنزل القرآن { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل . . . } الآية . فقال الرجل : ألي خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فضرب عمر في صدره وقال : لا ، ولا نعمة عين ولكن للمؤمنين عامة . فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : صدق عمر هي للمؤمنين عامة » .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن ابن عباس قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني نلت من امرأة ما دون نفسها ، فأنزل الله { وأقم الصلاة } الآية .
وأخرج البزار وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس « أن رجلاً كان يحب امرأة ، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة ، فأذن له فانطلق في يوم مطير ، فإذا هو بالمرأة على غدير ماء تغتسل ، فلما جلس منها مجلس الرجل من المرأة ذهب يحرك ذكره فإذا هو كأنه هدبة فندم ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم » صل أربع ركعات « ، فأنزل الله { وأقم الصلاة طرفي النهار } » .
وأخرج ابن مردويه عن بريدة قال « جاءت امرأة من الأنصار إلى رجل يبيع التمر بالمدينة وكانت امرأة حسناء جميلة ، فلما نظر إليها أعجبته وقال : ما أرى عندي ما أرضى لك ههنا ، ولكن في البيت حاجتك ، فأنطلقت معه حتى إذا دخلت راودها على نفسها فأبت ، وجعلت تناشده فأصاب منها من غير أن يكون أفضى إليها ، فانطلق الرجل وندم على ما صنع حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره فقال : ما حملك على ذلك؟ قال : الشيطان . فقال له : صل معنا ، ونزل { وأقم الصلاة طرفي النهار } يقول : صلاة الغداة والظهر والعصر { وزلفاً من الليل } المغرب والعشاء { إن الحسنات يذهبن السيئات } فقال الناس : يا رسول الله لهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال : بل هي للناس عامة » .
وأخرج ابن جرير عن عطاء بن أبي رباح قال : أقبلت امرأة حتى جاءت إنساناً يبيع الدقيق لتبتاع منه ، فدخل بها البيت فلما خلا له قبلها فسقط في يده ، فانطلق إلى أبي بكر فذكر ذلك له فقال : انظر لا تكون امرأة رجل غاز . فبينما هم على ذلك نزل في ذلك { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل } قيل لعطاء : المكتوبة هي؟ قال : نعم .
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال « جاء فلان بن مقيب رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله دخلت على امرأة فنلت منها ما ينال الرجل من أهله إلا أني لم أواقعها ، فلم يدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجيبه حتى نزلت هذه الآية { وأقم الصلاة طرفي النهار } فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقرأها عليه » .

(5/353)


وأخرج ابن جرير عن سليمان التيمي قال : ضرب رجل على كفل امرأة ، ثم أتى إلى أبي بكر وعمر فسألهما عن كفارة ذلك فقال كل منهما : لا أدري ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله؟ فقال « لا أدري ، حتى أنزل الله { وأقم الصلاة } الآية » .
وأخرج ابن جرير عن يزيد بن رومان . أن رجلاً من بني تميم دخلت عليه امرأة فقبلها ووضع يده على دبرها ، فجاء إلى أبي بكر ، ثم إلى عمر ، ثم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية { وأقم الصلاة } إلى قوله { ذلك ذكرى للذاكرين } فلم يزل الرجل الذي قبل المرأة يذكر ، فذلك قوله { ذكرى للذاكرين } .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن يحيى بن جعدة . « أن رجلاً أقبل يريد أن يبشر النبي صلى الله عليه وسلم بالمطر ، فوجد امرأة جالسة على غدير فدفع صدرها وجلس بين رجليها ، فصار ذكره مثل الهدبة ، فقام ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما صنع فقال له » استغفر ربك وصل أربع ركعات ، وتلا عليه { وأقم الصلاة طرفي النهار . . . } الآية « » .
وأخرج الطيالسي وأحمد والدارمي وابن جرير والطبراني والبغوي في معجمه وابن مردويه عن سلمان « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ غصناً يابساً من شجرة فهزه حتى تحات ورقه ثم قال : إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى الصلوات الخمس تحاتت خطاياه كما يتحات هذا الورق ، ثم تلا هذه الآية { وأقم الصلاة طرفي النهار . . . } الآية . إلى قوله { للذاكرين } » .
وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « جعلت الصلوات كفارات لما بينهن ، فأن الله تعالى قال { إن الحسنات يذهبن السيئات } » .
وأخرج أحمد وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كل صلاة تحط ما بين يديها من خطيئة » .
وأخرج أحمد والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند صحيح « عن عثمان قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ ، ثم قال » من توضأ وضوئي هذا ، ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما كان بينه وبين صلاة الصبح ، ثم صلى العصر غفر له ما كان بينه وبين صلاة الظهر ، ثم صلى المغرب غفر له ما كان بينه وبين صلاة العصر ، ثم صلى العشاء غفر له ما كان بينه وبين صلاة المغرب ، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته ، ثم إن قام فتوضأ وصلى الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء ، وهن الحسنات يذهبن السيئات قالوا : هذه الحسنات فما الباقيات يا عثمان؟ قال : هي لا إله إلا الله ، وسبحان الله ، والحمد لله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم « » .

(5/354)


وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « أرأيتم لو أن بباب أحدكم نهراً يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيئاً؟ قالوا : لا يا رسول الله . قال : كذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الذنوب والخطايا » .
وأخرج أحمد عن ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكن السيء بالحسن » .
وأخرج الحكيم الترمذي والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال : لم أر شيئاً أحسن طلباً ولا أحسن إدراكاً من حسنة حديثة لسيئة قديمة { إن الحسنات يذهبن السيئات } « .
وأخرج أحمد عن معاذ » أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : يا معاذ أتبع السيئة الحسنة تمحها « .
وأخرج أحمد وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات » عن أبي ذر قال : قلت يا رسول الله أوصني . قال : « اتق الله إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها . قال : قلت : يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال : هي أفضل الحسنات » « .
وأخرج أبو يعلى عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » ما قال عبد لا إله إلا الله في ساعة من ليل أو نهار إلا طلست ما في الصحيفة من السيئآت حتى تسكن إلى مثلها من الحسنات « .
وأخرج البزار عن أنس رضي الله عنه » أن رجلاً قال يا رسول الله : ما تركت من حاجة ولا داجة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قال : نعم . قال : فإن هذا يأتي على ذلك « .
وأخرج ابن مردويه عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال » مثل الذي يعمل الحسنات على أثر السيئآت كمثل رجل عليه درع من حديد ضيقة تكاد تخنقه ، فكلما عمل حسنة فك حتى يحل عقده كلها « .
وأخرج الطبراني عن عبد الله بن مسعود قال : إن الصلاة من الحسنات وكفارة ما بين الأولى إلى العصر صلاة العصر ، وكفارة ما بين صلاة العصر إلى المغرب صلاة المغرب ، وكفارة ما بين المغرب إلى العتمة صلاة العتمة ، ثم يأوي المسلم إلى فراشه لا ذنب له ما اجتنبت الكبائر ، ثم قرأ { إن الحسنات يذهبن السيئات } .

(5/355)


وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير عن علي رضي الله عنه قال : « كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قام الرجل فأعاد القول ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم » أليس قد صليت معنا هذه الصلاة ، وأحسنت لها الطهور؟ قال : بلى . قال : فإنها كفارة ذلك « » .
وأخرج مالك وابن حبان عن عثمان بن عفان أنه قال : لأحدثنكم حديثاً لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه ، ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « ما من امرىء يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي الصلاة إلا غفر الله له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها . قال مالك : أراه يريد هذه الآية { أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات } » .
وأخرج ابن حبان عن واثلة بن الأسقع قال : « جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علي . فأعرض عنه ، ثم أقيمت الصلاة ، فلما سلم قال : يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » هل توضأت ثم أقبلت؟ قال : نعم . قال : وصليت معنا؟ قال : نعم . قال : فاذهب فإن الله قد غفر لك « » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال : « كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل فقال : يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علي . فلم يسأله عنه ، وحضرت الصلاة فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما قضى الصلاة قام إليه رجل فقال : يا رسول الله إني أصبت حداً فأقم عليّ كتاب الله . قال » أليس قد صليت معنا؟ قال : نعم . قال : فإن الله قد غفر لك ذنبك « » .
وأخرج البزار وأبو يعلى ومحمد بن نصر وابن مردويه عن أنس بن مالك « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار عذب غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات فماذا يبقين من درنه؟ قال : ودرنه إثمه » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إنما مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات فما يبقى من درنه » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد بن عمير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « مثل الصلوات الخمس نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم ، فماذا يبقين من الدرن » .

(5/356)


وأخرج أحمد وابن خزيمة ومحمد بن نصر والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان بسند صحيح عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال : سمعت سعداً وناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون : « كان رجلان أخوان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أحدهما أفضل من الآخر ، فتوفي الذي هو أفضلهما وعمر الآخر بعده أربعين ليلة ، ثم توفي فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضل الأوّل على الآخر قال » ألم يكن يصلي؟ قالوا : بلى يا رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يدريكم ما بلغت به صلاته؟ ثم قال عند ذلك : إنما مثل الصلوات كمثل نهر جار بباب أحدكم غمر عذب يقتحم فيه كل يوم خمس مرات ، فماذا ترون يبقى من درنه؟ « » .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « مثل الصلوات الخمس كمثل نهر عذب يجري عند باب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات ، فماذا يبقى عليه من الدرن؟ » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي برزة « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما صليت صلاة إلا وأنا أرجو أن تكون كفارة لما أمامها » .
وأخرج أحمد والطبراني عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما من امرىء مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيقوم فيتوضأ فيحسن الوضوء ، ويصلي فيحسن الصلاة إلا غفر له ما بينها وبين الصلاة التي كانت قبلها من ذنوبه » .
وأخرج البزار والطبراني عن أبي سعيد الخدري « أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الصلوات الخمس كفارة ما بينها ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت لو أن رجلاً كان يعتمل وكان بين منزله ومعتمله خمسة أنهار ، فإذا أتى معتمله عمل فيه ما شاء الله فأصابه الوسخ أو العرق ، فكلما مر بهر اغتسل ما كان يبقى من درنه؟ فكذلك الصلاة كلما عمل خطيئة صلى صلاة فدعا واستغفر الله غفر الله له ما كان قبلها » .
وأخرج البزار عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر » .
وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن لله تعالى ملكاً ينادي عند كل صلاة يا بني آدم قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على أنفسكم فاطفئوها » .
وأخرج الطبراني في الكبير عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال

(5/357)


« يبعث مناد عند حضرة كل صلاة فيقول : يا بني آدم قوموا فاطفئوا عنكم ما أقدتم على أنفسكم ، فيقومون فيتطهرون ويصلون فيغفر لهم ما بينهما ، فإذا حضرت العصر فمثل ذلك ، فإذا حضرت المغرب فمثل ذلك ، فإذا حضرت العتمة فمثل ذلك ، فينامون فيغفر لهم ، فمدلج في خير ومدلج في شر » .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة الباهلي « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الصلاة المكتوبة تكفر ما قبلها إلى الصلاة الأخرى ، والجمعة تكفر ما قبلها إلى الجمعة الأخرى ، وشهر رمضان يكفر ما قبله إلى شهر رمضان ، والحج يكفر ما قبله إلى الحج » .
وأخرج الطبراني عن أبي بكرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر » .
وأخرج البزار والطبراني عن سلمان الفارسي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « المسلم يصلي وخطاياه مرفوعة على رأسه كلما سجد تحاتت عنه فيفرغ من صلاته وقد تحاتت عنه خطاياه » .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن العبد إذا قام يصلي جمعت ذنوبه على رقبته ، فإذا ركع تفرقت » .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي الدرداء « سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ما من مسلم يذنب ذنباً فيتوضأ ثم يصلي ركعتين أو أربعاً مفروضة أو غير مفروضة ، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان قال : الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود موقوفاً والبزار والطبراني عنه مرفوعاً قال « الصلوات الحقائق كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال : مثل الصلوات الخمس مثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات ، فماذا يبقين بعد عليه من درنه؟ .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء . مثل الصلوات الخمس مثل رجل على بابه نهر يغتسل منه كل يوم خمس مرات ، فماذا يبقى ذلك من درنه؟ .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال : تكفير كل لحاء ركعتان .
وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني في الكبير عن ابن مسعود قال : يحترقون فإذا صلوا الظهر غسلت ، ثم يحترقون فإذا صلوا العصر غسلت ، ثم يحترقون فإذا صلوا المغرب غسلت ، حتى ذكر الصلوات كلهن .
وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « تحترقون ، فإذا صليتم الصبح غسلتها ، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها ، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها ، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها ، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها ، ثم تنامون فلا يكتب حتى تستيقظوا » .

(5/358)


وأخرج أحمد في الزهد عن أبي عبيدة بن الجراح . أنه قال : بادروا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات ، فلو أن أحدكم أخطأ ما بينه وبين السماء والأرض ثم عمل حسنة لعلت فوق سيئاته حتى تقهرهن .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال : استعينوا على السيئات القديمات بالحسنات الحديثات ، وإنكم لن تجدوا شيئاً اذهب لسيئة قديمة من حسنة حديثة ، وتصديق ذلك في كتب الله تعالى { إن الحسنات يذهبن السيئات } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { ذلك ذكرى للذاكرين } قال : هم الذين يذكرون الله في السراء والضراء ، والشدة والرخاء ، والعافية والبلاء .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : لما نزع الذي قبل المرأة تذكر ، فذلك قوله { ذلك ذكرى للذاكرين } .

(5/359)


فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116)

أخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب قال أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم { فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض } .
وأخرج ابن أبي مالك في قوله { فلولا } قال : فهلا .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال : أي لم يكن من قبلكم من ينهى عن الفساد في الأرض إلا قليلاً .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج { إلا قليلاً ممن أنجينا منهم } يستقلهم الله من كل قوم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد { واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه } قال : في ملكهم وَتَجَبُّرَهُمْ وتركهم الحق .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق ابن جريج قال : قال ابن عباس { أترفوا فيه } نظروا فيه .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة { واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه } من دنياهم ، وأن هذه الدنيا قد تعقدت أكثر الناس ، وألهتهم عن آخرتهم .

(5/360)


وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)

أخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن جرير قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن تفسيرها هذه الآية { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « وأهلها ينصف بعضهم بعضاً » وأخرجه ابن أبي حاتم والخرائطي في مساوىء الأخلاق عن جرير موقوفاً .

(5/361)


وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)

أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة } قال : أهل دين واحد ، أهل ضلالة أو أهل هدى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { ولا يزالون مختلفين } قال : أهل الحق وأهل الباطل { إلا من رحم ربك } قال : أهل الحق { ولذلك خلقهم } قال : للرحمة .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس { ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك } قال : إلا أهل رحمته فإنهم لا يختلفون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال { لا يزالون مختلفين } في الهوى .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء بن أبي رباح { ولا يزالون مختلفين } أي اليهود ، والنصارى ، والمجوس ، والحنيفية ، وهم الذين رحم ربك الحنيفية .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في الآية قال : الناس مختلفون على أديان شتى إلا من رحم ربك غير مختلف { ولذلك خلقهم } قال : للاختلاف .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد { ولا يزالون مختلفين } قال : أهل الباطل { إلا من رحم ربك } قال : أهل الحق { ولذلك خلقهم } قال : للرحمة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة { ولا يزالون مختلفين } قال : اختلاف الملل { إلا من رحم ربك } قال : أهل القبلة { ولذلك خلقهم } قال : للرحمة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال : أهل رحمة الله أهل الجماعة وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم ، وأهل معصيته أهل فرقة وإن اجتمعت أبدانهم { ولذلك خلقهم } للرحمة والعبادة ولم يخلقهم للاختلاف .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ولذلك خلقهم } قال : خلقهم فريقين : فريقاً يرحم فلا يختلف ، وفريقاً لا يرحم يختلف . وكذلك قوله { فمنهم شقي وسعيد } [ هود : 105 ] .
وأخرج ابن المنذر عن قريش قال : كنت عند عمرو بن عبيد ، فجاء رجلان فجلسا فقالا : يا أبا عثمان ما كان الحسن يقول في هذه الآية { ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } ؟ قال : كان يقول { فريق في الجنة وفريق في السعير } [ الشورى : 7 ] .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله { ولذلك خلقهم } قال : خلق هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار ، وخلق هؤلاء لرحمته وهؤلاء لعذابه .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن أبي نجيح . أن رجلين تخاصما إلى طاوس فاختلفا عليه فقال : اختلفتما علي فقال أحدهما لذلك خلقنا . قال : كذبت . قال : أليس الله يقول { ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } ؟ قال : إنما خلقهم للرحمة والجماعة .

(5/362)


وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله { وكلاًّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } لتعلم يا محمد ما لقيت الرسل من قبلك من أممهم .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس { وجاءك في هذه الحق } قال : في هذه السورة .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري { وجاءك في هذه الحق } قال : في هذه السورة .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير . مثله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة { وجاءك في هذه الحق } قال : في هذه الدنيا .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد قال : كان قتادة يقول في هذه السورة ، وقال الحسن : في الدنيا .
وأخرج أبو الشيخ من طريق أبي رجاء عن الحسن { وجاءك في هذه الحق } قال : في هذه السورة .

(5/363)


وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (122) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { اعملوا على مكانتكم } أي منازلكم .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله { وانتظروا إنا منتظرون } قال : يقول : انتظروا مواعيد الشيطان إياكم على ما يزين لكم . وفي قوله { وإليه يرجع الأمر كله } قال : فيقضي بينهم بحكمه العدل .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن الضريس في فضائل القرآن وابن جرير وأبو الشيخ عن كعب رضي الله عنه قال : فاتحة التوراة فاتحة الأنعام ، وخاتمة التوراة هود { ولله غيب السماوات والأرض } إلى قوله { بغافل عما تعملون } .

(5/364)


الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1)

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة رضي الله عنه في قوله { تلك آيات الكتاب المبين } قال : أي والله يبين بركته وهداه ورشده . وفي لفظ ، يبين الله رشده وهداه .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { تلك آيات الكتاب المبين } قال : يبين حلاله وحرامه .
وأخرج ابن جرير عن خالد بن معدان عن معاذ رضي الله عنه أنه قال في قول الله { تلك آيات الكتاب المبين } قال : يبين الله الحروف التي سقطت عن ألسن الأعاجم ، وهي ستة أحرف .

(5/365)


إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)

أخرج الطبراني وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أحب العرب لثلاث : لأني عربي ، والقرآن عربي ، وكلام أهل الجنة عربي » .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أنا عربي ، والقرآن عربي ، وكلام أهل الجنة عربي » .
وأخرج الحاكم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تلا { قرآناً عربياً } ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألهم إسماعيل هذا اللسان العربي إلهاماً » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال : نزل القرآن بلسان قريش ، وهو كلامهم .

(5/366)


نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)

أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قالوا يا رسول الله ، لو قصصت علينا ، فنزلت { نحن نقص عليك أحسن القصص } .
وأخرج إسحق بن راهويه والبزار وأبو يعلى وابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وصححه ، وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم القرآن ، فتلا عليهم زماناً فقالوا : يا رسول الله ، لو قصصت علينا ، فأنزل الله { الر تلك آيات الكتاب المبين } هذه السورة ، ثم تلا عليهم زماناً ، فأنزل الله { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله } [ الحديد : 16 ] .
وأخرج ابن مردويه من طريق عون بن عبد الله ، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قالوا يا رسول الله ، لو قصصت علينا ، فنزلت { نحن نقص عليك أحسن القصص } .
وأخرج ابن جرير ، عن عون بن عبد الله رضي الله عنه قال : مل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملة ، فقالوا : يا رسول الله ، حدثنا ، فأنزل الله تعالى { الله نزل أحسن الحديث } [ الزمر : 23 ] ثم ملوا ملة أخرى فقالوا : يا رسول الله ، حدثنا فوق الحديث ودون القرآن - يعنون القصص - فأنزل الله { الر تلك آيات الكتاب المبين } هذه السورة ، فأرادوا الحديث ، فدلهم على أحسن الحديث . وأرادوا القصص فدلهم على أحسن القصص .
وأخرج أبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم ونصر المقدسي في الحجة والضياء في المختارة ، عن خالد بن عرفطة قال : كنت جالساً عند عمر إذ أتاه رجل من عبد القيس فقال له عمر : أنت فلان العبدي؟ قال نعم . فضربه بقناة معه ، فقال الرجل : ما لي يا أمير المؤمنين؟! قال اجلس ، فجلس؛ فقرأ عليه بسم الله الرحمن الرحيم { الر تلك آيات الكتاب المبين } إلى قوله { لمن الغافلين } فقرأها عليه ثلاثاً وضربه ثلاثاً ، فقال له الرجل : ما لي يا أمير المؤمنين؟! فقال : أنت الذي نسخت كتاب دانيال . قال : مرني بأمرك أتبعه ، قال : انطلق فامحه بالحميم والصوف ، ثم لا تقرأه ولا تقرئه أحداً من الناس ، فلئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحداً من الناس لأنهكنك عقوبة ، ثم قال : اجلس . فجلس بين يديه . فقال : انطلقت أنا فانتسخت كتاباً من أهل الكتاب ، ثم جئت به في أديم ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : « » ما هذا في يدك يا عمر؟ « فقلت يا رسول الله ، كتاب نسخته لنزداد به علماً إلى علمنا ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه ، ثم نودي بالصلاة جامعة . فقالت الأنصار : أغضب نبيكم السلاح . فجاؤوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : » يا أيها الناس ، إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه ، واختصر لي اختصاراً ، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية ، فلا تتهوّكوا ولا يغرنكم المتهوّكون « »

(5/367)