صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور |
وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة { لهم البشرى في الحياة الدنيا } قال : هي الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح . (5/254)
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد { لهم البشرى في الحياة الدنيا } قال : هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له .
وأخرج الحكيم الترمذي وابن مردويه عن حميد بن عبدالله رضي الله عنه . « أن رجلاً سأل عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن قوله { لهم البشرى في الحياة الدنيا } فقال عبادة رضي الله عنه : سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال » هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن لنفسه أو ترى له ، وهو كلام يكلم به ربك عبده في المنام « » .
وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه . أنه كان يقول : إذا أصبح من رأى رؤيا صالحة فليحدثنا بها ، لأن يرى لي رجل مسلم أسبغ وضوءه رؤيا صالحة أحب إليَّ من كذا وكذا .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجة عن أبي رزين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة ، وهي على رجل طائر ما لم يحدث بها فإذا حدث بها وقعت » .
وأخرج مالك والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي قتادة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « الرؤيا من الله والحلم من الشيطان ، فإذا رأى أحدكم شيئاً يكرهه فلينفث عن يساره ثلاث مرات ثم ليستعذ بالله من الشيطان ، فإنها لا تضره » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « الرؤيا على ثلاثة : تخويف من الشيطان ليحزن به ابن آدم ، ومنه الأمر يحدث به نفسه في اليقظة فيراه في المنام ، ومنه جزء من ستة وأربعين جزءاً النبوّة » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن سمير بن أبي واصل رضي الله عنه قال : كان يقال : إذا أراد الله بعبده خيراً عاتبه في نومه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لهم البشرى في الحياة الدنيا } قال : هو قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم { وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً } [ الأحزاب : 47 ] .
وأخرج ابن المنذر من طريق مقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : آيتان يبشر بهما المؤمن عند موته { أَلا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } وقوله { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا } [ فصلت : 30 ] .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في ذكر الموت وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو القاسم بن منده في كتاب سؤال القبر عن الضحاك في قوله { لهم البشرى في الحياة الدنيا } قال : يعلم أين هو قبل أن يموت .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الزهري وقتادة رضي الله عنه في قوله { لهم البشرى في الحياة الدنيا } قالا : البشارة عند الموت .
وأخرج ابن جرير والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات عن نافع رضي الله عنه قال : خطب الحجاج فقال : إن ابن الزبير بدل كتاب الله . فقال ابن عمر رضي الله عنهما : لا تستطيع ذلك أنت ولا ابن الزبير { لا تبديل لكلمات الله } .
وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (66)
أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما لم ينتفعوا بما جاءهم من الله وأقاموا على كفرهم ، كبر ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء من الله فيما يعاتبه { ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعاً هو السميع العليم } يسمع ما يقولون ويعلمه ، فلو شاء بعزته لانتصر منهم . (5/255)
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { والنهار مبصراً } قال : منيراً . (5/256)
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله { إن عندكم من سلطان بهذا } يقول ما عندكم من سلطان بهذا .
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74)
أخرج ابن أبي حاتم عن الأعرج رضي الله عنه في قوله { فأجمعوا أمركم وشركاءكم } يقول : فاحكموا أمركم ، وادعوا شركاءكم . (5/257)
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه { فأجمعوا أمركم وشركاءكم } أي فلتجمعوا أمرهم معكم .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة } قال : لا يكبر عليكم أمركم ، ثم اقضوا ما أنتم قاضون .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { ثم اقضوا إليَّ } قال : انهضوا إليَّ { ولا تنظرون } يقول : ولا تؤخرون .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد { ثم اقضوا إليَّ } قال : ما في أنفسكم .
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآَيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (79) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82)
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { لتلفتنا } قال : لتلوينا . (5/258)
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه { لتلفتنا } قال : لتصدنا عن آلهتنا .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وتكون لكما الكبرياء في الأرض } قال : العظمة والملك والسلطان .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ليث بن أبي سليم رضي الله عنه قال : بلغني أن هذه الآيات شفاء من السحر بإذن الله تعالى ، يقرأ في إناء فيه ماء ثم يصب على رأس المسحور الآية التي في يونس { فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله } إلى قوله { ولو كره المجرمون } وقوله { فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون } [ الأعراف : 118 ] إلى آخر أربع آيات وقوله { إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى } [ طه : 69 ] .
وأخرج ابن المنذر عن هرون رضي الله عنه قال : في حرف أبي بن كعب « ما أتيتم به سحر » وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه « ما جئتم به سحر » .
فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فما آمن لموسى إلا ذرية } قال : الذرية القليل . (5/259)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ذرية من قومه } قال : من بني إسرائيل .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه } قال : أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان ومات آباؤهم .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت الذرية التي آمنت بموسى من أناس بني إسرائيل من قوم فرعون ، منهم امرأة فرعون ، ومؤمن آل فرعون ، وخازن فرعون ، وامرأة خازنه .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور ونعيم بن حماد في الفتن وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين } قال : لا تسلطهم علينا فيفتنونا .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه { ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين } قال : لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون ولا بعذاب من عندك ، فيقول قوم فرعون : لو كانوا على الحق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم فيفتنون بنا .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن أبي قلابة رضي الله عنه في قول موسى عليه السلام { ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين } قال : سأل ربه أن لا يظهر علينا عدوّنا فيحسبون أنهم أولى بالعدل فيفتنون بذلك .
وأخرج ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي مجلز في قوله { ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين } قال : لا تظهرهم علينا فيروا أنهم خير منا .
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآَ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87)
أخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تَبَوَّءا لقومكما بمصر بيوتاً } قال : ذلك حين منعهم فرعون الصلاة ، وأمروا أن يجعلوا مساجدهم في بيوتهم ، وأن يوجهوها نحو القبلة . (5/260)
وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { أن تبوّءا لقومكما بمصر بيوتاً } قال : مصر الاسكندرية .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { واجعلوا بيوتكم قبلة } قال : كانوا لا يصلون إلا في البِيَع ، حتى خافوا من آل فرعون فأمروا أن يصلوا في بيوتهم .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { واجعلوا بيوتكم قبلة } قال : أُمِروا أن يتخذوا في بيوتهم مساجد .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانوا يفرقون من فرعون وقومه أن يصلوا فقال { واجعلوا بيوتكم قبلة } . قال : قبل الكعبة ، وذكر أن آدم عليه السلام فمن بعده كانوا يصلون قبل الكعبة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { واجعلوا بيوتكم قبلة } قال : يقابل بعضها بعضاً .
وأخرج ابن عساكر عن أبي رافع رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فقال : إن الله أمر موسى وهرون أن يتبوءا لقومهما بيوتاً ، وأمرهما أن لا يبيت في مسجدهما جنب ، ولا يقربوا فيه النساء إلا هرون وذريته ، ولا يحل لأحد أن يقرب النساء في مسجدي هذا ، ولا يبيت فيه جنب إلا علي وذريته » .
وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ربنا اطمس على أموالهم } يقول : دمر على أموالهم وأهلكها { واشدد على قلوبهم } قال : إطبع { فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم } وهو الغرق . (5/261)
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال : سألني عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عن قوله { ربنا اطمس على أموالهم } فأخبرته أن الله طمس على أموال فرعون وآل فرعون حتى صارت حجارة . فقال عمر : كما أنت حتى آتيك . فدعا بكيس مختوم ففكه فإذا فيه الفضة مقطوعة كأنها الحجارة ، والدنانير والدراهم وأشباه ذلك من الأموال حجارة كلها .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { اطمس على أموالهم } قال : أهلكها { واشدد على قلوبهم } قال : بالضلالة { فلا يؤمنوا } بالله فيما يرون من الآيات { حتى يروا العذاب الأليم } .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ربنا اطمس على أموالهم } قال : بلغنا أن زروعهم وأموالهم تحوّلت حجارة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { ربنا اطمس على أموالهم } قال : صارت دنانيرهم ودراهمهم ونحاسهم وحديدهم حجارة منقوشة { واشدد على قلوبهم } يقول : أهلكهم كفاراً .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله { ربنا اطمس على أموالهم } قال : صارت حجارة .
وأخرج أبو الشيخ عن القرظي رضي الله عنه في قوله { ربنا اطمس على أموالهم } قال : اجعل سكرهم حجارة .
قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قد أجيبت دعوتكما . قال : فاستجاب ربه له وحال بين فرعون وبين الإِيمان . (5/262)
وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان موسى عليه السلام إذا دعا أمن هرون على دعائه يقول : آمين . قال أبو هريرة رضي الله عنه : وهو اسم من أسماء الله تعالى ، فذلك قوله { قد أجيبت دعوتكما } .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { قد أجيبت دعوتكما } قال : دعا موسى عليه السلام وأمن هرون .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه قال : كان موسى عليه السلام يدعو ويؤمن هرون عليه السلام ، فذلك قوله { قد أجيبت دعوتكما } .
وأخرج سعيد بن منصور عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال : كان موسى يدعو وهرون يؤمن ، والداعي والمؤمن شريكان .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال : دعا موسى وأمن هرون .
وأخرج ابن جرير عن أبي صالح وأبي العالية والربيع مثله .
أخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه قال : كان هرون عليه السلام يقول : آمين . فقال الله { قد أجيبت دعوتكما } فصار التأمين دعوة صار شريكه فيها .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : يزعمون أن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج . مثله .
وأخرج الحكيم الترمذي عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { قال قد أجيبت دعوتكما } قال : بعد أربعين سنة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنه { فاستقيما } فامضيا لأمري وهي الاستقامة .
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)
أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال : العدو والعلو والعتوّ في كتاب الله تجبر . (5/263)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما خرج آخر أصحاب موسى ودخل آخر أصحاب فرعون ، أوحى إلى البحر أن أطبق عليهم ، فخرجت اصبع فرعون بلا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل . قال جبريل عليه السلام : فعرفت أن الرب رحيم وخفت أن تدركه الرحمة فدمسته بجناحي ، وقلت { ءَآلآن وقد عصيت قبل } فلما خرج موسى وأصحابه قال : من تخلف في المدائن من قوم فرعون ، ما غرق فرعون ولا أصحابه ولكنهم في جزائر البحر يتصيدون ، فأوحى إلى البحر أن الفظ فرعون عرياناً ، فلفظه عرياناً أصلع أخنس قصيراً ، فهو قوله { فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية } لمن قال : إن فرعون لم يغرق ، وكانت نجاته عبرة لم تكن نجاة عافية ، ثم أوحى إلى البحر أن الفظ ما فيك ، فلفظهم على الساحل وكان البحر لا يلفظ غريقاً يبقى في بطنه حتى يأكله السمك ، فليس يقبل البحر غريقاً إلى يوم القيامة .
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لما أغرق الله عز وجل فرعون { قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل } قال لي جبريل : يا محمد لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة » .
وأخرج الطيالسي والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » قال لي جبريل : لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيِّ فرعون مخافة أن تدركه الرحمة « » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم « أن جبريل عليه السلام قال : لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه حتى لا يتابع الدعاء لما أعلم من فضل رحمة الله » .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه « عن النبي صلى الله عليه وسلم قال » قال لي جبريل : ما كان على الأرض شيء أبغض إليَّ من فرعون ، فلما آمن جعلت احشو فاه حمأة وأنا أغطه خشية أن تدركه الرحمة « » .
وأخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
« قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » قال لي جبريل : يا محمد لو رأيتني وأنا أغط فرعون بإحدى يدي وأدس من الحال في فيه مخافة أن تدركه الرحمة فيغفر له « » . (5/264)
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال لي جبريل : ما غضب ربك على أحد غضبه على فرعون إذ قال : { ما علمت لكم من إله غيري } [ القصص : 38 ] { فقال أنا ربكم الأعلى } [ النازعات : 24 ] فلما أدركه الغرق استغاث وأقبلت احشو فاه مخافة أن تدركه الرحمة » .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : كانت عمامة جبريل عليه السلام يوم غرق فرعون سوداء .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » قال لي جبريل : ما أبغضت شيئاً من خلق الله ما أبغضت إبليس يوم أمِرَ بالسجود فأبى أن يسجد ، وما أبغضت شيئاً أشد بغضاً من فرعون ، فلما كان يوم الغرق خفت أن يعتصم بكلمة الاخلاص فينجو ، فأخذت قبضة من حمأة فضربت بها في فيه فوجدت الله عليه أشد غضباً مني ، فأمر ميكائيل فأنبه وقال { ءَآلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين } « » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال : بعث الله إليه ميكائيل ليعيره فقال { ءَآلآن وقد عصيت قبل } .
وأخرج ابن المنذر والطبراني في الأوسط عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : أخبرت أن فرعون كان أثرم .
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)
أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فاليوم ننجيك ببدنك } قال : أنجى الله فرعون لبني إسرائيل من البحر فنظروا إليه بعدما غرق . (5/265)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فاليوم ننجيك ببدنك } قال : بجسدك ، كذب بعض بني إسرائيل بموت فرعون فألقي على ساحل البحر حتى يراه بنو إسرائيل أحمر قصيراً كأنه ثور .
وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب رضي الله عنه { فاليوم ننجيك ببدنك } قال : جسده ألقاه البحر على الساحل .
وأخرج ابن الأنباري عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله { فاليوم ننجيك ببدنك } قال : بدرعك ، وكانت درعه من لؤلؤ يلاقي فيه الحروب .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي صخر رضي الله عنه في قوله { فاليوم ننجيك ببدنك } قال : البدن الدرع الحديد .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي جهيم موسى بن سالم رضي الله عنه في قوله { فاليوم ننجيك ببدنك } قال : كان لفرعون شيء يلبسه يقال له البدن يتلألأ .
وأخرج ابن الأنباري وأبو الشيخ عن يونس بن حبيب النحوي رضي الله عنه في قوله { فاليوم ننجيك ببدنك } قال : نجعلك على نجوة من الأرض كي ينظروا فيعرفوا أنك قدمت .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فاليوم ننجيك ببدنك . . . } الآية . قال : لما أغرق الله فرعون لم تصدق طائفة من الناس بذلك ، فأخرجه الله ليكون عظة وآية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { لتكون لمن خلفك آية } قال : لبني إسرائيل .
وأخرج ابن الأنباري عن ابن مسعود أنه قرأ « فاليوم ننجيك بندائك » .
وأخرج ابن الأنباري عن محمد بن السميقع اليماني ويزيد البربري أنهما قرآ « فاليوم ننحيك ببدنك » بحاء غير معجمة .
وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93)
أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن قتادة رضي الله عنه في وقه { ولقد بوّأنا بني إسرائيل مبوّأ صدق } قال : بوّأهم الله الشام وبيت المقدس . (5/266)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في وقوله { مبوّأ صدق } قال : منازل صدق ، مصر والشام .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { فما اختلفوا حتى جاءهم العلم } قال : العلم كتاب الله الذي أنزله ، وأمره الذي أمرهم به .
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (95)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك } قال : لم يشك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسأل . (5/267)
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك } قال : « ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا أشك ولا أسأل » .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك } قال : التوراة والإِنجيل الذين أدركوا محمداً صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب فآمنوا به يقول : سلهم إن كنت في شك بأنك مكتوب عندهم .
وأخرج أبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سماك الحنفي قال : قلت لابن عباس رضي الله عنهما إني أجد في نفسي ما لا أستطيع أن أتكلم به . فقال : شك؟ قلت : نعم . قال : ما نجا من هذا أحد حتى نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك . . . } الآية . فإذا أحسست أو وجدت من ذلك شيئاً فقل { هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم } [ الحديد : 3 ] .
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن الحسن رضي الله عنه قال : خمسة أحرف في القرآن { وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال } [ إبراهيم : 26 ] معناه وما كان مكرهم لتزول منه الجبال { لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين } [ الأنبياء : 17 ] معناه ما كنا فاعلين { قل إن كان للرحمن ولد } [ الزخرف : 81 ] معناه ما كان للرحمن ولد { ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه } [ الأحقاف : 26 ] معناه في الذين ما مكناكم فيه { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك } معناه فما كنت في شك .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في قوله { فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك } قال : سؤالك إياهم نظرك في كتابي كقولك : سل عن آل المهلب دورهم .
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97)
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون } قال : حق عليهم سخط الله بما عصوه . (5/268)
فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99)
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال : بلغني أن في حرف ابن مسعود رضي الله عنه « فهلا كانت قرية آمنت » . (5/269)
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله { فلولا كانت قرية آمنت } يقول : فما كانت قرية آمنت .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه قال : كل ما في القرآن فلولا فهو فهلا إلا في حرفين في يونس { فلولا كانت قرية آمنت } والآخر { فلولا كان من القرون من قبلكم } [ هود : 116 ] .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فلولا كانت قرية آمنت } قال : فلم تكن قرية آمنت .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه { فلولا كانت قرية آمنت . . . } الآية . يقول : لم يكن هذا في الأمم قبل قوم يونس لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين عاينت العذاب إلا قوم يونس عليه السلام فاستثنى الله قوم يونس ، وذكر لنا أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل ، فلما فقدوا نبيهم عليه السلام قذف الله تعالى في قلوبهم التوبة فلبسوا المسوح ، وأخرجوا المواشي ، وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ، فعجوا إلى الله أربعين صباحاً ، فلما عرف الله الصدق من قلوبهم والتوبة والندامة على ما مضى منهم ، كشف عنهم العذاب بعد ما تدلى عليهم لم يكن بينهم وبين العذاب إلا ميل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فلولا كانت قرية آمنت . . . } الآية . قال : لم تكن قرية آمنت فنفعها الإِيمان إذا نزل بها بأس الله . إلا قرية : يونس .
وأخرج ابن مردويه « عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال » في قوله { إلا قوم يونس لما آمنوا } قال : لما دعوا « » .
وأخرج ابن أبي حاتم واللالكائي في السنة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : إن الحذر لا يرد القدر وإن الدعاء يرد القدر ، وذلك في كتاب الله : { إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي } .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن الدعاء ليرد القضاء وقد نزل من السماء ، اقرأوا إن شئتم { إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم } فدعوا صرف عنهم العذاب .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن يونس دعا قومه فلما أبوا أن يجيبوه وعدهم العذاب فقال : إنه يأتيكم يوم كذا وكذا . ثم خرج عنهم - وكانت الأنبياء عليهم السلام إذا وعدت قومها العذاب خرجت - فلما أظلهم العذاب خرجوا ففرقوا بين المرأة وولدها ، وبين السخلة وأولادها ، وخرجوا يعجبون إلى الله علم الله منهم الصدق فتاب عليهم وصرف عنهم العذاب ، وقعد يونس في الطريق يسأل عن الخبر ، فمر به رجل فقال : ما فعل قوم يونس؟ فحدثه بما صنعوا فقال : لا أرجع إلى قوم قد كذبتهم . وانطلق مغاضباً يعني مراغماً » .
وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن العذاب كان هبط على قوم يونس حتى لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل ، فلما دعوا كشف الله عنهم . (5/270)
وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال : غشي قوم يونس العذاب كما يغشى القبر بالثوب إذا أدخل فيه صاحبه ، وأمطرت السماء دماً .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وابن جرير عن قتادة في قوله { إلا قوم يونس لما آمنوا } قال : بلغنا أنهم خرجوا فنزلوا على تل وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ، فدعوا الله أربعين ليلة حتى تاب عليهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه قال : تيب على قوم يونس عليه السلام يوم عاشوراء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال : بعث يونس عليه السلام إلى قرية يقال لها على شاطىء دجلة .
وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي الخلد رضي الله عنه قال : لما غشي قوم يونس عليه السلام العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا له : ما ترى؟ قال : قولوا يا حي حين لا حي ، ويا حي محيي الموت ، ويا حي لا إله إلا أنت . فقالوا فكشف عنهم العذاب .
وأخرج ابن النجار عن عائشة رضي الله عنهما قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا ينجي حذر من قدر ، وأن الدعاء يدفع من البلاء ، وقد قال الله في كتابه { إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين } » .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما دعا يونس على قومه أوحى الله إليه أن العذاب مصبحهم . فقالوا : ما كذب يونس وليصحبنا العذاب ، فتعالوا حتى نخرج سخال كل شيء فنجعلها مع أولادنا فلعل الله أن يرحمهم . فأخرجوا النساء معهن الولدان ، وأخرجوا الإِبل معها فصلانها ، وأخرجوا البقر معها عجاجيلها ، وأخرجوا الغنم معها سخالها فجعلوه إمامهم ، وأقبل العذاب فلما أن رأوه جأروا إلى الله ودعوا ، وبكى النساء والولدان ، ورغت الإِبل وفصلانها ، وخارت البقر وعجاجيلها ، وثغت الغنم وسخالها ، فرحمهم الله فصرف عنهم العذاب إلى جبال آمد ، فهم يعذبون حتى الساعة .
وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100) قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ويجعل الرجس } قال : السخط . (5/271)
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله { ويجعل الرجس } قال : الرجس الشيطان ، والرجس العذاب .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه { وما تغني الآيات والنذر عن قوم } يقول : عند قوم لا يؤمنون نسخت قوله { حكمة بالغة فما تغني النذر } [ القمر : 5 ] .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم } قال : وقائع الله في الذين خلوا من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع في قوله { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين } قال : خوّفهم الله عذابه ونقمته وعقوبته ، ثم أخبرهم أنه إذا وقع من ذلك أمر نجى الله رسله والذين آمنوا فقال { ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا } .
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)
أخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله { وإن يردك بخير } يقول : بعافية . (5/272)
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال : ثلاث آيات وجدتها في كتاب الله تعالى اكتفيت بها عن جميع الخلائق ، قوله { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا رادّ لفضله } .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عامر بن قيس رضي الله عنه قال : ثلاث آيات في كتاب الله اكتفيت بهن عن جميع الخلائق : أولهن { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله } والثانية { ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له } [ فاطر : 2 ] والثالثة { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } [ هود : 6 ] .
وأخرج أبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اطلبوا الخير دهركم وتعرضوا لنفحات رحمة الله تعالى فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده ، وسلوه أن يستر عوراتكم ، ويؤمن من روعاتكم » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء رضي الله عنه موقوفاً . مثله سواء .
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109)
أخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { قد جاءكم الحق من ربكم } و { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله } [ يونس : 107 ] هو الحق . (5/273)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { واصبر حتى يحكم الله } قال : هذا منسوخ أمره بجهادهم والغلظة عليهم .
الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه أنه قرأ { الر كتاب أحكمت آياته } قال : هي كلها مكية محكمة يعني سورة هود { ثم فصلت } قال : ثم ذكر محمداً صلى الله عليه وسلم فحكم فيها بينه وبين من خالفه ، وقرأ مثل الفريقين الآية كلها ، ثم ذكر قوم نوح ، ثم قوم هود فكان هذا تفصيل ذلك وكان أوله محكماً . قال : وكان أبي رضي الله عنه يقول ذلك : يعني زيد بن أسلم . (5/274)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله { كتاب أحكمت آياته ثم فصلت } قال : أحكمت بالأمر والنهي ، وفصلت بالوعد والوعيد .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ثم فصلت } قال : فسرت .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { كتاب أحكمت آياته ثم فصلت } قال : أحكمها الله من الباطل ثم فصلها بعلمه فبين حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته ، وفي قوله { من لدن حكيم } يعني من عند حكيم . وفي قوله { يمتعكم متاعاً حسناً } قال : فأنتم في ذلك المتاع فخذوه بطاعة الله ومعرفة حقه فإن الله منعم يحب الشاكرين ، وأهل الشكر في مزيد من الله وذلك قضاؤه الذي قضى ، وفي قوله { إلى أجل مسمى } يعني الموت ، وفي قوله { ويؤت كل ذي فضل فضله } أي في الآخرة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ويؤت كل ذي فضل فضله } قال : ما احتسب به من ماله أو عمل بيديه أو رجليه أو كلامه ، أو ما تطوّل به من أمره كله .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله { ويؤت كل ذي فضل فضله } قال : يؤت كل ذي فضل في الإِسلام فضل الدرجات في الآخرة .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله { ويؤت كل ذي فضل فضله } قال : من عمل سيئة كتبت عليه سيئة ، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات ، فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات ، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذت من الحسنات العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات ، ثم يقول : هلك من غلب آحاده أعشاره .
أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5)
أخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عباس رضي الله عنهما . أنه قرأ { ألا إنهم يثنون صدورهم } وقال أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء ، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء ، فنزل ذلك فيهم . (5/275)
وأخرج البخاري وابن مردويه من طريق عمرو بن دينار رضي الله عنه قال : قرأ ابن عباس رضي الله عنهما « ألا إنهم تثنوا في صدورهم » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر من طريق ابن أبي مليكة رضي الله عنه قال : سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول « ألا إنهم تثنوا في صدورهم » قال : كانوا لا يأتون النساء ولا الغائط إلا وقد تغشوا بثيابهم كراهة أن يفضوا بفروجهم إلى السماء .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما { ألا إنهم يثنون صدورهم } قال : الشك في الله وعمل السيئات .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبد الله بن شداد بن الهاد رضي الله عنه في قوله { ألا إنهم يثنون صدورهم } قال : كان المنافقون إذا مر أحدهم بالنبي صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وتغشى ثوبه لكيلا يراه فنزلت .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { يثنون صدورهم } قال : تضيق شكاً وامتراء في الحق { ليستخفوا منه } قال : من الله إن استطاعوا .
وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله { ألا حين يستغشون ثيابهم } قال : في ظلمة الليل في أجواف بيوتهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي رزين رضي الله عنه في الآية قال : كان أحدهم يحني ظهره ويستغشى بثوبه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال : كانوا يحنون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب الله . قال تعالى { ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون } وذلك أخفى ما يكون ابن آدم إذا حنى ظهره واستغشى بثوبه وأضمر همه في نفسه ، فإن الله لا يخفى ذلك عليه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ألا إنهم يثنون صدورهم } يقول : يكتمون ما في قلوبهم { ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم } ما عملوا بالليل والنهار .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراساني رضي الله عنه في قوله { يثنون صدورهم } يقول : يطأطئون رؤوسهم ويحنون ظهورهم .
وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله { ألا حين يستغشون ثيابهم } قال : في ظلمة الليل وظلمة اللحاف .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { ألا إنهم يثنون صدورهم } قال : يكبون { ألا حين يستغشون ثيابهم } قال : يغطون رؤوسهم .
وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6)
أخرج أبو الشيخ عن أبي الخير البصري رضي الله عنه قال : أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام : تزعم أنك تحبني وتسيء بي الظن صباحاً ومساء ، أما كانت لك عبرة إن شققت سبع أرضين فأريتك ذرة في فيها برة لم أنسها . (5/276)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } يعني كل دابة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } يعني ما جاءها من رزق فمن الله ، وربما لم يرزقها حتى تموت جوعاً ولكن ما كان لها من رزق فمن الله .
وأخرج الحكيم الترمذي عن زيد بن أسلم رضي الله عنه « أن الأشعريين أبا موسى وأبا مالك وأبا عامر في نفر منهم ، لما هاجروا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أرملوا من الزاد ، فأرسلوا رجلاً منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله ، فلما انتهى إلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعه يقرأ هذه الآية { وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين } فقال الرجل : ما الأشعريون بأهون الدواب على الله . فرجع ولم يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لأصحابه : أبشروا أتاكم الغوث ولا يظنون إلا أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعده فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجلان يحملان قصعة بينهما مملوءة خبزاً ولحماً ، فأكلوا منها ما شاؤوا ثم قال بعضهم لبعض : لو أنا رددنا هذا الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقضي به حاجته ، فقالا للرجلين : اذهبا بهذا الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنا قضينا حاجتنا ، ثم إنهم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ما رأينا طعاماً أكثر ولا أطيب من طعام أرسلت به . قال : ما أرسلت إليكم طعاماً؟ فأخبروه أنهم أرسلوا صاحبهم . فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ما صنع وما قال لهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذلك شيء رزقكموه الله » .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ويعلم مستقرها } قال : حيث تأوي { ومستودعها } قال : حيث تموت .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي صالح رضي الله عنه في الآية قال : مستقرها بالليل ومستودعها حيث تموت .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ويعلم { مستقرها } قال : يأتيها رزقها حيث كانت .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله { ويعلم مستقرها ومستودعها } قال : مستقرها في الأرحام ، ومستودعها حيث تموت . (5/277)
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إذا كان أجل أحدكم بأرض أتيحت له إليها حاجة حتى إذا بلغ أقصى أثره منها فيقبض ، فتقول الأرض يوم القيامة : هذا ما استودعتني » .
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)
أخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : قال أهل اليمن : يا رسول الله أخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال : « كان الله قبل كل شيء وكان عرشه على الماء ، وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شيء ، وخلق السموات والأرض » فنادى مناد : ذهبت ناقتك يا ابن الحصين ، فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب ، فوالله لوددت أني كنت تركتها . (5/278)
وأخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات « عن أبي رزين رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال : كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء ، وخلق عرشه على الماء » قال الترمذي رضي الله عنه : العماء : أي ليس معه شيء .
وأخرج مسلم والترمذي والبيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ، وكان عرشه على الماء » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن حبان وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وابن مردويه عن بريدة رضي الله عنه قال : « دخل قوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : جئنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونتفقه في الدين ونسأله عن بدء هذا الأمر . فقال : » كان الله ولا شيء غيره وكان عرشه على الماء ، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق سبع سموات « ثم أتاني آت فقال : هذه ناقتك قد ذهبت . فخرجت والسراب ينقطع دونها ، فلوددت أني كنت تركتها » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما . أنه سئل عن قوله تعالى { وكان عرشه على الماء } على أي شيء كان؟ قال : على متن الريح .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وكان عرشه على الماء } قال : قبل أن يخلق شيئاً .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال : كان عرشه على الماء ، فلما خلق السموات والأرض قسم ذلك الماء قسمين فجعل صفاء تحت العرش وهو البحر المسجور ، فلا تقطر منه قطرة حتى ينفخ في الصور فينزل منه مثل الطل فتنبت منه الأجسام ، وجعل النصف الآخر تحت الأرض السفلى .
وأخرج داود بن المحبر في كتاب العقل وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم في كتاب التاريخ وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : « تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { ليبلوكم أيكم أحسن عملاً } فقلت : ما معنى ذلك يا رسول الله؟ قال : ليبلوكم أيكم أحسن عقلاً ، ثم قال : وأحسنكم عقلاً ، أورعكم عن محارم الله ، وأعلمكم بطاعة الله » . (5/279)
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله { ليبلوكم } قال : يعني الثقلين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ليبلوكم } قال : ليختبركم { أيكم أحسن عملاً } قال : أيكم أتم عقلاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان رضي الله عنه { ليبلوكم أيكم أحسن عملاً } قال : أزهد في الدنيا .
أما قوله تعالى : { ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا } الآية .
وأخرج أبو الشيخ عن زائدة رضي الله عنه قال : قرأ سليمان بن موسى في هود عند سبع آيات { ساحر مبين } .
وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (8) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11) فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال : لما نزل { اقترب للناس حسابهم } [ الأنبياء : 1 ] قال ناس : إن الساعة قد اقتربت فتناهوا ، فتناهى القوم قليلاً ثم عادوا إلى أعمالهم أعمال السوء ، فأنزل الله { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } [ النحل : 1 ] فقال أناس : أهل الضلالة هذا أمر الله قد أتى ، فتناهى القوم ثم عادوا إلى مكرهم مكر السوء ، فأنزل الله هذه الآية { ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة } . (5/280)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر إلى أمة معدودة قال : إلى أجل معدود .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه { ليقولن ما يحبسه } قال : للتكذيب به وأنه ليس بشيء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } يقول : وقع العذاب الذي استهزأوا به .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { ولئن أذقنا الإِنسان منا رحمة . . . } الآية . قال : يا ابن آدم إذا كانت بك نعمة من الله من السعة والأمن والعافية فكفور لما بك منها ، وإذا نزعت منك يبتغي لك فراغك فيؤوس من روح الله قنوط من رحمته ، كذلك أمر المنافق والكافر . وفي قوله { ولئن أذقناه نعماء } إلى قوله { ذهب السيئات عني } قال : غره بالله وجرأه عليه أنه لفرح والله لا يحب الفرحين ، فخور لما أعطى لا يشكر الله ، ثم استثنى فقال { إلا الذين صبروا } يقول : عند البلاء { وعملوا الصالحات } عند النعمة { أولئك لهم مغفرة } لذنوبهم { وأجر كبير } قال : الجنة { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } إن تفعل فيه ما أمرت وتدعو إليه كما أرسلت { أن يقولوا : لولا أنزل عليه كنز } لا ترى معه مالاً { أو جاء معه ملك } ينذر معه { إنما أنت نذير } فبلغ ما أمرت به فإنما أنت رسول { أم يقولون افتراه } قد قالوه { فأتوا بعشر سور مثله } مثل القرآن { وادعوا شهداءكم } يشهدوا إنها مثله .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فهل أنتم مسلمون } قال لأصحاب محمد .
مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه في قوله { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها } قال : نزلت في اليهود والنصارى . (5/281)
وأخرج ابن جرير ابن أبي حاتم عن عبد الله بن معبد رضي الله عنه قال : قام رجل إلى علي رضي الله عنه فقال : أخبرنا عن هذه الآية { من كان يريد الحياة الدنيا } إلى قوله { وباطل ما كانوا يعملون } قال : ويحك . . . ! ذاك من كان يريد الدنيا لا يريد الآخرة .
وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس رضي الله عنهما { من كان يريد الحياة الدنيا } أي ثوابها { وزينتها } مالها { نوف إليهم } نوفر لهم ثواب أعمالهم بالصحة والسرور في الأهل والمال والولد { وهم فيها لا يبخسون } لا ينقضون ثم نسخها { من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء } [ الإِسراء : 18 ] الآية .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه . مثله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال : من عمل صالحاً التماس الدنيا صوماً أو صلاة أو تهجداً بالليل لا يعمله إلا لالتماس الدنيا ، يقول الله : أو فيه الذي التمس في الدنيا من المثابة وحبط عمله الذي كان يعمل ، وهو في الآخرة من الخاسرين .
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { من كان يريد الحياة الدنيا } قال : هو الرجل يعمل العمل للدنيا لا يريد به الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في الآية قال : نزلت في أهل الشرك .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال : هم أهل الرياء .
وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أول من يدعى يوم القيامة رجل جمع القرآن يقول الله تعالى له : ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ فيقول : بلى يا رب . فيقول : فماذا عملت فيما علمتك؟ فيقول : يا رب كنت أقوم به الليل والنهار . فيقول الله له : كذبت . وتقول الملائكة : كذبت ، بل أردت أن يقال فلان قارىء فقد قيل ، اذهب فليس لك اليوم عندنا شيء ، ثم يدعى صاحب المال فيقول الله : عبدي ألم أنعم عليك ، ألم أوسع عليك ، فيقول : بلى يا رب . فيقول : فماذا عملت فيما آتيتك؟ فيقول : يا رب كنت أصل الأرحام ، وأتصدق وأفعل . فيقول الله له : كذبت ، بل أردت أن يقال فلان جواد فقد قيل ذلك ، اذهب فليس لك اليوم عندنا شيء . ويدعى المقتول فيقول الله له : عبدي فيم قتلت؟ فيقول : يا رب فيك وفي سبيلك . فيقول الله له : كذبت وتقول الملائكة : كذبت ، بل أردت أن يقال فلان جريء فقد قيل ذلك ، اذهب فليس لك اليوم عندنا شيء . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أولئك الثلاثة شر خلق الله يسعر بهم النار يوم القيامة . فحدث معاوية بهذا إلى قوله { وباطل ما كانوا يعملون } » .
وأخرج البيهقي في الشعب عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا كان يوم القيامة صارت أمتي ثلاثة فرق . فرقة يعبدون الله خالصاً : وفرقة يعبدون الله رياء ، وفرقة يعبدون الله يصيبون به دنيا ، فيقول للذي كان يعبد الله للدنيا : بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي؟ فيقول : الدنيا . فيقول : لا جرم لا ينفعك ما جمعت ولا ترجع إليه انطلقوا به إلى النار ، ويقول للذي يعبد الله رياء : بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي؟ قال : الرياء . فيقول : إنما كانت عبادتك التي كنت ترائي بها لا يصعد إليّ منها شيء ولا ينفعك اليوم ، انطلقوا به إلى النار ، ويقول للذي يعبد الله خالصاً : بعزتي وجلالي ما أردت بعبادتي؟ فيقول : بعزتك وجلالك لأنت أعلم به مني كنت أعبدك لوجهك ولدارك . قال : صدق عبدي انطلقوا به إلى الجنة » . (5/282)
وأخرج البيهقي في الشعب عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يؤتى يوم القيامة بناس بين الناس إلى الجنة ، حتى إذا دنوا منها استنشقوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها فيقولون : يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من الثواب وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون . قال : ذاك أردت بكم كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظيم ، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين ولم تجلوني ، وتركتم للناس ولم تتركوا إلي ، فاليوم أذيقكم العذاب الأليم مع ما حرمتم من الثواب » .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون } قال : يؤتون ثواب ما عملوا في الدنيا وليس لهم في الآخرة من شيء وقال : هي مثل الآية التي في الروم { وما آتيتم من رباً ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله } [ الروم : 39 ] .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها . . . } الآية . يقول : من كانت الدنيا همه وسدمه وطلبته ونيته وحاجته جازاه الله بحسناته في الدنيا ثم يفضي إلى الآخرة ليس له فيها حسنة ، وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة { وهم فيها لا يبخسون } أي لا يظلمون .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه { من كان يريد الحياة الدنيا } قال : من عمل للدنيا لا يريد به الله وفاه الله ذلك العمل في الدنيا أجر ما عمل ، فذلك قوله { نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون } أي لا ينقصون ، أي يعطوا منها أجر ما عملوا .
وأخرج أبو الشيخ عن ميمون بن مهران رضي الله عنه قال : من كان يريد أن يعلم ما منزلته عند الله فلينظر في عمله فإنه قادم على عمله كائناً ما كان ، ولا عمل مؤمن ولا كافر من عمل صالح إلا جاء الله به ، فأما المؤمن فيجزيه به في الدنيا والآخرة بما شاء ، وأما الكافر فيجزيه في الدنيا ثم تلا هذه الآية { من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها } . (5/283)
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في قوله { نوف إليهم أعمالهم } قال : طيباتهم .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج { نوف إليهم أعمالهم فيها } قال : نعجل لهم فيها كل طيبة لهم فيها وهم لا يظلمون بما لم يعجلوا من طيباتهم ، لم يظلمهم لأنهم لم يعملوا إلا للدنيا .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { نوف إليهم أعمالهم فيها } قال : تعجل لمن لا يقبل منه .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله { وحبط ما صنعوا فيها } قال : حبط ما عملوا من خير { وباطل } في الآخرة ليس لهم فيها جزاء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله { وحبط } يعني بطل .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن أبي بن كعب أنه قرأ « وباطلاً ما كانوا يعملون » .
أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17)
أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ما من رجل من قريش إلا نزل فيه طائفة من القرآن . فقال له رجل : ما نزل فيك؟ قال : أما تقرأ سورة هود { أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه } رسول الله صلى الله عليه وسلم على بينة من ربه وأنا شاهد منه . (5/284)
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن علي رضي الله عنه في الآية قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم على بينة من ربه ، وأنا شاهد منه .
وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أفمن كان على بينة من ربه أنا ، ويتلوه شاهد منه قال : علي » .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله { أفمن كان على بينة من ربه } قال : « ذاك محمد صلى الله عليه وسلم » .
وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم رضي الله عنه { أفمن كان على بينة من ربه } قال : محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ عن محمد بن علي بن أبي طالب قال : قلت لأبي : إن الناس يزعمون في قول الله { ويتلوه شاهد منه } أنك أنت التالي . قال : وددت أني أنا هو ولكنه لسان محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن علي بن الحنفية { أفمن كان على بينة من ربه } قال : محمد صلى الله عليه وسلم { ويتلوه شاهد منه } قال : لسانه .
وأخرج أبو الشيخ من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد رضي الله عنه { أفمن كان على بينة من ربه } قال : هو محمد صلى الله عليه وسلم { ويتلوه شاهد منه } قال : أما الحسن رضي الله عنه فكان يقول : اللسان . وذكر عكرمة رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه جبريل عليه السلام . ووافقه سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : هو جبريل .
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه { ويتلوه شاهد منه } قال : هو اللسان . ويقال : أيضاً جبريل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما { أفمن كان على بينة من ربه } قال : محمد { ويتلوه شاهد منه } قال : جبريل ، فهو شاهد من الله بالذي يتلو من كتاب الله الذي أنزل على محمد { ومن قبله كتاب موسى } قال : ومن قبله تلا التوراة على لسان موسى كما تلا القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد { أفمن كان على بينة من ربه } قال : هو محمد صلى الله عليه وسلم { ويتلوه شاهد منه } قال : ملك يحفظه . (5/285)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن الحسين بن علي في قوله { ويتلوه شاهد منه } قال : محمد هو الشاهد من الله .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن في قوله { أفمن كان على بينة من ربه } قال : المؤمن على بينة من ربه .
وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم { ومن قبله كتاب موسى } قال : ومن جاء بالكتاب إلى موسى .
وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه { ومن يكفر به من الأحزاب } قال : الكفار أحزاب كلهم على الكفر .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه { ومن يكفر به من الأحزاب } قال : من اليهود والنصارى .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والطبراني وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني فلم يؤمن بي إلا كان من أهل النار . قال سعيد : فقلت ما قال النبي صلى الله عليه وسلم إلا هو في كتاب الله ، فوجدت { ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده } » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من أحد يسمع بي من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ولا يؤمن بي إلا دخل النار . فجعلت أقول : أين تصديقها في كتاب الله؟ وقلما سمعت حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وجدت تصديقه في القرآن حتى وجدت هذه الآية { ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده } قال : الأحزاب الملل كلها » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : ما بلغني حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه إلا وجدت مصداقه في كتاب الله .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهودي ولا نصراني ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار » .
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18)
أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أبي جريج في قوله { ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً } قال : الكافر والمنافق { أولئك يعرضون على ربهم } فيسألهم عن أعمالهم { ويقول الأشهاد } الذين كانوا يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم } حفظوه شهدوا به عليهم يوم القيامة . (5/286)
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه { يقول الأشهاد } قال : الملائكة .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال { الأشهاد } الملائكة يشهدون على بني آدم بأعمالهم .
وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر رضي الله عنهما « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله يدني المؤمن حتى يضع عليه كنفه ويستره من الناس ويقرره بذنوبه ، ويقول له : اتعرف ذنب كذا ، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول : أي رب أعرف . حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم . ثم يعطى كتاب حسناته ، وأما الكفار والمنافقون { ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين } » .
وأخرج الطبراني وأبو الشيخ من وجه آخر عن ابن عمر رضي الله عنهما « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يأتي الله بالمؤمن يوم القيامة فيقربه منه حتى يجعله في حجابه من جميع الخلق ، فيقول له : اقرأه . فيعرفه ذنباً ذنباً فيقول : أتعرف أتعرف؟ فيقول : نعم ، نعم . فيلتفت العبد يمنة ويسرة فيقول له الرب : لا بأس عليك يا عبدي أنت كنت في ستري من جميع خلقي وليس بيني وبينك اليوم من يطلع على ذنوبك ، اذهب فقد غفرتها لك بحرف واحد من جميع ما أتيتني به . فيقول : يا رب ما هو؟ قال : كنت لا ترجو العفو من أحد غيري فهانت علي ذنوبك ، وأما الكافر فيقرأ ذنوبه على رؤوس الأشهاد { هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين } » .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن قتادة رضي الله عنه قال : كنا نحدث أنه لا يخزى يومئذ أحد ، فيخفي خزيه على أحد من الخلائق .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم رضي الله عنه قال : هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن فقال : « إن الله كره الظلم ونهى عنه ، وقال { ألا لعنة الله على الظالمين } » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران رضي الله عنه قال : إن الرجل ليصلي ويلعن نفسه في قراءته ، فيقول { ألا لعنة الله على الظالمين } وأنه لظالم .
الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19)
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله { الذين يصدون عن سبيل الله } هو محمد صلى الله عليه وسلم ، صدت قريش عنه الناس . (5/287)
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله { ويبغونها عوجاً } يعني يرجون بمكة غير الإِسلام ديناً .
أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20)
أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أخبر الله سبحانه أنه حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة ، أما في الدنيا فإنه قال : ما كانوا يستطيعون السمع وفي طاعته وما كانوا يبصرون ، وأما في الآخرة فإنه قال : لا يستطيعون خاشعة . (5/288)
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ما كانوا يستطيعون السمع . وما كانوا يبصرون } قال : ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا خيراً فينتفعوا به ولا يبصروا خيراً فيأخذوا به .
أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22)
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه { أولئك الذين خسروا أنفسهم } قال : غبنوا أنفسهم . (5/289)
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وأخبتوا } قال : خافوا . (5/290)
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الإِخبات الإِنابة .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال : الإِخبات الخشوع والتواضع .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه { وأخبتوا إلى ربهم } قال : اطمأنوا إلى ربهم .
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (24)
أخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { مثل الفريقين كالأعمى والأصم } قال : الكافر { والبصير والسميع } قال : المؤمن . (5/291)
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31) قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35)
أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا باديَ الرأي } قال : فيما ظهر لنا . (5/292)
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه . مثله .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { إن كنت على بينة من ربي } قال : قد عرفتها وعرفت بها أمره وأنه لا إله إلا هو { وآتاني رحمة من عنده } قال : الإِسلام والهدى والإِيمان والحكم والنبوة .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { أنلزمكموها } قال : أما والله لو استطاع نبي الله لألزمها قومه ولكنه لم يستطع ذلك ولم يملكه .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما . أنه كان يقرأ « أنلزمكموها من شطر أنفسنا وأنتم لها كارهون » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قرأ « أنلزمكموها من شطر قلوبنا » .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { إن أجري } قال : جزائي .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { وما أنا بطارد الذين آمنوا } قال : قالوا له : يا نوح إن أحببت أن نتبعك فاطردهم وإلا فلن نرضى أن نكون نحن وهم في الأمر سواء . وفي قوله { إنهم ملاقوا ربهم } قال : فيسألهم عن أعمالهم { ولا أقول لكم عندي خزائن الله } التي لا يفنيها شيء فأكون إنما أدعوكم لتتبعوني عليها لأعطيكم منها بملكه أي عليها { ولا أعلم الغيب } لا أقول اتبعوني على علمي بالغيب { ولا أقول إني ملك } نزلت من السماء برسالة { ما أنا إلا بشر مثلكم } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { ولا أقول للذين تزدري أعينكم } قال : حقرتموهم .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله { لن يؤتيهم الله خيراً } قال : يعني إيماناً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { قالوا يا نوح قد جادلتنا } قال : ماريتنا .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه { فائتنا بما تعدنا } قال : تكذيباً بالعذاب وأنه باطل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فعليَّ إجرامي } قال : عملي { وأنا بريء مما تجرمون } أي مما تعملون .
وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37)
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن } وذلك حين دعا عليهم نوح عليه السلام { وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً } [ نوح : 26 ] . (5/293)
وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال : إن نوحاً لم يدع على قومه حتى نزلت عليه الآية { وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن } فانقطع عند ذلك رجاؤه منهم فدعا عليهم .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب رضي الله عنه قال : لما استنقذ الله من أصلاب الرجال وأرحام النساء كل مؤمن ومؤمنة قال : يا نوح { أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن } .
وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن نوحاً عليه السلام كان يضرب ثم يلف في لبد فيلقى في بيته ، يرون أنه قد مات ثم يخرج فيدعوهم ، حتى إذا أيس من إيمان قومه جاءه رجل ومعه ابنه وهو يتوكأ على عصا فقال : يا بني أنظر هذا الشيخ لا يغرنك . قال : يا أبت أمكني من العصا ، ثم أخذ العصا ثم قال : ضعني في الأرض . فوضعه فمشى إليه فضربه فشجه موضحة في رأسه وسالت الدماء ، قال نوح عليه السلام : رب قد ترى ما يفعل بي عبادك ، فإن يكن لك في عبادك حاجة فاهدهم ، وإن يكن غير ذلك فصبرني إلى أن تحكم وأنت خير الحاكمين . فأوحى الله إليه وآيسه من إيمان قومه ، وأخبره أنه لم يبق في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمن قال { وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون } يعني لا تحزن عليهم { واصنع الفلك } [ هود : 37 ] قال : يا رب وما الفلك؟ قال : بيت من خشب يجري على وجه الماء ، فأغرق أهل معصيتي وأطهر أرضي منهم . قال : يا رب وأين الماء؟ قال : إني على ما أشاء قدير .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فلا تبتئس } قال : فلا تحزن .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { أن اصنع الفلك } قال : السفينة { بأعيننا ووحينا } قال : كما نأمرك .
وأخرج ابن أبو حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { واصنع الفلك بأعيننا } قال : بعين الله ووحيه .
وأخرج البيهقي عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه قال : ما وصف الله تبارك به نفسه في كتابه فقراءته تفسيره ، ليس لأحد أن يفسره بالعربية ولا بالفارسية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لم يعلم نوح عليه السلام كيف يصنع الفلك ، فأوحى الله إليه أن يصنعها على مثل جؤجؤ الطائر .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { ولا تخاطبني في الذين ظلموا } يقول : لا تراجعني ، تقدم إليه لا يشفع لهم عنده .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال : نهى الله نوحاً عليه السلام أن يراجعه بعد ذلك في أحد .
وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وضعفه الذهبي وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كان نوح عليه السلام مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله حتى كان آخر زمانه غرس شجرة فعظمت وذهبت كل مذهب ثم قطعها ، ثم جعل يعملها سفينة ويمرون فيسألونه فيقول : أعملها سفينة ، فيسخرون منه ويقولون : تعمل سفينة في البر وكيف تجري؟ قال : سوف تعلمون . فلما فرغ منها وفار التنور وكثر الماء في السكك خشيت أم الصبي عليه وكانت تحبه حباً شديداً ، فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه ، فلما بلغها الماء خرجت حتى استوت على الجبل ، فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بين يديها حتى ذهب بها الماء ، فلو رحم الله منهم أحداً لرحم أم الصبي » . (5/294)
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « كانت سفينة نوح عليه السلام لها أجنحة وتحت الأجنحة إيوان » .
وأخرج ابن مردويه عن سمرة بن جندب رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سام أبو العرب ، وحام أبو الحبش ، ويافث أبو الروم ، وذكر أن طول السفينة كان ثلاثمائة ذراع ، وعرضها خمسون ذراعاً ، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً ، وبابها في عرضها » .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان طول سفينة نوح ثلثمائة ذراع ، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً .
وأخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما . أن نوحاً لما أمر أن يصنع الفلك قال : يا رب وأين الخشب؟ قال : إغرس الشجر فغرس الساج عشرين سنة ، وكف عن الدعاء وكفوا عن الاستهزاء ، فلما أدرك الشجر أمره ربه فقطعها وجففها فقال : يا رب كيف اتخذ هذا البيت؟ قال : اجعله على ثلاثة صور . رأسه كرأس الديك ، وجؤجؤ كجؤجؤ الطير ، وذنبه كذنب الديك ، واجعلها مطبقة واجعل لها أبواباً في جنبها وشدها بدسر - يعني مسامير الحديد - وبعث الله جبريل عليه السلام يعلمه صنعة السفينة ، فكانوا يمرون به ويسخرون منه ويقولون : ألا ترون إلى هذا المجنون يتخذ بيتاً ليسير به على الماء؟ وأين الماء ويضحكون . وذلك قوله { وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه } فجعل السفينة ستمائة ذراع طولها ، وستين ذراعاً في الأرض ، وعرضها ثلثمائة ذراع وثلاثة وثلاثون ، وأمر أن يطليها بالقار ولم يكن في الأرض قار ففجر الله له عين القار حيث تنحت السفينة تغلي غلياناً حتى طلاها ، فلما فرغ منها جعل لها ثلاثة أبواب وأطبقها ، فحمل فيها السباع والدواب ، فألقى الله على الأسد الحمى وشغله بنفسه عن الدواب ، وجعل الوحش والطير في الباب الثاني ثم أطبق عليها ، وجعل ولد آدم أربعين رجلاً وأربعين امرأة في الباب الأعلى ثم أطبق عليهم ، وجعل الدرة معه في الباب الأعلى لضعفها أن لا تطأها الدواب .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال : ذكر لنا أن طول السفينة ثلاثمائة ذراع ، وعرضها خمسون ذراعاً ، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً وبابها في عرضها ، وذكر لنا أنها استقلت بهم في عشر خلون من رجب ، وكانت في الماء خمسين ومائة يوم ، ثم استقرت بهم على الجودي ، واهبطوا إلى الأرض في عشر ليال خلون من المحرم . (5/295)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال : كان طول سفينة نوح عليه السلام ألف ذراع ومائتي ذراع ، وعرضها ستمائة ذراع .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال الحواريون لعيسى بن مريم عليهما السلام ، لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينة فحدثنا عنها ، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب ، فأخذ كفاً من ذلك التراب قال : أتدرون ما هذا؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : هذا كعب حام بن نوح ، فضرب الكثيب بعصاه قال : قم بإذن الله . فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب قال له عيسى عليه السلام : هكذا هلكت . قال : لا مت وأنا شاب ولكني ظننت أنها الساعة قامت فمن ثم شبت قال : حدثنا عن سفينة نوح قال : كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع ، وعرضها ستمائة ذراع ، كانت ثلاث طبقات . فطبقة فيها الدواب والوحش ، وطبقة فيها الإِنس ، وطبقة فيها الطير ، فلما كثر أرواث الدواب أوحى الله إلى نوح : أن اغمز ذنب الفيل . فغمز فوقع منه خنزير وخنزيرة ، فأقبلا على الروث فلما وقع الفار يخرب السفينة بقرضه ، أوحى الله إلى نوح أن أضرب بين عيني الأسد . فخرج من منخره سنور وسنورة ، فأقبلا على الفار فقال له عيسى عليه السلام : كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال : بعث الغراب يأتيه بالخبر ، فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف ، فلذلك لا يألف البيوت . ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها ، فعلم أن البلاد قد غرقت ، فطوّقها الخضرة التي في عنقها ودعا لها أن تكون في أنس وأمان ، فمن ثم تألف البيوت فقالوا : يا روح الله ألا تنطلق بنا إلى أهالينا فيجلس معنا ويحدثنا؟ قال : كيف يتبعكم من لا رزق له؟ ثم قال : عد بإذن الله فعاد تراباً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان طول سفينة نوح عليه السلام أربعمائة ذراع ، وعرضها في السماء ثلاثون ذراعاً .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال : قال سليمان الفرائي . عمل نوح عليه السلام السفينة أربعمائة سنة ، وأنبت الساج أربعين سنة حتى كان طوله أربعمائة ذراع ، والذراع إلى المنكبين . (5/296)
وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم رضي الله عنه . أن نوحاً عليه السلام مكث يغرس الشجر ويقطعها وييبسها ، ثم مائة سنة يعملها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار رضي الله عنه . أن نوحاً عليه السلام لما أمر أن يصنع الفلك قال : رب لست بنجار؟ قال : بلى . فإن ذلك بعيني فخذ القادوم فجعلت يده لا تخطىء ، فجعلوا يمرون به ويقولون : هذا الذي يزعم أنه نبي قد صار نجاراً ، فعملها أربعين سنة .
وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن ميناء . أن كعباً رضي الله عنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص ، أخبرني عن أول شجرة نبتت على الأرض؟ قال عبد الله : الساج وهي التي عمل منها نوح السفينة فقال كعب رضي الله عنه : صدقت .
أخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { من يأتيه عذاب يخزيه } قال : هو الغرق { ويحل عليه عذاب مقيم } قال : هو الخلود في النار .
حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وفار التنور } نبع الماء . (5/297)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما { وفار التنور } قال : إذا رأيت تنور أهلك يخرج منه الماء فإنه هلاك قومك .
وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه قال : كان تنوراً من حجارة ، كان لحوّاء عليها السلام حتى صار إلى نوح عليه السلام ، فقيل له : إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان بين دعوة نوح عليه السلام وبين هلاك قومه ثلاثمائة سنة ، وكان فار التنور بالهند ، وطافت سفينة نوح عليه السلام بالبيت أسبوعاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما { وفار التنور } قال : العين التي بالجزيرة عين الوردة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : فار التنور من مسجد الكوفة من قبل أبواب كندة .
وأخرج أبو الشيخ عن حبة العربي قال : جاء رجل إلى علي رضي الله عنه فقال إني قد اشتريت راحلة وفرغت من زادي أريد بيت المقدس لأصلي فيه ، فإنه قد صلى فيه سبعون نبياً ومنه فار التنور ، يعني مسجد الكوفة .
وأخرج أبو الشيخ من طريق الشعبي رضي الله عنه عن علي رضي الله عنه قال : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة أن مسجدكم هذا لرابع أربعة من مساجد المسلمين ، ولركعتان فيه أحب إليّ من عشر فيما سواه إلا المسجد الحرام ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، وإن من جانبه الأيمن مستقبل القبلة فار التنور .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي بن إسماعيل الهمداني قال : لقد نجر نوح سفينته في وسط هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - وفار التنور من جانبه الأيمن ، وإن البرية منه لعلى إثني عشر ميلاً من حيث ما جنبه ، ولصلاة فيه أفضل من أربع في غيره إلا المسجدين مسجد الحرام ، ومسجد الرسول بالمدينة ، وإن من جانبه الأيمن مستقبل القبلة فار التنور .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : التنور وجه الأرض قيل له : إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك ، والعرب تسمي وجه الأرض تنور الأرض .
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه { وفار التنور } قال : وجه الأرض .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : التنور أعلى الأرض وأشرفها ، وكان علماً فيما بين نوح وبين ربه عز وجل .
وأخرج أبو الشيخ عن بسطام بن مسلم قال : قلت لمعاوية بن قرة أن قتادة رضي الله عنه إذا أتى على هذه الآية قال : هي أعلى الأرض وأشرفها فقال : الله أعلم ، أما أنا فسمعت منه حديثين فالله أعلم . قال بعضهم : فار منه الماء . وقال بعضهم فارت من النار ، وفار التنور بكل لغة التنور . (5/298)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه { وفار التنور } قال : طلع الفجر . قيل له : إذا طلع الفجر فاركب أنت وأصحابك .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي { وفار التنور } قال : تنور الصبح .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله { قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين } قال : في كلام العرب ، يقولون للذكر والأنثى : زوجان .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مسلم بن يسار رضي الله عنه قال : أمر نوح عليه السلام أن يحمل معه من كل زوجين اثنين ومعه ملك فجعل يقبض زوجاً زوجاً وبقي العنب ، فجاء إبليس فقال : هذا كله لي . فنظر نوح عليه السلام إلى الملك فقال : إنه لشريكك فأحسن شركته . فقال : نعم ، لي الثلثان وله الثلث . قال : إنه شريكك فاحسن شركته فقال : لي النصف وله النصف . فقال إبليس : هذا كله لي . فنظر إلى الملك فقال : إنه شريكك فاحسن شركته . قال : نعم ، لي الثلث وله الثلثان . قال : أحسنت وأني محسان ، أنت تأكله عنباً وتأكله زبيباً وتشربه عصيراً ثلاثة أيام . قال مسلم : وكان يرون أنه إذا شربه كذلك فليس للشيطان نصيب .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال : لما ركب نوح عليه السلام السفينة كتب له تسمية ما حمل معه فيها ، فقال : إنكم قد كتبتم الحبلة وليست ههنا . قالوا : صدقت أخذها الشيطان ، وسنرسل من يأتي بها . فجيء بها وجاء الشيطان معها ، فقيل لنوح : إنه شريكك فاحسن شركته . فذكر مثله وزاد بعد قوله : تشربه عصيراً وتطبخه ، فيذهب ثلثاه خبثاً وحظ الشيطان منه ، ويبقى ثلثه فتشربه .
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال : لما حمل نوح عليه السلام الأسد في السفينة قال : يا رب إنه يسألني الطعام من أين أطعمه؟ قال : إني سوف أعقله عن الطعام . فسلط الله عليه الحمى ، فكان نوح عليه السلام يأتيه بالكبش فيقول : ادر يأكل فيقول الأسد : آه .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر وابن النجار في تاريخهما عن مجاهد رضي الله عنه قال : مر نوح عليه السلام بالأسد وهو في السفينة فضربه برجله فخمشه الأسد فبات ساهراً ، فبكى نوح من ذلك فأوحي إليه إنك ظلمته وإني لا أحب الظلم .
وأخرج ابن عدي وابن عساكر من وجه آخر عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً « مر نوح بأسد رابض فضربه برجله ، فرفع الأسد رأسه فخمش ساقه ، فلم يبت ليلته مما جعلت تضرب عليه وهو يقول : يا رب كلبك عقرني . فأوحى الله إليه أن الله لا يرضى الظلم أنت بدأته . قال ابن عدي : هذا الحديث بهذا الإِسناد باطل ، وفيه جعفر بن أحمد الغافقي يضع الحديث » . (5/299)
وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : استصعبت على نوح الماعزة أن تدخل السفينة فدفعها في ذنبها فمن ثم انكسر ذنبها فصار معقوقاً وبدا حياها ، ومضت النعجة حتى دخلت فمسح على ذنبها فستر حياها .
وأخرج أبو الشيخ عن جعفر بن محمد قال : أمر نوح عليه السلام أن يحمل معه من كل زوجين اثنين ، فحمل معه من اليمن العجوة واللوز .
وأخرج أحمد في الزهد وأبو الشيخ عن وهب بن منبه قال : لما أمر نوح عليه السلام أن يحمل من كل زوجين اثنين قال : كيف أصنع بالأسد والبقرة؟ وكيف أصنع بالعناق والذئب؟ وكيف أصنع بالحمام والهر؟ قال : من ألقى بينهما العداوة؟ قال : أنت يا رب . قال : فإني أؤلف بينهم حتى لا يتضارون .
وأخرج ابن عساكر عن خالد رضي الله عنه قال : لما حمل نوح في السفينة ما حمل ، جاءت العقرب تحجل قالت : يا نبي الله أدخلني معك . قال : لا أنت تلدغين الناس وتؤذينهم قال : لا احملني معك ، فلك علي أن لا ألدغ من يصلي عليك الليلة .
وأخرج ابن عساكر عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من قال حين يمسي : صلى الله على نوح وعلى نوح السلام لم تلدغه عقرب تلك الليلة » .
وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن عذاء والضحاك . أن إبليس جاء ليركب السفينة فدفعه نوح فقال : يا نوح إني منظر ولا سبيل لك علي . فعرف أنه صادق فأمره أن يجلس على خيزران السفينة ، وكان آدم قد أوصى ولده أن يحملوا جسده ، فورثهم في ذلك نوح ، فتوارث الوصية ولده حتى حملها نوح ، فوضع جسد آدم عليه السلام بين الرجال والنساء .
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر في مكايد الشيطان عن أبي العالية قال : لما رست السفينة سفينة نوح عليه السلام إذا هو بإبليس على كوتل السفينة . . . ! فقال له نوح عليه السلام : ويلك قد غرق أهل الأرض من أجلك . ؟! قال له إبليس : فما أصنع؟ قال : تتوب . قال : فسل ربك هل لي من توبة؟ فدعا نوح ربه ، فأوحى إليه أن توبته أن يسجد لقبر آدم . قال : قد جعلت لك توبة قال : وما هي؟ قال : تسجد لقبر آدم .
قال : تركته حياً وأسجد له ميتاً؟! . (5/300)
وأخرج النسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه . أن نوحاً عليه السلام نازعه الشيطان في عود الكرم قال : هذا لي . وقال : هذا لي . فاصطلحا على أن لنوح ثلثها وللشيطان ثلثيها .
وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن علي رضي الله عنه مرفوعاً « أن نوحاً عليه السلام حمل معه في السفينة من جميع الشجر » .
وأخرج اسحق بن بشر أخبرنا رجل من أهل العلم . أن نوحاً عليه السلام حمل في السفينة من الهدهد زوجين ، وجعل أم الهدهد فضلاً على زوجين فماتت في السفينة قبل أن تظهر الأرض ، فحملها الهدهد فطاف بها الدنيا ليصيب لها مكاناً ليدفنها فيه فلم يجد طيناً ولا تراباً ، فرحمه ربه فحفر لها في قفاه قبراً فدفنها فيه ، فذلك الريش الناتىء في قفا الهدهد موضع القبر ، فذلك ثناء اقفية الهداهد « . وأخرجه ابن عساكر .
وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر من طريق جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : اعطى الله نوحاً عليه السلام في السفينة خرزتين أحدها بياضها كبياض النهار والأخرى سوادها كسواد الليل ، فإذا أمسوا غلب مواد هذه بياض هذه ، وإذا أصبحوا غلب بياض هذه سواد هذه على قدر الساعات الاثني عشر ، فأول من قدر الساعات الاثني عشر لا يزيد بعضها على بعض نوح عليه السلام في السفينة ليعرف بها مواقيت الصلاة ، فسارت السفينة من مكانه حتى أخذت إلى اليمين فبلغت الحبشة ، ثم عدلت حتى رجعت إلى جدة ، ثم أخذت على الروم ، ثم جاوزت الروم فأقبلت راجعة على حيال الأرض المقدسة ، وأوحى الله إلى نوح عليه السلام : أنها تستوي على رأس جبل فعلت الجبال لذلك ، فتطلعت لذلك وأخرجت أصولها من الأرض وجعل جودي يتواضع لله عز وجل ، فجاءت السفينة حتى جاوزت الجبال كلها ، فلما انتهت إلى الجودي استوت ورست ، فشكت الجبال إلى الله فقالت : يا رب إنا تطلعنا وأخرجنا أصولنا من الأرض لسفينة نوح ، وخنس جودي فاستوت سفينة نوح عليه . فقال الله : إني كذلك من تواضع لي رفعته ، ومن ترفع لي وضعته ، ويقال : إن الجودي من جبال الجنة . فلما أن كان يوم عاشوراء استوت السفينة عليه وقال الله : يا أرض ابلعي ماءك بلغة الحبشة ، ويا سماء أقلعي أي أمسكي بلغة الحبشة ، فابتلعت الأرض ماءها وارتفع ماء السماء حتى بلغ عنان السماء رجاء أن يعود إلى مكانه ، فأوحى الله إليه : أن ارجع فإنك رجس وغضب . فرجع الماء فملح وحم وتردد فأصاب الناس منه الأذى ، فأرسل الله الريح فجمعه في مواضع البحار فصار زعاماً مالحاً لا ينتفع به ، وتطلع نوح فنظر فإذا الشمس قد طلعت وبدا له اليد من السماء ، وكان ذلك آية ما بينه وبين ربه عز وجل أمان من الغرق ، واليد القوس الذي يسمونه قوس قزح ، ونهي أن يقال له قوس قزح لأن قزح شيطان وهو قوس الله ، وزعموا أنه كان يمتد وتروسهم قبل ذلك في السماء ، فلما جعله الله تعالى أماناً لأهل الأرض من الغرق نزع الله الوتر والسهم ، فقال نوح عليه السلام عند ذلك : رب إنك وعدتني أن تنجي معي أهلي وغرق ابني ، و
{ إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح } [ هود : 45 ] يقول : إنه ليس من أهل دينك إن عمله كان غير صالح . قال : اهبط بسلام منا . فبعث نوح عليه السلام من يأتيه بخبر الأرض ، فجاء الطير الأهلي وقال : أنا . فأخذها وختم جناحيها فقال : أنت مختومة بخاتمي لا تطير أبداً ينتفع بك ذريتي . فبعث الغراب فأصاب جيفة فوقع عليها ، فاحتبس فلعنه فمن ثَمَّ يقتل في الحرم ، وبعث الحمامة وهي القمري فذهبت فلم تجد في الأرض قراراً ، فوقعت على شجرة بأرض سبا فحملت ورقة زيتون فرجعت إلى نوح فعلم أنها لم تستمكن من الأرض ، ثم بعثها بعد أيام فخرجت حتى وقعت بوادي الحرم ، فإذا الماء قد نضب وأول ما نضب موضع الكعبة ، وكانت طينتها حمراء فخضبت رجليها ، ثم جاءت إلى نوح فقالت : البشرى استمكن الأرض فمسح يده على عنقها ، وطوّقها ، ووهب لها الحمرة في رجليها ، ودعا لها ، وأسكنها الحرم ، وبارك عليها فمن ثم شفق بها الناس ، ثم خرج فنزل بأرض الموصل وهي قرية الثمانين لأنه نزل في ثمانين ، فوقع فيهم الوباء فماتوا إلا نوح وسام وحام ويافث ونساؤهم وطبقت الأرض منهم ، وذلك قوله { وجعلنا ذريته هم الباقين } . (5/301)
وأخرج ابن عساكر عن خالد الزيات قال : بلغنا أن نوحاً عليه السلام ركب السفينة أول يوم من رجب وقال لمن معه من الجن والإِنس : صوموا هذا اليوم فإنه من صامه منكم بعدت عنه النار مسيرة سنة ، ومن صام منكم سبعة أيام أغلقت عنه أبواب جهنم السبعة ، ومن صام منكم ثمانية أيام فتحت له أبواب الجنة الثمانية ، ومن صام منكم عشرة أيام قال الله له : سل تعطه ، ومن صام منكم خمسة عشر يوماً قال الله له : استأنف العمل فقد غفرت لك ما مضى ، ومن زاد زاده الله . فصام نوح عليه السلام في السفينة رجب ، وشعبان ، ورمضان ، وشوّالاً ، وذا القعدة ، وذا الحجة ، وعشراً من المحرم ، فأرست السفينة يوم عاشوراء فقال نوح عليه السلام لمن معه من الجن والإِنس : صوموا هذا اليوم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال : ركب نوح عليه السلام في السفينة في عشرة خلون من رجب ، نزل عنها في عشر خلون من المحرم ، فصام هو وأهله من الليل إلى الليل .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال : لما حمل نوح عليه السلام في السفينة من كل شيء ، حمل الأسد وكان يؤذي أهل السفينة فألقيت عليه الحمى . (5/302)
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي عبيدة رضي الله عنه قال : لما أمر نوح عليه السلام أن يحمل في السفينة من كل زوجين اثنين لم يستطع أن يحمل الأسد حتى ألقيت عليه الحمى فحمله فأدخله .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم عن أبيه . « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين قال له أصحابه : وكيف نطمئن ومعنا الأسد؟ فسلط الله عليه الحمى . فكانت أول حمى نزلت الأرض . ثم شكوا الفأرة فقالوا الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا ، فأوحى الله إلى الأسد فعطس فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما كان نوح عليه السلام في السفينة قرض الفأر حبال السفينة ، فشكا إلى الله عز وجل ذلك ، فأوحى الله إليه فمسح جبهة الأسد ، فخرج سنوران وكان في السفينة عذرة ، فشكا نوح إلى الله فأوحى الله إليه ، فمسح ذنب الفيل فخرج خنزيران فأكلا العذرة .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : تأَذى أهل السفينة بالفأر ، فعطس الأسد فخرج من منخره سنوران ذكر وأنثى ، فأكلا الفأر إلا ما أراد الله أن يبقى منه ، وأوذوا بأذى أهل السفينة فعطس الفيل فخرج من منخره خنزيران ذكر وأنثى فأكلا أذى أهل السفينة قال ولما أراد أن يدخل الحمار السفينة أخذ نوح بأذني الحمار وأخذ إبليس بذنبه ، فجعل نوح عليه السلام يجذبه وجعل إبليس يجذبه ، فقال نوح : ادخل شيطان فدخل الحمار ودخل إبليس معه ، فلما سارت السفينة جلس في أذنابها يتغنى فقال له نوح عليه السلام : ويلك من أذن لك . . . ؟! قال : أنت . قال : متى . قال : إن قلت للحمار ادخل يا شيطان ، فدخلت باذنك .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أول ما حمل نوح في الفلك من الدواب الدرة ، وآخر ما حمل الحمار ، فلما دخل الحمار أدخل صدره فتعلق إبليس بذنبه فلم تستقل رجلاه ، فجعل نوح يقول : ويحك . . . ! ادخل يا شيطان . فينهض فلا يستطيع حتى قال نوح : ويحك . . . ! ادخل وإن كان الشيطان معك - كلمة زلت على لسانه - فلما قالها نوح خلى الشيطان سبيله ، فدخل ودخل الشيطان معه فقال له نوح : ما أدخلك يا عدو الله؟ قال : ألم تقل ادخل وإن كان الشيطان معك؟ قال : اخرج عني .
قال : ما لك بد من أن تحملني ، فكان كما يزعمون في ظهر الفلك . (5/303)
وأخرج ابن عساكر عن مجاهد رضي الله عنه قال : مكث نوح عليه السلام يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله يسره إليهم ثم يجهر به لهم ، ثم أعلن قال مجاهد رضي الله عنه : الاعلان الصياح : فجعلوا يأخذونه فيخنقونه حتى يغشى عليه فيسقط الأرض مغشياً عليه ، ثم يفيق فيقول : اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون . فيقول الرجل منهم لأبيه : يا أبت ما لهذا الشيخ يصيح كل يوم لا يفتر؟ فيقول : اخبرني أبي عن جدي أنه لم يزل على هذا منذ كان ، فلما دعا على قومه أمره الله أن يصنع الفلك فصنع السفينة ، فعملها في ثلاث سنين كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه يعجبون من نجارته السفينة ، فلما فرغ منها جعل له ربه آية إذا رأيت التنور قد فار فاجعل في السفينة من كل زوجين اثنين ، وكان التنور فيما بلغني في زاوية من مسجد الكوفة ، فلما فار التنور جعل فيها كل ما أمره الله قال : يا رب كيف بالأسد والفيل؟ قال : سألقي عليهم الحمى إنها ثقيلة ، فحمل أهله وبنيه وبناته وكنائنه ودعا ابنه ، فلما أبى عليه وفرغ من كل شيء يدخله السفينة طبق السفينة الأخرى عليهم ولولا ذلك لم يبق في السفينة شيء إلا هلك لشدة وقع الماء حين يأتي من السماء قال الله تعالى { ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر } [ القمر : 11 ] فكان قدر كل قطرة مثل ما يجري من فم القربة ، فلم يبق على ظهر الأرض شيء إلا هلك يومئذ إلا ما في السفينة ، ولم يدخل الحرم منه شيء .
وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن عبدالله بن زياد بن سمعان عن رجال سماهم . أن الله أعقم رجالهم قبل الطوفان بأربعين عاماً ، وأعقم نساءهم فلم يتوالدوا أربعين عاماً منذ يوم دعا نوح عليه السلام حتى أدرك الصغير وأدرك الحنث وصارت لله عليهم الحجة ، ثم أرسل الله السماء عليه بالطوفان .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه قال : يزعم الناس أن من أغرق الله من الولدان مع آبائهم وليس كذلك ، إنما الولد بمنزلة الطير وسائر من أغرق الله بغير ذنب ، ولكن حضرت آجالهم فماتوا لآجالهم ، والمدركون من الرجال والنساء كان الغرق عقوبة لهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو الشيخ وابن عساكر من طريق مجاهد عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال : لما أصاب قوم نوح الغرق قام الماء على رأس كل جبل خمسة عشر ذراعاً ، فأصاب الغرق امرأة فيمن أصاب معها صبي لها ، فوضعته على صدرها فلما بلغها الماء وضعته على منكبيها ، فلما بلغها الماء وضعته على يديها .
فقال الله : لو رحمت أحداً من أهل الأرض لرحمتها ولكن حق القول مني . (5/304)
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال : بلغني أن نوحاً عليه السلام قال لجاريته : إذا فار تنورك ماء فأخبريني ، فلما فرغت من آخر خبزها فار التنور ، فذهبت إلى سيدها فأخبرته ، فركب هو ومن بأعلى السفينة وفتح الله السماء بماء منهمر وفجر الأرض عيوناً .
وأخرج سحق بن بشر وابن عساكر من طريقه أنا عبدالله العمري عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : لما نبع الماء حول سفينة نوح خرج رجل من تلك الأمة إلى فرعون من فراعنتهم فقال : هذا الذي تزعمون أنه مجنون؟ قد أتاكم بما كان يعدكم ، فجاء يسير في موكب له وجماعة من أصحابه حتى وقف من نوح غير بعيد فقال لنوح : ما تقول؟ قال : قد أتاكم ما كنتم توعدون . قال : ما علامة ذلك؟ قال : اعطف برأس برذونك . فعطف برذونه فنبع الماء من تحت قوائمه ، فخرج يركض إلى الجبل هارباً من الماء .
وأخرج ابن اسحق وابن عساكر عن جعفر بن محمد رضي الله عنه قال : فار الماء من التنور من دار نوح عليه السلام ، من تنور تختبز فيه ابنته ، وكان نوح يتوقع ذلك إذ جاءته ابنته فقالت : يا أبت قد فار الماء من التنور . فآمن بنوح النجارون إلا نجاراً واحداً فقال له : اعطني أجري قال : أعطيتك أجرك على أن تركب معنا . قال : فإن وداً وسواع ويغوث ونسراً سينجوني . فأوحى الله إليه أن احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ، وكان ممن سبق عليه القول امرأته والقة وكنعان ابنه فقال : يا رب هؤلاء قد حملتهم فكيف لي بالوحش والبهائم والسباع والطير؟ قال : أنا أحشرهم عليك : فبعث جبريل عليه السلام فحشرهم ، فجعل يضرب بيديه على الزوجين فجعل يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى فيدخله السفينة ، حتى أدخل عدة ما أمره الله تعالى به ، فلما جمعهم في السفينة رأت البهائم والوحش والسباع العذاب ، فجعلت تلحس قدم نوح عليه السلام وتقول : احملنا معك . فيقول : إنما أمرت من كل زوجين اثنين .
وأخرج ابن عساكر عن الزهري قال : إن الله بعث ريحاً فحمل إليه من كل زوجين اثنين ، من الطير والسباع والوحش والبهائم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { من كل زوجين اثنين } قال : ذكر وأنثى من كل صنف .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال : الذكر زوج والأنثى زوج .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه { إلا من سبق عليه القول } قال : العذاب ، هي امرأته كانت في الغابرين .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحكم { وما آمن معه إلا قليل } قال : نوح وبنوه ثلاثة وأربع كنائنه .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج قال : حدثت أن نوحاً حمل معه بنيه الثلاثة وثلاث نسوة لبنيه ، وأصاب حام زوجته في السفينة فدعا نوح أن تغير نطفته فجاء بالسودان . وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن أبي صالح . (5/305)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : حمل نوح عليه السلام معه في السفينة ثمانين إنساناً . أحدهم جرهم وكان لسانه عربياً .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلاً معهم أهلوهم ، وكانوا في السفينة مائة وخمسين يوماً ، وإن الله وجه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين يوماً ، ثم وجهها إلى الجودي فاستوت عليه ، فبعث نوح عليه السلام الغراب ليأتيه بالخبر فذهب فوقع على الجيف فأبطأ عليه ، فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون ولطخت رجليها بالطين ، فعرف نوح عليه السلام أن الماء نضب فهبط إلى أسفل الجودي فابتنى قرية وسماها ثمانين ، فأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة أحدها اللسان العربي ، فكان لا يفقه بعضهم كلام بعض ، وكان نوح عليه السلام يعبر عنهم .
وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وابن عساكر عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : لما ركب نوح عليه السلام في السفينة وحمل فيها من كل زوجين اثنين كما أمر رأى في السفينة شيخاً لم يعرفه فقال له : من أنت؟ قال : إبليس دخلت لأصيب قلوب أصحابك فتكون قلوبهم معي وأبدانهم معك ، ثم قال : خمس أهلك بهن الناس وسأحدثك منهن بثلاثة ولا أحدثك بالثنتين . فأوحى إلى نوح : لا حاجة لك بالثلاث مرهُ يحدثك بالثنتين . قال : الحسد وبالحسد لعنت وجعلت شيطاناً رجيماً ، والحرص أبيح آدم الجنة كلها فأصبت حاجتي منه بالحرص .
وأخرج ابن المنذر عن الحكم قال : خرج القوس قزح بعد الطوفان أماناً لأهل الأرض أن يغرقوا جميعاً .
وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41)
أخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال : لما ركب نوح عليه السلام في السفينة فجرت به فخاف ، فجعل ينادي : الاها اتقن قال يا ألله أحسن . (5/306)
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { بسم الله مجريها ومرساها } قال : حين يركبون ويجرون ويرسون .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : كان إذا أراد أن ترسي قال : بسم الله . فأرست ، وإذا أراد أن تجري قال : بسم الله . فجرت .
وأخرج سعيد بن منصور والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرأ { مجراها ومرساها } .
وأخرج أبو يعلى والطبراني وابن السني وابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه عن الحسين بن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا : بسم الله الملك الرحمن { بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم } وما قدروا الله حق قدره » إلى آخر الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا : بسم الله { وما قدروا الله حق قدره } [ الأنعام : 91 ] الآية { بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم } » .
وأخرج أبو الشيخ في الثواب عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه « ما من رجل يقول إذا ركب السفينة : بسم الله الملك الرحمن { بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم } { وما قدروا الله حق قدره } [ الأنعام : 91 ] الآية إلا أعطاه الله أماناً من الغرق حتى يخرج منها » .
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال : كان اسم ابن نوح الذي غرق كنعان . (5/307)
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : هو ابنه غير أنه خالفه في النية والعمل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه في قوله { ونادى نوح ابنه } قال : هي بلغة طيىء لم يكن ابنه ، وكان ابن امرأته .
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف وأبو الشيخ عن علي رضي الله عنه أنه قرأ « ونادى نوح ابنها » .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } قال : لا ناج إلا أهل السفينة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن القاسم ابن أبي بزة في قوله { وحال بينهما الموج } قال : بين ابن نوح والجبل .
وأخرج الحاكم عن أبي ذر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق » .
وأخرج عبد بن حميد عن حميد بن هلال قال : جعل نوح لرجل من قومه جعلا على أن يعينه على عمل السفينة ، فعمل معه حتى إذا فرغ قال له نوح : خير أي ذلك شئت ، إما أن أوفيك أجرك وإما أن نوقيك من القوم الظالمين . قال : حتى استأمر قومي . فاستأمر قومه فقالوا له : اذهب إلى أجرك فخذه . فأتاه فقال : أجري . . . فوفاه أجره . قال : فما أخذ جاوز ذلك الرجل إلى حيث ينظر إليه حتى أمر الله الماء بما أمره به ، فأقبل ذلك الرجل يخوض الماء فقال : خذ الذي جعلت لي . قال : لك ما رضيت به . فغرق فيمن غرق .
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)
أخرج ابن سعد وابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان للملك يوم ولد نوح اثنان وثمانون سنة ، ولم يكن أحد في ذلك الزمان ينتهي عن منكر ، فبعث الله نوحاً إليهم وهو ابن أربعمائة سنة وثمانين سنة ، ثم دعاهم في نبوّته مائة وعشرين سنة ، ثم أمره بصنعة السفينة فصنعها وركبها وهو ابن ستمائة سنة وغرق من غرق ، ثم مكث بعد السفينة ثلاثمائة وخمسين سنة ، فولد نوح سام وفي ولده بياض وأدمة ، وحام وفي ولده سواد وبياض ، ويافث وفيهم الشقرة والحمرة ، وكنعان وهو الذي غرق ، والعرب تسمية بام وأم هؤلاء واحدة ، وبجل فود نجر نوح السفينة ، ومن ثم بدا الطوفان ، فركب نوح السفينة معه بنوه هؤلاء ونساء بنيه هؤلاء ، وثلاثة وسبعون من بني شيث ممن آمن به ، فكانوا ثمانين في السفينة ، وحمل معه من كل زوجين اثنين ، وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع بذراع جد أبي نوح ، وعرضها خمسين ذراعاً ، وطولها في السماء ثلاثين ذراعاً ، وخرج منها من الماء ستة أذرع وكانت مطبقة ، وجعل لها ثلاثة أبواب بعضها أسفل من بعض ، فأرسل الله المطر أربعين يوماً فأقبلت الوحش حين أصابها المطر والدواب والطير كلها إلى نوح وسخرت له ، فحمل منها كما أمره الله من كل زوجين اثنين وحمل معه جسد آدم عليه السلام ، فجعل حاجزاً بين النساء والرجال فركبوا فيها لعشر مضين من رجب ، وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرم ، فلذلك صام من صام يوم عاشوراء ، وخرج الماء مثل ذلك نصفين نصف من السماء ونصف من الأرض ، فذلك قول الله { ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر } [ القمر : 11 ] يقول : مُنْصَبٍّ { وفجرنا الأرض عيوناً } [ القمر : 12 ] يقول : شققنا الأرض فالتقى الماء { على أمر قد قدر } [ القمر : 12 ] وارتفع الماء على أطول جبل في الأرض خمسة عشر ذراعاً ، فسارت بهم السفينة فطافت بهم الأرض كلها في ستة أشهر لا تستقر على شيء حتى أتت الحرم فلم تدخله ، ودارت بالحرم أسبوعاً ورفع البيت الذي بناه آدم عليه السلام رفع من الغرق ، وهو البيت المعمور والحجر الأسود على أبي قبيس ، فلما دارت بالحرم ذهبت في الأرض تسير بهم حتى انتهت إلى الجودي ، وهو جبل بالحضين من أرض الموصل ، فاستقرت بعد ستة أشهر لتمام السنة ، فقيل بعد الستة أشهر : بعداً للقوم الظالمين ، فلما استوت على الجودي قيل : { يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي } يقول : احبسي ماءك { وغيض الماء } نشفته الأرض فصار ما نزل من السماء هذه البخور التي ترون في الأرض ، فآخر ماء بقي في الأرض من الطوفان ماء يحسى بقي في الأرض أربعين سنة بعد الطوفان ، ثم ذهب فهبط نوح عليه السلام إلى قرية فبنى كل رجل منهم بيتاً فسميت سوق الثمانين ، فغرق بنو قابيل كلهم ، وما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإِسلام ، ودعا نوح على الأسد أن يلقى عليه الحمى ، وللحمامة بالانس ، وللغراب بشقاء المعيشة ، وتزوّج نوح امرأة من بني قابيل فولدت له غلاماً سماه يوناطن ، فلما ضاقت بهم سوق الثمانين تحوّلوا إلى بابل فبنوها وهي بين الفرات والصراة ، فمكثوا بها حتى بلغوا مائة ألف وهم على الإِسلام ، ولما خرج نوح من السفينة دفن آدم عليه السلام ببيت المقدس . (5/308)
وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال : بعث نوح عليه السلام الحمامة فجاءت بورق الزيتون ، فأعطيت الطوق الذي في عنقها وخضاب رجليها . (5/309)
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد رضي الله عنه قال خرجت أريد أن أشرب ماء المر قال : لا تشرب ماء المر فإنه لما كان زمن الطوفان أمر الله الأرض أن تبلع ماءها وأمر السماء أن تقلع ، فاستعصى عليه بعض البقاع فلعنه فصار ماؤه مراً ، وترابه سبخاً لا ينبت شيئاً .
وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه قال : لما أمرت الأرض أن تغيض الماء غاضت الأرض ما خلا أرض الكوفة فلعنت ، فسائر الأرض تكون على نورين وأرض الكوفة على أربع .
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة { يا أرض ابلعي } قال : هو بالحبشة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب بن منبه رضي الله عنه { وقيل يا أرض ابلعي ماءك } بالحبشية قال : ازرديه .
وأخرج أبو الشيخ عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله { يا أرض ابلعي ماءك } قال : اشربي بلغة الهند .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ويا سماء أقلعي } قال : أمسكي { وغيض الماء } قال : ذهب .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وغيض الماء } قال : نغض { وقضي الأمر } قال : هلاك قوم نوح .
أما قوله تعالى : { واستوت على الجودي } .
أخرج أحمد وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « مر النبي صلى الله عليه وسلم بأناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء فقال : » ما هذا الصوم؟ فقالوا : هذا اليوم الذي أنجى الله فيه موسى وبني إسرائيل من الغرق وأغرق فيه فرعون ، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح وموسى عليهما السلام شكراً لله . فقال صلى الله عليه وسلم : أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم ، فصامه وأمر أصحابه بالصوم « » .
وأخرج ابن جرير عن عبد العزيز بن عبد الغفور عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « في أول يوم من رجب ركب نوح السفينة فصام هو وجميع من معه ، وجرت بهم السفينة ستة أشهر فانتهى ذلك إلى المحرم ، فأرست السفينة على الجودي يوم عاشوراء ، فصام نوح وأمر جميع من معه من الوحش والدواب فصاموا شكراً لله تعالى » .
وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : يوم عاشوراء اليوم الذي تاب الله فيه على آدم ، واليوم الذي استوت فيه سفينة نوح على الجودي ، واليوم الذي فرق الله فيه البحر لبني إسرائيل ، واليوم الذي ولد فيه عيسى ، صيامه يعدل سنة مبرورة . (5/310)
وأخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لما استقرت السفينة على الجودي لبث ما شاء الله ، ثم إنه أذن له فهبط على الجبل ، فدعا الغراب فقال : ائتني بخبر الأرض فانحدر الغراب وفيها الغرقى من قوم نوح فابطأ عليه فلعنه ، ودعا الحمامة فوقع على كف نوح فقال : اهبطي فائتيني بخبر الأرض ، فانحدر فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاء ينفض ريشه في منقاره فقال : اهبط فقد أبينت الأرض . قال نوح : بارك الله فيك وفي بيت يؤويك وحببك إلى الناس ، لولا أن يغلبك الناس على نفسك لدعوت الله أن يجعل رأسك من ذهب .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال : الجودي جبل بالجزيرة ، تشامخت الجبال يومئذ من الغرق وتطاولت ، وتواضع هو لله تعالى فلم يغرق ، وأرسلت عليه سفينة نوح .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عطاء قال : بلغني أن الجبل تشامخ في السماء إلا الجودي ، فعرف أن أمر الله سيدركه فسكن . قال : وبلغني أن الله تعالى استخبا أبا قبيس الركن الأسود .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال : الجودي جبل بالموصل .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال : أبقاها الله بالجودي من أرض الجزيرة عبرة وآية حتى رآها أوائل هذه الأمة ، كم من سفينة قد كانت بعدها فهلكت .