صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور
المؤلف : عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال : والله إني أحد النفر الذين أنزل الله فيهم { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم . . . } الآية .
وأخرج ابن إسحق وابن المنذر وأبو الشيخ عن الزهري ويزيد بن يسار وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمرو بن قتادة وغيرهم « أن رجالاً من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم البكاؤون ، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم . من بني عمرو بن عوف سالم بن عمير ، ومن بني حارثة عتبة بن زيد ، ومن بني مازن ابن النجار أبو ليلى عبد الرحمن بن كعب ، ومن بني سلمة عمرو بن عمرو بن جهام بن الجموح ، ومن بني واقف هرمي بن عمرو ، ومن بني مزينة عبد الله بن معقل ، ومن بني فزارة عرباض بن سارية ، فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا أهل حاجة؟ قال : لا أجد ما أحملكم عليه » .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن الحسن رضي الله عنه قال : كان معقل بن يسار من البكائين الذين قال الله { إذا ما أتوك لتحملهم . . . } الآية .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن وبكر بن عبد الله المزني في هذه الآية { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم } قالا : نزلت في عبد الله بن معقل من مزينة ، أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليحمله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن لهيعة . أن أبا شريح الكعبي كان من الذين قال الله { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك في قوله { لا أجد ما أحملكم عليه } قال : الماء والزاد .
وأخرج ابن المنذر عن علي بن صالح قال : حدثني مشيخة من جهينة قالوا : أدركنا الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحملان . فقالوا : ما سألناه إلا الحملان على النعال { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم } .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم بن أدهم في قوله { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم } قال : ما سألوه الدواب ، ما سألوه إلا النعال .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : استحملوه النعال .

(5/140)


إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (93) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96)

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { إنما السبيل على الذين يستأذنونك } قال : هي وما بعدها إلى قوله { إن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين } في المنافقين .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { قد نبأنا الله من أخباركم } قال : أخبرنا أنكم لو خرجتم ما زدتمونا إلا خبالاً وفي قوله { فأعرضوا عنهم إنهم رجس } قال : لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم قال « لا تكلموهم ولا تجالسوهم ، فأعرضوا عنهم كما أمر الله » .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله { لتعرضوا عنهم } لتتجاوزوا .

(5/141)


الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97)

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { الأعراب أشد كفراً ونفاقاً } ثم استثنى منهم فقال { من الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر } [ التوبة : 99 ] الآية .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { وأجدر أَلاَّ يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله } قال : هم أقل علماً بالسنن .
وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي قال : كان زيد بن صوحان يحدث فقال اعرابي : إن حديثك ليعجبني وأن يدك لتريبني . فقال : أما تراها الشمال؟ فقال الأعرابي : والله ما أدري اليمين يقطعون أم الشمال؟ قال زيد : صدق الله { الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألاَّ يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله } .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله { الأعراب أشد كفراً ونفاقاً } قال : من منافقي المدينة { وأجدر ألاَّ يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله } يعني الفرائض وما أمر به من الجهاد .
وأخرج أبو الشيخ عن الكلبي في الآية : أنها أنزلت في أسد وغطفان .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن سيرين قال : إذا تلا أحدكم هذه الآية { الأعراب أشد كفراً ونفاقاً } فليتل الآية الأخرى ولا يسكت { ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر } [ التوبة : 99 ] .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي في الشعب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من سكن البادية جفا ، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن أتى السلطان افتتن » .
وأخرج أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من بدا جفا ، ومن اتبع الصيد غفل ، ومن أتى أبواب السلطان افتتن ، وما ازداد من السلطان قربا إلا ازداد من الله بعداً » .

(5/142)


وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98)

أخرج أبو الشيخ عن الضحاك { ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً } يعني أنه لا يرجو له ثواباً عند الله ولا مجازاة ، وإنما يعطي ما يعطي من صدقات ماله كرهاً { ويتربص بكم الدوائر } الهلكات .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً } قال : هؤلاء المنافقون من الأعراب ، الذين إنما ينفقون رياء اتقاء على أن يغزوا ويحاربوا ويقاتلوا ، ويرون نفقاتهم مغرماً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً } يعد ما ينفق في سبيل الله غرامة يغرمها { ويتربص } بمحمد صلى الله عليه وسلم الهلاك .

(5/143)


وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99)

أخرج سنيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد { ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر } قال : هم بنو مقرن من مزينة ، وهم الذين قال الله { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم } [ التوبة : 92 ] الآية .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { وصلوات الرسول } يعني استغفار النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ومن الأعراب من يؤمن بالله } قال : هذه ثنية الله من الأعراب ، وفي قوله { وصلوات الرسول } قال : دعاء الرسول .

(5/144)


وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)

أخرج أبو عبيد وسنيد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن حبيب الشهيد عن عمرو بن عامر الأنصاري . أن عمر بن الخطاب قرأ « والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان » فرفع الأنصار ولم يلحق الواو في الذين ، فقال له زيد بن ثابت : والذين . فقال عمر : الذين . فقال زيد : أمير المؤمنين اعلم . فقال عمر رضي الله عنه : ائتوني بأُبي بن كعب ، فأتاه فسأله عن ذلك؟ فقال أبي : والذين . فقال عمر رضي الله عنه : فنعم إذن فتابع أُبيا .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي قال : مر عمر رضي الله عنه برجل يقرأ { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار } فأخذ عمر بيده فقال : من أقرأك هذا؟ قال : أبي بن كعب . قال : لا تفارقني حتى أذهب بك إليه ، فلما جاءه قال عمر : أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال : نعم . قال : وسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم . قال : لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا! فقال أبي : تصديق ذلك في أول سمرة الجمعة { وآخرين منهم لما يلحقوا بهم } [ الجمعة : 3 ] وفي سورة الحشر { والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإِخواننا الذين سبقونا بالإِيمان } [ الحشر : 10 ] وفي الأنفال { والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم } [ الأنفال : 75 ] .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي أسامة ومحمد بن إبراهيم التميمي قالا : مر عمر بن الخطاب برجل وهو يقرأ { والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان } فوقف عمر ، فلما انصرف الرجل قال : من أقرأك هذه؟ قال : أقرأنيها أبي بن كعب . قال : فانطلق إليه فانطلقا إليه فقال : يا أبا المنذر أخبرني هذا أنك أقرأته هذه الآية . قال : صدق تلقيتها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال عمر : أنت تلقيتها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : فقال في الثالثة وهو غضبان : نعم . والله لقد أنزلها الله على جبريل عليه السلام ، وأنزلها جبريل عليه السلام على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ولم يستأمر فيها الخطاب ولا ابنه . فخرج عمر رافعاً يديه وهو يقول : الله أكبر الله أكبر .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو نعيم في المعرفة عن أبي موسى . أنه سئل عن قوله { والسابقون الأوّلون } قالوا : هم الذين صلوا القبلتين جميعاً .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن سعيد بن المسيب في قوله { والسابقون الأولون } قال : هم الذين صلوا القبلتين جميعاً .
وأخرج ابن المنذر وأبو نعيم عن الحسن ومحمد بن سيرين في قوله { والسابقون الأولون } قال : هم الذين صلوا القبلتين جميعاً ، وهم أهل بدر .

(5/145)


وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس { والسابقون الأوّلون من المهاجرين } قال : أبو بكر ، وعمر ، وعلي ، وسلمان ، وعمار بن ياسر .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو الشيخ وأبو نعيم في المعرفة عن الشعبي في قوله { والسابقون الأولون } قال : من أدرك بيعة الرضوان ، وأول من بايع بيعة الرضوان سنان بن وهب الأسدي .
وأخرج ابن مردويه عن غيلان بن جرير قال : قلت لأنس بن مالك هذا الاسم الأنصار أنتم سميتموه أنفسكم أو الله تعالى سماكم من السماء؟ قال : الله تعالى سمانا من السماء .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي عن معاوية بن أبي سفيان « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أحب الأنصار أحبه الله ، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « آية الإِيمان حب الأنصار ، وآية النفاق بغض الأنصار » .
وأخرج أحمد عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال « اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأزواج الأنصار ولذراري الأنصار الأنصار كرشي وعيبتي ، ولو أن الناس أخذوا شعباً وأخذت الأنصار شعباً لأخذت شعب الأنصار ، ولولا الهجرة كنت امرأ من الأنصار » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن الحارث بن زياد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من أحب الأنصار أحبه الله حين يلقاه ، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله حين يلقاه » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن قيس بن سعد بن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم . أنه قال « اللهمَّ صل على الأنصار ، وعلى ذرية الأنصار ، وعلى ذرية ذرية الأنصار » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لو سلك الناس وادياً وشعباً وسلكتم وادياً وشعباً لسلكت واديكم وشعبكم ، أنتم شعار والناس دثار ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، ثم رفع يديه حتى اني لأرى بياض ابطيه فقال : اللهمَّ اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق ، ومن أحبهم أحبه الله ، ومن أبغضهم أبغضه الله » .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إلا إن عيبتي التي آوي إليها أهل بيتي ، وإن كرشي الأنصار ، فاعفوا عن مسيئهم واقبلوا من محسنهم » .

(5/146)


وأخرج ابن أبي شيبة عن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن هذا الحي من الأنصار حبهم إيمان وبغضهم نفاق » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس رضي الله عنه « سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : اللهمَّ اغفر للأنصار ، ولأبناء الأنصار ، ولنساء الأنصار ، ولنساء أبناء الأنصار ، ولنساء أبناء أبناء الأنصار » .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ بن رفاعة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « اللهمَّ اغفر للأنصار ، ولذراري الأنصار ، ولذراري ذراريهم ، ولمواليهم ، ولجيرانهم » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأسلم وغفار ، موالي الله ورسوله لا مولى لهم غيره » .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر » .
وأخرج الطبراني عن السائب بن يزيد رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم الفيء الذي أفاء الله بحنين في أهل مكة من قريش وغيرهم ، فغضبت الأنصار فأتاهم فقال : يا معشر الأنصار قد بلغني من حديثكم في هذه المغانم التي آثرت بها أناساً أتالفهم على الإِسلام لعلهم أن يشهدوا بعد اليوم وقد أدخل الله قلوبهم الإِسلام ، يا معشر الأنصار ألم يمن الله عليكم بالإِيمان وخصكم بالكرامة وسماكم بأحسن الأسماء أنصار الله وأنصار رسوله؟ ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، ولو سلك الناس وادياً وسلكتم وادياً لسلكت واديكم . أفلا ترضون أن يذهب الناس بهذه الغنائم والشاء والنعم والبعير وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالوا : رضينا . فقال : أجيبوني فيما قلت . قالوا : يا رسول الله وجدتنا في ظلمة فأخرجنا الله بك إلى النور ، ووجدتنا على شفا حفرة من النار فأنقذنا الله بك ، ووجدتنا ضلالاً فهدانا الله بك . فرضينا بالله رباً ، وبالإِسلام ديناً ، وبمحمد نبياً . فقال : أما والله لو أجبتموني بغير هذا القول لقلت صدقتم ، لو قلت ألم تأتنا طريداً فآويناك ، ومكذباً فصدقناك ، ومخذولاً فنصرناك ، وقبلنا ما رد الناس عليك ، لو قلتم هذا لصدقتم . قالوا : بل لله ورسوله المن والفضل علينا وعلى غيرنا » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه قال : كان الناس على ثلاث منازل . المهاجرون الأولون ، والذين اتبعوهم بإحسان ، والذين جاؤوا من بعدهم يقولون : ربنا اغفر لنا ولإِخواننا الذين سبقونا بالإِيمان .

(5/147)


فأحسن ما يكون أن يكون بهذه المنزلة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما . أنه أتاه رجل فذكر بعض الصحابة فتنقصه ، فقال ابن عباس { والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان } .
وأخرج عن ابن زيد في قوله { والذين اتبعوهم بإحسان } قال : من بقي من أهل الإِسلام إلى أن تقوم الساعة .
وأخرج أبو الشيخ عن عصمة رضي الله عنه قال : سألت سفيان عن التابعين قال : هم الذين أدركوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدركوا النبي صلى الله عليه وسلم ، وسألته عن الذين اتبعوهم بإحسان قال : من يجيء بعدهم . قلت : إلى يوم القيامة؟ قال : أرجو .
وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن أبي صخر حميد بن زياد قال : قلت لمحمد بن كعب القرظي رضي الله عنه : أخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أريد الفتن؟ فقال : إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم قلت له : وفي أي موضع أوجب الله لهم الجنة في كتابهم؟ قال : ألا تقرأ { والسابقون الأولون . . . } الآية . أوجب لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الجنة والرضوان ، وشرط على التابعين شرطاً لم يشترطه فيهم قلت : وما اشترط عليهم؟ قال : اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان . يقول : يقتدون بهم في أعمالهم الحسنة ولا يقتدون بهم في غير ذلك . قال أبو صخر : لكأني لم أقرأها قبل ذلك ، وما عرفت تفسيرها حتى قرأها على محمد بن كعب .
وأخرج ابن مردويه من طريق الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثيِّر والقاسم ومكحول وعبدة بن أبي لبابة وحسان بن عطية . أنهم سمعوا جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون « لما أنزلت هذه الآية { والسابقون الأولون } إلى قوله { ورضوا عنه } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » هذا لأمتي كلهم وليس بعد الرضا سخط « » .

(5/148)


وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وممن حولكم من الأعراب منافقون . . . } الآية . قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة خطيباً فقال : قم يا فلان فاخرج فإنك منافق . فأخرجهم بأسمائهم ففضحهم ولم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شهد تلك الجمعة لحاجة كانت له ، فلقيهم عمر رضي الله عنه وهم يخرجون من المسجد ، فاختبأ منهم استحياء أنه لم يشهد الجمعة ، وظن الناس قد انصرفوا واختبأوا هم من عمر ، وظنوا أنه قد علم بأمرهم ، فدخل عمر رضي الله عنه المسجد فإذا الناس لم ينصرفوا . . . ! فقال له رجل : أبشر يا عمر فقد فضح الله المنافقين اليوم فهذا العذاب الأول ، والعذاب الثاني عذاب القبر .
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { وممن حولكم من الأعراب } قال : جهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { مردوا على النفاق } قال : أقاموا عليه لم يتوبوا كما تاب آخرون .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { مردوا على النفاق } قال : ماتوا عليه عبدالله بن أبي ، وأبو عامر الراهب ، والجد بن قيس .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { نحن نعلمهم } يقول : نحن نعرفهم .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { لا تعلمهم نحن نعلمهم } قال : فما بال أقوام يتكلمون على الناس يقولون : فلان في الجنة وفلان في النار؟ فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال : لا أدري . . . لعمري لأنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس ، ولقد تكلفت شيئاً ما تكلفه نبي قال نوح عليه السلام { وما علمي بما كانوا يعملون } [ الشعراء : 112 ] وقال شعيب عليه السلام { وما أنا عليكم بحفيظ } [ الأنعام : 104 ] وقال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم { لا تعلمهم نحن نعلمهم } .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { سنعذبهم مرتين } قال : بالجوع والقتل .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله { سنعذبهم مرتين } قال : بالجوع وعذاب القبر .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { سنعذبهم مرتين } قال : عذاب في القبر ، وعذاب في النار .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في ( عذاب القبر ) عن قتادة رضي الله عنه في قوله { سنعذبهم مرتين } قال : عذاب في القبر وعذاب في النار .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع رضي الله عنه في قوله { سنعذبهم مرتين } قال : يبتلون في الدنيا وعذاب القبر { ثم يردون إلى عذاب عظيم } قال : عذاب جهنم .

(5/149)


وأخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { سنعذبهم مرتين } قال : عذاب في الدنيا بالأموال والأولاد ، وقرأ { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا } [ التوبة : 55 ] بالمصائب فهي لهم عذاب وهي للمؤمنين أجر . قال : وعذاب الآخرة في النار { ثم يردون إلى عذاب عظيم } النار .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه قال : بلغني أن ناساً يقولون { سنعذبهم مرتين } يعني القتل وبعد القتل البرزخ ، والبرزخ ما بين الموت إلى البعث { ثم يردون إلى عذاب عظيم } يعني عذاب جهنم .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله { سنعذبهم مرتين } قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعذب المنافقين يوم الجمعة بلسانه على المنبر ، وعذاب القبر .
وأخرج ابن مردويه عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال : لقد خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم خطبة ما شهدت مثلها قط فقال « أيها الناس إن منكم منافقين فمن سميته فليقم ، قم يا فلان ، قم يا فلان ، حتى قام ستة وثلاثون رجلاً . ثم قال : إن منكم وإن منكم وإن منكم فسلوا الله العافية . فلقي عمر رضي الله عنه رجلاً كان بينه وبينه إخاء فقال : ما شأنك؟ فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فقال كذا وكذا . فقال عمر رضي الله عنه : أبعدك الله سائر اليوم » .

(5/150)


وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً } قال « كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، فلما حضر رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد ، وكان ممر النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع في المسجد عليهم ، فلما رآهم قال : من هؤلاء الموثقون أنفسهم؟ قالوا : هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله ، أوثقوا أنفسهم وحلفوا أنهم لا يطلقهم أحد حتى يطلقهم النبي صلى الله عليه وسلم ويعذرهم . قال : وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين ، فلما بلغهم ذلك قالوا : ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا . فأنزل الله عز وجل { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم } وعسى من الله وإنه هو التوّاب الرحيم ، فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم ، فجاؤوا بأموالهم فقالوا : يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا . قال : ما أمرت أن آخذ أموالكم . فأنزل الله عز وجل { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم } يقول : استغفر لهم { إن صلواتك سكن لهم } يقول : رحمة لهم ، فأخذ منهم الصدقة واستغفر لهم ، وكان ثلاثة نفر منهم لم يوثقوا أنفسهم بالسواري فأرجئوا سنة لا يدرون أيعذبون أو يتاب عليهم؟ فأنزل الله عز وجل { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة } [ التوبة : 117 ] إلى آخر الآية { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } [ التوبة : 118 ] إلى { ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم } [ التوبة : 118 ] يعني إن استقاموا » .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه . مثله سواء .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن مجاهد في قوله { فاعترفوا بذنوبهم } قال : هو أبو لبابة إذ قال لقريظة ما قال ، وأشار إلى حلقه بأن محمداً يذبحكم إن نزلتم على حكمه .
وأخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب . أن بني قريظة كانوا حلفاء لأبي لبابة فاطلعوا إليه وهو يدعوهم إلى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا أبا لبابة أتأمرنا أن ننزل؟ فأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح ، فأخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم

(5/151)


« أحسبت أن الله غفل عن يدك حين تشير إليهم بها إلى حلقك؟ فلبث حيناً حتى غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك - وهي غزوة العسرة - فتخلف عنه أبو لبابة فيمن تخلف ، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها جاءه أبو لبابة يسلم عليه ، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ففزع أبو لبابة ، فارتبط بسارية التوبة التي عند باب أم سلمة سبعاً من بين يوم وليلة في حر شديد لا يأكل فيهن ولا يشرب قطرة ، قال : لا يزال هذا مكاني حتى أفارق الدنيا أو يتوب الله عليَّ . فلم يزل كذلك حتى ما يسمع الصوت من الجهد ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه بكرة وعشية ، ثم تاب الله عليه فنودي أن الله قد تاب عليك ، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليطلق عنه رباطه ، فأبى أن يطلقه أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلقه عنه بيده ، فقال أبو لبابة حين أفاق : يا رسول الله إني أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وانتقل إليك فأساكنك ، وإني أختلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم . فقال : يجزي عنك الثلث . فهجر أبو لبابة دار قومه وساكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتصدق بثلث ماله ثم تاب ، فلم ير منه في الإِسلام بعد ذلك إلا خيراً حتى فارق الدنيا » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال « إن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة تبوك ، فتخلف أبو لبابة ورجلان معه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم إن أبا لبابة ورجلين معه تفكروا وندموا وأيقنوا بالهلكة ، وقالوا : نحن في الظل والطمأنينة مع النساء ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه في الجهاد ، والله لنوثقن أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقنا ويعذرنا ، فانطلق أبو لبابة فأوثق نفسه ورجلان معه بسواري المسجد وبقي ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم ، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته وكان طريقه في المسجد ، فمر عليهم فقال : من هؤلاء الموثقون أنفسهم بالسواري؟ فقال رجل : هذا أبو لبابة وصاحبان له تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعاهدوا الله لا يطلقون أنفسهم حتى تكون الذي أنت تطلقهم وترضى عنهم وقد اعترفوا بذنوبهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله لا أطلقهم حتى أُؤْمَر بإطلاقهم ، ولا أعذرهم حتى يكون الله يعذرهم وقد تخلفوا ورغبوا عن المسلمين بأنفسهم وجهادهم ، فأنزل الله تعالى { وآخرون اعترفوا بذنوبهم } الآية . وعسى من الله واجب ، فلما نزلت الآية أطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذرهم ، فانطلق أبو لبابة وصاحباه بأموالهم ، فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : خذ من أموالنا فتصدق بها عنا وصل علينا .

(5/152)


يقولون : استغفر لنا وطهرنا . فقال : لا آخذ منها شيئاً حتى أومر به . فأنزل الله { خذ من أموالهم صدقة . . . } الآية . قال : وبقي الثلاثة الذين خالفوا أبا لبابة ولم يتوبوا ولم يذكروا بشيء ولم ينزل عذرهم ، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وهم الذين قال الله { وآخرون مرجون لأمر الله } [ التوبة : 106 ] الآية . فجعل الناس يقولون : هلكوا إذا لم ينزل لهم عذر ، وجعل آخرون يقولون : عسى الله أن يتوب عليهم . فصاروا مرجئين لأمر الله حتى نزلت { لقد تاب الله على النبي } [ التوبة : 117 ] إلى قوله { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } [ التوبة : 118 ] يعني المرجئين لأمر الله ، نزلت عليهم التوبة فعملوا بها « .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { وآخرون اعترفوا بذنوبهم } قال : هم الثمانية الذين ربطوا أنفسهم بالسواري ، منهم كردم ومرداس وأبو لبابة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً } قال : ذكر لنا أنهم كانوا سبعة رهط تخلفوا عن غزوة تبوك ، منهم أربعة خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً : جد بن قيس ، وأبو لبابة ، وحرام ، وأوس ، كلهم من الأنصار تيب عليهم ، وهم الذين قيل { خذ من أموالهم صدقة } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً } قال : غزوهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم { وآخر سيئاً } قال تخلفهم عنه .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في التوبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي عثمان النهدي قال : ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً } الآية .
وأخرج أبو الشيخ والبيهقي عن مطرف قال : إني لاستلقي من الليل على فراشي وأتدبر القرآن ، فأعرض أعمالي على أعمال أهل الجنة فإذا أعمالهم شديدة { كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون } [ الذاريات : 17 ] . { يبيتون لربهم سجداً وقياماً } [ الفرقان : 64 ] . { أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً } [ الزمر : 9 ] فلا أراني منهم . . . ! فأعرض نفسي على هذه الآية { ما سلككم في سقر } { قالوا لم نك من المصلين } [ المدثر : 42 - 46 ] إلى قوله { نكذب بيوم الدين } فأرى القوم مكذبين فلا أراني منهم ، فأمر بهذه الآية { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً } فأرجو أن أكون أنا وأنتم يا اخوتاه منهم .
وأخرج أبو الشيخ وابن منده وأبو نعيم في المعرفة وابن عساكر بسند قوي عن جابر بن عبد الله قال : » كان ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ستة : أبو لبابة ، وأوس بن جذام ، وثعلبة بن وديعة ، وكعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية . فجاء أبو لبابة ، وأوس بن جذام ، وثعلبة ، فربطوا أنفسهم بالسواري ، وجاؤوا بأموالهم فقالوا : يا رسول الله ، خذ هذا الذي حبسنا عنك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا أحلهم حتى يكون قتال . فنزل القران { خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً . . . } الآية . وكان ممن أرجىء عن التوبة وخلف كعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية . فأرجئوا أربعين يوماً ، فخرجوا وضربوا فساطيطهم ، واعتزلهم نساؤهم ، ولم يتولهم المسلمون ولم يقربوا منهم ، فنزل فيهم { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } [ التوبة : 118 ] إلى قوله { التوّاب الرحيم } [ التوبة : 118 ] فبعثت أم سلمة إلى كعب فبشرته » « .

(5/153)


وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب قال : قال الأحنف بن قيس : عرضت نفسي على القرآن فلم أجدني بآية أشبه مني بهذه الآية { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً . . . } الآية .
وأخرج أبو الشيخ عن مالك بن دينار قال : سألت الحسن عن قول الله { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً } فقال : يا مالك ، تابوا ، عسى الله أن يتوب عليهم ، وعسى من الله واجبة .
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن مردويه عن سمرة بن جندب قال « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن يكثر أن يقول لأصحابه : هل رأى أحد منكم رؤيا؟ وإنه قال لنا ذات غداة : إنه أتاني الليلة آتيان فقالا لي : انطلق . فانطلقت معهما ، فاخرجاني إلى الأرض المقدسة فأتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة ، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر ههنا ، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان ، ثم يعود إليه فيفعل به مثل ما فعل في المرة الأولى . قلت لهما : سبحان الله ما هذان . . . ؟! قالا لي : انطلق . فانطلقنا ، فأتينا على رجل مستلق لقفاه وآخر قائم عليه بكلوب من حديد ، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه ، ثم يتحوّل إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول ، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصبح ذلك الجانب كما كان ، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل في المرة الأولى . قلت : سبحان الله ما هذان . . . ؟! قالا لي : انطلق . فانطلقنا ، فأتينا على مثل التنور فإذا فيه لغط وأصوات ، فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة ، فإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم ، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا قلت : ما هؤلاء . . . ؟! فقالا لي : انطلق .
فانطلقنا ، فأتينا على نهر أحمر مثل الدم ، وإذا في النهر رجل سابح يسبح ، وإذا على شاطىء النهر رجل عنده حجارة كثيرة ، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح ، ثم يأتي الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجراً فينطلق فيسبح ، ثم يرجع إليه كلما رجع فغر له فاه فألقمه حجراً . قلت لهما : ما هذان . . . ؟!
قالا لي : انطلق . فانطلقنا ، فأتينا على رجل كريه المرآة كأكره ما أنت راء ، وإذا هو عنده نار يحشها ويسعى حولها . قلت لها : ما هذا . . . ؟! قالا لي : انطلق . فانطلقنا ، فأتينا على روضة معتمة فيها من كل نور الربيع ، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء ، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط . قالا لي : انطلق . فانطلقنا ، فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أر قط روضة أعظم منها ولا أحسن . قالا لي : ارق فيها . فارتقينا فيها ، فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة ، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا ، فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء ، وشطر كأقبح ما أنت راء . قالا لهم : اذهبوا فقعوا في ذلك النهر . فإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المخض في البياض فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا ، فذهب السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة . . . ! قالا لي : هذه جنة عدن وهذاك منزلك ، فسما بصري صعداً فإذا قصر مثل الربابة البيضاء قالا لي : هذا منزلك . قلت لهما : بارك الله فيكما ذراني فأدخله . قالا : أما الآن فلا ، وأنت داخله .
قلت لهما : فإني رأيت منذ الليلة عجباً ، فما هذا الذي رأيت؟! قالا لي : أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه ، وينام عن الصلاة المكتوبة ، يفعل به إلى يوم القيامة . وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ، ومنخراه إلى قفاه ، وعينه إلى قفاه ، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق فيصنع به إلى يوم القيامة . وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل التنور فإنهم الزناة والزواني . وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة فإنه آكل الربا . وأما الرجل الكريه المرآة الذي عنده النار يحشها فإنه مالك خازن النار . وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم عليه السلام . وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة . وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم قوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً تجاوز الله عنهم ، وأنا جبريل وهذا ميكائيل » .

(5/154)


وأخرج الخطيب في تاريخه عن أبي موسى « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : رأيت رجالاً تقرض جلودهم بمقاريض من نار . قلت : ما هؤلاء؟! قال : هؤلاء الذين يتزينون إلى ما لا يحل لهم . ورأيت خباء خبيث الريح وفيه صباح . قلت : ما هذا؟! قال : هن نساء يتزين إلى ما لا يحل لهن . ورأيت قوماً اغتسلوا من ماء الجناة . قلت : ما هؤلاء؟! قال : هم قوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً » .
وأخرج ابن سعد عن الأسود بن قيس العبدي قال : لقي الحسن بن علي يوماً حبيب بن مسلمة فقال : يا حبيب رب ميسر لك في غير طاعة الله . فقال : أما ميسري إلى أبيك فليس من ذلك قال : بلى ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة زائلة ، فلئن قام بك في دنياك لقد قعد بك في دينك ، ولو كنت إذ فعلت شراً قلت خيراً كان ذلك كما قال الله { خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً } ولكنك كما قال الله { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } [ المطففين : 14 ] .

(5/155)


خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)

أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } قال : من ذنوبهم التي أصابوا .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { وصل عليهم } قال : استغفر لهم من ذنوبهم التي أصابوها { إن صلواتك سكن لهم } قال : رحمة لهم .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { وصل عليهم } يقول : ادع لهم { إن صلواتك سكن لهم } قال : استغفارك يسكن قلوبهم ويطمن لهم .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن عبدالله بن أبي أوفى قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى بصدقة قال : اللهمَّ صل على آل فلان . فأتاه أبي بصدقته فقال : اللهم صل على آل أبي أوفي » .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { سكن لهم } قال : أمن لهم .
وأخرج ابن أبي شيبة « عن جابر بن عبدالله قال : أتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له امرأتي : يا رسول الله صل عليذ وعلى زوجي . فقال » صلى الله عليك وعلى زوجك « » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن خارجة بن زيد عن عمه يزيد بن ثابت - وكان أكبر من زيد - قال : « خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما وردنا البقيع إذا هو بقبر جديد ، فسأل عنه فقالوا : فلانة . فعرفها فقال » أفلا آذنتموني بها؟ قالوا : كنت قائلاً فكرهنا أن نؤذيك . فقال : لا تفعلوا . ما مات منكم ميت ما دمت بين أظهركم إلا آذنتموني به ، فإن صلاتي عليه رحمة « » .
وأخرج الباوردي في معرفة الصحابة وابن مردويه عن دلسم السدوسي قال : قلنا لبشير بن الخصاصية : إن أصحاب الصدقة يعتدون علينا ، أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا؟ فقال : إذا جاؤوكم فاجمعوها ثم مروهم فليصلوا عليكم ، ثم تلا هذه الآية { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلِّ عليهم } .

(5/156)


أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104)

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : قال الآخرون : هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم؟ فأنزل الله { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده . . . } الآية .
وأخرج عبد الرزاق والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود قال : ما تصدق رجل بصدقة إلا وقعت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل . قال : وهو يضعها في يد السائل ، ثم قرأ { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات } .
وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة في قوله { ويأخذ الصدقات } قال : إن الله هو يقبل الصدقة إذا كانت من طيب ويأخذها بيمينه ، وإن الرجل ليصدق بمثل اللقمة فيربيها به كما يربي أحدكم فصيله أو مهره ، فتربو في كف الله حتى تكون مثل أحد .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة طيبة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا طيباً ولا يصعد إلى السماء إلا طيب - فيضعها في حق إلا كانت كأنما يضعها في يد الرحمن ، فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله ، حتى أن اللقمة أو التمرة لتأتي يوم القيامة مثل الجبل العظيم ، وتصديق ذلك في كتاب الله العظيم { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات } » .
وأخرج الدارقطني في الافراد عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « تصدقوا فإن أحدكم يعطي اللقمة أو الشيء فتقع في يد الله عز وجل قبل أن تقع في يد السائل ، ثم تلا هذه الآية { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات } فيربيها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله فيوفيها إياه يوم القيامة » .

(5/157)


وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)

أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله } قال : هذا وعيد من الله عز وجل .
وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن سلمة بن الأكوع « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ { فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه » عن سلمة بن الأكوع قال : مرَّ بجنازة فأثنى عليها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « وجبت . ثم مر بجنازة أخرى فأثنى عليها ، فقال : وجبت . فسئل عن ذلك فقال : إن الملائكة شهداء الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض ، فما شهدتم عليه من شيء وجب ، وذلك قول الله { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } » « .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة قالت : ما احتقرت أعمال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نجم القراء الذين طعنوا على عثمان ، فقالوا قولاً لا نحسن مثله ، وقرأوا قراءة لا نقرأ مثلها ، وصلوا صلاة لا نصلي مثلها ، فلما تذكرت إذن والله ما يقاربون عمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا أعجبك حسن قول امرىء منهم { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } ولا يستخفنك أحد .
وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان والحاكم والبيهقي في الشعب وابن أبي الدنيا في الإِخلاص والضياء في المختارة عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال » لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لأخرج الله عمله للناس كائناً ما كان « والله أعلم .

(5/158)


وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106)

أخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله { وآخرون مرجون لأمر الله } قال : هم الثلاثة الذين خلفوا .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { وآخرون مرجون } قال : هلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع ، وكعب بن مالك ، من الأوس والخزرج .
وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب . أن أبا لبابة أشار إلى بني قريظة باصبعه أنه الذبح ، فقال : خنت الله ورسوله . فنزلت { لا تخونوا الله والرسول } [ الأنفال : 27 ] ونزلت { وآخرون مرجون لأمر الله } فكان ممن تاب الله عليه .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { إما يعذبهم } يقول : يميتهم على معصية { وإما يتوب عليهم } فأرجأ أمرهم ثم نسخها فقال { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } [ التوبة : 118 ] .

(5/159)


وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله { والذين اتخذوا مسجداً ضراراً } قال : هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجداً فقال لهم أبو عامر : ابنوا مسجدكم واستمدوا بما استطعتم من قوة وسلاح ، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجنده من الروم فأخرج محمداً وأصحابه . فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو بالبركة . فأنزل الله { لا تقم فيه أبداً } .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : « لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد قباء خرج رجال من الأنصار منهم يخدج جد عبدالله بن حنيف ، ووديعة بن حزام ، ومجمع بن جارية الأنصاري ، فبنوا مسجد النفاق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخدج » ويلك يا يخدج . . . ! ما أردت إلى ما أرى؟ قال : يا رسول الله ، والله ما أردت إلا الحسنى - وهو كاذب - فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأراد أن يعذره ، فأنزل الله { والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله } يعني رجلاً يقال له أبو عامر ، كان محارباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان قد انطلق إلى هرقل وكانوا يرصدون إذا قدم أبو عامر أن يصلي فيه ، وكان قد خرج من المدينة محارباً لله ولرسوله « .
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال » ذكر أن بني عمرو بن عوف ابتنوا مسجداً ، فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فيصلي في مسجدهم ، فأتاهم فصلى فيه ، فلما رأوا ذلك اخوتهم بنو غنم بن عوف حسدوهم ، فقالوا : نبني نحن أيضاً مسجداً كما بنى اخواننا فنرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي فيه ، ولعل أبا عامر أن يمر بنا فيصلي فيه . فبنوا مسجداً فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم فيصلي في مسجدهم كما صلى في مسجد اخوتهم ، فلما جاء الرسول قام ليأتيهم أو همَّ ليأتيهم ، فأنزل الله { والذين اتخذوا مسجداً ضراراً } إلى قوله { لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم } إلى آخر الآية « .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { والذين اتخذوا مسجداً } قال : المنافقون . وفي قوله { وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله } قال : لأبي عامر الراهب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { والذين اتخذوا مسجداً ضراراً } قال : إن نبي الله صلى الله عليه وسلم بنى مسجداً بقباء فعارضه المنافقون بآخر ، ثم بعثوا إليه ليصلي فيه فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك .

(5/160)


وأخرج ابن إسحق وابن مردويه عن ابن عباس قال : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم فقال مالك لعاصم : انظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي ، فدخل على أهله فأخذ سعفات من نار ، ثم خرجوا يشتدون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله فحرقوه وهدموه وخرج أهله فتفرقوا عنه ، فأنزل الله في شأن المسجد { والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً } إلى قوله { عليم حكيم } .
وأخرج ابن إسحق وابن مردويه عن أبي رهم كلثوم بن الحصين الغفاري - وكان من الصحابة الذين بايعوا تحت الشجرة - قال « أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بذي أوان بينه وبين المدينة ساعة من نهار وكان بنى مسجداً الضرار ، فأتوه وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا : يا رسول الله إنا بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة الشاتية والليلة المطيرة ، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه . قال : إني على جناح سفر ، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه ، فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف ، ومعن بن عدي ، وأخاه عاصم بن عدي أحد بلعجلان ، فقال : انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه واحرقاه ، فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف وهم رهط مالك بن الدخشم ، فقال مالك لمعن : أنظرني حتى أخرج إليك . فدخل إلى أهله ، فأخذ سعفاً من النخل فاشعل فيه ناراً ، ثم خرج يشتدان وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه ، وفيهم نزل من القرآن ما نزل { والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً } إلى أخر القصة » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { والذين اتخذوا مسجداً } قال : هم ناس من الأنصار ، ابتنوا مسجداً قريباً من مسجد قباء ، بلغنا أنه أول مسجد بُنيَ في الإِسلام .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن اسحق قال : كان الذين بنوا مسجد الضرار اثني عشر رجلاً . جذام بن خالد بن عبيد بن زيد ، وثعلبة بن حاطب ، وهزال بن أمية ، ومعتب بن قشير ، وأبو حبيبة بن الأزعر ، وعباد بن حنيف ، وجارية بن عامر ، وأبناء محمع ، وزيد ، ونبتل بن الحارث ، ويخدج بن عثمان ، ووديعة بن ثابت .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { والذين اتخذوا مسجداً ضراراً } قال : ضاروا أهل قباء { وتفريقاً بين المؤمنين } قال : فإن أهل قباء كانوا يصلون في مسجد قباء كلهم ، فلما بني أقصر من مسجد قباء من كان يحضره وصلوا فيه { وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى } فحلفوا ما أرداوا به إلا الخير .
أما قوله تعالى : { لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه } .

(5/161)


أخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن خزيمة وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي سعيد الخدري قال : « اختلف رجلان رجل من بني خدرة ، وفي لفظ : تماريت أنا ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى . فقال الخدري : هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال العمري : هو مسجد قباء . فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن ذلك فقال » هو هذا المسجد ، لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : في ذلك خير كثير ، يعني مسجد قباء « » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والزبير بن بكار في أخبار المدينة وأبو يعلى وابن حبان والطبراني والحاكم في الكنى وابن مردويه عن سهل بن سعد الساعدي قال : « اختلف رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الذي أسس على التقوى . فقال أحدهما : هو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم . وقال الآخر : هو مسجد قباء . فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه فقال » هو مسجدي هذا « » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه والخطيب والضياء في المختارة « عن أبي بن كعب قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال » هو مسجدي هذا « » .
وأخرج الطبراني والضياء المقدسي في المختارة عن زيد بن ثابت « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال » هو مسجدي هذا « » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه والطبراني من طريق عروة عن زيد بن ثابت قال : المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم مسجد النبي صلى الله عليه وسلم . قال عروة : مسجد النبي صلى الله عليه وسلم خير منه ، إنما أنزلت في مسجد قباء .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن ابن عمر قال : المسجد الذي أسس على التقوى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : المسجد الذي أسس على التقوى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج الزبير بن بكار وابن جرير وابن المنذر من طريق عثمان بن عبيدالله عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري وزيد بن ثابت قالوا : المسجد الذي أسس على التقوى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن سعيد بن المسيب قال : المسجد الذي أسس على التقوى مسجد المدينة الأعظم .

(5/162)


وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله { لمسجد أسس على التقوى } يعني مسجد قباء .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله { لمسجد أسس على التقوى } قال : هو مسجد قباء .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي والحاكم وصححه وابن ماجة عن أسيد بن ظهيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « صلاة في مسجدة قباء كعمرة » قال الترمذي : لا نعرف لأسيد بن ظهيرة شيئاً يصح غير هذا الحديث .
وأخرج ابن سعد عن ظهير بن رافع الحارثي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من صلى في قباء يوم الاثنين والخميس انقلب بأجر عمرة » .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الاختلاف إلى قباء راكباً وماشياً .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وابن ماجة عن سهل بن حنيف قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من خرج حتى يأتي هذا المسجد - مسجد قباء - فيصلي فيه كان كعدل عمرة » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين . أنه كان يرى كل مسجد بني بالمدينة أسس على التقوى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمار الذهبي قال : دخلت مسجد قباء أصلي فيه فأبصرني أبو سلمة فقال : أحببت أن تصلي في مسجد أسس على التقوى من أول يوم . فأخبرني أن ما بين الصومعة إلى القبلة زيادة زادها عثمان .

(5/163)


لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)

أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « نزلت هذه الآية في أهل قباء { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } قال : كانوا يستنجون بالماء ، فنزلت فيهم هذه الآية » .
وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال : « لما نزلت هذه الآية { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عويم بن ساعدة قال » ما هذا الطهور الذي اثنى الله عليكم؟ فقالوا : يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه ، أو قال : مقعدته . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هو هذا « » .
وأخرج أحمد وابن خزيمة والطبراني والحاكم وابن مردويه عن عويم بن ساعدة الأنصاري « أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال : إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم ، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ قالوا : والله يا رسول الله ما نعلم شيئاً إلا أنه كان لنا جيران من اليهود ، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا » .
وأخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الجارود في المنتقى والدارقطني والحاكم وابن مردويه وابن عساكر عن طلحة بن نافع قال : حدثني أبو أيوب ، وجابر بن عبدالله ، وأنس بن مالك رضي الله عنهم ، إن هذه الآية لما نزلت { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيراً في الطهور فما طهوركم هذا؟ قالوا : نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة قال : فهل مع ذلك غيره؟ قالوا : لا ، غير أن أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحب أن يستنجي بالماء . قال : هو ذاك فعليكموه » .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن مجمع بن يعقوب بن مجمع « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعويم بن ساعدة : ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم؟ فقالوا : نغسل الأدبار » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في تاريخه وابن جرير والبغوي في معجمه والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن محمد بن عبدالله بن سلام عن أبيه قال : « لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الذي أسس على التقوى فقال » إن الله قد أثنى عليكم في الطهور خيراً أفلا تخبروني؟ يعني قوله { فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين } فقالوا : يا رسول الله إنا لنجد مكتوباً في التوراة الاستنجاء بالماء ، ونحن نفعله اليوم « » .

(5/164)


وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال : « لما نزلت هذه الآية { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء » ما هذا الثناء الذي أثنى الله عليكم؟ قالوا : ما منا أحد إلا وهو يستنجي بالماء من الخلاء « » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن جعفر عن أبيه أن هذه الآية نزلت في أهل قباء { فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين } .
وأخرج عبد الرزاق في مصنفه والطبراني عن أبي أمامة قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء » ما هذا الطهور الذي خصصتم به في هذه الآية { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } ؟قالوا : يا رسول الله ما منا أحد يخرج من الغائط إلا غسل مقعدته « .
وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال » سأل النبي صلى الله عليه وسلم أهل قباء فقال : إن الله قد أثنى عليكم فقالوا : إنا نستنجي بالماء . فقال : إنكم قد أثنى عليكم فدوموا « .
وأخرج ابن جرير عن عطاء قال : أحدث قوم الوضوء بالماء من أهل قباء ، فأنزلت فيهم { فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين } .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن خزيمة بن ثابت قال : كان رجال منا إذا خرجوا من الغائط يغسلون أثر الغائط ، فنزلت فيهم هذه الآية { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري قال : قالوا : » يا رسول الله ، من هؤلاء الذين قال الله فيهم { فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين } ؟ قال : كانوا يستنجون بالماء ، وكانوا لا ينامون الليل كله وهم على الجنابة « .
وأخرج ابن سعد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق عروة بن الزبير أن عويم بن ساعدة قال : » يا رسول الله من الذين قال الله فيهم { رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين } ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « نعم القوم منهم عويم بن ساعدة ، ولم يبلغنا أنه سمى رجلاً غير عويم » « .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : » قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفر من الأنصار « إن الله قد أثنى عليكم في الطهور فما طهوركم؟ قالوا : نستنجي بالماء من البول والغائط » « .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر في هذه الآية { فيه رجال يحبون أن يتطهروا . . . } الآية . قال » سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طهورهم الذي أثنى الله به عليهم . قالوا : كنا نستنجي بالماء في الجاهلية ، فلما جاء الله بالإِسلام لم ندعه . قال : فلا تدعوه « .

(5/165)


وأخرج ابن مردويه من طريق يعقوب بن مجمع عن عبد الرحمن بن يزيد عن مجمع بن جارية عن النبي صلى الله عليه وسلم « أن هذه الآية نزلت في أهل قباء { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } وكانوا يغسلون أدبارهم بالماء » .
وأخرج ابن سعد من طريق موسى بن يعقوب عن السري بن عبد الرحمن عن عبادة بن حمزة . أنه سمع جابر بن عبدالله يخبر : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « نعم العبد من عباد الله والرجل من أهل الجنة عويم بن ساعدة . قال موسى : وبلغني أنه لما نزلت { فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : منهم عويم أول من غسل مقعدته بالماء فيما بلغني » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدخل الخلاء إلا توضأ أو مس ماء .
وأخرج عمر بن شبة في أخبار المدينة من طريق الوليد بن سندر الأسلمي عن يحيى بن سهل الأنصاري عن أبيه . إن هذه الآية نزلت في أهل قباء ، كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } الآية .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن قتادة « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبعض الأنصار : ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } ؟ قالوا : نستطيب بالماء إذا جئنا من الغائط » .

(5/166)


أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109)

أخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله { أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير } قال : هذا مسجد قباء { أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار } قال : هذا مسجد الضرار .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال : مسجد الرضوان أول مسجد بني بالمدينة في الإِسلام .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال : « لما أسس رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الذي أسسه على التقوى كان كلما رفع لبنة قال » اللهمَّ إن الخير خير الآخرة . ثم يناولها أخاه ، فيقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تنتهي اللبنة منتهاها ، ثم يرفع الأخرى فيقول : اللهمَّ اغفر للأنصار والمهاجرة ، ثم يناولها أخاه ، فيقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تنتهي اللبنة منتهاها « » .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم } قال : بنى قواعده في نار جهنم .
وأخرج مسدد في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : لقد رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حيث انهار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { فانهار به في نار جهنم } قال : والله ما تناهى أن وقع في النار ، ذكر لنا أنه حفرت فيه بقعة فرؤي منها الدخان .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { فانهار به في نار جهنم } قال : مسجد المنافقين انهار فلم يتناه دون أن وقع في النار . ولقد ذكر لنا : إن رجالاً حفروا فيه فرأوا الدخان يخرج منه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { فانهار به في نار جهنم } قال : فمضى حين خسف به .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة . أنه لا يزال منه دخان يفور لقوله { فانهار به في نار جهنم } ويقال : إنه بقعة في نار جهنم .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال : في قراءة عبدالله بن مسعود « فانهار به قواعده في نارجهنم » يقول : خر من قواعده في نار جهنم .

(5/167)


لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110)

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله { لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم } قال : يعني الشك { إلا أن تقطع قلوبهم } يعني الموت .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال : قلت لإِبراهيم : أرأيت قول الله { لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم } ؟ قال : الشك . قلت : لا . قال : فما تقول أنت؟ قلت : القوم بنوا مسجداً ضراراً وهم كفار حين بنوا ، فلما دخلوا في الإِسلام جعلوا لا يزالون يذكرون ، فيقع في قلوبهم مشقة من ذلك فتراجعوا له ، فقالوا : يا ليتنا لم نكن فعلنا ، وكلما ذكروه وقع من ذلك في قلوبهم مشقة وندموا . فقال إبراهيم : استغفر الله .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن حبيب بن أبي ثابت في قوله { ريبة في قلوبهم } قال : غيظاً في قلوبهم { إلا أن تقطع قلوبهم } قال : إلى أن يموتوا .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { إلا أن تقطع } قال : الموت أن يموتوا .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أيوب قال : كان عكرمة يقرأها « لا أن تقطع قلوبهم في القبر » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله { إلا أن تقطّع قلوبهم } قال : إلا أن يتوبوا ، وكان أصحاب عبد الله يقرأونها « ريبة في قلوبهم ولو تقطعت قلوبهم » .

(5/168)


إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)

أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا : قال عبدالله بن رواحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : اشترط لربك ولنفسك ما شئت . قال : اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم . قالوا فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال : الجنة . قال : ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل . فنزلت { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم . . . } الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبدالله قال « نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم } الآية . فكبر الناس في المسجد . فأقبل رجل من الأنصار ثانياً طرفي ردائه على عاتقه فقال : يا رسول الله أنزلت هذه الآية؟ قال : نعم . فقال الأنصاري : بيع ربيح لا نقبل ولا نستقيل » .
وأخرج ابن مردويه عن أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من سل سيفه في سبيل الله فقد بايع الله » .
وأخرج ابن سعد عن عباد بن الوليد بن عبادة بن الصامت « أن أسعد بن زرارة أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة فقال : يا أيها الناس هل تدرون علام تبايعون محمداً؟ إنكم تبايعونه على أن تحاربوا العرب والعجم والجن والإِنس كافة . فقالوا : نحن حرب لمن حارب وسلم لمن سالم . فقال أسعد بن زرارة : يا رسول الله اشترط عليَّ ، فقال : تبايعوني على أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وإني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتقيموا الصلاة ، وتؤتوا الزكاة ، والسمع والطاعة ، ولا تنازعوا الأمر أهله ، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأهليكم . قالوا : نعم . قال قائل الأنصار : نعم هذا لك يا رسول الله فما لنا؟ قال : الجنة والنصر » .
وأخرج ابن سعد عن الشعبي قال : « انطلق النبي صلى الله عليه وسلم بالعباس بن عبد المطلب - وكان ذا رأي - إلى السبعين من الأنصار عند العقبة فقال العباس : ليتكلم متكلمكم ولا يطل الخطبة ، فإن عليكم للمشركين عيناً وإن يعلموا بكم يفضحوكم . فقال قائلهم وهو أبو أمامة أسعد : يا محمد سل لربك ما شئت ثم سل لنفسك وأصحابك ما شئت ، ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك . فقال » أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، وأسألكم لنفسي وأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم . قال : فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال : الجنة . فكان الشعبي إذا حدث هذا الحديث قال : ما سمع الشيب والشبان بخطبة أقصر ولا أبلغ منها « .

(5/169)


وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن أنه كان إذا قرأ هذه الآية { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } قال : أنفس هو خلقها وأموال هو رزقها .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنة } قال : ثامنهم - والله - وأعلى لهم .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن قال : ما على ظهر الأرض مؤمن إلا قد دخل في هذه البيعة . وفي لفظ : اسعوا إلى بيعة بايع الله بها كل مؤمن { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } .
وأخرج ابن المنذر من طريق عياش بن عتبة الحضرمي عن إسحق بن عبدالله المدني قال : لما نزلت هذه الآية { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله نزلت هذه الآية؟ فقال : نعم . فقال الأنصار : بيع رابح لا نقيل ولا نستقيل قال عياش : وحدثني اسحق أن المسلمين كلهم قد دخلوا في هذه الآية ، ومن كان منهم إذا احتيج إليه نفع وأغار ، ومن كان منهم لا يغير إذا احتيج إليه فقد خرج من هذه البيعة « .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون } يعني يقاتلون المشركين { في سبيل الله } يعني في طاعة الله { فيقتلون } العدو { ويقتلون } يعني المؤمنين { وعداً عليه حقاً } يعني ينجز ما وعدهم من الجنة { في التوراة والإِنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله } فليس أحد أوفى بعهده من الله { فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به } الرب تبارك بإقراركم بالعهد الذي ذكره في هذه الآية { وذلك } الذي ذكر من الثواب في الجنة للقاتل والمقتول { هو الفوز العظيم } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } قال : ثامنهم - والله - فأعلى لهم الثمن { وعداً عليه حقاً في التوراة والإِنجيل والقرآن } قال : وعدهم في التوراة والإِنجيل أنه من قتل في سبيل الله أدخله الجنة .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن شمر بن عطية قال : ما من مسلم إلا ولله تعالى في عنقه بيعة وفّى بها أو مات عليها { إن الله اشترى من المؤمنين } الآية .
وأخرج أبو الشيخ عن الربيع قال : في قراءة عبدالله رضي الله عنه » إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بالجنة « .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله { إن الله اشترى . . . } الآية . قال : نسخها { ليس على الضعفاء } [ التوبة : 91 ] الآية .
وأخرج أبو الشيخ عن سليمان بن موسى رضي الله عنه : وجبت نصرة المسلمين على كل مسلم لدخوله في البيعة التي اشترى الله بها من المؤمنين أنفسهم .

(5/170)


التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112)

أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال : من مات على هذه التسع فهو في سبيل الله { التائبون العابدون } إلى آخر الآية .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : الشهيد من كان فيه التسع خصال { التائبون العابدون } إلى قوله { وبشر المؤمنين } .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله { التائبون } قال : تابوا من الشرك وبرئوا من النفاق . وفي قوله { العابدون } قال : عبدوا الله في أحايينهم كلها ، أما والله ما هو بشهر ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين ولكن كما قال العبد الصالح { وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً } [ مريم : 31 ] وفي قوله { الحامدون } قال : يحمدون الله على كل حال في السراء والضراء . وفي قوله { الراكعون الساجدون } قال : في الصلوات المفروضات . وفي قوله { الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر } قال : لم يأمروا بالمعروف حتى ائتمروا به ، ولم ينهوا الناس عن المنكر حتى انتهوا عنه . وفي قوله { والحافظون لحدود الله } قال : القائمون بأمر الله عز وجل { وبشر المؤمنين } قال : الذين لم يغزوا .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله { التائبون } قال : من الشرك والذنوب { العابدون } قال : العابدون لله عز وجل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { التائبون } قال : الذين تابوا من الشرك ولم ينافقوا في الإِسلام { العابدون } قال : قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم { الحامدون } قال : قوم يحمدون الله على كل حال { السائحون } قال : قوم أخذوا من أبدانهم صوماً لله عز وجل { والحافظون لحدود الله } قال : لفرائضه من حلاله وحرامه .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس { العابدون } قال : الذين يقيمون الصلاة .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أول من يدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون الله على السراء والضراء » .
وأخرج ابن المبارك عن سعيد بن جبير قال : إن أول من يدعى إلى الجنة الذين يحمدون الله على كل حال ، أو قال : في السراء والضراء .
وأخرج البيهقي في الشعب عن عائشة قالت « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الأمر يسره قال : الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وإذا أتاه الأمر يكرهه قال : الحمد لله على كل حال » .
وأخرج ابن جرير عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال : « سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن السائحين ، قال » هم الصائمون « » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال : كلما ذكر الله في القرآن السياحة هم الصائمون .

(5/171)


وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال { السائحون } الصائمون .
وأخرج ابن جرير عن عائشة قالت : سياحة هذه الأمة الصيام .
وأخرج الفريابي ومسدد في مسنده وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق عبيد بن عمير عن أبي هريرة قال : « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السائحين ، فقال » هم الصائمون « » .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه وابن النجار من طريق أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « السائحون : هم الصائمون » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السائحين . فقال : » الصائمون « » .
وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال { السائحون } الصائمون .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { السائحون } قال : هم الصائمون .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن الحسن مثله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عمرو العبدي قال { السائحون } الصائمون الذين يديمون الصيام .
وأخرج ابن المنذر عن سفيان بن عيينة قال : إنما سمي الصائم السائح لأنه تارك للذات الدنيا كلها من المطعم والمشرب والمنكح ، فهو تارك للدنيا بمنزلة السائح .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي فاختة مولى جعدة بن هبيرة . أن عثمان بن مظعون أراد أن ينظر أيستطيع السياحة؟ قال : كانوا يعدون السياحة قيام الليل وصيام النهار .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي أمامة . « أن رجلاً استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السياحة . قال » إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله « » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { السائحون } قال : هم المهاجرون ، ليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم سياحة إلا الهجرة ، وكانت سياحتهم الهجرة حين هاجروا إلى المدينة ، ليس في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ترهب .
وأخرج ابن جرير عن وهب بن منبه قال : كانت السياحة في بني إسرائيل .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله { السائحون } قال : طلبة العلم .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس الآمرون بالمعروف قال : بلا إله إلا الله { والناهون عن المنكر } قال : الشرك بالله { وبشر المؤمنين } قال : الذين لم يغزوا .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله { والحافظون لحدود الله } قال : لفرائض الله التي افترض ، نزلت هذه الآية في المؤمنين الذين لم يغزوا ، والآية التي قبلها فيمن غزا { وبشر المؤمنين } قال : الغازين .
وأخرج أبو الشيخ عن الربيع في هذه الآية قال : هذه قال فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله قضى على نفسه في التوراة والإِنجيل والقرآن لهذه الأمة أنه من قتل منهم على هذه الأعمال كان عند الله شهيداً ، ومن مات منهم عليها فقد وجب أجره على الله .

(5/172)


وأخرج ابن المنذر عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : الشهيد من لو مات على فراشه دخل الجنة . قال : وقال ابن عباس : من مات وفيه تسع فهو شهيد { التائبون العابدون } إلى آخر الآية .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } يعني بالجنة ، ثم قال : { التائبون } إلى قوله { والحافظون لحدود الله } يعني القائمون على طاعة الله ، وهو شرط اشترطه الله على أهل الجهاد إذا وفوا الله بشرطه وفى لهم بشرطهم .

(5/173)


مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114)

أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال : « لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل ، وعبد الله بن أبي أمية ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم » أي عم ، قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله . فقال أبو جهل وعبدالله بن أبي أمية : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه وأبو جهل وعبدالله يعاونانه بتلك المقالة . فقال أبو طالب آخر ما كلمهم : هو على ملة عبد المطلب ، وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك . فنزلت { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } الآية . وأنزل الله في أبي طالب فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } [ القصص : 56 ] « .
وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان والضياء في المختارة عن علي قال : سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت : تستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال : أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } الآية .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : كانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية ، فلما نزلت امسكوا عن الاستغفار لأمواتهم ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا ، ثم أنزل الله تعالى { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه } الآية . يعني استغفر له ما كان حياً ، فلما مات أمسك عن الاستغفار .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب قال : لما مرض أبو طالب أتاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال المسلمون : هذا محمد صلى الله عليه وسلم يستغفر لعمه وقد استغفر إبراهيم لأبيه فاستغفروا لقراباتهم من المشركين . فأنزل الله { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } ثم أنزل الله تعالى { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه } قال : كان يرجوه في حياته { فلما تبين له أنه عدوّ لله تبرأ منه } .
وأخرج ابن جرير من طريق شبل عن عمرو بن دينار » أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك ، فلا أزال استغفر لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربي . وقال أصحابه : لنستغفرن لآبائنا كما استغفر النبي صلى الله عليه وسلم لعمه ، فأنزل الله { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } إلى قوله { نبرأ منه } « .

(5/174)


وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال : « لما حضرت أبا طالب الوفاة ، أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : أي عم ، إنك أعظم عليَّ حقاً من والدي فقل كلمة يجب لك بها الشفاعة يوم القيامة ، قل لا إله إلا الله . فذكر نحو ما تقدم » .
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال : « ذكر لنا أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : يا نبي الله إن من آبائنا من كان يحسن الجوار ، ويصل الرحم ، ويفك العاني ، ويوفي بالذمم ، أفلا نستغفر لهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم » والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه . فأنزل الله { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين . . . } الآية ثم عذر الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال : { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه } إلى قوله { تبرأ منه } وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : أوحى إليّ كلمات قد دخلن في أذني ووقرن في قلبي ، أمرت أن لا أستغفر لمن مات مشركاً ، ومن أعطى فضل ماله فهو خير له ، ومن أمسك فهو شر له ، ولا يلوم الله على كفاف « » .
وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن علي قال « أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بموت أبي طالب ، فبكى فقال : اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه . ففعلت وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر له أياماً ولا يخرج من بيته ، حتى نزل جبريل عليه السلام عليه بهذه الآية { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } » .
وأخرج ابن سعد وأبو الشيخ وابن عساكر من طريق سفيان بن عيينة عن عمر قال : « لما مات أبو طالب قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم » رحمك الله وغفر لك ، لا أزال أستغفر لك حتى ينهاني الله ، فأخذ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مشركون ، فأنزل الله { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين . . . } الآية . فقالوا : قد استغفر إبراهيم لأبيه فنزلت { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه . . . } الآية . قال : فلما مات على كفره تبين له أنه عدوّ لله « » .
وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن الحسن قال : لما مات أبو طالب قال النبي صلى الله عليه وسلم « إن إبراهيم استغفر لأبيه وهو مشرك وأنا أستغفر لعمي حتى أبلغ ، فأنزل الله { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى } يعني به أبا طالب فاشتد على النبي صلى الله عليه وسلم فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه } يعني حين قال { سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً } [ مريم : 47 ] { فلما تبين له أنه عدوّ لله } يعني مات على الشرك { تبرأ منه } » .

(5/175)


وأخرج ابن جرير من طريق عطية العوفي عن ابن عباس في قوله { ما كان للنبي والذين آمنوا . . . } الآية . قال إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستغفر لأبيه ، فنهاه الله عن ذلك قال « فإن إبراهيم قد استغفر لأبيه . فنزلت { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه } الآية . قلت إن هذا الأثر ضعيف معلول ، فإن عطية ضعيف وهو مخالف لرواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس السابقة ، وتلك أصح وعلى ثقة جليل » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس « أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غزوة تبوك اعتمر ، فلما هبط من ثنية عسفان أمر أصحابه أن يستندوا إلى العقبة حتى أرجع إليكم ، فذهب فنزل على قبر أمه آمنة ، فناجى ربه طويلاً ، ثم انه بكى فاشتد بكاؤه ، فبكى هؤلاء لبكائه فقالوا : يا نبي الله بكينا لبكائك . قلنا لعله أحدث في أمتك شيء لم يطقه فقال : لا ، وقد كان بعضه ولكني نزلت على قبر أمي فدعوت الله تعالى ليأذن لي في شفاعتها يوم القيامة ، فأبى أن يأذن لي فرحمتها وهي أمي فبكيت ، ثم جاءني جبريل عليه السلام فقال { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه } الآية . فتبرأ أنت من أمك كما تبرأ إبراهيم من أبيه فرحمتها وهي أمي ، فدعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربع فرفع عنهم اثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين . دعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض ، وأن لا يلبسهم شيعاً ، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض ، فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض ، وأبى أن يرفع عنهم القتل والهرج . قال : وإنما عدل إلى قبر أمه لأنها كانت مدفونة تحت كدي » وكانت عسفان لهم وبها ولد النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال « خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً إلى المقابر ، فاتبعناه فجاء حتى جلس إلى قبر منها ، فناجاه طويلاً ثم بكى فبكينا لبكائه ، ثم قام فقام إليه عمر ، فدعاه ثم دعانا فقال : ما أبكاكم؟ قلنا : بكينا لبكائك . قال : إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة ، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي ، وإني استأذنت ربي في الاستغفار لها فلم يأذن لي ، وأنزل علي { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى } فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة ، فذلك الذي أبكاني » .

(5/176)


وأخرج ابن مردويه عن بريدة قال « كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ وقف على عسفان ، فنظر يميناً وشمالاً فأبصر قبر أمه آمنة ، ورد الماء فتوضأ ثم صلى ركعتين ودعا فلم يفجأنا إلا وقد علا بكاؤه فعلا بكاؤنا لبكائه ، ثم انصرف إلينا فقال : ما الذي أبكاكم؟ قالوا : بكيت فبكينا يا رسول الله . قال : وما ظننتم؟ قالوا : ظننا أن العذاب نازل علينا بما نعمل . قال : لم يكن من ذلك شيء . قالوا : فظننا أن أمتك كلفت من الأعمال ما لا يطيقون فرحمتها . قال : لم يكن من ذلك شيء ، ولكن مررت بقبر أمي آمنة فصليت ركعتين ، فاستأذنت ربي أن استغفر لها فنهيت ، فبكيت ثم عدت فصليت ركعتين فاستأذنت ربي أن أستغفر لها ، فزجرت زجراً فعلا بكائي ثم دعا براحلته فركبها ، فما سار إلا هنية حتى قامت الناقة لثقل الوحي ، فأنزل الله { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين . . . } الآيتين » .
وأخرج ابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال « جاء ابنا مليكة - وهما من الأنصار - فقالا : يا رسول الله إن أمنا كانت تحفظ على البعل وتكرم الضيف ، وقد وُئدت في الجاهلية فأين أمنا؟ فقال : أمكما في النار . فقاما وقد شق ذلك عليهما ، فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعا ، فقال : ألا أن أمي مع أمكما فقال منافق من الناس : أما ما يغني هذا عن أمه إلا ما يغني ابنا مليكة عن أمهما ونحن نطأ عقبيه . فقال شاب من الأنصار لم أر رجلاً أكثر سؤالاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم منه : يا رسول الله وأين أبواك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما سألتهما ربي فيطيعني فيهما . وفي لفظ : فيطعمني فيهما ، وإني لقائم يومئذ المقام المحمود ، فقال المنافق للشاب الأنصاري : سله وما المقام المحمود؟ قال : يا رسول الله وما المقام المحمود؟ قال : ذاك يوم ينزل الله فيه على كرسيه يئط فيه كما يئط الرحل الجديد من تضايقه ، وهو كسعة ما بين السماء والأرض ، ويجاء بكم حفاة عراة غرلاً ، فيكون أول من يكسى إبراهيم . يقول الله : اكسوا خليلي . فيؤتى بريطتين بيضاوين من رياط الجنة ثم اكسى على أثره ، فأقوم عن يمين الله مقاماً يغبطني فيه الأوّلون والآخرون ، ويشق لي نهر من الكوثر إلى حوضي قال : يقول المنافق : لم أسمع كاليوم قط لقلما جرى نهر قط إلا في إحالة أو رضراض ، فسله فيم يجري النهر إليهم؟ قال : في إحالة من المسك ورضراض . قال : يقول المنافق : لم أسمع كاليوم قط . والله لقلما جرى نهر قط إلا كان له نبات ، فسله هل لذلك النهر نبات؟ فقال الأنصاري : يا رسول الله هل لذلك النهر نبات؟ قال : نعم . قال : ما هو؟ قال : قضبان الذهب . قال : يقول المنافق : لم أسمع كاليوم قط والله ما نبت قضيب إلا كان له ثمر ، فسله هل لتلك القضبان ثمار؟ فسأل الأنصاري قال : يا رسول الله هل لتلك القضبان ثمار؟ قال : نعم ، اللؤلؤ والجوهر . فقال المنافق : لم أسمع كاليوم قط ، فسله عن شراب الحوض؟ فقال الأنصاري : يا رسول الله ما شراب الحوض؟ قال : أشد بياضاً من اللبن ، وأحلى من العسل ، من سقاه الله منه شربة لم يظمأ بعدها ، ومن حرمه لم يرو بعدها » .

(5/177)


وأخرج ابن سعد عن الكلبي وأبي بكر بن قيس الجعفي قالا : « كانت جعفى يحرمون القلب في الجاهلية ، فوفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان منهم قيس بن سلمة ، وسلمة بن يزيد ، وهما أخوان لأُم ، فاسلما فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم » بلغني أنكما لا تأكلان القلب . قالا : نعم . قال : فإنه لا يكمل إسلامكما إلا بأكله . ودعا لهما بقلب فشوي وأطعمه لهما . فقالا : يا رسول الله إن أمنا مليكة بنت الحلو ، كانت تفك العاني ، وتطعم البائس ، وترحم الفقير ، وإنها ماتت وقد وأدت بنية لها صغيرة فما حالها؟ فقال : الوائدة والموءودة في النار . فقاما مغضبين . فقال : إلي . فارجعا ، فقال : وأمي مع أمكما . فأبيا ومضيا وهما يقولان : والله إن رجلاً أطعمنا القلب وزعم أن أمنا في النار لأهل أن لا يتبع ، وذهبا فلقيا رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه إبل من إبل الصدقة ، فأوثقاه وطردا الإِبل ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلعنهما فيمن كان يلعن في قوله : لعن الله رعلاً وذكوان وعصية ولحيان ، وابني مليكة من حريم وحران « » .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وقضى ربك ألاَّ تعبدوا إلا إياه } [ الإِسراء : 23 ] إلى قوله { كما ربياني صغيراً } [ الإِسراء : 24 ] قال : ثم استثنى فقال { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } إلى قوله { عن موعدة وعدها إياه } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فلما تبين له أنه عدوّ لله } قال : تبين له حين مات ، وعلم أن التوبة قد انقطعت عنه .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو بكر الشافعي في فوائده والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات ، فلما مات تبين له أنه عدوّ لله فتبرأ منه .

(5/178)


وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس { فلما تبين له أنه عدوّ لله } يقول : لما مات على كفره .
أما قوله تعالى : { إن إبراهيم لأوّاه حليم } .
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي ذر رضي الله عنه قال : « كان رجل يطوف بالبيت ويقول في دعائه : أوّه أوّه . . . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » إنه لأوّاه « » .
وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان عن كعب رضي الله عنه في قوله { إن إبراهيم لأوّاه حليم } قال : كان إبراهيم عليه السلام إذا ذكر النار قال : أوّه من النار أوّه .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي الجوزاء . مثله .
وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه « أن رجلاً كان يرفع صوته بالذكر فقال رجل : لو أن هذا خفض صوته . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعه فإنه أوّاه » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل يقال له ذو البجادين : إنه أوّاه ، وذلك أنه كان يكثر ذكر الله بالقرآن والدعاء » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما « أن النبي صلى الله عليه وسلم أدخل ميتاً القبر ، وقال : رحمك الله ان كنت لأوّاهاً تلاء للقرآن » . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبدالله بن شداد بن الهاد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « الأوّاه : الخاشع المتضرع » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال : الأوّاه : الدعاء .
وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال : الأوّاه الدعاء المستكين إلى الله كهيئة المريض المتأوّه من مرضه .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ عن أبي العبيدين قال : سألت عبدالله بن مسعود عن الأوّاه فقال : هو الرحيم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال : الأوّاه المؤمن التوّاب .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال : الأوّاه الحليم المؤمن المطيع .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أيوب قال : الأوّاه الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال : الأوّاه المؤمن بالحبشية .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس قال : الأوّاه الموقن .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ من طريق أبي ظبيان عن ابن عباس قال : الأوّاه الموقن بلسان الحبشية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : الأوّاه الموقن بلسان الحبشة .

(5/179)


وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : الأوّاه الموقن بلسان الحبشة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : الأوّاه الموقن بلسان الحبشة .
وأخرج ابن جرير عن عطاء قال : الأوّاه الموقن بلسان الحبشة .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : الأوّاه الموقن بلسان الحبشة .
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال : الأوّاه الموقن ، وهي كلمة حبشية .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد قال : الأوّاه الفقيه الموقن .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال : الأوّاه الشيخ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي ميسرة قال : الأوّاه الشيخ .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عمرو بن شرحبيل قال : الأوّاه الرحيم بلسان الحبشة .
وأخرج ابن المنذر عن عمرو بن شرحبيل قال : الأوّاه الدعاء بلسان الحبشة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال : الأوّاه المسيح .
وأخرج البخاري في تاريخه عن الحسن قال : الأوّاه الذي قلبه معلق عند الله .
وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم قال : كان إبراهيم يسمى الأوّاه لرقته ورحمته .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { إن إبراهيم لأوّاه حليم } قال : الحليم الرحيم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إن إبراهيم لأوّاه حليم } قال : كان من حلمه أنه كان إذا أذاه الرجل من قومه قال له : هداك الله .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال : ما أنزل شيء من القرآن إلا وأنا أعلمه إلا أربع آيات . إلا { الرقيم } [ الكهف : 9 ] فإني لا أدري ما هو فسألت كعباً؟ فزعم أنها القرية التي خرجوا منها { وحناناً من لدنا وزكاة } [ مريم : 13 ] قال : لا أدري ما الحنان ولكنها الرحمة { والغسلين } [ الحاقة : 36 ] لا أدري ما هو ولكني أظنه الزقوم . قال الله { إن شجرة الزقوم طعام الأثيم } [ الدخان : 42 - 43 ] قال : والأوّاه هو الموقن بالحبشية .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال : الأوّاه المؤمن .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال : الأوّاه المنيب الفقير .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عقبة بن عامر قال : الأوّاه الكثير ذكر الله .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وما كان الله ليضلّ قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون } قال : بيان الله للمؤمنين في الاستغفار للمشركين خاصة ، وفي بيانه طاعته ومعصيته عامة ما فعلوا أو تركوا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { حتى يبين لهم ما يتقون } قال : ما يأتونه وما ينتهون عنه .

(5/180)


وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (116)

وأخرج ابن المنذر عن يحيى بن عقيل رضي الله عنه قال : دفع إلى يحيى بن يعمر كتاباً قال : هذه خطبة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، كان يقوم فيخطب بها كل عشية خميس على أصحابه ذكر الحديث ، ثم قال : فمن استطاع منكم أن يغدو عالماً أو متعلماً فليفعل ولا يغدو لسوى ذلك ، فإن العالم والمتعلم شريكان في الخير ، أيها الناس إني والله ما أخاف عليكم أن تؤخذوا بما لم يبين لكم وقد قال الله تعالى { وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون } فقد بين لكم ما تتقون .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون } قال : نزلت حين أخذوا الفداء من المشركين يوم الأسارى ، قال : لم يكن لكم أن تأخذوه حتى يؤذن لكم ولكن ما كان الله ليعذب قوماً بذنب أذنبوه حتى يبين لهم ما يتقون . قال : حتى ينهاهم قبل ذلك .

(5/181)


لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117)

أخرج ابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل والضياء في المختارة عن ابن عباس . أنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حدثنا من شأن ساعة العسرة . فقال « خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد ، فنزلنا منزلاً فأصابنا فيه عطش حتى ظننا إن رقابنا ستقطع ، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده ، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : يا رسول الله إن الله قد عوّدك في الدعاء خيراً فادع لنا . فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأهطلت ، ثم سكبت فملأوا ما معهم ، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { في ساعة العسرة } قال : غزوة تبوك .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة } قال : هم الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قبل الشام في لهبان الحر على ما يعلم الله من الجهد ، أصابهم فيها جهد شديد حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كان يشقان التمرة بينهما ، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها أحدهم ثم يشرب عليها الماء ثم يمصها الآخر ، فتاب الله عليهم فأقفلهم من غزوتهم .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الدلائل عن محمد بن عبد الله بن عقيل بن أبي طالب في قوله { الذين اتبعوه في ساعة العسرة } قال : خرجوا في غزوة تبوك الرجلان والثلاثة على بعير ، وخرجوا في حر شديد فأصابهم يوماً عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم فيعصرون أكراشها ويشربون ماءها ، فكان ذلك عسرة من الماء وعسرة من النفقة وعسرة من الظهر .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن جابر في قوله { الذين اتبعوه في ساعة العسرة } قال : عسرة الظهر ، وعسرة ، وعسرة الماء .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك . أنه قرأ { من بعد ما زاغت قلوب طائفة منهم } .

(5/182)


وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن منده وابن مردويه وابن عساكر عن جابر بن عبد الله في قوله وعلى الثلاثة الذين خلفوا قال : كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن ربيعة وكلهم من الأنصار
وأخرج ابن مردويه عن مجمع بن جارية قال : الثلاثة الذين خلفوا فتاب الله عليهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن ربعي
وأخرج ابن مردويه عن ابن شهاب قال : إن الثلاثة الذين خلفوا كعب بن مالك من بني سلمة وهلال بن أمية من بني واقف ومرارة بن ربيع من بني عمرو بن عوف وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال : لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي أوان خرج عامة المنافقين الذين كانوا تخلفوا عنه يتلقونه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه « لا تكلمن رجلا تخلف عنا ولا تجالسوه حتى آذن لكم فلم يكلموهم فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه الذين تخلفوا يسلمون عليه فأعرض عنهم وأعرض المؤمنون عنهم حتى أن الرجل ليعرض عنه أخوه وأبوه وعمه فجعلوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعتذرون بالجهد والأسقام فرحمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعهم واستغفر لهم وكان ممن تخلف عن غير شك ولا نفاق ثلاثة نفر الذين ذكر الله تعالى في سورة التوبة
كعب بن مالك السلمي وهلال بن أمية الواقفي ومرارة بن ربيعة العامري »
وأخرج ابن منده وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما وعلى الثلاثة الذين خلفوا قال : كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه والبيهقي من طريق الزهري قال : أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك غير أني تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنها إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر
وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزاة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا واستقبل عدوا كثيرا فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم فأخبرهم وجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير لا يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان
قال كعب رضي الله عنه : فقل رجل يريد أن يتغيب إلى ظن أن ذلك سيخفى ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل وآن لها أن تصغر فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولا أقضي شيئا فأقول لنفسي : أنا قادر على ذلك إن أردت
فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا وفلت الجهاز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه فغدوت بعد ما فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئا ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى انتهوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم - وليت أني أفعل - ثم لم يقدر لي ذلك فطفقت إذ خرجت في الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه من النفاق أو رجلا ممن عذره الله
ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك « ما فعل كعب بن مالك ؟ فقال رجل من بني سلمة : حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه
فقال له معاذ بن جبل : بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا
فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم »
قال كعب بن مالك : فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك حضرني همي فطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما راح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا فأجمعت صدقه وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله حتى جئت فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال لي « تعال
فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال : ما خلفك ألم تكن قد اشتريت ظهرك ؟ فقلت : يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر لقد أعطيت جدلا ولكنه - والله - لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى عني به ليوشكن الله يسخطك علي ولئن حدثتك الصدق وتجد علي فيه أني لأرجو قرب عتبي من الله والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك » فقمت وبادرني رجال من بني سلمة واتبعوني فقالوا لي : والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون فلقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي ثم قلت لهم : هل لقي هذا معي أحدا ؟ قالوا : نعم لقيه معك رجلان قالا ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك
فقلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع وهلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة حسنة فمضيت حين ذكروهما لي
قال : ونهى رسول الله الناس عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض التي كنت أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم وأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي فإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد السلام علي فقلت له : يا أبا قتادة أنشدك الله تعالى هل تعلم أني أحب الله ورسوله ؟ قال : فسكت
قال : فعدت فنشدته فسكت فعدت فنشدته قال : الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار
وبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول : من يدل على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاء فدفع إلي كتابا من ملك غسان - وكنت كاتبا - فإذا فيه : أما بعد فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك
فقلت حين قرأتها : وهذا أيضا من البلاء
فيممت بها التنور فسجرته فيها حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل إمرأتك
فقلت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ ! قال : بل اعتزلها ولا تقربها وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك
فقلت لإمرأتي : الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن هلالا شيخ ضائع وليس له خادم فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : لا ولكن لا يقربنك
فقالت : إنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي من لدن إن كان من أمرك ما كان إلى يومه هذا
فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه
فقلت : والله لا استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أدري ما يقول إذا استأذنته وأنا رجل شاب
قال : فلبثنا عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا
قال : ثم صليت الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عنا قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صارخا أوفى جبل سلع يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر
فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء الفرج فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إلي رجل فرسا وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته - والله ما أملك غيرهما يومئذ - فاستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا بعد فوج يهنئونني بالتوبة يقولون : ليهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره
قال : فكان كعب رضي الله عنه لا ينساها لطلحة
قال كعب رضي الله عنه : فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور « أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك
قلت : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال : لا بل من عند الله
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر
فلما جلست بين يديه قلت يا رسول الله إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم قال : أمسك بعض مالك فهو خير لك
قلت : إني أمسك سهمي الذي بخيبر وقلت : يا رسول الله إنما نجاني الله بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت
قال : فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله تعالى والله ما تعمدت منذ قلت ذلك إلى يومي هذا كذبا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي وأنزل الله لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار التوبة الآية 117 إلى قوله وكونوا مع الصادقين فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه فإن الله قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد فقال سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس التوبة الآية 95 إلى قوله الفاسقين قال : وكنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خلفوا فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه فبذلك قال وعلى الثلاثة الذين خلفوا وليس تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا الذي ذكر مما خلفنا بتخلفنا عن الغزو وإنما هو حلف له واعتذر إليه فقبل منه »

(5/183)


وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال : لما نزلت توبتي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقبَّلت يده وركبتيه ، وكسوت المبشر ثوبين .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } قال : الذين أرجأوا في وسط براءة قوله { وآخرون مرجون لأمر الله } [ التوبة : 106 ] هلال بن أمية ، ومرارة بن ربيعة ، وكعب بن مالك .
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } مثقلة يقول : عن غزوة تبوك .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال : لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك تخلف كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع ، قال : أما أحدهم فكان له حائط حين زها قد فشت فيه الحمرة والصفرة فقال : غزوت وغزوت وغزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فلو أقمت العام في هذا الحائط فأصبت منه .

(5/184)


فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه دخل حائطه فقال : ما خلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم وما استبق المؤمنون في الجهاد في سبيل الله إلا ضن بك أيها الحائط ، اللهمَّ إني أشهدك أني تصدقت به في سبيلك . وأما الآخر فكان قد تفرق عنه من أهله ناس واجتمعوا له فقال : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزوت ، فلو أني أقمت العام في أهلي . فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال : ما خلفني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما استبق إليه المجاهدون في سبيل الله إلا ضن بكم أيها الأهل ، اللهم إن لك عليَّ أن لا أرجع إلى أهلي ومالي حتى أعلم ما تقضي فيَّ . وأما الآخر فقال : اللهم إن لك عليَّ أن ألحق بالقوم حتى أدركهم أو أنقطع . فجعل يتتبع الدقع والحزونة حتى لحق بالقوم ، فأنزل الله { لقد تاب الله على النبي } إلى قوله { وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت } قال الحسن رضي الله عنه : يا سبحان الله! والله ما أكلوا مالاً حراماً ، لا أصابوا دماً حراماً ، ولا أفسدوا في الأرض ، غير أنهم أبطأوا عن شيء من الخير الجهاد في سبيل الله ، وقد - والله - جاهدوا وجاهدوا وجاهدوا ، فبلغ منهم ما سمعتم فهكذا يبلغ الذنب من المؤمن .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } يعني خلفوا عن التوبة ، لم يتب عليهم حتى تاب الله على أبي لبابة وأصحابه .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن عساكر عن عكرمة في قوله { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } عن التوبة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة بن خالد المخزومي ، أنه كان يقرؤها { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } نصب أي بعد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : دعا الله إلى توبته من قال { أنا ربكم الأعلى } [ النازعات : 24 ] . وقال { ما علمت لكم من إله غيري } [ القصص : 38 ] ومن آيس العباد من التوبة بعد هؤلاء فقد جحد كتاب الله ، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله وهو قوله { ثم تاب عليهم ليتوبوا } فبدء التوبة من الله عز وجل .

(5/185)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن نافع في قوله { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } قال : نزلت في الثلاثة الذين خلفوا : قيل لهم : كونوا مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
وأخرج ابن المنذر عن كعب بن مالك قال : فينا نزلت أيضاً { اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر في قوله { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } قال : مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله { وكونوا مع الصادقين } قال : مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن الضحاك في قوله { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } قال : امروا أن يكونوا مع أبي بكر وعمر وأصحابهما .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله { اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } قال : مع علي بن أبي طالب .
وأخرج ابن عساكر عن أبي جعفر في قوله { وكونوا مع الصادقين } قال : مع علي بن أبي طالب .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } قال : كونوا مع كعب بن مالك ، ومرارة بن ربيعة ، وهلال بن أمية .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن مسعود قال : لا يصلح الكذب في جد ولا هزل ولا أن يعد أحدكم صبيه شيئاً ثم لا ينجزه ، اقرأوا إن شئتم { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } قال : وهي في قراءة عبد الله هكذا ، قال : فهل تجدون لأحد رخصة في الكذب .
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس أنه كان يقرأ { وكونوا مع الصادقين } .
وأخرج أبو داود الطيالسي والبخاري في الأدب وابن عدي والبيهقي في الشعب « عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه » سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : عليكم بالصدق فإنه يهدي إلى البر وهما في الجنة ، وإياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور وهما في النار ، ولا يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ، ولا يزال يكذب حتى يكتب عند الله كذاباً « » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن عدي والبيهقي وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « عليكم بالصدق فأن الصدق يهدي إلى البر ، وأن البر يهدي إلى الجنة ، وأن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً » .

(5/186)


وأخرج ابن عدي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يا أيها الناس اجتنبوا الكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإنه يقال : صدق وبر وكذب وفجر » .
وأخرج أحمد والبيهقي في الشعب « عن أبي مالك الجشمي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : أرأيت لو كان لك عبدان أحدهما يخونك ويكذبك حديثاً ، والآخر لا يخونك ويصدقك حديثاً أيهما أحب إليك؟ قال : قلت : الذي لا يخونني ويصدقني حديثاً ، قال : كذلك أنتم عند ربكم عز وجل » .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله عنه رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل ، ولا يعد الرجل ابنه ثم لا ينجز له ، إن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، إنه يقال للصادق صدق وبر ، ويقال للكاذب كذب وفجر ، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ، ويكذب حتى يكتب عند الله كذاباً » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن أسماء بنت يزيد « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال : ما يحملكم على أن تتابعوا على الكذب كما يتتابع الفراش في النار ، كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب في خديعة حرب ، أو إصلاح بين إثنين ، أو رجل يحدث امرأته ليرضيها » .
وأخرج البيهقي عن النوّاس بن سمعان الكلابي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما لي أراكم تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار ، كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب في خديعة حرب ، أو إصلاح بين إثنين ، أو رجل يحدث امرأته ليرضيها » .
وأخرج البيهقي عن ابن شهاب قال : ليس بكذاب من درأ عن نفسه .
وأخرج ابن عدي والبيهقي وضعفه عن أبي بكر رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الكذب مجانب للإِيمان » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن عدي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : إياكم والكذب فإن الكذب مجانب للإِيمان . قال البيهقي : هذا هو الصحيح موقوف .
وأخرج ابن عدي والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « يطبع المؤمن على كل شيء إلا الخيانة والكذب » .
وأخرج ابن عدي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال

(5/187)


« يطبع المؤمن على كل خلق ليس الخيانة والكذب » .
وأخرج ابن عدي عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن المؤمن ليطبع على خلال شتى من الجود والبخل وحسن الخلق ، ولا يطبع المؤمن على الكذب ، ولا يكون كذاباً » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب » .
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن أبي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « المؤمن يطبع على كل خلق إلا الكذب والخيانة » .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد قال : يبنى الإِنسان على خصال ، فمهما بني عليه فإنه لا يبنى على الخيانة والكذب .
وأخرج مالك والبيهقي عن صفوان بن سليم « أنه قيل يا رسول الله أيكون المؤمن جباناً؟ قال » نعم . قيل : أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال : نعم . قيل : أيكون المؤمن كذاباً؟ قال : لا « » .
وأخرج البيهقي وأبو يعلى وضعفه عن أبي برزة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « الكذب يسوّد الوجه ، والنميمة عذاب القبر » .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت « ما كان خلق أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب ، ولقد كان الرجل يكذب عنده الكذبة فما يزال في نفسه حتى يعلم أنه قد أحدث منها توبة » .
وأخرج أحمد وهناد بن السري رضي الله عنه في الزهد وابن عدي والبيهقي عن النوّاس بن سمعان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثاً هو لك مصدق وأنت به كاذب » .
وأخرج أحمد والبيهقي عن أسماء بنت عميس قالت « كنت صاحبة عائشة التي هيأتها ، فأدخلتها على النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة ، فما وُجدنا عنده قرى إلا قدح من لبن ، فتناوله فشرب منه ثم ناوله عائشة ، فاستحيت منه فقلت : لا تردي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأخذته فشربته ، ثم قال : ناولي صواحبك . فقلت : لا نشتهيه . فقال : لا تجمعن كذباً وجوعاً . فقلت : إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه لا أشتهي أيعدُّ ذلك كذباً . فقال : إن الكذب يكتب كذباً ، حتى الكذيبة تكتب كذيبة » .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال : « جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتنا وأنا صبي صغير ، فذهبت ألعب فقالت أمي لي : يا عبد الله تعال أعطيك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » ما أردت أن تعطيه؟ قالت : أردت أن أعطيه تمراً قال : إما أنك لو لم تفعلي لكتبت عليك كذبة « » .

(5/188)