صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور |
انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41)
أخرج الفريابي وأبو الشيخ عن أبي الضحى رضي الله عنه قال : أوّل ما نزل من براءة { انفروا خفافاً وثقالاً } ثم نزل أولها وآخرها . (5/82)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه قال : أول شيء نزل من براءة { انفروا خفافاً وثقالاً } ثم نزل أولها وآخرها .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه قال : أول شيء نزل من براءة { انفروا خفافاً وثقالاً } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { انفروا خفافاً وثقالاً } قال : نشاطاً وغير نشاط .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحكم في قوله { انفروا خفافاً وثقالاً } قال : مشاغيل وغير مشاغيل .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله { انفروا خفافاً وثقالاً } قال : في العسر واليسر .
وأخرج ابن المنذر عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في قوله { خفافاً وثقالاً } قال : فتياناً وكهولاً .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عكرمة في قوله { خفافاً وثقالاً } قال : شباباً وشيوخاً .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال : قالوا : إن فينا الثقيل وذا الحاجة والصنعة والشغل والمنتشر به أمره في ذلك ، فأنزل الله { انفروا خفافاً وثقالاً } وأبى أن يعذرهم دون أن ينفروا خفافاً وثقالاً وعلى ما كان منهم .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه قال : جاء رجل زعموا أنه المقداد وكان عظيماً سميناً ، فشكا إليه وسأله أن يأذن له فأبى ، فنزلت يومئذ فيه { انفروا خفافاً وثقالاً } فلما نزلت هذه الآية اشتد على الناس شأنها ، فنسخها الله فقال { ليس على الضعفاء ولا على المرضى } [ التوبة : 91 ] الآية .
وأخرج ابن جرير عن حضرمي قال : ذكر لنا أن أناساً كانوا عسى أن يكون أحدهم عليلاً أو كبيراً فيقول : إني لا آثم ، فأنزل الله { انفروا خفافاً وثقالاً } الآية .
وأخرج ابن سعد وابن أبي عمر العدني في مسنده وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس بن مالك . أن أبا طلحة قرأ سورة براءة ، فأتى على هذه الآية { انفروا خفافاً وثقالاً } قال : أرى ربنا يستنفرنا شيوخاً وشباباً . وفي لفظ فقال : ما أسمع الله عذر أحد أجهزوني . قال بنوه : يرحمك الله تعالى قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات ، وغزوت مع أبي بكر حتى مات وغزوت مع عمر رضي الله عنه حتى مات ، فنحن نغزو عنك . فأبى فركب البحر فمات ، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد تسعة أيام ، فلم يتغير فدفنوه فيها .
وأخرج ابن سعد والحاكم عن ابن سيرين رضي الله عنه قال : شهد أبو أيوب رضي الله عنه بدراً ثم لم يتخلف عن غزوة للمسلمين إلا عاماً واحداً ، وكان يقول : قال الله { انفروا خفافاً وثقالاً } فلا أجدني إلا خفيفاً وثقيلاً . (5/83)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن أبي راشد الحبراني قال : رأيت المقداد فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص يريد الغزو فقلت : لقد أعذر الله تعالى إليك . قال : ابت علينا سورة التحوب { انفروا خفافاً وثقالاً } يعني سورة التوبة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي يزيد المديني قال : كان أبو أيوب الأنصاري والمقداد بن الأسود يقولان : أمرنا أن تنفر على كل حال ، ويتأوّلان قوله تعالى { انفروا خفافاً وثقالاً } .
لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42)
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له : الا تغزو بني الأصفر لعلك أن تصيب ابنة عظيم الروم؟ فقال رجلان : قد علمت يا رسول الله أن النساء فتنة فلا تفتنا بهن فأْذَن لنا . فأذن لهما ، فلما انطلقا قال أحدهما : إن هو إلا شحمة لأوّل آكل ، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل عليه في ذلك شيء ، فلما كان ببعض الطريق نزل عليه وهو على بعض المياه { لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتبعوك } ونزل عليه { عفا الله عنك لم أذنت لهم } [ التوبة : 43 ] ونزل عليه { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر } [ التوبة : 43 ] ونزل عليهم { إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون } [ التوبة : 95 ] . (5/84)
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما { لو كان عرضاً قريباً } قال : غنيمة قريبة { ولكن بعدت عليهم الشقة } قال : المسير . وأخرجه ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { لو كان عرضاً قريباً } يقول : دنيا يطلبونها { وسفراً قاصداً } يقول : قريباً .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { والله يعلم إنهم لكاذبون } قال : لقد كانوا يستطيعون الخروج ولكن كان تبطئة من عند أنفسهم وزهادة في الجهاد .
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43)
أخرج عبد الرزاق في المصنف وابن جرير عن عمرو بن ميمون الأودي رضي الله عنه قال : اثنتان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمر فيهما بشيء إذنه للمنافقين وأخذه من الأسارى ، فأنزل الله { عفا الله عنك لم أذنت لهم } الآية . (5/85)
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مورق العجلي رضي الله عنه قال : سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا ، بدأ بالعفو قبل المعاتبة فقال { عفا الله عنك لم أذنت لهم } .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { عفا الله عنك لم أذنت لهم } قال : ناس قالوا : استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن أذن لكم فاقعدوا وإن لم يأذن لكم فاقعدوا .
وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { عفا الله عنك لم أذنت لهم . . . } الآيات الثلاث . قال : نسختها { فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم } [ سورة : 62 ] .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { عفا الله عنك لم أذنت لهم . . . } الآية . قال : ثم أنزل الله بعد ذلك في سورة النور { فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم } .
لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر } الآيتين . قال : هذا تفسير للمنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد بغير عذر ، وعذر الله المؤمنين فقال { فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم } . (5/86)
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله . . . } الآيتين . قال : نسختها الآية التي في سورة النور { إنما المؤمنون الذي آمنوا بالله ورسوله } [ النور : 62 ] إلى { إن الله غفور رحيم } [ النور : 62 ] فجعل الله النبي صلى الله عليه وسلم بأعلى النظرين في ذلك ، من غزا غزا في فضيلة ومن قعد قعد في غير حرج إن شاء الله .
وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (48)
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { ولكن كره الله انبعاثهم } قال : خروجهم . (5/87)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فثبطهم } قال : حبسهم .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً } قال : هؤلاء المنافقون في غزوة تبوك ، سأل الله عنها نبيه والمؤمنين فقال : ما يحزنكم { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً } يقول : جمع لكم وفعل وفعل يخذلونكم .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ولأوضعوا خلالكم } قال : لأسرعوا بينكم .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { ولأوضعوا خلالكم } قال : لارفضوا { يبغونكم الفتنة } قال : يبطئنكم عبدالله بن نبتل ، وعبدالله بن أبي ابن سلول ، ورفاعة بن تابوت ، وأوس بن قيظي { وفيكم سماعون لهم } قال : محدثون بأحاديثهم غير منافقين ، هم عيون للمنافقين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله { وفيكم سماعون لهم } قال : مبلغون .
وأخرج ابن إسحق وابن المنذر عن الحسن البصري قال : كان عبد الله بن أبي ، وعبد الله بن نبتل ، ورفاعة بن زيد بن تابوت ، من عظماء المنافقين وكانوا ممن يكيد الإِسلام وأهله ، وفيهم أنزل الله تعالى { لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور } إلى آخر الآية .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49)
أخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال « لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك قال لجد بن قيس : ما تقول في مجاهدة بني الأصفر؟ فقال : إني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن أفتتن فائذن لي ولا تفتني ، فأنزل الله { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني } الآية » . (5/88)
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لجد بن قيس : يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر؟ قال جد : أتأذن لي يا رسول الله؟ فإني رجل أحب النساء ، وإني أخشى إن أنا رأيت نساء بني الأصفر أن افتتن . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض عنه : قد أذنت لك . فأنزل الله { ومنهم من يقول ائذن لي . . . } الآية » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اغزوا تغنموا بنات بني الأصفر . فقال ناس من المنافقين : إنه ليفتنكم بالنساء . فأنزل الله { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني } » .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني } قال : نزلت في الجد بن قيس ، قال : يا محمد ائذن لي ولا تفتني بنساء بني الأصفر .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني } قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « اغزوا تبوك تغنموا بنات الأصفر نساء الروم . فقالوا : ائذن لنا ولا تفتنا بالنساء » .
وأخرج ابن اسحق وابن المنذر والبيهقي في الدلائل من طريقه عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبدالله بن أبي بكر بن حزم « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما كان يخرج في وجه من مغازيه إلا أظهر أنه يريد غيره ، غير أنه في غزوة تبوك قال : » أيها الناس إني أريد الروم فاعلمهم ، وذلك في زمان البأس وشدة من الحر وجدب البلاد ، وحين طابت الثمار والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص عنها ، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في جهازه إذ قال للجد بن قيس : يا جد هل لك في بنات بني الأصفر؟ قال : يا رسول الله لقد علم قومي أنه ليس أحد أشد عجباً بالنساء مني ، وإني أخاف إن رأيت نساء بني الأصفر أن يفتنني فَأْذن لي يا رسول الله . فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : قد أذنت . فأنزل الله { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا } يقول : ما وقع فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورغبته بنفسه عن نفسه أعظم مما يخاف من فتنة نساء بني الأصفر { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين } يقول : من ورائه . وقال رجل من المنافقين { لا تنفروا في الحر } فأنزل الله { قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون } [ التوبة : 81 ] قال : ثم إن رسول الله جدَّ في سفره وأمر الناس بالجهاز ، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله ، فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا ، وأنفق عثمان رضي عنه في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد أعظم منها وحمل على مائتي بعير « .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة وموسى بن عقبة قالا « ثم إن رسول الله تجهز غازياً يريد الشام فأذن في الناس بالخروج وأمرهم به ، وكان ذلك في حر شديد ليالي الخريف والناس في نخيلهم خارفون ، فأبطأ عنه ناس كثير وقالوا : الروم لا طاقة بهم . فخرج أهل الحسب وتخلف المنافقون ، وحدثوا أنفسهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرجع إليهم أبداً ، فاعتلوا وثبطوا من أطاعهم وتخلف عنه رجال من المسلمين بأمر كان لهم فيه عذر ، منهم السقيم والمعسر ، وجاء ستة نفر كلهم معسر يستحملونه لا يحبون التخلف عنه ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أجد ما أحملكم عليه . فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً أن لا يجدوا ما ينفقون ، منهم من بني سلمة ، عمر بن غنمة ، ومن بني مازن ابن النجار أبو ليلى عبد الرحمن بن كعب ، ومن بني حارث علية بن زيد ومن بني عمرو بن عوف بن سالم بن عمير ، وهرم بن عبدالله ، وهم يدعون بني البكاء ، وعبدالله بن عمر ، ورجل من بني مزينة ، فهؤلاء الذين بكوا واطلع الله عز وجل أنهم يحبون الجهاد ، وأنه الجد من أنفسهم ، فعذرهم في القرآن فقال { ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله } [ التوبة : 91 ] الآية والآيتين بعدها . (5/89)
وأتاه الجد بن قيس السلمي وهو في المسجد معه نفر فقال : يا رسول الله ائذن لي في القعود فإني ذو ضيعة وعلة فيها عذر لي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تجهز فإنك موسر لعلك ان تحقب بعض بنات بني الأصفر . فقال : يا رسول الله ائذن لي ولا تفتني . فنزلت { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني } وخمس آيات معها يتبع بعضها بعضاً ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه ، كان فيمن تخلف عنه غنمة بن وديعة من بني عمرو بن عوف ، فقيل : ما خلفك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت مسلم؟ فقال : الخوض واللعب . فأنزل الله عز وجل فيه وفيمن تخلف من المنافقين { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب } [ التوبة : 65 ] ثلاث آيات متتابعات » .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال : « لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغزو تبوك قال » نغزو الروم إن شاء الله ونصيب بنات بني الأصفر - كان يذكر من حسنهن ليرغب المسلمون في الجهاد - فقام رجل من المنافقين فقال : يا رسول الله قد علمت حبي للنساء فائذن لي ولا تخرجني ، فنزلت الآية « . (5/90)
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ولا تفتني } قال : لا تخرجني { ألا في الفتنة سقطوا } يعني في الحرج .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ولا تفتني } قال : لا تؤثمني { ألا في الفتنة } قال : ألا في الإِثم سقطوا .
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50)
أخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبدالله قال : جعل المنافقون الذين تخلفوا بالمدينة يخبرون عن النبي صلى الله عليه وسلم أخبار السوء يقولون : إن محمداً وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا ، فبلغهم تكذيب حديثهم وعافية النبي وأصحابه ، فساءهم ذلك ، فأنزل الله تعالى { إن تصبك حسنة تسؤهم } الآية . (5/91)
وأخرج سنيد وابن جرير عن ابن عباس { إن تصبك حسنة تسؤهم } يقول : إن تصبك في سفرك هذا لغزوة تبوك { حسنة تسؤهم } قال : الجد وأصحابه .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { إن تصبك حسنة تسؤهم } قال : العافية والرخاء والغنيمة { وإن تصبك مصيبة } قال : البلاء والشدة { يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل } قد حذرنا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { إن تصبك حسنة تسؤهم } قال : ان أظفرك الله وردك سالماً ساءهم ذلك { وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا } في القعود من قبل أن تصيبهم .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله { إن تصبك حسنة تسؤهم } قال : إن كان فتح للمسلمين كبر ذلك عليهم وساءهم .
قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51)
أخرج أبو الشيخ عن السدي { قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا } قال : إلا ما قضى الله لنا . (5/92)
وأخرج ابن أبي حاتم عن مسلم بن يسار رضي الله عنه قال : الكلام في القدر واديان عريضان يهلك الناس فيهما لا يدرك عرضهما ، فاعمل عمل رجل يعلم أنه لا ينجيه إلا عمله ، وتوكل توكل رجل يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له .
وأخرج أبو الشيخ عن مطرف رضي الله عنه قال : ليس لأحد أن يصعد فوق بيت فيلقي نفسه ثم يقول : قدر لي . ولكن نتقي ونحذر ، فإن أصابنا شيء علمنا أنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا .
وأخرج أحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « لكل شيء حقيقة ، وما بلغ عبد حقيقة الإِيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه » .
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين } قال : فتح أو شهادة . (5/93)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { إلا إحدى الحسنيين } قال : إلا فتحاً أو قتلاً في سبيل الله .
وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي من طريق سعد بن اسحق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده « بينما النبي صلى الله عليه وسلم بالروحاء إذ هبط عليه أعرابي من سرب فقال : من القوم وأين تريدون؟ قال : قوم بدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم . قال : ما لي أراكم بذة هيئتكم قليلاً سلاحكم؟ قال : ننتظر إحدى الحسنيين ، إما أن نقتل فالجنة وإما أن نغلب فيجمعهما الله تعالى لنا الظفر والجنة . قال : أين نبيكم؟ قالوا : ها هوذا . فقال له : يا نبي الله ليست لي مصلحة آخذ مصلحي ثم الحق؟ قال » اذهب إلى أهلك فخذ مصلحتك فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وخرج الرجل إلى أهله حتى فرغ من حاجته ثم لحق بهم ببدر ، فدخل في الصف معهم فاقتتل الناس فكان فيمن استشهد ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن انتصر فمر بين ظهراني الشهداء ومعه عمر رضي الله عنه ، فقال : ها يا عمر إنك تحب الحديث ، وإن للشهداء سادة وأشرافاً وملوكاً ، وإن هذا يا عمر منهم « » .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا } قال : القتل بالسيوف .
قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54)
أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال الجد بن قيس : إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى افتتن ولكن أعينك بمالي . قال : ففيه نزلت { قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم } قال : لقوله أعينك بمالي . (5/94)
فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55)
أخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها } في الآخرة . (5/95)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا } قال : بالمصائب فيهم ، هي لهم عذاب وللمؤمنين أجر .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم } قال : هذه من مقاديم الكلام يقول : لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا ، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { وتزهق أنفسهم وهم كافرون } قال : تزهق أنفسهم في الحياة الدنيا { وهم كافرون } قال : هذه آية فيها تقديم وتأخير .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { فلا تعجبك } يقول : لا يغررك { وتزهق } قال : تخرج أنفسهم من الدنيا { وهم كافرون } .
وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57)
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { ويحلفون بالله إنهم لمنكم . . . } الآية . قال : إنما يحلفون بالله تقية . (5/96)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لو يجدون ملجأ . . . } الآية . قال : الملجأ الحرز في الجبال ، والغارات الغيران في الجبال ، والمدخل السرب .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { لو يجدون ملجأً أو مغارات أو مدخلاً } يقول : محرزاً لهم يفرون إليه منكم { لولوا إليه } قال : لفروا إليه منكم .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله { وهم يجمحون } قال : يسرعون .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59)
أخرج البخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال « بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً إذ جاءه ذو الخويصرة التميمي فقال : اعدل يا رسول الله . فقال : ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟! فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : يا رسول الله ائذن لي فيه فاضرب عنقه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، فينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر في نضيه فلا يرى فيه شيء ، ثم ينظر في رصافه فلا يرى فيه شيء ، ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء ، قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى يديه - أو قال ثدييه - مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة ، تدردر يخرجون على حين فرقة من الناس قال : فنزلت فيهم { ومنهم من يلمزك في الصدقات . . . } الآية قال أبو سعيد : أشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأشهد أن علياً حين قتلهم وأنا معه جيء بالرجل على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم » . (5/97)
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { ومنهم من يلمزك في الصدقات } قال : يطعن عليك .
وأخرج سنيد وابن جرير عن داود بن أبي عاصم قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم بصدقة فقسمها ههنا وههنا حتى ذهبت ، ورآه رجل من الأنصار فقال : ما هذا بالعدل؟ فنزلت هذه الآية .
وأخرج أبو الشيخ عن إياد بن لقيط . أنه قرأ { وإن لم يعطوا منها إذا هم ساخطون } .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : « لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين سمعت رجلاً يقول : إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله . فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك ، فقال » رحمة الله على موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر « ونزل { ومنهم من يلمزك في الصدقات } .
إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)
أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر قال « جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله وهو يقسم قسماً ، فأعرض عنه وجعل يقسم قال : أتعطي رعاء الشاء؟ والله ما عدلت . فقال : ويحك . . . ! من يعدل إذا أنا لم أعدل؟ فأنزل الله هذه الآية { إنما الصدقات للفقراء . . . } الآية » . (5/98)
وأخرج أبو داود والبغوي في معجمه والطبراني والدارقطني وضعفه عن زياد بن الحارث الصدائي قال : « قال رجل » يا رسول الله أعطني من الصدقة . فقال : إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم هو فيها ، فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك « » .
وأخرج ابن سعد عن زياد بن الحرث الصدائي قال : بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء قوم يشكون عاملهم ، ثم قالوا : يا رسول الله آخذنا بشيء كان بيننا وبينه في الجاهلية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا خير للمؤمن في الإِمارة ، ثم قام رجل فقال : يا رسول الله أعطني من الصدقة . فقال : إن الله لم يكِل قسمها إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى أجزأها ثمانية أجزاء ، فإن كنت جزأ منها أعطيتك وإن كنت غنياً عنها فإنما هي صداع في الرأس وداء في البطن » .
وأخرج سعيد بن منصور والطبراني وابن مردويه عن موسى بن يزيد الكندي قال : كان ابن مسعود يقرىء رجلاً ، فقرأ { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } مرسلة ، فقال ابن مسعود : ما هكذا أقرأنيها النبي صلى الله عليه وسلم . فقال : وكيف أقرأكها؟ قال : أقرأنيها { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } فمدها .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : نسخت هذه الآية كل صدقة في القرآن قوله { وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل } [ الإِسراء : 26 ] وقوله { إن تبدوا الصدقات } [ البقرة : 271 ] وقوله { وفي أموالهم حق للسائل والمحروم } [ الذاريات : 19 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إنما الصدقات للفقراء والمساكين . . . } الآية . قال : إنما هذا شيء أعلمه الله إياه لهم ، فأيما أعطيت صنفاً منها أجزاك .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ عن حذيفة في قوله { إنما الصدقات للفقراء . . . } الآية . قال : إن شئت جعلتها في صنف واحد من الأصناف الثمانية الذين سمى الله أو صنفين أو ثلاثة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي العالية قال : لا بأس أن تجعلها في صنف واحد مما قال الله .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن الحسن وعطاء وإبراهيم وسعيد بن جبير . مثله .
وأخرج ابن المنذر والنحاس عن ابن عباس قال : الفقراء فقراء المسلمين ، والمساكين الطوّافون .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وأبو الشيخ عن قتادة قال : الفقير الذي به زمانة ، والمسكين المحتاج الذي ليس به زمانة .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب . أنه مرَّ برجل من أهل الكتاب مطروح على باب فقال : استكدوني وأخذوا مني الجزية حتى كف بصري ، فليس أحد يعود عليَّ بشيء . فقال عمر : ما أنصفنا إذاً ، ثم قال : هذا من الذين قال الله { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } ثم أمر له أن يرزق ويجري عليه . (5/99)
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر في قوله { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } قال : هم زَمْنى أهل الكتاب .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال : لا يعطي المشركون من الزكاة ولا من شيء من الكفارات .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال : ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم ولا التمرة إلى التمرة ، إنما الفقير من انقى ثوبه ونفسه لا يقدر على غنى { يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف } [ البقرة : 273 ] .
وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر بن زيد قال : الفقراء المتعففون ، والمساكين الذين يسألون .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري . أنه سئل عن هذه الآية فقال : الفقراء الذين في بيوتهم ولا يسألون ، والمساكين الذي يخرجون فيسألون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : الفقير ، الرجل يكون فقيراً وهو بين ظهري قومه وعشريته وذوي قرابته وليس له مال ، والمسكين الذي لا عشيرة له ولا قرابة ولا رحم وليس له مال .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك في الآية قال : الفقراء الذين هاجروا ، والمساكين الذين لم يهاجروا .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال : يعطي من الزكاة من له الدار والخادم والفرس .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم رضي الله عنه قال : كانوا لا يمنعون الزكاة من له البيت والخادم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { والعاملين عليها } قال : السعاة أصحاب الصدقة .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه قال : يعطي كل عامل بقدر عمله .
وأخرج ابن أبي شيبة عن رافع بن خديج رضي الله عنه « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : العامل على الصدقة بالحق كالغازي حتى يرجع إلى بيته » .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { والمؤلفة قلوبهم } قال : هم قوم كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسلموا ، وكان يرضخ لهم من الصدقات ، فإذا أعطاهم من الصدقة فأصابوا منها خيراً قالوا : هذا دين صالح ، وإن كان غير ذلك ، عابوه وتركوه .
وأخرج البخاري وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال « بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه من اليمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذهيبة فيها تربتها ، فقسمها بين أربعة من المؤلفة : الأقرع بن حايس الحنظلي ، وعلقمة بن علاثة العامري ، وعينية بن بدر الفزاري ، وزيد الخيل الطائي . فقالت قريش والأنصار : أيقسم بين صناديد أهل نجد ويدعنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنما أتالفهم » .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه قال « المؤلفة قلوبهم : من بني هاشم أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ومن بني أمية أبو سفيان بن حرب ، ومن بني مخزوم الحارث بن هشام وعبد الرحمن بن يربوع ، ومن بني أسد حكيم بن حزام ، ومن بني عامر سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزي ، ومن بني جمح صفوان بن أمية ، ومن بني سهم عدي بن قيس ، ومن ثقيف العلاء بن حارثة أو حارثة ، ومن بني فزارة عينية بن حصن ، ومن بني تميم الأقرع بن حابس ، ومن بني نصر مالك بن عوف ، ومن بني سليم العباس بن مرداس . أعطى النبي صلى الله عليه وسلم كل رجل منهم مائة ناقة مائة ناقة إلا عبد الرحمن بن يربوع وحويطب بن عبد العزى ، فإنه أعطى كل واحد منهما خمسين » . (5/100)
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال : المؤلفة قلوبهم الذين يدخلون في الإِسلام إلى يوم القيامة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك قال : المؤلفة قلوبهم قوم من وجوه العرب ، يقدمون عليه فينفق عليهم منها ما داموا حتى يسلموا أو يرجعوا .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن جبير قال : ليس اليوم مؤلفة قلوبهم .
وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي رضي الله عنه قال : ليست اليوم مؤلفة قلوبهم ، إنما كان رجال يتألفهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أن كان أبو بكر رضي الله عنه قطع الرشا في الإِسلام .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني قال : جاء عينية بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبي بكر فقالا : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ان عندنا أرضاً سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة ، فإن رأيت أن تعطيناها لعلنا نحرثها ونزرعها ولعل الله أن ينفع بها . فاقطعهما إياها وكتب لهما بذلك كتاباً واشهد لهما ، فانطلقا إلى عمر ليشهداه على ما فيه ، فلما قرآ على عمر ما في الكتاب تناوله من أيديهما فتفل فيه فمجاه ، فتذمرا وقالا له مقالة سيئة ، فقال عمر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتألفهما والإِسلام يومئذ قليل ، وإن الله قد أعز الإِسلام فاذهبا فاجهد جهدكما لا أرعى الله عليكما إن أرعيتما .
وأخرج ابن سعد عن أبي وائل . أنه قيل له : ما أصنع بنصيب المؤلفة؟ قال : زده على الآخرين . (5/101)
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله { وفي الرقاب } قال : هم المكاتبون .
وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال : لا يعتق من الزكاة رقبة تامة ويعطى في رقبة ، ولا بأس بأن يعين به مكاتباً .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمر بن عبد العزيز قال : سهم الرقاب نصفان ، نصف لكل مكاتب ممن يدَّعي الإِسلام ، والنصف الباقي يشتري به رقاب ممن صلى وصام وقدم إسلامه من ذكر أو أنثى يعتقون لله .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس . أنه كان لا يرى بأساً أن يعطي الرجل من زكاته في الحج ، وأن يعتق منها رقبة .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أعتق من زكاة مالك .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن الحسن : أنه كان لا يرى بأساً أن يشتري الرجل من زكاة ماله نسمة فيعتقها .
وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر عن إبراهيم النخعي قال : يعان فيها الرقبة ولا يعتق منها .
وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : لا تعتق من زكاة مالك فإنه يجر الولاء . قال أبو عبيد : قول ابن عباس أعلى ما جاءنا في هذا الباب ، وهو أولى بالاتباع وأعلم بالتأويل ، وقد وافقه عليه كثير من أهل العلم .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري . أنه سئل عن الغارمين . قال : أصحاب الدين ، وابن السبيل وإن كان غنياً .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { والغارمين } قال : من احترق بيته ، وذهب السيل بماله ، وادّان على عياله .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي جعفر في قوله { والغارمين } قال : المستدينين في غير فساد { وابن السبيل } قال : المجتاز من أرض إلى أرض .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله { والغارمين } قال : هو الذي يسأل في دم أو جائحة تصيبه { وفي سبيل الله } قال : هم المجاهدون { وابن السبيل } قال : المنقطع به يعطي قدر ما يبلغه .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله { وفي سبيل الله } قال : الغازي في سبيل الله { وابن السبيل } قال : المسافر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : ابن السبيل هو قال : الغازي في سبيل الله { وابن السبيل } قال : المسافر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : ابن السبيل هو الضيف الفقير الذي ينزل بالمسلمين .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك في رجل سافر وهو غني ، فنفد ما معه في سفره فاحتاج قال : يعطى من الصدقة في سفره لأنه ابن سبيل .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وفي سبيل الله } قال : حمل الرجل في سبيل الله من الصدقة { وابن السبيل } قال : هو الضيف والمسافر إذا قطع به وليس له شيء { فريضة من الله والله عليم حكيم } قال : ثمانية أسهم فرضهن الله وأعلمهن . (5/102)
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لعامل عليها ، أو رجل اشتراها بماله ، أو غارم ، أو غاز في سبيل الله ، أو مسكين تصدق عليه فأهدى منها الغني » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة والنحاس في ناسخه عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خموشاً أو كدوحاً . قالوا : يا رسول الله وماذا يغنيه؟ قال : خمسون درهماً ، أو قيمتها من الذهب » .
وأخرج أبو الشيخ عن عبدالله بن عمر . أنه سئل عن مال الصدقة فقال : شر مال ، إنما هو مال الكسحان والعرجان والعميان وكل منقطع به . قيل : فإن للعاملين عليها حقاً ، وللمجاهدين في سبيل الله . قال : أما العاملون فلهم بقدر عمالتهم ، وأما المجاهدون في سبيل الله فقوم أحل لهم أن الصدقة لا تحل لغني ، ولا لذي مرة سوى .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال « فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة في ثمانية أسهم . ففرض في الذهب ، والورق ، والإِبل ، والبقر ، والغنم ، والزرع ، والكرم ، والنخل ، ثم توضع في ثمانية أسهم . في أهل هذه الآية { إنما الصدقات للفقراء . . . } الآية كلها » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « خففوا على المسلمين في خرصكم فإن فيه العرايا ، وفيه الوصايا ، فأما العرايا فالنخلة والثلاث والأربع وأقل من ذلك وأكثر ، يمنحها الرجل أخاه ثمرتها فيأكلها هو وعياله ، وأما الوصايا فثمانية أسهم { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } إلى قوله { والله عليم حكيم } » .
وأخرج أحمد عن رجل من بني هلال قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « لا تحل الصدقة لغني ، ولا ذي مرة سوى » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « لا تحل الصدقة لغني ، ولا لذي مرة سوى » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي عن عبيدالله بن عدي بن الخيار قال : « أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة ، فسألاه منها . فرفع فينا البصر وخفضه فرآنا جلدين ، فقال : إن شئتما أعطيتكما ولا حظَّ فيها لغني ، ولا لقوي مكتسب » .
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61)
أخرج ابن إسحق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان نبتل بن الحرث يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجلس إليه فيسمع منه ثم ينقل حديثه إلى المنافقين ، وهو الذي قال لهم : إنما محمد أذن من حدثه شيئاً صدقه ، فأنزل الله فيه { ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن } الآية . (5/103)
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : اجتمع ناس من المنافقين فيهم جلاس بن سويد بن صامت ، وجحش بن حمير ، ووديعة بن ثابت ، فأرادوا أن يقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم ، فنهى بعضهم بعضاً وقالوا : أنا نخاف أن يبلغ محمداً فيقع بكم ، وقال بعضهم : إنما محمد أذن نحلف له فيصدقنا . فنزل { ومنهم الذين يؤذون النبي } الآية .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ويقولون هو أذن } يعني أنه يسمع من كل أحد . قال الله عزَّ وجل { قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين } يعني يصدق بالله ويصدق المؤمنين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ويقولون هو أذن } أي يسمع ما يقال له .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه { ويقولون هو أذن } يقولون : سنقول له ما شئنا ثم نحلف له فيصدقنا .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء رضي الله عنه قال : الأذن الذي يسمع من كل أحد ويصدقه .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { يؤمن بالله } قال : يصدق الله بما أنزل إليه { ويؤمن للمؤمنين } يصدق المؤمنين فيما بينهم في شهاداتهم وإيمانهم على حقوقهم وفروجهم وأموالهم .
وأخرج الطبراني وابن عساكر وابن مردويه عن عمير بن سعد قال : فيَّ أنزلت هذه الآية { ويقولون هو أذن } وذلك أن عمير بن سعد كان يسمع أحاديث أهل المدينة فيأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيساره حتى كانوا يتأذون بعمير بن سعد ، وكرهوا مجالسته وقالوا { هو أذن } والله أعلم .
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال : « ذكر لنا أن رجلاً من المنافقين قال : والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا ، وإن كان ما يقول محمد حقاً لهم أشر من حمير . فسمعها رجل من المسلمين فقال : والله ما يقول محمد لحق ولأنت أشر من الحمار . فسعى بها الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال : ما حملك على الذي قلت؟ فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك ، وجعل الرجل المسلم يقول : اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب ، فأنزل الله تعالى في ذلك { يحلفون بالله لكم ليرضوكم . . . } الآية » . (5/104)
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه . مثله ، وسمى الرجم المسلم عامر بن قيس من الأنصار .
أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63)
أخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه { ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله } قال : يعادي الله ورسوله . (5/105)
وأخرج أبو الشيخ عن يزيد بن هرون قال : خطب أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقال في خطبته : يؤتى بعبد قد أنعم الله عليه وبسط له في الرزق ، قد أصح بدنه وقد كفر نعمة ربه ، فيوقف بين يدي الله تعالى فيقال له : ماذا عملت ليومك هذا وما قدمت لنفسك؟ فلا يجده قدَّم خيراً ، فيبكي حتى تنفد الدموع ثم يعيَّر ويخزى بما ضيع من طاعة الله ، فيبكي الدم ثم يعير ويخزى حتى يأكل يديه إلى مرفقيه ، ثم يعير ويخزى بما ضيع من طاعة الله فينتحب حتى تسقط حدقتاه على وجنتيه وكل واحد منهما فرسخ في فرسخ ، ثم يعير ويخزى حتى يقول : يا رب ابعثني إلى النار وارحمني من مقامي هذا . وذلك قوله { أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم } إلى قوله { العظيم } .
يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64)
أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم } قال : يقولون القول فيما بينهم ثم يقولون عسى الله أن لا يفشي علينا هذا . (5/106)
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال : كانت هذه السورة تسمى الفاضحة فاضحة المنافقين ، وكان يقال لها المثيرة ، أنبأت بمثالبهم وعوراتهم .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وأبو الشيخ عن المسيب بن رافع رضي الله عنه قال : ما عمل رجل من حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله ، ولا عمل رجل من سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله ، وتصديق ذلك كلام الله تعالى { إن الله مخرج ما تحذرون } .
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66)
أخرج أبو نعيم في الحلية عن شريح بن عبيد رضي الله عنه . أن رجلاً قال لأبي الدرداء رضي الله عنه : يا معشر القراء ما بالكم أجبن منا وأبخل إذا سئلتم ، وأعظم لقماً إذا أكلتم؟ فأعرض عنه أبو الدرداء ولم يرد عليه شيئاً ، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فانطلق عمر إلى الرجل الذي قال ذلك ، فقاله بثوبه وخنقه وقاده إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الرجل : إنما كنا نخوض ونلعب . فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب } . (5/107)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن عمر قال « قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يوماً : ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء ، لا أرغب بطونا ، ولا أكذب ألسنة ، ولا أجبن عند اللقاء . ! فقال رجل في المجلس : كذبت ، ولكنك منافق . لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونزل القرآن ، . قال عبد الله : فأنا رأيته متعلقاً يحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والحجارة تنكيه وهو يقول : يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب . والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟ » .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والعقيلي في الضعفاء وأبو الشيخ وابن مردويه والخطيب في رواة مالك عن ابن عمر قال « رأيت عبد الله بن أبي وهو يشتد قدام النبي صلى الله عليه وسلم والأحجار تنكيه ، وهو يقول : يا محمد إنما كنا نخوض ونلعب ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟ » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب } قال : قال رجل من المنافقين يحدثنا محمد : أن ناقة فلان بوادي كذا وكذا في يوم كذا وكذا ، وما يدريه بالغيب؟ .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال : « بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته إلى تبوك وبين يديه أناس من المنافقين ، فقالوا : يرجو هذا الرجل أن تفتح له قصور الشام وحصونها؟ هيهات هيهات . . . ! فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك ، فقال نبي صلى الله عليه وسلم » احسبوا عليَّ هؤلاء الركب . فأتاهم فقال : قلتم كذا قلتم كذا . قالوا : يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب ، فأنزل الله فيهما ما تسمعون « » .
وأخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال « بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مسيره وأناس من المنافقين يسيرون أمامه ، فقالوا : إن كان ما يقول محمد حقاً فلنحن أشر من الحمير .
فأنزل الله تعالى ما قالوا ، فأرسل إليهم . ما كنتم تقولون؟ فقالوا : إنما كنا نخوض ونلعب « . (5/108)
وأخرج ابن إسحق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن كعب بن مالك قال » قال محشي بن حمير : لوددت أني أقاضي على أن يضرب كل رجل منكم مائة على أن ينجو من أن ينزل فينا قرآن . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر « أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا ، فإن هم أنكروا وكتموا فقل بلى قد قلتم كذا وكذا ، فأدركهم فقال لهم . فجاءوا يعتذرون ، فأنزل الله { لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم } الآية . فكان الذي عفا الله عنه محشي بن حمير ، فتسمى عبد الرحمن وسأل الله أن يقتل شهيداً لا يعلم بمقتله . فقتل باليمامة لا يعلم مقتله ، ولا من قتله ، ولا يرى له أثر ولا عين » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في رهط من المنافقين من بني عمرو بن عوف ، فيهم وديعة بن ثابت ورجل من أشجع حليف لهم يقال له محشي بن حمير ، كانوا يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك ، فقال بعضهم لبعض : أتحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم؟ والله لكأنا بكم غداً تقادون في الحبال . قال محشي بن حمير : لوددت أني أقاضي . فذكر الحديث مثل الذي قبله .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود . نحوه .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وأبو الشيخ عن الكلبي « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أقبل من غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة رهط استهزأوا بالله وبرسوله وبالقرآن ، قال : كان رجل منهم لم يمالئهم في الحديث يسير مجانباً لهم يقال له يزيد بن وديعة ، فنزلت { إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة } فسمي طائفة وهو واحد » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة } قال : الطائفة الرجل والنفر .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : الطائفة الواحد إلى الألف .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال : الطائفة رجل فصاعداً .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك { إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة } يعني أنه إن عفى بعضهم فليس بتارك الآخرين أن يعذبهم { بأنهم كانوا مجرمين } .
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : كان فيمن تخلف بالمدينة من المنافقين وداعة بن ثابت أحد بني عمرو بن عوف ، فقيل له : ما خلفك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : الخوض واللعب . فأنزل الله فيه وفي أصحابه { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب } إلى قوله { مجرمين } .
الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70)
أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن حذيفة . أنه سئل عن المنافق . فقال : الذي يصف الإِسلام ولا يعمل به . (5/109)
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال : النفاق نفاقان . نفاق تكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم فذاك كفر ، ونفاق خطايا وذنوب فذاك يرجى لصاحبه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { يأمرون بالمنكر } قال : هو التكذيب . قال : وهو أنكر المنكر { وينهون عن المعروف } قال : شهادة أن لا إله إلا الله والإِقرار بما أنزل الله وهو أعظم المعروف .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : كل آية ذكرها الله تعالى في القرآن فذكر المنكر عبادة الأوثان والشيطان .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { ويقبضون أيديهم } قال : لا يبسطونها بنفقة في حق الله .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ويقبضون أيديهم } قال : لا يبسطونها بخير { نسوا الله فنسيهم } قال : نسوا من كل خير ولم ينسوا من الشر .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { نسوا الله فنسيهم } قال : تركوا الله فتركهم من كرامته وثوابه .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك { نسوا الله } قال : تركوا أمر الله { فنسيهم } تركهم من رحمته أن يعطيهم إيماناً وعملاً صالحاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال : إن الله لا ينسى من خلقه ولكن نسيهم من الخير يوم القيامة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : نسوا في العذاب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { كالذين من قبلكم } قال : صنيع الكفار كالكفار .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : ما أشبه الليلة بالبارحة { كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة } إلى قوله { وخضتم كالذي خاضوا } هؤلاء بنو إسرائيل أشبهناهم ، والذي نفسي بيده لنتبعنهم حتى لو دخل رجل جُحْر ضبٍّ لدخلتموه .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { بخلاقهم } قال : بدينهم .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي هريرة قال : الخلاق الدين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { فاستمتعوا بخلاقهم } قال : بنصيبهم من الدنيا .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله { وخضتم كالذي خاضوا } قال : لعبتم كالذي لعبوا .
وأخرج أبو الشيخ عن الربيع « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذركم أن تحدثوا حدثاً في الإِسلام ، وعلم أنه سيفعل ذلك أقوام من هذه الأمة فقال الله { فاستمتعوا بخلاقهم . . . } الآية » .
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { والمؤتفكات } قال : قوم لوط ، ائتفكت بهم أرضهم فجعل عاليها سافلها . (5/110)
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } يدعون إلى الإِيمان بالله ورسوله والنفقات في سبيل الله وما كان من طاعة الله { وينهون عن المنكر } ينهون عن الشرك والكفر ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة من فرائض الله كتبها الله على المؤمنين .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } قال : اخاؤهم في الله يتحابون بجلال الله والولاية لله .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب قضاء الحوائج والطبراني عن سلمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة ، وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة » وأخرجه ابن أبي شيبة عن أبي عثمان مرسلاً .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي موسى « أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : إن المعروف والمنكر خليقتان ينصبان يوم القيامة ، فأما المعروف فيبشر أهله ويعدهم الخير ، وأما المنكر فيقول لأصحابه : إليكم وما تستطيعون له إلا لزوماً » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن سعيد بن المسيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « رأس العقل بعد الإِيمان بالله مداراة الناس ، ولن يهلك رجل بعد مشورة ، وأهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة ، وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة ، وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة ، أن الله ليبعث المعروف يوم القيامة في صورة الرجل المسافر ، فيأتي صاحبه إذا انشق قبره فيمسح عن وجهه التراب ويقول : ابشر يا ولي الله بأمان الله وكرامته ، لا يهولنَّك ما ترى من أهوال يوم القيامة . فلا يزال يقول له : احذر هذا واتق هذا يسكن بذلك روعه حتى يجاوز به الصراط ، فإذا جاوز به الصراط عدل ولي الله إلى منازله في الجنة ، ثم يثنى عنه المعروف فيتعلق به فيقول : يا عبد الله من أنت خذلني الخلائق في أهوال القيامة غيرك فمن أنت؟ فيقول له : أما تعرفني؟! فيقول : لا . فيقول : أنا المعروف الذي عملته في الدنيا ، بعثني الله خلقاً لأجازيك به يوم القيامة » .
وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « اطلبوا المعروف من رحماء أمتي تعيشوا في أكنافهم ، ولا تطلبوه من القاسية قلوبهم ، فإن اللعنة تنزل عليهم ، يا علي إن الله خلق المعروف وخلق له أهلاً ، فحببه إليهم وحبب إليهم فعاله ، ووجه إليهم طلابه كما وجه الماء في الأرض الجدبة لتحيا به ويحيى به أهلها ، إن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة » .
وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي عن علي قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم « اطلبوا المعروف من رحماء أمتي تعيشوا في أكنافهم » . (5/111)
وأخرج الحاكم عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والهلكات ، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا كان يوم القيامة جمع الله الأوّلين والآخرين ، ثم أمر منادياً ينادي : ألا ليقم أهل المعروف في الدنيا . فيقومون . حتى يقفوا بين يدي الله ، فيقول الله : أنتم أهل المعروف في الدنيا؟ فيقولون : نعم . فيقول : وأنتم أهل المعروف في الآخرة فقوموا مع الأنبياء والرسل فاشفعوا لمن أحببتم فادخلوه الجنة حتى تدخلوا عليهم المعروف في الآخرة كما أدخلتم عليهم المعروف في الدنيا » .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب قضاء الحوائج عن بلال قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كل معروف صدقة ، والمعروف يقي سبعين نوعاً من البلاء ويقي ميتة السوء ، والمعروف والمنكر خلقان منصوبان للناس يوم القيامة ، فالمعروف لازم لأهله والمنكر لازم لأهله ، يقودهم ويسوقهم إلى النار » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن أحب عباد الله إلى الله عز وجل من حبَّب إليه المعروف وحبَّب إليه فعاله » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله جعل للمعروف وجوهاً من خلقه ، وحبب إليهم فعاله ووجه طلاب المعروف إليهم ، ويسر عليهم إعطاءه كما يسر الغيث إلى الأرض الجدبة ليحييها ويحيي به أهلها ، وإن الله جعل للمعروف أعداء من خلقه بغض إليهم المعروف وبغض إليهم فعاله ، وحظر عليهم اعطاءه كما يحظر الغيث عن الأرض الجدبة ليهلكها ويهلك بها أهلها ، وما يعفو الله أكثر » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « عليكم باصطناع المعروف فإنه يمنع مصارع السوء ، وعليكم بصدقة السر فإنها تطفىء غضب الله عز وجل » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كل معروف صدقة » .
وأخرج ابن أبي شيبة والقضاعي والعسكري وابن أبي الدنيا من طريق محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« كل معروف صدقة ، وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له به صدقه ، وما وقى به عرضه كتب له به صدقة ، وقد قيل لمحمد بن المنكدر ما يعني ما وقى به عرضه؟ قال : الشيء يعطى الشاعر وذا اللسان المتقى » . (5/112)
وأخرج ابن أبي الدنيا والبزار والطبراني عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كل معروف صنعته إلى غني أو فقير فهو صدقة » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « كل معروف يصنعه أحدكم إلى غني فقير فهو صدقة » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كل معروف صدقة » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن جابر الجعفي رفعه قال : المعروف خلق من خلق الله تعالى كريم .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن قال : سألت عمران بن حصين وأبا هريرة عن تفسير { ومساكن طيبة في جنات عدن } قالا : على الخبير سقطت . سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال « قصر من لؤلؤة في الجنة ، في ذلك القصر سبعون داراً من ياقوتة حمراء ، في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء ، في كل بيت سبعون سريراً ، على كل سرير سبعون فراشاً من كل لون ، على كل فراش امرأة من الحور العين ، في كل بيت سبعون مائدة ، في كل مائدة سبعون لوناً من كل طعام ، في كل بيت سبعون وصيفاً ووصيفة ، فيعطى المؤمن من القوة في كل غداة ما يأتي على ذلك كله » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سليم بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « الجنة مائة درجة : فأولها من فضة أرضها فضة ، ومساكنها فضة ، وآنيتها فضة ، وترابها مسك . والثانية من ذهب أرضها ذهب ، ومساكنها ذهب ، وآنيتها ذهب ، وترابها مسك . والثالثة لؤلؤ أرضها لؤلؤ ، وآنيتها لؤلؤ ، وترابها مسك . وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حازم قال : إن الله ليعد للعبد من عبيده في الجنة لؤلؤة مسيرة أربعة برد ، أبوابها وغرفها ومغاليقها ليس فيها قضم ولا قصم ، والجنة مائة درجة : فثلاث منها ورق وذهب ولؤلؤ وزبرجد وياقوت ، وسبع وتسعون لا يعلمها إلا الذي خلقها .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال : إن أدنى أهل الجنة منزلة رجل له ألف قصر ، ما بين كل قصرين مسيرة سنة ، يرى أقصاها كما يرى أدناها ، في كل قصر من الحور العين والرياحين والولدان ما يدعو شيئاً إلا أتى به .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مغيث بن سمي قال : إن في الجنة قصوراً من ذهب ، وقصوراً من فضة ، وقصوراً من ياقوت ، وقصوراً من زبرجد ، جبالها المسك ، وترابها الورس والزعفران . (5/113)
وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال : إن في الجنة ياقوتة ليس فيها صدع ولا وصل ، وفيها سبعون ألف دار في كل دار سبعون ألفاً من الحور العين لا يدخلها إلا نبي ، أو صديق ، أو شهيد ، أو إمام عادل ، أو محكم في نفسه . قيل لكعب : وما المحكم في نفسه؟ قال : الرجل يأخذه العدوّ فيحكمونه بين أن يكفر أو يلزم الإِسلام فيقتل ، فيختار أن يلزم الإِسلام .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { جنات عدن } قال : معدن الرجل الذي يكون فيه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { جنات عدن } قال : معدنهم فيها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن خالد بن معدان قال : إن الله خلق في الجنة جنة عدن دملج لؤلؤة ، وغرس فيها قضيباً ثم قال لها : امتدي حتى أرضى . ثم قال لها : أخرجي ما فيك من الأنهار والثمار ففعلت . فقالت { قد أفلح المؤمنون } [ المؤمنون : 1 ] .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله { ورضوان من الله أكبر } يعني إذا أخبروا أن الله عنهم راض فهو أكبر عندهم من التحف والتسليم .
وأخرج ابن مردويه عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا دخل أهل الجنة الجنة قال الله : هل تشتهون شيئاً فأزيدكم؟ قالوا : يا ربنا وهل بقي شيء إلا قد أنلتناه؟! فيقول : نعم . رضائي فلا أسخط عليكم أبداً » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عبد الملك الجهني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لنعيم أهل الجنة برضوان الله عنهم أفضل من نعيمهم بما في الجنان » .
وأخرج أبو الشيخ عن شمر بن عطية قال : يجيء القرآن يوم القيامة في صورة الرجل الشاحب حين ينشق عنه قبره فيقول : أبشر بكرامة الله تعالى . قال : فله حلة الكرامة . فيقول : يا رب زدني . فيقول : رضواني ورضوان من الله أكبر .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة . فيقولون : لبيك يا ربنا وسعديك والخير في يديك . فيقول : هل رضيتم؟ فيقولون : ربنا ، وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحداً من خلقك؟ فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قالوا : يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟! قال : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً » .
وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن قال : بلغني أن أبا بكر الصديق كان يقول في دعائه : اللهمَّ أسألك الذي هو خير في عاقبة الخير ، اللهمَّ اجعل آخر ما تعطيني الخير رضوانك والدرجات العلى في جنات النعيم .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { يا أيها النبي جاهد الكفار } قال : بالسيف { والمنافقين } قال : باللسان { واغلظ عليهم } قال : اذهب الرفق عنهم . (5/114)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله { جاهد الكفار والمنافقين } قال : بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وليلقه بوجه مكفهر .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال : لما نزلت { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين } أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجاهد بيده ، فإن لم يستطع فبقلبه ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فليلقه بوجه مكفهر .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله { جاهد الكفار } قال : بالسيف { والمنافقين } بالقول باللسان { واغلظ عليهم } قال : على الفريقين جميعاً ، ثم نسخها فأنزل بعدها { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة } [ التوبة : 123 ] .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية قال : أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجاهد الكفار بالسيف ، ويغلظ على المنافقين في الحدود .
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (74)
أخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن كعب بن مالك قال « لما نزل القرآن فيه ذكر المنافقين قال الجلاس : والله لئن كان هذا الرجل صادقاً لنحن شر من الحمير . فسمعه عمير بن سعد فقال : والله يا جلاس إنك لأحب الناس إليَّ وأحسنهم عندي أشراً وأعزهم علي أن يدخل عليه شيء يكرهه ، ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك ولئن سكت عنها لتهلكني ، ولأحدهما أشد عليَّ من الأخرى . فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ما قال ، فأتى الجلاس فجعل يحلف بالله ما قال ، ولقد كذب على عمير فأنزل الله { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر } الآية » . (5/115)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال « كان الجلاس بن سويد بن الصامت ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، وقال : لئن كان هذا الرجل صادقاً لنحن شر من الحمير . فرفع عمير بن سعد مقالته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحلف الجلاس بالله لقد كذب عليَّ وما قلت . فأنزل الله { يحلفون بالله ما قالوا } الآية . فزعموا أنه تاب ، وحسنت توبته » .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال « سمع زيد بن أرقم رضي الله عنه رجلاً من المنافقين يقول - والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب - : إن كان هذا صادقاً لنحن شر من الحمير . فقال زيد رضي الله عنه : هو - والله - صادق ولأنت أشر من الحمار ، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجحد القائل ، فأنزل الله { يحلفون بالله ما قالوا . . . } الآية . فكانت الآية في تصديق زيد » .
وأخرج ابن جرير والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنه قال « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في ظل شجرة فقال : إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان ، فإذا جاء فلا تكلموه . فلم يلبثوا إلا أن طلع رجل أزرق ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه ، فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم ، وأنزل الله { يحلفون بالله ما قالوا . . . } الآية » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال « ذكر لنا أن رجلين اقتتلا ، أحدهما من جهينة والآخر من غفار ، وكانت جهينة حلفاء الأنصار ، فظهر الغفاري على الجهني فقال عبد الله بن أبي للأوس : انصروا أخاكم ، والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك .
والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . فسعى بها رجل من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأرسل إليه فسأله فجعل يحلف بالله ما قاله ، فأنزل الله { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر . . . } الآية « . (5/116)
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر } قال : نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عروة » أن رجلاً من الأنصار يقال له الجلاس بن سويد قال ليلة في غزوة تبوك « والله لئن كان ما يقول محمد حقاً لنحن شر من الحمير . فسمعه غلام يقال له عمير بن سعد وكان ربيبه فقال له : أي عم ، تب إلى الله . وجاء الغلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليه فجعل يحلف ويقول : والله ما قلت يا رسول الله . فقال الغلام : بلى ، والله لقد قلته فتب إلى الله ، ولولا أن ينزل القرآن فيجعلني معك ما قلته ، فجاء الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسكتوا فلا يتحركون إذا نزل الوحي ، فرفع عن النبي فقال { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر } إلى قوله { فإن يتوبوا يك خيراً لهم } فقال : قد قلته وقد عرض الله عليّ التوبة فأنا أتوب ، فقبل ذلك منه ، وقتل له قتيل في الإِسلام فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه ديته فاستغنى بذلك وكان همَّ أن يلحق بالمشركين ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للغلام : وعت أذنك » « .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن سيرين رضي الله عنه قال : » لما نزل القرآن أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأذن عمير فقال « وعت أذنك يا غلام وصدقك ربك » « .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن سيرين رضي الله عنه قال : » قال رجل من المنافقين : لئن كان محمد صادقاً فيما يقول لنحن شر من الحمير . فقال له زيد بن أرقم رضي الله عنهما : إن محمداً صادق ولأنت شر من الحمار . فكان فيما بينهما في ذلك كلام ، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فأتاه الآخر فحلف بالله ما قال ، فنزلت { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن أرقم « وعت أذناك » « .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال : قال أحدهم : إن كان ما يقول محمد حقاً لنحن شر من الحمير .
فقال رجل من المؤمنين : فوالله إن ما يقول محمد لحق ، ولأنت شر من الحمار . فهمَّ بقتله المنافق ، فذلك همهم بما لم ينالوا . (5/117)
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { يحلفون بالله ما قالوا } قال « هم الذين أرادوا أن يدفعوا النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة ، وكانوا قد أجمعوا أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم معه في بعض أسفاره ، فجعلوا يلتمسون غرته حتى أخذ في عقبة ، فتقدم بعضهم وتأخر بعضهم وذلك ليلاً قالوا : إذا أخذ في العقبة دفعناه عن راحلته في الوادي ، فسمع حذيفة رضي الله عنه وهو يسوق النبي صلى الله عليه وسلم وكان قائده تلك الليلة عمار ، وسائقه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ، فسمع حذيفة وقع اخفاف الابل ، فالتفت فإذا هو بقوم متلثمين : فقال : إليكم إليكم يا أعداء الله فأمسكوا . ومضى النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل منزله الذي أراد ، فلما أصبح أرسل إليهم كلهم فقال : أردتم كذا وكذا؟ فحلفوا بالله ما قالوا ولا أرادوا الذي سألهم عنه ، فذلك قوله { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر } الآية » .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وهموا بما لم ينالوا } قال : همَّ رجل يقال له الأسود بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة رضي الله عنه قال « رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلاً من تبوك إلى المدينة ، حتى إذا كان ببعض الطريق مَكَرَ برسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه فتآمروا أن يطرحوه من عقبة في الطريق ، فلما بلغوا العقبة أرادوا أن يسلكوها معه ، فلما غشيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر خبرهم فقال : من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادي فإنه أوسع لكم ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة ، وأخذ الناس ببطن الوادي إلا النفر الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعوا ذلك استعدوا وتلثموا وقد هموا بأمر عظيم ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وعمار بن ياسر رضي الله عنه فمشيا معه شيئاً ، فأمر عمار أن يأخذ بزمام الناقة ، وأمر حذيفة بسوقها .
فبينما هم يسيرون إذ سمعوا وكزة القوم من ورائهم قد غشوه ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر حذيفة أن يردهم ، وأبصر حذيفة رضي الله عنه غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع ومعه محجن ، فاستقبل وجوه رواحلهم فضربها ضرباً بالمحجن ، وأبصر القوم وهم متلثمون لا يشعرون إنما ذلك فعل المسافر ، فرعبهم الله حين أبصروا حذيفة رضي الله عنه وظنوا أن مكرهم قد ظهر عليه ، فأسرعوا حتى خالطوا الناس وأقبل حذيفة رضي الله عنه حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أدركه قال : اضرب الراحلة يا حذيفة وامشِ أنت يا عمار ، فأسرعوا حتى استووا بأعلاها ، فخرجوا من العقبة ينتظرون الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة : هل عرفت يا حذيفة من هؤلاء الرهط أحداً؟ قال حذيفة : عرفت راحلة فلان وفلان ، وقال : كانت ظلمة الليل وغشيتهم وهم متلثمون . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هل علمتم ما كان شأنهم وما أرادوا؟ قالوا : لا والله يا رسول الله . . . ! قال : فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا طلعت في العقبة طرحوني منها . قالوا : أفلا تأمر بهم يا رسول الله فنضرب أعناقهم؟ قال : أكره أن يتحدث الناس ويقولوا : إن محمد وضع يده في أصحابه فسماهم لهما ، وقال : اكتماهم » .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن إسحق نحوه وزاد بعد قوله لحذيفة « هل عرفت من القوم أحدا » فقال : لا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله قد أخبرني بأسمائهم وأسماء آبائهم وسأخبرك بهم إن شاء الله عند وجه الصبح ، فلما أصبح سماهم له : عبد الله بن أبي سعد ، وسعد بن أبي سرح ، وأبا حاصر الأعرابي ، وعامراً ، وأبا عامر ، والجلاس بن سويد بن صامت ، ومجمع بن حارثة ، ومليحاً التيمي ، وحصين بن نمير ، وطعمة بن أبيرق ، وعبد الله بن عيينة ، ومرة بن ربيع . فهم اثنا عشر رجلاً حاربوا الله ورسوله وأرادوا قتله ، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك ، وذلك قوله عز وجل { وهموا بما لم ينالوا } وكان أبو عامر رأسهم ، وله بنوا مسجد الضرار وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة » . (5/118)
وأخرج ابن سعد عن نافع بن جبير بن مطعم قال : لم يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسماء المنافقين الذين تحسوه ليلة العقبة بتبوك غير حذيفة رضي الله عنه ، وهم اثنا عشر رجلاً ليس فيهم قرشي ، وكلهم من الأنصار ومن حلفائهم .
وأخرج البيهقي في الدلائل « عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : كنت آخذاً بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقود به وعمار يسوقه أو أنا أسوقه وعمار يقوده ، حتى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكباً قد اعترضوا فيها قال : فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرخ بهم فولوا مدبرين ، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم » هل عرفتم القوم؟ قلنا لا يا رسول الله كانوا متلثمين ولكنا قد عرفنا الركاب . قال : هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة . هل تدرون ما أرادوا؟ قلنا : لا . قال : أرادوا أن يزحموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة فيلقوه منها . قلنا يا رسول الله ، ألا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال : لا ، إني أكره أن تحدث العرب بينها : أن محمداً قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم ، ثم قال : اللهمَّ ارمهم بالدبيلة . قلنا يا رسول الله ، وما الدبيلة؟ قال : شهاب من نار يوضع على نياط قلب أحدهم فيهلك « » .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله { وهموا بما لم ينالوا } قال : أرادوا أن يتوّجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض محمد صلى الله عليه وسلم . (5/119)
وأخرج أبو الشيخ عن أبي صالح { وهموا بما لم ينالوا } قال : هموا أن يتوجوا عبد الله بن أبي بتاج .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه . أن مولى لبني عدي بن كعب قتل رجلاً من الأنصار ، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بالدية اثني عشر ألفاً ، وفيه نزلت { وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله } .
وأخرج ابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قتل رجل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فجعل ديته اثني عشر ألفاً ، وذلك قوله { وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله } قال : بأخذهم الدية .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله } قال : كانت له دية قد غلب عليها فأخرجها له رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة قال : كان جلاس يحمل حمالة أو كان عليه دين فأدى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذلك قوله { وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله } .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال : ثم دعاهم إلى التوبة فقال { فإن يتوبوا يك خيراً لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا والآخرة } فاما عذاب الدنيا فالقتل ، وأما عذاب الآخرة فالنار .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ان قوماً قد هموا بهم سوءاً وأرادوا أمراً فليقوموا فليستغفروا فلم يقم أحد ثلاث مرار ، فقال : قم يا فلان قم يا فلان . فقالوا : نستغفر الله تعالى . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله لانا دعوتكم إلى التوبة والله أسرع إليكم بها وأنا أطيب لكم نفساً بالاستغفار أخرجوا » .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال : قال لي ابن عباس رضي الله عنهما : احفظ عني كل شيء في القرآن { وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير } فهي للمشركين ، فأما المؤمنون فما أكثر شفعاءهم وأنصارهم .
وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78)
أخرج الحسن بن سفيان وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والعسكري في الأمثال والطبراني وابن منده والباوردي وأبو نعيم في معرفة الصحابة وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال « جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا . قال : ويحك يا ثعلبة . . . ! أما ترضى أن تكون مثلي؟ فلو شئت أن يسير ربي هذه الجبال معي لسارت . قال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا ، فوالذي بعثك بالحق إن آتاني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه . قال : ويحك يا ثعلبة . . . ! قليل تطيق شكره خير من كثير لا تطيق شكره . فقال : يا رسول الله ، ادع الله تعالى . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهمَّ ارزقه مالاً . فاتَّجَرَ واشترى غنماً فبورك له فيها ونمت كما ينمو الدود حتى ضاقت به المدينة فتنحى بها - فكان يشهد الصلاة بالنهار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يشهدها بالليل ، ثم نمت كما ينمو الدود فتنحى بها ، فكان لا يشهد الصلاة بالنهار ولا بالليل إلا من جمعة إلى جمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم نمت كما ينمو الدود فضاق به مكانه فتنحى به ، فكان لا يشهد جمعة ولا جنازة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل يتلقى الركبان ويسألهم عن الأخبار . وفقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنه؟ فأخبروه أنه اشترى غنماً ، وأن المدينة ضاقت به وأخبروه بخبره . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويح ثعلبة بن حاطب . . . ! ثم إن الله تعالى أمر رسوله أن يأخذ الصدقات ، وأنزل الله تعالى { خذ من أموالهم صدقة } [ التوبة : 103 ] الآية . فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين ، رجلاً من جهينة ورجلاً من بني سلمة يأخذان الصدقات ، فكتب لهما اسنان الابل والغنم كيف يأخذانها على وجهها ، وأمرهما أن يمرا على ثعلبة بن حاطب وبرجل من بني سليم ، فخرجا فمرا بثعلبة فسألاه الصدقة . فقال : ارياني كتابكما ، فنظر فيه فقال : ما هذا إلا جزية ، انطلقا حتى تفرغا ثم مرا بي . قال : فانطلقا وسمع بهما السليمي فاستقبلهما بخيار إبله فقالا : إنما عليك دون هذا . فقال : ما كنت أتقرب إلى الله إلا بخير مالي! فقبلاه ، فلما فرغا مرا بثعلبة فقال : أرياني كتابكما . فنظر فيه فقال : ما هذا إلا جزية . انطلقا حتى أرى رأيي . فانطلقا حتى قدما المدينة ، فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قبل أن يكلمهما : ويح ثعلبة بن حاطب . ودعا للسليمي بالبركة ، وأنزل الله { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن } الثلاث آيات . قال : فسمع بعض من أقارب ثعلبة فأتى ثعلبة فقال : ويحك يا ثعلبة . . . ! أنزل الله فيك كذا وكذا . قال : فقدم ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله هذه صدقة مالي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى قد منعني أن أقبل منك قال : فجعل يبكي ويحثي التراب على رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا عملك بنفسك أمرتك فلم تطعني ، فلم يقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مضى . (5/120)
ثم أتى أبا بكر فقال : يا أبا بكر اقبل مني صدقتي ، فقد عرفت منزلتي من الأنصار . فقال أبو بكر : لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلها؟! فلم يقبلها أبو بكر ، ثم ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فأتاه فقال : يا أبا حفص يا أمير المؤمنين اقبل مني صدقتي . وتوسل إليه بالمهاجرين والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم . فقال عمر : لم يقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر أقبلها أنا؟! فأبى أن يقبلها ، ثم ولي عثمان فهلك في خلافة عثمان ، وفيه نزلت { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات } [ التوبة : 79 ] قال : وذلك في الصدقة » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين } وذلك أن رجلاً كان يقال له ثعلبة من الأنصار ، أتى مجلساً فاشهدهم فقال : لئن آتاني الله من فضله آتيت كل ذي حق حقه وتصدقت منه وجعلت منه للقرابة . فابتلاه الله فأتاه من فضله . فخلف ما وعده ، فأغضب الله بما أخلفه ما وعده نقص الله شأنه في القرآن . (5/121)
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال : اعتبروا المنافق بثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا عاهد غدر ، وذلك بأن الله تعالى يقول { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن } إلى آخر الآية .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمر قال : ثلاث من كن فيه فهو منافق . إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان . وتلا هذه الآية { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله } إلى آخر الآية .
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « آية المنافق ثلاث . إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان » .
وأخرج أبو الشيخ والخرائطي في مكارم الأخلاق عن محمد بن كعب القرظي قال : سمعت بالثلاث التي تذكر في المنافق .
إذا ائتمن خان ، وإذا وعد أخلف ، وإذا حدث كذب ، فالتمستها في الكتاب زماناً طويلاً حتى سقطت عليها بعد حين ، وجدنا الله تعالى يذكر فيه { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله } إلى قوله { وبما كانوا يكذبون } و { إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض } [ الأحزاب : 72 ] إلى آخر الآية { إذا جاءك المنافقون } [ المنافقون : 1 ] إلى قوله { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } [ المنافقون : 1 ] . (5/122)
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أن رجلاً من الأنصار هو الذي قال هذا ، فمات ابن عم له فورث منه مالاً فبخل به ولم يف الله بما عاهد عليه ، فأعقبه بذلك نفاقاً إلى أن يلقاه قال : ذلك { بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون } .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي قلابة قال : مثل أصحاب الأهواء مثل المنافقين كلامهم شتى وجماع أمرهم النفاق ، ثم تلا { ومنهم من عاهد الله } { ومنهم من يلمزك } [ التوبة : 58 ] { ومنهم الذين يؤذون النبي } [ التوبة : 61 ] .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله { بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون } قال : « اجتنبوا الكذب فإنه باب من النفاق ، وعليكم بالصدق فإنه باب من الإِيمان ، وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدث » أن موسى عليه الصلاة والسلام لما جاء بالتوراة لبني إسرائيل قالت بنو إسرائيل : إن التوراة كثيرة ، وانا لا نفرغ لها فسل لنا جماعاً من الأمر نحافظ عليه ونتفرغ لمعايشنا . قال : مهلاً مهلاً أي قوم ، هذا كتاب الله وبيان الله ونور الله وعصمة الله . فردوا عليه مثل مقالتهم ، فعل ذلك ثلاث مرات فقال الرب تبارك وتعالى : فإني آمرهم إن هم حافظوا عليهن دخلوا الجنة بهن : أن يتناهوا إلى قسمة مواريثهم ولا يتظالموا فيها ، وأن لا يدخلوا أبصارهم البيوت حتى يؤذن لهم ، وأن لا يطعموا طعاماً حتى يتوضأوا كوضوء الصلاة . فرجع موسى عليه السلام إلى قومه بهن ففرحوا ، ورأوا أن سيقومون بهن ، فوالله إن لبث القوم إلا قليلاً حتى جنحوا فانقطع بهم فلما حدث نبي الله صلى الله عليه وسلم هذا عن بني إسرائيل قال : تكفلوا لي بست أتكفل لكم بالجنة . إذا حدثتم فلا تكذبوا ، وإذا وعدتم فلا تخلفوا ، وإذا ائتمنتم فلا تخونوا ، وغضوا أبصاركم ، وكفوا أيديكم ، وفروجكم « قال قتادة : شداد والله إلا من عصم الله » .
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79)
أخرج البخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن ابن مسعود قال : لما نزلت آية الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا ، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا مراء ، وجاء أبو عقيل بنصف صاع فقال المنافقون : إن الله لغني عن صدقة هذا . فنزلت { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم . . . } الآية . (5/123)
وأخرج البزار وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثاً ، فجاء عبد الرحمن فقال : يا رسول الله ، عندي أربعة آلاف ، ألفين أقرضهما ربي وألفين لعيالي . فقال : بارك الله لك فيما أعطيت ، وبارك لك فيما أمسكت ، وجاء رجل من الأنصار فقال : يا رسول الله ، إني بت أجر الحرير فأصبت صاعين من تمر ، فصاعاً أقرضه ربي وصاعاً لعيالي ، فلمزه المنافقون قالوا : والله ما أعطى ابن عوف الذي أعطى إلا رياء . وقالوا : أو لم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا؟ فأنزل الله { الذين يلمزون المطوعين } الآية » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال « أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة ، فجاء عبد الرحمن بن عوف بصدقته ، وجاء المطوعون من المؤمنين ، وجاء أبو عقيل بصاع فقال : يا رسول الله ، بت أجر الحرير فأصبت صاعين من تمر ، فجئتك باحدهما وتركت الآخر لأهلي قوتهم فقال المنافقون : ما جاء عبد الرحمن وأولئك إلا رياء ، وإن الله لغني عن صدقة أبي عقيل ، فأنزل الله { الذين يلمزون المطوّعين } الآية » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم والبغوي في معجمه والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن أبي عقيل قال « بت أجر الحرير على ظهري على صاعين من تمر ، فانقلبت بأحدهما إلى أهلي يتبلغون به ، وجئت بالآخر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتقرب به إلى ربي ، فاخبرته بالذي كان فقال : انثره في المسجد . فسخر القوم وقالوا : لقد كان الله غنياً عن صاع هذا المسكين؟ فأنزل الله { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين . . . } الآيتين » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { الذين يلمزون المطوّعين . . . } الآية . قال : جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وجاء رجل من الأنصار بصاع من طعام فقال بعض المنافقين : والله ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلاّ رياء ، وقالوا : إن كان الله ورسوله لغنيين عن هذا الصاع .
وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك قال : الذي تصدق بصاع التمر فلمزه المنافقون : أبو خيثمة الأنصاري .
وأخرج البغوي في معجمه وابن قانع وابن مردويه عن سعيد بن عثمان البلوي عن جدته ليلى بنت عدي . أن أمها عميرة بنت سهل بن رافع صاحب الصاعين الذي لمزه المنافقون ، أخبرتها أنه خرج بصاع من تمر وابنته عميرة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر فصبه . (5/124)
وأخرج عبد الرزاق وابن عساكر عن قتادة في قوله { الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصدقات } قال : تصدق عبد الرحمن بن عوف بشطر ماله ثمانية آلاف دينار ، فقال ناس من المنافقين : إن عبد الرحمن لعظيم الرياء . فقال الله عز وجل { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات } وكان لرجل من الأنصار صاعان من تمر ، فجاء بأحدهما فقال ناس من المنافقين : إن كان الله عن صاع هذا لغني! وكان المنافقون يطعنون عليهم ويسخرون منهم فقال الله عز وجل { والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم } الآية .
وأخرج أبو نعيم في المعرفة عن قتادة قال « أقبل رجل من فقراء المسلمين يقال له الحجاب أبو عقيل قال : يا نبي الله بت أجر الحرير الليلة على صاعين من تمر ، فاما صاع فأمسكته لأهلي وأما صاع فهو ذا . فقال المنافقون : إن كان الله ورسوله لغنيين عن صاع هذا ، فأنزل الله { الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين . . . } الآية » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس « أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس للصدقة ، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف فقال : يا رسول الله هذه صدقة . فلمزه بعض القوم فقال : ما جاء بهذه عبد الرحمن إلا رياء ، وجاء أبو عقيل بصاع من تمر فقال بعض القوم : ما كان الله أغنى عن صاع أبي عقيل ، فنزلت { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات } إلى قوله { فلن يغفر الله لهم } » .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : « أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يجمعوا صدقاتهم ، وكان لعبد الرحمن بن عوف ثمانية آلاف دينار ، فجاء بأربعة آلاف دينار صدقة فقال : هذا ما أفرضه الله وقد بقي مثله . فقال النبي صلى الله عليه وسلم » بورك لك فيما أعطيت وفيما أمسكت ، وجاء أبو نهيك رجل من الأنصار بصاع تمر نزع عليه ليله كله ، فلما أصبح جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رجل من المنافقين : إن عبد الرحمن بن عوف لعظيم الرياء ، وقال للآخر : إن الله لغني عن صاع هذا . فأنزل الله { الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصدقات } عبد الرحمن بن عوف { والذين لا يجدون إلا جهدهم } صاحب الصاع « » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في الآية قال : « أصاب الناس جهد عظيم ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتصدقوا فقال » أيها الناس تصدقوا . فجعل أناس يتصدقون ، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعمائة أوقية من ذهب فقال : يا رسول الله كان لي ثمانمائة أوقية من ذهب فجئت بأربعمائة أوقية . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهمَّ بارك له فيما أعطى وبارك فيما أمسك « » . (5/125)
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : لما كان يوم فطر أخرج عبد الرحمن بن عوف مالاً عظيماً ، وأخرج عاصم بن عدي كذلك ، وأخرج رجل صاعين ، وآخر صاعاً . فقال قائل من الناس : إن عبد الرحمن إنما جاء بما جاء به فخراً ورياء ، واما صاحب الصاع أو الصاعين فإن الله ورسوله غنيان عن صاع وصاع ، فسخروا بهم فأنزل الله فيهم هذه الآية { الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصدقات } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يتصدقوا فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : انما ذلك مال وافر فأخذ نصفه . قال : فجئت أحمل مالاً كثيراً . فقال له رجل من المنافقين : أترائي يا عمر؟ قال : نعم . أرائي الله ورسوله فاما غيرهما فلا . قال : وجاء رجل من الأنصار لم يكن عنده شيء فأجر نفسه بجر الحرير على رقبته بصاعين ليلته ، فترك صاعاً لعياله وجاء بصاع يحمله ، فقال له بعض المنافقين : إن الله ورسوله عن صاعك لغنيان . فذلك قوله { الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصدقات } .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة { الذين يلمزون المطوّعين } أي يطعنون على المطوعين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { والذين لا يجدون إلا جهدهم } قال : هو رفاعة بن سعد .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي في قوله { والذين لا يجدون إلا جهدهم } قال : الجهد في القوت ، والجهد في العمل .
وأخرج أبو الشيخ عن سفيان في الآية قال : الجهد جهد الإِنسان ، والجهد في ذات اليد .
وأخرج ابن المنذر عن ابن إسحق قال : كان الذي تصدق بجهده أبو عقيل واسمه سهل بن رافع ، أتى بصاع من تمر فافرغها في الصدقة ، فتضاحكوا به وقالوا : إن الله لغني عن صدقة أبي عقيل .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً للناس فقال « يا أيها الناس تصدقوا أشهد لكم بها يوم القيامة ، ألا لعل أحدكم أن يبيت فصاله راو وابن عمه طاو ، ألا لعل أحدكم أن يثمر ماله وجاره مسكين لا يقدر على شيء ، الا رجل منح ناقة من ابله يغدو برفد ويروح برفد ، يغدو بصبوح أهل بيت ويروح بغبوقهم ، ألا إن أجرها لعظيم . فقام رجل فقال : يا رسول الله عندي أربعة ذود . فقام آخر قصير القامة قبيح السنة يقود ناقة له حسناء جميلة فقال رجل من المنافقين كلمة خفية لا يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم سمعها : ناقته خير منه . فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فقال : كذبت هو خير منك ومنها ثم قام عبد الرحمن بن عوف فقال : يا رسول الله عندي ثمانية آلاف ، تركت أربعة منها لعيالي وجئت بأربعة أقدمها لله ، فتكاثر المنافقون ما جاء به ، ثم قام عاصم بن عدي الأنصاري فقال : يا رسول الله عندي سبعون وسقاً جذاذ العام ، فتكاثر المنافقون ما جاء به وقالوا : جاء هذا بأربعة آلاف وجاء هذا بسبعين وسقاً للرياء والسمعة فهلا أخفياها فهلا فرقاها . ثم قام رجل من الأنصار اسمه الحجاب يكنى أبا عقيل فقال : يا رسول الله مالي من مال غير اني أجرت نفسي من بني فلان ، أجر الحرير في عنقي على صاعين من تمر ، فتركت صاعاً لعيالي وجئت بصاع أقربه إلى الله تعالى ، فلمزه المنافقون وقالوا : جاء أهل الابل بالابل ، وجاء أهل الفضة بالفضة ، وجاء هذا بتمرات يحملها ، فأنزل الله { الذين يلمزون المطوّعين . . . } الآية » .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبي السليل قال : وقف علينا شيخ في مجلسنا فقال : حدثني أبي أو عمي أنه شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع قال « من يتصدق اليوم بصدقة أشهد له بها عند الله يوم القيامة . فجاء رجل - لا والله ما بالبقيع رجل أشد سواد وجه منه ، ولا أقصر قامة ، ولا أذم في عين منه - بناقة - لا والله ما بالبقيع شيء أحسن منها - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذه صدقة؟ قال : نعم يا رسول الله . فلمزه رجل فقال : يتصدق بها والله لهي خير منه . فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمته فقال : كذبت بل هو خير منك ومنها ، كذبت بل هو خير منك ومنها ثلاث مرات ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الا من قال بيده هكذا وهكذا وقليل ما هم ، ثم قال : (5/126)
» قد أفلح المزهد المجهد ، قد أفلح المزهد المجهد « .
وأخرج أبو داود وابن خزيمة والحاكم وصححه » عن أبي هريرة . أنه قال : يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال « جهد المقل ، وابدأ بمن تعول » « .
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم « عن عروة أن عبد الله بن أبي قال لأصحابه : لولا أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لانفضوا من حوله ، وهو القائل { ليخرجن الأعز منها الأذل } [ المنافقون : 8 ] فأنزل الله عز وجل { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } قال النبي » لأزيدن على السبعين . فأنزل الله { سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم } « [ المنافقون : 6 ] . (5/127)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال : » لما نزلت { إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } قال النبي صلى الله عليه وسلم « سأزيد على سبعين ، فأنزل الله في السورة التي يذكر فيها المنافقون { لن يغفر الله لهم } [ المنافقون : 6 ] » .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لما نزلت هذه الآية أسمع ربي قد رخص لي فيهم ، فوالله لأستغفرن أكثر من سبعين مرة لعل الله أن يغفر لهم . فقال الله من شدة غضبه عليهم { سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين } [ المنافقون : 6 ] » .
وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم والنحاس وابن حبان وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال : سمعت عمر يقول : لما توفي عبد الله بن أبي ، دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه ، فقام عليه فلما وقف قلت أعلى عدوّ الله عبد الله بن أبي القائل كذا وكذا ، والقائل كذا وكذا؟! أعدد أيامه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم ، حتى إذا أكثرت قال « يا عمر أخر عني اني قد خيرت ، قد قيل لي { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة } فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها ، ثم صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشى معه حتى قام على قبره حتى فرغ منه ، فعجبت لي ولجراءتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم - والله رسوله أعلم - فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزلت هاتان الآيتان { ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره } [ التوبة : 84 ] فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق بعده حتى قبضه الله عز وجل » .
وأخرج ابن أبي حاتم « عن الشعبي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لقد أصبت في الإِسلام هفوة ما أصبت مثلها قط ، أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي على عبد الله بن أبي ، فأخذت بثوبه فقلت : والله ما أمرك الله بهذا ، لقد قال الله { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد خيرني ربي فقال { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم } فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على شفير القبر ، فجعل الناس يقولون لابنه : يا حباب افعل كذا يا حباب افعل كذا : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » الحباب اسم شيطان أنت عبد الله « » .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله { استغفر لهم . . . } الآية . قال : نزلت في الصلاة على المنافقين قال : « لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق قال النبي صلى الله عليه وسلم لو أعلم إن استغفرت له إحدى وسبعين مرة غفر له لفعلت فصلى عليه الله الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم ، فأنزل الله { ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره } [ التوبة : 84 ] ونزلت العزمة في سورة المنافقين { سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم } [ المنافقون : 6 ] الآية » . (5/128)
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81)
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { بمقعدهم خلاف رسول الله } قال : عن غزوة تبوك . (5/129)
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في الآية قال : يعني المتخلفون بأن قعدوا خلاف رسول الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عن أبيه قال : كانت تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي غزوة الحر . قالوا : لا تنفروا في الحر ، وهي غزوة العسرة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا معه وذلك في الصيف . فقال رجال : يا رسول الله الحر شديد ولا نستطيع الخروج فلا تنفروا في الحر . فقال الله { قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون } فأمره بالخروج » .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { لا تنفروا في الحر } قال : قول المنافقين يوم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد إلى تبوك ، فقال رجل من بني سلمة : لا تنفروا في الحر . فأنزل الله { قل نار جهنم أشد حراً . . . } الآية .
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : استدار برسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من المنافقين حين أذن للجد بن قيس ليستأذنوه ويقولوا : يا رسول الله ائذن لنا فإنا لا نستطيع أن ننفر في الحر ، فأذن لهم واعرض عنهم . فأنزل الله { قل نار جهنم أشد حراً . . . } الآية .
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً } قال : هم المنافقون والكفار الذين اتخذوا من دينهم هزواً ولعباً ، يقول الله تعالى { فليضحكوا قليلاً } في الدنيا { وليبكوا كثيراً } في الآخرة . (5/130)
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { فليضحكوا قليلاً } قال : الدنيا قليل فليضحكوا فيها ما شاؤوا ، فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله تعالى استأنفوا بكاء لا ينقطع أبداً .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي رزين . مثله .
وأخرج البخاري والترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً » .
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون ، أطت السماء وحق لها أن تئط ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجداً ، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً وما تلذذتم بالنساء على الفرش ، ولخرجتم إلى الصعدات تجارون إلى الله ، لوددت أني كنت شجرة تعضد » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وأبو يعلى عن أنس « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا ، فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل فتقرح العيون ، فلو أن سفناً أرخيت فيها لجرت » .
وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار عن زيد بن رفيع رفعه قال : إن أهل النار إذا دخلوا النار بكوا الدموع زماناً ، ثم بكوا القيح زماناً فتقول لهم الخزنة : يا معشر الأشقياء تركتم البكاء في الدار المرحوم فيها أهلها في الدنيا ، هل تجدون اليوم من تستغيثون به؟ فيرفعون أصواتهم : يا أهل الجنة يا معشر الآباء والأمهات والأولاد خرجنا من القبور عطاشاً ، وكنا طول الموقف ، عطاشاً ونحن عطاشاً ، فافيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله . فيدعون أربعين سنة لا يجيبهم ، ثم يجيبهم إنكم ماكثون . فييأسون من كل خير .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن أبي موسى الأشعري . أنه خطب الناس بالبصرة فقال : يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا ، فإن أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع ، ثم يبكون الدماء حتى لو أجري فيها السفن لجرت .
وأخرج أحمد في الزهد عن عبد الله بن عمر قال : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ، ولو تعلمون حق العلم لصرخ أحدكم حتى ينقطع صوته ، ولسجد حتى ينقطع صلبه .
وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ، ولخرجتم تبكون لا تدرون تنجون أو لا تنجون .
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { فإن رجعك الله إلى طائفة منهم } قال : ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين ، وفيهم قيل ما قيل . (5/131)
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في الآية يقول : أرأيت إن نفرت فاستأذنوك أن ينفروا معك؟ فقل : لن تخرجوا معي أبداً .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فاقعدوا مع الخالفين } قال : هم الرجال الذين تخلفوا عن النفور .
وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85)
أخرج البخاري ومسلم وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال : لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول أتى ابنه عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه . فأعطاه ، ثم سأله أن يصلي عليه . فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام عمر بن الخطاب فأخذ ثوبه فقال : يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال « إن ربي خيَّرني وقال { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } [ التوبة : 80 ] وسأزيد على السبعين فقال : إنه منافق فصلى عليه . فأنزل الله تعالى { ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره } فترك الصلاة عليهم » . (5/132)
وأخرج الطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل « عن ابن عباس أن عبد الله بن عبد الله بن أبي قال له أبوه : أي بني ، اطلب لي ثوباً من ثياب النبي صلى الله عليه وسلم فكفني فيه ، ومره أن يصلي عليَّ . قال » فأتاه فقال : يا رسول الله قد عرفت شرف عبد الله ، وهو يطلب إليك ثوباً من ثيابك نكفنه فيه وتصلي عليه؟ فقال عمر : يا رسول الله قد عرفت عبد الله ونفاقه . أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال : وابني؟! فقال { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } [ التوبة : 80 ] قال : فإني سأزيد على سبعين . فأنزل الله عز وجل { ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره . . . } الآية . قال : فأرسل إلى عمر فأخبره بذلك ، وأنزل الله { سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم } [ المنافقون : 6 ] « .
وأخرج ابن المنذر عن عمر بن الخطاب قال : لما مرض عبد الله بن أبي بن سلول مرضه الذي مات فيه عاده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما مات صلى عليه وقام على قبره . قال : فوالله إن مكثنا إلا ليالي حتى نزلت { ولا تصل على أحد منهم مات أبداً . . . } الآية .
وأخرج ابن ماجة والبزار وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن جابر قال » مات رأس المنافقين بالمدينة ، فأوصى أن يصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأن يكفنه في قميصه ، فجاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أبي أوصى أن يكفن في قميصك ، فصلى عليه وألبسه قميصه وقام على قبره ، فأنزل الله { ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره } « .
وأخرج أبو يعلى وابن جرير وابن مردويه عن أنس » أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يصلي على عبد الله بن أبي ، فأخذ جبريل عليه السلام بثوبه وقال { ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره } « .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال : « وقف نبي الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي ، فدعاه فأغلظ له وتناول لحية النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو أيوب : كف يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوالله لئن أذن لأضعن فيك السلاح ، وأنه مرض فأرسل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم يدعوه ، فدعا بقميصه فقال عمر : والله ما هو بأهل أن تأتيه . قال : بلى . فأتاه فقال : أهلكتك موادّتك اليهود؟ قال : إنما دعوتك لتستغفر لي ولم أدعك لتؤنبني . قال : أعطني قميصك لأكفن فيه . فأعطاه ونفث في جلده ، ونزل في قبره ، فأنزل الله { ولا تصل على أحد منهم مات أبداً . . . } الآية قال : فذكروا القميص . قال : وما يغني عنه قميصي ، والله إني لأرجو أن يسلم به أكثر من ألف من بني الخزرج ، فأنزل الله { ولا تعجبك أموالهم وأولادهم } الآية » . (5/133)
وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { أولوا الطول } قال : أهل الغنى . (5/134)
رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87) لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } قال : مع النساء . (5/135)
وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص « أن علي بن أبي طالب خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء ثنية الوداع يريد تبوك ، وعلي يبكي ويقول : تخلفني مع الخوالف؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هرون من موسى إلا النبوة؟ » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } قال : رضوا بأن يقعدوا كما قعدت النساء .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } أي النساء { وطبع على قلوبهم } أي بأعمالهم .
وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90)
أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { وجاء المعذرون من الأعراب } يعني أهل العذر منهم ليؤذن لهم . (5/136)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وجاء المعذرون من الأعراب } قال : هم أهل الأعذار ، وكان يقرؤها { وجاء المعذرون } خفيفة .
وأخرج ابن الأنباري في كتاب الأضداد عن ابن عباس . أنه كان يقرأ { وجاء المعذرون من الأعراب } ويقول : لعن الله المعذرين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : من قرأها { وجاء المعذرون من الأعراب } خفيفة قال : بنو مقرن ، ومن قرأها { وجاء المعذرون } قال : اعتذروا بشيء ليس لهم عذر بحق .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن . أنه كان يقرأ { وجاء المعذرون } قال : اعتذروا بشيء ليس بحق .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن إسحق في قوله { وجاء المعذرون من الأعراب } قال : ذكر لي أنهم نفر من بني غفار ، جاؤوا فاعتذروا ، منهم خفاف بن إيماء من خرصة .
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91)
أخرج ابن أبي حاتم والدارقطني في الافراد وابن مردويه عن زيد بن ثابت قال : كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم براءة ، فكنت أكتب ما أنزل الله عليه ، فإني لواضع القلم على أذني إذ أمرنا بالقتال ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه ، إذ جاء أعمى فقال : كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى؟ فنزلت { ليس على الضعفاء } الآية . (5/137)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ليس على الضعفاء . . . } الآية . قال نزلت في عائذ بن عمرو وفي غيره .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : نزل من عند قوله { عفا الله عنك } [ التوبة : 43 ] إلى قوله { ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم } في المنافقين .
أما قوله تعالى : { إذا نصحوا لله ورسوله } .
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم عن أبي ثمامة الصائدي قال : قال الحواريون : يا روح الله أخبرنا من الناصح لله؟ قال : الذي يؤثر حق الله على حق الناس ، وإذا حدث له أمران أو بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة ، بدأ الذي للآخرة ثم تفرغ للذي الدنيا .
وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن تميم الداري « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الدين النصيحة . قالوا : لمن يا رسول الله؟ قال : لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم » .
وأخرج ابن عدي عن ابن عمر « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الدين النصيحة . قيل : لمن يا رسول الله؟ قال : لله ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم » .
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي عن جرير قال « بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم » .
وأخرج أحمد والحكيم الترمذي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « قال الله عز وجل : أحب ما تعبدني به عبدي إلى النصح لي » .
وأخرج أحمد في الزهد عن وهب بن منبه . أن راهباً قال لرجل : أوصيك بالنصح لله نصح الكلب لأهله ، فإنهم يجيعونه ويطردونه ويأبى إلا أن يحوطهم وينصحهم .
أخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله { ما على المحسنين من سبيل } قال : ما على هؤلاء من سبيل بأنهم نصحوا لله ورسوله ولم يطيقوا الجهاد ، فعذرهم الله وجعل لهم من الأجر ما جعل للمجاهدين ، ألم تسمع أن الله يقول { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر } [ النساء : 95 ] فجعل الله للذين عذر من الضعفاء ، وأولي الضرر ، والذين لا يجدون ما ينفقون ، من الأجر مثل ما جعل للمجاهدين .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزو تبوك ، فأشرف على المدينة قال : لقد تركتم بالمدينة رجالاً ما سرتم في مسير ، ولا أنفقتم من نفقة ، ولا قطعتم وادياً ، إلا كانوا معكم فيه . قالوا : يا رسول الله وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال : حبسهم العذر » . (5/138)
وأخرج أحمد ومسلم وابن مردويه عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لقد خلفتم بالمدينة رجالاً ما قطعتم وادياً ، ولا سلكتم طريقاً ، إلا شركوكم في الأجر حبسهم المرض » .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { ما على المحسنين من سبيل } والله لأهل الاساءة { غفور رحيم } .
وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92)
أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لقد خلفتم بالمدينة أقواماً ما أنفقتم من نفقة ، ولا قطعتم وادياً ، ولا نلتم من عدوّ نيلاً ، إلا وقد شركوكم في الأجر ، ثم قرأ { ولا على الذين إذا ما أتوك . . . } الآية » . (5/139)
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال : « أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن ينبعثوا غازين ، فجاءت عصابة من أصحابه فيهم عبد الله بن معقل المزني ، فقالوا : يا رسول الله احملنا؟ فقال » والله ما أجد ما أحملكم عليه . فتولوا ولهم بكاء وعز عليهم أن يحبسوا عن الجهاد ، ولا يجدون نفقة ولا محملاً . فأنزل الله عذرهم { ولا على الذين إذا ما أتوك . . . } الآية « » .
وأخرج ابن سعد ويعقوب بن سفيان في تاريخه وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عبد الله بن معقل قال : إني لمن الرهط الذين ذكر الله { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم } الآية .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب قال : « جاء ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحملونه فقال » لا أجد ما أحملكم عليه ، فأنزل الله { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم . . . } الآية . قال : وهم سبعة نفر من بني عمر بن عوف سالم بن عمير ، ومن بني واقن حرميّ بن عمرو ، ومن بني مازن ابن النجار عبد الرحمن بن كعب يكنى أبا ليلى ، ومن بني المعلي سلمان بن صخر ، ومن بني حارثة عبد الرحمن بن زيد أبو عبلة ، ومن بني سلمة عمرو بن غنمة ، وعبد الله بن عمرو المزني « » .
وأخرج ابن مردويه عن مجمع بن حارثة قال : الذين استحملوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لا أجد ما أحملكم عليه سبعة نفر . علية بن زيد الحارثي ، وعمر بن غنم الساعدي ، وعمرو بن هرمي الرافعي ، وأبو ليلى المزني ، وسالم بن عمرو العمري ، وسلمة بن صخر الزرقي ، وعبد الله بن عمرو المزني .
وأخرج عبد الغني بن سعيد في تفسيره وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس في قوله { ولا على الذين إذا ما أتوك . . . } الآية . قال : منهم سالم بن عمير أحد بني عمرو بن عوف .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر الكلاعي قال : أتينا العرباض بن سارية ، وكان من الذين أنزل الله فيهم { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم . . . } الآية .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم } قال : هم بنو مقرن من مزينة ، وهم سبعة .