صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور
المؤلف : عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

قال الحكيم : وحدثني أبي قال : دخلت الطواف في ليلة ظلماء ، فأخذني من البول ما شغلني ، فجعلت أعتصر حتى آذاني ، وخفت ان خرجت من المسجد أن أطأ بعض تلك الأقذار وذلك أيام الحج ، فذكرت هذا الحديث ، فدخلت زمزم فتضلعت منه ، فذهب عني إلى الصباح .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « خير ماء على وجه الأرض زمزم ، فيه طعام من الطعم ، وشفاء من السقم » .
وأخرج ابن أبي شيبة والفاكهاني والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « زمزم خير ماء يعلم ، وطعام يطعم ، وشفاء سقم » .
وأخرج الترمذي والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تحمل ماء زمزم في القوارير ، وتذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ، وكان يصب على المرضى ويسقيهم .
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن صفية رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « ماء زمزم شفاء من كل داء » .
وأخرج الدارقطني والحاكم وصححه من طريق مجاهد رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ماء زمزم لما شرب له ، فإن شربته تشتفي به شفاك الله ، وان شربته مستعيذاً أعاذك الله ، وإن شربته ليقطع ظمؤك قطعه الله ، وإن شربته لشبعك أشبعك الله ، وهي عزيمة جبريل ، وسقيا إسمعيل عليهما السلام . قال : وكان ابن عباس رضي الله عنهما إذا شرب ماء زمزم قال : اللهمَّ إني أسألك علماً نافعاً ، ورزقاً واسعاً ، وشفاء من كل داء » .
وأخرج عبد الرزاق وابن ماجة والطبراني والدارقطني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عثمان بن الأسود رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال : من أين جئت؟ قال : شربت من زمزم فقال : اشرب منها كما ينبغي . قال : وكيف ذاك يا أبا عباس؟ قال : إذا شربت منها فاستقبل القبلة واذكر اسم الله واشرب وتنفس ثلاثاً وتضلع منها ، فإذا فرغت فاحمد الله فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم » .
وأخرج الأزرقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال « كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة زمزم ، فأمر بدلو انتزع له من البئر فوضعها على شفة البئر ، ثم وضع يده من تحت عراقي الدلو ، ثم قال : بسم الله . ثم كرع فيها فأطال ، فرفع رأسه فقال : الحمد لله . ثم دعا فقال : بسم الله . ثم كرع فيها فأطال وهو دون الأول ، ثم رفع رأسه فقال : الحمد لله . ثم دعا فقال : بسم الله . ثم كرع فيها وهو دون الثاني ، ثم رفع فقال : الحمد لله . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : علامة ما بيننا وبين المنافقين لم يشربوا منها قط حتى يتضلعوا » .

(5/34)


وأخرج الأزرقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم « التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق » .
وأخرج الأزرقي عن رجل من الأنصار عن أبيه عن جده « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : علامة ما بيننا وبين المنافقين أن يدلوا دلواً من ماء زمزم فيتضلعوا منها ، ما استطاع منافق قط أن يتضلع منها » .
وأخرج الأزرقي عن الضحاك بن مزاحم رضي الله عنه قال : بلغني أن التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق ، وأن ماءها مذهب بالصداع ، وأن الاطلاع فيها يجلو البصر ، وأنه سيأتي عليها زمان تكون أعذب من النيل والفرات .
وأخرج ابن أبي شيبة والأزرقي والفاكهاني عن كعب رضي الله عنه قال : إني لأجد في كتاب الله المنزل أن زمزم طعام طعم ، وشفاء سقم .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والأزرقي عن عبد الله بن عثمان بن خثيم رضي الله عنه قال : قدم علينا وهب بن منبه مكة فاشتكى ، فجئنا نعوده فإذا عنده من ماء زمزم ، فقلنا : لو استعذبت فإن هذا ماء فيه غلظ . قال : ما أريد أن أشرب حتى أخرج منها غيره ، والذي نفس وهب بيده إنها لفي كتاب الله مضنونة ، وإنها لفي كتاب الله طعام طعم ، وشفاء سقم ، والذي نفس وهب بيده لا يعمد إليها أحد فيشرب منها حتى يتضلع إلا نزعت داء وأحدثت له شفاء .
وأخرج الأزرقي عن كعب رضي الله عنه . أنه قال : لزمزم أنا نجدها مضنونة ضن بها لكم ، وأول من سقي ماءها اسمعيل عليه السلام ، طعام طعم وشفاء سقم .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وسعيد بن منصور والأزرقي والحكيم الترمذي عن مجاهد رضي الله عنه قال : ماء زمزم لما شرب له ، إن شربته تريد الشفاء شفاك الله ، وإن شربته لظمأ رواك الله ، وإن شربته لجوع أشبعك الله ، وهي هزمة جبريل عليه السلام بعقبه ، وسقيا الله لإسمعيل عليه السلام .
وأخرج بقية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : خير واد في الناس وادي مكة ، ووادي الهند الذي هبط به آدم عليه السلام ، ومنه يؤتى بهذا الطيب الذي تطيبون به . وشر واد الناس واد بالأحقاف ، ووادي حضرموت يقال له برهوت ، وخير بئر في الناس بئر زمزم ، وشر بئر في الناس بئر برهوت ، وإليها تجتمع أرواح الكفار .
وأخرج الأزرقي من طريق عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : صلوا في مصلى الأخيار ، واشربوا من شراب الأبرار .

(5/35)


قيل لابن عباس : ما مصلى الأخيار؟ قال : تحت الميزاب . قيل : وما شراب الأبرار؟ قال : ماء زمزم .
وأخرج الأزرقي عن ابن جريج رضي الله عنه قال : سمعت أنه يقال : خير ماء في الأرض ماء زمزم ، وشر ماء في الأرض ماء برهوت ، شعب من شعب حضرموت .
وأخرج الأزرقي عن كعب الأحبار رضي الله عنه قال : إن إيليا وزمزم ليتعارفان .
وأخرج الأزرقي عن عكرمة بن خالد رضي الله عنه قال : بينما أنا ليلة في جوف الليل عند زمزم جالس إذا نفر يطوفون عليهم ثياب بيض لم أر بياض ثيابهم بشيء قط ، فلما فرغوا صلوا قريباً منا ، فالتفت بعضهم فقال لأصحابه اذهبوا بنا نشرب من شراب الأبرار . فقاموا فدخلوا زمزم فقلت : والله لو دخلت على القوم فسألتهم . فقمت فدخلت فإذا ليس فيها أحد من البشر .
وأخرج الأزرقي عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال : تنافس الناس في زمزم في الجاهلية ، حتى أن كان أهل العيال يغدون بعيالهم فيشربون فيكون صبوحاً لهم ، وقد كنا نعدها عوناً على العيال .
وأخرج ابن أبي شيبة والأزرقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت زمزم تسمى في الجاهلية شباعه ، وتزعم أنها نعم العون على العيال .
وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والأزرقي والبزار وأبو عوانة والبيهقي في سننه عن أبي ذر رضي الله عنه قال : « قدمت مكة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم » متى كنت ههنا؟ قلت : أربع عشرة . وفي لفظ : قلت ثلاثين من بين يوم وليلة . قال : من كان يطعمك؟ قلت : ما كان لي طعام ولا شراب إلا ماء زمزم فما أجد على كيدي سحقة جوع ، ولقد تكسرت عكن بطني . إنها مباركة إنها طعام طعم ، زاد الطيالسي وشفاء سقم « » .
وأخرج الأزرقي عن رباح بن الأسود رضي الله عنه قال : كنت مع أهلي بالبادية ، فابتعت بمكة فاعتقت ، فمكثت ثلاثة أيام لا أجد شيئاً آكله ، فكنت أشرب من ماء زمزم ، فشربت يوماً فإذا أنا بصريف اللبن من بين ثناياي ، فقلت : لعلي ناعس . . . ! فانطلقت وأنا أجد قوة اللبن وشبعه .
وأخرج الأزرقي عن عبد العزيز بن أبي رواد رضي الله عنه . أن راعياً كان يرعى وكان من العباد ، فكان إذا ظمىء وجد فيها لبناً ، وإذا أراد أن يتوضأ وجد فيها ماء .
وأخرج الأزرقي عن الضحاك بن مزاحم رضي الله عنه قال : إن الله يرفع المياه قبل يوم القيامة غير زمزم ، فتغور المياه غير زمزم ، وتلقي الأرض ما في بطنها من ذهب وفضة ، ويجيء الرجل بالجراب فيه الذهب والفضة فيقول : من يقبل هذا مني؟ فيقول : لو أتيتني به أمس قبلته .
وأخرج الأزرقي عن زر بن حبيش قال : رأيت عباس بن عبد المطلب في المسجد الحرام وهو يطوف حول زمزم يقول : لا أحلها لمغتسل وهي لمتوضىء وشارب حلُّ وبلٌّ .

(5/36)


وأخرج الأزرقي عن ابن أبي حسين « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى سهيل بن عمرو يستهديه من ماء زمزم ، فبعث له براويتين » .
وأخرج عبد الرزاق والأزرقي عن ابن جريج عن ابن أبي حسين واسمه عبد الله بن أبي عبد الرحمن قال : « كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سهيل بن عمرو » إن جاءك كتابي ليلاً فلا تُصبِحَنَّ ، وإن جاءك نهار فلا تُمْسِيَنَّ حتى تبعث إليَّ بماء من زمزم ، فملأ له مزادتين وبعث بهما على بعير « » .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استهدى سهيل بن عمرو رضي الله عنه من ماء زمزم » .
وأخرج ابن سعد عن أم أيمن رضي الله عنهما قالت « ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم شكا صغيراً ولا كبيراً جوعاً ولا عطشاً ، كان يغدو فيشرب من ماء زمزم فاعرض عليه الغداء فيقول : لا أريده أنا شبعان » .
وأخرج الدارقطني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « خمس من العبادة : النظر إلى المصحف ، والنظر إلى الكعبة ، والنظر إلى الوالدين ، والنظر في زمزم وهي تحط الخطايا ، والنظر في وجه العالم » .
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد رضي الله عنه . أنه كان إذا شرب من زمزم قال : هي لما شربت له .
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ما من رجل يشرب من ماء زمزم حتى يتضلع إلا حطَّ الله به داء من جوفه ، ومن شربه لعطش روي ، ومن شربه لجوع شبع .
وأخرج عبد الرزاق عن طاوس رضي الله عنه قال : ماء زمزم طعام طعم ، وشفاء سقم .
وأخرج الفاكهاني عن سعيد بن أبي هلال رضي الله عنه قال « بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عيناً له إلى مكة فاقام بها ليالي يشرب من ماء زمزم ، فلما رجع قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان عيشك؟ فأخبره أنه كان يأتي زمزم فيشرب من مائها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها شفاء من سقم وطعام من طعم » .
وأخرج أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم : كان إذا أراد أن يتحف الرجل بتحفة سقاه من ماء زمزم .
وأخرج الفاكهاني عن مجاهد رضي الله عنه قال : كان ابن عباس رضي الله عنهما إذا نزل به ضيف أتحفه من ماء زمزم ، ولا أطعم قوماً طعاماً إلا سقاهم من ماء زمزم .
وأخرج أبو ذر الهروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت أهل مكة لا يسابقهم أحد إلا سبقوه ، ولا يصارعهم أحد إلا صرعوه حتى رغبوا عن ماء زمزم .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن مجاهد رضي الله عنه قال : كانوا يستحبون إذا ودعوا البيت أن يأتوا زمزم فيشربوا منها .
وأخرج السلفي في الطيوريات عن ابن حبيب رضي الله عنه قال : زمزم شراب الأبرار ، والحجر مصلى الأخيار .

(5/37)


يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22)

أخرج أبو الشيخ عن طلحة بن مصرف رضي الله عنه أنه قرأ { يبشرهم ربهم } .

(5/38)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)

أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال : أمروا بالهجرة فقال العباس بن عبد المطلب : أنا أسقي الحاج . وقال طلحة أخو بني عبد الدار ، أنا أحجب الكعبة فلا نهاجر ، فانزلت { لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإِيمان } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في هذه الآية قال : هي في الهجرة .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وأموال اقترفتموها } قال : أصبتموها .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله { وتجارة تخشون كسادها } يقول : تخشون أن تكسد فتبيعونها { ومساكن ترضونها } قال : هي القصور والمنازل .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فتربصوا حتى يأتي الله بأمره } قال : بالفتح في أمره بالهجرة هذا كله قبل فتح مكة .
وأخرج أحمد والبخاري عن عبد الله بن هشام رضي الله عنه قال : « كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : والله لأنت يا رسول الله أحب إليَّ من كل شيء إلا من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم » لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه « والله أعلم .

(5/39)


لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27)

أخرج الفريابي عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { لقد نصركم الله في مواطن كثيرة } قال : هي أول ما أنزل الله تعالى من سورة براءة .
وأخرج ابن أبي شيبة وسنيد وابن حرب وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال أول ما نزل من براءة { لقد نصركم الله في مواطن كثيرة } يعرفهم نصره ويوطنهم لغزوة تبوك .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { لقد نصركم الله في مواطن كثيرة } قال : هذا مما يمن الله به عليهم من نصره إياهم في مواطن كثيرة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال { حنين } ماء بين مكة والطائف ، قاتل النبي صلى الله عليه وسلم هوازن وثقيف ، وعلى هوازن مالك بن عوف ، وعلى ثقيف عبد ياليل بن عمرو الثقفي .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام عام الفتح نصف شهر ، ولم يزد على ذلك حتى جاءته هوازن وثقيف فنزلوا بحنين ، وحنين واد إلى جنب ذي المجاز » .
وأخرج ابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه قال « لما اجتمع أهل مكة وأهل المدينة قالوا : الآن والله نقاتل حين اجتمعنا ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوا وما أعجبهم من كثرتهم ، فالتقوا فهزمهم الله حتى ما يقوم منهم أحد على أحد ، حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي أحياء العرب إليَّ فوالله ما يعرج إليه أحد حتى أعرى موضعه ، فالتفت إلى الأنصار وهم ناحية ناحية فناداهم : يا أنصار الله وأنصار رسوله إلى عباد الله أنا رسول الله ، فعطفوا وقالوا : يا رسول الله ورب الكعبة إليك والله ، فنكسوا رؤوسهم يبكون وقدموا أسيافهم يضربون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عليهم » .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن الربيع رضي الله عنه « أن رجلاً قال يوم حنين : لن نغلب من قلة . فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله عز وجل { ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم } قال الربيع : وكانوا اثني عشر ألفاً ، منهم ألفان من أهل مكة » .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد البغوي في معجمه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي عبد الرحمن الفهري رضي الله عنه قال : « كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حنين ، فسرنا في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال الشجر ، فلما زالت الشمس لبست لامتي وركبت فرسي ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته ، قد حان الرواح يا رسول الله . قال » أجل ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا بلال . . . فثار من تحت سمرة كان ظله ظل طائر فقال : لبيك وسعديك وأنا فداؤك . ثم قال : أسرج لي فرسي . فأتاه بدفتين من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر قال : فركب فرسه ثم سرنا يومنا فلقينا العدوّ وتشامت الخيلان فقاتلناهم ، فولى المسلمون مدبرين كما قال الله عز وجل ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله ، فاقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرسه ، وحدثني من كان أقرب إليه مني : أنه أخذ حفنة من تراب فحثاها في وجوه القوم وقال : شاهت الوجوه . . . ! قال يعلى بن عطاء رضي الله عنه : فأخبرنا أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا : ما بقي منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه من التراب ، وسمعنا صلصلة من السماء كمر الحديد على الطست الحديد ، فهزمهم الله عز وجل « » .

(5/40)


وأخرج الطبراني والحاكم وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : « كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ، فولى الناس عنه وبقيت معه في ثمانين رجلاً من المهاجرين والأنصار ، فكنا على أقدامنا نحواً من ثمانين قدماً ولم نولهم الدبر ، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته ، فمضى قدماً فقال » ناولني كفاً من تراب . فناولته فضرب وجوههم ، فامتلأت أعينهم تراباً وولى المشركون أدبارهم « » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس رضي الله عنه . « أن هوازن جاءت يوم حنين بالنساء والصبيان والإِبل والغنم ، فجعلوهم صفوفاً ليكثروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالتقى المسلمون والمشركون ، فولى المسلمون مدبرين كما قال الله عز وجل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله ، ثم قال : يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله ، فهزم الله المشركين ولم يضرب بسيف ولم يطعن برمح « » .
وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وأحمد ومسلم والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن العباس بن عبد المطلب قال « شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ، فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب ، فلزمنا رسول الله فلم نفارقه وهو على بغلته الشهباء التي أهداها له فروة بن معاوية الجذامي ، فلما التقى المسلمون والمشركون ولي المسلمون مدبرين وطفق النبي صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار ، وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة أن لا تسرع وهو لا يألو ما أسرع نحو المشركين ، وأبو سفيان بن الحرث آخذ بغرز رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عباس نادي أصحاب السمرة يا أصحاب البقرة ، فوالله لكأني عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقرة على أولادها ينادون يا لبيك يا لبيك ، فأقبل المسلمون فاقتتلوا هم والكفار ، وارتفعت الأصوات وهم يقولون : يا معشر الأنصار ، يا معشر الأنصار . ثم قصرت الدعوة على بني الحرث بن الخزرج ، فتطاول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته فقال : هذا حين حمي الوطيس ، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ، ثم قال : انهزموا ورب الكعبة . فذهبت أنظر فإذا القتال على هينته فيما أرى ، فما هو إلا أن رماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصيات ، فما زلت أرى حدهم كليلاً وأمرهم مدبراً حتى هزمهم الله عز وجل » .

(5/41)


وأخرج الحاكم وصححه عن جابر رضي الله عنه قال : « ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين الأنصار فقال : يا معشر الأنصار . فأجابوه لبيك - بأبينا أنت وأمنا - يا رسول الله . قال » أقبلوا بوجوهكم إلى الله ورسوله يدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار . فأقبلوا ولهم حنين حتى أحدقوا به كبكبة تحاك مناكبهم يقاتلون حتى هزم الله المشركين « » .
وأخرج أبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال : « لما اجتمع يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة أعجبتهم كثرتهم ، فقال القوم : اليوم والله نقاتل ، فلما التقوا واشتد القتال ولوا مدبرين ، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار ، فقال : » يا معشر المسلمين إلي عباد الله ، أنا رسول الله . فقالوا : إليك - والله - جئنا ، فنكسوا رؤوسهم ثم قاتلوا حتى فتح الله عليهم « » .
وأخرج الحاكم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال « أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وبرة من بعير ، ثم قال : أيها الناس إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه إلا الخمس والخمس مردود عليكم ، فأدوا الخيط والمخيط وإياكم والغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة ، وعليكم بالجهاد في سبيل الله فإنه باب من أبواب الجنة يذهب الله به الهم والغم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الأنفال ، ويقول : ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : رأيتنا يوم حنين وإن الفئتين لموليتان ، وعن عكرمة قال : « لما كان يوم حنين ولى المسلمون وولى المشركون ، وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال » أنا محمد رسول الله ثلاث مرات - وإلى جنبه عمه العباس - فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمه : يا عباس أذن يا أهل الشجرة ، فأجابوه من كل مكان لبيك لبيك حتى أظلوه برماحهم ، ثم مضى فوهب الله له الظفر ، فأنزل الله { ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم } الآية « » .

(5/42)


وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن عبيد الله بن عمير الليثي رضي الله عنه قال « كان مع النبي صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف من الأنصار ، وألف من جهينة ، وألف من مزينة ، وألف من أسلم ، وألف من غفار ، وألف من أشجع ، وألف من المهاجرين وغيرهم ، فكان معه عشرة آلاف . وخرج بإثني عشر ألفاً ، وفيها قال الله تعالى في كتابه { ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً } .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن مردويه عن البراء بن عازب رضي الله عنه . أنه قيل له : هل كنتم وليتم يوم حنين؟ قال : والله ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسراً ليس عليهم سلاح ، فلقوا جمعاً رماة هوازن وبني النضر ما يكاد يسقط لهم سهم ، فرشقوهم رشقاً ما كادوا يخطئون ، فأقبلوا هنالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته البيضاء وابن عمه أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب يقود به ، فنزل ودعا واستنصر ثم قال :
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
ثم صف أصحابه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين كفروا } قال : قتلهم بالسيف .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : في يوم حنين أمد الله رسوله صلى الله عليه وسلم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين ، ويومئذ سمى الله تعالى الأنصار مؤمنين قال { ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } .
وأخرج ابن إسحق وابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال : رأيت قبل هزيمة القوم - والناس يقتتلون - مثل البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بين القوم ، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي ، لم أشك أنها الملائكة عليهم السلام ، ولم يكن إلا هزيمة القوم . . . ! .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { وعذب الذين كفروا } قال : بالهزيمة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبزى رضي الله عنه في قوله { وعذب الذين كفروا } قال : بالهزيمة والقتل . وفي قوله { ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء } قال : على الذين انهزموا عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين .

(5/43)


وأخرج ابن سعد والبخاري في التاريخ والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن عياض بن الحرث عن أبيه . قال : إن رسول صلى الله عليه وسلم أتى هوازن في إثني عشر ألفاً ، فقتل من الطائف يوم حنين مثل قتلى يوم بدر ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفا من حصباء فرمى بها وجوهنا فانهزمنا .
وأخرج أحمد ومسلم عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال : « غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنيناً ، فلما واجهنا العدو وتقدمت فأعلو ثنية ، فاستقبلني رجل من العدو فأرميته بسهم فتوارى عني فما دريت ما صنع ، فنظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى ، فالتقوا هم وأصحاب والنبي صلى الله عليه وسلم وأنا متزر وأرجع منهزماً وعليَّ بردتان متزراً بأحدهما مرتدياً بالأخرى ، فاستطلق إزاري فجمعتهما جميعاً ومررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهزماً وهو على بغلته الشهباء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » لقد رأى ابن الأكوع فزعاً ، فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة ، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض ، ثم استقبل به وجوههم فقال : شاهت الوجوه . فما خلق الله منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة ، فولوا مدبرين ، فهزمهم الله تعالى ، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين « » .
وأخرج البخاري في التاريخ والبيهقي في الدلائل عن عمرو بن سفيان الثقفي رضي الله عنه قال « قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قبضة من الحصى فرمى بها في وجوهنا فانهزمنا ، فما خيل إلينا إلا أن كل حجر أو شجر فارس يطلبنا » .
وأخرج البخاري في التاريخ وابن مردويه والبيهقي عن يزيد بن عامر السوائي - وكان شهد حنيناً مع المشركين ثم أسلم - قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قبضة من الأرض فرمى بها في وجوه المشركين وقال : ارجعوا شاهت الوجوه ، فما أحد يلقاه أخوه إلا وهو يشكو قذى في عينيه ويمسح عينيه .
وأخرج مسدد في مسنده والبيهقي وابن عساكر عن عبد الرحمن مولى أم برثن قال : حدثني رجل كان من المشركين يوم حنين قال : لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقوموا لنا حلب شاة إلا كفيناهم ، فبينا نحن نسوقهم في أدبارهم إذ التقينا إلى صاحب البغلة البيضاء فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتلقينا عنده رجال بيض حسان الوجوه قالوا لنا : شاهت الوجوه ارجعوا . فرجعنا وركبوا أكتافنا وكانت إياها .
وأخرج البيهقي من طريق ابن إسحق ، حدثنا أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ، أنه حدث أن مالك بن عوف رضي الله عنه بعث عيوناً فأتوه وقد تقطعت أوصالهم فقال : ويلكم ما شأنكم؟ فقالوا : أتانا رجال بيض على خيل بلق ، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى .

(5/44)


وأخرج ابن مردويه والبيهقي وابن عساكر عن مصعب بن شيبة بن عثمان الحجبي عن أبيه قال « خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين ، والله ما خرجت إسلاماً ولكن خرجت إتقاء أن تظهر هوازن على قريش ، فوالله إني لواقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قلت : يا نبي الله إني لأرى خيراً بلقاً . . . ! قال : يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر . فضرب بيده عند صدري حتى ما أجد من خلق الله تعالى أحب إليَّ منه قال : فالتقى المسلمون فقتل من قتل ، ثم أقبل النبي وعمر رضي الله عنه آخذ باللجام ، والعباس آخذ بالغرز ، فنادى العباس رضي الله عنه : أين المهاجرون ، أين أصحاب سورة البقرة؟ - بصوت عال - هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأقبل الناس والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : »
أنا النبي غير كذب ... أنا ابن عبد المطلب
« فأقبل المسلمون فاصطكّوا بالسيوف ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : الآن حمي الوطيس » .

(5/45)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28)

أخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا يدخل المسجد الحرام مشرك بعد عامي هذا أبداً إلا أهل العهد وخدمكم » .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه في قوله { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } إلا أن يكون عبداً أو أحداً من أهل الذمة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { إنما المشركون نجس } أي أخباث { فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } وهو العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه . نادى علي رضي الله عنه بالأذان ، وذلك لتسع سنين من الهجرة ، وحج رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام المقبل حجة الوداع لم يحج قبلها ولا بعدها منذ هاجر ، فلما نفى الله تعالى المشركين عن المسجد الحرام شق ذلك على المسلمين ، فأنزل الله { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله } فأغناهم الله تعالى بهذا الخراج : الجزية الجارية عليهم يأخذونها شهراً شهراً وعاماً عاماً ، فليس لأحد من المشركين أن يقرب المسجد الحرام بعد عامهم ذلك إلا صاحب الجزية أو عبد رجل من المسلمين .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان المشركون يجيئون إلى البيت ويجيئون معهم بالطعام يَتَّجِرون فيه ، فلما نهوا عن أن يأتوا البيت قال المسلمون : فمن أين لنا الطعام؟ فأنزل الله { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء } قال : فأنزل الله عليهم المطر وكثر خيرهم حين ذهب المشركون عنهم .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : لما نزلت { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } شق على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : من يأتينا بطعامنا وبالمتاع؟ فنزلت { وإن خفتم عيلة . . . } الآية .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نفى الله تعالى إلى المشركين عن المسجد الحرام ألقى الشيطان في قلوب المؤمنين فقال : من أين تأكلون وقد نفى المشركون وانقطعت عنكم العير؟ قال الله تعالى { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء } فأمرهم بقتال أهل الكفر وأغناهم من فضله .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال : قال المؤمنون : قد كنا نصيب من متاجر المشركين . فوعدهم الله تعالى أن يغنيهم من فضله عوضاً لهم بأن لا يقربوا المسجد الحرام ، فهذه الآية من أول براءة في القراءة وفي آخرها التأويل .

(5/46)


وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال : لا يدخل الحرم كله مشرك ، وتلا هذه الآية .
وأخرج عبد الرزاق والنحاس في ناسخه عن عطاء رضي الله عنه في قوله { فلا يقربوا المسجد الحرام } قال : يريد الحرم كله . وفي لفظ : لا يدخل الحرم كله مشرك .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { وإن خفتم عيلة } قال : الفاقة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { فسوف يغنيكم الله من فضله } قال : أغناهم الله تعالى بالجزية الجارية .
وأخرج أبو الشيخ عن الأوزاعي رضي الله عنه قال : كتب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أن يمنع أن يدخل اليهود والنصارى المساجد ، وأتبع نهيه { إنما المشركون نجس } .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه { إنما المشركون نجس } فمن صافحهم فليتوضأ .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من صافح مشركاً فليتوضأ ، أو ليغسل كفيه » .
وأخرج ابن مردويه عن هشام بن عروة عن أبيه عن جده قال « استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام ، فناوله يده فأبى أن يتناولها فقال : يا جبريل ما منعك أن تأخذ بيدي؟! فقال : إنك أخذت بيد يهودي فكرهت أن تمس يدي يداً قد مستها يد كافر ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ ، فناوله يده فتناولها » .
وأخرج ابن مردويه وسمويه في فوائده عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا ، ومن كان بينه وبين رسول صلى الله عليه وسلم أجل فأجله مدته » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح : لا يدخل المسجد الحرام مشرك ، ولا يؤدي مسلم جزية » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عمر بن العزيز قال : آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قال « قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، لا يبقى بأرض العرب دينان » .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج رضي الله عنه قال « بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى عند موته بأن لا يترك يهودي ولا نصراني بأرض الحجاز ، وأن يمضي جيش أسامة إلى الشام ، وأوصى بالقبط خيراً فإن لهم قرابة » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه قال : اخرجوا المشركين من جزيرة العرب .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال : إن آخر كلام تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال « اخرجوا اليهود من أرض الحجاز ، وأهل نجران من جزيرة العرب » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لئن بقيت لأخرجن المشركين من جزيرة العرب ، فلما ولي عمر رضي الله عنه أخرجهم » .

(5/47)


قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)

أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أنزل الله تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو بكر رضي الله عنه إلى المشركين { يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس } فكان المشركون يوافون بالتجارة فينتفع بها المسلمون ، فلما حرم الله تعالى على المشركين أن يقربوا المسجد الحرام وجد المسلمون في أنفسهم مما قطع عنهم من التجارة التي كان المشركون يوافون بها ، فأنزل الله تعالى { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء } فأجل في الآية الأخرى التي تتبعها الجزية ، ولم تكن تؤخذ قبل ذلك فجعلها عوضاً مما منعهم من موافاة المشركين بتجاراتهم ، فقال { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } إلى قوله { صاغرون } فلما أحق ذلك للمسلمين عرفوا أنه قد عوضهم أفضل ما كانوا وجدوا عليه مما كان المشركون يوافون به من التجارة .
وأخرج ابن عساكر عن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « القتال قتالان : قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون ، وقتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله فإذا فاءت أعطيت العدل » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله . . . } الآية . قال : نزلت هذه حين أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بغزوة تبوك .
وأخرج ابن المنذر عن ابن شهاب رضي الله عنه قال : أنزلت في كفار قريش والعرب { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله } [ البقرة : 193 ] وأنزلت في أهل الكتاب { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } إلى قوله { حتى يعطوا الجزية } فكان أول من أعطى الجزية أهل نجران .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجزية عن يد قال » جزية الأرض والرقبة ، جزية الأرض والرقبة « » .
وأخرج النحاس في ناسخه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } قال : نسخ بهذا العفو عن المشركين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في الآية قال : لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتال من يليه من العرب أمره بجهاد أهل الكتاب .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله } يعني الذين لا يصدقون بتوحيد الله { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } يعني الخمر والخنزير { ولا يدينون دين الحق } يعني دين الإِسلام { من الذين أوتوا الكتاب } يعني من اليهود والنصارى أوتوا الكتاب من قبل المسلمين أمة محمد صلى الله عليه وسلم { حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون } يعني يذلون .

(5/48)


وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { عن يد } قال : عن قهر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه في قوله { عن يد } قال : من يده ولا يبعث بها مع غيره .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي سنان رضي الله عنه في قوله { عن يد } قال : عن قدرة .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { عن يد وهم صاغرون } قال : ولا يلكزون .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سلمان رضي الله عنه في قوله { وهم صاغرون } قال : غير محمودين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن المغيرة رضي الله عنه . أنه بعث إلى رستم فقال له رستم : إلام تدعو؟ فقال له : أدعوك إلى الإِسلام ، فأن أسلمت فلك ما لنا وعليك ما علينا . قال : فإن أبيت؟ قال : فتعطي الجزية عن يد وأنت صاغر . فقال : لترجمانه : قل له ما إعطاء الجزية فقد عرفتها فما قولك وأنت صاغر؟ قال : تعطيها وأنت قائم وأنا جالس والسوط على رأسك .
وأخرج أبو الشيخ عن سلمان رضي الله عنه أنه قال لأهل حصن حاصرهم الإِسلام : أو الجزية وأنتم صاغرون قالوا : وما الجزية؟ قال : نأخذ منكم الدراهم والتراب على رؤوسكم .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن سلمان رضي الله عنه . أنه انتهى إلى حصن فقال : إن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا ، وإن أنتم أبيتم فأدوا الجزية وأنتم صاغرون ، فإن أبيتم فأنبذناكم على سواء إن الله لا يحب الخائنين .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال : أحب لأهل الذمة أن يتعبوا في أداء الجزية لقول الله تعالى { حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون } .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مسروق رضي الله عنه قال « لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافر » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري رضي الله عنه قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية من مجوس أهل هجر ، ومن يهود اليمن ونصاراهم من كل حالم دينار .
وأخرج ابن أبي شيبة عن بجالة قال : لم يأخذ عمر رضي الله عنه الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر .

(5/49)


وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن بن محمد بن علي رضي الله عنهم قال « كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإِسلام ، فمن أسلم قبل منه ومن أبى ضربت عليهم الجزية ، حتى أن لا تؤكل لهم ذبيحة ولا ينكح منهم امرأة » .
وأخرج مالك والشافعي وأبو عبيد في كتاب الأموال وابن أبي شيبة عن جعفر عن أبيه . « أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استشار الناس في المجوس في الجزية فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول » سنوا بهم سنة أهل الكتاب « . وأخرج ابن المنذر عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : لولا أني رأيت أصحابي أخذوا من المجوس ما أخذت منهم ، وتلا { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله } الآية .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه . أنه سئل عن أخذ الجزية من المجوس؟ فقال : والله ما على الأرض أحد أعلم بذلك مني إن المجوس كانوا أهل كتاب يعرفونه وعلم يدرسونه ، فشرب أميرهم الخمر فسكر فوقع على أخته ، فرآه نفر من المسلمين فلما أصبح قالت أخته : إنك قد صنعت بي كذا وكذا وقد رآك نفر لا يسترون عليك . فدعا أهل الطمع فأعطاهم ثم قال لهم : قد علمتم أن آدم عليه السلام قد أنكح بنيه بناته ، فجاء أولئك الذين رأوه فقالوا : ويل للأبعد إن في ظهرك حد الله فقتلهم أولئك الذين كانوا عنده ، ثم جاءت امرأة فقالت له : بلى قد رأيتك لها : ويحاً لبغي بني فلان . . . ! قالت : أجل ، والله لقد كانت بغية ثم تابت فقتلها ، ثم أسرى على ما في قلوبهم وعلى كتبهم فلم يصبح عندهم شيء .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه قال : قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذه الجزيرة من العرب على الإِسلام لم يقبل منهم غيره ، وكان أفضل الجهاد ، وكان بعد جهاد آخر على هذه الأمة في شأن أهل الكتاب { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله . . . } الآية .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في سننه عن مجاهد رضي الله قال : يقاتل أهل الأوثان على الإِسلام ، ويقاتل أهل الكتاب على الجزية .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : من نساء أهل الكتاب من يحل لنا ومنهم من لا يحل لنا ، وتلا { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } فمن أعطى الجزية حل لنا نساؤه ، ومن لم يعط الجزية لم يحل لنا نساؤه ، ولفظ ابن مردويه : لا يحل نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حرباً ، ثم تلا هذه الآية .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً قال له : آخذ الأرض فأتقبلها أرضا خربة فأعمرها وأؤدي خراجها فنهاه ثم قال : لا تعمدوا إلى ما ولاه الله هذا الكافر فتخلعه من عنقه وتجعله في عنقك ، ثم تلا { قاتلوا الذين لا يؤمنون } إلى { صاغرون } .

(5/50)


وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30)

أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال « أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سلام بن مشكم ، ونعمان بن أوفى ، وأبو أنس ، وشاس بن قيس ، ومالك بن الصيف ، فقالوا : كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزيراً ابن الله؟ وإنما قالوا : هو ابن الله من أجل أن عزيراً كان في أهل الكتاب ، وكانت التوراة عندهم يعلمون بها ما شاء الله تعالى أن يعلموا ، ثم أضاعوها وعملوا بغير الحق ، وكان التابوت فيهم فلما رأى الله تعالى أنهم قد أضاعوا التوراة وعملوا بالأهواء رفع الله عنهم التابوت ، وأنساهم التوراة ، ونسخها من صدورهم ، وأرسل عليهم مرضاً فاستطلقت بطونهم منهم حتى جعل الرجل يمشي كبده حتى نسوا التوراة ونسخت من صدورهم ، وفيهم عزير كان من علمائهم فدعا عزير الله عز وجل وابتهل إليه أن يرد إليه الذي نسخ من صدره ، فبينما هو يصلي مبتهلاً إلى الله تعالى نزل نور من الله فدخل جوفه ، فعاد إليه الذي كان ذهب من جوفه من التوراة ، فأذن في قومه فقال : يا قوم قد آتاني الله التوراة ردها إليّ ، فعلق يعلمهم فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا وهو يعلمهم ، ثم إن التابوت نزل عليهم بعد ذلك وبعد ذهابه منهم ، فلما رأوا التابوت عرضوا ما كانوا فيه على الذي كان عزير يعلمهم فوجدوه مثله ، فقالوا : والله ما أوتي عزير هذا إلا أنه ابن الله .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { وقالت اليهود عزير ابن الله } قال : قالها رجل واحد اسمه فنحاص .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كن نساء بني إسرائيل يجتمعن بالليل فيصلين ويعتزلن ويذكرن ما فضل الله تعالى به على بني إسرائيل وما أعطاهم ، ثم سلط عليهم شر خلقه بختنصر فحرق التوراة وخرب بيت المقدس ، وعزير يومئذ غلام فقال عزير : أو كان هذا؟! فلحق الجبال والوحش فجعل يتعبد فيها ، وجعل لا يخالط الناس ، فإذا هو ذات يوم بامرأة عند قبر وهي تبكي فقال : يا أمة الله اتقي الله واحتسبي واصبري ، أما تعلمين أن سبيل الناس إلى الموت؟! فقالت : يا عزير اتنهاني أن أبكي وأنت خلفت بني إسرائيل ولحقت بالجبال والوحش؟ قالت : إني لست بامرأة ولكني الدنيا ، وأنه سينبع في مصلاك عين وتنبت شجرة ، فاشرب من العين وكل من ثمرة الشجرة ، فإنه سيأتيك ملكان فاتركهما يصنعان ما أرادا . فلما كان من الغد نبعت العين ونبتت الشجرة فشرب من ماء العين وأكل من ثمرة الشجرة ، وجاء ملكان ومعهما قارورة فيها نور فأوجراه ما فيها ، فألهمه الله التوراة فجاء فأملاه على الناس ، فقالوا عند ذلك : عزير بن الله ، تعإلى الله عن ذلك علواً كبيراً .

(5/51)


وأخرج أبو الشيخ عن كعب رضي الله عنه قال : دعا عزير ربه عز وجل أن يلقي التوراة كما أنزل على موسى عليه السلام في قلبه ، فأنزلها الله تعالى عليه ، فبعد ذلك قالوا : عزير ابن الله .
وأخرج أبو الشيخ عن حميد الخراط رضي الله عنه . أن عزيراً كان يكتبها بعشرة أقلام في كل أصبع قلم .
وأخرج أبو الشيخ عن الزهري رضي الله عنه قال : كان عزير يقرأ التوراة ظاهراً ، وكان قد أعطي من القوة ما ان كان ينظر في شرف السحاب ، فعند ذلك قالت اليهود : عزير ابن الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال : إنما قالت اليهود عزير ابن الله لأنهم ظهرت عليهم العمالقة فقتلوهم وأخذوا التوراة ، وهرب علماؤهم الذين بقوا فدفنوا كتب التوراة في الجبال ، وكان عزير يتعبد في رؤوس الجبال لا ينزل إلا في يوم عيد ، فجعل الغلام يبكي يقول : رب تركت بني إسرائيل بغير عالم؟ فلم يزل يبكيهم حتى سقط أشفار عينيه ، فنزل مرة إلى العيد فلما رجع إذا هو بامرأة قد مثلت له عند قبر من تلك القبور تبكي ، تقول : يا مطعماه يا كاسياه . . . ! فقال لها : ويحك من كان يطعمك أو يكسوك أو يسقيك قبل هذا الرجل؟! قالت : الله . قال : فإن الله حي لم يمت . قالت : يا عزير فمن كان يعلم العلماء قبل بني إسرائيل؟ قال : الله . قالت : فلم تبكي عليهم؟ فلما عرف أنه قد خصم ولى مدبراً . فدعته فقالت : يا عزير إذا أصبحت غداً فائت نهر كذا وكذا فاغتسل فيه ، ثم أخرج فصل ركعتين فإنه يأتيك شيخ فما أعطاك فخذه . فلما أصبح انطلق عزير إلى ذلك النهر فاغتسل فيه ثم خرج فصلى ركعتين ، فأتاه شيخ فقال : افتح فمك . ففتح فمه فألقمه فيه شيئاً كهيئة الجمرة العظيمة مجتمع كهيئة القوارير ثلاث مرات ، فرجع عزير وهو من أعلم الناس بالتوراة فقال : يا بني إسرائيل إني قد جئتكم بالتوراة . فقالوا له : ما كنت كذاباً؟؟ فعمد فربط على كل أصبع له قلماً ، ثم كتب بأصابعه كلها فكتب التوراة ، فلما رجع العلماء أخبروا بشأن عزير ، واستخرج أولئك العلماء كتبهم التي كانوا رفعوها من التوراة في الجبال ، وكانت في خواب مدفونة فعرضوها بتوراة عزيز ، فوجدوها مثلها فقالوا : ما أعطاك الله إلا وأنت ابنه .
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ثلاث أشك فيهن . فلا أدري أعزير كان نبياً أم لا ، ولا أدري أَلعن تبعاً أم لا ، قال : ونسيت الثالثة » .

(5/52)


وأخرج البخاري في تاريخه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : لما كان يوم أحد شجَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه وكسرت رباعيته ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ رافعاً يديه يقول « إن الله عز وجل اشتد غضبه على اليهود أن قالوا عزير ابن الله ، واشتد غضبه على النصارى إن قالوا المسيح ابن الله ، وإن الله اشتد غضبه على من أراق دمي وآذاني في عترتي » .
وأخرج ابن النجار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال عزير : يا رب ما علامة من صافيته من خلقك؟ فأوحى الله إليه : أن أقنعه باليسير وأدَّخر له في الآخرة الكثير .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما { يضاهئون قول الذين كفروا من قبل } قال : قالوا مثل ما قال أهل الأديان .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { يضاهئون قول الذين كفروا من قبل } يقول : ضاهت النصارى قول اليهود قبلهم فقالت النصارى : المسيح ابن الله . كما قالت اليهود : عزير ابن الله .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { قاتلهم الله } قال : لعنهم الله ، وكل شيء في القرآن قتل فهو لعن .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { قاتلهم الله } قال : كلمة من كلام العرب .

(5/53)


اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)

أخرج ابن سعد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ في سورة براءة { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله } فقال : « أما أنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه » .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن أبي البختري رضي الله عنه قال : سأل رجل حذيفة رضي الله عنه فقال : أرأيت قوله تعالى { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله } أكانوا يعبدونهم؟ قال : لا ، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه .
وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان عن حذيفة رضي الله عنه { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم } قال : أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم أطاعوهم في معصية الله .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه { اتخذوا أحبارهم } اليهود { ورهبانهم } النصارى { وما أمروا } في الكتاب الذي أتاهم وعهد إليهم { إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } سبح نفسه أن يقال عليه البهتان .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه قال { أحبارهم } قراؤهم { ورهبانهم } علماؤهم .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه قال : الأحبار من اليهود ، والرهبان من النصارى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي . مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الفضيل بن عياض رضي الله عنه قال : الأحبار العلماء ، والرهبان العباد .

(5/54)


يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32)

أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم } قال : الإِسلام بكلامهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { يريدون أن يطفئوا نور الله } يقول : يريدون أن يهلك محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن لا يعبدوا الله بالإِسلام في الأرض ، يعني بها كفار العرب وأهل الكتاب من حارب منهم النبي صلى الله عليه وسلم وكفر بآياته .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم } قال : هم اليهود والنصارى .

(5/55)


هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)

أخرج أحمد ومسلم والحاكم وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى . فقالت عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله إني كنت أظن حين أنزل الله { ليظهره على الدين كله } أن ذلك سيكون تاماً؟ فقال : إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ، ثم يبعث الله ريحاً طيبة فيتوفى من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من خير ، فيبقى من لا خير فيه يرجعون إلى دين آبائهم » .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه { هو الذي أرسل رسوله بالهدى } يعني بالتوحيد والقرآن والإِسلام .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله { ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون } قال : يظهر الله نبيه صلى الله عليه وسلم على أمر الدين كله ، فيعطيه إياه كله ولا يخفى عليه شيء منه ، وكان المشركون واليهود يكرهون ذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : بعث الله محمد صلى الله عليه وسلم ليظهره على الدين كله ، فديننا فوق الملل ورجالنا فوق نسائهم ، ولا يكونون رجالهم فوق نسائنا .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في سننه عن جابر رضي الله عنه في قوله { ليظهره على الدين كله } قال : لا يكون ذلك حتى لا يبقى يهودي ولا نصراني صاحب ملة إلا الإِسلام ، حتى تأمن الشاة الذئب والبقرة الأسد والإِنسان الحية ، وحتى لا تقرض فأرة جراباً ، وحتى توضع الجزية ، ويكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، وذلك إذا نزل عيسى ابن مريم عليه السلام .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله في قوله { ليظهره على الدين كله } قال : الأديان ستة . الذين آمنوا ، والذين هادوا ، والصابئين ، والنصارى ، والمجوس ، والذين أشركوا ، فالأديان كلها تدخل في دين الإِسلام ، والإِسلام لا يدخل في شيء منها ، فإن الله قضى فيما حكم ، وأنزل أن يظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله عنه في قوله { ليظهره على الدين كله } قال : خروج عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام .

(5/56)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)

أخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار } يعني علماء اليهود { والرهبان } علماء النصارى { ليأكلون أموال الناس بالباطل } والباطل كتب كتبوها لم ينزلها الله تعالى فأكلوا بها الناس ، وذلك قول الله تعالى { الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هو من عند الله وما هو من عند الله } [ البقرة : 79 ] .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في الآية قال : أما الأحبار فمن اليهود ، وأما الرهبان فمن النصارى ، وأما سبيل الله فمحمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج أبو الشيخ عن الفضيل بن عباس رضي الله عنه قال : اتبعوا عالم الآخرة ، واحذروا عالم الدنيا لا يضركم بشكره ، ثم تلا هذه الآية { إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله } .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { والذين يكنزون الذهب والفضة . . . } الآية . قال : هم الذين لا يؤدون زكاة أموالهم ، وكل مال لا تؤدى زكاته كان على ظهر الأرض أو في بطنها فهو كنز ، وكل مال أدي زكاته فليس بكنز كان على ظهر الأرض أو في بطنها .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ما أدي زكاته فليس بكنز .
وأخرج مالك وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين ، وما لم تؤد زكاته فهو كنز وإن كان ظاهراً .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً . مثله .
وأخرج ابن عدي والخطيب عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أي مال أديت زكاته فليس بكنز » وأخرجه ابن أبي شيبة عن جابر رضي الله عنه موقوفاً .
وأخرج أحمد في الزهد والبخاري وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر رضي الله عنهما في الآية قال : إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة ، فلما أنزلت جعلها الله طهرة للأموال ، ثم قال : ما أبالي لو كان عندي مثل أحد ذهباً اعلم عدده أزكيه وأعمل فيه بطاعة الله .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن سعد بن أبي سعيد رضي الله عنه . أن رجلاً باع داراً على عهد عمر رضي الله عنه فقال له عمر : احرز ثمنها احفر تحت فراش امرأتك . فقال : يا أمير المؤمنين أو ليس كنز؟ قال : ليس بكنز ما أدي زكاته .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي « عن أم سلمة رضي الله عنها » انها قالت : يا رسول الله إن لي أوضاحاً من ذهب أو فضة أفكنز هو؟ قال : كل شيء تؤدى زكاته فليس بكنز « » .

(5/57)


وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن شاهين في الترغيب في الذكر وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ثوبان رضي الله عنه قال : « لما نزلت { والذين يكنزون الذهب والفضة } كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فقال له أصحابه : لو علمنا أي المال خير فنتخذه . فقال » أفضله لسان ذاكر ، وقلب شاكر ، وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه . وفي لفظ : تعينه على أمر الآخرة « » .
وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده وأبو داود وأبو يعلى وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزلت هذه الآية { والذين يكنزون الذهب والفضة } كبر ذلك على المسلمين وقالوا : ما يستطيع أحد منا لولده ما لا يبقى بعده . فقال عمر رضي الله عنه : أنا أفرج عنكم . فانطلق عمر رضي الله عنه واتبعه ثوبان رضي الله عنه ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية . فقال « إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم ، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم . فكبر عمر رضي الله عنه ، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرته ، وإذا أمرها أطاعته ، وإذا غاب عنها حفظته » .
وأخرج الدارقطني في الافراد وابن مردويه عن بريدة رضي الله عنه قال : الصالحة التي إذا نظر إليها سرته ، وإذا أمرها أطاعته ، وإذا غاب عنها حفظته .
وأخرج الدارقطني في الافراد وابن مردويه عن بريدة رضي الله عنه قال : « لما نزلت { والذين يكنزون الذهب والفضة . . . } الآية . قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : نزل اليوم في الكنز ما نزل . . . ! فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله ماذا نكنز اليوم؟ قال » لساناً ذاكراً ، وقلباً شاكراً ، وزوجة صالحة تعين أحدكم على إيمانه « » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : إذا أخرجت صدقة كنزك فقد أذهبت شره وليس بكنز .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { والذين يكنزون الذهب والفضة } قال : هم أهل الكتاب ، وقال : هي خاصة وعامة .
وأخرج ابن الضريس عن علباء بن أحمر . أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : لما أراد أن يكتب المصاحف أرادوا أن يلغوا الواو التي في براءة { والذين يكنزون الذهب والفضة } قال لهم أبي رضي الله عنه : لتلحقنها أو لأضعن سيفي على عاتقي . فالحقوها .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : أربعة آلاف فما دونها نفقة ، وما فوقها كنز .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { والذين يكنزون الذهب والفضة } قال : هؤلاء أهل القبلة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عراك بن مالك وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما . أنهما قالا : في قول الله { والذين يكنزون الذهب والفضة } قالا : نسختها الآية الأخرى { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } [ التوبة : 103 ] .

(5/58)


يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)

أخرج البخاري ومسلم وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا جعلت له يوم القيامة صفائح ، ثم أحمي عليها في نار جهنم ، ثم يكوى بها جبينه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين الناس ، فيرى سبيله إما إلى الجنة أو إلى النار » .
وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا يوضع الدينار على الدينار ولا الدرهم على الدرهم ، ولكن يوسع الله جلده { فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون } » .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله { يوم يحمى عليها في نار جهنم } قال : لا يعذب رجل بكنز يكنزه فيمس درهم درهماً ولا دينار ديناراً ، ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل دينار ودرهم على حدته ، ولا يمس درهم درهماً ولا دينار ديناراً .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فتكوى بها . . . } الآية . قال : يوسع بها جلده .
وأخرج أبو الشيخ رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { يوم يحمى عليها } الآية . قال : حية تنطوي على جنبيه وجبهته فتقول : أنا مالك الذي بخلت بي .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ثوبان رضي الله قال : ما من رجل يموت وعنده أحمر وأبيض إلا جعل الله له بكل قيراط صفحة من نار تكوى بها قدمه إلى ذقنه مغفوراً له بعد أو معذباً .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ثوبان رضي الله عنه مرفوعاً . نحوه .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن أبي ذر رضي الله عنه قال : بشر أصحاب الكنوز بكي في الجباه . وفي الجنوب وفي الظهور .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والبخاري وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن زيد بن وهب رضي الله عنه قال : مررت على أبي ذر رضي الله عنه بالربذة فقلت : ما أنزلك بهذه الأرض؟ قال : كتاباً لشام فقرأت { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } فقال معاوية : ما هذا فينا ، هذه في أهل الكتاب . . . ! قلت أنا : إنها لفينا وفيهم .
وأخرج مسلم وابن مردويه عن الأحنف بن قيس رضي الله عنه قال : جاء أبو ذر رضي الله عنه فقال : بَشِّر الكانزين بكيٍّ من قبل ظهورهم يخرج من جنوبهم ، وكَي من جباهم يخرج من أقفائهم .

(5/59)


فقلت : ماذا . . . ؟ قال : ما قلت إلا ما سمعت من نبيهم صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن سعد وأحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال « إن خليلي عهد إليَّ أن أي مال ذهب أو فضة أوكىء عليه فهو جمر على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله ، وكان إذا أخذ عطاءه دعا خادمه فسأله عما يكفيه لسنة فاشتراه ، ثم اشترى فلوساً بما بقي » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « في الابل صدقتها ، وفي البقر صدقتها ، وفي الغنم صدقتها ، وفي البز صدقته ، فمن رفع دينار أو درهماً أو تبراً أو فضة لا يعده لغريمه ولا ينفقه في سبيل الله فهو كنز يكوى به يوم القيامة » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً . مثله .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم . إنه قال « الدينار كنز ، والدرهم كنز ، والقيراط كنز » .
وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وابن مردويه عن ثوبان رضي الله عنه قال : كان نصل سيف أبي هريرة رضي الله عنه من فضة فقال له أبو ذر رضي الله عنه : أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « ما من رجل ترك صفراء ولا بيضاء إلا كوي بها » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « ما من أحد يموت فيترك صفراء أو بيضاء إلا كوي بها يوم القيامة ، مغفوراً له بعد أو معذباً » .
وأخرج ابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما من ذي كنز لا يؤدي حقه إلا جيء به يوم القيامة يكوى به جبينه وجبهته ، وقيل له : هذا كنزك الذي بخلت به » .
وأخرج الطبراني في الأوسط وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم القدر الذي يسع فقراءهم ، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يمنع أغنياؤهم ، ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً أو يعذبهم عذاباً أليماً » .
وأخرج الطبراني في الصغير عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « مانع الزكاة يوم القيامة في النار » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : مانع الزكاة ليس بمسلم .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك رضي الله عنه قال : لا صلاة إلا بزكاة .

(5/60)


وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال « لاوي الصدقة - يعني مانعها - ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة » .
وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن بلال قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يا بلال الق الله فقيراً ولا تلقه غنياً . قلت : وكيف لي بذلك؟ قال : إذا رزقت فلا تخبا ، وإذا سئلت فلا تمنع . قلت : وكيف لي بذلك؟ قال : هو ذاك وإلا فالنار » .
وأخرج أحمد في الزهد عن أبي بكر بن المنكدر قال : بعث حبيب بن سلمة إلى أبي ذر وهو أمير الشام بثلاثمائة دينار ، وقال : استعن بها على حاجتك . فقال أبو ذر : ارجع بها إليه ، أما وجد أحداً أغر بالله منا؟ ما لنا إلا الظل نتوارى به ، وثلاثة من غنم تروح علينا ، ومولاة لنا تصدق علينا بخدمتها ، ثم إني لأنا أتخوف الفضل .
وأخرج أحمد في الزهد عن أبي ذر رضي الله عنه قال : ذو الدرهمين أشد حبساً من ذي الدرهم .
وأخرج البخاري ومسلم عن الأحنف بن قيس قال : « جلست إلى ملأ من قريش فجاء رجل خشن الشعر والثياب والهيئة حتى قام عليهم فسلم ، ثم قال : بشر الكانزين برضف يحمي عليه في نار جهنم ، ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه ، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه فيتدلدل . ثم ولي وجلس إلى سارية وتبعته وجلست إليه وأنا لا أدري من هو . . . ! فقلت : لا أرى القوم إلا قد كرهوا ما قلت . قال : إنهم لا يعقلون شيئاً . قال لي خليلي . قلت : من خليلك؟ قال : النبي صلى الله عليه وسلم » اتبصر أحداً؟ قلت : نعم . قال : ما أحب أن يكون لي مثل أحد ذهباً انفقه كله إلا ثلاثة دنانير ، وإن هؤلاء لا يعقلون انما يجمعون للدنيا ، والله لا أسألهم دنيا ولا استفتيهم عن دين حتى ألقى الله عز وجل « » .
وأخرج أحمد والطبراني عن شداد بن أوس قال : كان أبو ذر رضي الله عنه يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر فيه الشدة ، ثم يخرج إلى باديته ثم يرخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ، فيحفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الأمر الرخصة فلا يسمعها أبو ذر ، فيأخذ أبو ذر بالأمر الأول الذي سمع قبل ذلك .

(5/61)


إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36)

أخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي بكرة « أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال : ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، السنة اثنا عشر شهراً : منها أربعة حرم ، ثلاثة متواليات ذو العقدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان » .
وأخرج البزار وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، منها أربعة حرم ، ثلاثة متواليات ، ورجب مضر بين جمادى وشعبان » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى في أوسط أيام التشريق فقال « أيها الناس إن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ، أولهن رجب مضر بين جمادى وشعبان ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم » .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما « أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال : أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، منها أربعة حرم ، ثلاث متواليات رجب مضر حرام ، إلا وإن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا » .
وأخرج أحمد والباوردي وابن مردويه عن أبي حمزة الرقاشي عن عمه - وكانت له صحبة - قال : كنت آخذاً بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوسط أيام التشريق أذود الناس عنه فقال « يا أيها الناس ، هل تدرون في أي شهر أنتم ، وفي أي يوم أنتم ، وفي أي بلد أنتم؟ قالوا : في يوم حرام ، وشهر حرام ، وبلد حرام ، قال : فإن دماءكم وأموالكم واعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه ، ثم قال : اسمعوا مني تعيشوا ، ألا لا تتظالموا ألا لا تتظالموا ، إنه لا يحل مال امرىء إلا بطيب نفس منه ، ألا أن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة ، وإن أول دم يوضع دم ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب كان مسترضعاً في بني ليث فقتله هذيل ، ألا وإن كل ربا كان في الجاهلية موضوع ، وإن الله قضى أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب ، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ، ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، ألا وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق الله السموات والأرض ، منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ، ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ، إلا إن الشيطان قد آيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكنه في التحريش بينهم ، واتقوا الله في النساء فانهن عوان عندكم لا يملكن لأنفسهن شيئاً ، وإن لهن عليكم حقاً ولكم عليهن حقاً أن لا يوطئن فرشكم أحداً غيركم ، ولا يأذن في بيوتكم لأحد تكرهونه ، فإن خفتم نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح ، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، وإنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها وبسط يديه . وقال : اللهمَّ قد بلغت ألا هل بلغت ، ثم قال : ليبلغ الشاهد الغائب فإنه رُبَّ مبلغ أسعد من سامع » .

(5/62)


وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما { منها أربعة حرم } قال : المحرَّم ورجب وذو القعدة وذو الحجة .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه قال : إنما سُمِّينَ حُرُماً لئلا يكون فيهن حرب .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما { ذلك الدين القيم } قال : القضاء القيم .
وأخرج أبو داود والبيهقي في شعب الإِيمان « عن محببة الباهلي عن أبيه أو عمه . أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسلم ، ثم انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حاله وهيئته ، فقال : يا رسول الله » وما تعرفني؟! قال : ومن أنت؟! قال : أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول . قال : فما غيَّرك وقد كنت حسن الهيئة؟ قال : ما أكلت طعاماً منذ فارقتك إلا قليل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما عذبت نفسك؟ ثم قال : صم شهر الصبر ويوماً من كل شهر . قال : زدني فإن لي قوة . قال : صم يومين . قال : زدني . قال : صم ثلاثة أيام . قال : زدني . قال : صم من الحرم واترك ، صم من الحرم واترك ، وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها « » .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من صام من شهر حرام الخميس والجمعة والسبت كتب الله له عبادة سنتين » .
وأخرج مسلم وأبو داود عن عثمان بن حكيم رضي الله عنه قال : سألت سعيد بن جبير رضي الله عنه عن صيام رجب؟ فقال : اخبرني ابن عباس رضي الله عنهما « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم حتى نقول لا يفطر ، ويفطر حتى نقول لا يصوم » .

(5/63)


وأخرج البيهقي عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من صام يوماً من رجب كان كصيام سنة ، ومن صام سبعة أيام غلقت عنه سبعة أبواب جهنم ، ومن صام ثمانية أيام فتحت له ثمانية أبواب الجنة ، ومن صام عشرة أيام لم يسأل الله عز وجل شيئاً الا أعطاه ، ومن صام خمسة عشر يوماً نادى مناد من السماء قد غفرت لك ما سلف فاستأنف العمل قد بدلت سيئاتكم حسنات ، من زاد زاده الله . وفي رجب حمل نوح عليه السلام في السفينة فصام نوح عليه السلام وأمر من معه أن يصوموا ، وجرت بهم السفينة ستة أشهر إلى آخر ذلك لعشر خلون من المحرم » .
وأخرج البيهقي والأصبهاني عن أبي قلابة رضي الله عنه قال : « في الجنة قصر لصوام رجب » قال البيهقي : موقوف على أبي قلابة وهو من التابعين ، فمثله لا يقول ذلك إلا عن بلاغ عمن فوقه ممن يأتيه الوحي .
وأخرج البيهقي وضعفه عن أبي هريرة رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصم بعد رمضان إلا رجب وشعبان » .
وأخرج البيهقي وضعفه عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أن رجب شهر الله ويدعى الأصم ، وكان أهل الجاهلية إذا دخل رجب يعطلون أسلحتهم ويضعونها ، فكان الناس ينامون ويأمن السبيل ولا يخافون بعضهم بعضاً حتى ينقضي » .
وأخرج البيهقي عن قيس بن أبي حازم رضي الله عنه قال : كن نسمي رجب الأصم في الجاهلية من شدة حرمته في أنفسنا .
أوخرج البخاري والبيهقي عن أبي رجاء العطاردي رضي الله عنه قال : كنا في الجاهلية إذا دخل رجب نقول : جاء منصل الأسِنَّة ، لا ندع حديدة في سهم ولا حديدة في رمح إلا انتزعناها فألقيناها .
وأخرج البيهقي عن قيس بن أبي حازم رضي الله عنه قال : كنا نسمي رجب الأصم في الجاهلية من شدة حرمته .
وأخرج البيهقي وضعفه عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « في رجب يوم وليلة من صام ذلك اليوم وقام تلك الليلة كان كمن صام من الدهر مائة سنة وقام مائة سنة ، وهو لثلاث بقين من رجب وفيه بعث الله محمداً » .
وأخرج البيهقي وضعفه عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً « في رجب ليلة يكتب للعامل فيها حسنة مائة سنة وذلك لثلاث بقين من رجب ، فمن صلى فيها اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة من القرآن يتشهد في كل ركعتين ويسلم في آخرهن ثم يقول : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر مائة مرة ، ويستغفر الله مائة مرة ، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مائة مرة ، ويدعو لنفسه ما شاء من أمر دنياه وآخرته ويصبح صائماً ، فإن الله يستجيب دعاءه كله إلا أن يدعو في المعصية .

(5/64)


قال البيهقي : هذا أضعف من الذي قبله « .
وأخرج البيهقي وقال : إنه منكن بمرة عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً » حيرة الله من الشهور شهر رجب وهو شهر الله ، من عظم شهر رجب فقد عظم أمر الله ، ومن عظم أمر الله أدخله جنات النعيم وأوجب له رضوانه الأكبر ، وشعبان شهري فمن عظم شهر شعبان فقد عظم أمري ، ومن عظم أمري كنت له فرطاً وذخراً يوم القيامة ، وشهر رمضان شهر أمتي فمن عظم شهر رمضان وعظم حرمته ولم ينتهكه ، وصام نهاره ، وقام ليله ، وحفظ جوارحه ، خرج من رمضان وليس عليه ذنب يطلبه الله به « .
وأخرج ابن ماجة والبيهقي وضعفه عن ابن عباس رضي الله عنهما » أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم رجب كله « .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله } قال : يقرب بها شر النسىء ما نقص من السنة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله } ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهن حرماً وعظم حرماتهم ، وجعل الذنب فيهن أعظم والعمل الصالح والأجر أعظم ، { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } قال : في كلهن { وقاتلوا المشركين كافة } يقول : جميعاً .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } قال : إن الظلم في الشهر الحرام أعظم خطيئة ووزراً من الظلم فيما سواه ، وإن كان الظلم على كل حال عظيماً ولكن الله يعظم من أمره ما شاء ، وقال : إن الله اصطفى صفايا من خلقه ، اصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس رسلاً ، واصطفى من الكلام ذكره ، واصطفى من الأرض المساجد ، واصطفى من الشهور رمضان ، واصطفى من الأيام يوم الجمعة ، واصطفى من الليالي ليلة القدر ، فعظموا ما عظم الله فإنما تعظم الأمور لما عظمها الله تعالى به عند أهل الفهم والعقل .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } قال : في الشهور كلها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } قال : الظلم العمل لمعاصي الله والترك لطاعته .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله { وقاتلوا المشركين كافة } قال : نسخت هذه الآية كل آية فيها رخصة .

(5/65)


وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن كعب قال : اختار الله البلدان ، فأحب البلدان إلى الله البلد الحرام ، واختار الله الزمان ، فاحب الزمان إلى الله الأشهر الحرم ، واحب الأشهر إلى الله ذو الحجة ، وأحب ذو الحجة إلى الله العشر الأول منه ، واختار الله الأيام ، فأحب الأيام إلى الله يوم الجمعة ، وأحب الليالي إلى الله ليلة القدر ، واختار الله ساعات الليل والنهار ، فأحب الساعات إلى الله ساعات الصلوات المكتوبات ، واختار الله الكلام ، فأحب الكلام إلى الله لا إله إلا الله ، والله أكبر ، وسبحان الله ، والحمد لله .

(5/66)


إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37)

أخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كانت العرب يحلون عاماً شهراً وعاماً شهرين ، ولا يصيبون الحج إلا في كل ستة وعشرين سنة مرة ، وهو النسىء الذي ذكر الله تعالى في كتابه ، فلما كان عام الحج الأكبر ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل فاستقبل الناس الأهلة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض » .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عمر قال « وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة فقال : إن النسىء من الشيطان { زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً } فكانوا يحرمون المحرم عاماً ويحرمون صفراً عاماً ، ويستحلون المحرم وهو النسىء » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : كان جنادة بن عوف الكناني يوفي الموسم كل عام ، وكان يكنى أبا ثمادة فينادي : ألا أن أبا ثمادة لا يخاف ولا يعاب ، ألا إن صفر الأول حلال ، وكان طوائف من العرب إذا أرادوا أن يغيروا على بعض عدوهم أتوه فقالوا : أحل لنا هذا الشهر - يعنون صفر - وكانت العرب لا تقاتل في الأشهر الحرم فيحله لهم عاماً ويحرمه عليهم في العام الآخر ، ويحرم المحرم في قابل { ليواطئوا عدة ما حرم الله } يقول : ليجعلوا الحرم أربعة غير أنهم جعلوا صفراً عاماً حلالاً وعاماً حراماً .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت النساة حياً من بني مالك من كنانة من بني تميم ، فكان أخراهم رجلاً يقال له القلمس وهو الذي أنسأ المحرم ، وكان ملكاً ، كان يحل عاماً ويحرمه عاماً ، فإذا حرمه كانت ثلاثة أشهر متوالية ، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، وهي العدة التي حرم الله في عهد إبراهيم عليه السلام ، فإذا أحله دخل مكانه صفر في المحرم ليواطىء العدة يقول : قد أكملت الأربعة كما كانت لأني لم أحل شهراً إلا وقد حرمت مكانه شهراً ، فكانت على ذلك العرب من يدين للقلمس بملكه حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم ، فأكمل الحرم ثلاثة أشهر متوالية ورجب شهر مضر الذي بين جمادى وشعبان .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي وائل رضي الله عنه في قوله { إنما النسيء زيادة في الكفر } قال : نزلت في رجل من بني كنانة يقال له نسيّ ، كان يجعل المحرم صفراً ليستحل فيه المغانم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي وائل رضي الله عنه قال : كان الناسي رجلاً من كنانة ذا رأي يأخذون من رأيه رأساً فيهم ، فكان عاماً يجعل المحرم صفراً فيغيرون فيه ويستحلونه فيصيبون فيغنمون ، وكان عاماً يحرمه .

(5/67)


وأخرج ابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { إنما النسيء زيادة في الكفر } الآية . قال : عمد أناس من أهل الضلالة فزادوا صفر في أشهر الحرم ، وكان يقوم قائلهم في الموسم فيقول : إن آلهتكم قد حرمت صفر فيحرمونه ذلك العام ، وكان يقال لهما الصفران ، وكان أول من نسأ النسىء بنو مالك من كنانة ، وكانوا ثلاثة ، أبو ثمامة صفوان بن أمية ، أحد بني تميم بن الحرث ، ثم أحد بني كنانة .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { إنما النسيء زيادة في الكفر } قال : فرض الله الحج في ذي الحجة ، وكان المشركون يسمون الأشهر ذي الحجة ، والمحرم ، وصفر ، وربيع ، وربيع ، وجمادى ، وجمادى ، ورجب ، وشعبان ، ورمضان ، وشوال ، وذو القعدة ، وذو الحجة ثم يحجون فيه ثم يسكتون عن المحرم فلا يذكرونه ، ثم يعودون فيسمون صفر ، صفر ، ثم يسمون رجب جمادى الآخر ، ثم يسمون شعبان رمضان ، ورمضان شوال ، ويسمون ذا القعدة شوال ، ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة ، ثم يسمون المحرم ذا الحجة ، ثم يحجون فيه واسمه عندهم ذو الحجة ، ثم عادوا مثل هذه القصة فكانوا يحجون في كل شهر عاماً حتى وافق حجة أبي بكر رضي الله عنه الآخرة من العام في ذي القعدة ، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم حجته التي حج فيها فوافق ذو الحجة ، فذلك حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته « إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في الآية قال : كان رجل من بني كنانة يقال له جنادة بن عوف يكنى أبا امامة ينسىء الشهور ، وكانت العرب يشتد عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر لا يغير بعضهم على بعض ، فإذا أراد أن يغير على أحد قام يوماً بمنى فخطب فقال : إني قد أحللت المحرم وحرمت صفر مكانه فيقاتل الناس في المحرم ، فإذا كان صفر عمدوا ووضعوا الأسنَّة ثم يقوم في قابل فيقول : إني قد أحللت صفر وحرمت المحرم فيواطئوا أربعة أشهر فيحلوا المحرم .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً } قال : هو صفر ، كانت هوازن وغطفان يحلونه سنة ويحرمونه سنة .

(5/68)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38)

أخرج سنيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا . . . } الآية . قال : هذا حين أمروا بغزوة تبوك بعد الفتح ، وحنين أمرهم بالنفير في الصيف حين خرقت الأرض فطابت الثمار واشتهوا الظلال وشق عليهم المخرج ، فأنزل الله سبحانه وتعالى { انفروا خفافاً وثقالاً } [ التوبة : 41 ] .
قوله تعالى : { أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل }
وأخرج الحاكم وصححه عن المستور رضي الله عنه قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فتذاكروا الدنيا والآخرة فقال بعضهم : إنما الدنيا بلاغ للآخرة ، فيها العمل وفيها الصلاة وفيها الزكاة ، وقالت طائفة منهم : الآخرة فيها الجنة . وقالوا ما شاء الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما الدنيا في الآخرة إلا كما يمشي أحدكم إلى اليم فأدخل أصبعه فيه فما خرج منه فهي الدنيا » .
وأخرجه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة عن المستور بن شداد رضي الله عنه قال : « كنت في ركب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مر بسخلة ميتة فقال » أترون هذه هانت على أهلها حين ألقوها قالوا : من هوانها ألقوها يا رسول الله قال : فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها « » .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله جعل الدنيا قليلاً وما بقي منها إلا القليل ، كالثعلب في الغدير شرب صفوه وبقي كدره » .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : دخل عمر رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال : يا رسول الله لو اتخذت فرشاً أوثر من هذا؟ فقال « ما لي وللدنيا وما للدنيا وما لي ، والذي نفسي بيده ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة ، ثم راح وتركها » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن ماجة والحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم نام على حصير فقام وقد أثر في جنبه ، فقلنا يا رسول الله : لو اتخذنا لك؟ فقال : ما لي وللدنيا ، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم راح وتركها » .
وأخرج الحاكم وصححه عن سهل رضي الله عنه قال : « مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة فرأى شاة شائلة برجلها فقال » أترون هذه الشاة هينة على صاحبها؟ قالوا : نعم يا رسول الله . قال : والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على صاحبها ، ولو كانت تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها شربة ماء « » .

(5/69)


وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أحب دنياه أضر بآخرته ، ومن أحب آخرته أضرَّ بدنياه ، فآثروا ما يبقى على ما يفنى » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي الدنيا في كتاب المنامات والحاكم وصححه والبيهقي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنه لم يبق من الدنيا إلا مثل الذباب تمور في جوها ، فالله الله في اخوانكم من أهل القبور ، فإن أعمالكم تعرض عليهم » .
وأخرج الترمذي والحاكم وصححه والبيهقي عن قتادة بن النعمان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا أحب الله عبداً حماه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه الماء » .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : حلوة الدنيا مرة الآخرة ، ومرة الدنيا حلوة الآخرة » .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن أبي حجيفة قال : أكلت لحماً كثيراً وثريداً ، ثم جئت فقعدت قبال النبي صلى الله عليه وسلم فجعلت أتجشأ ، فقال « اقصر من جشائك ، فإن أكثر الناس شبعاً في الدنيا أكثرهم جوعاً في الآخرة » .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال النبي صلى الله عليه وسلم « يا عائشة إن أردت اللحوق بي فليكفك من الدنيا كزاد الراكب ، ولا تستخلقي ثوباً حتى ترقعيه ، وإياك ومجالسة الأغنياء » .
وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي عن سعد بن طارق رضي الله عنه عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « نعمت الدار الدنيا لمن تزوّد منها لآخرته حتى يرضي ربه ، وبئست الدار لمن صدته عن آخرته وقصرت به عن رضا ربه ، وإذا قال العبد : قبَّح الله الدنيا . قالت الدنيا : قبح الله أعصانا لربه » .
وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي عن سهل بن سعد رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم وعظ رجلاً فقال : ازهد الدنيا يحبك الله ، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس » .
وأخرج أحمد والحاكم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « الدنيا سجن المؤمن وسننه ، فإذا خرج من الدنيا فارق السجن والسنة » .
وأخرج الحاكم والبيهقي عن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

(5/70)


« من أصبح والدنيا أكبر همه فليس من الله في شيء ، ومن لم يهتم للمسلمين فليس منهم » .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن الأعمش عن أبي سفيان رضي الله عنه عن أشياخه قال : دخل سعد رضي الله عنه على سلمان يعوده ، فبكى فقال سعد : ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راض ، وترد عليه الحوض ، وتلقى أصحابك . قال : ما أبكي جزعاً من الموت ولا حرصاً على الدنيا ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا عهداً . قال « ليكن بلغة أحدكم من الدنيا كزاد الراكب » وحولي هذه الأساودة ، وإنما حوله اجانة وجفنة ومطهرة .
وأخرج الحاكم وصححه عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يأتي على الناس زمان يتحلقون في مساجدهم وليس همهم إلا الدنيا ، ليس لله فيهم حاجة فلا تجالسوهم » .
وأخرج الحاكم وصححه وضعفه الذهبي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « اقتربت الساعة ولا يزداد الناس على الدنيا إلا حرصاً ، ولا يزدادون من الله إلا بعداً » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن سفيان قال : كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري قال : لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح ذبابة ما سقى منها كافراً شربة ماء .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن المستورد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم ثم يرفعها فلينظر ثم يرجع » .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي عثمان النهدي قال : قلت يا أبا هريرة : سمعت اخواني بالبصرة يزعمون أنك تقول : سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول « إن الله يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة؟ فقال أبو هريرة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة ، ثم تلا هذه الآية { فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } فالدنيا ما مضى منها إلى ما بقي منها عند الله قليل ، وقال { من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة } [ البقرة : 245 ] فكيف الكثير عند الله تعالى إذا كانت الدنيا ما مضى منها وما بقي عند الله قليل » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش في قوله { فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } كزاد الراعي .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حازم قال : لما حضرت عبد العزيز بن مروان الوفاة قال : ائتوني بكفني الذي أكفن فيه أنظر إليه ، فلما وضع بين يديه نظر إليه فقال : أمالي كثير ما أخلف من الدنيا إلا هذا؟ ثم ولى ظهره وبكى وقال : أف لك من دار إن كان كثيرك القليل ، وإن كان قليلك الكثير ، وإن كنا منك لفي غرور .

(5/71)


إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)

أخرج أبو داود وابن المنذر وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً } قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر حياً من أحياء العرب فتثاقلوا عنه ، فأنزل الله هذه الآية فأمسك عنهم المطر فكان ذلك عذابهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : لما نزلت { إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً } وقد كان تخلف عنه ناس في البدو يفقهون قومهم فقال المنافقون : قد بقي ناس في البوادي . وقالوا : هلك أصحاب البوادي فنزلت { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } [ التوبة : 122 ] .
وأخرج أبو داود وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً } قال : نسختها { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } .

(5/72)


إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)

أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { إلا تنصروه فقد نصره الله } قال : ذكر ما كان من أول شأنه حتى بعث؛ يقول الله : فأنا فاعل ذلك به وناصره كما نصرته إذ ذاك وهو ثاني اثنين .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : « اشترى أبو بكر رضي الله عنه من عازب رجلاً بثلاثة عشر درهماً فقال لعازب : مر البراء فليحمله إلى منزلي . فقال : لا ، حتى تحدثنا كيف صنعت حيث خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت معه؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه : خرجنا فأدلجنا فأحثثنا يوماً وليلة حتى أظهرنا ، وقام قائم الظهيرة فضربت ببصري هل أرى ظلاً فآوي إليه ، فإذا أنا بصخرة فأهويت إليها فإذا بقية ظلها فسوّيته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفرشت له فروة وقلت اضطجع يا رسول الله فاضطجع ، ثم خرجت أنظر هل أرى أحداً من الطلب فإذا أنا براعي غنم ، فقلت : لمن أنت يا غلام؟ فقال : لرجل من قريش ، فسماه فعرفته فقلت : هل في غنمك من لبن؟ قال : نعم . فقلت : وهل أنت حالب لي؟ قال : نعم . قال : فأمرته فاعتقل لي شاة منها ، ثم أمرته فنفض ضرعها من الغبار ، ثم أمرته فنفض كفيه ومعي اداوة على فمها خرقة فحلب لي كثبة من اللبن ، فصببت على القدح من الماء حتى برد أسفله ، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافقته قد استيقظ ، فقلت : اشرب يا رسول الله ، فشرب حتى رضيت ، ثم قلت : هل آن الرحيل؟ قال : فارتحلنا والقوم يطلبونا فلم يدركنا منهم إلا سراقة على فرس له ، فقلت : يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا فقال : » لا تحزن إن الله معنا « حتى إذا دنا فكان بيننا وبينه قدر رمح أو رمحين أو ثلاثة ، فقلت : يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا وبكيت . . . ! قال : لم تبك فقلت : أما والله لا أبكي على نفسي ولكني أبكي عليك . فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال » اللهمَّ اكفناه بما شئت « فساخت فرسه إلى بطنها في أرض صلد ووثب عنها ، وقال : يا محمد إن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه ، فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب وهذه كنانتي فخذ منها سهماً فإنك ستمر بإبلي وغنمي في موضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » لا حاجة لي فيها ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق ، ورجع إلى أصحابه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى قدمنا المدينة فتلقاه الناس فخرجوا على الطرق وعلى الأجاجير واشتد الخدم والصبيان في الطرق الله أكبر جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد ، تنازع القوم أيهم ينزل عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أنزل الليلة على بني النجار أخوال عبد المطلب لأكرمهم بذلك » . فلما أصبح غداً حيث أمر « .

(5/73)


وأخرج البخاري عن سراقة بن مالك رضي الله عنه قال : خرجت أطلب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه ، حتى إذا دنوت منهما عثرت بي فرسي ، فقمت فركبت حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر رضي الله عنه يكثر التلفت ، ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين ، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها ، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عنان ساطع في السماء مثل الدخان ، فناديتهما بالأمان : فوقفا لي ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهما أنه سيظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل لحق بغار ثور قال : وتبعه أبو بكر رضي الله عنه ، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حسَّه خلفه خاف أن يكون الطلب ، فلما رأى ذلك أبو بكر رضي الله عنه تنحنح ، فلما سمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفه فقام له حتى تبعه فأتيا الغار ، فأصبحت قريش في طلبه فبعثوا إلى رجل من قافة بني مدلج ، فتبع الأثر حتى انتهى إلى الغار وعلى بابه شجرة ، فبال في أصلها القائف ثم قال : ما جاز صاحبكم الذي تطلبون هذا المكان .
قال : فعند ذلك حزن أبو بكر رضي الله عنه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم » لا تحزن إن الله معنا « قال : فمكث هو وأبو بكر رضي الله عنه في الغار ثلاثة أيام يختلف إليهم بالطعام عامر بن فهيرة وعلي يجهزهم ، فاشتروا ثلاثة أباعر من إبل البحرين واستأجر لهم دليلاً ، فلما كان بعض الليل من الليلة الثالثة أتاهم علي رضي الله عنه بالإِبل والدليل ، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته وركب أبو بكر أخرى فتوجهوا نحو المدينة وقد بعثت قريش في طلبه
. » وأخرج ابن سعد عن ابن عباس وعلي وعائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهم وعائشة بنت قدامة وسراقة بن جعشم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا : « خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والقوم جلوس على بابه ، فأخذ حفنة من البطحاء فجعل يدرها على رؤوسهم ويتلو { يس . والقرآن الحكيم } [ يس : 1 - 2 ] الآيات ومضى ، فقال لهم قائل ما تنتظرون؟ قالوا : محمداً . قال : قد - والله - مر بكم . قالوا : والله ما أبصرناه! وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه إلى غار ثور فدخلاه ، وضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض ، وطلبته قريش أشد الطلب حتى انتهت إلى باب الغار ، فقال بعضهم : إن عليه لعنكبوتا قبل ميلاد محمد » .

(5/74)


وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن عائشة بنت قدامة « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لقد خرجت من الخوخة متنكراً ، فكان أول من لقيني أبو جهل ، فعمى الله بصره عني وعن أبي بكر حتى مضينا » .
وأخرج أبو نعيم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها « أن أبا بكر رضي الله عنه رأى رجلاً مواجه الغار فقال : يا رسول الله إنه لرائينا . قال : كلا إن الملائكة تستره الآن بأجنحتها ، فلم ينشب الرجل أن قعد يبول مستقبلهما . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا بكر لو كان يراك ما فعل هذا » .
وأخرج أبو نعيم عن محمد بن إبراهيم التيمي رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل الغار ضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض ، فلما انتهوا إلى فم الغار قال قائل منهم : ادخلوا الغار فقال أمية بن خلف : وما أربكم إلى الغار؟ إن عليه لعنكبوتا كان قبل ميلاد محمد ، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل العنكبوت ، قال : إنها جند من جنود الله » .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عطاء بن أبي ميسرة رضي الله عنه قال : نسجت العنكبوت مرتين . مرة على داود عليه السلام حين كان طالوت يطلبه ، ومرة على النبي صلى الله عليه وسلم في الغار .
وأخرج ابن سعد وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال : « لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه التفت أبو بكر رضي الله عنه فإذا هو بفارس قد لحقهم ، فقال : يا نبي الله هذا فارس قد لحقنا . فقال » اللهمَّ اصرعه « . فصرع عن فرسه فقال : يا نبي الله مرني بما شئت . قال : تقف مكانك لا تتركن أحداً يلحق بنا . فكان أول النهار جاهداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي آخر النهار مسلحة له » ، وفي ذلك يقول سراقة مخاطباً لأبي جهل :
أبا حكم لو كنت والله شاهداً ... لأمر جوادي أن تسيخ قوائمه
علمت ولم تشكك بأن محمداً ... رسول ببرهان فمن ذا يقاومه

(5/75)


وأخرج البيهقي في الدلائل وابن عساكر « عن ضبة بن محصن العبري قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : أنت خير من أبي بكر ، فبكى وقال : والله لَليلة من أبي بكر ويوم خير من عمر ، هل لك أن أحدثك بليلته ويومه؟ قال : قلت : نعم يا أمير المؤمنين . قال : أما ليلته ، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم هارباً من أهل مكة ، خرج ليلاً فتبعه أبو بكر رضي الله عنه فجعل يمشي مرة أمامه ومرة خلفه ، ومرة عن يمينه ومرة عن يساره ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم » ما هذا يا أبا بكر ما أعرف هذا من فعلك؟! قال : يا رسول الله اذكر الرصد فأكون أمامك واذكر الطلب فأكون من خلفك ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك لا آمن عليك . فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلته على أطراف أصابعه حتى حفيت رجلاه ، فلما رآه أبو بكر رضي الله عنه أنها قد حفيت حمله على كاهله وجعل يشد به حتى أتى فم الغار فأنزله ، ثم قال : والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك ، فدخل فلم ير شيئاً فحمله فأدخله ، وكان في الغار خرق فيه حيات وأفاعي ، فخشي أبو بكر رضي الله عنه أن يخرج منهن شيء يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقمه قدمه ، فجعلن يضربنه وتلسعه الأفاعي والحيات وجعلت دموعه تتحدر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له : يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا ، فأنزل الله سكينته ، أي طمأنينته لأبي بكر رضي الله عنه ، فهذه ليلته .
وأما يومه ، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب ، فقال بعضهم : نصلي ولا نزكي . وقال بعضهم : لا نصلي ولا نزكي ، فأتيته ولا آلوه نصحاً فقلت : يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم . فقال : جبار في الجاهلية خوّار في الإِسلام ، بماذا تألفهم ، أبشعر مفتعل أو بشعر مفتري؟ قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتفع الوحي ، فوالله لو منعوني عقالاً مما كانوا يعطون لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه . قال : فقاتلنا معه فكان - والله - رشيد الأمر؛ فهذا يومه « .
وأخرج أبو نعيم والبيهقي في الدلائل » عن ابن شهاب رضي الله عنه وعروة رضي الله عنه . أنهم ركبوا في كل وجه يطلبون النبي صلى الله عليه وسلم وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم ويجعلون له الجعل العظيم ، وأتوا على ثور الجبل الذي فيه الغار الذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم حتى طلعوا فوقه ، وسمع أبو بكر رضي الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم أصواتهم ، وأشفق أبو بكر وأقبل عليه الهم والخوف ، فعند ذلك يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا تحزن إن الله معنا ، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت عليه سكينة من الله { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم } » « .

(5/76)


وأخرج ابن شاهين وابن مردويه وابن عساكر « عن حبشي بن جنادة قال : قال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله لو أن أحداً من المشركين رفع قدمه لأبصرنا . قال » يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا « » .
وأخرج ابن عساكر « عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن الذين طلبوهم صعدوا الجبل فلم يبق أن يدخلوا . فقال أبو بكر رضي الله عنه : أتينا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » لا تحزن إن الله معنا « وانقطع الأثر فذهبوا يميناً وشمالاً » .
وأخرج ابن عساكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : خرج رسول الله وخرج أبو بكر رضي الله عنه معه ، لم يأمن على نفسه غيره حتى دخلا الغار .
وأخرج ابن شاهين والدارقطني وابن مردويه وابن عساكر « عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر » أنت صاحبي في الغار ، وأنت معي على الخوض « » .
وأخرج ابن عساكر من حديث ابن عباس عن أبي هريرة . مثله .
وأخرج ابن عدي وابن عساكر من طريق الزهري عن أنس رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان رضي الله عنه : هل قلت في أبي بكر شيئاً؟ قال : نعم . قال : قل وأنا أسمع . فقال : »
وثاني اثنين في الغار المنيف وقد ... طاف العدوّ به إذ صاعد الجبلا
وكان حب رسول الله قد علموا ... من البرية لم يعدل به رجلا
« فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ، ثم قال : صدقت يا حسان ، هو كما قلت » .
وأخرج خيثمة بن سليمان الاطرابلسي في فضائل الصحابة وابن عساكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : إن الله ذم الناس كلهم ومدح أبا بكر رضي الله عنه ، فقال { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } .
وأخرج ابن عساكر « عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال : ما دخلني اشفاق من شيء ولا دخلني في الدين وحشة إلى أحد بعد ليلة الغار ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى اشفاقي عليه وعلى الدين ، قال لي » هوّن عليك ، فإن الله قد قضى لهذا الأمر بالنصر والتمام « » .

(5/77)


وأخرج ابن عساكر عن سفيان بن عيينة رضي الله عنه قال : عاتب الله المسلمين جميعاً في نبيه صلى الله عليه وسلم غير أبي بكر رضي الله عنه وحده ، فإنه خرج من المعاتبة ، ثم قرأ { إلا تنصروه فقد نصره الله } الآية .
وأخرج الحكيم الترمذي عن الحسن رضي الله عنه قال : لقد عاتب الله جميع أهل الأرض فقال { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين } .
وأخرج ابن عساكر من طريق محمد بن يحيى قال : أخبرني بعض أصحابنا قال : قال شاب من أبناء الصحابة في مجلس فيه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق : والله ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من موطن إلا وأبي فيه معه . قال : يا ابن أخي لا تحلف . قال : هلمَّ . قال : بلى ما لا ترده ، قال الله { ثاني اثنين إذ هما في الغار } .
أخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي وأبو عوانة وابن حبان وابن المنذر وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال : حدثني أبو بكر رضي الله عنه قال « كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار ، فرأيت آثار المشركين فقلت : يا رسول الله لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا تحت قدمه . فقال : يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ وأبو نعيم في الدلائل عن أبي بكر رضي الله عنه . انهما لما انتهيا إلى الغار إذا جحر فالقمه أبو بكر رضي الله عنه رجليه قال : يا رسول الله إن كانت لدغة أو لسعة كانت فيَّ .
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : « لما كانت ليلة الغار قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : يا رسول الله دعني فلأدخل قبلك ، فإن كانْت حية أو شيء كانت فيَّ قبلك . قال » ادخل . فدخل أبو بكر رضي الله عنه فجعل يلمس بيديه ، فكلما رأى جحراً قال بثوبه فشقه ثم ألقمه الجحر حتى فعل ذلك بثوبه أجمع ، وبقي جحر فوضع عليه عقبه وقال : أدخل . فلما أصبح قال له النبي صلى الله عليه وسلم : فأين ثوبك؟ فأخبره بالذي صنع ، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال : اللهمَّ اجعل أبا بكر معي في درجتي يوم القيامة . فأوحى الله إليه أن الله قد استجاب لك « » .
وأخرج ابن مردويه عن جندب بن سفيان رضي الله عنه قال : لما انطلق أبو بكر رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار قال له أبو بكر رضي الله عنه : لا تدخل يا رسول الله حتى استبرئه .

(5/78)


فدخل أبو بكر رضي الله عنه الغار . فأصاب يده شيء ، فجعل يمسح الدم عن أصبعه وهو يقول :
هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
وأخرج ابن مردويه عن جعدة بن هبيرة رضي الله عنه قال : قالت عائشة رضي الله عنها : قال أبو بكر رضي الله عنه : لو رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ صعدنا الغار ، فأما قدما رسول الله صلى الله عليه وسلم فتفطرتا دماً ، وأما قدماي فعادتا كأنهما صفوان . قالت عائشة رضي الله عنها : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتعوّد الحفية .
وأخرج ابن سعد وابن مردويه عن ابن مصعب قال : أدركت أنس بن مالك ، وزيد بن أرقم ، والمغيرة بن شعبة ، فسمعتهم يتحدثون أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الغار أمر الله شجرة فنبتت في وجه النبي فسترته ، وأمر الله العنكبوت فنسجت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم فسترته ، وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار ، وأقبل فتيان قريش من كل بطن رجل بعصيهم وأسيافهم وهراويهم ، حتى إذا كانوا من النبي صلى الله عليه وسلم قدر أربعين ذراعاً فنزل بعضهم فنظر في الغار ، فرجع إلى أصحابه فقالوا : ما لك لم تنظر في الغار؟! فقال : رأيت حمامتين بفم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد . فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ما قال ، فعرف أن الله درأ عنه بهما فسمت النبي صلى الله عليه وسلم عليهن وفرض جزاءهن وانحدرن في الحرم ، فأخرج ذلك الزوج كل شيء في الحرم .
وأخرج ابن عساكر في تاريخه بسند واه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « كان أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار فعطش ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم » اذهب إلى صدر الغار فاشرب . فانطلق أبو بكر رضي الله عنه إلى صدر الغار فشرب منه ماء أحلى من العسل ، وأبيض من اللبن ، وأزكى رائحة من المسك ، ثم عاد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله أمر الملك الموكل بأنهار الجنة أن خرق نهراً من جنة الفردوس إلى صدر الغار لتشرب « » .
وأخرج ابن المنذر عن الشعبي رضي الله عنه قال : والذي لا إله غيره لقد عوتب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في نصرته إلا أبا بكر رضي الله عنه ، فإن الله تعالى قال { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار } خرج أبو بكر رضي الله عنه والله من المعتبة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سالم بن عبيد الله رضي الله عنه - وكان من أهل الصفة - قال : أخذ عمر بيد أبي بكر رضي الله عنهما فقال : من له هذه الثلاث .

(5/79)


إذ يقول لصاحبه من صاحبه؟ { إذ هما في الغار } من هما؟ { لا تحزن إن الله معنا } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن الحارث عن أبيه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال : أيكم يقرأ سورة التوبة؟ قال : رجل : أنا . قال : اقرأ . فلما بلغ { إذ يقول لصاحبه لا تحزن } بكى وقال : والله أنا صاحبه .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال : كان صاحبه أبا بكر رضي الله عنه ، والغار جبل بمكة يقال له ثور .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أبو بكر أخي وصاحبي في الغار فاعرفوا ذلك له ، فلو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ، سدوا كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر » .
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لو اتخذت خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً ، ولكن أخي وصاحبي في الغار » .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الزهري رضي الله عنه في قوله { إذ هما في الغار } قال : الغار الذي في الجبل الذي يسمى ثوراً .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت : رأيت قوماً يصعدون حراء فقلت : ما يلتمس هؤلاء في حراء؟ فقالوا : الغار الذي اختبأ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه . قالت عائشة رضي الله عنها : ما اختبأ في حراء إنما اختبأ في ثور ، وما كان أحد يعلم مكان ذلك الغار إلا عبد الرحمن بن أبي بكر وأسماء بنت أبي بكر فإنهما كانا يختلفان إليهما ، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر رضي الله عنه فإنه كان إذا سرح غنمه مر بهما فحلب لهما .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال : مكث أبو بكر رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثاً .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق الزهري « عن عروة عن عائشة قالت : لم أعقل أبويَّ قط إلا وهما يدينان الدين ، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية ، ولما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر رضي الله عنه مهاجراً قبل أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال ابن الدغنة : أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه : أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي . قال ابن الدغنة : فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج ، إنك تكسب المعدوم ، وتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، فأنا لك جار . فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وأمنوا أبا بكر وقالوا لابن الدغنة : مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ، وليصل فيها ما شاء ، وليقرأ ما شاء ، ولا يؤذينا ولا يشتغلن بالصلاة والقراءة في غير داره . ففعل ثم بدا لأبي بكر رضي الله عنه فابتنى مسجداً بفناء داره ، فكان يصلي فيه ويقرأ فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه ، وكان أبو بكر رضي الله رجلاً بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن ، فأفزع ذلك أشراف قريش فأرسلوا إلى ابن الدغنة ، فقدم عليهم فقالوا : إنَّا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره ، وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفناء داره وأعلن الصلاة والقراءة ، وإنا خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا ، فإن أحب أن يقتصر أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد إليك ذمتك ، فإنَّا قد كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان .
فأتى ابن الدغنة أبا بكر رضي الله عنه فقال : يا أبا بكر قد علمت الذي عقدت لك عليه ، فأما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترد إلي ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب إني أخفرت في عقد رجل عقدت له . فقال أبو بكر رضي الله عنه : فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله ورسوله صلى الله عليه وسلم - ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بمكة - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين » قد أريت دار هجرتكم ، رأيت سبخة ذات نخل بين لابتين وهما حرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع إلى المدينة بعض من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين ، وتجهز أبو بكر رضي الله عنه مهاجراً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي . فقال أبو بكر رضي الله عنه : وترجو ذلك بأبي أنت؟! قال : نعم « . فحبس أبو بكر رضي الله عنه نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحبته ، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر » .

(5/80)


فبينما نحن جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر رضي الله عنه : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا في ساعة لم يكن يأتينا فيها ! فقال أبو بكر رضي الله عنه : فداه أبي وأمي إن جاء به في هذه الساعة إلا أمر ! فجاء رسول الله فاستأذن صلى الله عليه وسلم فأذن له فدخل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل لأبي بكر رضي الله عنه « أخرج من عندك
فقال أبو بكر : إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإنه قد أذن لي بالخروج
فقال أبو بكر رضي الله عنه : فالصحابة بأبي أنت يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم
فقال أبو بكر رضي الله عنه : فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بالثمن »
فقالت عائشة رضي الله عنها : فجهزناهما أحسن الجهاز فصنعنا لهما سفرة من جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر من نطاقها فأوكت به الجراب - فلذلك كانت تسمى ذات النطاقين - ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل يقال له ثور فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب لقن ثقف فيخرج من عندهما سحرا فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمر يكاد أن به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى لأبي بكر منيحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب بغلس ساعة من الليل فيبيتان في رسلهما حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك كل ليلة من تلك الليالي الثلاث
واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني الديل ثم من بني عبد بن عدي هاديا خريتا - والخريت الماهر بالهداية - قد غمس يمين حلف في آل العاص بن وائل وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثلاث ليال فارتحلا فانطل معهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر والدليل الديلي فأخذ بهم طريقا آخر وهو طريق الساحل قال الزهري : أخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخي سراقة بن حعشم : إن أباه أخبره أنه سمع سراقة يقول : جاءتنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه دية كل واحد منهما لمن قتلهما أو أسرهما
فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا فقال : يا سراقة إني رأيت آنفا أسودة بالساحل لا أراها إلا محمدا وأصحابه ! قال سراقة : فعرفت أنهم هم
فقلت : إنهم ليسوا بهم ولكن رأيت فلانا وفلانا انطلقوا ثم لبثت في المجلس حتى قمت فدخلت بيتي وأمرت جاريتي أن تخرج لي فرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها علي وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططت برمحي الأرض وخفضت عالية الرمح حتى أتيت فرسي فركبتها ودفعتها تقرب بي حتى رأيت أسودتهما فلما دنوت منهم حيث يسمعهم الصوت عثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره أن لا أضرهم فركبت فرسي وعصيت الأزلام حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر رضي الله عنه يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغت الركبتين فخررت عنها فجررتها فنهضت فلم تكد تخرج يداها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء من الدخان فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره أن لا أضرهم فناديتهم بالأمان فوقف وركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أنه سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له : إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم من أخبار سفرهم وما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني شيئا ولم يسألاني إلا أن أخف عنا فسألته أن يكتب لي كتابا موادعة آمن به فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي في رقعة من أديم ثم مضى
قال الزهري : وأخبرني عروة بن الزبير أنه لقي الزبير وركبا من المسلمين كانوا تجارا بالشام قابلين إلى مكة فعرفوا النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر فكساهم ثياب بيض وسمع المسلمون بالمدينة بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يؤذيهم حر الظهيرة فانقلبوا يوما بعدما أطالوا انتظاره فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود أطما من آطامهم لأمر ينظر إليه فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب فنادى بأعلى صوته يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون
فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتوه بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل في بني عمرو بن عوف بقباء وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه يذكر الناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا وطفق من جاء من الأنصار ممن لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسبه أبا بكر حتى أصابت رسول الله صلى الله عليه وسلم الشمس فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى ظلل عليه برادئه فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك
فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وابتنى المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته فسار ومشى الناس حتى بركت به عند مسجد رسول الله بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربدا للتمر لسهل وسهيل غلامين يتمين أخوين في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة من بني النجار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته « هذا المنزل إن شاء الله ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد يتخذه مسجدا
فقالا : لا بل نهبه لك يا رسول الله
فأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما حتى ابتاعه منهما وبناه مسجدا وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنائه وهو يقول : هذا الجمال لا جمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة ويتمثل رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي قال ابن شهاب : ولم يبلغني في الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت من الشعر تاما غير هؤلاء الأبيات ولكن يرجزهم لبناء المسجد
فلما قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كفار قريش حالت الحرب بين مهاجري أرض الحبشة وبين القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقوه بالمدينة زمن الخندق فكانت أسماء بنت عميس تحدث : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعيرهم بالمكث في أرض الحبشة فذكرت ذلك أسماء لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله : لستم كذلك وكانت أول آية أنزلت في القتال أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا الحج آية 39 حتى بلغ لقوي عزيز »
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري عن أنس رضي الله عنه قال : أقبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو يردف أبا بكر رضي الله عنه وهو شيخ يعرف والنبي لا يعرف فكانوا يقولون : يا أبا بكر من هذا الغلام بين يديك ؟ فيقول : هاد يهديني السبيل
قال : فلما دنونا من المدينة نزلنا الحرة وبعث إلى الأنصار فجاءوا قال : فشهدته يوم دخل المدينة فما رأيت يوما كان أحسن منه وما رأيت يوما كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه النبي صلى الله عليه وسلم لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون (42)
وأخرج ابن عبد البر في التمهيد عن كثير بن فرقد « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج مهاجرا إلى المدينة ومعه أبو بكر رضي الله عنه أتى براحلة أبي بكر فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركب ويردفه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » بل أنت راكب وأردفك أنا فإن الرجل أحق بصدر دابته « فلما خرجا لقيا في الطريق سراقة بن جعشم - وكان أبو بكر رضي الله عنه لا يكذب - فسأله من الرجل ؟ قال : باغ
قال : فما الذي وراءك ؟ قال : هاد
قال : أحسست محمدا ! قال : هو ورائي
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله فأنزل الله سكينته عليه قال : على أبي بكر رضي الله عنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل السكينة معه
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر غار حراء فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم : لو أن أحدهم يبصر موقع قدمه لأبصرني وإياك
فقال » ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ يا أبا بكر إن الله أنزل سكينته عليك وأيدني بجنود لم تروها «
وأخرج الخطيب في تاريخه عن حبيب بن أبي ثابت رضي الله عنه فأنزل الله سكينته عليه قال : على أبي بكر رضي الله عنه فأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كانت عليه السكينة
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله وجعل كلمة الذين كفروا السفلى قال : هي الشرك وكلمة الله هي العليا قال : لا إله إلا الله
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك
مثله
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه عن أبي موسى رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله ؟ قال » من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله تعالى «

(5/81)