صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور
المؤلف : عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

{ إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم } [ آل عمران : 155 ] ثم كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين فقال { ثم وليتم مدبرين } [ التوبة : 25 ] . { ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء } [ التوبة : 27 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { ومن يولهم يومئذ دبره } قال : يعني يوم بدر خاصة منهزماً { إلا متحرفاً لقتال } يعني مستطرداً يريد الكرة على المشركين { أو متحيزاً إلى فئة } يعني أو ينحاز إلى أصحابه من غير هزيمة { فقد باء بغضب من الله } يقول : استوجب سخطاً من الله { ومأواه جهنم وبئس المصير } فهذا يوم بدر خاصة ، كأن الله شدد على المسلمين يومئذ ليقطع دابر الكافرين ، وهو أول قتال قاتل فيه المشركين من أهل مكة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه قال : المتحرف : المتقدم في أصحابه ، إنه يرى غرة من العدو فيصيبها ، والمتحيز : الفار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وكذلك من فر اليوم إلى أميره وأصحابه قال : وإنما هذه وعيد من الله تعالى لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يفروا ، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم ثبتهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه في قوله { ومن يولهم يومئذ دبره } قال : هذه منسوخة بالآية التي في الأنفال { الآن خفف الله عنكم } [ الأنفال : 66 ] .
وأخرج ابن جرير والنحاس في ناسخه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : الفرار من الزحف من الكبائر لأن الله تعالى قال { ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال } الآية .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : الفرار من الزحف من الكبائر .
وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب المفرد واللفظ له وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : « كنا في غزاة ، فحاص الناس حيصه قلنا : كيف نلقى النبي صلى الله عليه وسلم وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟! فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر ، فخرج فقال » من القوم . . . ؟ فقلنا : نحن الفرارون . فقال : لا بل أنتم العكارون . فقبلنا يده فقال : أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين ، ثم قرأ { إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة } « » .
وأخرج ابن مردويه عن أمامة رضي الله عنها مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت : كنت أوضىء النبي صلى الله عليه وسلم أفرغ على يديه ، إذ دخل عليه رجل فقال : يا رسول الله أريد اللحوق بأهلي فأوصني بوصية أحفظها عنك .

(4/427)


قال « لا تفر يوم الزحف ، فإنه من فرَّ يوم الزحف فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير » .
وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : من فر من اثنين فقد فر .
وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : « لما نزلت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار . . . } الآية . قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم » قاتلوا كما قال الله « » .
وأخرج أحمد عن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم « أنه استعاذ من سبع موتات . موت الفجأة ، ومن لدغ الحية ، ومن السبع ، ومن الغرق ، ومن الحرق ، ومن أن يخر عليه شيء ، ومن القتل عند فرار الزحف » .
وأخرج أحمد عن أبي اليسر رضي الله عنه « أن رسول الله كان يدعو بهؤلاء الكلمات السبع يقول : اللهم إني أعوذ بك من الهرم ، وأعوذ بك من الغم والغرق والحرق ، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت ، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً ، وأعوذ بك أن أموت لديغاً » .
وأخرج ابن سعد وأبو داود والترمذي والبيهقي في الأسماء والصفات عن بلال بن يسار عن زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيه عن جده « أنه سمع رسول الله يقول : من قال : أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان فر من الزحف » .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله « من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ثلاثاً غفرت ذنوبه وإن كان فر من الزحف » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مثله موقوفاً ، وله حكم الرفع . والله تعالى أعلم .

(4/428)


فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18)

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فلم تقتلوهم } قال : لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين قال هذا قتلت وهذا قتلت { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } قال : محمد صلى الله عليه وسلم حين حصب الكفار .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وما رميت إذ رميت } قال : رماهم يوم بدر بالحصباء .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال : ما وقع شيء من الحصباء إلا في عين رجل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } قال : هذا يوم بدر ، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حصيات فرمى بحصاة بين أظهرهم ، فقال : شاهت الوجوه فانهزموا .
وأخرج ابن عساكر عن محكول رضي الله عنه قال : لما كرَّ علي وحمزة على شيبة بن ربيعة ، غضب المشركون وقالوا : اثنان بواحد؟! فاشتغل القتال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « اللهم إنك أمرتني بالقتال ووعدتني النصر ولا خلف لوعدك ، وأخذ قبضة من حصى فرمى بها في وجوههم فانهزموا بإذن الله تعالى ، فذلك قوله { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال « لما كان يوم بدر سمعنا صوتاً وقع من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست ، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الحصباء وقال : شاهت الوجوه . فانهزمنا ، فذلك قول الله تعالى { وما رميت إذ رميت } الآية » .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال : « سمعت صوت حصيات وقعن من السماء يوم بدر كأنهن وقعن في طست ، فلما اصطف الناس أخذهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى بهن في وجوه المشركين فانهزموا ، فذلك قوله { وما رميت إذ رميت } قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه » ناولني قبضة من حصباء . فناوله فرمى بها في وجوه القوم ، فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء ، فنزلت هذه الآية { وما رميت إذ رميت } الآية « » .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي رضي الله عنهما قالا : لما دنا القوم بعضهم من بعض ، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم وقال : شاهت الوجوه .

(4/429)


فدخلت في أعينهم كلهم ، وأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتلونهم ، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } إلى قوله { سميع عليم } « .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال : لما كان يوم أحد أخذ أبي بن خلف يركض فرسه حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واعترض رجال من المسلمين لأبي بن خلف ليقتلوه ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم » استأخروا فاستأخروا ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حربته في يده ، فرمى بها أبي بن خلف وكسر ضلعاً من أضلاعه ، فرجع أبي بن خلف إلى أصحابه ثقيلاً فاحتملوه حين ولوا قافلين ، فطفقوا يقولون : لا بأس ، فقال أبي حين قالوا له ذلك : والله لو كانت بالناس لقتلتهم ، ألم يقل إني أقتلك إن شاء الله؟ فانطلق به أصحابه ينعشونه حتى مات ببعض الطريق فدفنوه ، قال ابن المسيب رضي الله عنه : وفي ذلك أنزل الله تعالى { وما رميت إذ رميت . . . } الآية .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب والزهري رضي الله عنهما قالا : أنزلت في رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أبي بن خلف بالحربة وهو في لامته ، فخدشه في ترقوته فجعل يتدأدأ عن فرسه مراراً حتى كانت وفاته بها بعد أيام ، قاسى فيها العذاب الأليم موصولاً بعذاب البرزخ المتصل بعذاب الآخرة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الزهري رضي الله عنه في قوله { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } قال : حيث رمى أبي بن خلف يوم أحد بحربته فقيل له : إن يك الأجحش . قال : أليس قال : أنا أقتلك؟ والله لو قالها لجميع الخلق لماتوا .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن جبير رضي الله عنه « أن رسول الله - يوم ابن أبي الحقيق - دعا بقوس : فأتى بقوس طويلة فقال : جيئوني بقوس غيرها . فجاءوه بقوس كيداء ، فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحصن ، فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق في فراشه ، فأنزل الله { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } » .
وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه في قوله { ولكن الله رمى } أي لم يكن ذلك برميتك لولا الذي جعل الله تعالى من نصرك وما ألقى في صدور عدوك منها حتى هزمتهم { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً } أي يعرف المؤمنين من نعمته عليهم في إظهارهم عدوّهم مع كثرة عدوّهم وقلة عددهم ، ليعرفوا بذلك حقه ويشكروا بذلك نعمته .

(4/430)


إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20)

أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وابن منده والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن شهاب عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير . أن أبا جهل قال حين التقى القوم : اللهم اقطعنا للرحم وأتانا بما لا نعرف فاحنه الغداة . فكان ذلك استفتاحاً منه ، فنزلت { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } الآية .
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما { إن تستفتحوا } يعني المشركين ، إن تستنصروا فقد جاءكم المدد .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية رضي الله عنه قال : قال أبو جهل يوم بدر : اللهم انصر إحدى الفئتين ، وأفضل الفئتين ، وخير الفئتين . فنزلت { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } .
وأخرج أبو عبيد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ « إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنهم فئتهم من الله شيئاً » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } قال : كفار قريش في قولهم : ربنا افتح بيننا وبين محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه . ففتح بينهم يوم بدر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } قال : إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء في يوم بدر .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله { وإن تنتهوا } قال : عن قتال محمد صلى الله عليه وسلم { وإن تعودوا نعد } قال : إن تستفتحوا الثانية افتح لمحمد صلى الله عليه وسلم { وأن الله مع المؤمنين } قال : مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه { وإن تعودوا نعد } يقول : نعد لكم بالأسر والقتل .

(4/431)


وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21)

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وهم لا يسمعون } قال : عاصون .

(4/432)


إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22)

وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله { إن شر الدواب عند الله } قال : هم الكفار .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إن شر الدواب عند الله } قال : هم نفر من قريش من بني عبد الدار .
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { الصم البكم الذين لا يعقلون } قال : لا يتبعون الحق .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال : أنزلت في حي من أحياء العرب من بني عبد الدار .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه قال : نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث وقومه .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { إن شر الدواب عند الله } قال : الدواب الخلق ، وقرأ { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة } [ فاطر : 45 ] . { وما من دابة في الأرض إلا على رزقها } [ هود : 6 ] قال : هذا يدخل في هذا .

(4/433)


وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)

أخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه في قوله { ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم } أي لأعد لهم قولهم الذي قالوا بألسنتهم ولكن القلوب خالفت ذلك منهم .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { ولو أسمعهم } بعد أن يعلم أن لا خير فيهم ما نفعهم بعد أن ينفذ علمه بأنهم لا ينتفعون به .
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في الآية قال : قالوا : نحن صم عما يدعونا إليه محمد لا نسمعه بكم لا نجيبه فيه بتصديق ، قتلوا جميعاً بأحد ، وكانوا أصحاب اللواء يوم أحد .

(4/434)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { إذا دعاكم لما يحييكم } قال : هو هذا القرآن فيه الحياة والتقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة .
وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه في قوله { إذا دعاكم لما يحييكم } أي للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل ، وقوّاكم بها بعد الضعف ، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم .
وأخرج ابن أبي شيبة وحشيش بن أصرم في الاستقامة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } قال : يحول بين المؤمن وبين الكفر ومعاصي الله ، ويحول بين الكافر وبين الإِيمان وطاعة الله .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية { يحول بين المرء وقلبه } قال » يحول بين المؤمن والكفر ، ويحول بين الكافر وبين الهدى « » .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } قال : يحول بين الكافر وبين أن يعي باباً من الخير أو يعمله أو يهتدي له .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه في قوله { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } قال : علمه يحول بين المرء وقلبه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي غالب الخلجي قال : سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن قول الله { يحول بين المرء وقلبه } قال : يحول بين المؤمن وبين معصيته التي تستوجب بها الهلكة ، فلا بد لابن آدم أن يصيب دون ذلك ، ولا يدخل على قلبه الموبقات التي يستوجب بها دار الفاسقين ، ويحول بين الكافر وبين طاعته ما يستوجب ما يصيب أولياءه من الخير شيئاً ، وكان ذلك في العلم السابق الذي ينتهي إليه أمر الله تعالى ، وتستقر عنده أعمال العباد .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي غالب قال : « سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن قوله { يحول بين المرء وقلبه } قال : قد سبقت بها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ وصف لهم عن القضاء قال لعمر رضي الله عنه وغيره ممن سأله من أصحابه » اعمل فكل ميسر . قال : وما ذاك التيسير؟ قال : صاحب النار ميسر لعمل النار ، وصاحب الجنة ميسر لعمل الجنة « » .
وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه . أنه سمع غلاماً يدعو : اللهم إنك تحول بين المرء وقلبه فحل بيني وبين الخطايا فلا أعمل بسوء منها . فقال عمر رضي الله عنه : رحمك الله ، ودعا له بخير .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله { يحول بين المرء وقلبه } قال : في القرب منه .

(4/435)


وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)

أخرج أحمد والبزار وابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر عن مطرف قال : قلنا للزبير : يا أبا عبد الله ضيعتم الخليفة حتى قتل ثم جئتم تطلبون بدمه؟ فقال : الزبير رضي الله عنه : إنا قرأنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، وعمر وعثمان رضي الله عنهم { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } ، ولم نكن نحسب أنا أهلها حتى وقعت فينا حيث وقعت .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ونعيم بن حماد في الفتن وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن الزبير رضي الله عنه قال : لقد قرأنا زماناً وما نرى إنا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } قال : البلاء ، والأمر الذي هو كائن .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن رضي الله عنه في قوله { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } قال : نزلت في علي وعثمان وطلحة والزبير .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه في الآية قال : أما والله لقد علم أقوام حين نزلت أنه سيخص بها قوم .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال : علم - والله - ذو الألباب من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية أنه سيكون فتن .
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال : نزلت في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي في الآية قال : هذه نزلت في أهل بدر خاصة ، فأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا ، فكان من المقتولين طلحة والزبير وهما من أهل بدر .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } قال : أخبرت أنهم أصحاب الجمل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } قال : تصيب الظالم والصالح عامة .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة } قال : هي يحول بين المرء وقلبه حتى يتركه لا يعقل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { واتقوا فتنة . . . } الآية . قال : أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب .

(4/436)


وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26)

أخرج ابن المنذر وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { واذكروا إذ أنتم قليل . . . } الآية . قال : كان هذا الحي أذل الناس ذلاً ، وأشقاه عيشاً ، وأجوعه بطوناً ، وأعراه جلوداً ، وأبينه ضلالة ، معكوفين على رأس حجر بين فارس والروم . لا والله ما في بلادهم يحسدون عليه ، من عاش منهم عاش شقياً ، ومن مات منهم ردى في النار ، يؤكلون ولا يأكلون . لا والله ما نعلم قبيلا ًمن حاضر الأرض يومئذ كان أشر منزلاً منهم حتى جاء الله بالإِسلام فمكن به في البلاد ، ووسع به في الرزق ، وجعلكم به ملوكاً على رقاب الناس ، وبالإِسلام أعطى الله ما رأيتم ، فاشكروا لله نعمه فإن ربكم منعم يحب الشكر ، وأهل الشكر في مزيد من الله عز وجل .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله { يتخطفكم الناس } قال : في الجاهلية بمكة فآواكم إلى الإِسلام .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب رضي الله عنه في قوله { يتخطفكم الناس } قال : الناس إذ ذاك : فارس والروم .
وأخرج أبو الشيخ وأبو نعيم والديلمي في مسند الفردوس عن ابن عباس رضي الله عنهما « عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس } قيل : يا رسول الله ومن الناس؟ قال » أهل فارس « » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله { فآواكم } قال : إلى الأنصار بالمدينة { وأيدكم بنصره } قال : يوم بدر .

(4/437)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه . أن أبا سفيان خرج من مكة ، فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا . فكتب رجل من المنافقين إلى أبي سفيان : إن محمداً صلى الله عليه وسلم يريدكم ، فخذوا حذركم ، فأنزل الله { لا تخونوا الله والرسول } الآية .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبد الله بن قتادة رضي الله عنه قال : نزلت هذه الآية { لا تخونوا الله والرسول } في أبي لبابة بن عبد المنذر ، سألوه يوم قريظة ما هذا الأمر؟ فأشار إلى حلقه أنه الذبح ، فنزلت قال أبو لبابة رضي الله عنه : ما زالت قدماي حتى علمت أني خنت الله ورسوله .
وأخرج سنيد وابن جرير عن الزهري رضي الله عنه في قوله { لا تخونوا الله والرسول . . . } الآية . قال « نزلت في أبي لبابة رضي الله عنه ، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إلى حلقه أنه الذبح ، فقال أبو لبابة رضي الله عنه : لا والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب عليّ ، فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى خر مغشياً عليه ، ثم تاب الله عليه فقيل له : يا أبا لبابة قد تيب عليك . قال : لا والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني . فجاء فحله بيده » .
وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا لبابة رضي الله عنه إلى قريظة وكان حليفاً لهم ، فأومأ بيده أي الذبح ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمرأة أبي لبابة . أيصلي ويصوم ويغتسل من الجنابة؟ فقالت : إنه ليصلي ويصوم ويغتسل من الجنابة ويحب الله ورسوله . فبعث إليه فأتاه فقال : يا رسول الله والله إني لأصلي وأصوم وأغتسل من الجنابة . وإنما نهست إلى النساء والصبيان فوقعت لهم ما زالت في قلبي حتى عرفت أني خنت الله ورسوله » .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول } قال : نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه نسختها الآية التي في براءة { وآخرون اعترفوا بذنوبهم } [ التوبة : 102 ] .
وأخرج ابن مردويه عن عكرمة رضي الله عنه قال « لما كان شأن بني قريظة ، بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه فيمن كان عنده من الناس ، انتهى إليهم وقعوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرس أبلق ، فقالت عائشة رضي الله عنها : فلكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح الغبار عن وجه جبريل عليه السلام ، فقلت : هذا دحية يا رسول الله؟ قال : هذا جبريل .

(4/438)


فقال : يا رسول الله ما يمنعك من بني قريظة أن تأتيهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فكيف لي بحصنهم؟ فقال جبريل عليه السلام : إني أدخل فرسي هذا عليهم ، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرساً معروراً ، فلما رآه علي رضي الله عنه قال : يا رسول الله لا عليك أن لا تأتيهم فإنهم يشتمونك . فقال : كلا إنها ستكون تحية ، فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا أخوة القردة والخنازير . فقالوا : يا أبا القاسم ما كنت فحاشاً . . . ؟! فقالوا : لا ننزل على حكم محمد صلى الله عليه وسلم ولكننا ننزل على حكم سعد بن معاذ ، فنزلوا فحكم فيهم : أن تقتل مقاتلتهم ، وتسبى ذراريهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بذلك طرقني الملك سحراً ، فنزل فيهم { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون } نزلت في أبي لبابة رضي الله عنه ، أشار إلى بني قريظة حين قالوا : ننزل على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه ، لا تفعلوا فإنه الذبح وأشار بيده إلى حلقه « .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لا تخونوا الله } قال : بترك فرائضه { والرسول } بترك سنته وارتكاب معصيته { وتخونوا أماناتكم } يقول : لا تنقصوها والأمانة التي ائتمن الله عليها العباد .
وأخرج ابن جرير عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال : نزلت هذه الآية في قتل عثمان رضي الله عنه .
وأخرج أبو الشيخ عن يزيد بن أبي حبيب رضي الله عنه في قوله { لا تخونوا الله والرسول } هو الإِخلال بالسلاح في المغازي .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ رضي الله عنه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ما منكم من أحد إلا وهو يشتمل على فتنة لأن الله يقول { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } فمن استعاذ منكم فليستعذ بالله من مضلات الفتن .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة } قال : فتنة الاختبار اختبرهم وقرأ قول الله تعالى { ونبلوكم بالشر والخير فتنة } [ الأنبياء : 35 ] .

(4/439)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { يجعل لكم فرقاناً } قال : نجاة .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { يجعل لكم فرقاناً } قال : نصراً .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { يجعل لكم فرقاناً } يقول : مخرجاً في الدنيا والآخرة .

(4/440)


وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)

أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والخطيب عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك } قال : تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم : إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق - يريدون النبي صلى الله عليه وسلم - وقال بعضهم : بل اقتلوه ، وقال بعضهم : بل أخرجوه . فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك ، فبات علي رضي الله عنه على فراش النبي صلى الله عليه وسلم ، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار ، وبات المشركون يحرسون علياً رضي الله عنه يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أصبحوا ثاروا إليه ، فلما رأوه علياً رضي الله عنه رد الله مكرهم فقالوا : أين صاحبك هذا؟ قال : لا أدري . . . ! فاقتصوا أثره ، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا في الجبل ، فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا : لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه ، فمكث فيه ثلاث ليال .
وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما . أن نفراً من قريش ومن أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة ، واعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل ، فلما رأوه قالوا : من أنت؟ قال : شيخ من أهل نجد ، سمعت بما اجتمعتم له فأردت أن أحضركم ولن يعدمكم مني رأي ونصح . قالوا : أجل فادخل فدخل معهم فقال : انظروا في شأن هذا الرجل - فوالله - ليوشكن أن يواتيكم في أمركم بأمره . فقال قائل : احبسوه في وثاق ثم تربصوا به المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء : زهير ونابغة ، فإنما هو كأحدهم فقال عدوّ الله الشيخ النجدي : لا والله ما هذا لكم برأي ، والله ليخرجن رائد من محبسه لأصحابه ، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم ثم يمنعوه منكم ، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم فانظروا في غير هذا الرأي . فقال قائل : فأخرجوه من بين أظهركم فاستريحوا منه ، فإنه إذا خرج لم يضركم ما صنع وأين وقع ، وإذا غاب عنكم أذاه استرحتم منه فإنه إذا خرج لم يضركم ما صنع وكان أمره في غيركم . فقال الشيخ النجدي : لا والله ما هذا لكم برأي ، ألم تروا حلاوة قوله ، وطلاقة لسانه ، وأخذه القلوب بما تستمع من حديث؟ والله لئن فعلتم ثم استعرض العرب لتجتمعن إليه ، ثم ليسيرن إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم . قالوا : صدق - والله - فانظروا رأياً غير هذا . فقال أبو جهل : والله لأشيرن عليكم برأي ما أرى غيره .

(4/441)


قالوا : وما هذا؟ قال : تأخذوا من كل قبيلة غلاماً وسطاً شاباً مهداً ، ثم يعطى كل غلام منهم سيفاً صارماً ، ثم يضربوه به - يعني ضربة رجل واحد - فإذا قتلتموه تفرق دمه في القبائل كلها ، فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلهم ، وإنهم إذا أرادوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا وقطعنا عنا أذاه . فقال الشيخ النجدي : هذا - والله - هو الرأي ، القول ما قال الفتى لا أرى غيره ، فتفرقوا على ذلك وهم مجتمعون له . فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه ، وأخبره بمكر القوم ، فلم يبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته تلك الليلة ، وأذن الله له عند ذلك في الخروج وأمرهم بالهجرة وافترض عليهم القتال ، فأنزل الله { أُذن للذين يقاتلون } [ الحج : 39 ] فكانت هاتان الآيتان أول ما نزل في الحرب ، وأنزل بعد قدومه المدينة يذكره نعمته عليه { وإذ يمكر بك الذين كفروا } الآية .
وأخرج سنيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال « لما ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه قال له عمه أبو طالب : هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال : يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني . قال : من حدثك بهذا؟ قال : ربي . قال : نعم الرب ربك استوص به خيراً . . . ! قال : أنا استوصي به بل هو يستوصي بي » .
وأخرج ابن جرير من طريق عبيد بن عمير رضي الله عنه عن المطلب بن أبي وداعة « أنا أبا طالب قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ما يأتمر بك قومك؟ قال : يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني . قال : من حدثك بهذا؟ قال : ربي . قال : نعم الرب ربك فاستوص به خيراً . . . ! قال : أنا أستوصي به بل هو يستوصي بي : فنزلت { وإذ يمكر بك الذين كفروا } » .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج رضي الله عنه { وإذ يمكر بك الذين كفروا } قال : هي مكية .
وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : « سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الأيام ، سئل عن يوم السبت فقال » هو يوم مكر وخديعة « . قالوا : وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال : فيه مكرت قريش في دار الندوة إذ قال الله { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما { ليثبتوك } يعني ليوثقوك .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال : دخلوا دار الندوة يأتمرون بالنبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : لا يدخل عليكم أحد ليس منكم ، فدخل معهم الشيطان في صورة شيخ من أهل نجد ، فتشاوروا فقال أحدهم : نخرجه : فقال الشيطان : بئسما رأى هذا هو قد كاد أن يفسد فيما بينكم وهو بين أظهركم فكيف إذا أخرجتموه فأفسد الناس ثم حملهم عليكم يقاتلونكم .

(4/442)


قالوا : نعم ما رأى هذا . . . ! فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك ، فخرج هو وأبو بكر رضي الله عنه إلى غار في جبل يقال له ثور ، وقام علي بن أبي طالب على فراش النبي صلى الله عليه وسلم وباتوا يحرسونه يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أصبحوا ثاروا إليه فإذا هم بعلي رضي الله عنه . فقالوا : أين صاحبك؟ فقال : لا أدري . . . ! فاقتصوا أثره حتى بلغوا الغار ثم رجعوا ، ومكث فيه هو وأبو بكر رضي الله عنه ثلاث ليال .
وأخرج عبد بن حميد عن معاوية بن قرة رضي الله عنه . أن قريشاً اجتمعت في بيت وقالوا : لا يدخل معكم اليوم إلا من هو منكم ، فجاء إبليس فقال له : من أنت؟ قال : شيخ من أهل نجد وأنا ابن أختكم . فقالوا : ابن أخت القوم منهم . فقال بعضهم : أوثقوه . فقال : أيرضى بنو هاشم بذلك؟ فقال بعضهم : أخرجوه . فقال : يؤويه غيركم . فقال أبو جهل : ليجتمع من كل بني أب رجل فيقتلوه . فقال إبليس : هذا الأمر الذي قال الفتى . فأنزل الله تعالى هذه الآية { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك } إلى آخر الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك } قال : كفار قريش أرادوا ذلك بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يخرج من مكة .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : شرى علي رضي الله عنه نفسه ولبس ثوب النبي صلى الله عليه وسلم ثم نام مكانه ، وكان المشركون يحسبون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت من قريش تريد أن تقتل النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعلوا يرمقون علياً ويرونه النبي صلى الله عليه وسلم ، وجعل علي رضي الله عنه يتصور فإذا هو علي رضي الله عنه ، فقالوا : إنك للئيم ، إنك لتتصوّر وكان صاحبك لا يتصوّرك ولقد استنكرناه منك .
وأخرج الحاكم وصححه عن علي بن الحسين رضي الله عنه وقال في ذلك :
وقيت بنفسي خير من وطىء الحصى ... ومن طاف بالبيت العتيق والحجر
رسول الإِله خاف أن يمكروا به ... فنجاه ذو الطول الإِله من المكر
وبات رسول الله في الغار آمنا ... وفي حفظ من الله وفي ستر
وبت اراعيه وما يتهمونني ... وقد وطنت نفسي على القتل والاسر

(4/443)


وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31)

أخرج ابن جرير وابن مردويه عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال « قتل النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر صبراً عقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحارث ، وكان المقداد أسر النضر فلما أمر بقتله قال المقداد : يا رسول الله أسيري . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه كان يقول في كتاب الله ما يقول : وفيه أنزلت هذه الآية { وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين } » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال : كان النضر بن الحارث يختلف إلى الحيرة فيسمع سجع أهلها وكلامهم ، فلما قدم إلى مكة سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن فقال : { قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ، إن هذا إلا أساطير الأولين } .

(4/444)


وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34)

أخرج البخاري وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال أبو جهل بن هشام { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } فنزلت { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال : ذكر لنا أنها أنزلت في أبي جهل بن هشام .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك } قال : نزلت في النضر بن الحارث .
وأخرج ابن جرير عن عطاء قال : نزلت في النضر { وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء } { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب } [ ص : 16 ] . { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } [ الأنعام : 94 ] و { سأل سائل بعذاب واقع } [ المعارج : 1 ] قال عطاء رضي الله عنه : لقد نزل فيه بضع عشرة آية من كتاب الله .
وأخرج ابن مروديه عن بريدة رضي الله عنه قال : رأيت عمرو بن العاص واقفاً على فرس يوم أحد وهو يقول : اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فاخسف بي وبفرسي .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان المشركون يطوفون بالبيت ويقولون : لبيك لا شريك لك لبيك . فيقول النبي صلى الله عليه وسلم : قد ، قد . ويقولون : لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك ، ويقولون : غفرانك غفرانك . فأنزل الله تعالى { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم . . . } الآية . فقال ابن عباس رضي الله عنه : كان فيهم أمانان النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار ، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وبقي الاستغفار { وما لهم ألا يعذبهم الله } قال : هو عذاب الآخرة وذلك عذاب الدنيا .
وأخرج ابن جرير عن يزيد بن رومان ومحمد بن قيس قالا : قالت قريش بعضها لبعض : محمد صلى الله عليه وسلم أكرمه الله من بيننا { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء . . . } الآية . فلما أمسوا ندموا على ما قالوا فقالوا : غفرانك اللهم . فأنزل الله { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } إلى قوله { لا يعلمون } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن أبزى رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، فأنزل الله { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، فأنزل الله { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } فلما خرجوا أنزل الله { وما لهم ألا يعذبهم الله .

(4/445)


. . } الآية فأذن في فتح مكة ، فهو العذاب الذي وعدهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطية رضي الله عنه في قوله { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } يعني المشركين حتى يخرجك منهم { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } قال : يعني المؤمنين ، ثم أعاد المشركين فقال { وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } يقول : لو استغفروا وأقروا بالذنوب لكانوا مؤمنين . وفي قوله { وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام } يقول : وكيف لا أعذبهم وهم لا يستغفرون .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } قال : بين أظهرهم { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } يقول : وما كان الله معذبهم وهو لا يزال الرجل منهم يدخل في الإِسلام .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } قال : وهم يدخلون في الإِسلام .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار رضي الله عنه قال : سئل سعيد بن جبير رضي الله عنه عن الاستغفار؟ فقال : قال الله { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } يقول : يعملون على الغفران ، وعلمت أن ناساً سيدخلون جهنم ممن يستغفرون بألسنتهم ممن يدعي الإِسلام وسائر الملل .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة والحسن رضي الله عنهما في قوله { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } قالا : نسختها الآية التي تليها { وما لهم ألا يعذبهم الله } فقوتلوا بمكة فأصابهم فيها الجوع والحصر .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه . مثله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي مالك رضي الله عنه { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } يعني أهل مكة { وما كان الله معذبهم } وفيهم المؤمنون يستغفرون .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن قتادة رضي الله عنه قال : إن القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم ، أما داءكم فذنوبكم ، وأما دواؤكم فالاستغفار .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن كعب رضي الله عنه قال : إن العبد ليذنب الذنب الصغير فيحتقره ولا يندم عليه ولا يستغفر منه ، فيعظم عند الله حتى يكون مثل الطود ، ويذنب الذنب فيندم عليه ويستغفر منه فيصغر عند الله عز وجل حتى يعفو له .
وأخرج الترمذي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

(4/446)


« أنزل الله علي أمانين لأمتي { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة » .
وأخرج أبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان فيكم أمانان مضى أحدهما وبقي الآخر .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن الله جعل في هذه الأمة أمانين لا يزالون معصومين من قوارع العذاب ما داما بين أظهرهم ، فأمان قبضه الله تعالى إليه ، وأمان بقي فيكم قوله { وما كان الله ليعذبهم . . . } الآية .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه والحاكم وابن عساكر عن أبي موسى رضي الله عنه قال : إنه قد كان فيكم أمانان ، مضى أحدهما وبقي الآخر { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد مضى لسبيله ، وأما الاستغفار فهو كائن إلى يوم القيامة .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان في هذه الأمة أمانان : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والاستغفار ، فذهب أمان - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - وبقي أمان ، يعني الاستغفار .
وأخرج أحمد عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « العبد آمن من عذاب الله ما استغفر الله » .
وأخرج أحمد والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الشيطان قال : وعزتك يا رب ، لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم . قال الرب : وعزتي وجلالي ، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني » .
وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « من أكثر من الاستغفار ، جعل الله له من كل هم فرجاً ، ومن كل ضيق مخرجاً ، ورزقه من حيث لا يحتسب » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والنسائي وابن ماجة عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً » .
وأخرج الحكيم الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن استطعتم أن تكثروا من الاستغفار فافعلوا ، فإنه ليس شيء أنجح عند الله ولا أحب إليه منه » .
وأخرج أحمد في الزهد عن مغيث بن أسماء رضي الله عنه قال : كان رجل ممن كان قبلكم يعمل بالمعاصي ، فبينما هو ذات يوم يسير إذ تفكر فيما سلف منه فقال : اللهم غفرانك .

(4/447)


فادركه الموت على تلك الحال فغفر له .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : طوبى لمن وجد في صحيفته بنداً من الاستغفار .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : من قال : أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه خمس مرات ، غفر له وإن كان عليه مثل زبد البحر .
وأخرج أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال « انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلى رسول الله ، فقام فلم يكد يركع ، ثم ركع فلم يكد يسجد ، ثم سجد فلم يكد يرفع ، ثم رفع وفعل في الركعة الأخرى مثل ذلك ، ثم نفخ في آخر سجوده ، ثم قال : رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم ، رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وهم يستغفرون ونحن نستغفرك . ففرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته وقد انمخضت الشمس » .
وأخرج الديلمي عن عثمان ابن أبي العاص قال : قال رسول الله « في الأرض أمانان : أنا امان ، والاستغفار أمان ، وأنا مذهوب بي ويبقى أمان الاستغفار ، فعليكم بالاستغفار عند كل حدث وذنب » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } قال : ما كان الله ليعذب قوماً وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } يقول : وفيهم من قد سبق له من الله الدخول في الإِيمان : وهو الاستغفار . وقال للكافر { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب } [ آل عمران : 179 ] فيميز الله أهل السعادة من أهل الشقاوة { وما لهم ألا يعذبهم الله } فعذبهم يوم بدر بالسيف .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } ثم استثنى أهل الشرك فقال { وما لهم ألا يعذبهم الله } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والنحاس وأبو الشيخ عن الضحاك { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } قال : المشركين الذين بمكة { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } قال : المؤمنين بمكة { وما لهم ألا يعذبهم الله } قال : كفار مكة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { وما لهم ألا يعذبهم الله } قال : عذابهم فتح مكة .
وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه { وما لهم ألا يعذبهم الله } وهم يجحدون آيات الله ويكذبون رسله ، وإن كان فيهم ما يدعون .

(4/448)


وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه في قوله { وهم يصدون عن المسجد الحرام } أي من آمن بالله وعبده أنت ومن اتبعك . { وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون } الذين يخرجون منه ويقيمون الصلاة عنده ، أي أنت ومن آمن بك .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { إن أولياؤه إلا المتقون } قال : من كانوا حيث كانوا .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد والطبراني والحاكم وصححه عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه . « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله عنه : » اجمع لي قومك ، فجمعهم فلما حضروا باب النبي صلى الله عليه وسلم دخل عمر رضي الله عنه عليه فقال : قد جمعت لك قومي . فسمع ذلك الأنصار فقالوا : قد نزل في قريش الوحي . فجاء المستمع والناظر ما يقال لهم ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقام بين أظهرهم فقال : هل فيكم من غيركم؟ قالوا : نعم ، فينا حليفنا وابن أختنا وموالينا . قال النبي صلى الله عليه وسلم : حليفنا منا ، وابن أختنا منا ، ومولانا منا ، أنتم تسمعون أن أوليائي منكم إلا المتقون ، فإن كنتم أولئك فذلك ، وإلا فانظروا لا يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة وتأتون بالأثقال فيعرض عنكم « » .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة رضي الله عنه . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « إن أوليائي يوم القيامة المتقون وإن كان نسب أقرب من نسب ، فلا يأتيني الناس بالأعمال ، وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم فأقول هكذا وهكذا إلا وأعرض في كل عطفيه » .
وأخرج ابن مردويه والطبراني والبيهقي في سننه عن أنس رضي الله عنه قال : « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من آلك؟ فقال : كل تقي ، وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن أولياؤه إلا المتقون } » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن آل فلان ليسوا لي بأولياء ، إنما وليي الله وصالح المؤمنين » .
وأخرج أحمد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن أولى الناس بي المتقون ، من كانوا وحيث كانوا » .

(4/449)


وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35)

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : كانت قريش يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف ، يستهزءون ويصفرون ويصفقون ، فنزلت { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية } .
وأخرج أبو الشيخ عن نبيط - وكان من الصحابة رضي الله عنه - في قوله { وما كان صلاتهم عند البيت . . . } الآية . قال : كانوا يطوفون بالبيت الحرام وهم يصفرون .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والضياء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانوا يطوفون بالبيت عراة تصفر وتصفق ، فأنزل الله { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية } قال : والمكاء الصفير ، وإنما شبهوا بصفير الطير وتصدية التصفيق ، وأنزل فيهم { قل من حرم زينة الله } [ الأعراف : 32 ] الآية .
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما . أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل { إلا مكاء وتصدية } قال : المكاء ، صوت القنبرة . والتصدية ، صوت العصافير وهو التصفيق . وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة وهو بمكة ، كان يصلي قائماً بين الحجر والركن اليماني ، فيجيء رجلان من بني سهم يقوم أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله ، ويصيح أحدهما كما يصيح المكاء ، والآخر يصفق بيديه تصدية العصافير ليفسد عليه صلاته . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ ققال : نعم ، أما سمعت حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه يقول :
نقوم إلى الصلاة إذا دعينا ... وهمتك التصدي والمكاء
وقال آخر من الشعراء في التصدية :
حتى تنبهنا سحيراً ... قبل تصدية العصافير
وأخرج ابن المنذر من طريق عطية عن ابن عباس رضي الله عنه قال : المكاء ، الصفير . كان أحدهما يضع يده على الأخرى ثم يصفر .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إلا مكاء وتصدية } قال : المكاء الصفير ، والتصدية التصفيق .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : المكاء الصفير ، والتصدية التصفيق .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال : المكاء ، إدخال أصابعهم في أفواههم . والتصدية ، الصفير يخلطون بذلك كله على محمد صلى الله عليه وسلم صلاته .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال : المكاء ، الصفير على نحو طير أبيض يقال له المكاء يكون بأرض الحجاز ، والتصدية التصفيق .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { إلا مكاء } قال : كانوا يشبكون أصابعهم ويصفرون فيهن { وتصدية } قال : صدهم الناس .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال : كان المشركون يطوفون بالبيت على الشمال وهو قوله { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية } فالمكاء ، مثل نفخ البوق . والتصدية ، طوافهم على الشمال .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } قال : يعني أهل بدر ، عذبهم الله بالقتل والاسر .

(4/450)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37)

أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل كلهم من طريقه قال : حدثني الزهري ، ومحمد بن يحيى بن حيان ، وعاصم بن عمرو بن قتادة ، والحصين بن عبد الرحمن بن عمر ، قالوا : لما أصيبت قريش يوم بدر ورجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره ، مشى عبد الله بن ربيعة ، وعكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية ، في رجال من قريش إلى من كان معه تجارة . فقالوا : يا معشر قريش ، إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم ، فأعينونا بهذا المال على حربه فلعلنا أن ندرك منه ثأراً . ففعلوا . ففيهم كما ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أنزل الله { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله } إلى قوله { والذين كفروا إلى جهنم يحشرون } .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله } قال : نزلت في أبي سفيان بن حرب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم . . . } إلى قوله { أولئك هم الخاسرون } قال : في نفقة أبي سفيان على الكفار يوم أحد .
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن سعيد بن جبير في قوله { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل . . . } الآية . قال : نزلت في أبي سفيان بن حرب ، استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش من بني كنانة يقاتل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى من استجاش من العرب ، فأنزل الله هذه الآية ، وهم الذين قال فيهم كعب بن مالك رضي الله عنه :
وجئنا إلى موج من البحر وسطه ... أحابيش منهم حاسر ومقنع
ثلاثة آلاف ونحن نصية ... ثلاث مئين إن كثرن فأربع
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحكم بن عتيبة في قوله { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله } قال : نزلت في أبي سفيان ، أنفق على مشركي قريش يوم أحد أربعين أوقية من ذهب ، وكانت الأوقية يومئذ اثنين وأربعين مثقالاً من ذهب .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله } وهو محمد صلى الله عليه وسلم { فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة } يقول : ندامة يوم القيامة .
وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في قوله { والذين كفروا إلى جهنم يحشرون } يعني النفر الذين مشوا إلى أبي سفيان ، وإلى من كان له مال من قريش في تلك التجارة ، فسألوهم أن يقووهم بها على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلوا .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن شهر بن عطية رضي الله عنه { ليميز الله الخبيث من الطيب } قال : يميز يوم القيامة ما كان لله من عمل صالح في الدنيا ، ثم تؤخذ الدنيا بأسرها فتلقى في جهنم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { فيركمه جميعاً } قال : يجمعه جميعاً .

(4/451)


قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)

وأخرج ابن أحمد ومسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال « لما جعل الله الإِسلام في قلبي ، أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : ابسط يدك فلأبايعك . فبسط يمينه فقبضت يدي . قال : مالك . . . ؟! قلت : أردت أن اشترط . قال : قال : تشترط قلت : ان يغفر لي . قال : أما علمت أن الإِسلام يهدم ما كان قبله ، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها ، وأن الحج يهدم ما كان قبله » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال : لا يؤخذ الكافر بشيء صنعه في كفره إذا أسلم ، وذلك أن الله تعالى يقول { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فقد مضت سنة الأوّلين } قال : في قريش وغيرها يوم بدر والأمم قبل ذلك .

(4/452)


وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)

أخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال : ثم وضع مقاسم الفيء واعلمه . قال { واعلموا أنما غنمتم من شيء } بعد الذي مضى من بدر { فأن لله خمسه وللرسول . . . } إلى آخر الآية .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { واعلموا أنما غنمتم من شيء } قال : المخيط من شيء .
وأخرج ابن المنذر عن ابن أبي نجيح رضي الله عنه قال : إنما المال ثلاثة : مغنم ، أو فيء ، أو صدقة . فليس فيه درهم إلا بين الله موضعه . قال في المغنم { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله } تحرجاً عليهم ، وقال في الفيء { كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم } [ الحشر : 7 ] وقال في الصدقة { فريضة من الله والله عليم حكيم } [ التوبة : 60 ] .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم عن قيس بن مسلم الجدلي قال : سألت الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب بن الحنفية عن قول الله { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه } قال : هذا مفتاح كلام ، لله الدنيا والآخرة { وللرسول ولذي القربى } فاختلفوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين السهمين . قال قائل : سهم ذوي القربى لقرابة الخليفة ، وقال قائل : سهم النبي للخليفة من بعده . واجتمع رأي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله تعالى ، فكان كذلك في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما .
وأخرج ابن جرير والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية فغنموا خمس الغنيمة ، فضرب ذلك الخمس في خمسة ، ثم قرأ { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول } قال : قوله { فأن لله خمسه } مفتاح كلام { لله ما في السموات وما في الأرض } [ البقرة : 284 ] فجعل الله سهم الله والرسول واحداً { ولذي القربى } فجعل هذين السهمين قوّة في الخيل والسلاح ، وجعل سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل لا يعطيه غيره ، وجعل الأربعة أسهم الباقية ، للفرس سهمين ، ولراكبه سهم ، وللراجل سهم .
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فأن لله خمسه } يقول : هو لله ، ثم قسم الخمس خمسة أخماس { وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس .

(4/453)


فأربعة منها بين من قاتل عليها ، وخمس واحد يقسم على أربعة أخماس ، فربع لله ولرسوله ولذي القربى - يعني قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم - فما كان لله وللرسول ، فهو لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأخذ النبي من الخمس شيئاً ، والربع الثاني لليتامى ، والربع الثالث للمساكين ، والربع الرابع لابن السبيل ، وهو الضيف الفقير الذي ينزل بالمسلمين .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله { واعلموا أنما غنمتم من شيء . . . } الآية . قال : كان يجاء بالغنيمة فتوضع ، فيقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسة أسهم ، فيعزل سهماً منه ويقسم أربعة أسهم بين الناس - يعني لمن شهد الوقعة - ثم يضرب بيده في جميع السهم الذي عزله ، فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة ، فهو الذي سمى لله تعالى : لا تجعلوا لله نصيباً ، فإن لله الدنيا والآخرة ، ثم يعمد إلى بقية السهم فيقسمه على خمسة أسهم . سهم للنبي صلى الله عليه وسلم ، وسهم لذي القربى ، وسهم لليتامى ، وسهم للمساكين ، وسهم لابن السبيل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { واعلموا أنما غنمتم من شيء . . . } قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم وذو قرابته لا يأكلون من الصدقات شيئاً لا يحل لهم ، فللنبي صلى الله عليه وسلم خمس الخمس ، ولذي قراباته خمس الخمس ، ولليتامى مثل ذلك ، وللمساكين مثل ذلك ، ولابن السبيل مثل ذلك .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر عن الشعبي رضي الله عنه قال : كان سهم النبي صلى الله عليه وسلم يدعى الصفى ، إن شاء عبداً وإن شاء فرساً ، يختاره قبل الخمس ، ويضرب له بسهمه ان شهد وإن غاب ، وكانت صفية ابنة حيي من الصفى .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه في الآية قال : خمس الله والرسول واحد ، إن كان النبي صلى الله عليه وسلم يحمل فيه ويصنع فيه ما شاء الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن جبير بن مطعم رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول شيئاً من الأرض أو وبرة من بعير فقال : والذي نفسي بيده مالي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم » .
وأخرج ابن المنذر من طريق أبي مالك رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ما افتتح على خمسة أخماس . فأربعة منها لمن شهده ، ويأخذ الخمس خمس الله فيقسمه على ستة أسهم .

(4/454)


فسهم لله ، وسهم للرسول ، وسهم لذي القربى ، وسهم لليتامى ، وسهم للمساكين ، وسهم لابن السبيل ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل سهم الله في السلاح والكراع وفي سبيل الله ، وفي كسوة الكعبة وطيبها وما تحتاج إليه الكعبة ، ويجعل سهم الرسول في الكراع والسلاح ونفقة أهله ، وسهم ذي القربى لقرابته ، يضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم مع سهمهم مع البأس ، ولليتامى والمساكين وابن السبيل ثلاثة أسهم ، يضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن شاء وحيث شاء ، ليس لبني عبد المطلب في هذه الثلاثة إلا سهم ، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم سهمه مع سهام الناس .
وأخرج ابن أبي حاتم عن حسين المعلم قال : سألت عبد الله بن بريدة رضي الله عنه في قوله { فأن لله خمسه وللرسول } قال : الذي لله لنبيه ، والذي للرسول لأزواجه .
وأخرج ابن أبي شيبة عن السدي رضي الله عنه { ولذي القربى } قال : هم بنو عبد المطلب .
وأخرج الشافعي وعبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما . إن نجدة كتب إليه يسأله عن ذوي القربى الذين ذكر الله ، فكتب إليه : انا كنا نرى أناهم ، فأبى ذلك علينا قومنا وقالوا : قريش كلها ذوو قربى .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما . أن نجدة الحروري أرسل إليه يسأله عن سهم ذي القربى الذين ذكر الله ، فكتب إليه : إنا كنا نرى اناهم ، فأبى ذلك علينا قومنا وقالوا : ويقول : لمن تراه . فقال ابن عباس رضي الله عنهما : هو لقربى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قسمه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان عمر رضي الله عنه عرض علينا من ذلك عرضاً رأينا دون حقنا . فرددناه عليه وأبينا أن نقبله ، وكان عرض عليهم أن يعين ناكحهم ، وأن يقضي عن غارمهم ، وأن يعطي فقيرهم ، وأبى أن يزيدهم على ذلك .
وأخرج ابن المنذر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : سألت علياً رضي الله عنه فقلت : يا أمير المؤمنين ، أخبرني كيف كان صنع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في الخمس نصيبكم؟ فقال : أما أبو بكر رضي الله عنه فلم تكن في ولايته أخماس ، وأما عمر رضي الله عنه فلم يزل يدفعه إليّ في كل خمس حتى كان خمس السوس وجند نيسابور . فقال وأنا عنده : هذا نصيبكم أهل البيت من الخمس ، وقد أحل ببعض المسلمين واشتدت حاجتهم فقلت : نعم . فوثب العباس بن عبد المطلب فقال : لا تعرض في الذي لنا . فقلت : ألسنا أحق من المسلمين وشفع أمير المؤمنين؟ فقبضه ، فوالله ما قبضناه ولا صدرت عليه في ولاية عثمان رضي الله عنه ، ثم أنشأ علي رضي الله عنه يحدث فقال : إن الله حرم الصدقة على رسوله فعوضه سهماً من الخمس عوضاً عما حرم عليه ، وحرمها على أهل بيته خاصة دون أمته فضرب لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سهماً عوضاً مما حرم عليهم .

(4/455)


وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « رغبت لكم عن غسالة الأيدي ، لأن لكم في خمس الخمس ما يغنيكم أو يكفيكم » .
وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن الزهري وعبد الله بن أبي بكر « أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم سهم ذي القربى من خيبر على بني هاشم وبني المطلب » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال « قسم رسول الله سهم ذي القربى على بني هاشم وبني المطلب ، قال : فمشيت أنا وعثمان بن عفان حتى دخلنا عليه ، فقلنا : يا رسول الله ، هؤلاء اخوانك من بني هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم ، أرأيت اخواننا من بني المطلب ، أعطيتهم دوننا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة في النسب؟ فقال : إنهم لم يفارقونا في الجاهلية والإِسلام » .
وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال : آل محمد صلى الله عليه وسلم الذين أعطوا الخمس . آل علي ، وآل عباس ، وآل جعفر ، وآل عقيل .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال : كان آل محمد لا تحل لهم الصدقة فجعل لهم خمس الخمس .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { واعلموا أنما غنمتم من شيء } يعني من المشركين { فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى } يعني قرابة النبي صلى الله عليه وسلم { واليتامى والمساكين وابن السبيل } يعني الضيف ، وكان المسلمون إذا غنموا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أخرجوا خُمْسَهُ فيجعلون ذلك الخمس الواحد أربعة أرباع ، فربعه لله وللرسول ولقرابة النبي صلى الله عليه وسلم ، فما كان لله فهو للرسول والقرابة وكان للنبي صلى الله عليه وسلم نصيب رجل من القرابة ، والربع الثاني للنبي صلى الله عليه وسلم ، والربع الثالث للمساكين ، والربع الرابع لابن السبيل ، ويعمدون إلى التي بقيت فيقسمونها على سهمانهم ، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم رد أبو بكر رضي الله تعالى عنه نصيب القرابة ، فجعل يحمل به في سبيل الله تعالى ، وبقي نصيب اليتامى والمساكين وابن السبيل .
وأخرج ابن أبي شيبة والبغوي وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان « عن رجل من بلقين عن ابن عم له قال : قلت : يا رسول الله ، ما تقول في هذا المال؟ قال » لله خمسه ، وأربعة أخماسه لهؤلاء - يعني المسلمين - قلت : فهل أحد أحق به من أحد؟ قال : لا ، ولو انتزعت سهماً من جنبك لم تكن بأحق به من أخيك المسلم « » .

(4/456)


وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردوبه والبيهقي في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده « أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفل قبل أن تنزل فريضة الخمس في المغنم ، فلما نزلت { واعلموا أنما غنمتم من شيء . . . } الآية . ترك التنفل وجعل ذلك في خمس الخمس ، وهو سهم الله وسهم النبي صلى الله عليه وسلم » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مالك بن عبد الله الحنفي رضي الله عنه قال : كنا جلوساً عند عثمان رضي الله عنه قال : من ههنا من أهل الشام؟ فقمت؟ فقال : أبلغ معاوية إذا غنم غنيمة أن يأخذ خمسة أسهم فيكتب على كل سهم منها : لله ثم ليقرع فحيثما خرج منها فليأخذه .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي رضي الله عنه { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه } قال : سهم الله وسهم النبي صلى الله عليه وسلم واحد .
وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال : في المغنم خمس لله وسهم النبي صلى الله عليه وسلم بالصفى ، كان يصطفى له في المغنم خير رأس من السبي إن سبي وإلا غيره ، ثم يخرج الخمس ، ثم يضرب له بسهمه شهد أو غاب مع المسلمين بعد الصفى .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء بن السائب رضي الله عنه . أنه سئل عن قوله { واعلموا أنما غنمتم من شيء } وقوله { ما أفاء الله على رسوله } [ الحشر : 7 ] ما الفيء ، وما الغنيمة؟ قال : إذا ظهر المسلمون على المشركين وعلى أرضهم فأخذوهم عنوة ، فما أخذوا من مال ظهروا عليه فهو غنيمة ، وأما الأرض : فهو فيء .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سفيان قال : الغنيمة ما أصاب المسلمون عنوة ، فهو لمن سمى الله وأربعة أخماس لمن شهدها .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه أنه سئل : كيف كان رسول الله يصنع في الخمس؟ قال : كان يحمل الرجل سهماً في سبيل الله ، ثم الرجل ، ثم الرجل .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان للنبي صلى الله عليه وسلم شيء واحد في المغنم يصطفيه لنفسه ، أما خادم واما فرس ، ثم نصيبه بعد ذلك من الخمس .
وأخرج ابن مردويه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : سلمنا الأنفال لله ورسوله ، ولم يخمس رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً ، ونزلت بعد { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه } فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين الخمس فيما كان من كل غنيمة بعد بدر .

(4/457)


وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ، ألا توليني ما خصنا الله به من الخمس؟ فولانيه .
وأخرج الحاكم وصححه عن علي رضي الله عنه قال : ولاني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الخمس ، فوضعته مواضعه حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن مكحول رضي الله عنه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال « لا سهم من الخيل إلا لفرسين ، وإن كان معه ألف فرس إذا دخل بها أرض العدوّ ، قال : قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر للفارس سهمين وللراجل سهم » .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر رضي الله عنهما « ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفارس سهمين ، وللراجل سهما » .
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة رضي الله عنه . أوصى بالخمس وقال : أوصي بما رضي الله به لنفسه ، ثم قال { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأَن لله خمسه } .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل رضي الله عنه في قوله { إن كنتم آمنتم بالله } يقول : أقرُّوا بحكمي { وما أنزلنا على عبدنا } يقول : وما أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم في القسمة { يوم الفرقان } يوم بدر { يوم التقى الجمعان } جمع المسلمين وجمع المشركين .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { يوم الفرقان } قال : هو يوم بدر ، وبدر : ماء بين مكة والمدينة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { يوم الفرقان } قال : هو يوم بدر ، فرق الله بين الحق والباطل .
وأخرج سعيد بن منصور ومحمد بن نصر والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله { يوم الفرقان يوم التقى الجمعان } قال : كانت بدر لسبع عشرة مضت من شهر رمضان .
وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : كانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان في صبيحتها ليلة الجمعة ، لسبع عشرة مضت من رمضان .
وأخرج ابن جرير عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال : كانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان لسبع عشرة مضت من رمضان .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتل في آي من القرآن ، فكان أوّل مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً ، وكان رئيس المشركين يومئذ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، فالتقوا يوم الجمعة ببدر لسبع أو ست عشرة ليلة مضت من رمضان ، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً ، والمشركون بين الألف والتسعمائة ، وكان ذلك يوم الفرقان : يوم فرق الله بين الحق والباطل ، فكان أول قتيل قتل يومئذ مهجع مولى عمر ورجل من الأنصار ، وهزم الله يومئذ المشركين فقتل منهم زيادة على سبعين رجلاً وأسر منهم مثل ذلك .

(4/458)


وأخرج ابن أبي شيبة عن جعفر عن أبيه قال : كانت بدر لسبع عشرة من رمضان في يوم جمعة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام . أنه سئل أي ليلة كانت ليلة بدر؟ فقال : هي ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة بقيت من رمضان .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر بن ربيعة البدري قال : كان يوم بدر يوم الاثنين لسبع عشرة من رمضان .

(4/459)


إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42)

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { إذ أنتم بالعدوة الدنيا } قال : شاطىء الوادي { والركب أسفل منكم } قال : أبو سفيان .
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { إذ أنتم بالعدوة الدنيا . . . } الآية . قال : العدوة الدنيا : شفير الوادي الأدنى ، والعدوة القصوى : شفير الوادي الأقصى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه في قوله { والركب أسفل منكم } قال : كان أبو سفيان أسفل الوادي في سبعين راكباً . ونفرت قريش وكانت تسعمائة وخمسين ، فبعث أبو سفيان إلى قريش وهم بالجحفة : إني قد جاوزت القوم فارجعوا . قالوا : والله لا نرجع حتى نأتي ماء بدر .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { والركب أسفل منكم } قال : أبو سفيان وأصحابه مقبلين من الشام تجاراً لم يشعروا بأصحاب بدر ، ولم يشعر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بكفار قريش ، ولا كفار قريش ، بهم حتى التقوا على ماء بدر ، فاقتتلوا فغلبهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وأسروهم .
وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في قوله { وهم بالعدوة القصوى } من الوادي إلى مكة { والركب أسفل منكم } يعني أبا سفيان وغيره ، وهي أسفل من ذلك نحو الساحل { ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد } أي ولو كان على ميعاد منكم ومنهم ، ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم ما التقيتم { ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً } أي ليقضي ما أراد بقدرته من اعزاز الإِسلام وأهله واذلال الكفر وأهله من غير ملأ منكم ، ففعل ما أراد من ذلك بلطفه ، فأخرجه الله ومن معه إلى العير لا يريد غيرها ، وأخرج قريشاً من مكة لا يريدون إلا الدفع عن عيرهم ، ثم ألف بين القوم على الحرب وكانوا لا يريدون إلا العير ، فقال في ذلك { ليقضي الله أمراً كان مفعولاً } ليفصل بين الحق والباطل { ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيَّ عن بينة } أي ليكفر من كفر بعد الحجة لما رأى من الآيات والعبر ، ويؤمن من آمن على مثل ذلك .

(4/460)


إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43)

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { إذ يريكهم الله في منامك قليلاً } قال : أراه الله إياهم في منامه قليلاً ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك وكان تثبيتاً لهم .
وأخرج ابن إسحق وابن المنذر عن حيان بن واسع بن حيان عن أشياخ من قومه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر ورجع إلى العريش ، فدخله ومعنا أبو بكر رضي الله عنه ، وقد خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش ، ثم انتبه فقال : أبشر يا أبا بكر ، أتاك نصر الله . هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده على ثناياه النقع » .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر } قال : لاختلفتم .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولكن الله سلم } أي أتم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولكن الله سلم } يقول : سلم لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوّهم .

(4/461)


وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44)

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : لقد قللوا في أعيينا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي : تراهم سبعين؟ قال : لا ، بل مائة ، حتى أخذنا رجلاً منهم فسألناه؟ قال : كنا ألفاً .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم } قال : حضض بعضهم على بعض .

(4/462)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45)

أخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا تتمنوا لقاء العدوّ وأسالوا الله العافية ، فإن لقيتموهم فاثبتوا واذكروا الله كثيراً ، فإذا جلبوا وصيحوا فعليكم بالصمت » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار رضي الله عنه قال : ما من شيء أحب إلى الله من قراءة القرآن والذكر ، ولولا ذلك ما أمر الله الناس بالصلاة والقتال : ألا ترون أنه قد أمر الناس بالذكر عند القتال فقال { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون } .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال : افترض الله ذكره عند أشغل ما تكونون ، عند الضراب بالسيوف .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي جعفر رضي الله عنه قال : أشد الأعمال ثلاثة : ذكر الله على كل حال ، وانصافك من نفسك ، ومواساة الأخ في المال .
وأخرج عبد الرزاق عن يحيى بن أبي كثير رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تتمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون لعلكم ستبلون بهم وسلوا الله العافية ، فإذا جاءوكم يبرقون ويرجفون ويصيحون بالأرض ، الأرض جلوساً ثم قولوا : اللهم ربنا وربهم نواصينا ونواصيهم بيدك وإنما تقتلهم أنت ، فإذا دنوا منكم فثوروا إليهم واعلموا أن الجنة تحت البارقة » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء رضي الله عنه قال : وجب الانصات والذكر عند الرجف ، ثم تلا { واذكروا الله كثيراً } .
وأخرج ابن عساكر عن عطاء بن أبي مسلم رضي الله عنه قال : « لما ودع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة رضي الله عنه قال ابن رواحة : يا رسول الله مرني بشيء أحفظه عنك؟ قال » إنك قادم غداً بلداً السجود به قليل فأكثر السجود . قال : زدني . قال : اذكر الله فإنه عون لك على ما تطلب . قال : زدني . قال : يا ابن رواحة فلا تعجزن إن أسأت عشراً أن تحسن واحدة . فقال ابن رواحة رضي الله عنه : لا أسألك عن شيء بعدها « » .
وأخرج الحاكم وصححه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ثِنيتان لا تردان ، الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضاً » .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي موسى رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره الصوت عند القتال » .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم عن قيس بن عباد رضي الله عنه قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند القتال .
وأخرج ابن أبي شيبة عن قيس بن عباد رضي الله عنه قال : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يستحبون خفض الصوت عند ثلاث . عند القتال ، وعند القرآن ، وعند الجنائز .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره رفع الصوت عند ثلاث . عند الجنازة ، وإذا التقى الزحفان ، وعند قراءة القرآن » .

(4/463)


وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم } قال : يقول : لا تختلفوا فتجبنوا ويذهب نصركم .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وتذهب ريحكم } قال : نصركم ، وقد ذهب ريح أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين نازعوه يوم أُحد .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { وتذهب ريحكم } قال : الريح النصر ، لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله تضرب وجوه العدوّ ، وإذا كان كذلك لم يكن لهم قوام .
وأخرج ابن أبي شيبة عن النعمان بن مقرن رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عند القتال لم يقاتل أول النهار وآخره إلى أن تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر .

(4/464)


وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)

أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس } يعني المشركين الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال : لما خرجت قريش من مكة إلى بدر خرجوا بالقيان والدفوف ، فأنزل الله تعالى { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً } الآية .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً } قال : أبو جهل وأصحابه يوم بدر .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال « كان مشركو قريش الذين قاتلوا نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر خرجوا ولهم بغي وفخر ، وقد قيل لهم يومئذ : ارجعوا فقد انطلقت عيركم وقد ظفرتم ، فقالوا : لا والله حتى يتحدث أهل الحجاز بمسيرنا وعددنا ، وذُكِرَ لنا أن نبي الله قال يومئذ : اللهم إن قريشاً قد أقبلت بفخرها وخيلائها لتجادل رسولك ، وذكر لنا أنه قال يومئذ : { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم . . . } » .

(4/465)


وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49)

أخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم } قال : قريش يوم بدر .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جاء إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال من بني مدلج في صورة سراقة بن مالك بن جعشم ، فقال الشيطان { لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم } وأقبل جبريل عليه السلام على إبليس وكانت يده في يد رجل من المشركين فلما رأى جبريل انتزع يد ، وولى مدبراً هو وشيعته ، فقال الرجل : يا سراقة انك جار لنا؟! فقال { إني أرى ما لا ترون } وذلك حين رأى الملائكة { إني أخاف الله والله شديد العقاب } قال : ولما دنا القوم بعضهم من بعض قلل الله المسلمين في أعين المشركين فقال المشركون : وما هؤلاء { غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم } .
وأخرج الواقدي وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما تواقف الناس أغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة ، ثم سري عنه فبشر الناس بجبريل عليه السلام في جند من الملائكة ميمنة الناس ، وميكائيل في جند آخر ميسرة ، وإسرافيل في جند آخر ألف ، وإبليس قد تصور في صورة سراقة بن جعشم المدلجي يجير المشركين ويخبرهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس ، فلما أبصر عدوّ الله الملائكة { نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون } فتشبت به الحارث ، وانطلق إبليس لا يرى حتى سقط في البحر ورفع يديه وقال : يا رب موعدك الذي وعدتني .
وأخرج الطبراني وأبو نعيم في الدلائل عن رفاعة بن رافع الأنصار رضي الله عنه قال : لما رأى إبليس ما يفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص القتل إليه ، فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظن أنه سراقة بن مالك ، فوكز في صدر الحارث فألقاه ثم خرج هارباً حتى ألقى نفسه في البحر ، فرفع يديه فقال : اللهم إني أسألك نظرتك إياي .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم بمكة { سيهزم الجمع ويولون الدبر } [ القمر : 45 ] فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أي جمع يهزم؟! - وذلك قبل بدر - فلما كان يوم بدر وانهزمت قريش ، نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم مصلتاً بالسيف ويقول : { سيهزم الجمع ويولون الدبر } فكانت بيوم بدر ، فأنزل الله فيهم { حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب } [ المؤمنون : 24 ] الآية .

(4/466)


وأنزل الله { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً } [ إبراهيم : 28 ] الآية . ورماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوسعهم الرمية ، وملأت أعينهم وأفواههم حتى أن الرجل ليقتل وهو يقذي عينيه وفاه ، فأنزل الله { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } [ الأنفال : 17 ] وأنزل الله في إبليس { فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون } وقال عتبة بن ربيعة وناس معه من المشركين يوم بدر { غر هؤلاء دينهم } فأنزل الله { إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم } .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله { إني أرى ما لا ترون } قال : أرى جبريل عليه السلام معتجراً بردائه يقود الفرس بين يدي أصحابه ما ركبه .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { إني أرى ما لا ترون } قال : ذكر لنا أنه رأى جبريل تنزل معه الملائكة ، فعلم عدو الله أنه لا يدان له بالملائكة ، وقال { إني أخاف الله } وكذب عدو الله ما به مخافة الله ، ولكن علم أنه لا قوّة له به ولا منعة له .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن معمر قال : ذكروا أنهم أقبلوا على سراقة بن مالك بعد ذلك ، فأنكر أن يكون شيء من ذلك .
وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن عبادة بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال : كان الذي رآه نكص حين نكص الحارث بن هشام ، أو عمرو بن وهب الجمحي .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إذ يقول المنافقون } قال : وهم يومئذ في المسلمين .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله { إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض } قال : هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر فسموا منافقين .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي رضي الله عنه قال : هم قوم كانوا أقروا بالإِسلام وهم بمكة ، ثم خرجوا مع المشركين يوم بدر ، فلما رأوا المسلمين قالوا { غر هؤلاء دينهم } .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن الشعبي رضي الله عنه في الآية قال : كان أناس من أهل مكة تكلموا بالإِسلام فخرجوا مع المشركين يوم بدر ، فلما رأوا وفد المسلمين قالوا { غر هؤلاء دينهم } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن إسحق رضي الله عنه في قوله { إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض } قال : هم الفئة الذين خرجوا مع قريش ، احتبسهم آباؤهم فخرجوا وهم على الارتياب ، فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا { غر هؤلاء دينهم } حين قدموا على ما قدموا عليه من قلة عددهم وكثرة عدوّهم ، وهم فئة من قريش مسمون خمسة : قيس بن الوليد بن المغيرة ، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة المخزوميان ، والحارث بن زمعة ، وعلي بن أمية بن خلف ، والعاص بن منبه .

(4/467)


وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (51) كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54)

أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة } قال : الذين قتلهم الله ببدر من المشركين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : آيتان يبشر بهما الكافر عند موته { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم } .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وأدبارهم } قال : وأشباههم ولكن الله كريم يكني .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله { ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } قال : نعمة الله : محمد صلى الله عليه وسلم ، أنعم الله بها على قريش فكفروا فنقله إلى الأنصار .

(4/468)


إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58)

أخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال : نزلت { إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون } في ستة رهط من اليهود منهم ابن تابوت .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم } قال : قريظة يوم الخندق مالأوا على محمد صلى الله عليه وسلم أعداءه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فشرد بهم من خلفهم } قال : نكل بهم من بعدهم .
وأخرج ابن جريرعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فشرد بهم من خلفهم } قال : نكل بهم من وراءهم .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فشرد بهم من خلفهم } قال : نكل بهم الذين خلفهم .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله { فشرد بهم من خلفهم } قال : أنذرهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فشرد بهم من خلفهم } قال : اصنع بهم كما تصنع بهؤلاء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { لعلهم يذكرون } يقول : لعلهم يحذرون أن ينكثوا فيصنع بهم مثل ذلك .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن شهاب رضي الله عنه قال : دخل جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : قد وضعت السلاح وما زلنا في طلب القوم فاخرج فان الله قد أذن لك في قريظة ، وأنزل فيهم { وإما تخافن من قوم خيانة } الآية .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وإما تخافن من قوم خيانة } قال : قريظة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله { وإما تخافن من قوم خيانة . . . } الآية . قال : من عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إن خفت أن يختانوك ويغدروا فتأتيهم فانبذ إليهم على سواء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين رضي الله عنه قال : لا تقاتل عدوّك حتى تنبذ إليهم على سواء { إن الله لا يحب الخائنين } .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الايمان عن سليم بن عامر رضي الله عنه قال : كان بين معاوية وبين الروم عهد ، وكان يسير حتى يكون قريباً من أرضهم ، فإذا انقضت المدة أغار عليهم ، فجاءه عمرو بن عبسة فقال : الله أكبر وفاء لا غدر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمرها أو ينبذ إليهم على سواء » قال : فرجع معاوية بالجيوش .
وأخرج البيهقي في شعب الايمان عن ميمون بن مهران رضي الله عنه قال : ثلاثة المسلم والكافر فيهن سواء . من عاهدته فوفى بعهده مسلماً كان أو كافراً فإنما العهد لله ، ومن كانت بينك وبينه رحم فصلها مسلماً كان أو كافراً ، ومن ائتمنك على أمانة فأدها إليه مسلماً كان أو كافراً .

(4/469)


وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59)

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { إنهم لا يعجزون } يقول : لا يفوتونا .

(4/470)


وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)

أخرج أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وأب يعقوب اسحق بن إبراهيم القراب في كتاب فضل الرمي . والبيهقي في شعب الإِيمان عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر « وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة ، ألا أن القوة الرمي ألا أن القوّة الرمي قالها ثلاثاً » .
وأخرج ابن المنذر عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل } ألا إن القوّة الرمي ثلاثاً ، إن الأرض ستفتح لكم وتكفون المؤنة ، فلا يعجزنَّ أحدكم أن يلهو باسهمه » .
وأخرج البيهقي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه . أنه تلا هذه الآية { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة } قال : ألا أن القوّة الرمي .
وأخرج ابن المنذر عن مكحول رضي الله عنه قال : ما بين الهدفين روضة من رياض الجنة ، فتعلموا الرمي فإني سمعت الله تعالى يقول { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة } قال : فالرمي من القوّة .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة } قال : الرمي والسيوف والسلاح .
وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في قوله { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة } قال : أمرهم بإعداد الخيل .
وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل } قال : القوّة ذكور الخيل ، والرباط الإِناث .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة } قال : القوّة ذكور الخيل ، ورباط الخيل الإِناث .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه في الآية قال : القوّة الفرس إلى السهم فما دونه .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم } قال : تخزون به عدو الله وعدوكم .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما « أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم وهم يرمون ، فقال : رميا بني إسمعيل لقد كان أبوكم رامياً » .
وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

(4/471)


« إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة . صانعه الذي يحتسب في صنعته الخير ، والذي يجهز به في سبيل الله ، والذي يرمي به في سبيل الله . وقال : ارموا واركبوا وان ترموا خير من أن تركبوا ، وقال : كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل إلا ثلاثة ، رمية عن قوسه ، وتأديبه فرسه ، وملاعبته أهله فإنهن من الحق ، ومن علم الرمي ثم تركه فهي نعمة كفرها » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي في شعب الإِيمان عن حرام بن معاوية قال : كتب إلينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن لا يجاورنكم خنزير ، ولا يرفع فيكم صليب ، ولا تأكلوا على مائدة يشرب عليها الخمر ، وأدبوا الخيل ، وامشوا بين الفرقتين .
وأخرج البزار والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم وقوم من أسلم يرمون فقال « ارموا بني اسمعيل فإن أباكم كان رامياً ، ارموا وأنا مع ابن الأدرع . فأمسك القوم فسألهم؟ فقالوا : يا رسول الله من كنت معه غلب . قال : ارموا وأنا معكم كلكم » .
وأخرج أحمد والبخاري عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم من أسلم يتناضلون في السوق فقال « ارموا يا بني اسمعيل فإن أباكم كان رامياً ، ارموا وأنا مع بني فلان - لاحد الفريقين - فأمسكوا بأيديهم فقال : ارموا . . . ! قالوا : يا رسول الله كيف نرمي وأنت مع بني فلان؟ قال : ارموا وأنا معكم كلكم » .
وأخرج الحاكم وصححه عن محمد بن إياس بن سلمة عن أبيه عن جده « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على ناس ينتضلون فقال : حسن اللهم مرتين أو ثلاثاً ، ارموا وأنا مع ابن الأدرع . فأمسك القوم قال : ارموا وأنا معكم جميعاً ، فلقد رموا عامة يومهم ذلك ثم تفرقوا على السواء ما نضل بعضهم بعضاً » .
وأخرج الطبراني في الأوسط والحاكم والقراب في فضل الرمي عن أبي هريرة رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كل شيء من لهو الدنيا باطل إلا ثلاثة . انتضالك بقوسك ، وتأديبك فرسك ، وملاعبتك أهلك فإنها من الحق ، وقال عليه السلام : انتضلوا واركبوا وان تنتضلوا أحب إليَّ ، إن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة . صانعه محتسباً ، والمعين به ، والرامي به في سبيل الله تعالى » .
وأخرج الحاكم وصححه والقراب عن أبي نجيح السلمي رضي الله عنه قال : حاصرنا قصر الطائف ، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من رمى بسهم في سبيل الله فله عدل محرر » قال : فبلغت يومئذ ستة عشر سهماً .
وأخرج ابن ماجة والحاكم والقراب عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه

(4/472)


« سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من رمى العدوّ بسهم فبلغ سهمه أو أخطأ أو أصاب فعدل رقبة » .
وأخرج الحاكم عن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه قال : لما كان يوم بدر قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا أكثبوكم فارموا بالنبل واستبقوا نبلكم » .
وأخرج الحاكم وصححه عن سعد بن أبي وقاص « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد : أنبلوا سعد ، أرم يا سعد رمى الله لك ، فداك أبي وأمي » .
وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة بنت سعد رضي الله عنها عن أبيها أنه قال :
ألا هل أتى رسول الله أني ... حميت صحابتي بصدور نبلي
وأخرج الثقفي في فوائده عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تحضر الملائكة من اللهو شيئاً إلا ثلاثة . لهو الرجل مع امرأته ، وإجراء الخيل ، والنضال » .
وأخرج ابن عدي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « الملائكة تشهد ثلاثاً . الرمي ، والرهان ، وملاعبة الرجل أهله » .
وأخرج أبو عبيدة في كتاب الخيل عن أبي الشعثاء جابر بن يزيد رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ارموا واركبوا الخيل ، وان ترموا أحب إليَّ ، كل لهو لهاية المؤمن باطل إلا ثلاث خلال . رميك عن قوسك ، وتأديبك فرسك ، وملاعبتك أهلك فإنهن من الحق » .
وأخرج النسائي والبزار والبغوي والبارودي والطبراني والقراب وأبو نعيم والبيهقي والضياء عن عطاء بن أبي رباح قال : رأيت جابر بن عبدالله وجابر بن عمير الأنصاري يرتميان ، فمل أحدهما فجلس فقال الآخر : كسلت . . . ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغو وسهو إلا أربع خصال . مشي الرجل بين الغرضين ، وتأديب فرسه ، وملاعبته أهله ، وتعليم السباحة » .
وأخرج القراب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة . الرامي ، والممد به ، والمحتسب له » .
وأخرج القراب عن حذيفة رضي الله عنه قال : كتب عمر رضي الله عنه إلى الشام : أيها الناس ارموا واركبوا والرمي أحب إلي من الركوب ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « إن الله يدخل بالسهم الواحد الجنة من عمله في سبيله ، ومن قوّي به في سبيل الله عز وجل » .
وأخرج القراب عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « نعم لهو المؤمن الرمي ، ومن ترك الرمي بعدما علمه فهو نعمة تركها » .

(4/473)


وأخرج القراب عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : لا أترك الرمي أبداً ولو كانت يدي مقطوعة بعد شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول » من تعلم الرمي ثم تركه فقد عصاني « .
وأخرج القراب عن مكحول يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال » كل لهو باطل إلا ركوب الخيل ، والرمي ، ولهو الرجل مع امرأته ، فعليكم بركوب الخيل والرمي ، والرمي أحبهما إليَّ « .
وأخرج القراب من طريق مكحول عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال » اللهو في ثلاث : تأديبك فرسك ، ورميك بقوسك ، وملاعبتك أهلك « .
وأخرج القراب من طريق مكحول . أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أهل الشام : أن علموا أولادكم السباحة والفروسية .
وأخرج القراب عن سليمان التيمي قال » كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يكون الرجل سابحاً رامياً « .
وأخرج القراب عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » من رمى بسهم في سبيل الله فأصاب أو أخطأ أو قصر فكأنما أعتق رقبة كانت فكاكاً له من النار « .
وأخرج القراب عن أبي نجيح السلمي رضي الله عنه قال : حضرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر الطائف ، فسمعته يقول » من رمى بسهم في سبيل الله قصر أو بلغ كانت له درجة في الجنة « .
وأخرج القراب عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » قاتلوا أهل الصقع ، فمن بلغ منهم فله درجة في الجنة . قالوا : يا رسول الله ما الدرجة؟ قال : ما بين الدرجتين خمسمائة عام « .
وأخرج الطبراني والقراب عن أبي عمرة الأنصاري رضي الله عنه » سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من رمى بسهم في سبيل الله فبلغ أو قصر كان السهم نوراً يوم القيامة « .
وأخرج ابن عدي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » أحب اللهو إلى الله إجراء الخيل ، والرمي بالنبل ، ولعبكم مع أزواجكم « .
وأخرج البزار والطبراني في الأوسط عن سعد رضي الله عنه قال : عليكم بالرمي فإنه خير ، أو من خير لهوكم .
وأخرج أبو عوانة عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : تعلموا الرمي فإنه خير لعبكم .
وأخرج البزار عن جابر رضي الله عنه » أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قوم وهم يرمون فقال : ارموا بني إسمعيل فإن أباكم كان رامياً « .
وأخرج البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه

(4/474)


« أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من تعلم الرمي ثم نسيه فهي نعمة جحدها » .
وأخرج البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تحضر الملائكة من لهوكم إلا الرهان والنضال » .
وأخرج البزار بسند حسن عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من رمى رمية في سبيل الله قصر أو بلغ كان له مثل أجر أربعة أناس من ولد اسمعيل اليوم » .
وأخرج البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من رمى بسهم في سبيل الله كان له نور يوم القيامة » .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كل لهو يكره إلا ملاعبة الرجل امرأته ، ومشيه بين الهدفين ، وتعليمه فرسه » .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الرمي والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي رافع رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرمي » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والديلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « تعلموا الرمي فإن ما بين الهدفين روضة من رياض الجنة » .
وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من مشى بين العرضين كان له بكل خطوة حسنة » .
وأخرج الطبراني في الصغير عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما على أحدكم إذا ألح به همه أن يتقلد قوسه فينفي بها همه » .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « علموا أبناءكم السباحة والرمي ، والمرأة المغزل » .
وأخرج ابن منده في المعرفة عن بكر بن عبدالله بن الربيع الأنصاري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « علموا أبناءكم السباحة والرمي ، والمرأة المغزل » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من شاب شيبة في الإِسلام كانت له نوراً يوم القيامة ، ومن رمى بسهم في سبيل الله كان له عدل رقبة » .
وأخرج عبد الرزاق عن أبي أمامة رضي الله عنه . أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « من شاب شيبة في الإِسلام كان له نوراً يوم القيامة ، ومن رمى بسهم في سبيل الله أخطأ أو أصاب كان له عدل رقبة من ولد إسمعيل » .

(4/475)


وأخرج أحمد عن مرة بن كعب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من بلغ العدو بسهم رفعه الله به درجة بين الدرجتين مائة عام ، ومن رمى بسهم في سبيل الله كان كمن أعتق رقبة » .
وأخرج الخطيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله ليدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة : صانعه محسباً صنعته ، والرامي به ، والمقوي به » .
وأخرج الواقدي عن مسلم بن جندب رضي الله عنه قال : أول من ركب الخيل إسمعيل بن إبراهيم عليهما السلام ، وإنما كانت وحشاً لا تطاق حتى سخرت له « .
وأخرج الزبير بن بكار في الأنساب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت الخيل وحشاً لا تطاق حتى سخرت له » .
وأخرج الزبير بن بكار في الأنساب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت الخيل وحشاً لا تركب ، فأول من ركبها اسمعيل عليه السلام ، فبذلك سميت العراب .
وأخرج أحمد بن سليمان والنجاد في جزئه المشهور عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت الخيل وحشاً كسائر الوحوش ، فلما أذن الله تعالى لإِبراهيم واسمعيل برفع القواعد من البيت قال الله عز وجل : إني معطيكما كنزاً ادخرته لكما ، ثم أوحى الله إلى اسمعيل عليه السلام : إن أخرج فادع بذلك الكنز ، فخرج اسمعيل عليه السلام إلى أجناد وكان موطناً منه وما يدري ما الدعاء ولا الكنز ، فألهمه الله الدعاء فلم يبق على وجه الأرض فرس إلا أجابته فأمكنته من نواصيها وذللها له ، فاركبوها واعدوها فإنها ميامين ، وإنها ميراث أبيكم اسمعيل عليه السلام .
وأخرج الثعلبي عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لما أراد الله أن يخلق الخيل قال للريح الجنوب : إني خالق منك خلقاً فاجعله عزاً لأوليائي ، ومذلة على أعدائي ، وجمالاً لأهل طاعتي فقالت الريح : اخلق فقبض منها قبضة فخلق فرساً فقال له : خلقتك عربياً ، وجعلت الخير معقوداً بناصيتك ، والغنائم مجموعة على ظهرك ، عطفت عليك صاحبك وجعلتك تطير بلا جناح ، فأنت للطلب وأنت للهرب ، وسأجعل على ظهرك رجالاً يسبحوني ويحمدوني ويهللوني ، تسبحن إذا سبحوا وتهللن إذا هللوا وتكبرن إذا كبروا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من تسبيحة أو تحميدة أو تكبيرة يكبرها صاحبها فتسمعه الا تجيبه بمثلها ، ثم قال : سمعت الملائكة صنعة الفرس وعاينوا خلقها ، قالت : رب نحن ملائكتك نسبحك ونحمدك فماذا لنا؟ فخلق الله لها خيلاً بلقاً أعناقها كأعناق البخت ، فلما أرسل الله الفرس إلى الأرض واستوت قدماه على الأرض ، صهل فقيل : بوركت من دابة أذل بصهيلك المشركين ، أذل به أعناقهم ، وأملأ به آذانهم ، وارعب به قلوبهم ، فلما عرض الله على آدم من كل شيء قال له : اختر من خلقي ما شئت؟ فاختار الفرس قال له : اخترت لعزكَ وعز ، ولدك ، خالداً ما خلدوا وباقياً ما بقوا ، بركتي عليك وعليهم ما خلقت خلقاً أحب إليّ منك ومنهم » .

(4/476)


وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله عنهما . مثله سواء .
وأخرج مالك والبخاري ومسلم والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الخيل لثلاثة لرجل أجر ، ولرجل ستر ، وعلى رجل وزر . فأما الذي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مرج أو روضة ، فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كان له حسنات ، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفاً أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له ، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كان ذلك حسنات له فهي لذلك أجر ، ورجل ربطها تغنياً ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك ستر ، ورجل ربطها فخراً ورياء ونواء لأهل الإِسلام فهي على ذلك وزر » .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ، والخيل ثلاثة : خيل أجر ، وخيل وزر ، وخيل ستر . فأما خيل ستر فمن اتخذها تعففاً وتكرماً وتجملاً ولم ينس حق بطونها وظهورها في عسره ويسره ، وأما خيل الأجر فمن ارتبطها في سبيل الله فإنها لا تغيب في بطونها شيئاً إلا كان له أجر حتى ذكر أرواثها وأبوالها ، ولا تعدو في واد شوطاً أو شوطين إلا كان في ميزانه ، وأما خيل الوزر فمن ارتبطها تبذخاً على الناس فإنها لا تغيب في بطونها شيئاً إلا كان وزر عليه حتى ذكر أرواثها وأبوالها ، ولا تعدو في واد شوطاً أو شوطين إلا كان عليه وزر » .
وأخرج مالك وأحمد بن حنبل والطيالسي وابن شيبة البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن حبان عن ابن عمر رضي الله عنهما « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عروة البارقي رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة . قيل : يا رسول الله وما ذاك؟ قال : الأجر والغنيمة » .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال « رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يلوي ناصية فرسه باصبعه ويقول : الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة » .

(4/477)


وأخرج النسائي وأبو مسلم الكشي في سننه عن سلمة بن نفيل رضي الله عنه « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ، قيل : يا رسول الله وما ذاك؟ قال : الأجر والغنيمة » .
وأخرج الطبراني والآجري في كتاب النصيحة عن أبي كبشة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها ، والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة » .
وأخرج الطبراني عن سوادة بن الربيع الجرمي رضي الله عنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرني بذود ، وقال « عليك بالخيل فإن الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة » .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « الخيل في نواصيها الخير والمغنم إلى يوم القيامة ، ونواصيها أذناها وأذنابها مذابها » .
وأخرج ابن سعد في الطبقات وابن منده في الصحابة عن يزيد بن عبدالله بن غريب المليكي عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الخيل معقود في نواصيها الخير والنيل إلى يوم القيامة ، وأهلها معانون عليها ، والمنفق عليها كباسط كفيه في الصدقة لا يقبضها ، وأبوالها وأرواثها عند الله يوم القيامة كذكي المسك » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنهما « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الخيل معقود في نواصيها الخير أبداً إلى يوم القيامة ، فمن ربطها عدة في سبيل الله وأنفق عليها احتساباً في سبيل الله فإن شبعها وجوعها وريَّها وظمأها وأبوالها وأرواثها فلاح في موازينه يوم القيامة ، ومن ربطها رياء وسمعة وفخراً ومرحاً فإن شبعها وجوعها وريها وظمأها وأرواثها وأبوالها خسران في موازينه يوم القيامة » .
وأخرج أبو بكر بن عاصم في الجهاد والقاضي عمر بن الحسن الاشناني في بعض تاريخه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها ، فخذوا بنواصيها وادعوا بالبركة وقلدوها ولا تقلدوها إلا وتار » .
وأخرج أبو عبيدة في كتاب الخيل عن زياد بن مسلم الغفاري رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : الخيل ثلاثة ، فمن ارتبطها في سبيل الله وجهاد عدوه كان شبعها وجوعها وريها وعطشها وجريها وعرقها وأرواثها وأبوالها أجراً في ميزانه يوم القيامة ، ومن ارتبطها للجمال فليس له إلا ذاك ومن ارتبطها فخراً ورياء كان مثل ما نص في الأول وزراً في ميزانه يوم القيامة » .

(4/478)


وأخرج الطبراني والآجري في الشريعة والنصيحة عن خباب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « الخيل ثلاثة : ففرس للرحمن ، وفرس للإِنسان ، وفرس للشيطان . فأما فرس الرحمن ، فما أعد في سبيل الله وقوتل عليه أعداء الله ، وأما فرس الإِنسان ، فما استبطن ويحمل عليه ، وأما فرس الشيطان ، فما قومر عليه » . وأخرجه ابن أبي شيبة عن خباب موقوفاً .
وأخرج أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « الخيل ثلاثة : فرس للرحمن ، وفرس للإِنسان ، وفرس للشيطان . فأما فرس الرحمن ، فالذي يرتبط في سبيل الله فعلفه وروثه وبوله وذكر ما شاء الله ، وأما فرس الشيطان ، فالذي يقامر أي يراهن عليه ، وأما فرس الإِنسان ، فالفرس يرتبطها الإِنسان يلتمس بطنها فهي ستر من فقر » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد من طريق أبي عمرو الشيباني رضي الله عنه عن رجل من الأنصار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « الخيل ثلاثة : فرس يربطه الرجل في سبيل الله فثمنه أجر ورعايته أجر وعلفه أجر ، وفرس يعالق فيه الرجل ويراهن فثمنه وزر وعلفه وزر ، وفرس للبطنة ، فعسى أن يكون سدداً من الفقر إن شاء الله تعالى » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « البركة في نواصي الخيل » .
وأخرج النسائي عن أنس رضي الله عنه قال « لم يكن شيء أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النساء من الخيل » .
وأخرج ابن سعد وأحمد في الزهد عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال « ما كان شي أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخيل . ثم قال : اللهم غفرا إلا النساء » .
وأخرج الدمياطي في كتاب الخيل عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « من حبس فرساً في سبيل الله ، كان سترة من النار » .
وأخرج ابن أبي عاصم في الجهاد عن يزيد بن عبدالله بن غريب المليكي عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « في الخيل وأبوالها وأرواثها كف من مسك الجنة » .
وأخرج ابن سعد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « المنفق على الخيل كباسط يده بالصدقة لا يقبضها ، وأبوالها وأرواثها عند الله يوم القيامة كذكي المسك » .
وأخرج ابن ماجة وابن أبي عاصم عن تميم الداري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

(4/479)