صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور |
وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق } قال : ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم قال « هذه أمتي بالحق يحكمون ويقضون ويأخذون ويعطون » . (4/378)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله « { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق } قال : بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قرأها » هذه لكم ، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها ، { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } [ الأعراف الآية 159 ] « » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق } قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم متى ما نزل » .
وأخرج أبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال : لتفترقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة ، يقول الله { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } فهذه هي التي تنجو من هذه الأمة .
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي { سنستدرجهم } يقول : سنأخذهم { من حيث لا يعلمون } قال : عذاب بدر . (4/379)
وأخرج أبو الشيخ عن يحيى بن المثنى { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } قال : كلما أحدثوا ذنباً جددنا لهم نعمة تنسيهم الاستغفار .
وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن سفيان في قوله { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } قال : نسبغ عليهم النعم ونمنعهم شكرها .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي { وأملي لهم إن كيدي متين } يقول : كف عنهم وأخرهم على رسلهم ان مكري شديد ، ثم نسخها الله فأنزل الله { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم . . . } الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كيد الله العذاب والنقمة .
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قام على الصفا ، فدعا قريشاً فخذا فخذا : يا بني فلان يا بني فلان ، يحذرهم بأس الله ووقائع الله إلى الصباح ، حتى قال قائلهم : إن صاحبكم هذا لمجنون بات يهوت حتى أصبح ، فأنزل الله { أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين } . (4/380)
أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)
أخرج أحمد وابن أبي شيبة في المصنف عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « رأيت ليلة أسريَ بي ، فلما انتهينا إلى السماء السابعة نظرت فوقي فإذا أنا برعد وبرق وصواعق . قال : وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم قلت : من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء أكلة الربا ، فلما نزلت إلى السماء الدنيا ، فنظرت إلى أسفل مني فإذا أنا برهج ودخان وأصوات ، فقلت : ما هذا يا جبريل؟ قال : هذه الشياطين يحرجون على أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السموات والأرض ، ولولا ذلك لرأوا العجائب » . (4/381)
مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186)
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب . انه خطب بالجابية فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له . فقال له فتى بين يديه كلمة بالفارسية ، فقال عمر لمترجم يترجم له : ما يقول؟ قال : يزعم أن الله لا يضل أحداً . فقال عمر : كذبت يا عدو الله ، بل الله خلقك وهو أضلك ، وهو يدخلك النار إن شاء الله ، ولولا ولث عقد لضربت عنقك ، فتفرق الناس وما يختلفون في القدر . والله أعلم . (4/382)
يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187)
أخرج ابن إسحق وابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : قال حمل بن أبي قشير ، وسمول بن زيد ، لرسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً كما تقول ، فإنا نعلم ما هي؟ فأنزل الله { يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي } إلى قوله { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } . (4/383)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { يسألونك عن الساعة أيان مرساها } أي متى قيامتها { قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو } قال : قالت قريش : يا محمد أسر إلينا الساعة لما بيننا وبينك من القرابة . قال : { يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله } قال : وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول « تهج الساعة بالناس : والرجل يسقي على ماشيته ، والرجل يصلح حوضه ، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه ، والرجل يقيم سلعته في السوق ، قضاء الله لا تأتيكم إلا بغتة » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { أيان مرساها } قال : منتهاها .
وأخرج أحمد عن حذيفة قال « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة قال { علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو } ولكن أخبركم بمشاريطها ، وما يكون بين يديها ، إن بين يديها فتنة وهرجا . قالوا : يا رسول الله الفتنة قد عرفناها الهرج ما هو؟ قال : بلسان الحبشة القتل » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري قال : « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة وأنا شاهد فقال » لا يعلمها إلا الله ولا يجليها لوقتها إلا هو ، ولكن سأخبركم بمشاريطها ما بين يديها من الفتن والهرج . فقال رجل : وما الهرج يا رسول الله؟ قال : بلسان الحبشة القتل ، وأن تجف قلوب الناس ، ويلقي بينهم التناكر فلا يكاد أحد يعرف أحداً ، ويرفع ذو الحجا ويبقى رجراجة من الناس ، لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً « » .
وأخرج مسلم وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت بشهر « تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله ، وأقسم بالله ما على ظهر الأرض يوم من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة » .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الشعبي قال : لقي عيسى جبريل فقال : السلام عليك يا روح الله . قال : وعليك يا روح الله . قال : يا جبريل متى الساعة؟ فانتفض جبريل في أجنحته ، ثم قال : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ، ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة ، أو قال { لا يجليها لوقتها إلا هو } .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { لا يجليها لوقتها إلا هو } يقول : لا يأتي بها إلا الله . (4/384)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : هو يجليها لوقتها لا يعلم ذلك إلا الله .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { ثقلت في السماوات والأرض } قال : ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ثقلت في السماوات والأرض } قال : ثقل علمها على أهل السموات والأرض إنهم لا يعلمون ، وقال الحسن ، إذا جاءت ثقلت على أهل السموات والأرض ، يقول : كبرت عليهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله { ثقلت في السماوات والأرض } قال : إذا جاءت انشقت السماء ، وانتثرت النجوم ، وكوّرت الشمس ، وسيرت الجبال ، وما يصيب الأرض ، وكان ما قال الله ، فذلك ثقلها بهما .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { لا تأتيكم إلا بغتة } قال : فجأة آمنين .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « تقوم الساعة على رجل أكلته في فيه فلا يلوكها ولا يسيغها ولا يلفظها ، وعلى رجلين قد نشرا بينهما ثوباً يتبايعانه فلا يطويانه ولا يتبايعانه » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : لا تقوم الساعة حتى ينادي مناد : يا أيها الناس أتتكم الساعة ثلاثاً .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي في قوله { لا يجليها لوقتها إلا هو } يقول : لا يرسلها لوقتها إلا هو { ثقلت في السماوات والأرض } يقول : خفيت في السموات والأرض ، فلم يعلم قيامها متى تقوم ملك مقرب ولا نبي مرسل { لا تأتيكم إلا بغتة } قال : تبغتهم تأتيهم على غفلة .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { كأنك حفي عنها } قال : استحفيت عنها السؤال حتى علمتها .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد وسعيد بن جبير في قوله { كأنك حفي عنها } قال أحدهما : عالم بها ، وقال الآخر : يجب أن يسأل عنها .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { كأنك حفي عنها } قال : استحفيت عنها السؤال حتى علمتها .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد وسعيد بن جبير في قوله { كأنك حفي عنها } قال أحدهما : عالم بها ، وقال الآخر : يجب أن يسأل عنها .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { يسألونك كأنك حفي عنها } يقول : كأنك عالم بها أي لست تعلمها .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس { كأنك حفي عنها } قال : لطيف بها . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس { يسألونك كأنك حفي عنها } يقول : كان بينك وبينهم مودة كأنك صديق لهم ، قال ابن عباس : لما سأل الناس محمداً صلى الله عليه وسلم عن الساعة سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمداً حفي بهم ، فأوحى الله إليه : إنما علمها عنده استأثر بعلمها ، فلم يطلع عليها ملكاً ولا رسولاً . (4/385)
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك { يسألونك كأنك حفي عنها } قال : كأنك حفي بهم حين يأتونك يسألونك .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد { يسألونك كأنك حفي } بسؤالهم قال : كأنك تحب أن يسألوك عنها .
وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن دينار قال : كان ابن عباس يقرأ « كأنك حفيء بها » .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله { يسألونك كأنك حفي عنها } قال : كأنك يعجبك أن يسألوك عنها لنخبرك بها فأخفاها منه فلم يخبره ، فقال { فيم أنت من ذكراها } [ النازعات : 43 ] وقال { أكاد أخفيها } [ طه : 15 ] وقراءة أُبي { أكاد أخفيها من نفسي } .
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال : قالت قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم : إن بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة؟ فقال الله { يسألونك كأنك حفي عنها } .
قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير } قال : لعلمت إذا اشتريت شيئاً ما أربح فيه فلا أبيع شيئاً إلا ربحت فيه { وما مسني السوء } قال : ولا يصيبني الفقر . (4/386)
وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج في قوله { قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً } قال : الهدى والضلالة { ولو كنت أعلم الغيب } متى أموت { لاستكثرت من الخير } قال : العمل الصالح .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله { وما مسني السوء } قال : لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون .
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193)
أخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد ، فقال : سميه عبد الحارث فإنه يعيش ، فسمته عبد الحارث فعاش ، فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره » . (4/387)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن سمرة بن جندب في قوله { فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء } قال : سمياه عبد الحارث .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أُبي بن كعب قال : لما حملت حواء وكان لا يعيش لها ولد آتاها الشيطان ، فقال : سمياه عبد الحارث يعيش لكما ، فسمياه عبد الحارث فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أُبي بن كعب قال : لما حملت حواء أتاها الشيطان ، فقال : أتطيعيني ويسلم لك ولدك؟ سميه عبد الحارث فلم تفعل ، فولدت فمات ، ثم حملت فقال لها مثل ذلك : فلم تفعل ، ثم حملت الثالث فجاءها فقال لها : إن تطيعيني سلم لك ، وإلا فإنه يكون بهيمة ، فهيبها ، فأطاعته .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال : ولد لآدم ولد فسماه عبد الله ، فأتاهما إبليس فقال : ما سميتما ابنكما هذا؟ قال : عبد الله ، وكان ولد لهما قبل ذلك ولد فسمياه عبد الله . فقال إبليس : أتظنان أن الله تارك عبده عندكما؟ ووالله ليذهبن به كما ذهب بالآخر ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما فسمياه عبد شمس فسمياه ، فذلك قوله تعالى { أيشركون ما لا يخلق شيئاً } الشمس لا تخلق شيئاً إنما هي مخلوقة . قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « خدعها مرتين » . قال زيد : خدعهما في الجنة ، وخدعهما في الأرض .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال : لما أهبط الله آدم وحواء ألقى في نفسه الشهوة لامرأته ، فتحرك ذلك منه فأصابها ، فليس إلا أن أصابها حملت ، فليس إلا أن حملت تحرك ولدها في بطنها ، فقالت : ما هذا؟ فجاءها إبليس فقال لها : إنك حملت فتلدين . قالت : ما ألد؟ قال : ما هل ترين إلا ناقة أو بقرة أو ماعزة أو ضانية هو بعض ذلك ، ويخرج من أنفك أو من عينك أو من اذنك . قالت : والله ما مني من شيء إلا وهو يضيق عن ذلك! قال : فاطيعيني وسميه عبد الحارث - وكان اسمه في الملائكة الحارث - تلدي مثلك ، فذكرت ذلك لآدم فقال : هو صاحبنا الذي قد علمت . فمات ثم حملت بآخر ، فجاءها فقال : أطيعيني أو قتلته فإني أنا قتلت الأول ، فذكرت ذلك لآدم فقال مثل قوله الأوّل ، ثم حملت بالثالث فجاءها فقال لها مثل ما قال ، فذكرت ذلك لآدم فكأنه لم يكره ذلك ، فسمته عبد الحارث فذلك قوله { جعلا له شركاء فيما آتاهما } .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : حملت حواء ، فأتاها إبليس فقال : إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة ، لتطيعيني أو لأجعلن له قربى أيل فيخرج من بطنك فيشقه ، ولأفعلن ولأفعلن - فخوّفهما - سمياه عبد الحارث ، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً ، ثم حملت فأتاهما أيضاً فقال مثل ذلك ، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتاً ، ثم حملت فأتاهما فذكر لهما فادركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث ، فذلك قوله { جعلا له شركاء فيما آتاهما } . (4/388)
وأخرج عبد بن حميد عن السدي قال : إن أول اسم سمياه عبد الرحمن فمات ، ثم سمياه صالحاً فمات ، يعني آدم وحواء .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : كانت حواء تلد لآدم أولاد . فتعبدهم لله ، وتسميه عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك فيصيبهم الموت ، فأتاها إبليس وآدم فقال : إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه لعاش ، فولدت له رجلاً فسماه عبد الحارث ، ففيه أنزل الله { وهو الذي خلقكم من نفس واحدة } إلى آخر الآية .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن في الآية قال : كان هذا في بعض أهل الملل وليس بآدم .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس أنه قرأها { حملت حملاً خفيفاً فمرت به } .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن سمرة في قوله { حملت حملاً خفيفاً } .
قال : خفيفاً لم يستبن ، فمرت به لما استبان حملها .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فمرت به } قال : فشكت أحملت أم لا .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أيوب قال : سئل الحسن عن قوله { حملت حملاً خفيفاً فمرت به } قال : فشكت أحملت أم لا .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن أيوب قال : سئل الحسن عن قوله { حملت حملاً خفيفاً فمرت به } قال : لو كنت عربياً لعرفتها ، إنما هي استمرت بالحمل .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { حملت حملاً خفيفاً } قال : هي من النطفة { فمرت به } يقول : استمرت .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { فمرت به } قال : فاستمرت به .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { فمرت به } قال : فاستمرت بحمله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { فمرت به } قال : فاستمرت بحمله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران في قوله { فمرت به } قال : استخفته .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي { فلما أثقلت } قال : كبر الولد في بطنها . (4/389)
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي صالح في قوله { لئن آتيتنا } قال : أشفقا أن يكون بهيمة ، فقالا : لئن آتيتنا بشراً سوياً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : أشفقا أن لا يكون إنساناً .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { لئن آتيتنا صالحاً } قال : غلاماً سوياً .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله { فجعلا له شركاء } قال : كان شركا في طاعة ، ولم يكن شركا في عباده .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { فجعلا له شركاً } بكسر الشين .
وأخرج عبد بن حميد عن سفيان { جعلا له شركاء } قال : أشركاه في الاسم قال : وكنية إبليس أبو كدوس .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن السدي قال : هذا من الموصل والمفصول قوله { جعلا له شركاء فيما آتاهما } في شأن آدم وحوّاء ، يعني في الأسماء { فتعالى الله عما يشركون } يقول : عما يشرك المشركون ولم يعيِّنهما .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : ما أشرك آدم أن أولها شكر وآخرها مثل ضربه لمن بعده .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { فتعالى الله عما يشركون } هذه فصل بين آية آدم خاصة في آلهة العرب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حاتم عن أبي مالك في الآية قال : هذه مفصولة اطاعاه في الولد { فتعالى الله عما يشركون } هذه لقوم محمد .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { جعلا له شركاء } قال : كان شركاً في طاعته ولم يكن شركاً في عبادته ، وقال : كان الحسن يقول : هم اليهود والنصارى ، رزقهم الله أولاداً فهوّدوا ونصروا .
وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله { فتعالى الله عما يشركون } قال : يعني بها ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله { فتعالى الله عما يشركون } قال : هو الانكاف أنكف نفسه يقول : عظم نفسه ، وانكفته الملائكة وما سبح له .
وأخرج ابن حميد وأبو الشيخ عن الحسن في الآية قال : هذا في الكفار ، يدعون الله فإذا آتاهما صالحاً هوّدا ونصرا ، ثم قال { أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون } يقول : يطيعون ما لا يخلق شيئاً وهي الشياطين لا تخلق شيئاً وهي تخلق { ولا يستطيعون لهم نصراً } يقول : لمن يدعوهم .
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (195) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197)
أخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال : يجاء بالشمس والقمر حتى يلقيان بين يدي الله ، ويجاء بمن كان يعبدهما فيقال { ادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين } . (4/390)
وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198)
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { وتراهم ينظرون إليك } قال : هؤلاء المشركون . (4/391)
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } ما تدعوهم إليه من الهدى .
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)
أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبخاري وأبو داود والنسائي والنحاس في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن الزبير قال : ما نزلت هذه الآية إلا في أخلاق الناس { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } وفي لفظ : أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس . (4/392)
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني في الأوسط وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عمر في قوله تعالى { خذ العفو } قال : أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من اخلاق الناس .
وأخرج ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق عن إبراهيم بن أدهم قال : لما أنزل الله { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أمرت أن آخذ العفو من أخلاق الناس » .
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الشعبي قال : « لما أنزل الله { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » ما هذا يا جبريل؟ قال : لا أدري حتى أسأل العالم . . . ! فذهب ثم رجع فقال : إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك ، وتعطي من حرمك ، وتصل من قطعك « » .
وأخرج ابن مردويه عن جابر قال : « لما نزلت هذه الآية { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } قال النبي صلى الله عليه وسلم » يا جبريل ما تأويل هذه الآية؟ قال : حتى أسأل . فصعد ثم نزل فقال : يا محمد إن الله يأمرك أن تصفح عمن ظلمك ، وتعطي من حرمك ، وتصل من قطعك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ألا ادلكم على أشرف أخلاق الدنيا والآخرة؟ قالوا : وما ذاك يا رسول الله؟ قال : تعفو عمن ظلمك ، وتعطي من حرمك ، وتصل من قطعك « » .
وأخرج ابن مردويه عن قيس بن سعد بن عبادة قال : لما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمزة بن عبد المطلب قال « والله لأمثلن بسبعين منهم . فجاءه جبريل بهذه الآية { خذ الغفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } فقال : يا جبريل ما هذا؟ قال : لا أدري . . . ! ثم عاد فقال : إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك ، وتصل من قطعك ، وتعطي من حرمك » .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة في قول الله { خذ العفو } قال : ما عفى لك من مكارم الأخلاق .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { خذ العفو } من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تجسيس { وأمر بالعرف } قال : بالمعروف .
وأخرج البخاري وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال : قدم عُيينة بن حصن بن بدر ، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس - وكان من النفر الذين يدنيهم عمر ، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولاً أكانوا أو شباباً - فقال عيينة لابن أخيه : يا ابن أخي هل لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه؟ قال : سأستأذن لك عليه . قال ابن عباس : فاستأذن الحر لعُيينة فأذن له عمر ، فلما دخل قال : هي يا ابن الخطاب ، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل ، فغضب عمر حتى همَّ أن يوقع به فقال له الحر : يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } وإن هذا من الجاهلين ، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه ، وكان وقافاً عند كتاب الله عز وجل . (4/393)
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب عن مالك بن أنس عن عبد الله بن نافع . أن سالم بن عبد الله مر على عير لأهل الشام وفيها جرس ، فقال : إن هذا ينهى عنه فقالوا : نحن أعلم بهذا منك إنما يكره الجلجل الكبير ، وأما مثل هذا فلا بأس به ، فبكى سالم وقال { وأعرض عن الجاهلين } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } قال : خلق أمر الله به نبيه ودله عليه .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ألا أدلك على خير أخلاق الأوّلين والآخرين؟ قال : قلت يا رسول الله نعم . قال : تعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك ، وتصل من قطعك » .
وأخرج البيهقي عن عقبة بن عامر قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم « ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة ، تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك » .
وأخرج البيهقي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « صل من قطعك ، واعف عمن ظلمك » .
وأخرج البيهقي عن عائشة عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « صل من قطعك ، واعف عمن ظلمك » .
وأخرج البيهقي عن عائشة . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « ألا أدلكم على كرائم الأخلاق للدنيا والآخرة؟ أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتجاوز عمن ظلمك » .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ألا أدلكم على مكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال : صل من قطعك ، واعط من حرمك ، واعف عمن ظلمك » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي من طريقه عن معمر عن أبي إسحق الهمداني عن ابن أبي حسين قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ألا أدلكم على خير أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك ، قال البيهقي : هذا مرسل حسن » . (4/394)
وأخرج ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « لن ينال عبد صريح الإِيمان حتى يصل من قطعه ، ويعفو عمن ظلمه ، ويغفر لمن شتمه ، ويحسن إلى من أساء إليه » .
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن مكارم الأخلاق عند الله أن تعفو عمن ظلمك ، وتصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } » .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال : رضي الله بالعفو وأمر به .
وأخرج أحمد والطبراني عن معاذ بن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « أفضل الفضائل أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتصفح عمن شتمك » .
وأخرج السلفي في الطيوريات عن نافع أن ابن عمر . كان إذا سافر أخرج معه سفيهاً يرد عنه سفاهة السفهاء .
وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب عن ابن شوذب قال : كنا عند مكحول ومعنا سليمان بن موسى ، فجاء رجل واستطال على سليمان وسليمان ساكت ، فجاء أخ لسليمان فرد عليه ، فقال مكحول : لقد ذل من لا سفيه له .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { خذ العفو } قال : خذ ما عفي لك من أموالهم ما أتوك به من شيء فخذه ، وكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { خذ العفو } قال : خذ الفضل أنفق الفضل { وأمر بالعرف } يقول بالمعروف .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأرزق قال له : أخبرني { خذ العفو } قال : خذ الفضل من أموالهم ، أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ لك . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت عبيد بن الأبرص وهو يقول :
يعفو عن الجهل والسوآت كما ... يدرك غيث الربيع ذو الطرد
وأخرج ابن جرير والنحاس في ناسخه عن السدي في قوله { خذ العفو } قال : الفضل من المال ، نسخته الزكاة .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال : نزلت هذه الآية { خذ العفو } فكان الرجل يمسك من ماله ما يكفيه ويتصدق بالفضل ، فنسخها الله بالزكاة { وأمر بالعرف } قال : بالمعروف { وأعرض عن الجاهلين } قال : نزلت هذه الآية قبل أن تفرض الصلاة والزكاة والقتال ، أمره الله بالكف ثم نسخها القتال ، وأنزل { أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } [ الحج : 39 ] الآية .
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)
أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : « لما نزلت { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } [ الأعراف : 199 ] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » كيف يا رب والغضب ، فنزل { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ . . . } الآية « » . (4/395)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ } قال : علم الله أن هذا العدو مبتغ ومريد .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم « أنه كان يقول : اللهم إني أعوذ بك من الشيطان من همزه ونفثه ونفخه . قال : همزه الموتة ، ونفثه الشعر : ونفخه الكبرياء » .
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (202) وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203)
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { إنَّ الذين اتقوا } قال : هم المؤمنون . (4/396)
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الغضب وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { إذا مسهم طيف من الشيطان } قال : الغضب .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الطيف : الغضب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك أنه قرأ { إذا مسهم طائف من الشيطان } بالألف { تذكروا } قال : هَم بفاحشة فلم يعملها .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا } يقول : إذا زلوا تابوا .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان من طريق وهب بن جرير عن أبيه قال : كنت جالساً عن الحسن إذ جاءه رجل فقال : يا أبا سعيد ما تقول في العبد يذنب الذنب ثم يتوب؟ قال : لم يزدد بتوبته من الله إلا دنواً . قال : ثم عاد في ذنبه ثم تاب؟ قال : لم يزدد بتوبته إلا شرفاً عند الله . قال : ثم قال لي : ألم تسمع ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : وما قال؟ قال « مثل المؤمن مثل السنبلة تميل أحياناً وتستقيم أحياناً - وفي ذلك تكبر - فإذا حصدها صاحبها حمد أمره كما حمد صاحب السنبلة بره ، ثم قرأ { إن الذين اتقوا إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } » .
وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب قال : إن الله لم يسم عبده المؤمن كافراً ، ثم قرأ { إن الذين اتقوا إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا } فقال : لم يسمه كافراً ولكن سماه متقياً .
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ { إذا مسهم طائف } بالألف .
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش عن إبراهيم ويحيى بن وثاب قرأ أحدهما طائف ، والآخر طيف .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه قرأ { إذا مسهم طائف } بالألف .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال : الطائف اللمة من الشيطان { تذكروا فإذا هم مبصرون } يقول : إذا هم منتهون عن المعصية ، آخذون بأمر الله ، عاصون للشيطان وإخوانهم . قال : إخوان الشياطين { يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون } قال : لا الإِنس عما يعملون السيئات ولا الشياطين تمسك عنهم { وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها } يقول : لولا أحدثتها لولا تلقيتها فأنشأتها .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس { وإخوانهم يمدونهم في الغي } قال : هم الجن يوحون إلى أوليائهم من الإِنس { ثم لا يقصرون } يقول : لا يسامون { وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها } يقول : هلا افتعلتها من تلقاء نفسك .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد { وإخوانهم من الشياطين يمدونهم في الغي } قال : استجهالاً وفي قوله { لولا اجتبيتها } قال : ابتدعتها . (4/397)
وأخرج الحكيم الترمذي عن عمر بن الخطاب قال : « أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أعرف الحزن في وجهه ، فأخذ بلحيتي فقال » إنا لله وإنا إليه راجعون ، أتاني جبريل آنفاً فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون . قلت : أجل ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، فما ذاك يا جبريل؟! فقال : إن أمتك مفتتنة بعدك بقليل من الدهر غير كثير ، قلت : فتنة كفر أو فتنة ضلالة؟ قال : كل ذلك سيكون . قلت : ومن أين ذاك وأنا تارك فيهم كتاب الله . . . ! قال : بكتاب الله يضلون ، وأول ذلك من قبل قرائهم وأمرائهم ، يمنع الأمراء الناس حقوقهم فلا يعطونها فيقتتلون ، وتتبع القراء أهواء الأمراء فيمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ، قلت : يا جبريل فيم يسلم من سلم منهم؟ قال : بالكف والصبر إن أعطوا الذي لهم أخذوه وإن منعوه تركوه « » .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة { قل إنما أتبع ما يوحى إليَّ من ربي } قال : هذا القرآن { هذا بصائر من ربكم } أي بينات فاعقلوه { وهدى ورحمة } لمن آمن به وعمل به ثم مات عليه .
وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن أبي هريرة في قوله { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } قال : نزلت في رفع الأصوات ، وهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة . (4/398)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } يعني في الصلاة المفروضة .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : صلّى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ خلفه قوم ، فنزلت { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ في الصلاة أجابه من وراءه ، إذا قال : بسم الله الرحمن قالوا مثل ما يقول حتى تنقضي فاتحة الكتاب والسورة ، فلبث ما شاء الله أن يلبث ثم نزلت { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا . . . } الآية . فقرأ وأنصتوا .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن مجاهد قال : قرأ رجل من الأنصار خلف النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة ، فأنزلت { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا . . . } الآية .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن مغفل أنه سئل أَكُلُّ من سمع القرآن يُقْرَأْ وجب عليه الاستماع والإِنصات؟ قال : لا . قال : إنما نزلت هذه الآية { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } في قراءة الإِمام ، إذا قرأ الإِمام فاستمع له وأنصت .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود . أنه صلى بأصحابه فسمع ناساً يقرأون خلفه ، فلما انصرف قال : أما آن لكم أن تفهموا ، أما آن لكم أن تعقلوا { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } كما أمركم الله .
وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني في الأوسط وابن مردويه عن أبي وائل عن ابن مسعود أنه قال في القراءة خلف الإِمام : انصت للقرآن كما أُمرت فإن في الصلاة شغلاً وسيكفيك ذاك الإِمام .
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال : من قرأ خلف الإِمام فقد أخطأ الفطرة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن ثابت قال : لا قراءة خلف الإِمام .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إنما جعل الإِمام ليؤتم به ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا قرأ فانصتوا » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من كان له إمام فقراءته له قراءة » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال : أول ما أحدثوا القراءة خلف الإِمام ، وكانوا لا يقرأون .
وأخرج ابن جرير عن الزهري قال : نزلت هذه الآية في فتى من الأنصار ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما قرأ شيئاً قرأه ، فنزلت { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } . (4/399)
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي العالية « أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى بأصحابه فقرأ قرأ أصحابه خلفه ، فنزلت هذه الآية { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } فسكت القوم وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم » .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عمر قال : كانت بنو إسرائيل إذا قرأت أئمتهم جاوبوهم ، فكره الله ذلك لهذه الأمة ، قال { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن إبراهيم قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ورجل يقرأ ، فنزلت { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن طلحة بن مصرف في قوله { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } قال : ليس هؤلاء بالأئمة الذين أمرنا بالإِنصات لهم .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه من طريق أبي هريرة قال : كانوا يتكلمون في الصلاة ، فنزلت { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود « أنه سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فلم يرد عليه - وكان الرجل قبل ذلك يتكلم في صلاته ويأمر بحاجته - فلما فرغ رد عليه ، وقال : إن الله يفعل ما يشاء وإنها نزلت { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } » .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال : كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة ، فجاء القرآن { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه عن عبد الله بن مغفل قال : كان الناس يتكلمون في الصلاة ، فأنزل الله هذه الآية { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } فنهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلام في الصلاة .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عطاء قال : بلغني أن المسلمين كانوا يتكلمون في الصلاة كما يتكلم اليهود والنصارى حتى نزلت { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة قال : كانوا يتكلمون في الصلاة أول ما أمروا بها ، كان الرجل يجيء وهم في الصلاة فيقول لصاحبه : كم صليتم؟ فيقول : كذا وكذا ، فأنزل الله هذه الآية { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } فأمروا بالاستماع والإِنصات ، علم أن الإِنصات هو أحرى أن يستمع العبد ويعيه ويحفظه ، علم أن لن يفقهوا حتى ينصتوا ، والإِنصات باللسان والاستماع بالأذنين .
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال : كانوا يتكلمون في الصلاة ، فأنزل الله { وإذا قرىء القرآن . . . } الآية . (4/400)
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له } قال : نزلت في صلاة الجمعة ، وفي صلاة العيدين ، وفيما جهر به من القراءة في الصلاة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : المؤمن في سعة من الاستماع إليه إلا في صلاة الجمعة ، وفي صلاة العيدين ، وفيما جهر به من القراءة في الصلاة .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } قال : نزلت في رفع الأصوات خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة ، وفي الخطبة لأنها صلاة ، وقال : من تكلم يوم الجمعة والإِمام يخطب فلا صلاة له .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في هذه الآية { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } قال : هذا في الصلاة ، والخطبة يوم الجمعة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال : وجب الإِنصات في اثنتين ، في الصلاة والإِمام يقرأ ، ويوم الجمعة والإِمام يخطب .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : ما أوجب الإِنصات يوم الجمعة؟ قال : قوله { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } قال : ذاك زعموا في الصلاة وفي الجمعة؟ قلت : والإِنصات يوم الجمعة كالإِنصات في القراءة سواء . قال : نعم .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن في قوله { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } قال : عند الصلاة المكتوبة ، وعند الذكر .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي قال : كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار ، فأنزل الله { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له . . . . . } الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له . . . } الآية . قال : في الصلاة ، وحين ينزل الوحي عن الله عز وجل .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد . أنه كره إذا مر الإِمام بآية خوف أو آية رحمة أن يقول أحد من خلفه شيئاً قال : السكوت .
وأخرج أبو الشيخ عن عثمان بن زائدة . أنه كان إذا قرىء عليه القرآن غطى وجهه بثوبه ، ويتأوّل من ذلك قول الله { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } فيكره أن يشغل بصره وشيئاً من جوارحه بغير استماع .
وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإِيمان بسند حسن عن أبي هريرة . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة ، ومن تلاها كانت له نوراً يوم القيامة » .
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205)
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : أمره الله أن يذكره ونهاه عن الغفلة ، أما بالغدوّ : فصلاة الصبح ، والآصال : بالعشي . (4/401)
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر قال : الآصال : ما بين الظهر والعصر .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } [ الأعراف : 204 ] قال : هذا إذا أقام الإِمام الصلاة فاستمعوا له وأنصتوا { واذكر ربك } أيها المنصت { في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول } قال : لا تجهر بذاك { بالغدوّ والآصال } بالبكر والعشي { ولا تكن من الغافلين } .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عبيد بن عمير في قوله { واذكر ربك في نفسك } قال : يقول الله « إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي ، وإذا ذكرني عبدي وحْده ذكرته وحدي ، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ أحسن منهم وأكرم » .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد { بالغدوّ } قال : آخر الفجر صلاة الصبح { والآصال } آخر العشي صلاة العصر ، وكل ذلك لها وقت أول الفجر وآخره ، وذلك مثل قوله في سورة آل عمران { بالعشي والإِبكار } [ آل عمران : 41 ] ميل الشمس إلى أن تغيب ، والإِبكار أول الفجر .
وأخرج عبد بن حميد عن معرف بن واصل قال : سمعت أبا وائل يقول لغلامه عند مغيب الشمس : آصلنا .
وأخرج البزار والطبراني عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { ولا تكن من الغافلين } قال : ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل عن الفارين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن بكير بن الأخنس قال : ما أتى يوم الجمعة على أحد وهو لا يعلم أنه يوم الجمعة إلا كتب من الغافلين .
وأخرج الطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن عمرو « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الغفلة في ثلاث . عن ذكر الله ، ومن حين يصلي الصبح إلى طلوع الشمس ، وأن يغفل الرجل عن نفسه في الدين حتى يركبه » .
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)
أخرج ابن أبي شيبة من طريق أبي العريان المجاشعي عن ابن عباس . أنه ذكر سجود القرآن فقال : الأعراف والرعد والنحل وبنو إسرائيل ومريم والحج سجدة واحدة ، والنمل والفرقان والم تنزيل وحم تنزيل وص ، وليس في المفصل سجود . (4/402)
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء قال : عد علي بن العباس عشر سجدات في القرآن . الأعراف ، والرعد ، والنحل ، وبني إسرائيل ، ومريم ، والحج الأولى منها ، والفرقان ، والنمل ، وتنزيل السجدة ، وحم السجدة .
وأخرج ابن ماجة والبيهقي في سننه عن أبي الدرداء قال « سجدت مع النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة ليس فيها من المفصل شيء . الأعراف ، والرعد ، والنحل ، وبني إسرائيل ، ومريم ، والحج سجدة ، والفرقان ، وسليمان سورة النمل ، والسجدة ، وص وسجدة الحواميم » .
وأخرج أبو داود وابن ماجة والدارقطني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عمرو بن العاص « أن النبي صلى الله عليه وسلم أَقْرَأَهُ خَمْسَ عشرة سجدة في القرآن ، منها ثلاث من المفصل وفي سورة الحج سجدتين » .
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والبيهقي عن ابن عمرو قال « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن ، فيقرأ السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه حتى لا يجد أحدنا مكاناً لوضع جبهته » .
وأخرج مسلم وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول : يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة ، وأُمِرْتُ بالسجود فأبيتُ فليَ النار » .
وأخرج البيهقي عن ابن سيرين قال : سئلت عائشة عن سجود القرآن؟ فقالت : حق لله يؤديه أو تطوّع تطوّعه ، وما من مسلم سجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة ، أو حط عنه بها خطيئة ، أو جمعهما له كلتيهما .
وأخرج البيهقي عن مسلم بن يسار قال : إذا قرأ الرجل السجدة فلا يسجد حتى يأتي على الآية كلها ، فإذا أتى عليه رفع يديه وكبر وسجد .
وأخرج أبو داود والبيهقي عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن ، فإذا مر بالسجدة كبَّر ، وسجد وسجدنا معه .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي والدارقطني والبيهقي عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجود القرآن بالليل يقول في السجدة مراراً « سَجَدَ وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته ، فتبارك الله أحسن الخالقين » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن قيس بن السكن قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره »
قال : وبلغني أن داود عليه السلام كان يقول : سجد وجهي متعفراً في التراب لخالقي وحق له ، ثم قال : سبحان الله ما أشبه كلام الأنبياء بعضهم ببعض . (4/403)
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول في سجوده : اللهم لك سجد سوادي وبك آمن فؤادي ، اللهم ارزقني علماً ينفعني وعلماً يرفعني .
وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة أنه كان يقول إذا قرأ السجدة : سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً ، سبحان الله وبحمده ثلاثاً .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال : لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال : كانوا يكرهون إذا أتوا على السجدة أن يجاوزوها حتى يسجدوا .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يدع قراءة آخر سورة الأعراف في كل جمعة على المنبر » .
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال : « لما كان يوم بدر قتل أخي عمير ، وقتلت سعيد بن العاصي وأخذت سيفه وكان يسمى ذا الكتيعة ، فأتيت به النبي فقال » اذهب فاطرحه في القبض . فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي ، فما جاوزت إلا يسيراً حتى نزلت سورة الأنفال . فقال لي رسول الله : اذهب فخذ سيفك « » . (4/404)
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في سننه « عن سعد قال : قلت : يا رسول الله قد شفاني الله اليوم من المشركين فهل لي هذا السيف؟ قال : إن هذا السيف لا لك ولا لي ضعه . فوضعته ثم رجعت قلت : عسى يعطى هذا السيف اليوم من لا يبلى بلائي ، إذا رجل يدعوني من ورائي قلت : قد أنزل الله في شيء؟ قال : كنت سألتني هذا السيف وليس هو لي وإني قد وهب لي فهو لك » ، وأنزل الله هذه الآية { يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول } .
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال : نزلت في أربع آيات . بر الوالدين ، والنفل ، والثلث ، وتحريم الخمر .
وأخرج الطيالسي والبخاري في الأدب المفرد ومسلم والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن سعد بن أبي وقاص قال : « نزلت في أربع آيات من كتاب الله ، كانت أمي حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتى أفارق محمداً صلى الله عليه وسلم : فأنزل الله { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً } [ لقمان : 15 ] ، والثانية أني كنت أخذت سيفاً أعجبني فقلت : يا رسول الله هب لي هذا ، فنزلت { يسئلونك عن الأنفال } ، والثالثة إني مرضت فأتاني رسول الله فقلت : يا رسول الله إني أريد أن أقسم مالي أفأوصي بالنصف؟ قال : » لا . فقلت : الثلث . . . ؟ فسكت فكان الثلث بعده جائزاً ، والرابعة اني شربت الخمر مع قوم من الأنصار فضرب رجل منهم أنفي بلحيي جمل ، فأتيت النبي ، فأنزل الله تحريم الخمر « » .
وأخرج عبد بن حميد والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعد قال : « أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة فإذا فيها سيف ، فأخذته فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : نفلني هذا السيف فأنا من علمت . فقال » رده من حيث أخذته فرجعت به حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لأمتني نفسي ، فرجعت إليه فقلت : اعطنيه . فشدَّ لي صوته وقال : رده من حيث أخذته . فأنزل الله { يسئلونك عن الأنفال } « » .
وأخرج ابن مردويه عن سعد قال : نفلني النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر سيفا ، ونزل في النفل . (4/405)
وأخرج الطيالسي وأبو نعيم في المعرفة من طريق مصعب بن سعد عن سعد قال : أصبت سيفاً يوم بدر ، فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله نفلنيه ، فقال « ضعه من حيث أخذته ، فنزلت { يسئلونك عن الأنفال } وهي قراءة عبد الله هكذا الأنفال » .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم والبيهقي في سننه عن أبي أمامة قال : سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال؟ فقال : فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل فساءت فيه أخلاقنا ، فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن براءة ، يقول : عن سواء .
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي وابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال « خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدراً ، فالتقى الناس فهزم الله العدوّ ، فانطلقت طائفة في آثارهم منهزمون يقتلون ، واكبت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه ، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدوّ منه غرة ، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض قال الذين جمعوا الغنائم : نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب . وقال الذين خرجوا في طلب العدوّ : لستم بأحق بها منا ، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم . وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم : لستم بأحق بها منا نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وخفنا أن يصيب العدوّ منه غرة واشتغلنا به ، فنزلت { يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أغار في أرض العدوّ ونفل الربع ، وإذا أقبل راجعاً وكل الناس نفل الثلث ، وكان يكره الأنفال ويقول : ليرد قويُّ المسلمين على ضعيفهم » .
وأخرج إسحق بن راهويه في مسنده وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري قال « بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فنصرها الله وفتح عليها ، فكان من أتاه بشيء نفله من الخمس ، فرجع رجال كانوا يستقدمون ويقتلون ويأسرون ويقتلون وتركوا الغنائم خلفهم فلم ينالوا من الغنائم شيئاً . فقالوا : يا رسول الله ما بال رجال منا يستقدمون ويأسرون ، وتخلف رجال لم يصلوا بالقتال فنفلتهم من الغنيمة؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل { يسئلونك عن الأنفال } الآية . فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ردوا ما أخذتم واقتسموه بالعدل والسوية فإن الله يأمركم بذلك . قالوا : قد احتسبنا وأكلنا؟ قال : احتسبوا ذلك » .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده « أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم يوم بدر فنزلت { يسئلونك عن الأنفال } » . (4/406)
وأخرج ابن مردويه عن أبيه عن جده قال : لم ينفل النبي صلى الله عليه وسلم بعد إذ أنزلت عليه { يسئلونك عن الأنفال } إلا من الخمس ، فإنه نفل يوم خيبر من الخمس .
وأخرج ابن مردويه عن حبيب بن مسلمة الفهري قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفل الثلث بعد الخمس .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم « من قتل قتيلاً فله كذا وكذا ، ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا . فأما المشيخة فثبتوا تحت الرايات ، وأما الشبان فتسارعوا إلى القتل والغنائم ، فقالت المشيخة للشبان : أشركونا معكم فإنا كنا لكم ردأً ولو كان منكم شيء لَلَجَأْتم إلينا ، فاختصموا إلى النبي ، فنزلت { يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول } فقسم الغنائم بينهم بالسوية » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس قال : « لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » من قتل قتيلاً فله كذا ، ومن جاء بأسير فله كذا . فجاء أبو اليسر بن عمرو الأنصاري بأسيرين ، فقال : يا رسول الله إنك قد وعدتنا . فقام سعد بن عبادة فقال : يا رسول الله إنك إن أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء ، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة في الأجر ولا جبن عن العدو ، وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك أن يأتوك من ورائك ، فتشاجروا فنزل القرآن { يسئلونك عن الأنفال } وكان أصحاب عبد الله يقرأونها { يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فيما تشاجرتم به } فسلموا الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونزل القرآن { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه } [ الأنفال : 41 ] إلى آخر الآية « » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية ، فمكث ضعفاء الناس في العسكر ، فأصاب أهل السرية غنائم ، فقسمها رسول الله بينهم كلهم ، فقال أهل السرية : يقاسمنا هؤلاء الضعفاء وكانوا في العسكر لم يشخصوا معنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » وهل تنصرون إلا بضعفائكم؟ « فأنزل الله { يسئلونك عن الأنفال } » .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة « أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انصرف من بدر وقدم المدينة ، أنزل الله عليه سورة الأنفال ، فعاتبه في إحلال غنيمة بدر ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمها بين أصحابه لما كان بهم من الحاجة إليها واختلافهم في النفل ، يقول الله { يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين } فردها الله على رسوله فقسمها بينهم على السواء ، فكان في ذلك تقوى الله وطاعته ، وطاعة رسوله وصلاح ذات البين » . (4/407)
وأخرج ابن جرير عن مجاهد « إنهم سألوا النبي عن الخمس بعد الأربعة الأخماس؟ فنزلت { يسئلونك عن الأنفال } » .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة { يسئلونك عن الأنفال } قال : كان هذا يوم بدر .
وأخرج النحاس في ناسخه عن سعيد بن جبير . « ان سعداً ورجلاً من الأنصار خرجاً يتنفلان ، فوجدا سيفاً ملقى فخرّا عليه جميعاً ، فقال سعد : هو لي . وقال الأنصاري : هو لي . قال : لا أسلمه حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتياه فقصا عليه القصة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » ليس لك يا سعد ولا للأنصاري ولكنه لي ، فنزلت { يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله } يقول : سلما السيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم نسخت هذه الآية فقال { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } [ الأنفال : 41 ] « » .
وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنحاس في ناسخه عن ابن عمر « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية قبل نجد ، فغنموا ابلاً كثيراً فصارت سهمانهم اثني عشر بعيراً ونفلوا بعيراً بعيراً » .
وأخرج ابن عساكر من طريق مكحول عن الحجاج بن سهيل النصري وقيل إن له صحبة قال : لما كان يوم بدر قاتلت طائفة من المسلمين وثبتت طائفة عند رسول الله ، فجاءت الطائفة التي قاتلت بالاسلاب وأشياء أصابوها ، فقسمت الغنيمة بينهم ولم يقسم للطائفة التي لم تقاتل . فقالت الطائفة التي لم تقاتل : اقسموا لنا . فأبت وكان بينهم في ذلك كلام ، فأنزل الله { يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } فكان صلاح ذات بينهم إن ردوا الذي كانوا أعطوا ما كانوا أخذوا .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول } قال « الأنفال : المغانم ، كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة ليس لأحد منها شيء ، ما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به ، فمن حبس منه إبرة أو سلكاً فهو غلول .
فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم منها شيئاً . فأنزل الله { يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال } لي جعلتها لرسولي ليس لكم منه شيء { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } إلى قوله { إن كنتم مؤمنين } ثم أنزل الله { واعلموا أنما غنمتم من شيء } [ الأنفال : 41 ] الآية . ثم قسم ذلك الخمس لرسول الله ، ولذي القربى ، واليتامى ، والمساكين ، والمهاجرين في سبيل الله ، وجعل أربعة أخماس الناس فيه سواء . للفرس سهمان ، ولصاحبه سهم ، وللراجل سهم « . (4/408)
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { يسئلونك عن الأنفال } قال : هي الغنائم ، ثم نسخها { واعلموا أنما غنمتم من شيء } [ الأنفال : 41 ] الآية .
وأخرج مالك وابن أبي شيبة وأبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير والنحاس وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن القاسم بن محمد قال : سمعت رجلاً يسأل ابن عباس عن الأنفال؟ فقال : الفرس من النفل ، والسلب من النفل ، فأعاد المسئلة فقال ابن عباس : ذلك أيضاً ، ثم قال الرجل : الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي؟ فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه ، فقال ابن عباس : هذا مثل صبيغ الذي ضربه عمر . وفي لفظ : فقال : ما أحوجك إلى من يضربك كما فعل عمر بصبيغ العراقي ، وكان عمر ضربه حتى سالت الدماء على عقبيه .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال : الأنفال : المغانم ، أمروا أن يصلحوا ذات بينهم فيها ، فيرد القوي على الضعيف .
وأخرج عبد بن حميد والنحاس وابن المنذر وابن جرير وأبو الشيخ عن عطاء في قوله { يسئلونك عن الأنفال } هو ما شذ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال ، من عبد أو دابة أو متاع فذلك للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع به ما شاء .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن محمد بن عمرو قال : أرسلنا إلى سعيد بن المسيب نسأله عن الأنفال؟ فقال : تسألوني عن الأنفال وإنه لا نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن المسيب » أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ينفل إلا من الخمس « .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن المسيب قال : ما كانوا ينفلون إلا الخمس .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن المسيب قال : لا نفل في غنائم المسلمين إلا في خمس الخمس .
وأخرج عبد الرزاق عن أنس . أن أميراً من الأمراء أراد أن ينفله قبل أن يخمسه ، فأبى أنس أن يقبله حتى يخمسه .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : هي في قراءة ابن مسعود » يسئلونك الأنفال « .
وأخرج ابن مردويه من طريق شقيق عن ابن مسعود أنه قرأ { يسئلونك عن الأنفال } . (4/409)
وأخرج أبو الشيخ عن السدي { يسئلونك عن الأنفال } قال : الفيء ، ما أصيب من أموال المشركين مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فهو للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله { يسئلونك عن الأنفال } قال : ما أصابت السرايا .
وأخرج ابن أبي شيبة والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ عن مجاهد وعكرمة قالا : كانت الأنفال لله والرسول حتى نسخها آية الخمس { واعلموا أنما غنمتم من شيء } [ الأنفال : 41 ] الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الأعمش قال : كان أصحاب عبد الله يقرؤنها « يسئلونك الأنفال » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب المفرد وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } قال : هذا تحريج من الله على المؤمنين أن يتقوا الله ، وأن يصلحوا ذات بينهم حيث اختلفوا في الأنفال .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { وأصلحوا ذات بينكم } قال : لا تستبوا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول قال : كان صلاح ذات بينهم إن ردت الغنائم ، فقسمت بين من ثبت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين من قاتل وغنم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله { وأطيعوا الله ورسوله } قال : طاعة الرسول اتباع الكتاب والسنة .
وأخرج أبو يعلى وأبو الشيخ والحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن أنس قال « بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه ، فقال عمر : ما أضحكك يا رسول الله؟ قال : رجلان جثيا من أمتي بين يدي رب العزة فقال أحدهما : يا رب خذ لي مظلمتي من أخي . قال الله : أعط أخاك مظلمته . قال : يا رب لم يبق من حسناتي شيء . قال : يا رب يحمل عني من أوزاري . وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء ، ثم قال : إن ذلك ليوم عظيم ، يوم يحتاج الناس إلى أن يتحمل عنهم من أوزارهم . فقال الله للطالب : ارفع بصرك فانظر في الجنان ، فرفع رأسه فقال : يا رب أرى مدائن من فضة وقصوراً من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا لأي صديق هذا لأي شهيد هذا؟! قال : هذا لمن أعطى الثمن ، قال : يا رب من يملك ثمنه؟ قال : أنت . قال : بماذا؟ قال : بعفوك عن أخيك . قال : يا رب قد عفوت عنه . قال : خذ بيد أخيك فأدخله الجنة ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اتقوا الله وأصلحوا ذاتْ بينكم ، فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أم هانىء أخت علي بن أبي طالب قالت : قال النبي صلى الله عليه وسلم « أخبرك أن الله تبارك وتعالى وتقدس يجمع الأوّلين والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد ، فمن يدري أي الطرفين؟ فقالت : الله ورسوله أعلم . . . ! ثم ينادي مناد من تحت العرش يا أهل التوحيد . فيشرئبون ، ثم ينادي : يا أهل التوحيد . ثم ينادي الثالثة إن الله قد عفا عنكم ، فيقوم الناس قد تعلق بعضهم ببعض في ظلامات الدنيا ، ثم ينادي : يا أهل التوحيد يعفو بعضكم عن بعض وعلى الله الثواب » . (4/410)
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا كان يوم القيامة نادى مناد : يا أهل التوحيد إن الله قد عفا عنكم ، فليعف بعضكم عن بعض وعلي الثواب » .
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } قال : فرقت قلوبهم . (4/411)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } قال : المنافقون لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه ، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله ، ولا يتوكلون على الله ، ولا يصلون إذا غابوا ، ولا يؤدون زكاة أموالهم ، فاخبر الله أنهم ليسوا بمؤمنين ، ثم وصف المؤمنين فقال { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } فأدوا فرائضه .
وأخرج الحكيم الترمذي وابن جرير وأبو الشيخ من طريق شهر بن حوشب عن أبي الدرداء قال : إنما الوجل في القلب كاحتراق السعفة يا شهر أما تجد قشعريرة؟ قلت : بلى . قال : فادع عندها فإن الدعاء يستجاب عند ذلك .
وأخرج الحكيم الترمذي عن عائشة قالت : ما الوجل في قلب المؤمن إلا كضرمة السعفة ، فإذا وجد أحدكم فليدع عند ذلك .
وأخرج الحكيم الترمذي عن ثابت البناني قال : قال فلان : إني لأعلم متى يستجاب لي . قالوا : ومن أين يعلم ذاك؟ قال : إذا اقشعر جلدي ، ووجل قلبي ، وفاضت عيناي ، فذاك حين يستجاب لي .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان عن السدي في قوله { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } قال : هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية ، فيقال له : اتق الله . فيجل قلبه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { زادتهم إيماناً } قال : تصديقاً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس في قوله { زادتهم إيماناً } قال : زادتهم خشية .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { زادتهم إيماناً } قال : الإِيمان يزيد وينقص ، وهو قول وعمل .
وأخرج أبو الشيخ عن سفيان بن عيينة قال : نطق القرآن بزيادة الإِيمان ونقصانه قوله { زادتهم إيماناً } فهذه زيادة الأيمان ، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه .
وأخرج الحكيم الترمذي عن عمر بن الخطاب قال : لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح إيمان أبي بكر .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وعلى ربهم يتوكلون } يقول : لا يرجون غيره .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن سعيد بن جبير قال : التوكل على الله جماع الإِيمان .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال : التوكل جماع الإِيمان .
وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن سعيد بن جبير قال : التوكل على الله نصف الإِيمان .
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)
أخرج أبو الشيخ عن حسان بن عطية قال : إن الايمان في كتاب الله صار إلى العمل فقال { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون } ثم صيرهم إلى العمل فقال { الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقاً } . (4/412)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أولئك هم المؤمنون حقاً } قال : برئوا من الكفر .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس { أولئك هم المؤمنون حقاً } قال : خالصاً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { أولئك هم المؤمنون حقاً } قال : استحقوا الايمان بحق فاحقه الله لهم .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق يحيى بن الضريس عن أبي سنان قال : سئل عمرو بن مرة عن قوله { أولئك هم المؤمنون حقاً } قال : انما نزل القرآن بلسان العرب كقولك : فلان سيد حقاً وفي القوم سادة ، وفلان شاعر حقاً وفي القوم شعراء .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي روق في قوله { أولئك هم المؤمنون حقاً } قال : كان قوم يسرون الكفر ويظهرون الإِيمان ، وقوم يسرون الايمان ويظهرونه ، فأراد الله أن يميز بين هؤلاء وهؤلاء فقال { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } حتى انتهى إلى قوله { أولئك هم المؤمنون حقاً } الذين يسرون الايمان ويظهرونه لا هؤلاء الذين يسرون الكفر ويظهرون الايمان .
وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن مرة في قوله { أولئك هم المؤمنون حقاً } قال : فضل بعضهم على بعض وكلٌ مؤمنون .
وأخرج الطبراني « عن الحارث بن مالك الأنصاري . انه مر برسول الله فقال له » كيف أصبحت يا حارث؟ قال : أصبحت مؤمناً حقاً . قال : انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة ، فما حقيقة إيمانك؟ فقال : عزفت نفسي عن الدنيا فاسهرت ليلي ، واظمأت نهاري ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها . قال : يا حارث عرفت فالزم ثلاثاً « » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { لهم درجات } يعني فضائل ورحمة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { لهم درجات عند ربهم } قال : أعمال رفيعة .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { لهم درجات } قال : أهل الجنة بعضهم فوق بعض ، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه ، ولا يرى الذي هو أسفل أنه فضل عليه أحد .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله ومغفرة قال : بترك الذنوب { ورزق كريم } قال الأعمال الصالحة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال : إذا سمعت الله يقول { ورزق كريم } فهي الجنة .
كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي أيوب الأنصاري قال : « قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة وبلغه أن عير أبي سفيان قد أقبلت فقال » ما ترون فيها لعل الله يغنمناها ويسلمنا ، فخرجنا فلما سرنا يوماً أو يومين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتعادّ ففعلنا ، فإذا نحن ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، فأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بعدّتنا ، فسر بذلك وحمد الله وقال : عدة أصحاب طالوت . فقال : ما ترون في القوم فانهم قد أخبروا بمخرجكم؟ فقلنا : يا رسول الله لا والله ما لنا طاقة بقتال القوم إنما خرجنا للعير ، ثم قال : ما ترون في قتال القوم؟ فقلنا مثل ذلك ، فقال المقداد : لا تقولوا كما قال أصحاب موسى لموسى { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } [ المائدة : 24 ] فأنزل الله { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون } إلى قوله { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم } فلما وعدنا الله إحدى الطائفتين - اما القوم واما العير - طابت أنفسنا ، ثم إنا اجتمعنا مع القوم فصففنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم إني أنشدك وعدك . فقال ابن رواحة : يا رسول الله إني أريد أن أشير عليك - ورسول الله أفضل من أن نشير عليه - إن الله أجل وأعظم من أن تَنْشُدَهُ وعده . فقال : يا ابن رواحة لأنْشُدَنَّ اللهَ وعده فإن الله لا يخلف الميعاد ، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه القوم فانهزموا ، فأنزل الله { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } [ الأنفال : 17 ] فقلنا وأسرنا . فقال عمر : يا رسول الله ما أرى أن تكون لك اسرى ، فانما نحن داعون مؤلفون؟ فقلنا معشر الأنصار : انما يحمل عمر على ما قال حسد لنا . فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ ، ثم قال : ادعو إلي عمر فدعي له ، فقال له : إن الله قد أنزل عليَّ { ما كان لنبي أن تكون له أسرى } [ الأنفال : 56 ] الآية « » . (4/413)
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن مردويه عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي عن أبيه عن جده قال « خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر ، حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال : كيف ترون؟ فقال أبو بكر : يا رسول الله بلغنا انهم كذا وكذا ، ثم خطب الناس فقال : كيف ترون؟ فقال عمر مثل قول أبي بكر ، ثم خطب الناس فقال : كيف ترون؟ فقال سعد بن معاذ : يا رسول الله ايانا تريد .
. . ؟ فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط ولا لي بها علم ولئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن لَنَسيرَنَّ معك ، ولا نكونَنَّ كالذين قالوا لموسى { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } [ المائدة : 24 ] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكم متبعون ، ولعلك أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله إليك غيره ، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض له ، فصل حبال من شئت ، واقطع حبال من شئت ، وعاد من شئت ، وسالم من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت . فنزل القرآن على قول سعد { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق } إلى قوله { ويقطع دابر الكافرين } وإنما رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غنيمة مع أبي سفيان فأحدث الله إليه القتال « . (4/414)
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق } قال : كذلك أخرجك ربك إلى قوله { يجادلونك في الحق } قال : القتال .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق } قال : خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر { وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون } قال : لطلب المشركين { يجادلونك في الحق بعدما تبين } انك لا تصنع إلا ما أمرك الله به { كأنما يساقون إلى الموت } حين قيل هم المشركون .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : لما شاور النبي صلى الله عليه وسلم في لقاء العدوّ ، وقال له سعد بن عبادة ما قال وذلك يوم بدر ، أمر الناس فتعبوا للقتال وأمرهم بالشوكة ، فكره ذلك أهل الايمان ، فأنزل الله { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق } إلى قوله { وهم ينظرون } أي كراهية لقاء المشركين .
وأخرج البزار وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن عبد الرحمن بن عوف قال : نزل الإِسلام بالكره والشدّة فوجدنا خير الخير في الكره ، خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فأسكننا سبخة بين ظهراني حرة فجعل الله لنا في ذلك العلا والظفر ، وخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر على الحال التي ذكر الله { وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون } إلى قوله { وهم ينظرون } فجعل الله لنا في ذلك العلا والظفر فوجدنا خير الخير في الكره .
وأخرج ابن جرير عن الزبيري قال : كان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر { كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون } خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العير .
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)
أخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب وموسى بن عقبة قالا « مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قتل ابن الحضرمي شهرين ، ثم أقبل أبو سفيان بن حرب في عير لقريش من الشام ومعها سبعون راكباً من بطون قريش كلها وفيهم مخرمة بن نوفل ، وعمرو بن العاص ، وكانوا تجاراً بالشام ومعهم خزائن أهل مكة ، ويقال : كانت عيرهم ألف بعير ولم يكن لأحد من قريش أوقية فما فوقها إلا بعث بها مع أبي سفيان إلا حويطب بن عبد العزى ، فلذلك كان تخلف عن بدر فلم يشهده ، فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقد كانت الحرب بينهم قبل ذاك ، وقتل ابن الحضرمي وأسر الرجلين عثمان والحكم ، فلما ذكر عير أبي سفيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عدي بن أبي الزغباء الأنصاري من بني غنم وأصله من جهينة وبسبس - يعني ابن عمرو - إلى العير عينا له ، فسارا حتى أتيا حياً من جهينة قريباً من ساحل البحر ، فسألوهم عن العير وعن تجار قريش ، فأخبروهما بخبر القوم ، فرجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فاستنفر المسلمين للعير وذلك في رمضان . (4/415)
وقدم أبو سفيان على الجهنيين وهو متخوّف من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فقال : أحسوا من محمد فأخبروه خبر الراكبين عدي بن أبي الزغباء وبسبب ، وأشاروا له إلى مناخهما فقال أبو سفيان : خذوا من بعر بعيرهما ففته فوجد فيه النوى ، فقال : هذه علائف أهل يثرب وهذه عيون محمد وأصحابه ، فساروا سراعاً خائفين للطلب ، وبعث أبو سفيان رجلاً من بني غفار يقال له ضمضم بن عمرو إلى قريش أن انفروا فاحموا عيركم من محمد وأصحابه فإنه قد استنفر أصحابه ليعرضوا لنا ، وكانت عاتكة بنت عبد المطلب ساكنة بمكة وهي عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت مع أخيها العباس بن عبد المطلب ، فرأت رؤيا قبل بدر وقبل قدوم ضمضم عليهم ففزعت منها ، فأرسلت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب من ليلتها ، فجاءها العباس فقالت : رأيت الليلة رؤيا قد أشفقت منها وخشيت على قومك منها الهلكة . قال : وماذا رأيت؟ قالت : لن أحدثك حتى تعاهدني أنك لا تذكرها ، فإنهم إن سمعوها آذونا وأسمعونا ما لا نحب ، فلما عاهدها العباس فقالت : رأيت راكباً أقبل من أعلى مكة على راحلته يصيح بأعلى صوته : يا آل غدر اخرجوا في ليلتين أو ثلاث ، فأقبل يصيح حتى دخل المسجد على راحلته ، فصاح ثلاث صيحات ومال عليه الرجال والنساء والصبيان ، وفزع له الناس أشد الفزع قال : ثم أراه مثل على ظهر الكعبة على راحلته ، فصاح ثلاث صيحات فقال : يا آل غدر ويا آل فجر اخرجوا في ليلتين أو ثلاث ، ثم أراه مثل على ظهر أبي قبيس كذلك يقول : يا آل غدر ويا آل فجر حتى أسمع من بين الأخشبين من أهل مكة ، ثم عمد إلى صخرة فنزعها من أصلها ، ثم أرسلها على أهل مكة فأقبلت الصخرة لها حس شديد حتى إذا كانت عند أصل الجبل ارفضت ، فلا أعلم بمكة داراً ولا بيتاً إلا وقد دخلتها فلقة من تلك الصخرة ، فقد خشيت على قومك .
ففزع العباس من رؤياها ، ثم خرج من عندها فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة من آخر تلك الليلة - وكان الوليد خليلاً للعباس - فقص عليه رؤيا عاتكة وأمره أن لا يذكرها لأحد ، فذكرها الوليد لأبيه عتبة ، وذكرها عتبة لأخيه شيبة ، فارتفع الحديث حتى بلغ أبا جهل بن هشام واستفاض في أهل مكة ، فلما أصبحوا غدا العباس يطوف بالبيت ، فوجد في المسجد أبا جهل ، وعتبة ، وشيبة بن ربيعة ، وأمية ، وأبي ابني خلف ، وزمعة بن الأسود ، وأبا البختري ، في نفر من قريش يتحدثون ، فلما نظروا إلى العباس ناداه أبو جهل : يا أبا الفضل إذا قضيت طوافك فهلم إلينا ، فلما قضى طوافه جاء فجلس إليهم فقال له أبو جهل : ما رؤيا رأتها عاتكة؟! فقال : ما رأت من شيء . فقال أبو جهل : أما رضيتم يا بني هاشم كذب الرجال حتى جئتمونا بكذب النساء ، انا وإياكم كفرسي رهان فاستبقنا المجد منذ حين ، فلما تحاكت الركب قلتم منا نبي فما بقي إلا أن تقولوا منا نبية ، فما أعلم في قريش أهل بيت أكذب امرأة ولا رجل منكم ، وأذاه أشد الأذى وقال أبو جهل : زعمت عاتكة أن الراكب قال : اخرجوا في ليلتين أو ثلاث ، فلو قد مضت هذه الثلاث تبينت قريش كذبكم وكتبت سجلاً إنكم أكذب أهل بيت في العرب رجلاً وامرأة ، أما رضيتم يا بني قصي إن ذهبتم بالحجابة والندوة والسقاية واللواء والوفادة حتى جئتمونا بنبي منكم؟ فقال العباس : هل أنت مُنْتَه ٍفإن الكذب منك ومن أهل بيتك؟ فقال من حضرهما : ما كنت يا أبا الفضل جهولاً خرقاً . ولقي العباس من عاتكة فيما أفشى عليها من رؤياها أذى شديداً .
فلما كان مساء الليلة التي رأت عاتكة فيها الرؤيا ، جاءهم الراكب الذي بعث أبو سفيان ، وهو ضمضم بن عمرو الغفاري فصاح وقال : يا آل غالب بن فهر انفروا فقد خرج محمد وأهل يثرب يعترضون لأبي سفيان فاحرزوا عيركم ، ففزعت قريش أشد الفزع وأشفقوا من رؤيا عاتكة ، وقال العباس : هذا زعمتم كذا وكذب عاتكة فنفروا على كل صعب وذلول ، وقال أبو جهل : أيظن محمد أن يصيب مثل ما أصاب بنخلة ، سيعلم أنمنع عيرنا أم لا . فخرجوا بخمسين وتسعمائة مقاتل ، وساقوا مائة فرس ، ولم يتركوا كارهاً للخروج يظنون أنه في قهر محمد وأصحابه ، ولا مسلماً يعلمون اسلامه ، ولا أحداً من بني هاشم إلا من لا يتهمون إلا أشخصوه معهم ، فكان ممن أشخصوا العباس بن عبد المطلب ، ونوفل بن الحارث ، وطالب بن أبي طالب ، وعقيل بن أبي طالب في آخرين ، فهنالك يقول طالب بن أبي طالب : » إما يخرجن طالب بمقنب من هذه المقانب في نفر مقاتل يحارب وليكن المسلوب غير السالب والراجع المغلوب غير الغالب فساروا حتى نزلوا الجحفة نزلوها عشاء يتزودون من الماء ومنهم رجل من بني عبد المطلب بن عبد مناف يقال له جهيم بن الصلت بن مخرمة فوضع حهيم رأسه فأغفى ثم فزع فقال لأصحابه : هل رأيتم الفارس الذي وقف علي آنفا ؟ فقالوا : لا إنك مجنون
فقال : قد وقف علي فارس آنفا ! فقال : قتل أبو جهل وعتبة وشيبة وزمعة وأبو البختري وأمية بن خلف فعد أشرافا من كفار قريش
فقال له أصحابه : إنما لعب بك الشيطان ورفع حديث جهيم إلى أبي جهل فقال : قد جئتم بكذب بني المطلب مع كذب بني هاشم سيرون غدا من يقتل
ثم ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم عير قريش جاءت من الشام وفيها أبو سفيان بن حري ومخرمة بن نوفل وعمرو بن العاصي وجماعة من قريش فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلك حين خرج إلى بدر على نقب بني دينار ورجع حين رجع من ثنية الوداع فنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نفر ومعه ثلثمائة وسبعة عشر رجلا وفي رواية ابن فليح : ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا وأبطأ عنه كثير من أصحابه وتربصوا وكانت أول وقعة أعز الله فيها الإسلام فخرج في رمضان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدمه المدينة ومعه المسلمون لا يريدون إلا العير فسلك على نقب بني دينار والمسلمون غير معدين من الظهر إنما خرجوا على النواضح يعتقب الرجل منهم على البعير الواحد وكان زميل رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة فهم معه ليس مهعهم إلا بعير واحد فساروا حتى إذا كانوا بعرق الظبية لقيهم راكب من قبل تهامة - والمسلمون يسيرون - فوافقه نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن أبي سفيان ؟ فقال : لا علم لي به
فلما يئسوا من خبره فقالوا له : سلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : وفيكم رسول الله
صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : نعم (4/416)
قال : أيكم هو ؟ فأشاروا له إليه فقال الأعرابي : أنت رسول الله كما تقول ؟ قال : نعم
قال : إن كنت رسول الله كما تزعم فحدثني بما في بطن ناقتي هذه ؟ فغضب رجل من الأنصارمن بني عبد الأشهل يقال له سلمة بن سلامة بن وقش فقال للأعرابي : وقعت على ناقتك فحملت منك
فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال سلمة حين سمعه أفحش فأعرض عنه ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلقاه خبر ولا يعلم بنفرة قريش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أشيروا علينا في أمرنا ومسيرنا ؟ فقال أبو بكر : يا رسول اله أنا أعلم الناس بمسافة الأرض أخبرنا عدي بن أبي الزغباء أن العير كانت بوادي كذا وكذا فكانا وإياهم فرسخان إلى بدر
ثم قال : أشيروا علي ؟ فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله إنها قريش وعزها والله ما ذلت منذ عزت ولا آمنت منذ كفرت والله لتقاتلنك فتأهب لذلك أهبته وأعدد له عدته
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أشيروا علي ؟ فقال المقداد بن عمرو : إنا لا نقول لك كما قال أصحاب موسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون المائدة الآية 24 ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون
فقال رسول الله : أشيروا علي ؟ فلما رأى سعد بن معاذ كثرة استشارة النبي أصحابه فيشيرون فيرجع إلى المشورة ظن سعد أنه يستنطق الأنصار شفقا أن لا يستحوذوا معه على ما يريد من أمره فقال سعد بن معاذ لعلك يا رسول الله تخشى أن لا تكون الأنصار يريدون مواساتك ولا يرونها حقا عليهم إلا بأن يروا عدوا في بيوتهم وأولادهم ونسائهم وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم : يا رسول الله فاظعن حيث شئت وخذ من أموالنا ما شئت ثم أعطنا ما شئت وما أخذته منا أحب إلينا مما تركت وما ائتمرت من أمر فأمرنا بأمرك فيه تبع فوالله لو سرت حتى تبلغ البركة من ذي يمن لسرنا معك
فلما قال ذلك سعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سيروا على اسم الله فإني قد رأيت مصارع القوم فعمد لبدر
وخفض أبو سفيان فلصق بساحل البحر وكتب إلى قريش حين خالف مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى أن قد أحرز ما معه وأمرهم أن يرجعوا فإنما أخرجتم لتحرزوا ركبكم فقد أحرز لكم فلقيهم هذا الخبر بالجحفة
فقال أبو جهل : والله لا نرجع حتى نقدم بدرا فنقيم فيها ونطعم من حضرنا من العرب فإنه لن يرانا أحد فيقاتلنا
فكره ذلك الأخنس بن شريق فأحب أن يرجعوا وأشار عليهم بالرجعة فأبوا وعصوا وأخذتهم حمية الجاهلية فلما يئس الأخنس من رجوع قريش أكب على بني زهرة فأطاعوه فرجعوا فلم يشهد أحد منهم بدرا واغتبطوا برأي الأخنس وتبركوا به فلم يزل فيهم مطاعا حتى مات وأرادت بنو هاشم الرجوع فيمن رجع فاشتد عليهم أبو جهل وقال : والله لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع
وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل أدنى شيء من بدر ثم بعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وبسبسا الأنصاري في عصابة من أصحابه فقال لهم : اندفعوا إلى هذه الظراب وهي في ناحية بدر فإني أرجو أن تجدوا الخبر عند القليب الذي يعلى الظراب فانطلقوا متوشحي السيوف فوجدوا وارد قريش عند القليب الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا غلامين أحدهما لبني الحجاج بن الأسود والآخر لأبي العاصي يقال له أسلم وأفلت أصحابهما قبل قريش فأقبلوا بهما حتى أتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في معرشة دون الماء فجعلوا يسألون العبدين عن أبي سفيان وأصحابه لا يرون إلا أنهم لهم فطفقا يحدثانهم عن قريش ومن خرج منهم وعن رؤوسهم فيكذبونهما وهم أكره شيء للذي يخبرانه وكانوا يطمعون بأبي سفيان وأصحابه ويكرهون قريشا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يصلي يسمع ويرى الذي يصنعون بالعبدين فجعل العبدان إذا أذلقوهما بالضرب يقولان نعم هذا أبو سفيان والركب كما قال الله تعالى أسفل منكم قال الله إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا الأنفال الآية42 قال فطفقوا إذا قال العبد إن هذه قريش قد جاءتكم كذبوهما وإذا قالا هذا أبو سفيان تركوهما
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صنيعهم بهما سلم من صلاته وقال : ماذا أخبراكم ؟ قالوا : أخبرانا أن قريشا قد جاءت
قال : فإنهما قد صدقا والله إنكم لتضربونهما إذا صدقا وتتركونهما إذا كذبا خرجت قريش لتحرز ركبها وخافوكم عليهم ثم دعا رسول الله العبدين فسألهما ؟ فأخبراه بقريش وقالا : لا علم لنا بأبي سفيان فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم كم القوم ؟ قالا : لا ندري والله هم كثير
فزعموا أن رسول الله قال : من أطعمهم أمس ؟ فسميا رجلا من القوم
قال : كم نحر لهم ؟ قالا : عشر جزائر
قال : فمن أطعمهم أول أمس ؟ فسميا رجلا آخر من القوم
قال : كم نحر لهم ؟ قالا : تسعا
فزعموا أن رسول الله قال : القوم ما بين التسعمائة والألف يعتبر ذلك بتسع جزائر ينحرونها يوما وعشر ينحرونها يوما
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أشيروا علي في المسير ؟ فقام الحباب بن المنذر أحد بني سلمة فقال : يا رسول الله أنا عالم بها وبقلبها إن رأيت أن تسير إلى قليب منها قد عرفتها كثيرة الماء عذبة فتنزل إليها ونسبق القوم إليها ونغور ما سواها
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سيروا فإن الله قد وعدكم إحدى الطائفتين أنها لكم فوقع في قلوب ناس كثير الخوف وكان فيهم من تخاذل من تخويف الشيطان فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون مسابقين إلى الماء وسار المشركون سراعا يريدون الماء فأنزل الله عليهم في تلك الليلة مطرا واحدا فكان على المشركين بلاء شديدا منعهم أن يسيروا وكان على المسلمين ديمة خفيفة لبد لهم المسير والمنزل وكانت بطحاء فسبق المسلمون إلى الماء فنزلوا عليه شطر الليل فاقتحم القوم في القليب فما حوها حتى كثر ماؤها وصنعوا حوضا عظيما ثم غوروا ما سواه من المياه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذه مصارعهم إن شاء الله بالغداة
وأنزل الله إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام الأنفال الآية 11
ثم صف رسول الله على الحياض فلما طلع المشركون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم إني أسألك ما وعدتني - ورسول الله صلى الله عليه وسلم ممسك بعضد أبي بكر يقول : اللهم إني أسألك ما وعدتني - فقال أبو بكر : أبشر فوالذي نفسي بيده لنيجزن الله لك ما وعدك
فاستنصر المسلمون الله واستعانوه فاستجاب الله لنبيه وللمسلمين وأقبل المشكون ومعهم إبليس في صورة سراقة بن جعشم المدلجي يحدثهم أن بني كنانة وراءهم قد أقبلوا لنصرهم وأنه لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم لما أخبرهم من مسير بني كنانة وأنزل الله ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس الأنفال الآية 47 هذه الآية والتي بعدها
وقال رجال من المشركين لما رأوا قلة من مع محمد صلى الله عليه وسلم : غر هؤلاء دينهم
فأنزل الله ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم الطلاق الآية 3
وأقبل المشركون حتى نزلوا وتعبوا للقتال والشيطان معهم لا يفارقهم فسعى حكيم بن حزام إلى عتبة بن ربيعة فقال له : هل لك أن تكون سيد قريش ما عشت ؟ قال عتبة فأفعل ماذا ؟ قال : تجير بين الناس وتحمل دم ابن الحضرمي وبما أصاب محمد من تلك العير فإنهم لا يطلبون من محمد غير هذه العير ودم هذا الرجل
قال عتبة : نعم قد فعلت ونعما قلت ونعما دعوت إليه فاسع في عشيرتك فأنا أتحمل بها
فسعى حكيم في أشراف قريش بذلك يدعوهم فيه وركب عتبة جملا له فسار عليه في صفوف المشركين في أصحابه فقال : يا قوم أطيعوني فإنكم لا تطلبون عندهم غير دم ابن الحضرمي وما أصابوا من عيركم تلك وأنا أتحمل بوفاء ذلك ودعوا هذا الرجل فإن كان كاذبا ولي قتله غيركم من العرب فإن فيهم رجالا لكم فيهم قرابة قريبة وإنكم إن تقتلوهم لا يزال الرجل منكم ينظر إلى قاتل أبيه وأخيه أو ابن أخيه أو ابن عمه فيورث ذلك فيهم احنا وضغائن وإن كان هذا الرجل ملكا كنتم في ملك أخيكم وإن كان نبيا لم تقتلون النبي فتيسئوا به ولن تخلصوا إليهم حتى يصيبوا أعدادهم ولا آمن أن يكون لكم الدبرة عليهم فحسده أبو جهل على مقالته وأبى الله إلا أن ينفذ أمره وعمد أبو جهل إلى ابن الحضرمي - وهو أخو المقتول - فقال : هذا عتبة يخذل بين الناس وقد تحمل بدية أخيك يزعم أنك قابلها أفلا تسحيون من ذلك أن تقبلوا الدية ؟ فزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو ينظر إلى عتبة : إن يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر وإن يطيعوه يرشدوا
فلما حرض أبو جهل قريشا على القتال أمر النساء يعولن عمر
فقمن يصحن : واعمراه واعمراه
! تحريضا على القتال فاجتمعت قريش على القتال فقال عتبة لأبي جهل : سيعلم اليوم أي الأمرين أرشد
وأخذت قريش مصاف هذا القتال وقالوا لعمير بن وهب : اركب فاحذر محمدا وأصحابه
فقعد عمير على فرسه فأطاف برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم رجع إلى المشركين فقال : حذرتهم بثلثمائة مقاتل زادوا شيئا أو نقصوا شيئا وحذرت سبعين بعيرا ونحو ذلك ولكن أنظروني حتى أنظر هل لهم مدد أو كمين فأطاف حولهم وبعثوا خيلهم معه فأطافوا حولهم ثم رجعوا فقالوا : لا مدد لهم ولا كمين وإنما هم أكلة جزور وقالوا لعمير حرش بين القوم فحمل عمير على الصف بمائة فارس
واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لأصحابه : لا تقاتلوا حتى أؤذنكم وغشيه نوم فغلبه فلما نظر بعض القوم إلى بعض جعل أبو بكر يقول : يا رسول الله قد دنا القوم ونالوا منا
! فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أراه الله إياهم في منامه قليلا وقلل المسلمين في أعين المشركين حتى طمع بعض القوم في بعض ولو أراه عددا كثيرا لفشلوا وتنازعوا في الأمر كما قال الله وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فوعظهم وأخبرهم أن الله قد أوجب الجنة لمن استشهد اليوم
فقام عمير بن الحمام من عجين كان يعجنه لأصحابه حين سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن لي الجنة إن قتلت ؟ قال : نعم
فشد على أعداء الله مكانه فاستشهد وكان أول قتيل قتل ثم أقبل الأسود بن عبد الأسد المخزومي يحلف بآلهته ليشربن من الحوض الذي صنع محمد وليهدمنه فلما دنا من الحوض لقيه حمزة بن عبد المطلب فضرب رجله فقطعها فأقبل يحبو حتى وقع في جوف الحوض وأتبعه حمزة حتى قتله ثم نزل عتبة بن ربيعة عن جمله ونادى : هل من مبارز ولحقه أخوه شيبة والوليد ابنه فناديا يسألان المبارزة فقام إليهم ثلاثة من الأنصار فاستحيا النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فناداهم أن ارجعوا إلى مصافكم وليقم إليهم بنو عمهم
فقام حمزة وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث بن المطلب فقتل حمزة عتبة وقتل عبيدة شيبة وقتل علي الوليد وضرب شيبة رجل عبيدة فقطعها فاستنقذه حمزة وعلي فحمل حتى توفي بالصفراء وعند ذلك نذرت هند بنت عتبة لتأكلن من كبد حمزة إن قدرت عليها فكان قتل هؤلاء النفر قبل إلتقاء الجمعين
وعج المسلمون إلى الله يسألونه النصر حين رأوا القتال قد نشب ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه إلى الله يسأله ما وعده ويسأله النصر ويقول : اللهم إن ظهر على هذه العصابة ظهر الشرك ولم يقم لك دين وأبو بكر يقول : يا رسول الله والذي نفسي بيده لينصرنك الله وليبيضن وجهك فأنزل الله جندا في أكناف العدو فقال رسول الله : قد أنزل الله نصره : ونزلت الملائكة عليهم السلام أبشر يا أبا بكر فإني قد رأيت جبريل معتجرا يقود فرسا بين السماء والأرض فلما هبط إلى الأرض جلس عليها فتغيب عني ساعة ثم رأيت على شفته غبارا
وقال أبو جهل : اللهم انصر خير الدينين اللهم ديننا القديم ودين محمد الحديث ونكص الشيطان على عقبيه حين رأى الملائكة عليهم السلام وتبرأ من نصرة أصحابه وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ملء كفه من الحصباء فرمى بها وجوه المشركين فجعل الله تلك الحصباء عظيما شأنها لم يترك من المشركين رجلا إلا ملأت عينيه والملائكة عليهم السلام يقتلونهم ويأسرونهم ويجدون النفر كل رجل منهم مكبا على وجهه لا يدري أن يتوجه يعالج التراب ينزعه من عينيه
ورجعت قريش إلى مكة منهزمين مغلوبين وأذل الله بوقعة بدر رقاب المشركين والمنافقين فلم يبق بالمدينة منافق ولا يهودي إلا وهو خاضع عنقه لوقعة بدر وكان ذلك يوم الفرقان يوم فرق الله بين الشرك والإيمان وقالت اليهود تيقنا : أنه النبي الذي نجد نعته في التوراة والله لا يرفع راية بعد اليوم إلا ظهرت
ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فدخل من ثنية الوداع ونزل القرآن يعرفهم الله نعمته فيما كرهوا من خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر فقال كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون هذه الآية وثلاث آيات معها وقال فيما استجاب للرسول للمؤمنين إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم الأنفال الآية 9 الآية
وأخرى معها وأنزل فيما غشيهم من النعاس إذ يغشيكم النعاس الأنفال الآية 11 الآية
ثم أخبرهم بما أوحى إلى الملائكة من نصرهم فقال إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم الأنفال الآية 12 الآية والتي بعدها
وأنزل في قتل المشركين والقبضة التي رمى بها رسول الله فلم تقلتوهم ولكن الله قتلهم الأنفال الآية 17 الآية والتي بعدها
وأنزل في استفتاحهم إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح الأنفال الآية 19 ثم أنزل يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله في سبع آيات منها وأنزل في منازلهم إذ أنتم بالعدوة الدنيا الأنفال الآية 42 الآية والتي بعدها وأنزل فيما تكلم به من رأى قلة المسلمين غر هؤلاء دينهم الأنفال الآية 49 الآية وأنزل في قتلى المشركين ومن اتبعهم ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الأنفال الآية 50 الآية وثمان آيات معها
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين } قال « أقبلت عير أهل مكة من الشام فبلغ أهل المدينة ذلك ، فخرجوا ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد العير ، فبلغ أهل مكة ذلك فخرجوا فأسرعوا السير إليها لكي لا يغلب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فسبقت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان الله عز وجل وعدهم إحدى الطائفتين ، وكانوا أن يلقوا العير أحب إليهم وأيسر شوكة وأخصر نفراً ، فلما سبقت العير وفاتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين يريد القوم ، فكره القوم مسيرهم لشوكة القوم ، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دعصة ، فأصاب المسلمين ضعف شديد ، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ فوسوس بينهم ، يوسوسهم تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلون مجنبين ، وأمطر الله عليهم مطراً شديداً فشرب المسلمون وتطهروا ، فأذهب الله عنهم رجز الشيطان واشف الرمل من إصابة المطر ، ومشى الناس عليه والدواب فساروا إلى القوم ، وأمد الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بألف من الملائكة عليهم السلام ، فكان جبريل عليه السلام في خمسمائة من الملائكة مجنبة ، وميكائيل في خمسمائة من الملائكة مجنبة ، وجاء إبليس في جند معه راية في صورة رجال من بني مدلج ، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم ، فقال الشيطان للمشركين { لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم } [ الأنفال : 48 ] فلما اصطف القوم قال أبو جهل : اللهم أولانا بالحق فانصره . ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال : يا رب إن تهلك هذه العصابة في الأرض فلن تعبد في الأرض أبداً . فقال له جبريل : خذ قبضة من التراب فأرم به وجوههم ، فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه من تلك القبضة فولوا مدبرين ، وأقبل جبريل عليه السلام فلما رآه إبليس وكانت يده في يد رجل من المشركين ، انتزع إبليس يده ثم ولى مدبراً وشيعته فقال الرجل : يا سراقة أتزعم أنك لنا جار؟ فقال : إني أرى ما لا ترون ، إني أخاف الله والله شديد العقاب ، فذلك حين رأى الملائكة » . (4/417)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم } قال : الطائفتان احداهما أبو سفيان أقبل بالعير من الشام ، والطائفة الأخرى أبو جهل بن هشام معه نفر من قريش ، فكره المسلمون الشوكة والقتال وأحبوا أن يلتقوا العير ، وأراد الله ما أراد . (4/418)
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم } قال : هي عير أبي سفيان ، ودّ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إن العير كانت لهم وإن القتال صرف عنهم .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه { ويقطع دابر الكافرين } أي يستأصلهم .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر : عليك العير ليس دونها شيء ، فناداه العباس رضي الله عنه وهو في وثاقه أسير : أنه لا يصلح لك . قال : ولم؟ قال : لأن الله إنما وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك . قال : صدقت .
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو عوانة وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال « حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لما كان يوم بدر نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلثمائة رجل وبضعة عشر رجلاً ، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة ، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم ثم مد يده وجعل يهتف بربه : اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام لا تعبد في الأرض . فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه ، فأتاه أبو بكر رضي الله عنه ، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال : يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك ، فأنزل الله تعالى { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين } . (4/419)
فلما كان يومئذ والتقوا هزم الله المشركين فقتل منهم سبعون رجلاً ، واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعلياً رضي الله عنهم؟ فقال أبو بكر : يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة ، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوّة لنا على الكفار ، وعسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضداً . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ترى يا ابن الخطاب؟ قلت : ما رأى أبو بكر ، ولكني أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه حتى يعلم الله تعالى أنه ليس في قلوبنا مودة للمشركين ، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم . فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر رضي الله عنه ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء ، فلما كان من الغد قال عمر رضي الله عنه : فغدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه وهما يبكيان . فقلت : يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك ، فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما . . . ؟! قال النبي صلى الله عليه وسلم : الذي عرض على أصحابك من أخذ الفداء قد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة الشجرة قريبة ، وأنزل الله تعالى { ما كان لنبي أن تكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } [ الأنفال : 67 ] إلى قوله { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم } من الفداء ثم أحل لهم الغنائم ، فلما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء ، فقتل منهم سبعون ، وفر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : وكسرت رباعيته ، وهشمت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه . فأنزل الله تعالى { أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم } [ آل عمران : 165 ] بأخذكم الفداء . قال ابن عباس رضي الله عنهما : بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالصوت فوقه وصوت الفارس يقول : أقدم حيزوم إذ نظر إلى المشرك أمامه ، فخر مستلقياً فنظر إليه فإذا هو قد خطم وشق وجهه كضربة السوط ، فاحضر ذلك أجمع ، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : صدقت ، ذاك من مدد السماء الثالثة فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين » .
وأخرج ابن جرير عن علي رضي الله عنه قال : نزل جبريل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر رضي الله عنه ، ونزل ميكائيل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الميسرة . (4/420)
وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة رضي الله عنه « أن رسول الله قال يوم بدر : هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب » .
وأخرج سنيد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال : ما أمد النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من هذه الألف التي ذكر الله تعالى في الأنفال ، وما ذكر الثلاثة آلاف أو الخمسة آلاف إلا بشرى ، ثم أمدوا بالألف ما أمدوا بأكثر منه .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي رضي الله عنه وكان من أهل بدر قال : « جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال » من أفضل المسلمين أو كلمة نحوها . قال : وكذلك من شهد بدراً من الملائكة « » .
وأخرج أبو الشيخ عن عطية بن قيس رضي الله عنه قال : وقف جبريل عليه السلام على فرس أخضر أنثى قد علاه الغبار ، وبيد جبريل عليه السلام رمح وعليه درع فقال : يا محمد إن الله بعثني إليك فأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى فهل رضيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { مردفين } يقال : المدد .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { مردفين } يقال : المدد .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { مردفين } قال : وراء كل ملك ملك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه قال : كان ألف مردفين وثلاثة آلاف منزلين فكانوا أربعة آلاف ، وهم مدد المسلمين في ثغورهم . (4/421)
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { مردفين } قال : ممدين .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله { مردفين } قال : متتابعين ، أمدهم الله تعالى بألف ، ثم بثلاثة ، ثم أكملهم خمسة آلاف { وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم } قال : يعني نزول الملائكة عليهم السلام قال : وذكر لنا أن عمر رضي الله عنه قال : أما يوم بدر فلا نشك أن الملائكة عليهم السلام كانوا معنا ، وأما بعد ذلك فالله أعلم .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه { مردفين } قال : بعضهم على أثر بعض .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وما جعله الله إلا بشرى } قال : إنما جعلهم الله يستبشر بهم .
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11)
أخرج أبو يعلى والبيهقي في الدلائل عن علي رضي الله عنه قال : ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت الشجرة حتى أصبح . (4/422)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب رضي الله عنه في قوله { إذ يغشاكم النعاس أمنة منه } قال : بلغنا أن هذه الآية أنزلت في المؤمنين يوم بدر ، فيما أغشاهم الله من النعاس أمنة منه .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { أمنة } قال : أمنا من الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال : النعاس في الرأس ، والنوم في القلب .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال : كان النعاس أمنة من الله ، وكان النعاس نعاسين . نعاس يوم بدر ، ونعاس يوم أحد .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه في قوله { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } قال : طس كان يوم بدر .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } قال : المطر : أنزله عليهم قبل النعاس فاطفأ بالمطر الغبار ، والتبدت به الأرض ، وطابت به أنفسهم ، وثبتت به أقدامهم .
وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال : بعث الله السماء وكان الوادي دهساً ، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها ما لبد الأرض ولم يمنعهم المسير ، وأصاب قريشاً ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ من طريق ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما . أن المشركين غلبوا المسلمين في أول أمرهم على الماء ، فظمىء المسلمون وصلوا مجنبين محدثين فكانت بينهم رمال ، فألقى الشيطان في قلوبهم الحزن وقال : أتزعمون أن فيكم نبياً وإنكم أولياء الله وتصلون مجنبين محدثين؟ فأنزل الله من السماء ماء فسال عليهم الوادي ماء ، فشرب المسلمون وتطهروا وثبتت أقدامهم وذهبت وسوسته .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { رجز الشيطان } قال : وسوسته .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وليربط على قلوبكم } قال : بالصبر { ويثبت به الأقدام } قال : كان ببطن الوادي دهاس ، فلما مطر اشتد الرملة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { ويثبت به الأقدام } قال : حتى يشتد على الرمل ، وهو وجه الأرض .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تلك الليلة ليلة بدر ، ويقول : اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد ، وأصابهم تلك الليلة مطر شديد ، فذلك قوله { ويثبت به الأقدام } .
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14)
أخرج ابن أبي حاتم أخبرنا أبو بدر عباد بن الوليد المغبري فيما كتب إلي قال : سمعت أبا سعيد أحمد بن داود الحداد يقول : إنه لم يقل الله لشيء أنه معه إلا للملائكة يوم بدر . قال : إني معكم بالنصر . (4/423)
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال : لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال : قال أبي : يا بني لقد رأيتنا يوم بدر وان أحدنا ليشير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « إن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير ويقاتلوا عليها نزلوا على الماء يوم بدر فغلبوا المؤمنين عليه ، فأصاب المؤمنين الظمأ فجعلوا يصلون مجنبين ومحدثين؟ فألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحزن فقال لهم : أتزعمون أن فيكم النبي صلى الله عليه وسلم وإنكم أولياء الله وقد غلبتم على الماء وأنتم تصلون مجنبين ومحدثين؟ حتى تعاظم ذلك في صدور أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : فأنزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي ، فشرب المؤمنون ، وملأوا الأسقية ، وسقوا الركاب ، واغتسلوا من الجنابة ، فجعل الله في ذلك طهوراً وثبت أقدامهم ، وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة ، فبعث الله المطر عليها فلبدها حتى اشتدت وثبت عليها الأقدام ، ونفر النبي صلى الله عليه وسلم بجميع المسلمين وهم يومئذ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، منهم سبعون ومائتان من الأنصار وسائرهم من المهاجرين ، وسيد المشركين يومئذ عتبة بن ربيعة لكبر سنه .
فقال عتبة : يا معشر قريش إني لكم ناصح وعليكم مشفق لا أدخر النصيحة لكم بعد اليوم ، وقد بلغتم الذي تريدون وقد نجا أبو سفيان فارجعوا وأنتم سالمون ، فإن يكن محمد صادقاً فأنتم أسعد الناس بصدقه ، وإن يك كاذباً فأنتم أحق من حقن دمه . فالتفت إليه أبو جهل فشتمه وفج وجهه وقال له : قد امتلأت أحشاؤك رعباً . فقال له عتبة : سيعلم اليوم من الجبان المفسد لقومه .
فنزل عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، حتى إذا كانوا أقرب أسنة المسلمين قالوا : ابعثوا إلينا عدتنا منكم نقاتلهم . فقام غلمة من بني الخزرج فاجلسهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : يا بني هاشم أتبعثون إلى أخويكم - والنبي منكم - غلمة بني الخزرج؟ فقام حمزة بن عبد المطلب ، وعلي بن أبي طالب ، وعبيدة بن الحارث ، فمشوا إليهم في الحديد فقال عتبة : تكلموا نعرفكم ، فإن تكونوا أكفاءنا نقاتلكم . فقال حمزة رضي الله عنه : أنا أسد الله وأسد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال له عتبة : كفء كريم . فوثب إليه شيبة فاختلفا ضربتين فضربه حمزة فقتله ، ثم قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الوليد بن عتبة فاختلفا ضربتين فضربه علي رضي الله عنه فقتله ، ثم قام عبيدة فخرج إليه عتبة فاختلفا ضربتين فجرح كل واحد منهما صاحبه ، وكر حمزة على عتبة فقتله ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال » اللهم ربنا أَنْزَلْتَ عليَّ الكتاب وأمرتني بالقتال ووعدتني النصر ولا تخلف الميعاد « فأتاه جبريل عليه السلام ، فأنزل عليه { ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين } [ آل عمران : 124 ] فأوحى الله إلى الملائكة { إني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان } فقتل أبو جهل في تسعة وستين رجلاً ، وأسر عقبة بن أبي معيط فقتل صبراً ، فوفى ذلك سبعين وأسر سبعون .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن بعض بني ساعدة قال : سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة رضي الله عنه بعدما أصيب بصره يقول : لو كنت معكم ببدر الآن ومعي بصري لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أتمارى ، فلما نزلت الملائكة ورآها إبليس ، وأوحى الله : إليهم إني معكم فثبتوا الذين آمنوا ، وتثبيتهم أن الملائكة عليهم السلام تأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه فيقول : ابشروا فإنهم ليسوا بشيء والله معكم كروا عليهم ، فلما رأى إبليس الملائكة نكص على عقبيه وقال : إني بريء منكم وهو في صورة سراقة ، وأقبل أبو جهل يحضض أصحابه ويقول : لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم فإنه كان على موعد من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ثم قال : واللات والعزى لا نرجع حتى نقرن محمداً وأصحابه في الحبال ، فلا تقتلوا وخذوهم أخذاً » .
وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال « لما حضر القتال ورسول الله صلى الله عليه وسلم رافع يديه يسأل الله النصر ، ويقول : اللهم إن ظهروا على هذه العصابة ظهر الشرك ، ولا يقوم لك دين ، وأبو بكر رضي الله عنه يقول : والله لينصرنك الله وليبيضن وجهك ، فأنزل الله عز وجل ألفاً من الملائكة مردفين عند أكتاف العدو ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبشر يا أبا بكر هذا جبريل عليه السلام معتجر بعمامة صفراء آخذ بعنان فرسه بين السماء والأرض ، فلما نزل إلى الأرض تغيب عني ساعة ثم نزل على ثناياه النقع ، يقول : أتاك نصر الله إذ دعوته » . (4/424)
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال : كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة عليهم السلام ممن قتلوهم بضرب على الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { فاضربوا فوق الأعناق } يقول : الرؤوس . (4/425)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطية رضي الله عنه في قوله { فاضربوا فوق الأعناق } قال : اضربوا الأعناق .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله { فاضربوا فوق الأعناق } يقول : اضربوا الرقاب .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { واضربوا منهم كل بنان } قال : كل مفصل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي رضي الله عنه في قوله { واضربوا منهم كل بنان } قال : أضرب منه الوجه والعين ، وارمه بشهاب من نار .
وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله تعالى { واضربوا منهم كل بنان } قال : أطراف الأصابع وبلغة هذيل الجسد كله . قال : فأنشدني في كلتيهما؟ قال : نعم ، أما أطراف الأصابع فقول عنترة العبسي :
فنعم فوارس الهيجاء قومي ... إذا علق الأعنة بالبنان
وقال الهذلي في الجسد :
لها أسد شاكي البنان مقذف ... له لبد أظفاره لم تقلم
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن أبي داود المازني رضي الله عنه قال : بينا أنا أتبع رجلاً من المشركين يوم بدر ، فاهويت إليه بسيفي فوقع رأسه قبل أن يصل سيفي إليه ، فعرفت أن قد قتلته غيري .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه { فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان } قال : ما وقعت يومئذ ضربة إلا برأس أو وجه أو مفصل .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)
أخرج البخاري في تاريخه والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن نافع رضي الله عنه أنه سأل ابن عمر رضي الله عنهما قال : إنا قوم لا نثبت عند قتال عدونا ولا ندري من الفئة أمامنا أو عسكرنا؟ فقال لي : الفئة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقلت : إن الله تعالى يقول { إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار } قال : إنما أنزلت هذه الآية في أهل بدر لا قبلها ولا بعدها . (4/426)
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قوله { ومن يولهم يومئذ دبره } قال : إنها كانت لأهل بدر خاصة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي نضرة رضي الله عنه في قوله { ومن يولهم يومئذ دبره } الآية . قال : نزلت يوم بدر ولم يكن لهم أن ينحازوا ، ولو انحازوا لم ينحازوا إلا للمشركين .
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لا تغرنكم هذه الآية فإنها كانت يوم بدر ، وأنا فئة لكل مسلم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال : ذاكم يوم بدر لأنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال : نزلت في أهل بدر خاصة ، ما كان لهم أن يهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتركوه .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله { ومن يولهم يومئذ دبره } قال : إنما كانت يوم بدر خاصة ، ليس الفرار من الزحف من الكبائر .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في قوله { ومن يولهم يومئذ دبره } قال : ذاك في يوم بدر .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال : إنما كان يوم بدر ولم يكن للمسلمين فئة ينحازون إليها .
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة رضي الله عنه { ومن يولهم يومئذ دبره } قال : يرون أن ذلك في بدر ، ألا ترى أنه يقول { ومن يولهم يومئذ دبره } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن يزيد بن أبي حبيب رضي الله عنه قال : أوجب الله تعالى لمن فر يوم بدر النار . قال : ومن يولهم يومئذ دبره إلى قوله { فقد باء بغضب من الله } فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال