صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور |
سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147)
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون } يقول سأصرفهم عن أن يتفكروا في آياتي . (4/327)
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله { سأصرف عن آياتي } قال : عن خلق السموات والأرض والآيات التي فيها ، سأصرفهم عن أن يتفكروا فيها أو يعتبروا فيها .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سفيان بن عيينة في قوله { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق } أنزع عنهم فهم القرآن .
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148)
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله { واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً } قال : حين دفنوها ألقي عليها السامري قبضة من تراب من أثر فرس جبريل عليه السلام . (4/328)
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { من حليهم عجلاً جسداً له خوار } قال : استعاروا حلياً من آل فرعون ، فجمعه السامري فصاغ منه عجلاً فجعله الله جسداً لحماً ودماً له خوار .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل { عجلاً جسداً له خوار } قال : يعني له صياح . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول :
كان بني معاوية بن بكر ... إلى الإِسلام ضاحية تخور
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال : خار العجل خورة لم يثن ، ألم تر أن الله قال { ألم يروا أنه لا يكلمهم } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { له خوار } قال : الصوت .
وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149)
أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { ولما سقط في أيديهم } قال : ندموا . (4/329)
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق ابن عباس في قوله { أسفاً } قال : حزيناً . (4/330)
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً } قال : حزيناً على ما صنع قومه من بعده .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { غضبان اسفاً } قال : حزيناً وفي الزخرف { فلما آسفونا } [ الزخرف : 55 ] يقول : اغضبونا . والأسف على وجهين : الغضب والحزن .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { أسفاً } قال : جزعاً .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي الدرداء قال : الأسف : منزلة وراء الغضب أشد من ذلك .
وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب قال : الأسف : الغضب الشديد .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبزار وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم « ايزحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر ، أخبره ربه تبارك وتعالى أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح ، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح فتكسر ما تكسر » .
وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال : كان موسى عليه السلام إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : لما ألقى موسى الألواح تكسرت ، فرفعت إلا سدسها .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال : كتب الله لموسى في الألواح فيها { موعظة وتفصيلاً لكل شيء } [ الأعراف : 145 ] فلما ألقاها رفع الله منها ستة أسباعها وبقي سبع ، يقول الله { وفي نسختها هدى ورحمة } [ الأعراف : 154 ] يقول : فيما بقي منها .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : أوتي رسول الله صلى عليه وسلم السبع المثاني وهي الطوال وأوتي موسى ستاً ، فلما ألقى الألواح رفعت أثنتان وبقيت أربع .
وأخرج أبو الشيخ عن الربيع في قوله { وألقى الألواح } قال : ذكر أنه رفع من الألواح خمسة أشياء ، وكان لا ينبغي أن يعلمه الناس { إن الله عنده علم الساعة } [ لقمان : 34 ] إلى آخر الآية .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد وسعيد بن جبير قال : كانت الألواح من زمرد ، فلما ألقاها موسى ذهب التفصيل وبقي الهدى .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : اخبرت أن الواح موسى كانت تسعة ، فرفع منها لوحان وبقي سبعة .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ولا تجعلني مع القوم الظالمين } قال : مع أصحاب العجل .
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152)
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أيوب قال : تلا أبو قلابة هذه الآية { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين } قال : هو جزاء لكل مفتر إلى يوم القيامة أن يذله الله . (4/331)
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في قوله { وكذلك نجزي المفترين } قال : كل صاحب بدعة ذليل .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن سفيان بن عيينة قال : لا تجد مبتدعاً إلا وجدته ذليلاً ، الم تسمع قول الله { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا } .
وأخرج أبو الشيخ عن سفيان بن عيينه قال : ليس في الأرض صاحب بدعة إلا وهو يجد ذلة تغشاه ، وهو في كتاب الله . قالوا : أين هي؟ قال أما سمعتم إلى قوله { إن الذين اتخذوا العجل . . . } الآية؟ قالوا : يا أبا محمد هذه لأصحاب العجل خاصة . . . ! قال : كلا ، اقرأ ما بعدها { وكذلك نجزي المفترين } فهي لكل مفتر ومبتدع إلى يوم القيامة .
وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود . أنه سئل عن الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها ، فتلا { والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم } (4/332)
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : اعطى الله موسى التوراة ف سبعة الواح من زبرجد فيها تبيان لكل شيء وموعظة التوراة مكتوبة ، فلما جاء بها فرأى بني إسرائيل عكوفاً على العجل ، فرمى التوراة من يده فتحطمت ، وأقبل على هرون فأخذ برأسه ، فرفع الله منها ستة أسباع وبقي سبع { ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون } قال : فيما بقي منها . (4/333)
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن مجاهد . أن سعيد بن جبير قال : كانت الألواح من زمرد ، فلما ألقاها موسى ذهب التفصيل وبقي الهدى والرحمة ، وقرأ { وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء } [ الأعراف : 145 ] وقرأ { ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة } قال : ولم يذكر التفصيل ههنا .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا } قال : اختارهم ليقوموا مع هرون على قومه بأمر الله { فلما أخذتهم الرجفة } تناولتهم الصاعقة حين أخذت قومهم .
وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي سعد عن مجاهد { واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة } بعد أن خرج موسى بالسبعين من قومه يدعون الله ويسألونه أن يكشف عنهم البلاء فلم يستجب لهم ، علم موسى أنهم قد أصابوا من المعصية ما أصاب قومهم . قال أبو سعد : فحدثني محمد بن كعب القرضي قال : فلم يستجب لهم من أجل أنهم لم ينهوهم عن المنكر ولم يأمروهم بالمعروف ، فأخذتهم الرجفة فماتوا ثم احياها الله .
وأخرج عبد بن حميد عن الفضل بن عيسى ابن أخي الرقاشي . إن بني إسرائيل قالوا : ذات يوم لموسى : ألست ابن عمنا ومنا وتزعم أنك كلمت رب العزة ، فانا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، فلما أن أبوا إلا ذلك أوحى الله إلى موسى : ان اختر من قومك سبعين رجلاً . فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً خيرة ، ثم قال لهم : اخرجوا . فلما برزوا جاءهم ما لا قبل لهم به فأخذتهم الرجفة ، قالوا : يا موسى ردنا . فقال لهم موسى : ليس لي من الأمر شيء سألتم شيئاً فجاءكم فماتوا جميعاً ، قيل : يا موسى ارجع . قال : رب إلى أين الرجعة؟ { قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } [ الأعراف : 155 ] إلى قوله { فسأكتبها للذين يتقون . . . } [ الأعراف : 155 ] الآية . قال عكرمة : كتبت الرحمة يومئذ لهذه الأمة .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي رضي الله عنه قال : لما حضر أجل هرون أوحى الله إلى موسى : أن انطلق أنت وهرون وابن هرون إلى غار في الجبل فأنا قابض روحه ، فانطلق موسى وهرون وابن هرون ، فما انتهوا إلى الغار دخلوا فإذا سري ، فاضطجع عليه موسى ثم قام عنه فقال : ما أحسن هذا المكان يا هرون ، فاضطجع هرون فقبض روحه ، فرجع موسى وابن هرون إلى بني إسرائيل حزينين .
فقالوا له : اين هرون؟ قال : مات . قالوا : بل قتلته ، كنت تعلم أنا نحبه . فقال لهم موسى : ويلكم أقتل أخي وقد سألته الله وزيراً ، ولو أني أردت قتله أكان ابنه يدعني!؟ قالوا له : بلى قتلته حسدتناه . قال : فاختاروا سبعين رجلاً فانطلق بهم ، فمرض رجلان في الطريق فخط عليهما خطاً ، فانطلق موسى وابن هرون وبنو إسرائيل حتى انتهوا إلى هرون ، فقال : يا هرون من قتلك؟ قال : لم يقتلني أحد ولكني مت قالوا : ما تقضي يا موسى ادع لنا ربك يجعلنا أنبياء . قال : فأخذتهم الرجفة فصعقوا وصعق الرجلان اللذان خلفوا ، وقام موسى يدعو ربه { لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا } فأحياهم الله فرجعوا إلى قومهم أنبياء . (4/334)
وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { واختار موسى قومه } الآية . قال : كان الله أمره أن يختار من قومه سبعين رجلاً فاختار سبعين رجلاً فبرز بهم ، فكان ليدعو ربكم فيما دعوا الله أن قالوا : اللهمَّ اعطنا ما لم تعطه أحداً بعدنا ، فكره الله ذلك من دعائهم ، فأخذتهم الرجفة قال موسى { لو شئت أهلكتهم من قبل . . . إن هي إلا فتنتك } يقول : إن هو إلا عذابك تصيب به من تشاء وتصرفه عمن تشاء . (4/335)
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن نوف الحميري قال : لما اختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقات ربه قال الله لموسى : أجعل لكم الأرض مسجداً وطهوراً ، واجعل السكينة معكم في بيوتكم ، واجعلكم تقرأون التوراة من ظهور قلوبكم فيقرأها الرجل منكم والمرأة ، والحر والعبد ، والصغير والكبير ، فقال : موسى : إن الله قد جعل لكم الأرض مسجداً وطهوراً . قالوا : لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس . قال : ويجعل السكينة معكم في بيوتكم . قالوا : لا نريد إلا كما كانت في التابوت . قال : ويجعلكم تقرأون التوراة عن ظهور قلوبكم ، فيقرأها الرجل منكم والمرأة ، والحر والعبد ، والصغير والكبير . قالوا : لا نريد أن نقرأها إلا نظراً . قال الله { فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة } إلى قوله { المفلحون } قال موسى : أتيتك بوفد قومي فجعلت وفادتهم لغيرهم اجعلني نبي هذه الأمة . قال : إن نبيهم منهم . قال : اجعلني من هذه الأمة . قال : إنك لن تدركهم . قال : رب أتيتك بوفد قومي فجعلت وفادتهم لغيرهم . قال : فأوحى الله إليه { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } [ الأعراف : 159 ] قال : فرضي موسى . قال نوف : ألا تحمدون رباً شهد غيبتكم ، وأخذ لكم بسمعكم ، وجعل وفادة غيركم لكم؟ .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن نوف البكالي . أن موسى لما اختار من قومه سبعين رجلاً قال لهم : فِدوا الى الله وسلوه فكانت لموسى مسألة ولهم مسألة ، فلما انتهى إلى الطور المكان الذي وعده الله به قال لهم موسى : سلوا الله . قالوا { أرنا الله جهرة } [ النساء : 153 ] قال : ويحكم . . . ! تسألون الله هذا مرتين؟ قال : هي مسألتنا أرنا الله جهرة فأخذتهم الرجفة فصعقوا ، فقال موسى : أي رب جئتك سبعين من خيار بني إسرائيل ، فأرجع إليهم وليس معي منهم أحد ، فكيف أصنع ببني إسرائيل ، أليس يقتلونني؟ فقيل له : سل مسألتك : قال : أي رب إني أسألك أن تبعثهم . فبعثهم الله فذهبت مسألتهم ومسألته ، وجعلت تلك الدعوة لهذه الأمة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي سعيد الرقاشي في قوله { واختار موسى قومه سبعين رجلاً } قال : كانوا قد جاوزوا الثلاثين ولم يبلغوا الأربعين ، وذلك أن من جاوز الثلاثين فقد ذهب جهله وصباه ، ومن بلغ الأربعين لم يفقد من عقله شيئاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا } قال : لتمام الموعد . وفي قوله { فلما أخذتهم الرجفة } قال : ماتوا ثم أحياهم . (4/336)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن أبي العالية في قوله { إن هي إلا فتنتك } قال : بليتك .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { إن هي إلا فتنتك } قال : مشيئتك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : قال موسى : يا رب إن هذا السامري أمرهم أن يتخذوا العجل أرأيت الروح من نفحها فيه؟ قال الرب : أنا . قال : رب فأنت إذاً أضللتهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن راشد بن سعد . أن موسى لما أتى ربه لموعده قال : يا موسى ، إن قومك افتتنوا من بعدك . قال : يا رب وكيف يفتنون وقد أنجيتهم من فرعون ، ونجيتهم من البحر ، وأنعمت عليهم؟ قال : يا موسى إنهم اتخذوا من بعدك عجلاً جسداً له خوار . قال : يا رب فمن جعل فيه الروح؟ قال : أنا . قال : فأنت أضللتهم يا رب . قال : يا موسى ، يا رأس النبيين ، يا أبا الحكماء ، إني رأيت ذلك في قلوبهم فيسرته لهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي عمر العدني في مسنده وابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : إن السبعين الذين اختارهم موسى من قومه إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم يرضوا بالعجل ، ولم ينهوا عنه .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة قال : ذكر لنا أن أولئك السبعين كانوا يلبسون ثياب الطهرة ثياب يغزله وينسجه العذارى ، ثم يتبرزون صبيحة ليلة المطر إلى البرية فيدعون الله فيها ، فوالله ما سأل القوم يومئذ شيئاً إلا أعطاه الله هذه الأمة .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن . أن السبعين الذين اختار موسى من قومه كانوا يعرفون بخضاب السواد .
وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس في قوله { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة } قال : فلم يعطها موسى { قال عذابي أصيب به من أشاء } إلى قوله { المفلحون } . (4/337)
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة } قال : فكتب الرحمة يومئذ لهذه الأمة .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن جرير { واكتب لها في هذه الدنيا حسنه } قال : مغفرة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عن ابن عباس في قوله { إنا هدنا إليك } قال : تبنا إليك .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير في قوله { إنا هدنا إليك } قال : تبنا .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي وجزة السعدي وكان من أعلم الناس بالعربية قال : لا والله لا أعلمها في كلام أحد من العرب { هدنا } قيل : فكيف قال : هدنا بكسر الهاء؟ يقول : ملنا .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن وقتادة في قوله { ورحمتي وسعت كل شيء } قالا : وسعت في الدنيا البر والفاجر ، وهي يوم القيامة للذين اتقوا خاصة .
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء في قوله { ورحمتي وسعت كل شيء } قال : رحمته في الدنيا على خلقه كلهم يتقلبون فيها .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سماك بن الفضل . أنه ذكر عنده أي شيء أعظم ، فذكروا السموات والأرض وهو ساكت فقالوا : ما تقول يا أبا الفضل؟ فقال : ما من شيء أعظم من رحمته ، قال الله تعالى { ورحمتي وسعت كل شيء } .
وأخرج أحمد وأبو داود عن جندب بن عبد الله البجلي قال : جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عقلها ، ثم صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم نادى : اللهمَّ ارحمني ومحمداً ولا تشرك في رحمتنا أحداً . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لقد حظرت رحمة واسعة ، أن الله خلق مائة رحمة ، فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنّها وإنسها وبهائمها ، وعنده تسعة وتسعون » .
وأخرج أحمد ومسلم عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن لله مائة رحمة ، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق ، وبها تعطف الوحوش على أولادها ، وأخر تسع وتسعون إلى يوم القيامة » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان موقوفاً وابن مردويه عن سلمان قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم « أن الله خلق مائة رحمة يوم خلق السموات والأرض ، كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض ، فأهبط منها رحمة إلى الأرض ، فيها تراحم الخلائق ، وبها تعطف الوالدة على ولدها ، وبها يشرب الطير والوحوش من الماء ، وبها تعيش الخلائق ، فإذا كان يوم القيامة انتزعها من خلقه ثم أفاضها على المتقين ، وزاد تسعاً وتسعين رحمة ، ثم قرأ { ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون } » .
وأخرج الطبراني عن حذيفة بن اليمان ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الفاجر في دينه ، الأحمق في معيشته ، والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الذي قد محشته النار بذنبه ، والذي نفسي بيده ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إبليس رجاء أن تصيبه » . (4/338)
وأخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « افتخرت الجنة والنار ، فقالت النار : يا رب ، يدخلني الجبابرة والملوك والأشراف . وقالت الجنة : يا رب ، يدخلني الفقراء والضعفاء والمساكين . فقال الله للنار : أنت عذابي أصيب بك من أشاء ، وقال للجنة : أنت رحمتي وسعت كل شيء ، ولكل واحدة منكما ملؤها » .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي بكر الهذلي قال : لما نزلت { ورحمتي وسعت كل شيء } قال إبليس : يا رب ، وأنا من الشيء . فنزلت { فسأكتبها للذين يتقون . . . } الآية . فنزعها الله من إبليس .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال : لما نزلت { ورحمتي وسعت كل شيء } قال : إبليس : وأنا من الشيء . فنسخها الله ، فأنزل { فسأكتبها للذين يتقون } إلى آخر الآية .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج قال : لما نزلت { ورحمتي وسعت كل شيء } قال : إبليس : أنا من كل شيء . قال الله { فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة } قالت يهود : فنحن نتقي ونؤتي الزكاة . قال الله { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي } فعزلها الله عن إبليس وعن اليهود ، وجعلها لأمة محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة نحوه .
وأخرج البيهقي في الشعب عن سفيان بن عيينة قال : لما نزلت هذه الآية { ورحمتي وسعت كل شيء } مد إبليس عنقه فقال : أنا من الشيء . فنزلت { فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون } فمدت اليهود والنصارى أعناقها فقالوا : نحن نؤمن بالتوراة والإِنجيل ، ونؤدي الزكاة . فاختلسها الله من إبليس واليهود والنصارى ، فجعلها لهذه الأمة خاصة فقال { الذين يتبعون . . . } الآية .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبزار في مسنده وابن مردويه عن ابن عباس قال : سأل موسى ربه مسألة فأعطاها محمداً صلى الله عليه وسلم . قوله { واختار موسى قومه } إلى قوله { فسأكتبها للذين يتقون } فأعطى محمداً صلى الله عليه وسلم كل شيء . سأل موسى ربه في هذه الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فسأكتبها للذين يتقون } قال : كتبها الله لهذه الأمة .
وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال : دعا موسى فبعث الله سبعين ، فجعل دعاءه حين دعاه آمن بمحمد ، واتبعه قوله { فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين ، . . . فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين يتبعون محمداً } . (4/339)
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { فسأكتبها للذين يتقون } قال يتقون الشرك .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير { فسأكتبها للذين يتقون } قال : أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال موسى : يا ليتني أخرت في أمة محمد . فقالت اليهود لموسى : أيخلق ربك خلقاً ثم يعذبهم؟ فأوحى الله إليه : يا موسى ارزع . قال : قد زرعت . قال : أحصد . قال : قد حصدت . قال : دس . قال : قد دست . قال : ذر . قال : قد ذريت . قال : فما بقي؟ قال : ما بقي شيء فيه خير . قال : كذلك لا أعذب من خلقي إلا من لا خير فيه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه . أنه سئل عن أبي بكر وعمر فقال : إنهما من السبعين الذين سألهم موسى بن عمران فاخراً حتى أعطيهما محمداً صلى الله عليه وسلم . قال : وتلا هذه الآية { واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا . . . } الآية .
وأخرج ابن مردويه عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا كان يوم الجمعة نزل جبريل عليه السلام إلى المسجد الحرام ، فركز لواءه بالمسجد الحرام وغدا بسائر الملائكة إلى المساجد التي يجمع فيها يوم الجمعة ، فركزوا ألويتهم وراياتهم بأبواب المساجد ، ثم نشروا قراطيس من فضة وأقلاماً من ذهب ، ثم كتبوا الأول فالأول من بكَّر إلى الجمعة ، فإذا بلغ من في المسجد سبعين رجلاً قد بكروا طووا القراطيس ، فكان أولئك السبعون كالذين اختارهم موسى من قومه ، والذين اختارهم موسى من قومه كانوا أنبياء » .
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا راح منا إلى الجمعة سبعون رجلاً كانوا كسبعين موسى الذين وفدوا إلى ربهم أو أفضل » .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم النخعي في قوله { النبي الأمي } قال : كان لا يكتب ولا يقرأ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { الرسول النبي الأمي } قال : هو نبيكم صلى الله عليه وسلم كان أمياً لا يكتب .
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال « خرج علينا رسول الله صلى عليه وسلم يوماً كالمودع فقال : أنا محمد النبي الأمي ، أنا محمد النبي الأمي ، أنا محمد النبي الأمي ، ولا نبي بعدي ، أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه ، وعلمت خزنة النار وحملة العرش ، فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم ، فإذا ذهب بي فعليكم كتاب الله ، أحلوا حلاله وحرِّموا حرامه » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ، وان الشهر كذا وكذا ، وضرب بيده ست مرات وقبض واحدة » . (4/340)
وأخرج أبو الشيخ من طريق مجالد . قال حدثني عون بن عبد الله بن عتبة عن أبيه قال : ما مات النبي صلى الله عليه وسلم حتى قرأ وكتب ، فذكرت هذا الحديث للشعبي فقال : صدق ، سمعت أصحابنا يقولون ذلك .
قوله تعالى : { الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل } .
أخرج ابن سعد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل } قال : يجدون نعته وأمره ونبوّته مكتوباً عندهم .
وأخرج ابن سعد عن قتادة قال : بلغنا أن نعت رسول الله صلى عليه وسلم في بعض الكتب محمد رسول الله ليس بفظ ولا غليظ ولا صخوب في الأسواق ، ولا يجزى بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويصفح ، أمته الحمادون على كل حال .
وأخرج ابن سعد وأحمد عن رجل من الأعراب قال : جلبت حلوية إلى المدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما فرغت من بيعتي قلت : لألقين هذا الرجل ولأسمعن منه . فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشيان ، فتبعتهما حتى أتيا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أنشدك بالذي أنزل التوراة ، هل تجدني في كتابك ذا صفتي ومخرجي؟ فقال برأسه هكذا؛ أي لا . فقال ابنه : أي والذي أنزل التوراة إن لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . فقال : أقيموا اليهودي عن أخيكم ، ثم ولي كفنه والصلاة عليه » .
وأخرج ابن سعد والبخاري وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن عطاء بن يسار قال : لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص قلت : أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً } [ الأحزاب : 45 ] وحرزاً للأميين ، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا : لا إله إلا الله .
ويفتح به أعينا عمياً ، وآذاناً صماً ، وقلوباً غلفاً . (4/341)
وأخرج ابن سعد والدارمي في مسنده والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن عبد الله بن سلام قال : صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً } [ الأحزاب : 45 ] وحرزاً للأميين ، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويصفح ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا : لا إله إلا الله . ويفتح به أعينا عمياً ، وآذاناً صماً ، وقلوباً غلفا .
وأخرج الدارمي عن كعب قال : في السطر الأول : محمد رسول الله عبدي المختار ، لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ، مولده بمكة وهجرته بطيبة وملكه بالشام . وفي السطر الثاني : محمد رسوله الله أمته الحمادون ، يحمدون الله في السراء والضراء ، يحمدون الله في كل منزلة ويكبرونه على كل شرف ، رعاة الشمس يصلون الصلاة إذا جاء وقتها ولو كانوا على رأس كناسة ، ويأتزرون على أوساطهم ، ويوضئون أطرافهم ، وأصواتهم بالليل في جوّ السماء كأصوات النحل .
وأخرج ابن سعد والدارمي وابن عساكر عن أبي فروة عن ابن عباس . إنه سأل كعب الأحبار كيف قد نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة ، فقال كعب : نجده محمد بن عبد الله ، يولد بمكة ويهاجر إلى طابة ، ويكون ملكه بالشام ، وليس بفحاش ولا سخاب في الأسواق ، ولا يكافىء بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ، أمته الحمادون يحمدون الله في كل سراء ، ويكبرون الله على كل نجد ، ويوضئون أطرافهم ، ويأتزرون في أوساطهم ، يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم ، دويهم في مساجدهم كدوي النحل ، يسمع مناديهم في جوّ السماء .
وأخرج أبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن أم الدرداء قالت : قلت لكعب : كيف تجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة؟ قال : نجده موصوفاً فيها محمد رسول الله اسمه المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ، وأعطى المفاتيح ليبصر الله به أعيناً عوراً ، ويسمع به آذاناً صماً ، ويقيم به السنة معوجة حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، يعين المظلوم ويمنعه من أن يستضعف .
وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة وأبو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « صفتي أحمد المتوكل مولده بمكة ومهاجره إلى طيبة ، ليس بفظ ولا غليظ ، يجزي بالحسنة الحسنة ولا يكافىء بالسيئة ، أمته الحمادون يأتزرون على أنصافهم ، ويوضئون أطرافهم ، أناجيلهم في صدورهم ، يصفون للصلاة كما يصفون للقتال ، قربانهم الذي يتقربون به إلى دمائهم ، رهبان بالليل ليوث بالنهار » .
وأخرج أبو نعيم عن كعب قال : إن أبي كان من أعلم الناس بما أنزل الله على موسى ، وكان لم يدخر عني شيئاً مما كان يعلم ، فلما حضره الموت دعاني فقال لي : يا بني ، إنك قد علمت أني لم أدخر عنك شيئاً مما كنت أعلمه ، إلا أني قد حبست عنك ورقتين فيهما : نبي يبعث قد أظل زمانه فكرهت أن أخبرك بذلك ، فلا آمن عليك أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتطيعه ، وقد جعلتهما في هذه الكوة التي ترى وطينت عليهما ، فلا تعرضن لهما ولا تنظرن فيهما حينك هذا ، فإن الله إن يرد بك خيراً ويخرج ذلك النبي تتبعه ، ثم أنه مات فدفناه فلم يكن شيء أحب إليّ من أن أنظر في الورقتين ، ففتحت الكوة ثم استخرجت الورقتين؟ فإذا فيهما : محمد رسول الله خاتم النبيين لا نبي بعده ، مولده بمكة ومهاجره بطيبة ، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ، ويجزي بالسيئة الحسنة ويعفو ويصفح ، وأمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل حال ، تذلل ألسنتهم بالتكبير وينصر نبيهم على كل من ناوأه ، يغسلون فروجهم ويأتزرون على أوساطهم ، أناجيلهم في صدروهم وتراحمهم بينهم تراحم بني الأم ، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم . (4/342)
فمكث ما شاء الله ثم بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج بمكة ، فأخرت حتى استثبت ، ثم بلغني أنه توفي وأن خليفته قد قام مقامه ، وجاءتنا جنوده فقلت : لا أدخل في هذا الدين حتى أنظر سيرتهم وأعمالهم ، فلم أزل أدافع ذلك وأؤخره لأستثبت حتى قدمت علينا عمال عمر بن الخطاب ، فلما رأيت وفاءهم بالعهد وما صنع الله لهم على الأعداء علمت أنهم هم الذين كنت أنتظر ، فوالله إني لذات ليلة فوق سطحي ، فإذا رجل من المسلمين يتلو قول الله { يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً . . . } [ النساء : 47 ] الآية . فلما سمعت هذه الآية خشيت أن لا أصبح حتى يحول وجهي في قفاي ، فما كان شيء أحب إليّ من الصباح فغدوت على المسلمين .
وأخرج الحاكم والبيهقي في الدلائل عن علي بن أبي طالب « أن يهودياً كان له على رسول الله صلى الله عليه وسلم دنانير ، فتقاضى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : ما عندي ما أعطيك . قال : فإني لا أفارقك يا محمد حتى تعطيني . قال : إذن أجلس معك يا محمد فجلس معه فصلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء والغداة ، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتهددون اليهودي ويتوعدونه ، فقالوا : يا رسول الله ، يهودي يحبسك؟ قال : منعني ربي أن أظلم معاهداً ولا غيره ، فلما ترحل النهار أسلم اليهودي وقال : شطر مالي في سبيل الله ، أما ولله ما فعلت الذي فعلت بك إلا لأنظر إلى نعتك في التوراة : محمد بن عبد الله مولده بمكة ومهاجره بطيبة وملكه بالشام ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ، ولا متزين بالفحشاء ولا قوّال للخنا » .
وأخرج ابن سعد عن الزهري . « أن يهودياً قال : ما كان بقي شيء من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة إلا رأيته إلا الحلم ، وإني أسلفته ثلاثين ديناراً في ثمر إلى أجل معلوم ، فتركته حتى إذا بقي من الأجل يوم أتيته فقلت : يا محمد ، اقضني حقي فإنكم معاشر بني عبد المطلب مطل . فقال عمر : يا يهودي الخبيث ، أما والله لولا مكانه لضربت الذي فيه عيناك ، فقال رسول الله صلى عليه وسلم » غفر الله لك يا أبا حفص ، نحن كنا إلى غير هذا منك أحوج إلى أن تكون أمرتني بقضاء ما عليّ ، وهو إلى أن تكون أعنته على قضاء حقه أحوج فلم يزده جهلي عليه إلا حلماً . قال : يا يهودي ، إنما يحل حقك غداً ، ثم قال : يا أبا حفص ، أذهب به إلى الحائط الذي كان سأل أوّل يوم ، فإن رضيه فاعطه كذا وكذا صاعاً وزده لما قلت له كذا وكذا صاعاً وزده ، فإن لم يرض فاعط ذلك من حائط كذا وكذا ، فأتى بي الحائط فرضي تمره فأعطاه ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أمره من الزيادة ، فلما قبض اليهودي تمره قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله ، وأنه والله ما حملني على ما رأيتني صنعت يا عمر إلا أني قد كنت رأيت في رسول الله صفته في التوراة كلها إلا الحلم ، فاختبرت حلمه اليوم فوجدته على ما وصف في التوراة ، وإني أشهدك أن هذا التمر وشطر مالي في فقراء المسلمين . فقال عمر : فقلت : أو بعضهم؟ فقال : أو بعضهم . قال : وأسلم أهل بيت اليهودي كلهم إلا شيخ كان بان مائة سنة فعسا على الكفر « » . (4/343)
وأخرج ابن سعد عن كثيِّر بن مرة قال : إن الله يقول : لقد جاءكم رسول ليس بوهن ولا كسل ، يفتح أعيناً كانت عمياً ، ويسمع آذاناً كانت صماً ، ويختن قلوباً كانت غلفاً ، ويقيم سنة كانت عوجاء ، حتى يقال : لا إله إلا الله .
وأخرج ابن سعد عن أبي هريرة قال : « أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدارس فقال » أخرجوا إليَّ أعلمكم فقالوا : عبد الله بن صوريا . فخلا به رسول الله صلى عليه وسلم ، فناشده بدينه وبما أنعم به عليهم ، وأطعمهم من المن والسلوى ، وظللهم به من الغمام ، أتعلم أني رسول الله؟ قال : اللهمَّ نعم ، وإن القوم ليعرفون ما أعرف ، وإن صفتك ونعتك المبين في التوراة ولكنهم حسدوك . قال : فما يمنعك أنت؟ قال : أكره خلاف قومي ، وعسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلم « » .
وأخرج الطبراني وأبو نعيم والبيهقي عن الفلتان بن عاصم قال : « كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فجاء رجل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم » أتقرأ التوراة؟ قال : نعم قال : والإِنجيل؟ قال : نعم . فناشده هل تجدني في التوراة والإِنجيل؟ قال : نجد نعتاً مثل نعتك ومثل هيئتك ومخرجك ، وكنا نرجو أن تكون منا ، فلما خرجت تخوَّفنا أن تكون هو أنت ، فنظرنا فإذا ليس أنت هو . قال : ولم ذاك؟ قال : إن معه من أمته سبعين ألفاً ليس عليهم حساب ولا عذاب ، وإنما معك نفر يسير . قال : والذي نفسي بيده لأنا هو ، إنهم لأمتي وأنهم لأكثر من سبعين ألفاً وسبعين ألفاً « » . (4/344)
وأخرج ابن سعد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : بعثت قريش النظر بن الحارث ، وعقبة بن أبي معيط ، وغيرهما إلى يهود يثرب وقالوا لهم : سلوهم عن محمد صلى الله عليه وسلم ، فقدموا المدينة فقالوا : أتيناكم لأمر حدث فينا ، منا غلام يتيم يقول قولاً عظيماً ، يزعم أنه رسول الرحمن قالوا : صفوا لنا نعته . فوصفوا لهم قالوا : فمن تبعه منكم؟ قالوا : سفلتنا . فضحك حبر منهم فقال : هذا النبي الذي نجد نعته ونجد قومه أشد الناس له عداوة .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن وهب قال : كان في بني إسرائيل رجل عصى الله تعالى مائتي سنة ، ثم مات فأخذوه فألقوه على مزبلة ، فأوحى الله إلى موسى عليه السلام : أن أخرج فصلِّ عليه قال : يا رب ، بنو إسرائيل شهدوا أنه عصاك مائتي سنة ، فأوحى الله إليه : هكذا كان لأنه كان كلما نشر التوراة ، ونظر إلى اسم محمد صلى الله عليه وسلم قبَّله وضعه على عينيه وصلى عليه ، فشكرت له ذلك وغفرت ذنوبه وزوّجته سبعين حوراء .
وأخرج ابن سعد والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن عائشة رضي الله عنها قالت : إن النبي صلى الله عليه وسلم مكتوب في الإِنجيل لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة مثلها ، ولكن يعفو ويصفح .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال « قدم الجارود بن عبد الله على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وقال : والذي بعثك بالحق لقد وجدت وصفك في الإِنجيل ولقد بشَّر بك ابن البتول » .
وأخرج ابن سعد وابن عساكر من طريق موسى بن يعقوب الربعي عن سهل مولى خيثمة قال : قرأت في الإِنجيل نعت محمد صلى الله عليه وسلم : إنه لا قصير ولا طويل أبيض ذو طمرين ، بين كتفيه خاتم ، يكثر الاحتباء ولا يقبل الصدقة ، ويركب الحمار والبعير ، ويحتلب الشاة ويلبس قميصاً مرقوعاً ، ومن فعل ذلك فقد برىء من الكبر ، وهو يفعل ذلك وهو من ذرية اسمعيل عليه السلام .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال : أوحى الله تعالى إلى شعيب « إني باعث نبياً أمياً أفتح به آذاناً صماً ، وقلوباً غلفاً ، وأعيناً عمياً ، مولده بمكة ومهاجره بطيبة وملكه بالشام ، عبدي المتوكل المصطفى المرفوع الحبيب المتحبب المختار ، لا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح رحيماً بالمؤمنين ، يبكي للبهيمة المثقلة ويبكي لليتيم في حجر الأرملة ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا صخاب في الأسواق ، ولا متزين بالفحش ، ولا قوّال للخنا ، يمر إلى جنب السراج لم يطفئه من سكينته ، ولو يمشي على القصب الرعراع يعني اليابس لم يسمع من تحت قدميه ، أبعثه مبشراً ونذيراً ، أسدده لكل جميل وأهب له كل خلق كريم ، أجعل السكينة لباسه ، والبرَّ شعاره ، والمغفرة والمعروف حليته ، والحق شريعته ، والهدى إمامه ، والإِسلام ملته ، وأحمد اسمه ، أهدي به من بعد الضلالة ، وأعلم به بعد الجهالة ، وأرفع به بعد الخمالة ، وأسمي به بعد النكرة ، وأكثر به بعد القلة ، وأغنى به بعد العيلة ، وأجمع به بعد الفرقة ، وأؤلف به بين قلوب ، وأهواء متشتتة وأمم مختلفة ، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس ، آمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر ، وتوحيداً لي وإيماناً بي وإخلاصاً لي وتصديقاً لما جاءت به رسلي ، وهم رعاة الشمس . (4/345)
طوبى لتلك القلوب والوجوه والأرواح التي أخلصت لي ، أُلهمهم التسبيح والتكبير والتمجيد والتوحيد في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم ، ويصفُّون في مساجدهم كما تصف الملائكة حول عرشي ، هم أوليائي وأنصاري ، أنتقم بهم من أعدائي عبدة الأوثان ، يصلون لي قياماً وقعوداً وسجوداً ، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي ألوفاً ، ويقاتلون في سبيلي صفوفاً وزحوفاً ، اختم بكتبهم الكتب ، وشريعتهم الشرائع ، وبدينهم الأديان ، من أدركهم فلم يؤمن بكتابهم ويدخل في دينهم وشريعتهم فليس مني وهو مني بريء ، واجعلهم أفضل الأمم ، واجعلهم أمة وسطاء شهداء على الناس ، إذا عضبوا هللوني ، وإذا قبضوا كبَّروني ، وإذا تنازعوا سبَّحوني ، يطهرون الوجوه والأطراف ، ويشدون الثياب إلى الأنصاف ، ويهللون على التلال والأشراف ، قربانهم دماؤهم ، وأناجيلهم صدورهم ، رهبان بالليل ليوث بالنهار ، مناديهم في جو السماء ، لهم دوي كدوي النحل ، طوبى لمن كان معهم وعلى دينهم ومناهجهم وشريعتهم ، ذلك فضلي أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم » .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن وهب بن منبه قال : إن الله أوحى في الزبور « يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد صادقاً نبياً لا أغضب عليه أبداً ولا يعصيني أبداً ، وقد غفرت له أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وأمته مرحومة أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء ، وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل ، حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء ، وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا لي لكل صلاة كما افترضت على الأنبياء قبلهم ، وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم ، وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم ، وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم ، يا داود إني فضَّلت محمداً وأمته على الأمم ، أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الأمم ، لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان ، وكل ذنب ركبوه على غير عمد إذا استغفروني منه غفرته ، وما قدموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسهم عجلته لهم أضعافاً مضاعفة ، ولهم عندي أضعاف مضاعفة وأفضل من ذلك ، وأعطيتهم على المصائب في البلايا إذا صبروا وقالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ، الصلاة والرحمة والهدى إلى جنات النعيم ، فإن دعوني استجبت لهم ، فإما أن يروه عاجلاً وإما أن أصرف عنهم سوءاً وإما أن أؤخره لهم في الآخرة ، يا داود من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي صادقاً بها فهو معي في جنتي وكرامتي ، ومن لقيني وقد كذب محمداً وكذب بما جاء به واستهزأ بكتابي صببت عليه في قبره العذاب صباً ، وضربت الملائكة وجهه ودبره عند منشره من قبره ، ثم أدخله في الدرك الأسفل من النار » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن عبدالله بن عمرو قال : أجد في الكتب أن هذه الأمة تحب ذكر الله كما تحب الحمامة وكرها ، ولهم أسرع إلى ذكر الله من الإِبل إلى وردها يوم ظمئها . (4/346)
قوله تعالى : { ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث } الآية .
أخرج الطبراني عن حبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه عن جده « أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه رجل من الأعراب يستفتيه عن الرجل ، ما الذي يحل له والذي يحرم عليه في ماله ونسكه وماشيته وعنزه وفرعه من نتاج إبله وغنمه؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أحلَّ لك الطيبات وحرم عليك الخبائث إلا أن تفتقر إلى طعام فتأكل منه حتى تستغني عنه . قال : ما فقري الذي آكل ذلك إذا بلغته؟ أمْ ما غناي الذي يغنيني عنه؟ قال : إذا كنت ترجو نتاجاً فتبلغ بلحوم ماشيتك إلى نتاجك ، أو كنت ترجو عشاء تصيبه مدركاً فتبلغ إليه بلحوم ماشيتك ، وإذا كنت لا ترجو من ذلك شيئاً فاطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه . قال الأعرابي : وما عشائي الذي أدعه إذا وجدته؟ قال : إذا رويت أهلك غبوقاً من اللبن فاجتنب ما حرم عليك من الطعام ، وأما مالك فإنه ميسور كله ليس منه حرام غير أن في نتاجك من إبلك فرعاً ، وفي نتاجك من غنمك فرعاً تغذوه ماشيتك ، حتى تستغني ، ثم إن شئت فاطعمه أهلك وإن شئت تصدَّق بلحمه ، وأمره أن يعقر من الغنم في كل مائة عشراً » .
وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن جريج في قوله { ويحل لهم الطيبات } قال : الحلال { ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } قال : التثقيل الذي كان في دينهم . (4/347)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { ويحرم عليهم الخبائث } قال : كلحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلون من المحرمات من المآكل التي حرَّمها الله . وفي قوله { ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } قال : هو ما كان أخذ الله عليهم من الميثاق فيما حرم عليهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { ويضع عنهم إصرهم } قال : عهدهم ومواثيقهم في تحريم ما أحلَّ الله لهم .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن السدي { ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } يقول : يضع عنهم عهودهم ومواثيقهم التي أخذت عليهم في التوراة والإِنجيل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { ويضع عنهم إصرهم } قال : التشديد في العبادة ، كان أحدهم يذنب الذنب فيكتب على باب داره : إن توبتك أن تخرج أنت وأهلك ومالك إلى العدو فلا ترجع حتى يأتي الموت على آخركم .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { ويضع عنهم إصرهم } قال : ما غلظ على بني إسرائيل من قرض البول من جلودهم إذا أصابهم ونحوه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب في قوله { والأغلال التي كانت عليهم } قال : الشدائد التي كانت عليهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ويضع عنه إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } قال : تشديد شدد على القوم ، فجاء محمد صلى الله عليه وسلم بالتجاوز عنهم .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير { ويضع عنهم إصرهم } قال : ما غلظوا على أنفسهم من قطع أثر البول ، وتتبع العروق في اللحم وشبهه .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد { ويضع عنهم إصرهم } قال : عهدهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { عزروه } يعني عَظَّموه وَوَقَّروه .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله { وعزَّروه ونصروه } قال : بالسيف .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { وعزَّروه } يقول : نصروه . قال : فأما نصره وتعزيزه وقد سبقتم به ، ولكن خيركم من آمن واتبع النور الذي أنزل معه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاده { وعزَّروه } قال : شددوا أمره وأعانوا رسوله ونصروه .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { وعزروه } مثقلة .
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)
أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال : بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الأحمر والأسود فقال { يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً } . (4/348)
وأخرج البخاري وابن مردويه عن أبي الدرداء قال : « كانت بين أبي بكر وعمر محاورة ، فاغضب أبو بكر عمر ، فانصرف عمر عنه مغضباً . فأتبعه أبو بكر فسأله أن يستغفر له ، فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه ، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وندم عمر على ما كان منه ، فأقبل حتى سلَّم وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقصَّ الخبر ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : » هل أنتم تاركو لي صاحبي ، إني قلت { يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً } فقلتم : كذبت . وقال أبو بكر : صدقت « .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { يؤمن بالله وكلمته } قال : عيسى .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { يؤمن بالله وكلماته } على الجماع .
وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162)
أخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : قال موسى : يا رب ، أجد أمة انجيلهم في قلوبهم؟ قال : تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد . قال : يا رب ، أجد أمة يصلون الخمس تكون كفارة لما بينهن؟ قال : تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد . قال : يا رب أجد أمة يعطون صدقات أموالهم ثم ترجع فيهم فيأكلون؟ قال : تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد . قال : يا رب ، اجعلني من أمة أحمد . فأنزل الله كهيئة المرضية لموسى { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } . (4/349)
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي ليلى الكندي قال : قرأ عبدالله بن مسعود « ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون » فقال رجل : ما أحب إني منهم . فقال عبدالله : لم ما يزيد صالحوكم على أن يكونوا مثلهم؟
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله { ومن قوم موسى أمة } الآية . قال : بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً ، تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبينهم ، ففتح الله له نفقاً في الأرض فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين ، فهم هنالك حنفاء مستقبلين يستقبلون قبلتنا . قال ابن جريج : قال ابن عباس : فذلك قوله { وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفاً } [ الإِسراء : 104 ] ووعد الآخرة عيسى ابن مريم . قال ابن عباس : ساروا في السرب سنة ونصفاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال : افترقت بنو إسرائيل بعد موسى إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة ، وافترقت النصارى بعد عيسى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة ، وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة ، فأما اليهود فإن الله يقول { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } وأما النصارى فإن الله يقول { منهم أمة مقتصدة } [ المائدة : 66 ] فهذه التي تنجو ، وأما نحن فيقول { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } [ الأعراف : 181 ] فهذه التي تنجو من هذه الأمة .
وأخرج أبو الشيخ عن مقاتل قال : إن مما فضل الله به محمداً صلى الله عليه وسلم أنه عاين ليلة المعراج قوم موسى الذين من وراء الصين ، وذلك أن بني إسرائيل حين عملوا بالمعاصي وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس ، دعوا ربهم وهم بالأرض المقدسة فقالوا : اللهمَّ أخرجنا من بين أظهرهم ، فاستجاب لهم فجعل لهم سرباً في الأرض فدخلوا فيه ، وجعل معهم نهراً يجري وجعل لهم مصباحاً من نور بين أيديهم ، فساروا فيه سنة ونصفاً وذلك من بيت المقدس إلى مجلسهم الذي هم فيه ، فأخرجهم الله إلى أرض تجتمع فيها الهوام والبهائم والسباع مختلطين بها ، ليس فيها ذنوب ولا معاص ، فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ومعه جبريل ، فآمنوا به وصدقوه وعلَّمهم الصلاة وقالوا : إن موسى قد بشَّرهم به .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } قال : بينكم وبينهم نهر من سهل ، يعني من رمل يجري . (4/350)
وأخرج ابن أبي حاتم عن صفوان بن عمرو قال : هم الذين قال الله { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق } يعني سبطان من أسباط بني إسرائيل يوم الملحمة العظمى ينصرون الإِسلام وأهله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال : إن لله عباداً من وراء الأندلس كما بيننا وبين الأندلس لا يرون أن الله عصاه مخلوق ، رضراضهم الدر والياقوت وجبالهم الذهب والفضة ، لا يزرعون ولا يحصدون ولا يعملون عملاً ، لهم شجر على أبوابهم لها أوراق عراض هي لبوسهم ، ولهم شجر على أبوابهم لها ثمر ، فمنها يأكلون .
قوله تعالى : { فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً } .
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { فانبجست } قال : انفجرت .
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عزَّ وجلَّ { فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً } قال : أجرى الله من الصخرة اثنتي عشرة عيناً ، لكل سبط عين يشربون منها . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم . أما سمعت بشر بن أبي حازم يقول :
فاسلبت العينان مني بواكف ... كما انهل من واهي الكلى المتبجس
وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال : دخلت على ابن عباس وهو يقرأ هذه الآية { واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر } قال : يا عكرمة ، هل تدري أي قرية هذه؟ قلت : لا . قال : هي أيلة . (4/351)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب { واسألهم عن القرية } قال : هي طبرية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد واسألهم عن القرية قال : هي قرية يقال لها مقنا بين مدين وعينونا .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير { واسألهم عن القرية } قال : هي مدين .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { إذ يعدون في السبت } قال : يظلمون .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { شرعاً } يقول : من كل مكان .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { شرعاً } قال : ظاهرة على الماء .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { شرعاً } قال : واردة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر } قال : هي قرية على شاطىء البحر بين مصر والمدينة يقال لها أيلة ، فحرَّم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم ، فكانت تأتيهم يوم سبتهم شرعاً في ساحل البحر ، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها ، فمكثوا كذلك ما شاء الله ، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم ، فنهتهم طائفة فلم يزدادوا إلا غيّاً . فقالت طائفة من النهاة : تعلمون أن هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب { لم تعظون قوماً الله مهلكهم } وكانوا أشد عضباً من الطائفة الأخرى ، وكل قد كانوا ينهون ، فما وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان اللتان قالتا : لم تعظون؟ والذين { قالوا : معذرة إلى ربكم } وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان فجعلهم قردة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { واسألهم عن القرية . . . } الآية . قال : إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم يوم الجمعة ، فخالفوا إلى السبت فعظَّموه وتركوا ما أمروا به ، فلما ابتدعوا السبت ابتلوا فيه ، فحرمت عليهم الحيتان ، وهي قرية يقال لها مدين بين أيلة والطور ، فكانوا إذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر ، فإذا انقضى السبت ذهبت فلم تر حتى مثله من السبت المقبل ، فإذا جاء السبت عادت شرعاً ، ثم إن رجلاً منهم أخذ حوتاً فحزمه بخيط ثم ضرب له وتداً في الساحل وربطه وتركه في الماء ، فلما كان الغد جاء فأخذه فأكله سراً ، ففعلوا ذلك وهم ينظرون لا يتناهون إلا بقية منهم ، فنهوهم حتى إذا ظهر ذلك في الأسواق علانية قالت طائفة للذين ينهونهم { لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً } قالوا { معذرة إلى ربكم } في سخطنا أعمالهم { ولعلهم يتقون } فكانوا أثلاثاً .
ثلثاً نهى ، وثلثاً قالوا { لم تعظون } وثلثاً أصحاب الخطيئة ، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم ، فأصبح الذين نهوا ذات غداة في مجالسهم يتفقدون الناس لا يرونهم ، وقد باتوا من ليلتهم وغلقوا عليهم دورهم ، فجعلوا يقولون : إن للناس شأناً فانظروا ما شأنهم ، فاطلعوا في دورهم فإذا القوم قد مسخوا يعرفون الرجل بعينه وأنه لقرد ، والمرأة بعينها وانها لقردة . (4/352)
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عكرمة قال : جئت ابن عباس يوماً وهو يبكي ، وإذا المصحف في حجره فقلت : ما يبكيك يا ابن عباس؟ فقال : هؤلاء الورقات . وإذا في سورة الأعراف قال : تعرف أيلة؟ قلت : نعم . قال : فإنه كان بها حي من يهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت ، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا عليها بعد كد ومؤنة شديدة ، وكانت تأتيهم يوم السبت شرعاً بيضاً سمانا كأنها الماخض ، فكانوا كذلك برهة من الدهر ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال : إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت فخذوها فيه وكلوها في غيره من الأيام . فقالت : ذلك طائفة منهم ، وقالت طائفة : بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها في يوم السبت ، فعدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها ، واعتزلت طائفة ذات اليمين ، وتنحَّت واعتزلت طائفة ذات اليسار ، وسكتت وقال الأيمنون : ويلكم . . . ؟ لا تتعرضوا لعقوبة الله ، وقال الأيسرون { لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً } قال الأيمنون : { معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون } ان ينتهوا فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا ، وأن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم . فمضوا على الخطيئة وقال الأيمنون : قد فعلتم يا أعداء الله ، والله لنبايننَّكم الليلة في مدينتكم . والله ما أراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب ، فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا فلم يجابوا ، فوضعوا سلما وعلوا سور المدينة رجلاً ، فالتفت إليهم فقال : أي عباد الله قردة والله تعاوى لها أذناب . . . ! ففتحوا فدخلوا عليهم فعرفت القردة أنسابها من الانس ولا تعرف الانس أنسابها من القردة ، فجعلت القرود تأتي نسيبها من الانس فتشم ثيابه وتبكي ، فيقول ألم ننهكم فتقول برأسها : أي نعم . ثم قرأ ابن عباس { فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس } قال : أليم وجيع . قال : فارى الذين نهوا قد نجوا ولا أرى الآخرين ذكروا ، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها . قلت : أي جعلني الله فداك ، ألا ترى أنهم كرهوا ما هم عليه وخالفوهم ، وقالوا { لم تعظون قوماً الله مهلكهم } قال : فأمر بي فكسيت ثوبين غليظين .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال : كانت قرية على ساحل البحر يقال لها ايلة ، وكان على ساحل البحر صنمان من حجارة مستقبلان الماء ، يقال لأحدهما لقيم والآخر لقمانة ، فأوحى الله إلى السمك ، أن حج يوم السبت إلى الصنمين ، وأوحى إلى أهل القرية : أني قد أمرت السمك أن يحجوا إلى الصنمين يوم السبت فلا تعرضوا للسمك يوم لا يمتنع منكم ، فإذا ذهب السبت فشأنكم به فصيدوه ، فكان إذا طلع الفجر يوم السبت أقبل السمك شرعاً إلى الصنمين لا يمتنع من آخذ يأخذه ، فظهر يوم السبت شيء من السمك في القرية فقالوا : نأخذه يوم السبت فنأكله يوم الأحد ، فلما كان يوم السبت الآخر ظهر أكثر من ذلك ، فلما كان السبت الآخر ظهر السمك في القرية ، فقام إليهم قوم منهم فوعظوهم فقالوا : اتقوا الله . فقام آخرون فقالوا { لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون } فلما كان سبت من تلك الأسبات فشى السمك في القرية ، فقال الذين نهوا عن السوء فقالوا : لا نبيت معكم الليلة في هذه القرية . فقيل لهم : لو أصبحتم فانقلبتم بذراريكم ونسائكم . قالوا : لا نبيت معكم الليلة في هذه القرية ، فإن أصبحنا غدونا فاخرجنا ذرارينا وأمتعتنا من بين ظهرانيكم وكان القوم شاتين ، فلما أمسوا أغلقوا أبوابهم فلما أصبحوا لم يسمع القوم لهم صوتاً ولم يروا سرجاً خرج من القرية . . . ! قالوا : قد أصاب أهل القرية شر . . . ! فبعثوا رجلاً منهم ينظر إليهم ، فلما أتى القرية إذا الأبواب مغلقة عليهم ، فاطلع في دار فإذا هم قرود كلهم ، المرأة أنثى والرجل ذكر ، ثم اطلع في دار أخرى فإذا هم كذلك الصغير صغير والكبير كبير ، ورجع إلى القوم فقال : يا قوم نزل بأهل القرية ما كنتم تحذرون ، أصبحوا قردة كلهم لا يستطيعون أن يفتحوا الأبواب ، فدخلوا عليه فإذا هم قردة كلهم ، فجعل الرجل يومىء إلى القرد منهم أنت فلان ، فيومىء برأسه : نعم . وهم يبكون فقالوا : أبعدكم الله قد حذرناكم هذا ، ففتحوا لهم الأبواب فخرجوا فلحقوا بالبرية . (4/353)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : نجا الناهون وهلك الفاعلون ، ولا أدري ما صنع بالساكتين .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : والله لئن أكون علمت أن القوم الذين قالوا { لم تعظون قوماً } نجوا مع الذين نهوا عن السوء أحب إلى ما عدل به . وفي لفظ : من حمر النعم . ولكني أخاف أن تكون العقوبة نزلت بهم جميعاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال : قال ابن عباس : ما أدري انجا الذين قالوا لم تعظون قوماً أم لا؟ قال : فما زلت أبصره حتى عرف أنهم قد نجوا فكساني حلة . (4/354)
وأخرج عبد بن حميد عن ليث بن أبي سليم قال : مسخوا حجارة الذين قالوا { لم تعظون قوماً الله مهلكهم } .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله { واسألهم عن القرية . . . } الآية . قال : كان حوتاً حرمه الله عليهم في يوم وأحله لهم فيما سوى ذلك ، فكان يأتيهم في اليوم الذي حرَّمه الله عليهم كأنه المخاض ما يمتنع من أحد ، فجعلوا يهمون ويمسكون وقلما رأيت أحداً أكثر الأهتمام بالذنب إلا واقعه ، فجعلوا يهمون ويمسكون حتى أخذوه فأكلوا بها والله أوخم أكلة أكلها قوم قط أبقاه خزياً في الدنيا وأشده عقوبة في الآخرة ، وأيم الله للمؤمن من أعظم حرمة عند الله من حوت ، ولكن الله عز وجل جعل موعد قوم الساعة والساعة أدهى وأمر .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال : أخذ موسى عليه السلام رجلاً يحمل حطباً يوم السبت ، وكان موسى يسبت فصلبه .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال : احتطب رجل في السبت ، وكان داود عليه السلام يسبت فصلبه .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي بكر بن عياش قال : كان حفظي عن عاصم « بعذاب بئيس » على معنى فعيل ، ثم دخلني منها شك فتركت روايتها عن عاصم وأخذتها عن الأعمش « بعذاب بئيس » على معنى فعيل .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { بعذاب بئيس } قال : لا رحمة فيه .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { بعذاب بئيس } قال : وجيع .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { بعذاب بئيس } قال : أليم بشدة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال : نودي الذي اعتدوا في السبت ثلاثة أصوات ، نودوا يا أهل القرية فانتبهت طائفة ، ثم نودوا يا أهل القرية فانتبهت طائفة أكثر من الأولى ، ثم نودوا يا أهل القرية فانتبه الرجال والنساء والصبيان ، فقال الله لهم { كونوا قردة خاسئين } [ البقرة : 65 ] فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون : يا فلان ألم ننهكم؟ فيقولون برؤوسهم : أي بلى .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير وماهان الحنفي قال : لما مسخوا جعل الرجل يشبه الرجل وهو قرد ، فيقال : أنت فلان . . . ؟! فيومىء إلى يديه بما كسبت يداي .
وأخرج ابن بطة عن أبي هريرة رضي الله عنه « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل » .
وأخرج أبو الشيخ عن سفيان قال : قالوا لعبد الله بن عبد العزيز العمري في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : تأمر من لا يقبل منك؟ قال : يكون معذرة ، وقرأ { قالوا معذرة إلى ربكم } .
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { وإذ تأذن ربك . . . } الآية . قال : الذين يسومونهم سوء العذاب محمد وأمته إلى يوم القيامة ، وسوء العذاب الجزية . (4/355)
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { وإذ تأذن ربك } الآية . قال : هم اليهود ، بعث عليهم العرب يجبونهم الخراج فهو سوء العذاب ، ولم يكن من نبي جبا الخراج إلا موسى ، جباه ثلاث عشرة سنة ثم كفَّ عنه ولا النبي صلى الله عليه وسلم . وفي قوله { وقطعناهم . . . } الآية . قال : هم اليهود بسطهم الله في الأرض ، فليس في الأرض بقعة إلا وفيها عصابة منهم وطائفة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { وإذ تأذن ربك } يقول : قال ربك : ليبعثن عليهم قال : على اليهود والنصارى إلى يوم القيامة { من يسومهم سوء العذاب } فبعث الله عليهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم يأخذون منهم الجزية وهم صاغرون { وقطعناهم في الأرض أمماً } قال : يهود { منهم الصالحون } وهم مسلمة أهل الكتاب { ومنهم دون ذلك } قال : اليهود { وبلوناهم بالحسنات } قال : الرخاء والعافية { والسيئات } قال : البلاء والعقوبة .
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قول الله { وقطعناهم في الأرض أمماً } ما الأمم؟ قال : الفرق ، وقال فيه بشر بن أبي حازم :
من قيس غيلان في ذوائبها ... منهم وهم بعد قادة الأمم
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } قال : بالخصب والجدب .
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)
أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية { فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى } قال : أقوام يقبلون على الدنيا فيأكلونها ويتبعون رخص القرآن ويقولون : سيغفر لنا ، ولا يعرض لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه ، ويقولون : سيغفر لنا . (4/356)
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { فخلف من بعدهم خلف } قال : النصارى { يأخذون عرض هذا الأدنى } قال : ما أشرف لهم شيء من الدنيا حلالاً أو حراماً يشتهونه أخذوه ويتمنون المغفرة ، وإن يجدوا آخر مثله يأخذونه .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { فخلف من بعدهم خلف . . . } الآية . يقول : يأخذون ما أصابوا ويتركون ما شاؤوا من حلال أو حرام ، ويقولون سيغفر لنا .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { فخلف من بعدهم خلف } قال : خلف سوء { ورثوا الكتاب } بعد أنبيائهم ورسلهم أورثهم الله الكتاب وعهد إليهم { يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا } قال : آمانيٌّ تمنوها على الله وغرة يغترون بها { وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه } ولا يشغلهم شيء عن شيء ولا ينهاهم شيء عن ذلك ، كلما أشرف لهم شيء من الدنيا أخذوه ولا يبالون حلالاً كان أو حراماً .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب ، عن سعيد بن جبير في قوله { يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا } قال : كانوا يعملون بالذنوب ، ويقولون : سيغفر لنا .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء في قوله { يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا } قال : يأخذون ما عرض لهم من الدنيا ، ويقولون : نستغفر الله ونتوب إليه .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال : كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضياً إلا ارتشى في الحكم ، فإذا قيل له يقول : سيغفر لي .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي الجلد قال : يأتي على الناس زمان تخرب صدورهم من القرآن ، وتتهافت وتبلى كما تبلى ثيابهم ، لا يجدون لهم حلاوة ولا لذاذة ، إن قصروا عما أُمروا به قالوا : إن الله غفور رحيم ، وإن عملوا بما نهوا عنه قالوا : سيغفر لنا إنا لا نشرك بالله شيئاً أمرهم كله طمع ليس فيه خوف ، لبسوا جلود الضان على قلوب الذئاب أفضلهم في نفسه المدهن .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال : المؤمن يعلم أن ما قال الله كما قال الله ، والمؤمن أحسن عملاً وأشدَّ الناس خوفاً لو أنفق جبلاً من مال ما أمن دون أن يعاين ، لا يزداد صلاحاً وبرّاً وعبادة إلا ازداد فرقاً يقول : ألا أنجو . . . ؟ والمنافق يقول : سواد الناس كثير وسيغفر لي ولا بأس عليَّ ، فيسيء العمل ويتمنى على الله .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق } فيما يوجهون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون إليها ولا يتوبون منها . (4/357)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { ودرسوا ما فيه } قال : علموا ما في الكتاب لم يأتوه بجهالة .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله { والذين يمسكون بالكتاب } قال : هي لأهل الأيمان منهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { والذين يمسكون بالكتاب } قال : من اليهود والنصارى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { والذين يمسكون بالكتاب } قال : الذي جاء به موسى عليه السلام .
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة } يقول : رفعناه وهو قوله { ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم } [ النساء : 154 ] فقال { خذوا ما آتيناكم بقوة } وإلا أرسلته عليكم . (4/358)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وإذ نتقنا الجبل } قال : رفعته الملائكة فوق رؤوسهم فقيل لهم { خذوا ما آتيناكم بقوة } فكانوا إذا نظروا إلى الجبل قالوا : سمعنا وأطعنا ، وإذا نظروا إلى الكتاب قالوا : سمعنا وعصينا .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : إني لأعلم لم تسجد اليهود على حرف قال الله { وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم } قال : لتأخذن أمري أو لأرمينكم به ، فسجدوا وهم ينظرون إليه مخافة أن يسقط عليهم ، فكانت سجدة رضيها الله تعالى فاتخذوها سنة .
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة قال : أتى ابن عباس يهودي ونصراني فقال لليهودي :
ما دعاكم أن تسجدوا بجباهكم؟ فلم يدر ما يجيبه ، فقال : سجدتم بجباهكم لقول الله { وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة } فخررتم لجباهكم تنظرون إليه ، وقال للنصراني : سجدتم إلى الشرق لقول الله { انتبذت به مكاناً شرقياً } [ مريم : 16 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال : إن هذا الجبل ، جبل الطور ، هو الذي رفع على بني إسرائيل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { وإذ نتقنا الجبل } قال : كما تنتق الزبدة أخرجنا الجبل .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ثابت بن الحجاج قال : جاءتهم التوراة جملة واحدة ، فكبر عليهم فأبوا أن يأخذوه حتى ظلَّل الله عليهم الجبل ، فأخذوه عند ذلك .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة { وإذ نتقنا الجبل } قال : انتزعه الله من أصله ثم جعله فوق رؤوسهم ، ثم قال : لتأخذن أمري أو لأرمينكم به .
وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن الكلبي قال : كتب هرقل ملك الروم إلى معاوية يسأله عن الشيء ولا شيء ، وعن دين لا يقبل الله غيره ، وعن مفتاح الصلاة ، وعن غرس الجنة ، وعن صلاة كل شيء ، وعن أربعة فيهم الروح ولم يركضوا في اصلاب الرجال ولا ارحام النساء ، وعن رجل لا أب له ، وعن رجل لا قوم له ، وعن قبر جرى بصاحبه ، وعن قوس قزح ، وعن بقعة طلعت عليها الشمس مرة لم تطلع عليها قبلها ولا بعدها ، وعن ظاعن ظعن مرة لم يظعن قبلها ولا بعدها ، وعن شجرة نبتت بغير ماء ، وعن شيء يتنفس لا روح له ، وعن اليوم وأمس وغد وبعد غد ما أجزاؤها في الكلام ، وعن الرعد والبرق وصوته ، وعن المجرة ، وعن المحو الذي في القمر؟ فقيل له : لست هناك وإنك متى تخطىء شيئاً في كتابك إليه يغتمزه فيك ، فاكتب إلى ابن عباس .
فكتب إليه فأجابه ابن عباس : أما الشيء : فالماء ، قال الله { وجعلنا من الماء كل شيء حي } واما لا شيء : فالدنيا تبيد وتفنى ، وأما الدين الذي لا يقبل الله غيره : فلا إله إلا الله ، وأما مفتاح الصلاة : فالله أكبر ، وأما غرس الجنة . فلا حول ولا قوة إلا بالله ، وأما صلاة كل شيء : فسبحان الله وبحمده ، وأما الأربعة التي فيها الروح ولم يرتكضوا في أصلاب الرجال ولا أرحام النساء : فآدم ، وحواء ، وعصا موسى ، والكبش الذي فدى الله به إسحق ، واما الرجل الذي لا أب له : فعيسى ابن مريم ، وأما الرجل الذي لا قوم له : فآدم ، وأما القبر الذي جرى بصاحبه : فالحوت حيث سار بيونس في البحر ، وأما قوس قزح : فأمان الله لعباده من الغرق ، وأما البقعة التي طلعت عليها الشمس ولم تطلع عليها قبلها ولا بعدها : فالبحر حيث انفلق لبني إسرائيل ، وأما الظاعن الذي ظعن مرة لم يظعن قبلها ولا بعدها : فجبل طور سيناء ، كان بينه وبين الأرض المقدسة أربع ليال ، فلما عصت بنو إسرائيل أطاره الله بجناحين من نور فيه ألوان العذاب ، فأظله الله عليهم وناداهم مناد إن قبلتم التوراة كشفته عنكم وإلا ألقيته عليكم ، فأخذوا التوراة معذورين فرده الله إلى موضعه ، فذلك قوله { وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة . . . } الآية ، وأما الشجرة التي نبتت من غير ماء : فاليقطينة التي أنبتت على يونس ، وأما الذي تنفس بلا روح فالصبح . قال الله { والصبح إذا تنفس } [ التكوير : 18 ] ، وأما اليوم : فعمل ، وأما أمس : فمثل ، وأما غد : فأجل وبعد غد فأمل ، وأما البرق : فمخاريق بأيدي الملائكة تضرب بها السحاب ، وأما الرعد : فاسم الملك الذي يسوق السحاب وصوته زجره ، وأما المجرة : فأبواب السماء ومنها تفتح الأبواب ، وأما المحو الذي في القمر فقول الله { وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل } [ الإِسراء : 12 ] ولولا ذلك المحو لم يعرف الليل من النهار ولا النهار من الليل . فبعث بها معاوية إلى قيصر ، وكتب إليه جواب مسائله . فقال قيصر : ما يعلم هذا إلا نبي أو رجل من أهل بيت نبي . والله تعالى أعلم . (4/359)
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { وإذ أخذ ربك من بني آدم . . . } الآية . قال : خلق الله آدم وأخذ ميثاقه أنه ربه ، وكتب أجله ورزقه ومصيبته ، ثم أخرج ولده من ظهره كهيئة الذر فأخذ مواثيقهم أنه ربهم ، وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم . (4/360)
وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس في قوله { وإذ أخذ ربك من بني آدم . . . } الآية . قال : لما خلق الله آدم أخذ ذريته من ظهره كهيئة الذر ، ثم سماهم بأسمائهم فقال : هذا فلان بن فلان يعمل كذا وكذا ، وهذا فلان بن فلان يعمل كذا وكذا ، ثم أخذ بيده قبضتين فقال : هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم واللالكائي في السنة عن ابن عباس في قوله { وإذ أخذ ربك } الآية . قال : إن الله خلق آدم ثم أخرج ذريته من صلبه مثل الذر ، فقال لهم : من ربكم؟ فقالوا : الله ربنا . ثم أعادهم في صلبه حتى يولد كل من أخذ ميثاقه لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم إلى أن تقوم الساعة .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال : لما أهبط آدم عليه السلام حين أهبط بدحناء ، فمسح الله ظهره فأخرج كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ، ثم قال : ألست بربكم؟ قالوا : بلى . فيومئذ جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال : مسح الله على صلب آدم فأخرج من صلبه ما يكون من ذريته إلى يوم القيامة ، وأخذ ميثاقهم أنه ربهم وأعطوه ذلك ، فلا يسأل أحد كافر ولا غيره من ربك؟ إلا قال : الله .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ واللالكائي في السنة عن عبد الله بن عمرو في قوله { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } قال : أخذهم من ظهرهم كما يؤخذ بالمشط من الرأس .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن منده في كتاب الرد على الجهمية وأبو الشيخ عن ابن عباس في الآية قال : أخرج ذريته من صلبه كأنهم الذر في آذىء من الماء .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في الآية قال : إن الله ضرب بيمينه على منكب آدم فخرج منه مثل اللؤلؤ في كفه ، فقال : هذا للجنة . وضرب بيده الأخرى على منكبه الشمال فخرج منه سواد مثل الحمم فقال : هذا ذرء النار . قال : وهي هذه الآية { ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإِنس } [ الأعراف : 179 ] .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في الآية قال : مسح الله ظهر آدم وهو ببطن نعمان - واد إلى جنب عرفة - فأخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ، ثم أخذ عليهم الميثاق وتلا « أن يقولوا يوم القيامة » هكذا قرأها يقولوا بالياء .
وأخرج أبو الشيخ عن عبد الكريم بن أبي أمية قال : أخرجوا من ظهره مثل طريق النمل . (4/361)
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب قال : أقروا له بالإِيمان والمعرفة الأرواح قبل أن يخلق أجسادها .
وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن كعب قال : خلق الله الأرواح قبل أن يخلق الأجساد ، فأخذ ميثاقهم .
وأخرج ابن عبد البر في التمهيد من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله تعالى { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } قالوا : لما أخرج الله آدم من الجنة قبل تهبيطه من السماء ، مسح صفحة ظهره اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر ، فقال لهم : ادخلوا الجنة برحمتي . ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر ، فقال : ادخلوا النار ولا أبالي . فذلك قوله : أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ، ثم أخذ منهم الميثاق فقال { ألست بربكم قالوا بلى } فأعطاه طائفة طائعين وطائفة كارهين على وجه التقية ، فقال : هو والملائكة { شهدنا أن يقولوا يوم القيامة إنَّا كنا عن هذا غافلين ، أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل } قالوا : فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف الله أنه ربه ، وذلك قوله عز وجل { وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً } [ آل عمران : 83 ] وذلك قوله { فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين } [ الأنعام : 149 ] يعني يوم أخذ الميثاق .
وأخرج ابن جرير عن أبي محمد رجل من أهل المدينة قال : سألت عمر بن الخطاب عن قوله { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال « خلق الله آدم بيده ونفخ فيه من روحه ، ثم أجلسه فمسح ظهره بيده اليمنى فأخرج ذراً ، فقال : ذرء ذرأتهم للجنة ، ثم مسح ظهره بيده الأخرى - وكلتا يديه يمين - فقال : ذرء ذرأتهم للنار يعملون فيما شئت من عمل ، ثم اختم لهم بأسوأ أعمالهم فأدخلهم النار » .
وأخرج عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن منده في كتاب الرد على الجهمية واللالكائي وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر في تاريخه عن أبي بن كعب في قوله { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } إلى قوله { بما فعل المبطلون } جميعاً فجعلهم أرواحاً في صورهم ، ثم استنطقهم فتكلموا ، ثم أخذ عليهم العهد والميثاق { وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى } قال : فإني أشهد عليكم السموات السبع ، وأشهد عليكم أباكم آدم { أن تقولوا يوم القيامة } انَّا لم نعلم بهذا ، اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري ولا تشركوا بي شيئاً ، إني سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي ، وأنزل عليكم كتبي قالوا : شهدنا بأنك ربنا وإلهنا ، لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك ، فأقروا ورفع عليهم آدم ينظر إليهم ، فرأى الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك ، فقال : يا رب لولا سوّيت بين عبادك؟ قال : إني أحببت أن أشكر .
ورأى الأنبياء فيهم مثل السرج عليهم النور ، وخصوا بميثاق آخر في الرسالة والنبوة أن يبلغوا وهو قوله { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم } [ الأحزاب : 7 ] الآية وهو قوله { فطرة الله التي فطر الناس عليها } [ الروم : 30 ] وفي ذلك قال { وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين } [ الأعراف : 102 ] وفي ذلك قال { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل } [ الأعراف : 101 ] قال : فكان في علم الله يومئذ من يكذب به ومن يصدق به ، فكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخذ عهدها وميثاقها في زمن آدم ، فأرسله الله إلى مريم في صورة بشر فتمثل لها بشراً سوياً . قال : أبي فدخل من فيها . (4/362)
وأخرج مالك في الموطأ وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والآجري في الشريعة وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه واللالكائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن مسلم بن يسار الجهني ، أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم . . . } الآية . فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال « أن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه ، فاستخرج منه ذرية فقال : خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية ، فقال : خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون . فقال الرجل : يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الله الجنة ، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار » .
وأخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة ، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه كالذر ، ثم كلمهم قبلاً قال { ألست بربكم قالوا بلى شهدنا } إلى قوله { المبطلون } » .
وأخرج ابن جرير وابن منده في كتاب الرد على الجهمية عن عبد الله بن عمرو قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } قال » أخذ من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس . فقال لهم { ألست بربكم قالوا بلى } قالت الملائكة { شهدنا أن يقولوا يوم القيامة إنَّا كنا عن هذا غافلين } « . (4/363)
وأخرج ابن أبي حاتم وابن منده وأبو الشيخ في العظمة وابن عساكر عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال » إن الله لما خلق آدم مسح ظهره فخرت منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ، ونزع ضلعاً من أضلاعه فخلق منه حواء ، ثم أخذ عليهم العهد { ألست بربكم قالوا بلى } ثم اختلس كل نسمة من بني آدم بنوره في وجهه ، وجعل فيه البلوى الذي كتب أنه يبتليه بها في الدنيا من الأسقام ، ثم عرضهم على آدم فقال : يا آدم هؤلاء ذريتك . وإذا فيهم الأجذم والأبرص والأعمى وأنواع الأسقام ، فقال آدم : يا رب لم فعلت هذا بذريتي؟ قال : كي تشكر نعمتي . وقال آدم : يا رب من هؤلاء الذين أراهم أظهر الناس نوراً؟ قال : هؤلاء الأنبياء من ذريتك . قال : من هذا الذي أراه أظهرهم نوراً؟ قال : هذا داود يكون في آخر الأمم . قال : يا رب كم جعلت عمره؟ قال : ستين سنة . قال : يا رب كم جعلت عمري؟ قال : كذا وكذا . قال : يا رب فزده من عمري أربعين سنة حتى يكون عمره مائة سنة . قال : أتفعل يا آدم؟ قال : نعم يا رب . قال : فيكتب ويختم إنَّا كتبنا وختمنا ولم نغير . قال : فافعل أي رب . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلما جاء ملك الموت إلى آدم ليقبض روحه قال : ماذا تريد يا ملك الموت؟ قال : أريد قبض روحك . قال : ألم يبق من أجلي أربعون سنة؟ قال : أو لم تعطها ابنك داود؟ قال : لا . قال : فكان أبو هريرة يقول : نسي آدم ونسيت ذريته ، وجحد آدم فجحدت ذريته « .
وأخرج ابن جرير عن جويبر قال : مات ابن الضحاك بن مزاحم ابن ستة أيام ، فقال : إذا وضعت ابني في لحده فأبرز وجهه وحل عقده ، فإن ابني مجلس ومسؤول . فقلت : عمَّ يسأل؟! قال : عن ميثاق الذي أقرَّ به في صلب آدم ، حدثني ابن عباس : أن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ، فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وتكفل لهم بالأرزاق ، ثم أعادهم في صلبه فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطي الميثاق يومئذ ، فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به نفعه الميثاق الأوّل ، ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يقر به لم ينفعه الميثاق الأول ، ومن مات صغيراً قبل أن يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الأول على الفطرة .
وأخرج عبد بن حميد عن سلمان قال : إن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذارىء إلى يوم القيامة ، فكتب الآجال والأرزاق والأعمال والشقوة والسعادة ، فمن علم السعادة فعل الخير ومجالس الخير ، ومن علم الشقاوة فعل الشر ومجالس الشر . (4/364)
وأخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن أبي أمامة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خلق الله الخلق وقضى القضية ، وأخذ ميثاق النبيين وعرشه على الماء ، فأخذ أهل اليمين بيمينه وأخذ أهل الشمال بيده الأخرى - وكلتا يدي الرحمن يمين - فقال : يا أصحاب اليمين . فاستجابوا له ، فقالوا : لبيك ربنا وسعديك . قال { ألست بربكم قالوا بلى } قال : يا أصحاب الشمال . فاستجابوا له ، فقالوا : لبيك ربنا وسعديك . قال { ألست بربكم قالوا بلى } فخلط بعضهم ببعض فقال قائل منهم : رب لم خلطت بيننا؟! قال { ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون } [ المؤمنون الآية 63 ] . { أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } ثم ردهم في صلب آدم ، فأهل الجنة أهلها ، وأهل النار أهلها ، فقال قائل : يا رسول الله فما الأعمال؟ قال : » يعمل كل قوم لمنازلهم « . فقال عمر بن الخطاب : إذا نجتهد » .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة ، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً من نور ، ثم عرضهم على آدم فقال : أي رب من هؤلاء؟ قال : هؤلاء ذريتك . فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه ، فقال : أي رب من هذا؟! فقال : رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود . قال : أي رب وكم جعلت عمره؟ قال : ستين سنة قال : أي رب زده من عمري أربعين سنة . فلما انقضى عمر آدم جاء ملك الموت فقال : أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال : أو لم تعطها ابنك داود؟ قال : فجحد فجحدت ذريته ، ونسي فنسيت ذريته » .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الشكر وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب عن الحسن قال : لما خلق الله آدم عليه السلام ، وأخرج أهل الجنة من صفحته اليمنى ، وأخرج أهل النار من صفحته اليسرى فدبوا على وجه الأرض ، منهم الأعمى والأصم والأبرص والمقعد والمبتلى بأنواع البلاء ، فقال آدم : يا رب ألا سويت بين ولدي؟ قال : يا آدم إني أردت أن أشكر ثم ردهم في صلبه .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي في الشعب عن قتادة والحسن قالا : لما عرضت على آدم ذريته فرأى فضل بعضهم على بعض قال : أي رب أفهلا سوّيت بينهم؟ قال : إني أحب أن أشكر ، يرى ذو الفضل فضله فيحمدني ويشكرني . (4/365)
وأخرج أحمد في الزهد عن بكر . مثله .
وأخرج ابن جرير والبزار والطبراني والآجري في الشريعة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن هشام بن حكيم « أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أَتُبتدأ الأعمال أم قد قضي القضاء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » إن الله أخذ ذرية آدم من ظهورهم ، ثم أشهدهم على أنفسهم ، ثم أفاض بهم في كفيه فقال : هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار . فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة ، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار « » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن معاوية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله أخرج ذرية آدم من صلبه حتى ملأوا الأرض وكانوا هكذا ، فضم إحدى يديه على الأخرى » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن مردويه عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « سألت ربي فأعطاني أولاد المشركين خدماً لأهل الجنة ، وذلك أنهم لم يدركوا ما أدرك آباؤهم من الشرك ، وهم في الميثاق الأوّل » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة : أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً به؟ فيقول : نعم . فيقول : قد أردت منك أهون من ذلك ، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي فأبيت إلا أن تشرك بي » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن علي بن حسين . أنه كان يعزل ويتأوّل هذه الآية { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } .
وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : « سمعت النبي صلى الله عليه وسلم عن العزل؟ فقال » لا عليكم أن لا تفعلوا ، إن تكن مما أخذ الله منها الميثاق فكانت على صخرة نفخ فيها الروح « » .
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم عن أنس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل فقال « لو أن الماء الذي يكون منه الولد صب على صخرة لأخرج الله منها ما قدر ، ليخلق الله نفساً هو خالقها » .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن مسعود . أنه سئل عن العزل؟ فقال : لو أخذ الله ميثاق نسمة من صلب رجل ثم أفرغه على صفا لأخرجه من ذلك الصفا ، فإن شئت فأعزل وإن شئت فلا تعزل .
وأخرج عبد الرزاق عن إبراهيم النخعي قال : كانوا يقولون : إن النطفة التي قضى الله فيها الولد لو وقعت على صخرة لأخرج الله منها الولد . (4/366)
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وأبو الشيخ عن فاطمة بنت حسين قالت : لما أخذ الله الميثاق من بني آدم جعله في الركن ، فمن الوفاء بعهد الله استلام الحجر .
وأخرج أبو الشيخ عن جعفر بن محمد قال : كنت مع أبي محمد بن علي فقال له رجل : يا أبا جعفر ما بدء خلق هذا الركن؟ فقال : إن الله لما خلق الخلق قال لبني آدم { ألست بربكم؟ قالوا بلى } فأقروا ، وأجرى نهراً أحلى من العسل وألين من الزبد ، ثم أمر القلم فاستمد من ذلك النهر ، فكتب إقرارهم وما هو كائن إلى يوم القيامة ، ثم ألقم ذلك الكتاب هذا الحجر ، فهذا الإِستلام الذي ترى إنما هو بيعه على إقرارهم الذي كانوا أقروا به .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : ضرب الله متن آدم فخرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء نقية ، فقال : هؤلاء أهل الجنة ، وخرجت كل نفس مخلوقة للنار سوداء فقال : هؤلاء أهل النار أمثال الخردل في صور الذر ، فقال : يا عباد الله أجيبوا الله : يا عباد الله أطيعوا الله . قالوا : لبيك اللهم أطعناك ، اللهم أطعناك ، اللهم أطعناك . وهي التي أعطى الله إبراهيم في المناسك : لبيك اللهم لبيك . فأخذ عليهم العهد بالإِيمان به ، والإِقرار والمعرفة بالله وأمره .
وأخرج الجندي في فضائل مكة وأبو الحسن القطان في الطوالات والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان وضعفه عن أبي سعيد الخدري قال : حججنا مع عمر بن الخطاب ، فلما دخل الطواف استقبل الحجر فقال : إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك ، ثم قبله فقال له علي بن أبي طالب : يا أمير المؤمنين إنه يضر وينفع قال : بم . . . ؟ قال : بكتاب الله عز وجل قال : وأين ذلك من كتاب الله؟ قال الله { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم } إلى قوله { بلى } خلق الله آدم ومسح على ظهره فقررهم بأنه الرب وإنهم العبيد ، وأخذ عهودهم ومواثيقهم وكتب ذلك في رق ، وكان لهذا الحجر عينان ولسان ، فقال له ، افتح فاك . ففتح فاه فألقمه ذلك الرق ، فقال : أشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة ، وإني أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان ذلق ، يشهد لمن يستلمه بالتوحيد » فهو يا أمير المؤمنين يضر وينفع . فقال عمر : أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا حسن .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { وإذ أخذ ربك . . . } الآية . قال : أخذهم في كفه كأنهم الخردل الأولين والآخرين ، فقبلهم في يده مرتين أو ثلاثاً ، يرفع ويطأطئها ما شاء الله من ذلك ، ثم ردهم في أصلاب آبائهم حتى أخرجهم قرناً بعد قرن ، ثم قال بعد ذلك { وما وجدنا لأكثرهم من عهد } [ الأعراف : 102 ] الآية . ثم نزل بعد ذلك { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ، وميثاقه الذي واثقكم به } [ المائدة : 7 ] . (4/367)
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن عمر قال : لما خلق الله آدم نفضه نفض المزود فخر منه مثل النغف ، فقبض منه قبضتين فقال لما في اليمين : في الجنة ، وقال لما في الأخرى : في النار .
وأخرج ابن سعد وأحمد عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « إن الله تبارك وتعالى خلق آدم ثم أخذ الخلق من ظهره فقال : هؤلاء في الجنة ولا أبالي ، وهؤلاء في النار ولا أبالي . فقال رجل : يا رسول الله فعلى ماذا نعمل؟ قال : على مواقع القدر » .
وأخرج أحمد والبزار والطبراني عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر ، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحممة ، فقال للذي في يمينه : إلى الجنة ولا أبالي ، وقال للذي في كتفه اليسرى : إلى النار ولا أبالي » .
وأخرج البزار والطبراني والآجري وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله جل ذكره يوم خلق آدم قبض من صلبه قبضتين ، فوقع كل طيب في يمينه وكل خبيث بيده الأخرى ، فقال : هؤلاء أصحاب الجنة ولا أبالي وهؤلاء أصحاب النار ولا أبالي ، ثم أعادهم في صلب آدم فهم ينسلون على ذلك إلى الآن » .
وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في القبضتين « هذه في الجنة ولا أبالي » .
وأخرج البزار والطبراني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في القبضتين « هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه . قال : فتفرق الناس وهم لا يختلفون في القدر » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والآجري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لما خلق الله آدم ضرب بيده على شق آدم الأيمن ، فأخرج ذرأ كالذر فقال : يا آدم هؤلاء ذريتك من أهل الجنة ، ثم ضرب بيده على شق آدم الأيسر فأخرج ذرأ كالحمم ، ثم قال : هؤلاء ذريتك من أهل النار » .
وأخرج أحمد عن أبي نضر . فإن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له أبو عبد الله ، دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكي فقالوا له : ما يبكيك؟ قال : سمعت رسول الله يقول « إن الله قبض بيمينه قبضة وأخرى باليد الأخرى ، فقال : هذه لهذه وهذه لهذه ولا أبالي ، فلا أدري في أي القبضتين أنا؟ » . (4/368)
وأخرج ابن مردويه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن الله قبض قبضة فقال : للجنة برحمتي ، وقبض قبضة فقال : إلى النار ولا أبالي » .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك قال : إن الله أخرج من ظهر آدم يوم خلقه ما يكون إلى يوم القيامة ، فأخرجهم مثل الذر ثم قال { ألست بربكم قالوا بلى } قالت الملائكة : شهدنا . ثم قبض قبضة بيمينه فقال : هؤلاء في الجنة . ثم قبض قبضة أخرى فقال : هؤلاء في النار ولا أبالي .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله { أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين } قال : عن الميثاق الذي أخذ عليهم { أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل } فلا يستطيع أحد من خلق الله من الذرية { أن يقولوا إنما أشرك آباؤنا } ونقضوا الميثاق { وكنا ( نحن ) ذرية من بعدهم أفتهلكنا } بذنوب آبائنا وبما فعل المبطلون . والله تعالى أعلم .
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)
أخرج الفريابي وعبد الرزاق وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها } قال : هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم بن أبر . (4/369)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال : هو بلعم بن باعوراء . وفي لفظ : بلعام بن عامر الذي أوتي الاسم كان في بني إسرائيل .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا . . . } الآية . قال : هو رجل من مدينة الجبارين يقال له بلعم ، تعلم اسم الله الأكبر ، فلما نزل بهم موسى أتاه بنو عمه وقومه فقالوا : إن موسى رجل جديد ومعه جنود كثيرة ، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا ، فادع الله أن يرد عنا موسى ومن معه . قال : إني إن دعوت الله أن يرد موسى ومن معه مضت دنياي وآخرتي ، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم ، فسلخ مما كان فيه . وفي قوله { إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } قال : إن حمل الحكمة لم يحملها وإن ترك لم يهتد لخير ، كالكلب إن كان رابضاً لهث وإن طرد لهث .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه . . . } الآية . قال : هو رجل أعطى ثلاث دعوات يستجاب له فيهن ، وكان له امرأة له منها ولد فقالت : اجعل لي منها واحدة . قال : فلك واحدة ، فما الذي تريدين؟ قالت : ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل . فدعا الله فجعلها أجمل امرأة في بني إسرائيل ، فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئاً آخر ، فدعا الله أن يجعلها كلبة ، فصارت كلبة ، فذهبت دعوتان ، فجاء بنوها فقالوا : ليس بنا على هذا قرار ، قد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها ، فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليه ، فدعا الله فعادت كما كانت ، فذهبت الدعوات الثلاث وسميت البسوس .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : هو رجل يدعى بلعم من أهل اليمن ، آتاه الله آياته فتركها .
وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن عبد الله بن عمر { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها } قال : هو أمية بن أبي الصلت الثقفي . وفي لفظ : نزلت في صاحبكم أمية بن أبي الصلت .
وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيب قال : « قدمت الفارغة أخت أمية بن أبي الصلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة ، فقال لها » هل تحفظين من شعر أخيك شيئاً؟ قالت : نعم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا فارعة إن مثل أخيك كمثل الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها « » .
وأخرج ابن عساكر عن ابن شهاب قال : قال أمية بن أبي الصلت : (4/370)
ألا رسول لنا منا يخبرنا ... ما بعد غايتنا من رأس نجرانا
قال : ثم خرج أمية إلى البحرين ، وتنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام أمية بالبحرين ثماني سنين ، ثم قدم فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة من أصحابه ، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإِسلام ، وقرأ عليه بسم الله الرحمن الرحيم { يس والقرآن الحكيم } [ يس : 1 - 2 ] حتى فرغ منها وثب أمية يجر رجليه ، فتبعته قريش تقول : ما تقول يا أمية؟ قال : أشهد أنه على الحق . قالوا : فهل تتبعه؟ قال : حتى أنظر في أمره . ثم خرج أمية إلى الشام وقدم بعد وقعة بدر يريد أن يسلم ، فلما أخبر بقتلى بدر ترك الإِسلام ورجع إلى الطائف . فمات بها ، قال : ففيه أنزل الله { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها } .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن نافع بن عاصم بن عروة ابن مسعود قال : إني لفي حلقة فيها عبد الله بن عمر ، فقرأ رجل من القوم الآية التي في الأعراف { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها } فقال : أتدرون من هو؟ فقال بعضهم : هو صيفي بن الراهب . وقال بعضهم : هو بلعم رجل من بني إسرائيل . فقال : لا . فقالوا : من هو؟ قال : أمية بن أبي الصلت .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن الشعبي في هذه الآية { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها } قال : قال ابن عباس : هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم بن باعورا ، وكانت الأنصار تقول : هو ابن الراهب الذي بنى له مسجد الشقاق ، وكانت ثقيف تقول : هو أمية بن أبي الصلت .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : هو صيفي بن الراهب .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال : هو نبي في بني إسرائيل يعني بلعم ، أوتي النبوّة فرشاه قومه على أن يسكت ، ففعل وتركهم على ما هم عليه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { فانسلخ منها } قال : نزع منه العلم . وفي قوله { ولو شئنا لرفعناه بها } قال : رفعه الله بعلمه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مالك بن دينار قال : بعث نبي الله موسى بلعام بن باعورا إلى ملك مدين يدعوهم إلى الله ، وكان مجاب الدعوة وكان من علماء بني إسرائيل ، فكان موسى يقدمه في الشدائد فاقطعه وأرضاه فترك دين موسى وتبع دينه ، فأنزل الله { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب في قوله { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا } قال : كان يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعى به أجاب . (4/371)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها } قال : هذا مثل ضربه الله لمن عرض عليه الهدى فأبى أن يقبله وتركه { ولو شئنا لرفعناه بها } قال : لو شئنا لرفعناه بإيتائه الهدى فلم يكن للشيطان عليه سبيل ، ولكن الله يبتلي من يشاء من عباده { ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه } قال : أبى أن يصحب الهدى { فمثله كمثل الكلب . . . } الآية . قال : هذا مثل الكافر ميت الفؤاد كما أميت فؤاد الكلب .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها } قال : أناس من اليهود والنصارى والحنفاء ممن أعطاهم الله من آياته وكتابه { فانسلخ منها } فجعله مثل الكلب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { ولو شئنا لرفعناه بها } قال : لدفعنا عنه بها { ولكنه أخلد إلى الأرض } قال : سكن { إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } إن تطرده بدابتك ورجليك وهو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { ولكنه أخلد إلى الأرض } قال : ركن نزع .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { إن تحمل عليه } قال : أن تسع عليه .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله { إن تحمل عليه يلهث } قال : الكلب منقطع الفؤاد لا فؤاد له مثل الذي يترك الهدى لا فؤاد له ، إنما فؤاده منقطع كان ضالاً قبل وبعد .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن المعتمر قال : سئل أبو المعتمر عن هذه الآية { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها } فحدث عن سيار أنه كان رجلا يقال له بلعام ، وكان قد أوتي النبوّة ، وكان مجاب الدعوة ، ثم أن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام فرعب الناس منه رعباً شديداً ، فأتوا بلعام فقالوا : ادع الله على هذا الرجل قال : حتى أؤامر ربي؟ فوامر في الدعاء عليهم ، فقيل له : لا تدع عليهم فإن فيهم عبادي وفيهم نبيهم ، فقال لقومه : قد وأمرت في الدعاء عليهم وإني قد نهيت . قال : فاهدوا إليه هدية فقبلها ، ثم راجعوه فقالوا : ادع الله عليهم . فقال : حتى أوامر ، فوامر فلم يحار إليه شيء .
فقال : قد وأمرت فلم يحار إلى شيء . فقالوا : لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك الأولى ، فأخذ يدعو عليهم ، فإذا دعا جرى على لسانه الدعاء على قومه ، فإذا أرسل أن يفتح على قومه جرى على لسانه أن يفتح على موسى وجيشه ، فقالوا : ما نراك إلا تدعو علينا . . . ! قال : ما يجري على لساني إلا هكذا ، ولو دعوت عليهم ما استجيب لي ، ولكن سأدلكم على أمر عسى أن يكون فيه هلاكهم ، إن الله يبغض الزنا وإن هم وقعوا بالزنا هلكوا فاخرِجُوا النساء فإنهم قوم مسافرون ، فعسى أن يزنوا فيهلكوا ، فأخْرَجُوا النساء تستقبلهم فوقعوا بالزنا ، فسلط الله عليهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفاً . (4/372)
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها } قال : كان اسمه بلعم ، وكان يحسن اسماً من أسماء الله ، فغزاهم موسى في سبعين ألفاً ، فجاءه قومه فقالوا : ادع الله عليهم - وكانوا إذا غزاهم أحد أتوه فدعا عليهم فهلكوا - وكان لا يدعو حتى ينام فينظر ما يؤمر به في منامه ، فنام فقيل له : ادع الله لهم ولا تدع عليهم ، فاستقيظ فأبى أن يدعو عليهم فقال لهم : زينوا لهم النساء فإنهم إذا رأوهن لم يصبروا حتى يصيبوا من الذنوب فتدالوا عليهم .
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178)
أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الخطبة « الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله » . (4/373)
وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته « نحمد الله ونثني عليه بما هو أهله ، ثم يقول : من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدى هدى محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ، ثم يقول : بعثت أنا والساعة كهاتين » .
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره ، فمن أصابه من ذلك النور يومئذ شيء اهتدى ، ومن اخطأه ضل ، فلذلك أقول : جف القلم على علم الله » .
وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ولقد ذرأنا } قال : خلقنا . (4/374)
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن { ولقد ذرأنا لجهنم } قال : خلقنا لجهنم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله لما ذرأ لجهنم من ذرأ ، كان ولد الزنا ممن ذرأ لجهنم » .
وأخرج الحكيم الترمذي وابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وأبو يعلى وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « خلق الله الجن ثلاثة أصناف . صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض ، وصنف كالريح في الهواء ، وصنف عليهم الحساب والعقاب . وخلق الله الإِنس ثلاثة أصناف . صنف كالبهائم ، قال الله { لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل } وجنس أجسادهم أجساد بني آدم ، وأرواحهم أرواح الشياطين ، وصنف في ضل الله يوم لا ظل إلا ظله » .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { ولقد ذرأنا لجهنم } قال : لقد خلقنا لجهنم { لهم قلوب لا يفقهون بها } قال : لا يفقهون شيئاً من أمر الآخرة { ولهم أعين لا يبصرون بها } الهدى { ولهم آذان لا يسمعون بها } الحق ، ثم جعلهم كالأنعام ، ثم جعلهم شراً من الأنعام فقال { بل هم أضل } ثم أخبر أنهم الغافلون . والله أعلم .
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)
أخرج البخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وأبو عوانة وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو عبد الله بن منده في التوحيد وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً ، من أحصاها دخل الجنة ، إنه وتر يحب الوتر » . (4/375)
وأخرج أبو نعيم وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لله مائة اسم غير اسم ، من دعا بها استجاب الله له دعاءه » .
وأخرج الدارقطني في الغرائب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « قال : قال الله عز وجل : لي تسعة وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة » .
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم عن ابن عباس وابن عمر قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة غير واحد ، من أحصاها دخل الجنة » .
وأخرج الترمذي وابن المنذر وابن حبان وابن منده والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً ، من أحصاها دخل الجنة ، إنه وتر يحب الوتر ، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ، الملك ، القدوس ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، الخالق ، البارىء ، المصور ، الغفّار ، القهّار ، الوهّاب ، الرزّاق ، الفتّاح ، العليم ، القابض ، الباسط ، الخافض ، الرافع ، المعز ، المذل ، السميع ، البصير ، الحكم ، العدل ، اللطيف ، الخبير ، الحليم ، العظيم ، الغفور ، الشكور ، العلي ، الكبير ، الحفيظ ، المقيت ، الحسيب ، الجليل ، الكريم ، الرقيب ، المجيب ، الواسع ، الحكيم ، الودود ، المجيد ، الباعث ، الشهيد ، الحق ، الوكيل ، القوي ، المتين ، الولي ، الحميد ، المحصي ، المبدىء ، المعيد ، المحيي ، المميت ، الحي ، القيوم ، الواجد ، الماجد ، الواحد ، الأحد ، الصمد ، القادر ، المقتدر ، المقدم ، المؤخر ، الأول ، الآخر ، الظاهر ، الباطن ، البر ، التوّاب ، المنتقم ، العفو ، الرؤوف ، مالك ، الملك ، ذو الجلال والإِكرام ، الوالي ، المتعال ، المقسط ، الجامع ، الغني ، المغني ، المانع ، الضار ، النافع ، النور ، الهادي ، البديع ، الباقي ، الوارث ، الرشيد ، الصبور » .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الدعاء والطبراني كلاهما وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن لله تسعة وتسعين اسماً ، من أحصاها دخل الجنة ، اسأل الله الرحمن ، الرحيم ، الإِله الرب ، الملك ، القدوس ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، الخالق ، البارىء ، المصوّر ، الحليم ، العليم ، السميع ، البصير ، الحي ، القيوم ، الواسع ، اللطيف ، الخبير ، الحنان ، المنان ، البديع ، الغفور ، الودود ، الشكور ، المجيد ، المبدىء ، المعيد ، النور ، البادىء ، وفي لفظ : القائم ، الأول ، الآخر ، الظاهر ، الباطن ، العفوّ ، الغفّار ، الوهّاب ، الفرد ، وفي لفظ : القادر ، الأحد ، الصمد ، الوكيل ، الكافي ، الباقي ، المغيث ، الدائم ، المتعالي ، ذا الجلال ، والإِكرام ، المولى ، النصير ، الحق ، المبين ، الوارث ، المنير ، الباعث ، القدير ، وفي لفظ : المجيب ، المحيي ، المميت ، الحميد ، وفي لفظ : الجميل ، الصادق ، الحفيظ ، المحيط ، الكبير ، القريب ، الرقيب ، الفتّاح ، التوّاب ، القديم ، الوتر ، الفاطر ، الرزاق ، العلاَّم ، العلي ، العظيم ، الغني ، المليك ، المقتدر ، الإِكرام ، الرؤوف ، المدبر ، المالك ، القاهر ، الهادي ، الشاكر ، الكريم ، الرفيع ، الشهيد ، الواحد ، ذا الطول ، ذا المعارج ، ذا الفضل ، الكفيل ، الجليل » .
وأخرج أبو نعيم عن ابن عباس وابن عمر قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لله تسعة وتسعون اسماً ، من أحصاها دخل الجنة وهي في القرآن » . (4/376)
وأخرج أبو نعيم عن محمد بن جعفر قال : سألت أبي جعفر بن محمد الصادق عن الأسماء التسعة والتسعين التي من أحصاها دخل الجنة؟ فقال : هي في القرآن ، ففي الفاتحة خمسة أسماء . يا ألله ، يا رب ، يا رحمن ، يا رحيم ، يا مالك . وفي البقرة ثلاثة وثلاثون اسماً : يا محيط ، يا قدير ، يا عليم ، يا حكيم ، يا علي ، يا عظيم ، يا تواب ، يا بصير ، يا ولي ، يا واسع ، يا كافي ، يا رؤوف ، يا بديع ، يا شاكر ، يا واحد ، يا سميع ، يا قابض ، يا باسط ، يا حي ، يا قيوم ، يا غني ، يا حميد ، يا غفور ، يا حليم ، يا إله ، يا قريب ، يا مجيب ، يا عزيز ، يا نصير ، يا قوي ، يا شديد ، يا سريع ، يا خبير . وفي آل عمران : يا وهَّاب ، يا قائم ، يا صادق ، يا باعث ، يا منعم ، يا متفضل . وفي النساء : يا رقيب ، يا حسيب ، يا شهيد ، يا مقيت ، يا وكيل ، يا علي ، يا كبير . وفي الأنعام : يا فاطر ، يا قاهر ، يا لطيف ، يا برهان . وفي الأعراف : يا محيي ، يا مميت . وفي الأنفال : يا نعم المولى ، يا نعم النصير . وفي هود : يا حفيظ ، يا مجيد ، يا ودود ، يا فعال لما يريد . وفي الرعد : يا كبير ، يا متعال . وفي إبراهيم : يا منَّان ، يا وارث . وفي الحجر : يا خلاق . وفي مريم : يا فرد . وفي طه : يا غفّار . وفي قد أفلح : يا كريم . وفي النور : يا حق ، يا مبين . وفي الفرقان : يا هادي . وفي سبأ : يا فتَّاح . وفي الزمر : يا عالم . وفي غافر : يا غافر ، يا قابل التوبة ، يا ذا الطول ، يا رفيع . وفي الذاريات : يا رزاق ، يا ذا القوة ، يا متين . وفي الطور : يا بر . وفي اقتربت : يا مليك ، يا مقتدر . وفي الرحمن : يا ذا الجلال والإِكرام ، يا رب المشرقين ، يا رب المغربين ، يا باقي ، يا مهيمن . وفي الحديد : يا أول ، يا آخر ، يا ظاهر ، يا باطن . وفي الحشر : يا ملك ، يا قدوس ، يا سلام ، يا مؤمن ، يا مهيمن ، يا عزيز ، يا جبار ، يا متكبر ، يا خالق ، يا بارىء ، يا مصوّر .
وفي البروج : يا مبدىء ، يا معيد . وفي الفجر : يا وتر . وفي الإِخلاص : يا أحد ، يا صمد . (4/377)
وأخرج البيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من أصابه هم أو حزن فليقل : اللهم إني عبدك ، وابن عبدك ، وابن أمتك ، ناصيتي في يدك ، ماض فيّ حكمك ، عدل فيّ قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ، ونور بصري ، وذهاب همي ، وجلاء حزني ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما قالهن مهموم قط إلا أذهب الله همه وأبدله بهمه فرجاً . قالوا : يا رسول الله أفلا نتعلم هذه الكلمات؟ قال : بلى ، فتعلموهن وعلموهن » .
وأخرج البيهقي عن عائشة . أنها قالت : يا رسول الله علمني اسم الله الذي إذا دعى به أجاب . قال لها « قومي فتوضئي وادخلي المسجد فصلي ركعتين ، ثم ادعي حتى أسمع . ففعلت ، فلما جلست للدعاء قال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم وفقها . فقالت : اللهم إني أسألك بجميع أسمائك الحسنى كلها ما علمنا منها وما لم نعلم ، وأسألك باسمك العظيم الأعظم الكبير الأكبر الذي من دعاك به أجبته ، ومن سألك به أعطيته . قال النبي صلى الله عليه وسلم : أصبته أصبته » .
قوله تعالى : { وذروا الذين يلحدون في أسمائه } .
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الإِلحاد التكذيب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وذروا الذين يلحدون في أسمائه } قال : اشتقوا العزى من العزيز ، واشتقوا اللات من الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في الآية قال : الإِلحاد المضاهاة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش أنه قرأ { يلحدون } بنصب الياء والحاء من اللحد ، وقال تفسيرها يدخلون فيها ما ليس منها .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { وذروا الذين يلحدون في أسمائه } قال : يشركون .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة { يلحدون في أسمائه } قال : يكذبون في أسمائه .