صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور |
وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56)
أخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن مسعود قال « مر الملأ من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب ، وعمار ، وبلال ، وخباب ، ونحوهم من ضعفاء المسلمين ، فقالوا : يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك منّ الله عليهم من بيننا ، أو نحن نكون تبعاً لهؤلاء؟ أطردهم عنك فلعلك إن طردتهم أن نتبعك . فأنزل فيهم القرآن { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } إلى قوله { والله أعلم بالظالمين } . (4/59)
وأخرج أبن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال » مشى عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وقرظة بن عبد ، عمر ، وابن نوفل ، والحارث بن عامر بن نوفل ، ومطعم بن عدي بن الخيار بن نوفل ، في أشراف الكفار من عبد مناف إلى أبي طالب فقالوا : لو أن ابن أخيك طرد عنا هؤلاء الأعبد فانهم عبيدنا وعسفاؤنا كان أعظم له في صدورنا ، وأطوع له عندنا ، وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقه ، فذكر ذلك أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر بن الخطاب : لو فلعت يا رسول الله حتى ننظر ما يريدون بقولهم وما يصيرون إليه من أمرهم ، فأنزل الله { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } إلى قوله { أليس الله بأعلم بالشاكرين } قالوا : وكانوا بلالاً ، وعمار بن ياسر ، وسالماً مولى أبي حذيفة ، وصبحاً مولى أسيد ، ومن الحلفاء ابن مسعود ، والمقداد بن عمرو ، وواقد بن عبد الله الحنظلي ، وعمرو بن عبد عمر ، وذو الشمالين ، ومرثد بن أبي مرثد ، وأشباههم ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء { وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا } الآية . فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب فاعتذر من مقالته ، فأنزل الله { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا } الآية « .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وأبو يعلى وأبو نعيم في الحلية وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن خباب قال » جاء الأقرع بن حابس التميمي ، وعيينة بن حصن الفزاري ، فوجدا النبي صلى الله عليه وسلم قاعداً مع بلال ، وصهيب ، وعمار ، وخباب ، في أناس ضعفاء من المؤمنين ، فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فخلوا به ، فقالوا : انا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا العرب به فضلنا ، فإن وفود العرب ستأتيك فنستحي أن ترانا العرب قعوداً مع هؤلاء الأعبد ، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا ، فإذا نحن فرغنا فلتقعد معهم إن شئت . قال : نعم . قالوا : فاكتب لنا عليك بذلك كتاباً ، فدعا بالصحيفة ودعا علياً ليكتب ونحن قعود في ناحية ، إذ نزل جبريل بهذه الآية { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } إلى قوله { فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة } فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده ، ثم دعا فأتيناه وهو يقول { سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة } فكنا نقعد معه ، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا ، فأنزل الله
{ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه . . . } [ الكهف : 28 ] الآية . قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد ، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها ، تركناه حتى يقوم « . (4/60)
وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن عمر بن عبد الله بن المهاجر مولى غفرة ، أنه قال في أسطوان التوبة : كان أكثر نافلة النبي صلى الله عليه وسلم إليها ، وكان إذا صلى الصبح انصرف إليها وقد سبق إليها الضعفاء ، والمساكين ، وأهل الضر ، وضيفان النبي صلى الله عليه وسلم والمؤلفة قلوبهم ، ومن لا مبيت له إلا المسجد . قال : وقد تحلقوا حولها حلقاً بعضها دون بعض فينصرف إليهم من مصلاه من الصبح ، فيتلو عليهم ما أنزل الله عليه من ليلته ، ويحدثهم ويحدثونه حتى إذا طلعت الشمس جاء أهل الطول والشرف والغني فلم يجدوا إليه مخلصاً ، فتاقت أنفسهم إليه وتاقت نفسه إليهم ، فأنزل الله عز وجل { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه . . . . } [ الكهف : 28 ] إلى منتهى الآيتين ، فلما نزل ذلك فيهم قالوا : يا رسول الله لو طردتهم عنا ونكون نحن جلساءك وإخوانك لا نفارقك ، فأنزل الله عز وجل { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } إلى منتهى الآيتين .
وأخرج الفربابي وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن سعد بن أبي وقاص قال : لقد نزلت هذه الآية في ستة ، أنا ، وعبد الله بن مسعود ، وبلال ، ورجل من هذيل ، واثنين ، قالوا : يا رسول الله أطردهم فانا نستحي أن نكون تبعاً لهؤلاء ، فوقع في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع ، فأنزل الله { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } إلى قوله { أليس الله بأعلم بالشاكرين } .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } قال : المصلين بلال ، وابن أم عبد ، كانا يجالسان محمداً صلى الله عليه وسلم فقالت قريش تحقره لهما : لولاهما واشباههما لجالسناه ، فنهى عن طردهم حتى قوله { أليس الله بأعلم بالشاكرين } .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال » كان رجال يستبقون إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم بلال ، وصهيب ، وسلمان ، فيجيء أشراف قومه وسادتهم وقد أخذ هؤلاء المجلس فيجلسون ناحية فقالوا : صهيب رومي ، وسلمان فارسي ، وبلال حبشي ، يجلسون عنده ونحن نجيء فنجلس ناحية ، حتى ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم : انا سادة قومك وأشرافهم ، فلو أدنيتنا منك إذا جئنا؟ قال : فهم إن فعل ، فأنزل الله { ولا تطرد الذين يدعون ربهم .
. . } الآية . (4/61)
وأخرج ابن عساكر عن مجاهد قال : كان أشراف قريش يأتون النبي صلى الله عليه وسلم وعنده بلال ، وسلمان ، وصهيب ، وغيرهم مثل ابن أم عبد ، وعمار ، وخباب ، فإذا أحاطوا به قال أشراف قريش : بلال حبشي ، وسلمان فارسي ، وصهيب رومي ، فلو نحاهم لأتيناه ، فأنزل الله { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } يعني يعبدون ربهم بالغداة والعشي ، يعني الصلاة المكتوبة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } قال الصلاة المفروضة ، الصبح والعصر .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم في قوله { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } قال : هم أهل الذكر لا تطردهم عن الذكر قال سفيان : هم أهل الفقر .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } يعني أنه جعل بعضهم اغنياء وبعضهم فقراء ، فقال الأغيناء للفقراء { أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا } يعني هؤلاء هداهم الله ، وإنما قالوا ذلك استهزاءً وسخرياً .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { وكذلك فتنا بعضهم ببعض } يقول : ابتلينا بعضهم ببعض .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا } لو كان بهم كرامة على الله ما أصابهم هذا من الجهد .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس { وكذلك فتنا بعضهم ببعض . . . } الآية . قال : هم أناس كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم من الفقراء ، فقال أناس من أشراف الناس : نؤمن لك ، فإذا صلينا معك فأخر هؤلاء الذين معك فليصلوا خلفنا .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد ومسدد في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ماهان قال : أتى قوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : انا أصبنا ذنوباً عضاماً؟ فما رد عليهم شيئاً ، فانصرفوا فأنزل الله { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا . . . } الآية . فدعاهم فقرأها عليهم .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جرير قال : أخبرت أن قوله { سلام عليكم } قال : كانوا إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم بدأهم فقال : سلام عليكم ، وإذا لقيهم فكذلك أيضاً .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله { وكذلك نفصل الآيات } قال : نبين الآليات . (4/62)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { ولتستبين سبيل المجرمين } قال : الذين يأمرونك بطرد هؤلاء .
قوله تعالى { قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين }
أخرج ابن أبي شيبة والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم عن هزيل بن شرحبيل قال : جاء رجل إلى أبي موسى وسلمان بن ربيعة فسألهما عن ابنة وابنة ابن وأخت؟ فقال : للابنة النصف ، وللأخت النصف ، وائت عبد الله فإنه سيتابعنا ، فأتى عبد الله فأخبره فقال { قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين } لأقضين فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، للابنة النصف ، ولابنة الابن السدس ، وما بقي فللأخت .
قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الشعبي أنه قرأ { يقضي الحق } (4/63)
وأخرج الدارقطني في الافراد وابن مردويه عن أبي بن كعب قال « أقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً { يقص الحق وهو خير الفاصلين } .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس . أنه كان يقرأ { يقص الحق } ويقول { نحن نقص عليك أحسن القصص } [ لقمان : 34 ] .
وأخرج ابن الأنباري عن هرون قال : في قراءة عبد الله { يقص الحق } .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد الأنباري عن هرون قال : في قراءة عبد الله { يقص الحق } .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد أنه كان يقرأ { يقص الحق } وقال : لو كانت يقضي ، كانت بالحق .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله { لقضي الأمر بيني وبينكم } قال : لقامت الساعة .
وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { وعنده مفاتح الغيب } قال : يقول خزائن الغيب . (4/64)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { وعنده مفاتح الغيب } قال : هن خمس { إن الله عنده علم الساعة : وينزل الغيث } إلى قوله { عليم خبير } .
وأخرج أحمد والبخاري ومحشيش بن أصرم في الاستقامة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله ، لا يعلم ما في غد إلا الله ، ولا يعلم متى تغيض الأرحام إلا الله ، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله ، ولا يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله تبارك وتعالى » .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن مسعود قال : اعطى نبيكم كل شيء إلا مفاتيح الغيب الخمس ، ثم قال { إن الله عنده علم الساعة ، وينزل الغيث } [ لقمان : 34 ] إلى آخر الآية .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر في قوله { وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو } قال : هو قوله عز وجل { إن الله عنده علم الساعة ، وينزل الغيث } [ لقمان : 34 ] إلى آخر الآية .
قوله تعالى { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها }
أخرج مسدد في مسنده وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } قال : ما من شجرة على ساق إلا موكل بها ملك يعلم ما يسقط منها حين يحصيه ، ثم يرفع علمه وهو أعلم منه .
وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن جحاده في قوله { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } قال : لله تبارك وتعالى شجرة تحت العرش ليس مخلوق إلا له فيها ورقة ، فإذا سقطت ورقته خرجت روحه من جسده ، فذلك قوله { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها } .
وأخرج الخطيب في تاريخه بسند ضعيف عن ابن عمر « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما من زرع على الأرض ، ولا ثمار على أشجار إلا عليها مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم هذا رزق فلان بن فلان » ، وذلك قوله تعالى { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } .
قوله تعال { ولا حبة في ظلمات الأرض }
أخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال : إن تحت الأرض الثالثة وفوق الأرض الرابعة من الجن ما لو أنهم ظهروا لكم لم تروا معه نوراً ، على كل زاوية من زواياه خاتم من خواتم الله ، على كل خاتم ملك من الملائكة ، يبعث الله إليه في كل يوم ملكاً من عنده أن احتفظ بما عندك .
قوله تعالى { ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } (4/65)
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبد الله بن الحارث قال : ما في الأرض من شجرة صغيرة ولا كبيرة ، ولا كمغر زابرة رطبة ولا يابسة إلا عليها ملك موكل بها يأتي الله بعلمها ، رطوبتها إذا رطبت ، ويبسها إذا يبست كل يوم ، قال الأعمش : وهذا في الكتاب { ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } .
وأخرج أبو الشيخ عن كعب قال : ما من شجرة ولا موضع ابرة إلا وملك وكل بها يرفع علم ذلك إلى الله تعالى ، فإن ملائكة السماء أكثر من عدد التراب .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس . أنه تلا هذه الآية { ولا رطب ولا يابس } فقال ابن عباس : الرطب واليابس من كل شيء .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : خلق الله النور وهي الدواة ، وخلق الألواح فكتب فيها أمر الدنيا حتى تنقضي ما كان من خلق مخلوق أو رزق حلال أو حرام ، أو عمل برِّ أو فجور ، ثم قرأ هذه الآية { ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين } ثم وكل بالكتاب حفظة ، ووكل بخلقه حفظة ، فتنسخ حفظة الخلق من الذكر ما كنتم تعملون في كل يوم وليلة ، فيجري الخلق على ما وكل به ، مقسوم على من وكل به ، فلا يغادر أحداً منهم فيجرون على ما في أيديهم مما في الكتاب ، فلا يغادر منه شيء قبل ما كنا نراه إلا كتب عملنا قال : ألستم بعرب؟ هل تكون نسخة إلا من شيء قد فرغ منه؟ ثم قرأ هذه الآية { انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } [ الجاثية : 29 ] .
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي عمران الجوني في قوله { قل إني على بينة من ربي } قال : على ثقة .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال : في قراءة عبد الله { يقضي الحق وهو أسرع الفاصلين } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأصمعي قال : قرأ أبو عمرو { ويقضي الحق } وقال : لا يكون الفصل إلا بعد القضاء .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق حسن بن صالح بن حي عن مغيرة عن إبراهيم النخعي أنه قرأ { يقضي الحق وهو خير الفاصلين } قال ابن حي : لا يكون الفصل إلا مع القضاء .
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60)
أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « مع كل انسان ملك إذا نام يأخذ نفسه ، فإن أذن الله في قبض روحه قبضه وإلا رد إليه » ، فذلك قوله { يتوفاكم بالليل } . (4/66)
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن عكرمة في قوله { وهو الذي يتوفاكم بالليل } قال : يتوفى الأنفس عند منامها ، ما من ليلة الا والله يقبض الأرواح كلها فيسأل كل نفس عما عمل صاحبها من النهار ، ثم يدعو ملك الموت فيقول : اقبض هذا اقبض هذا ، وما من يوم إلا وملك الموت ينظر في كتاب حياة الناس . قائل يقول ثلاثاً ، وقائل يقول خمساً « .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { وهو الذي يتوفاكم بالليل . . . . } الآية . قال : أما وفاتهم بالليل فمنامهم ، وأما ما جرحتم بالنهار فيقول : ما اكتسبتم بالنهار { ثم يبعثكم فيه } قال : في النهار . { ليقضي أجل مسمى } وهو الموت .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { وهو الذي يتوفاكم بالليل } يعني بذلك نومهم { ويعلم ما جرحتم } قال : ما عملتم من الأثم بالنهار { ثم يبعثكم فيه } قال : في النهار ، والبعث اليقظة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ويعلم ما جرحتم } قال : ما كسبتم من الاثم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال : قال عبد الله بن كثير في قوله { ليقضي أجل مسمى } قال : ليقضي الله إليهم مدتهم .
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { ويرسل عليكم حفظة } قال : هم المعقبات من الملائكة ، يحفظونه ويحفظون عمله . (4/67)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ويرسل عليكم حفظة } يقول : حفظة يا ابن آدم عليك عملك ورزقك وأجلك ، فإذا توفيت ذلك قبضت إلى ربك .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { توفته رسلنا } قال : اعوان ملك الموت من الملائكة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم في قوله { توفته رسلنا } قال : الملائكة تقبض الأنفس ، ثم يذهب بها ملك الموت . وفي لفظ : ثم يقبضها منهم ملك الموت بعد .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال : جعلت الأرض لملك الموت مثل الطست يتناول من حيث شاء ، وجعلت له أعوان يتوفون الأنفس ثم يقبضها منهم .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن قتادة في قوله { توفته رسلنا } قال : إن ملك الموت له رسل ، فيلي قبضها الرسل ، ثم يدفعونها إلى ملك الموت .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن الكلبي قال : إن ملك الموت هو الذي يلي ذلك ، فيدفعه إن كان مؤمناً إلى ملائكة الرحمة وإن كافراً إلى ملائكة العذاب .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال : ما من أهل بيت شعر ولا مدر إلا وملك الموت يطيف بهم كل يوم مرتين .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس . أنه سئل عن ملك الموت أهو وحده الذي يقبض الأرواح؟ قال : هو الذي يلي أمر الأرواح وله أعوان على ذلك ، ألا تسمع إلى قوله تعالى { حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم } [ الأعراف : 37 ] وقال : { توفته رسلنا وهم لا يفرطون } غير أن ملك الموت هو الرئيس ، وكل خطوة منه من المشرق إلى المغرب . قيل : أين تكون أرواح المؤمنين؟ قال : عند السدرة في الجنة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { وهم لا يفرطون } يقول : لا يضيعون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قيس قال : دخل عثمان بن عفان على عبد الله بن مسعود فقال : كيف تجدك؟ قال : مردود إلى مولاي الحق . فقال : طبت والله أعلم .
قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر } يقول : من كرب البر والبحر . (4/68)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعاً وخفية } يقول : إذا أضل الرجل الطريق دعا الله { لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين } .
قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم } قال : يعني من أمرائكم { أو من تحت أرجلكم } يعني سفلتكم { أو يلبسكم شيعاً } يعني بالشيع الأهواء المختلفة { ويذيق بعضكم بأس بعض } قال : يسلط بعضكم على بعض بالقتل والعذاب . (4/69)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من وجه آخر عن ابن عباس في قوله { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم } قال : أئمة السوء { أو من تحت أرجلكم } قال : خدم السوء .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { عذاباً من فوقكم } قال : من قبل أمرائكم وأشرافكم { أو من تحت أرجلكم } قال : من قبل سفلتكم وعبيدكم .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي مالك { عذاباً من فوقكم } قال : القذف { أو من تحت أرجلكم } قال : الخسف .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم } قال : الصيحة والحجارة والريح { أو من تحت أرجلكم } قال : الرجفة والخسف وهما عذاب أهل التكذيب { ويذيق بعضكم بأس بعض } قال : عذاب أهل الاقرار . ؟
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { عذاباً من فوقكم } قال : الحجارة { أو من تحت أرجلكم } قال : الخسف { أو يلبسكم شيعاً } قال : الاختلاف والاهواء المفترقة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : عذاب هذه الأمة أهل الاقرار بالسيف { أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض } وعذاب أهل التكذيب الصيحة والزلزلة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري والترمذي والنسائي ونعيم بن حماد في الفتن وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر بن عبد الله قال : « لما نزلت هذه الآية { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم } قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعوذ بوجهك { أو من تحت أرجلكم } قال : أعوذ بوجهك { أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض } قال : هذا أهون أو أيسر » .
وأخرج ابن مردويه عن جابر قال : « لما نزلت { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعوذ بالله من ذلك { أو يلبسكم شيعاً } قال : هذا أيسر ولو استعاذه لأعاذه » .
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه ونعيم بن حماد في الفتن وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم : « » في هذه الآية { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم } فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما انها كائنة ولم يأت تأويلها بعد « .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية من طريق أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله { قل هو القادر . . . } الآية . قال : هن أربع وكلهن عذاب ، وكلهن واقع لا محالة ، فمضت اثنتان بعد وفاة رسول صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة ، فألبسوا شيعاً وذاق بعضهم بأس بعض ، وبقيت اثنتان واقعتان لا محالة ، الخسف والرجم . (4/70)
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : « لما نزلت هذه الآية { قل هو القادر } قام النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ ، ثم قال » اللهم لا ترسل على أمتي عذاباً من فوقهم ، ولا من تحت أرجلهم ، ولا تلبسهم شيعاً ، ولا تذق بعضهم بأس بعض ، فأتاه جبريل فقال : إن الله قد أجار أمتك أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم « » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : دعوت ربي أن يدفع عن أمتي أربعاً ، فرفع عنهم اثنتين وأبى أن يرفع عنهم اثنتين : دعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء ، والغرق من الأرض ، وأن لا يلبسهم شيعاً ، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض ، فرفع عنهم الرجم والغرق ، وأبى أن يرفع القتل والهرج » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو الشيخ وابن مردويه وابن خزيمة وابن حبان عن سعد بن أبي وقاص « أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يوم من العالية ، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه ، ودعا ربه طويلاً ثم انصرف إلينا فقال : سألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة ، سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها ، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها ، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها » .
وأخرج ابن مردويه عن معاوية بن أبي سفيان قال : « خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : » تحدثون من آخركم وفاة؟ قلنا : أجل . قال : فإني من أوّلكم وفاة وتتبعوني أفناداً يهلك بعضكم بعضاً ، ثم نزع هذه الآية { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم } حتى بلغ { لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون } « » .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة والبزار وابن حبان والحاكم وصححه واللفظ له وابن مردويه عن ثوبان « أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن ربي روي لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها ، وأعطاني الكنزين الأحمر والأبيض ، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها ، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة فأعطانيها ، وسألته أن لا يسلط عليها عدواً من غيرهم فأعطانيها ، وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها ، وقال : يا محمد إني إذاً قضيت قضاء لم يرد ، إني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكها بسنة عامة ، ولا أظهر عليهم عدواً من غيرهم فيستبيحهم بعامة ، ولو اجتمع من بين أقطارها حتى يكون بعضهم هو يهلك بعضاً وبعضهم هو يسبي بعضاً ، وإني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين ، ولن تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين ، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان ، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة ، وأنه قال : كلها يوجد في مائة سنة ، وسيخرج في أمتي كذابون ثلاثون ، كلهم يزعم أنه نبي الله ، وأنا خاتم الأنبياء لا نبي بعدي ، ولن يزال في أمتي طائفة يقاتلون على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله . قال وزعم أنه لا ينزع رجل من أهل الجنة شيئاً من ثمرها إلا أخلف الله مكانها مثلها ، وأنه قال : ليس دينار ينفقه رجل بأعظم أجراً من دينار ينفقه على عياله ، ثم دينار ينفقه على فرسه في سبيل الله ، ثم دينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله . قال : وزعم أن نبي الله عظم شأن المسألة وأنه إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم ، فيسألهم ربهم ما كنتم تعبدون؟ فيقولون : ربنا لم ترسل إلينا رسولاً ولم يأتنا امر . فيقول : أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيقولون : نعم . فيأخذ مواثيقهم على ذلك فيأمرهم أن يعمدوا لجهنم فيدخلونها ، فينطلقون حتى إذا جاءوها رأوا لها تغيظاً وزفيراً فهابوا ، فرجعوا إلى ربهم فقالوا : ربنا فرقنا منها . فيقول : ألم تعطوني مواثيقكم لتطيعن ، اعمدوا إليها فادخلوا . فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا فرجعوا ، فيقول : ادخلوها داخرين . قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : لو دخلوها أوّل مرة كان عليهم برداً وسلاماً » .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك عن جابر بن عتيك قال : جاءنا عبد الله بن عمرو في بني معاوية وهي قرية من قرى الأنصار ، فقال لي : هل تدري أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجدكم هذا؟ قلت : نعم . وأشرت له إلى ناحية منه فقال : هل تدري ما الثلاث التي دعا بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه؟ قلت : نعم . فقال أخبرني بهن . قلت : دعا أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم ، ولا يهلكهم بالسنين فاعطيها ، ودعا بأن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعها . (4/71)
قال : صدقت لا يزال الهرج إلى يوم القيامة . (4/72)
وأخرج أحمد والطبراني وابن مردويه عن أبي نضرة الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال . « سألت ربي أربعاً فأعطاني ثلاثاً ومنعني واحدة ، سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها ، وسألت الله أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها ، وسألت الله أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم فأعطانيها ، وسألت الله أن لا يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها » .
وأخرج أحمد والنسائي وابن مردويه عن أنس قال : « رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر صلى سبحة الضحى ثمان ركعات ، فلما انصرف قال » إني صليت صلاة رغبة ورهبة ، سألت ربي ثلاثاً فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة ، سألته أن لا يبتلي أمتي بالسنين ففعل ، وسألته أن لا يظهر عليها عدوهم ففعل ، وسألته أن لا يلبسهم شيعاً فأبى عليّ « » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن حذيفة بن اليمان قال « خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حرة بني معاوية ، واتبعث أثره حتى ظهر عليها فصلى الضحى ثماني ركعات ، فأطال فيهن ثم التفت إلي فقال : إني سألت الله ثلاثاً فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة ، سألته أن لا يسلط على أمتي عدوّاً من غيرهم فأعطاني ، وسألته أن لا يهلكهم بغرق فأعطاني ، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « سألت ربي ثلاثاً فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة ، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنين ففعل ، وسألت ربي أن لا يسلط على أمتي عدواً لها ففعل ، وسألت ربي أن لا يهلك أمتي بعضها ببعض فمنعنيها » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « صليت صلاة رغباً ورهباً ودعوت دعاء رغباً ورهباً حتى فرج لي عن الجنة ، فرأيت عناقيدها فهويت أن أتناول منها شيئاً فخوفت بالنار ، فسألت ربي ثلاثاً فأعطاني إثنتين وكف عني الثالثة ، سألته أن لا يظهر على أمتي عدوها ففعل ، وسألته أن لا يهلكها بالسنين ففعل ، وسألته أن لا يلبسها شيعاً ولا يذيق بعضها بأس بعض فكفها عني » .
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن شداد قال : « فقد معاذ بن جبل أو سعد بن معاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده قائماً يصلي في الحرة ، فأتاه فتنحنح ، فلما انصرف قال : يا رسول الله رأيتك صليت صلاة لم تصل مثلها؟ قال » صليت صلاة رغبة ورهبة ، سألت ربي فيها ثلاثاً فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة ، سألته أن لا يهلك أمتي جوعاً ففعل ، ثم قرأ { ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين . . . } [ الأعراف : 130 ] الآية . وسألته أن لا يسلط عليهم عدواً من غيرهم ففعل ، ثم قرأ { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق } [ الفتح : 28 ] إلى آخر الآية ، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني ، ثم قرأ { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم } إلى آخر الآية ، ثم قال : لا يزال هذا الذين ظاهراً على من ناوأهم « » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن خباب بن الأرت في قوله { أو يلبسكم شيعاً } قال : « راقب خباب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ، حتى إذا كان في الصبح قال له : يا نبي الله لقد رأيتك تصلي هذه الليلة صلاة ما رأيتك تصلي مثلها؟ قال » أجل إنها صلاة رغبة ورهبة ، سألت ربي فيها ثلاث خصال فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة ، سألته أن لا يهلكنا بما أهلكت به الأمم قبلكم فأعطاني ، وسألته أن لا يسلط علينا عدواً من غيرنا فأعطاني ، وسألته أن لا يلبسنا شيعاً فمنعني « » . (4/73)
وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق نافع بن خالد الخزاعي عن أبيه « أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود ، فقال : قد كانت صلاة رغبة ورهبة ، فسألت الله فيها ثلاثاً فأعطاني إثنتين وبقي واحدة ، سألت الله أن لا يصيبكم بعذاب أصاب به قبلكم فأعطانيها ، وسألت الله أن لا يسلط عليكم عدواً يستبيح بيضتكم فأعطانيها ، وسألته أن لا يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها » .
وأخرج الطبراني عن خالد الخزاعي وكان من أصحاب الشجرة قال : « صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم صلاة فأخف وجلس فأطال الجلوس ، فلما انصرف قلنا : يا رسول الله أطلت الجلوس في صلاتك؟ قال : » إنها صلاة رغبة ورهبة ، سألت الله فيها ثلاث خصال فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة ، سألته أن لا يسحتكم بعذاب أصاب من كان قبلكم فأعطانيها ، وسألته أن لا يسلط على بيضتكم عدواً فيجتاحها فأعطانيها ، وسألته أن لا يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها «
وأخرج نعيم بن حماد في كتاب الفتن عن ضرار بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » في قوله { أو يلبسكم شيعاً } قال : أربع فتن : تأتي فتنة الأولى يستحل فيها الدماء ، والثانية يستحل فيها الدماء والأموال ، والثالثة يستحل فيها الدماء والأموال والفروج ، والرابعة عمياء مظلمة تمور مور البحر ، تنتشر حتى لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته « .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن شداد بن أوس يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال » إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها ، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها ، وأني أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض ، وإني سألت ربي أن لا يهلك قومي بسنة عامة ، وأن لا يلبسهم شيعاً ولا يذيق بعضهم بأس بعض . فقال : يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد ، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة ، ولا أسلط عليهم عدواً من سواهم فيهلكوهم حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ، وبعضهم يقتل بعضاً ، وبعضهم يسبي بعضاً ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني أخاف على أمتي الأئمة المضلين ، فإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة « .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة وابن المنذر واللفظ له وابن مردويه عن معاذ بن جبل قال : « صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة فأطال قيامها وركوعها وسجودها ، فلما انصرف قلت : يا رسول الله لقد أطلت اليوم الصلاة؟ فقال » إنها صلاة رغبة ورهبة ، إني سألت ربي ثلاثاً فأعطاني إثنتين ومنعني واحدة ، سألت ربي أن لا يسلط على أمتي عدواً من سواهم فيهلكهم عامة فأعطانيها ، وسألته أن لا يسلط عليهم سنة فتهلكهم عامة فأعطانيها ، ولفظ أحمد ، وابن ماجة ، وسألته أن لا يهلكهم غرقاً فأعطانيها ، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها « » . (4/74)
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « سألت ربي لأمتي أربع خصال فأعطاني ثلاثاً ومنعني واحدة ، سألته أن لا تكفر أمتي واحدة فأعطانيها ، وسألته أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها ، وسألته أن لا يعذبهم بما عذب به الأمم من قبلهم فأعطانيها ، وسألته لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها » .
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال « لما نزلت هذه الآية { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً } قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ ، فسأل ربه أن لا يرسل عليهم عذاباً من فوقهم ، أو من تحت أرجلهم ، ولا يلبس أمته شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض كما أذاق بني إسرائيل ، فهبط إليه جبريل فقال : يا محمد إنك سألت ربك أربعاً فأعطاك إثنتين ومنعك إثنتين ، لن يأتيهم عذاب من فوقهم ولا من تحت أرجلهم يستأصلهم ، فإنهما عذابان لكل أمة اجتمعت على تكذيب نبيها ورد كتاب ربها ، ولكنهم يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض وهذان عذابان لأهل الإِقرار بالكتب والتصديق بالأنبياء ولكن يعذبون بذنوبهم ، وأوحى الله إليه { فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون } [ الزخرف : 41 ] يقول : من أمتك ، أو نرينك الذي وعدناهم من العذاب وأنت حي فإنا عليهم مقتدرون .
فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم فراجع ربه فقال : أي مصيبة أشد من أن أرى أمتي يعذب بعضها بعضاً ، وأوحى إليه { آلمَ ، أحسب الناس أن يتركوا } [ العنكبوت : 1-2 ] الآيتين . فأعلمه أن أمته لم تخص دون الأمم بالفتن ، وأنها ستبتلى كما ابتليت الأمم ، ثم أنزل عليه { قل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين } [ المؤمنون : 93 ] فتعوذ نبي الله فأعاذه الله لم ير من أمته إلا الجماعة والألفة والطاعة ، ثم أنزل عليه آية حذر فيها أصحاب الفتنة ، فأخبره أنه إنما يخص بنها ناس منهم من دون ناس فقال { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب } [ الأنفال : 25 ] فخص بها أقواماً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بعده ، وعصم بها أقواماً » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال : « لما نزلت { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً } الآية . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف ، فقالوا : ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وإنك رسول الله؟ قال : نعم . فقال بعض الناس : لا يكون هذا أبداً ، فأنزل الله { انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ، وكذب به قومك وهو الحق } إلى قوله { وسوف تعلمون } « » . (4/75)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قولة { عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم } قال : هذا للمشركين { أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض } قال : هذا للمسلمين .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن قانع في معجمه عن ابن إسحق عن عبد الله بن أبي بكر قال : قرأ عبد الله بن سهيل على أبيه { وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل } فقال : أما والله يا بني لو كنت إذ ذاك ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ، فهمت منها إذ ذاك ما فهمت اليوم لقد كنت إذ ذاك أسلمت .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { وكذب به قومك } يقول : كذبت قريش بالقرآن { وهو الحق } وأما الوكيل : فالحفيظ . وأما { لكل نبإٍ مستقر } فكان نبأ القرآن استقر يوم بدر بما كان يعدهم من العذاب .
وأخرج النحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله { قل لست عليكم بوكيل } قال : نسخ هذه الآية ، آية السيف { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [ الزخرف : 41 ] .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { لكل نبأ مستقر } يقول : حقيقة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه قرأ { لكل نبإٍ مستقر } قال : حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها أرسلت عقوبتها .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { لكل نبإٍ مستقر وسوف تعلمون } يقول : فعل وحقيقة ، ما كان منه في الدنيا وما كان في الآخرة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { لكل نبإٍ مستقر وسوف تعلمون } قال : لكل نبأ حقيقة ، أما في الدنيا فسوف ترونه ، وأما في الآخرة فسوف يبدو لكم .
وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا } ونحو هذا في القرآن قال : أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة ، وأخبرهم إنما هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله . (4/76)
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم } قال : نهاه الله أن يجلس مع الذين يخوصون في آيات الله يكذبون بها ، فإن نسى فلا يقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا } قال : يستهزئون بها ، نهى محمد صلى الله عليه وسلم أن يقعد معهم إلا أن ينسى ، فإذا ذكر فليقم ، وذلك قول الله { فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين } .
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا } قال : الذين يكذبون بآياتنا يعني المشركين { وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى } بعد ما تذكر . قال : إن نسيت فذكرت فلا تجلس معهم { وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء } قال : ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك { ولكن ذكرى لعلهم يتقون } ذكروهم ذلك وأخبروهم أنه يشق عليكم مساءتكم ، ثم أنزل الله { وقد نزل عليكم في الكتاب } [ النساء : 140 ] الآية .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن فسبوه واستهزأوا به ، فأمرهم الله أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن سيرين في قوله { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا } قال : كان يرى أن هذه الآية نزلت في أهل الأهواء .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية عن أبي جعفر قال : لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن علي قال : أن أصحاب الأهواء من الذين يخوضون في آيات الله .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عي ابن جريج قال : كان المشركون يجلسون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحبون أن يسمعوا منه ، فإذا سمعوا استهزأوا ، فنزلت { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم .
. . . } الآية . قال فجعلوا إذا استهزأوا قام فحذروا ، وقالوا : لا تستهزأوا فيقوم ، فذلك قوله { لعلهم يتقون } إن يخوضوا فيقوم ، ونزل { وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء } أن تقعد معهم ولكن لا تعقد ، ثم نسخ ذلك قوله بالمدينة { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم } [ النساء : 140 ] إلى قوله { إنكم إذاً مثلهم } [ النساء : 140 ] نسخ قوله { وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء } الآية . (4/77)
وأخرج الفريابي وأبو نصر السجزي في الإِبانة عن مجاهد في قوله { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا } قال : هم أهل الكتاب ، نهى أن يقعد معهم إذا سمعهم يقولون في القرآن غير الحق .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي وائل قال : إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الكذب ليضحك بها جلساءه فيسخط الله عليه ، فذكر ذلك لإِبراهيم النخعي فقال : صدق ، أو ليس ذلك في كتاب الله { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم . . . } الآية .
وأخرج أبو الشيخ عن مقاتل قال : كان المشركون بمكة إذا سمعوا القرآن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خاضوا واستهزأوا ، فقال المسلمون : لا يصلح لنا مجالستهم نخاف أن نخرج حين نسمع قولهم ونجالسهم فلا نعيب عليهم ، فأنزل الله في ذلك { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم . . . } الآية .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا . . . } الآية . قال : نسختها هذه الآية التي في سورة النساء { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها } [ النساء : 140 ] الآية . ثم أنزل بعد ذلك { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [ التوبة : 5 ] .
وأخرج النحاس في ناسخة عن ابن عباس في قوله { وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء } قال : هذه مكية نسخت بالمدينة بقوله { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها } [ النساء : 140 ] الآية .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد { وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء } إن قعدوا ولكن لا تقعد .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال : لما هاجر المسلمون إلى المدينة جعل المنافقون يجالسونهم ، فإذا سمعوا القرآن خاضوا واستهزأوا كفعل المشركين بمكة ، فقال المسلمون : لا حرج علينا قد رخص الله لنا في مجالستهم ، وما علينا من خوضهم فنزلت بالمدينة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن هشام بن عروة قال : أتى عمر بن عبد العزيز بقوم قعدوا على شراب معهم رجل صائم ، فضربه وقال { لا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره } .
وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً } قال : مثل قوله { ذرني ومن خلقت وحيداً } [ المدثر : 11 ] . (4/78)
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن قتادة في قوله { وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً } قال : ثم أنزل في سورة براءة فأمر بقتالهم ، فقال { اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } [ التوبة : 5 ] فنسختها .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { اتخذوا دينهم لعباً ولهواً } قال : أكلاً وشرباً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أن تبسل } قال : تفضح . وفي قوله { أبسلوا } قال : فضحوا .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { أن تبسل } قال : تسلم وفي قوله { أبسلوا بما كسبوا } قال : أسلموا بجرائرهم .
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل أن تبسل نفس؟ قال : يعني أن تحبس نفسه بما كتبت في النار . قال وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت زهيراً وهو يقول :
وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع وقلبي مبسل علقاً
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { أن تبسل نفس } قال : تؤخذ فتحبس . وفي قوله { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها } قال : لو جاءت بملء الأرض ذهباً لم يقبل منها .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا } قال : أخذوا بما كسبوا .
وأخرج أبو الشيخ عن سفيان بن حسين أنه سأل عن قوله { أبسلوا } قال : اخذلوا أو أسلموا ، أما سمعت قول الشاعر :
فإن أقفرت منهم فأنهم بسل ...
قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { قل أندعوا من دون الله } هذا مثل ضربه الله للآلهة وللدعاة الذين يدعون إلى الله ، كمثل رجل ضل عن الطريق تائهاً ضالاً إذ ناداه مناد فلان بن فلان هلم إلى الطريق ، وله أصحاب يدعونه يا فلان بن فلان هلم إلى الطريق ، فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه في هلكة ، وإن أجاب من يدعو إلى الهدى اهتدى إلى الطريق ، وهذه الداعية التي تدعو في البرية الغيلان . يقول : مثل من يعبد هذه الآلهة من دون الله فإنه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت فيستقبل الهلكة والندامة . وقوله { كالذي استهوته الشياطين في الأرض } يقول : أضلته وهم الغيلان ، يدعونه باسمه واسم أبيه وجده فيتبعها ويرى أنه في شيء ، فيصبح وقد ألقته في هلكه وربما أكلته أو تلقيه في مضلة من الأرض يهلك فيها عطشاً ، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله . (4/79)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { قل أندعوا من دون الله . . . } الآية . قال : قال المشركون للمؤمنين : اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد . فقال الله { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } فهذه الآلهة { ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله } فيكون مثلنا { كمثل الذي استهوته الشياطين في الأرض } يقول : مثلكم إن كفرتم بعد الإِيمان كمثل رجل كان مع قوم على الطريق فضل الطريق فحيرته الشياطين واستهوته في الأرض ، وأصحابه على الطريق فجعلوا يدعونه إليهم يقولون ائتنا فإنا على الطريق فأبى أن يأتيهم ، فذلك مثل من تبعكم بعد المعرفة لمحمد ، ومحمد الذي يدعو إلى الطريق والطريق هو الإِسلام .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا } قال : الأوثان . وفي قوله { كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران } قالِ : رجل حيران يدعو أصحابه إلى الطريق ، فذلك مثل من يضل بعد إذ هدى .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { كالذي استهوته الشياطين . . . } الآية . قال : هو الرجل الذي لا يستجيب لهدي الله ، وهو رجل أطاع الشيطان وعمل في الأرض بالمعصية وجار عن الحق وضل عنه ، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى يزعمون أن الذي يأمرونه به هدى الله ، ويقول الله ذلك لأوليائهم من الإِنس بقول { إن الهدى هدى الله } والضلالة ما يدعوا إليه الجن . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال : خصومة علمها الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، يخاصمون بها أهل الضلالة .
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أبي إسحق قال : في قراءة عبد الله { كالذي استهواه الشيطان } .
وأخرج ابن جرير وابن الأنباري عن أبي إسحق قال : في قراءة عبد الله { يدعونه إلى الهدى بينا } .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال : في قراءة ابن مسعود { يدعونه إلى الهدى بينا } قال : الهدى الطريق ، أنه بين ، والله أعلم .
وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72)
أخرج أبو الشيخ عن الأوزاعي قال : ما من أهل بيت يكون لهم مواقيت يعلمون الصلاة إلا بورك فيهم كما بورك في إبراهيم وآل إبراهيم . (4/80)
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)
أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن عبد الله بن عمرو قال : « سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصور؟ فقال » هو قرن ينفخ فيه « » . (4/81)
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لو أن أهل منى اجتمعوا على أن يقلوا القرن من الأرض ما أقلوه » .
وأخرج مسدد في مسنده وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني عن ابن مسعود قال : الصور كهيئة القرن ينفخ فيه .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : الصور كهيئة البوق .
وأخرج ابن ماجة والبزار وابن أبي حاتم عن أبي سيعد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا يزال صاحبا القرن ممسكين بالصور ينتظران متى يؤمران » .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن طرف صاحب الصور مذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يَرْتَد إليه طرفه ، كأن عينيه كوكبان دريان » .
وأخرج أحمد والطبراني في الأوسط والحاكم والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن ، وحنى جبهته ، وأصغى بسمعه ينتظر متى يؤمر؟ قالوا : كيف نقول يا رسول الله؟ قال : قولوا : حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا » .
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن المنذر والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم « قال : كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن ، وحنى الجبهة ، وأصغى بالأذن متى يؤمر فينفخ؟ قالوا : فما نقول يا رسول الله؟ قال : قولوا : حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا » .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كيف أنعم وصاحب القرن قد التقمه ، وحنى جبهته ، وأصغى بسمعه ينتظر متى يؤمر فينفخ؟ قالوا : يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال : حسبنا الله ونعم الوكيل » .
وأخرج البزار والحاكم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما من صباح إلا وملكان يناديان ، يقول أحدهما : اللهم أعط منفقاً خلفاً ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكاً تلفاً ، وملكان موكلان بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان ، وملكان يناديان : با باغي الخير هلم ، ويقول الآخر : يا باغي الشر أقصر ، وملكان يناديان يقول أحدهما : ويل للرجال من النساء وويل للنساء من الرجال » .
وأخرج أحمد والحاكم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « النافخان في السماء الثانية رأس أحداهما بالمشرق ورجلاه بالمغرب ، وينتظران متى يؤمران أن ينفخا في الصور فينفخا » . (4/82)
وأخرج عبد بن حميد والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ في العظمة بسند حسن عن عبد الله بن الحارث قال « كنت عند عائشة وعندها كعب الحبر ، فذكر إسرافيل فقالت عائشة : أخبرني عن إسرافيل؟ فقال كعب : عندكم العلم . . . ! قالت : أجل فأخبرني؟ قال : له أربعة أجنحة ، جناحان في الهواء ، وجناح قد تسربل به ، وجناح على كاهله ، والقلم على أذنه ، فإذا نزل الوحي كتب القلم ثم درست الملائكة ، وملك الصور جاث على إحدى ركبتيه وقد نصب الأخرى فالتقم الصور محنى ظهره ، وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحيه أن ينفخ في الصور . فقالت عائشة : هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول » .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال : خلق الله الصور من لؤلؤة بيضاء في صفاء الزجاجة ، ثم قال للعرش : خذ الصور فتعلق به ، ثم قال : كن فكان إسرافيل ، فأمره أن يأخذ الصور فأخذه وبه ثقب بعدد كل روح مخلوقة ونفس منفوسة لا تخرج روحان من ثقب واحد ، وفي وسط الصور كوّة كاستدارة السماء والأرض ، وإسرافيل واضع فمه على تلك الكوّة ، ثم قال له الرب تعالى : قد وكلتك بالصور فأنت للنفخة والصيحة ، فدخل إسرافيل في مقدم العرش فأدخل رجله اليمنى تحت العرش وقدم اليسرى ، ولم يطرف منذ خلقه الله ينتظر متى يؤمر به .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي بكر الهذلي قال : إن ملك الصور وكل به أن إحدى قدميه لفي الأرض السابعة ، وهو جاث على ركبتيه شاخص بصره إلى إسرافيل ، ما طرف منذ خلقه الله تعالى ينتظر متى يشير إليه فينفخ في الصور .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { يوم ينفخ في الصور } قال : يعني النفخة الأولى ، ألم تسمع أنه يقول { ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى } [ الزمر : 68 ] يعني الثانية { فإذا هم قيام ينظرون } [ الزمر : 68 ] .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة أنه قرأ { يوم ينفخ في الصور } أي في الخلق .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { عالم الغيب والشهادة } يعني أن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { عالم الغيب والشهادة } قال : السر والعلانية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال : الشهادة ما قد رأيتم من خلقه ، والغيب ما غاب عنكم مما لم تروه .
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74)
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : آزر الصنم ، وأبو إبراهيم اسمه يازر ، وأمه اسمها مثلى ، وامرأته استمها سارة ، وسريته أم اسمعيل اسمها هاجر ، وداود بن أمين ، ونوح بن لمك ويونس بن متى . (4/83)
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : آزر لم يكن بأبيه ولكنه اسم صنم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : اسم أبيه تارح ، وأسم الصنم آزر .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر } قال : ليس آزر بأبيه ولكن { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر } وهن الآلهة ، وهذا من تقديم القرآن ، إنما هو إبراهيم بن تيرح .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سليمان التيمي أنه قرأ { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر } قال : بلغني أنها أعوج ، وأنها أشد كلمة قالها إبراهيم لأبيه .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة } قال : كان يقول أعضد ، أتعتضد بالآلهة من دون الله لا تفعل؟ ويقول : إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر وإنما اسمه تارح . قال أبو زرعة : بهمزتين ( أءزر ) .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في الآية قال : آزر أبو إبراهيم .
وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } قال : الشمس والقمر والنجوم . (4/84)
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } قال : كشف ما بين السموات والأرض حتى نظر إليهن على صخرة ، والصخرة على حوت ، وهو الحوت الذي منه طعام الناس ، والحوت في سلسلة والسلسلة في خاتم العزة .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس { ملكوت السماوات والأرض } قال : ملك السموات والأرض قال : سلطانهما .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } قال : إنما هو ملك السموات والأرض ، ولكنه بلسان النبطية ملكوثا .
وأخرج آدم بن أبي اياس وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } قال : آيات فرجت له السموات السبع ، فنظر إلى ما فيهن حتى انتهى بصره إلى العرش ، وفرجت له الأرضون السبع فنظر إلى ما فيهن .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } قال : قام على صخرة ففرجت له السموات السبع حتى ننظر إلى العرش وإلى منزله من الجنة ، ثم فرجت له الأرضون السبع حتى نظر إلى الصخرة التي عليها الأرضون ، كذلك قوله { وآتيناه أجره في الدنيا } [ العنكبوت : 27 ] .
وأخرج أحمد وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : رأيت ربي في أحسن صورة فقال : فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قال : قلت أنت أعلم أي رب . . . ! قال : فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي . قال : فعلمت ما في السموات والأرض ، ثم تلا هذه الآية { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين } ثم قال : يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال : قلت : في الدرجات والكفارات قال : وما الكفارات؟ قلت : نقل الأقدام إلى الجماعات ، والمجالس في المساجد خلاف الصلوات ، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروه ، فمن يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير ، ويكن من خطيئته كهيتئه يوم ولدته أمه ، وأما الدرجات فبذل السلام ، وإطعام الطعام ، والصلاة بالليل والناس نيام ، قال : قل اللهم إني أسألك الطيبات ، وترك المنكرات ، وحب المساكين ، وأن تغفر لي وترحمني ، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تعلموهن فإنهن حق » .
وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أشرف على رجل على معصية من معاصي الله فدعا عليه فهلك ، ثم أشرف على آخر على معصية من معاصي الله فدعا فهلك ، ثم أشرف على آخر فذهب يدعو عليه ، فأوحى الله إليه : أن يا إبراهيم أنك رجل مستجاب الدعوة فلا تدع على عبادي ، فإنهم مني على ثلاث : إما أن يتوب فأتوب عليه ، وإما أن أخرج من صلبه نسمة تملأ الأرض بالتسبيح ، وإما أن أقبضه إلي فإن شئت عفوت وإن شئت عاقبت » . (4/85)
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن عطاء قال : لما رفع إبراهيم إلى ملكوت السموات أشرف على عبد يزني فدعا عليه فأهلك ، ثم رفع أيضاً فأشرف على عبد يزني فدعا عليه فأهلك ، ثم رفع أيضاً فأشرف على عبد يزني ، فأراد أن يدعو عليه فقال له ربه : على رسلك يا إبراهيم ، فإنك عبد مستجاب لك ، وإني من عبدي على إحدى ثلاث خلال : إما أن يتوب إلي فأتوب عليه ، وإما أن أخرج منه ذرية طيبة ، وإما أن يتمادى فيما هو فيه فأنا من ورائه .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب في قوله { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } قال : رفع إبراهيم إلى السماء فنظر أسفل منه ، فرأى رجلاً على فاحشة فدعا فخسف به حتى دعا على سبعة كلهم يخسف به ، فنودي يا إبراهيم رفه عن عبادي ثلاث مرار إني من عبدي بين ثلاث ، اما أن يتوب فأتوب عليه ، وإما أن استخرج من صلبه ذرية مؤمنة ، وإما أن يكفر فحسبه جهنم .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طريق شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله وعليه وسلم قال « لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض أبصر عبداً على خطيئة فدعا عليه ، ثم أبصر عبداً على خطيئة فدعا عليه ، فأوحى الله إليه : يا إبراهيم إنك عبد مستجاب الدعوة فلا تدع على أحد فإني من عبدي على ثلاث : إما أن أخرج من صلبه ذرية تعبدني ، وإما أن يتوب في آخر عمره فأتوب عليه ، وإما أن يتولى فإن جهنم من ورائه » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن سلمان الفارسي قال : لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض رأى رجلاً على فاحشة فدعا عليه فهلك ، ثم رأى آخر على فاحشة فدعا عليه فهلك ، ثم رأى آخر على فاحشة فدعا عليه ، فأوحى الله إليه : أن يا إبراهيم مهلاً فإنك رجل مستجاب لك ، وإني من عبدي على ثلاث خصال : إما أن يتوب قبل الموت فأتوب عليه ، وإما أن أخرج من صلبه ذرية يذكروني ، وإما أن يتولى فجهنم من ورائه .
وأخرج البيهقي في الشعب عن عطاء قال : لما رفع إبراهيم في ملكوت السموات رأى رجلاً يزني فدعا عليه فهلك ، ثم رفع فرأى رجلاً يزني فدعا عليه فهلك ، ثم رفع فرأى رجلاً يزني فدعا فهلك ، ثم رأى رجلاً يزني فدعا فهلك . فقيل : على رسلك يا إبراهيم إنك عبد مستجاب لك ، وإني من عبدي على ثلاث : إما أن يتوب إلي فأتوب عليه ، وإما أن أخرج منه ذرية طيبة تعبدني ، وإما أن يتمادى فيما هو فيه فإن جهنم من ورائه . (4/86)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } قال : يعني خلق السموات والأرض { وليكون من الموقنين } فإنه جلا له الأمر سره وعلانيته ، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق ، فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب قال الله : إنك لا تستطيع هذا ، فرده الله كما كان قبل ذلك .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال : ذكر لنا أن إبراهيم عليه السلام فر به من جبار مترف ، فجعل في سرب وجعل زرقه في أطرافه ، فجعل لا يمص أصبعاً من أصابعه إلا جعل الله له فيها رزقاً ، فلما خرج من ذلك السرب أراه الله ملكوت السموات والأرض ، وأراه شمساً وقمراً ونجوماً وسحاباً وخلقاً عظيماً ، وأراه ملكوت الأرض فرأى جبالاً وبحوراً وأنهاراً وشجراً ومن كل الدواب وخلقاً عظيماً { فلما جن عليه الليل رأى كوكباً } ذكر لنا أن الكوكب الذي رأى الزهرة طلعت عشاء { قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين } علم أن ربه دائم لا يزول { فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي } رأى خلقاً أكبر من الخلق الأوّل { فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الظالمين ، فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر } أي أكبر خلقاً من الخلقين الأوّلين . وأبهى وأنور .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : كان من شأن إبراهيم عليه السلام أن أول ملك ملك في الأرض شرقها وغربها نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح ، وكانت الملوك الذين ملكوا الأرض كلها أربعة : بن كنعان وسليمان بن داود ، وذو القرنين ، وبختنصر . مسلمين وكافرين ، وإنه طلع كوكب على نمورد ، ذهب بضوء الشمس والقمر ففزع من ذلك ، فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة فسألهم عن ذلك! فقالوا : يخرج من ملكك رجل يكون على وجهه هلاكك وهلاك ملكك ، وكان مسكنه ببابل الكوفة فخرج من قريته إلى قرية أخرى ، وأخرج الرجال وترك النساء ، وأمر أن لا يولد مولود ذكر إلا ذبحه فذبح أولادهم .
ثم إنه بدت له حاجة في المدينة لم يأمن عليها إلا آزر أبا إبراهيم ، فدعاه فأرسله فقال له : أنظر لا تواقع أهلك .
فقال له آزر أنا أضُنُّ بديني من ذلك ، فلما دخل القرية نظر إلى أهله فلم يملك نفسه إن وقع عليها ، ففر بها إلى قرية بين الكوفة والبصرة يقال لها ادر فجعلها في سرب ، فكان يتعهدها بالطعام وما يصلحها ، وإن الملك لما طال عليه الأمر قال : قول سحرة كذابين ارجعوا إلى بلدكم ، فرجعوا وولد إبراهيم فكان في كل يوم يمر به كأنه جمعة والجمعة كالشهر من سرعة شبابه ، ونسي الملك ذاك وكبر إبراهيم ولا يرى أن أحداً من الخلق غيره وغير أبيه وأمه ، فقال أبو إبراهيم لأصحابه : إن لي ابناً وقد خبأته فتخافون عليه الملك ان أنا جئت به؟ قالوا : لا فائت به . فانطلق فأخرجه ، فلما خرج الغلام من السرب نظر إلى الدواب والبهائم والخلق ، فجعل يسأل أباه فيقول : ما هذا؟ فيخبره عن البعير أنه بعير ، وعن البقرة أنها بقرة ، وعن الفرس أنها فرس ، وعن الشاة أنها شاة . فقال : ما لهؤلاء بد من أن يكون لهم رب . (4/87)
وكان خروجه حين خرج من السرب بعد غروب الشمس ، فرفع رأسه إلى السماء فإذا هو بالكوكب وهو المشتري ، فقال : هذا ربي . فلم يلبث أن غاب قال : لا أحب رباً يغيب . قال ابن عباس : وخرج في آخر الشهر فلذلك لم ير القمر قبل الكوكب ، فلما كان آخر الليل رأى القمر بازغاً قد طلع قال : هذا ربي . فلما أفل يقول غاب { قال : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين } فلما أصبح رأى الشمس بازغة { قال : هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون } قال الله له : اسلم . قال : أسلمت لرب العالمين .
فجعل إبراهيم يدعو قومه وينذرهم ، وكان أبوه يصنع الأصنام فيعطيها أولاده فيبيعونها ، وكان يعطيه فينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه ، فيرجع إخوته وقد باعوا أصنامهم ، ويرجع إبراهيم بأصنامه كما هي ، ثم دعا أباه فقال { يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً } [ مريم : 42 ] ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة فإذا هن في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم ، إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض ، كل صنم يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو ، وإذا هم قد جعلوا طعاماً بين يدي الآلهة وقالوا : إذا كان حين نرجع رجعنا وقد برحت الآلهة من طعامنا فأكلنا ، فلما نظر إليهم إبراهيم وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال : ألا تأكلون؟ فلما لم تجبه قال : ما لكم لا تنطقون؟
ثم إن إبراهيم أتى قومه فدعاهم ، فجعل يدعو قومه وينذرهم ، فحبسوه في بيت وجمعوا له الحطب حتى أن المرأة لتمرض فتقول : لئن عافاني الله لأجمعن لإبراهيم حطباً ، فلما جمعوا له وأكثروا من الحطب ، حتى إن كان الطير ليمر بها فيحترق من شدة وهجها وحرها ، فعمدوا إليه فرفعوه إلى رأس البنيان ، فرفع إبراهيم رأسه إلى السماء فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة : ربنا إبراهيم يحرق فيك .
قال أنا أعلم به ، فإن دعاكم فأغيثوه . وقال إبراهيم حين رفع رأسه إلى السماء : اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ، ليس أحد يعبدك غيري ، حسبي الله ونعم الوكيل . فقذفوه في النار ، فناداها فقال { يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم } [ الأنبياء : 69 ] وكان جبريل هو الذي ناداها . فقال ابن عباس : لو لم يتبع برداً سلاماً لمات إبراهيم من بردها ، ولم يبق يومئذ في الأرض نار إلا طفئت ظنت أنها هي تعنى ، فلما طفئت النار نظروا إلى إبراهيم ، فإذا هو ورجل آخر معه ورأس إبراهيم في حجره يمسح عن وجهه العرق ، وذكر أن ذلك الرجل ملك الظل ، فأنزل الله ناراً فانتفع بها بنو آدم ، وأخرجوا إبراهيم فأدخلوه على الملك ولم يكن قبل ذلك دخل عليه فكلمه . (4/88)
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن السدي في قوله { رأى كوكباً } قال : هو المشتري ، وهو الذي يطلع نحو القبلة عن المغرب .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن زيد بن علي في قوله { رأى كوكباً } قال : الزهرة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { فلما أفل } أي ذهب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { لا أحب الآفلين } قال : الزائلين .
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله { فلما أفلت } قال : فلما زالت الشمس عن كبد السماء . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت كعب بن مالك الأنصاري وهو يرثي النبي صلى الله عليه وسلم ويقول :
فتغير القمر المنير لفقده ... والشمس قد كسفت وكادت تأفل
قال : أخبرني عن قوله عز وجل { حنيفاً } قال : ديناً مخلصاً . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت حمزة بن عبد المطلب وهو يقول :
حمدت الله حين هدى فؤادي ... إلى الإسلام والدين الحنيف
وقال : أيضاً رجل من العرب يذكر بني عبد المطلب وفضلهم :
أقيموا لنادينا حنيفاً فانتمو ... لنا غاية قد نهتدي بالذوائب
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء في قوله { حنيفاً } قال : مخلصاً .
وأخرج مسلم والنسائي وابن مردويه عن عياض بن حمار المجاشعي « أنه شهد خطبة النبي صلى الله عليه وسلم فسمعه يقول : إن الله أمرني أن أعلمكم ما جهلتم من دينكم مما علمني يومي هذا ، إن كل مال نحلته عبداً فهو له حلال ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنه أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً » .
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في سننه عن علي « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استفتح الصلاة كبر ثم قال : وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين ، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين » .
وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)
أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله { وحاجه قومه } يقول : خاصموه . (4/89)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أتحاجوني } قال : أتخاصمونني .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { أتحاجوني } مشددة النون .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله { وحاجه قومه } قال : دعوا مع الله إلهاً { أتحاجوني في الله وقد هدان } وقد عرفت ربي ، خوّفوه بآلهتهم أن يصيبه منها خبل فقال { ولا أخاف ما تشركون به } ثم قال { وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون } أيها المشركون { أنكم أشركتم } .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { فأي الفريقين أحق بالأمن } قال : قول إبراهيم حين سألهم أي الفريقين أحق بالأمن ، ومن حجة إبراهيم! .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله { فأي الفريقين أحق بالأمن } أمن خاف غير الله ولم يخفه ، أم من خاف الله ولم يخف غيره؟ فقال الله { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } [ الأنعام : 82 ] .
الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)
أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني في الافراد وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود قال : « لما نزلت هذه الآية { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } شق ذلك على الناس فقالوا : يا رسول الله وأينا لا يظلم نفسه؟ قال » إنه ليس الذي تعنون ، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح { إن الشرك لظلم عظيم } [ لقمان : 13 ] إنما هو الشرك « . (4/90)
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي بكر الصديق . أنه سئل عن هذه الآية { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } قال : ما تقولون؟ قالوا : لم يظلموا . قال : حملتم الأمر على أشده ، بظلم : بشرك ، ألم تسمع إلى قول الله { إن الشرك لظلم عظيم } ؟ .
وأخرج أبو الشيخ عن عمر بن الخطاب { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } قال : بشرك .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وأبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن حذيفة { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } قال : بشرك .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن سلمان الفارسي . أنه سئل عن هذه الآية { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } قال : إنما عنى به الشرك ، ألم تسمع الله يقول { إن الشرك لظلم عظيم } ؟ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ من طرق عن أبي بن كعب في قوله { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } قال : ذاك الشرك .
وأخرج ابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن ابن عباس . أن عمر بن الخطاب كان إذا دخل بيته نشر المصحف يقرأه ، فدخل ذات يوم فقرأ سورة الأنعام ، فأتى على هذه الآية { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } إلى آخر الآية ، فانتقل وأخذ رداءه ثم أتى أبي بن كعب ، فقال : يا أبا المنذر أتيت على هذه الآيه { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } وقد نرى أنا نظلم ونفعل ونفعل؟ فقال : يا أمير المؤمنين ان هذا ليس بذاك . يقول الله { إن الشرك لظلم عظيم } [ لقمان : 13 ] إنما ذلك الشرك .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } قال : بشرك .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } قال : بعبادة الأوثان .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } يقول : لم يخلصوا إيمانهم بشرك .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن علي بن أبي طالب في قوله { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } قال : نزلت هذه الآية في إبراهيم وأصحابه خاصة ، ليس في هذه الأمة .
وأخرج أحمد والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن جرير بن عبد الله قال : « خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما برزنا من المدينة إذا راكب يوضع نحونا ، فانتهى إلينا فسلم ، فقال له النبي صلى الله وعليه وسلم » من أين أقبلت؟ فقال : من أهلي وولدي وعشيرتي أريد رسول الله . قال : أصبته . قال : علمني ما الإِيمان؟ قال : تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت . قال : قد أقررت . ثم إن بعيره دخلت يده في شبكة جردان فهوى ووقع الرجل على هامته فمات . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا من الذين عملوا قليلاً وأجروا كثيراً ، هذا من الذين قال الله { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } إني رأيت حور العين يدخلن في فيه من ثمار الجنة ، فعلمت أن الرجل مات جائعا « » . (4/91)
وأخرج الحكيم الترمذي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : « كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير ساره ، إذ عرض له أعرابي فقال : والذي بعثك بالحق لقد خرجت من بلادي وتلادي لأهتدي بهداك وآخذ من قولك فاعرض علي ، فأعرض عليه الإِسلام فقبل ، فازدحمنا حوله فدخل خف بكره في ثقب جردان ، فتردى الأعرابي فانكسرت عنقه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أسمعتم بالذي عمل قليلاً وأجر كثيراً هذا منهم؟ أسمعتم بالذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم هذا منهم؟ » .
وأخرج أبن أبي حاتم عن بكر بن سوادة قال : حمل رجل من العدوّ على المسلمين فقتل رجلاً ، ثم حمل فقتل آخر ، ثم حمل فقتل آخر ، ثم قال : أينفعني الإِسلام بعد هذا؟ قالوا : ما ندري ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : نعم . فضرب فرسه فدخل فيهم ، ثم حمل على أصحابه فقتل رجلاً ، ثم آخر ، ثم قتل . قال : فيرون أن هذه الآية نزلت فيه { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } الآية .
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم التيمي « أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فسكت حتى جاء رجل فأسلم ، فلم يلبث إلا قليلاً حتى قاتل فاستشهد ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا منهم من الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمم » .
وأخرج البغوي في معجمه وابن حاتم وابن قانع والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن سخبرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من ابتلي فصبر ، وأعطي فشكر ، وظلم فغفر ، وظلم فاستغفر ، ثم سكت النبي صلى الله عليه وسلم فقيل : يا رسول الله ما له؟ قال { أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } » .
وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس في قوله { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } قال : ذاك في الخصومة التي كانت بينه وبين قومه ، والخصومة التي كانت بينه وبين الجبار الذي يسمى نمرود . (4/92)
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } قال : خصمهم .
وأخرج أبو الشيخ من طريق مالك بن أنس عن زيد بن أسلم في قوله { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } قال : خصمهم .
وأخرج أبو الشيخ من طريق مالك بن أنس عن زيد بن أسلم في قوله { نرفع درجات من نشاء } قال : بالعلم .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال : إن للعلماء درجات كدرجات الشهداء .
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88)
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي حرب بن أبي الأسود قال : أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر فقال : بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم تجده في كتاب الله ، وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده . قال ألست تقرأ سورة الأنعام { ومن ذريته داود وسليمان } حتى بلغ { ويحيى وعيسى } قال : أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب؟ قال : صدقت . (4/93)
وأخرج أبو الشيخ والحاكم والبيهقي عن عبد الملك بن عمير قال : دخل يحيى بن يعمر على الحجاج ، فذكر الحسين فقال الحجاج : لم يكن من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم : فقال يحيى : كذبت . فقال لتأتيني على ما قلت ببينة . فتلا { ومن ذريته داود وسليمان } إلى قوله { وعيسى وإلياس } فأخبر تعالى أن عيسى من ذرية إبراهيم بأمه . قال صدقت .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب قال : الخال والد ، والعم ، والد ، نسب الله عيسى إلى أخواله قال { ومن ذريته } حتى بلغ إلى قوله { وزكريا ويحيى وعيسى } .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحاً هدينا من قبل } ثم قال في إبراهيم { ومن ذريته داود وسليمان } إلى قوله { وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلا فضلنا على العالمين } ثم قال في الأنبياء الذين سماهم الله في هذه الآية { فبهداهم اقتده } .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { واجتبيناهم } قال أخلصناهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون } قال : يريد هؤلاء الذين قال : هديناهم وفضلناهم .
أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89)
أخرج ابن أبي حاتم عن حوثرة بن بشير . سمعت رجلاً سأل الحسن عن قوله { الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوّة } من هم يا أبا سعيد؟ قال : هم الذين في صدر هذه الآية . (4/94)
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله { أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم } قال : الحكم اللب .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فإن يكفر بها هؤلاء } يعني أهل مكة يقول : أن يكفروا بالقرآن { فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين } يعني أهل المدينة والأنصار .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { فإن يكفر بها هؤلاء } قال : أهل مكة كفار قريش { فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين } وهم الأنبياء الذين قص الله على نبيه الثمانية عشر ، الذين قال الله { فبهداهم اقتده } .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي رجاء العطاردي في قوله { فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين } قال : هم الملائكة .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : كان أهل الإيمان قد تبوّأوا الدار والإِيمان قبل أن يقدم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أنزل الله الآيات جحد بها أهل مكة ، فقال الله { فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين } .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب في الآية قال : إن يكفر بها أهل مكة فقد وكلنا بها أهل المدينة من الأنصار .
أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90)
أخرج سعيد بن منصور والبخاري والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتدى بهداهم ، وكان يسجد في ص . ولفظ ابن أبي حاتم عن مجاهد : سألت ابن عباس عن السجدة التي في ص؟ فقرأ هذه الآية وقال : أمر نبيكم أن يقتدى بداود عليه السلام . (4/95)
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال : قص الله عليه ثمانية عشر نبياً ، ثم أمره أن يقتدي بهم .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم . أنه قرأ { فبهداهم اقتده } بين الهاء إذا وصل ولا يدغمها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس . في قوله { قل لا أسألكم عليه أجراً } قال : قل لهم يا محمد لا أسألكم على ما أدعوكم إليه عرضاً من عرض الدنيا . والله أعلم .
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { وما قدروا الله حق قدره } قال : هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم ، فمن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره ، ومن لم يؤمن بذلك فلم يؤمن بالله حق قدره { إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } يعني من بني إسرائيل ، قالت اليهود يا محمد أنزل الله عليك كتاباً؟ قال : نعم . قالوا : والله ما أنزل الله من السماء كتاباً فأنزل الله قل يا محمد { من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس } إلى قوله { ولا آباؤكم قل الله } أنزله . (4/96)
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله { وما قدروا الله حق قدره } قال : وما علموا كيف هو حيث كذبوه .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك في قوله { وما قدروا الله حق قدره } قال : ما عظموه حق عظمته .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } قال : قالها مشركو قريش .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } قال : قال فنحاص اليهودي : ما أنزل الله على محمد من شيء .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله { إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء } قال : نزلت في مالك بن الصيف .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف ، فخاصم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي « أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى هل تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟ وكان حبراً سميناً ، فغضب وقال : والله ما أنزل الله على بشر من شيء . فقال له أصحابه : ويحك . . . ! ولا على موسى؟ قال : ما أنزل الله على بشر من شيء ، فأنزل الله { وما قدروا الله حق قدره . . . } الآية » .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال : جاء ناس من يهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محتب فقالوا : يا أبا القاسم ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحاً؟ فأنزل الله تعالى { يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء } [ النساء : 153 ] الآية . فجثا رجل من اليهود فقال : ما أنزل الله عليك . ولا على موسى ، ولا على عيسى ، ولا على أحد شيئاً ، فأنزل الله { وما قدروا الله حق قدره .
. . } الآية . (4/97)
وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي قال : أمر الله محمداً أن يسأل أهل الكتاب عن أمره وكيف يجدونه في كتبهم ، فحملهم حسدهم أن يكفروا بكتاب الله ورسله فقالوا { ما أنزل الله على بشر من شيء } فأنزل الله { وما قدروا الله حق قدره . . . } الآية . ثم قال : يا محمد هلم لك إلى الخبير ، ثم أنزل { الرحمن فاسأل به خبيراً } [ الفرقان : 59 ] { ولا ينبئك مثل خبير } [ فاطر : 14 ] .
وأخرج البيهقي عن الشعب عن كعب قال : إن الله يبغض أهل البيت اللحمين والحبر السمين .
وأخرج البيهقي عن جعدة الجشمي قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ورجل يقص عليه رؤيا ، فرأى رجلاً سميناً فجعل بطنه بشيء في يده ، ويقول « لو كان بعض هذا في غير هذا لكان خير الملك » .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً } قال : هم اليهود { وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم } قال : هذه للمسلمين .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً } في يهود فيما أظهروا من التوراة وأخفوا من محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد أنه قرأ { تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً } وعلمتم معشر العرب { ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم } .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم } قال : هم اليهود ، آتاهم الله علماً فلم يقتدوا به ولم يأخذوا به ولم يعملوا به ، فذمهم الله في عملهم ذلك .
وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92)
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وهذا كتاب أنزلناه مبارك } قال : هو القرآن الذي أنزله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم . (4/98)
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { مصدق الذي بين يديه } أي من الكتب التي قد خلت قبله .
وأخرج أبن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله { ولتنذر أم القرى } قال : مكة ومن حولها . قال : يعني ما حولها من القرى إلى المشرق والمغرب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء وعمرو بن دينار قالا : بعث الله رياحاً فشققت الماء فأبرزت موضع البيت على حشفة بيضاء ، فمد الله الأرض منها ، فذلك هي أم القرى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { أم القرى } قال : مكة ، وإنما سميت أم القرى لأنها أول بيت وضع بها .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله { ولتنذر أم القرى } قال : هي مكة . قال : وبلغني أن الأرض دحيت من مكة .
وأخرج ابن مردويه عن بريدة قال : قال رسول الله صلى عليه وسلم « أم القرى مكة » .
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)
أخرج الحاكم في المستدرك عن شرحبيل بن سعد قال : نزلت في عبد الله بن أبي سرح { ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحيَ إلي ولم يوح إليه شيء . . . } الآية . فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فر إلى عثمان أخيه من الرضاعة ، فغيبه عنده حتى اطمأن أهل مكة ، ثم استأمن له . (4/99)
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي خلف الأعمى قال : كان ابن أبي سرح يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم الوحي ، فأتى أهل مكة فقالوا : يا ابن أبي سرح كيف كتبت لابن أبي كبشة القرآن؟ قال : كنت أكتب كيف شئت ، فأنزل الله { ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحيَ إلي ولم يوح إليه شيء } قال : نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي ، أسلم وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ، فكان إذا أملى عليه ( سميعاً عليماً ) كتب ( عليماً حكيماً ) وإذا قال ( عليماً حكيماً ) كتب ( سميعاً عليماً ) فشك وكفر وقال : إن كان محمد يوحى إليه فقد أوحى إليّ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن جريج في قوله { ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحيَ إلي ولم يوح إليه شيء } قال : نزلت في مسيلمة الكذاب ونحوه ممن دعا إلى مثل ما دعا إليه ، ومن قال : { سأنزل مثل ما أنزل الله } قال : نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ومن أظلم . . . } الآية . قال : ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في مسيلمة .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ومن أظلم . . . } الآية . قال : ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في مسيلمة .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله { ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحيَ إلي ولم يوح إليه شيء } قال : نزلت في مسيلمة فيما كان يسجع ويتكهن به ، ومن { قال : سأنزل مثل ما أنزل الله } قال : نزلت في عبد الله بن سعد ابن أبي سرح ، كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فكان فيما يملى ( عزيز حكيم ) فيكتب ( غفور رحيم ) فيغيره ، ثم يقرأ عليه كذا وكذا لما حوّل فيقول : نعم سواء ، فرجع عن الإسلام ولحق بقريش .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال : لما نزلت { والمرسلات عرفاً فالعاصفات عصفاً } [ المرسلات : 12 ] قال النضر وهو من بني عبد الدار : والطاحنات طحناً والعاجنات عجنا .
وقولاً كثيراً ، فأنزل الله { ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحيَ إلي ولم يوح إليه شيء . . . } الآية . (4/100)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : ما من القرآن شيء إلا قد عمل به من كان قبلكم وسيعمل به من بعدكم ، حتى كنت لأمر بهذه الآية { ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء } ولم يعمل هذا أهل هذه القبلة حتى كان المختار بن أبي عبيدة .
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : آيتان يبشر بهما الكافر عند موته { ولو ترى إذ الظالمون } إلى قوله { تستكبرون } .
وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس قال « بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قاعداً ، وتلا هذه الآية { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون } ثم قال : والذي نفس محمد بيده ما من نفس تفارق الدنيا حتى ترى مقعدها من الجنة والنار ، ثم قال : إذا كان عند ذلك صف سماطان من الملائكة نظموا ما بين الخافقين كأن وجوههم الشمس فينظر إليهم ما يرى غيرهم ، وإن كنتم ترون أنه ينظر إليكم مع كل ملك منهم أكفان وحنوط ، فإذا كان مؤمناً بشروه بالجنة ، وقالوا : اخرجي أيتها النفس الطيبة إلى رضوان الله وجنته فقد أعد الله لك من الكرامة ما هو خير لك من الدنيا وما فيها ، فما يزالون يبشرونه ويحفون به فهم ألطف وأرأف من الوالدة بولدها ، ويسلون روحه من تحت كل ظفر ومفصل ، ويموت الأول فالأول ، ويبرد كل عضو الأول فالأول ، ويهون عليه وان كنتم ترونه شديداً حتى تبلغ ذقنه ، فلهو أشد كرامة للخروج حينئذ من الولد حين يخرج من الرحم ، فيبتدرها كل ملك منهم أيهم يقبضها ، فيتولى قبضها ملك الموت ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون } [ السجدة : 11 ] قال : فيتلقاها باكفان بيض ثم يحتضنها إليه فهو أشد لها لزوماً من المرأة لولدها ، ثم يفوح لها فيهم ريح أطيب من المسك ، يتباشرون بها ويقولون : مرحبا بالريح الطيبة والروح الطب ، اللهم صل عليه روحاً وصل عليه جسداً خرجت منه فيصعدون بها ، ولله خلق في الهواء لا يعلم عدتهم إلا هو ، فيفوح لها فيهم ريح أطيب من المسك ، فيصلون عليها ويتباشرون بها ويفتح لها أبواب السماء ، ويصلي عليها كل ملك من كل سماء تمر به حتى توقف بين يدي الملك الجبار ، فيقول الجبار عز وجل : مرحباً بالنفس الطبية وبجسد خرجت منه ، وإذا قال الرب عز وجل للشيء : مرحبا . رحب له كل شيء وذهب عنه كل ضيق ، ثم يقول : اذهبوا بهذه النفس الطيبة فادخلوها الجنة ، وأروها مقعدها ، واعرضوا عليها ما أعد لها من النعيم والكرامة ، ثم اهبطوا بها إلى الأرض فإني قضيت أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى ، فوالذي نفس محمد بيده هي أشد كراهة للخروج منها حين كانت تخرج من الجسد ، وتقول : اين تذهبون بي إلى ذلك الجسد الذي كنت فيه؟ فيقولون : إنّا مأمورون بهذا فلا بد لك منه . فيهبطون به على قدر فراغهم من غسله وأكفانه ، فيدخلون ذلك الروح بين الجسد وأكفانه ، فما خلق الله تعالى كلمة تكلم بها حميم ولا غير حميم إلا وهو يسمعها ، إلا أنه لا يؤذن له في المراجعة ، فلو سمع أشد الناس له حباً ومن أعزهم كان عليه يقول : على رسلكم ما يعجلكم وأذن له في الكلام للعنه ، وإنه يسمع خفق نعالهم ونفض أيديهم إذا ولوا عنه .
ثم يأتيه عند ذلك ملكان فظان غليظان يسميان منكراً ونكيراً ومعهما عصا من حديد لو اجتمع عليها الجن والانس ما أقلوها وهي عليهما يسير ، فيقولان له : أقعد بإذن الله ، فإذا هو مستو قاعداً فينظر عند ذلك إلى خلق كريه فظيع ينسبه ما كان رأى عند موته . . . ! فيقولان له من ربك؟ فيقول : الله . فيقولون : فما دينك؟ فيقول الإِسلام ، ثم ينتهرانه عند ذلك انتهارة شديدة ، ثم يقولان : فمن نبيك؟ فيقول : محمد صلى الله عليه وسلم ويعرق عند ذلك عرقاً يبتل ما تحته من التراب ، ويصير ذلك العرق أطيب من ريح المسك ، وينادي عند ذلك من السماء نداء خفياً صدق عبدي فلينفعه صدقه ، ثم يفسح له في قبره مد بصره ، ويبتذله فيه الريحان ، ويستر بالحرير ، فإن كان معه من القرآن شيء كفاه نوره ، وإن لم يكن معه جعل له نور مثل نور الشمس في قبره ، ويفتح له أبواب وكوى إلى الجنة فينظر إلى مقعده منها مما كان عاين حين صعد به ، ثم يقال : نم قرير العين ، فما نومه ذلك إلى يوم يقوم إلا كنومة ينامها أحدكم شهية لم يرو منها ، يقوم وهو يمسح عينيه ، فكذلك نومه فيه إلى يوم القيامة .
وإن كان غير ذلك إذا نزل به ملك الموت صف له سماطان من الملائكة نظموا ما بين الخافقين ، فيخطف بصره إليهم ما يرى غيرهم ، وإن كنتم ترون أنه ينظر إليكم ويشدد عليه ، وإن كنتم ترون أنه يهون عليه فيلعنونه ، ويقولون : أخرجي أيتها النفس الخبيثة فقد أعد الله لك من النكال والنقمة والعذاب كذا وكذا ساء ما قدمت لنفسك ، ولا يزالون يسلونها في غضب وتعب وغلظ وشدة من كل ظفر وعضو ، ويموت الأول فالأول ، وتنشط نفسه كما يصنع السفود ذو الشعب بالصوف حتى تقع الروح في ذقنه ، فلهي أشد كراهية للخروج من الولد حين يخرج من الرحم مع ما يبشرونه بأنواع النكال والعذاب حتى تبلغ ذقنه ، فليس منهم ملك إلا وهو يتحاماه كراهية له ، فيتولى قبضها ملك الموت الذي وكل بها فيتلقاها ، أحسبه قال : بقطعه من بجاد أنتن ما خلق الله وأخشنه ، فيلقى فيها ويفوح لها ريح أنتن ما خلق الله ويسد ملك الموت منخريه ويسدون آنافهم ويقولون : اللهم العنها من روح والعنه جسداً خرجت منه ، فإذا صعد بها غلقت أبواب السماء دونها ، فيرسلها ملك الموت في الهواء حتى إذا دنت من الأرض انحدر مسرعاً في أثرها ، فيقبضها بحديدة معه يفعل بها ذلك ثلاث مرات ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق } [ الحج : 31 ] والسحيق البعيد . ثم ينتهي بها فتوقف بين يدي الملك الجبار فيقول : لا مرحباً بالنفس الخبيثة ولا بجسد خرجت منه ، ثم يقول : انطلقوا بها إلى جهنم فأروها مقعدها منها واعرضوا عليها ما أعددت لها من العذاب والنقمة والنكال .
ثم يقول الرب : اهبطوا بها إلى الأرض فإني قضيت أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى . فيهبطون بها على قدر فراغهم منها ، فيدخلون ذلك الروح بين جسده وأكفانه ، فما خلق الله حميماً ولا غير حميم من كلمة يتكلم بها لا وهو يسمعها إلا أنه لا يؤذن له في المراجعة ، فلو سمع أعز الناس عليه وأحبهم إليه يقول : أخرجوا به وعجلوا وأذن له في المراجعة للعنه . وود أنه ترك كما هو لا يبلغ به حفوته إلى يوم القيامة .
فإذا دخل قبره جاءه ملكان أسودان أرزقان فظان غليظان ، ومعهما مرزبة من حديد وسلاسل وأغلال ومقامع الحديد ، فيقولان له : اقعد بإدن الله . فإذا هو مستوٍ قاعد سقطت عنه أكفانه ، ويرى عند ذلك خلفاً فظيعاً ينسى به ما رأى قبل ذلك فيقولان له : من ربك؟ فيقول : أنت . فيفزعان عند ذلك فزعة . ويقبضان ويضربانه ضربة بمطرقة الحديد فلا يبقى منه عضو إلا وقع على حدة ، فيصيح عند ذلك صيحة فما خلق الله من شيء ملك أو غيره إلا يسمعها إلا الجن والإِنس ، فيلعنونه عند ذلك لعنة واحدة وهو قوله { أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون } [ البقرة : 159 ] والذي نفس محمد بيده لو اجتمع على مطرقتهما الجن والإِنس ما أقلوها وهي عليهما يسير ، ثم يقولان عد بإذن الله ، فإذا هو مستو قاعداً فيقولان : من ربك؟ فيقول : لا أدري . فيقولان : فمن نبيك؟ فيقول : سمعت الناس يقولون محمد . فيقولان : فما تقول أنت؟ فيقول : لا أدري . فيقولان : لا دريت . ويعرق عند ذلك عرقاً يبتل ما تحته من التراب ، فلهو أنتن من الجيفة فيكم ، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيقولان له : نم نومة المسهر . فلا يزال حيات وعقارب أمثال أنياب البخت من النار ينهشنه ، ثم يفتح له باب فيرى مقعده من النار ، وتهب عليه أرواحها وسمومها ، وتلفح وجهه النار غدوّاً وعشياً إلى يوم القيامة » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { غمرات الموت } قال : سكرات الموت . (4/101)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { والملائكة باسطوا أيديهم } قال : هذا عند الموت . والبسط! الضرب . يضربون وجوههم وأدبارهم .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس { والملائكة باسطوا أيديهم } قال : ملك الموت عليه السلام .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { والملائكة باسطوا أيديهم } قال : بالعذاب .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن قيس قال : إن لملك الموت أعواناً من الملائكة ، ثم تلاث هذه الآية { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم } .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن وهب قال : إن الملائكة الذين يقرنون بالناس هم الذين يتوفونهم ويكتبون لهم آجالهم ، فإذا كان يوم كذا وكذا توفته ، ثم نزع { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم } فقيل لوهب : أليس قد قال الله { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم } [ السجدة : 11 ] قال : نعم ، إن الملائكة إذا توفوا نفساً دفعوها إلى ملك الموت وهو كالعاقب يعني العشار الذي يؤدي إليه من تحته .
وأخرج الطستي وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس رضي الله عنهما . أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله { عذاب الهون } قال : الهوان الدائم الشديد . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم ، أما سمعت الشاعر وهو يقول :
أنا وجدنا بلاد الله واسعه ... تنجى من الذل والمخزات والهون
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { عذاب الهون } قال : الهوان .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { عذاب الهون } قال : الذي يهينهم .
وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال : قال النضر بن الحارث : سوف تشفع لي اللات والعزى ، فنزلت { ولقد جئتمونا فرادى } الآية كلها . (4/102)
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن عائشة . أنها قرأت قول الله { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } فقالت عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله واسوأتاه . . . ! إن الرجال والنساء سيحشرون جميعاً ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه ، لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال ، شغل بعضهم عن بعض » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } قال : كيوم ولد ، يرد كل شيء نقص منه من يوم ولد .
وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه « سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول : إذا كان يوم القيامة حشر الناس حفاة عراة غرلاً » .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله { وتركتم ما خوّلناكم } قال : من المال والخدم { وراء ظهوركم } قال : في الدنيا .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال : يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذخ فيقول له تبارك وتعالى : أين ما جمعت؟ فيقول له يا رب جمعته وتركته أوفر ما كان فيقول : فأين ما قدمت لنفسك؟ فلا يراه قدم شيئاً ، وتلا هذه الآية { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم } .
وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن بريدة رضي الله عنه قال : كان عند ابن زياد أبو الأسود الديلمي وجبير بن حية الثقفي ، فذكروا هذا الحرف { لقد تقطع بينكم } فقال أحدهما : بيني وبينك أول من يدخل علينا ، فدخل يحيى بن يعمر ، فسألوه فقال : بينكم بالرفع .
وأخرج أبو الشيخ عن الأعرج أنه قرأ { لقد تقطع بينكم } بالرفع يعني وصلكم .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه أنه قرأ { لقد تقطع بينكم } بالنصب أي ما بينكم من المواصلة التي كانت بينكم في الدنيا .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه { لقد تقطع بينكم } قال : ما كان بينهم من الوصل .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عكرمة قال : لما تزوج عمر رضي الله عنه أم كلثوم رضي الله عنها بنت علي اجتمع عليه أصحابه فباركوا له دعوا له ، فقال : لقد تزوجتها وما بي حاجة إلى النساء ، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « إن كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي ، فاحببت أن يكون بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم نسب » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون } يعني الأرحام والمنازل .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { لقد تقطع بينكم } قال : تواصلكم في الدنيا .
إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { فالق الحب والنوى } يقول : خلق الحب والنوى . (4/103)
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله { فالق الحب والنوى } قال : يفلق الحب والنوى عن النبات .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله { فالق الحب والنوى } قال : الشقان اللذان فيهما .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله { فالق الحب والنوى } الشق الذي في النواة والحنطة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله { فالق الحب والنوى } قال : فالق الحبة عن السنبلة ، وفالق النواة عن النخلة .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله { يخرج الحي من الميت } قال : النخلة من النواة والسنبلة من الحبة { ومخرج الميت من الحي } قال : النواة من النخلة والحبة من السنبلة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي } قال : الناس الأحياء من النطف والنطفة ميتة تخرج من الناس الأحياء ، ومن الأنعام والنبات كذلك أيضاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فأنى تؤفكون } قال : كيف تكذبون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { فأنى تؤفكون } قال : أنى تصرفون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { فأنى تؤفكون } قال : كيف تضل عقولكم عن هذا .
فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فالق الإصباح } قال : خلق الليل والنهار . (4/104)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فالق الإصباح } قال : يعني بالاصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { فالق الإصباح } قال : اضاءة الفجر .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قوله { فالق الإصباح } قال : فالق الصبح .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله { فالق الإصباح } قال : فالق النور نور النهار .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وجاعل الليل سكناً } قال : يسكن فيه كل طير ودابة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { والشمس والقمر حسباناً } يعني عدد الأيام والشهور والسنين .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { والشمس والقمر حسباناً } قال : يدوران في حساب .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة { حسباناً } قال : ضياء .
وأخرج أبو الشيخ عن الربيع في قوله { والشمس والقمر حسباناً } قال : الشمس والقمر في حساب ، فإذا خلت أيامها فذلك آخر الدهر ، وأول الفزع الأكبر .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة بسند واهٍ عن ابن عباس قال : خلق الله بحراً دون السماء بمقدار ثلاث فراسخ ، فهو موج مكفوف قائم في الهواء بأمر الله لا يقطر منه قطرة ، جار في سرعة السهم تجري فيه الشمس والقمر والنجوم ، فذلك قوله { كل في فلك يسبحون } [ الأنبياء : 33 ] والفلك دوران العجلة في لجة غمر ذلك البحر ، فإذا أحب الله أن يحدث الكسوف خرت الشمس عن العجلة فتقع في غمر ذلك البحر ، فإذا أراد أن يعظم الآية وقعت كلها فلا يبقى على العجلة منها شيء ، وإذا أراد دون ذلك وقع النصف منها أو الثلث أو الثلثان في الماء ، ويبقى سائر ذلك على عجلة ، وصارت الملائكة الموكلون بها فرقتين ، فرقة يقبلون على الشمس فيجرونها نحو العجلة ، وفرقة يقبلون إلى العجلة فيجرونها إلى الشمس ، فإذا غربت رفع بها إلى السماء السابعة في سرعة طيران الملائكة وتحبس تحت العرش فتستأذن من أين تؤمر بالطلوع ، ثم ينطلق بها ما بين السماء السابعة وبين أسفل درجات الجنان في سرعة طيران الملائكة ، فتنحدر حيال المشرق من سماء إلى سماء ، فإذا وصلت إلى هذه السماء فذلك حين ينفجر الصبح ، فإذا وصلت إلى هذا الوجه من السماء فذلك حين تطلق الشمس قال : وخلق الله عند المشرق حجاباً من الظلمة فوضعها على البحر السابع مقدار عدة الليالي في الدنيا منذ خلقها الله إلى يوم القيامة ، فإذا كان عند غروب الشمس أقبل ملك قد وكل بالليل ، فقبض قبضة من ظلمة ذلك الحجاب ثم يستقبل الغرب ، فلا يزال يرسل تلك الظلمة من خلل أصابعه قليلاً قليلاً وهو يراعي الشفق ، فإذا غاب الشفق أرسل الظلمة كلها ، ثم ينشر جناحيه فيبلغان قطري الأرض وكنفي السماء ، فتشرق ظلمة الليل بجناحيه فإذا حان الصبح ضم جناحه ، ثم يضم الظلمة كلها بعضها إلى بعض بكفيه من المشرق ، ويضعها على البحر السابع بالمغرب .
وأخرج أبو الشيخ بسند واه عن سلمان قال : الليل موكل به ملك يقال له شراهيل : فإذا حان وقت الليل أخذ خرزة سوداء فدلاها من قبل المغرب ، فإذا نظرت إليها الشمس وجبت في أسرع من طرفة العين ، وقد أمرت الشمس أن لا تغرب حتى ترى الخرزة ، فإذا غربت جاء الليل فلا تزال الخرزة معلقة حتى يجيء ملك آخر يقال له هراهيل بخرزة بيضاء فيعلقها من قبل المطلع ، فإذا رآها شراهيل مد إليه خرزته ، وترى الشمس الخرزة البيضاء فتطلع وقد أمرت أن لا تطلع حتى تراها ، فإذا طلعت جاء النهار . (4/105)
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أحب عباد الله إلى الله الذين يراعون الشمس والقمر لذكر الله » .
وأخرج الخطيب في كتاب النجوم عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم « أحب عباد الله إلى الله رعاء الشمس والقمر ، الذين يحببون عباد الله إلى الله ويحببون الله إلى عباده » .
وأخرج ابن شاهين والطبراني والحاكم والخطيب عن عبد الله بن أبي أوفى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والنجوم والاظلة لذكر الله » .
وأخرج أحمد في الزهد والخطيب عن أبي الدرداء قال : إن أحب عباد الله إلى الله لرعاة الشمس والقمر .
وأخرج الحاكم في تاريخه والديلمي بسند ضعيف عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ثلاثة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : التاجر الامين ، والإِمام المقتصد ، وراعي الشمس والنهار » .
وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد الزهد عن سلمان الفارسي قال : سبعة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله : رجل لقي أخاه فقال : إني أحبك في الله وقال الآخر مثل ذلك ، ورجل ذكر الله ففاضت عيناه من مخافة الله ، ورجل يتصدق بيمينه يخفيها من شماله ، ورجل دعته أمراة ذات حسب وجمال إلى نفسها فقال إني أخاف الله ، ورجل قلبه معلق بالمساجد من حبها ، ورجل يراعي الشمس لمواقيت الصلاة ، ورجل إن تكلم تكلم بعلم وإن سكت سكت على حلم .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مسلم بن يسار قال : كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم « اللهم فالق الأصباح ، وجاعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ، اقضِ عني الدين ، وأغنني من الفقر ، وأمتعني بسمعي وبصري ، وقوّني في سبيلك » .
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)
أخرج ابن أبي حاتم عن عباس في قوله { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر } قال : يضل الرجل وهو الظلمة والجور عن الطريق . (4/106)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر والخطيب في كتاب النجوم عن عمر بن الخطاب قال : تعلموا من النجوم ما تهتدون به في بركم وبحركم ثم امسكوا ، فإنها والله ما خلقت إلا زينة للسماء ورجوماً للشياطين وعلامات يهتدى بها ، وتعلموا من النسبة ما تصلون به أرحامكم ، وتعلموا ما يحل لكم من النساء ويحرم عليكم ثم امسكوا .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والخطيب في كتاب النجوم عن قتادة قال : إن الله إنما جعل هذه النجوم لثلاث خصال : جعلها زينة للسماء ، وجعلها يهتدي بها ، وجعلها رجوماً للشياطين ، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال رأيه ، وأخطأ حظه ، وأضاع نصيبه ، وتكلف ما لا علم له به ، وإن ناساً جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة ، من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا ، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا ، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود والطوير والقصير والحسن والدميم ، ولو أن أحداً علم الغيب لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده ، وأسجد له ملائكته ، وعلمه أسماء كل شيء .
وأخرج ابن مردويه والخطيب عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم انتهوا » .
وأخرج الخطيب عن مجاهد قال : لا بأس أن يتعلم الرجل من النجوم ما يتهتدي به في البر والبحر ، ويتعلم منازل القمر .
وأخرج ابن أبي حاتم والمرهبي في فضل العلم عن حميد الشامي قال : النجوم هي علم آدم عليه السلام .
وأخرج المرهبي عن الحسن بن صالح قال : سمعت عن ابن عباس أنه قال : ذلك علم ضيعه الناس النجوم .
وأخرج الخطيب عن عكرمة . أنه سأل رجلاً عن حساب النجوم وجعل الرجل يتحرج أن يخبره؟ فقال : عكرمة : سمعت ابن عباس يقول : علم عجز الناس عنه ، وددت أني علمته! قال الخطيب : مراده الضرب المباح الذي كانت العرب تختص به .
وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عبد الله بن حفص قال : خصت العرب بخصال بالكهانة والقيافة والعيافة والنجوم والحساب ، فهدم الإِسلام الكهانة وثبت الباقي بعد ذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن القرظي قال : والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء من نجم ولكن يتبعون الكهنة ، وْيتخذون النجوم علة .
وأخرج أبو داود والخطيب عن سمرة بن جندب أنه خطب ، فذكر حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال « أما بعد فإن ناساً يزعمون أن كسوف الشمس ، وكسوف هذا القمر ، وزوال هذه النجوم عن مواضعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض ، وإنهم قد كذبوا ولكنها آيات من آيات الله يعتبر بها عباده لينظر من يحدث له منهم توبة » . (4/107)
وأخرج الخطيب عن عمر بن الخطاب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « لا تسألوا عن النجوم ، ولا تفسروا القرآن برأيكم ، ولا تسبوا أحداً من أصحابي ، فإن ذلك الايمان المحض » .
وأخرج ابن مردويه والخطيب عن علي قال « نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظر في النجوم ، وأمرني باسباغ الطهور » .
وأخرج ابن مردويه والمرهبي والخطيب عن أبي هريرة قال « نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظر في النجوم » .
وأخرج الخطيب عن عائشة قالت « نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظر في النجوم » .
وأخرج الطبراني وأبو نعيم في الحلية والخطيب عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا ذكر أصحابي فامسكوا ، وإذا ذكر القدر فامسكوا ، وإذا ذكر النجوم فامسكوا » .
وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والخطيب عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أخاف على أمتي خصلتين : تكذيباً بالقدر وتصديقاً بالنجوم ، وفي لفظ : وحذقا بالنجوم » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن مردويه عن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم « من اقتبس علماً من النجوم أقتبس شعبة من السحر ، زاد ما زاد » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة والخطيب عن ابن عباس قال : إن قوماً ما ينظرون في النجوم ويحسبون ابراجاً ، وما أرى الذين يفعلون ذلك من خلاق .
وأخرج الخطيب عن ميمون بن مهران قال : قلت لابن عباس أوصني . قال : أوصيك بتقوى الله وإياك وعلم النجوم فإنه يدعو إلى الكهانة ، وإياك أن تذكر أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بخير فَيُكِبُّكَ الله على وجهك في جهنم فإن الله أظهر بهم هذا الدين ، وإياك والكلام في القدر فإنه ما تكلم فيه اثنان إلا اثماً أو اثم أحدهما .
وأخرج الخطيب في كتاب النجوم بسند ضعفه عن عطاء قال : قيل لعلي بن أبي طالب : هل كان للنجوم أصل؟ قال : نعم ، كان نبي من الأنبياء يقال له يوشع بن نون . فقال له قومه : انا لا نؤمن بك حتى تعلمنا بدء الخلق وآجاله ، فأوحى الله تعالى إلى غمامة فأمطرتهم ، واستنقع على الجبل ماء صافياً ، ثم أوحى الله إلى الشمس والقمر والنجوم أن تجري في ذلك الماء ، ثم أوحى إلى يوشع بن نون أن يرتقي هو وقومه على الجبل ، فارتقوا الجبل فقاموا على الماء حتى عرفوا بدء الخلق وآجاله ، بمجاري الشمس والقمر والنجوم ، وساعات الليل والنهار ، فكان أحدهم يعلم متى يموت ، ومتى يمرض ، ومن ذا الذي يولد له ، ومن ذا الذي لا يولد له .