صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور |
وأما الوصيلة : فالشاة ، إذا أنتجت سبعة أبطن نظروا السابع ، فإن كان ذكراً أو أنثى وهو ميت ، اشترك فيه الرجال دون النساء ، وإن كانت أنثى استحيوها ، وإن كان ذكراً وأنثى في بطن استحيوهما ، وقالوا : وصلته أخته فحرمته علينا . وأما الحام : فالفحل من الإبل إذا ولد لولده قالوا : حمى هذا ظهره فلا يحملون عليه شيئاً ، ولا يجزون له وبراً ، ولا يمنعونه من حمى رعي ، ولا من حوض يشرب منه ، وإن كان الحوض لغير صاحبه . (4/1)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { ما جعل الله من بحيرة } قال : البحيرة الناقة ، كان الرجل إذا ولدت خمسة فيعمد إلى الخامسة ، فما لم تكن سقياً فيبتك آذانها ، ولا يجز لها وبراً ، ولا يذوق لها لبناً ، فتلك البحيرة { ولا سائبة } كان الرجل يسيب من ماله ما شاء { ولا وصيلة } فهي الشاة إذا ولدت سبعاً عمد إلى السابع ، فإن كان ذكراً ذبح ، وإن كانت أنثى تركت ، وإن كان في بطنها اثنان ذكر وأنثى فولدتهما ، قالوا : وصلت أخاها فيتركان جميعاً لا يذبحان ، فتلك الوصيلة { ولا حام } كان الرجل يكون له الفحل ، فإذا ألقح عشراً قيل : حام فاتركوه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ما جعل الله من بحيرة . . . } الآية . قال : البحيرة من الإبل ، كان أهل الجاهلية يحرمون وبرها وظهرها ولحمها ولبنها إلا على الرجال ، فما ولدت من ذكر وأنثى فهو على هيئتها ، فإن ماتت اشترك الرجال والنساء في أكل لحمها ، فإذا ضرب من ولد البحيرة فهو الحامي ، والسائبة من الغنم على نحو ذلك ، إلا أنها ما ولدت من ولد بينها وبين ستة أولاد كان على هيئتها ، فإذا ولدت في السابع ذكراً أو أنثى أو ذكرين ذبحوه فأكله رجالهم دون نسائهم ، وإن توأمت أنثى وذكر فهي وصيلة ترك ذبح الذكر بالأنثى ، وإن كانتا أنثيين تركتا .
وأخرج ابن المنذر عن أبي سعيد الخدري قال « صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر ، فاستأخر عن قبلته ، وأعرض بوجهه ، وتعوَّذ بالله ، ثم دنا من قبلته حتى رأيناه يتناول بيده ، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا : يا نبي الله ، لقد صنعت اليوم في صلاتك شيئاً ما كنت تصنعه! . . قال : نعم ، عرضت عليَّ في مقامي هذا الجنة والنار ، فرأيت في النار ما لا يعلمه إلا الله ، ورأيت فيها الحميرية صاحبة الهرة التي ربطتها فلم تطعمها ، ولم تسقها ، ولم ترسلها فتأكل من خشاش الأرض حتى ماتت في رباطها ، ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار ، وهو الذي سيَّب السوائب ، وبحر البحيرة ، ونصب الأوثان وغيَّر دين إسماعيل ، ورأيت فيها عمران الغفاري معه محجنه الذي كان يسرق به الحاج . قال : وسمى لي الرابع فنسيته . ورأيت الجنة فلم أر مثل ما فيها ، فتناولت منها قطفاً لأريكموه فحيل بيني وبينه ، فقال رجل من القوم : كيف تكون الحبة منه؟ قال : كأعظم دلو فرته أمك قط . قال محمد بن إسحاق : فسألت عن الرابع فقال : هو صاحب ثنيتي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نزعهما » .
وأخرج البخاري وابن مردويه عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً ، ورأيت عمراً يجر قصبه في النار وهو أول من سيب السوائب » . (4/2)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكتم بن الجون : يا أكتم ، عرضت عليَّ النار فرأيت فيها عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار ، فما رأيت رجلاً أشبه برجل منك به ولا به منك . فقال أكتم : أخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا إنك مؤمن وهو كافر ، إنه أول من غيَّر دين إبراهيم ، وبحر البحيرة ، وسيب السائبة ، وحمى الحامي » .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن أول من سيب السوائب ، وعبد الأصنام ، أبو خزاعة عمرو بن عامر ، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار » .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إني لأعرف أول من سيَّب السوائب ، ونصب النصب ، وأول من غير دين إبراهيم ، قالوا : من هو يا رسول الله؟ قال : عمرو بن لحي ، أخو بني كعب ، لقد رأيته يجر قصبه في النار ، يؤذي أهل النار ريح قصبه ، وإني لأعرف من بحر البحائر . قالوا : من هو يا رسول الله؟ قال : رجل من بني مدلج ، كانت له ناقتان ، فجدع آذانهما وحرم ألبانهما وظهورهما ، وقال : هاتان لله ، ثم احتاج إليهما فشرب ألبانهما ، وركب ظهورهما ، قال : فلقد رأيته في النار وهما يقضمانه بأفواههما ويطآنه بأخفافهما » .
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن أبي بن كعب قال : « بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر والناس في الصفوف خلفه ، فرأيناه تناول شيئاً فجعل يتناوله ، فتأخر ، فتأخر الناس ، ثم تأخر الثانية فتأخر الناس ، فقلت : يا رسول الله ، رأيناك صنعت اليوم شيئاً ما كنت تصنعه في الصلاة؟ فقال : إنه عرضت علي الجنة بما فيها من الزهرة والنضرة ، فتناولت قطفاً من عنبها ، ولو أخذته لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه ، فحيل بيني وبينه ، وعرضت علي النار فلما وجدت سفعتها تأخَّرت عنها ، وأكثر من رأيت فيها النساء إن ائتمن أفشين ، وإن سألن ألحفن ، وإذا سئلن بخلن ، وإذا أعطين لم يشكرن ، ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه في النار ، وأشبه من رأيت به معبد بن أكتم الخزاعي ، فقال معبد : يا رسول الله ، أتخشى عليّ من شبهه؟ قال : لا ، أنت مؤمن وهو كافر ، وهو أول من حمل العرب على عبادة الأصنام » .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون } قال : لا يعقلون تحريم الشيطان الذي يحرم عليهم . (4/3)
وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن أبي موسى في الآية قال : الآباء جعلوا هذا وماتوا ، ونشأ الأبناء وظنوا أن الله هو جعل هذا ، فقال الله { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب } الآباء فالآباء افتروا على الله الكذب ، والأبناء أكثرهم لا يعقلون ، يظنون الله هو الذي جعله .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن أبي موسى في قوله { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب } قال : هم أهل الكتاب { وأكثرهم لا يعقلون } قال : هم أهل الأوثان .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله { ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون } قال : الذين لا يعقلوهم الأتباع ، وأما الذين افتروا فعقلوا أنهم افتروا .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والعدني وابن منيع والحميدي في مسانيدهم ، وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى والكجي في سننه ، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والدارقطني في الأفراد ، وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان ، والضياء في المختارة ، عن قيس قال : قام أبو بكر ، فحمد الله وأثنى عليه وقال : يا أيها الناس ، إنكم تقرأون هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } وإنكم تضعونها على غير موضعها ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب » . (4/4)
وأخرج ابن جرير عن قيس بن أبي حازم قال : صعد أبو بكر منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إنكم لتتلون آية من كتاب الله وتعدونها رخصة ، والله ما أنزل الله في كتابه أشد منها { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله منه بعقاب « .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن جرير البجلي : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : » ما من قوم يكون بين أظهرهم رجل يعمل بالمعاصي هم أمنع منه وأعز ، ثم لا يغيرون عليه إلا أوشك أن يعمهم الله منه بعقاب « .
وأخرج الترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير والبغوي في معجمه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب » عن أبي أمية الشعباني قال أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له : كيف تصنع في هذه الآية؟ قال : أية آية؟ قال : قوله { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرُّكم من ضل إذا اهتديتم } قال : أما والله لقد سألت عنها خبيراً ، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر . حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً ، وهوى تبعاً ، ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بخاصة نفسك ، ودع عنك أمر العوام ، فإن من ورائكم أيام الصبر ، الصابر فيهن مثل القابض على الحمر ، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً ، يعملون مثل عملكم » « .
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه » عن أبي عامر الأشعري « أنه كان فيهم شيء ، فاحتبس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أتاه فقال : ما حبسك؟ قال : يا رسول الله ، قرأت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضرُّكم من ضل إذا اهتديتم } قال : فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أين ذهبتم؟ إنما هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم » « .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ عن الحسن . أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله { عليكم أنفسكم } فقال : أيها الناس ، إنه ليس بزمانها فإنها اليوم مقبولة ، ولكنه قد أوشك أن يأتي زمان تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا ، أو قال : فلا يقبل منكم ، فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم . (4/5)
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن ابن مسعود في قوله { عليكم أنفسكم . . . } الآية . قال : مروا بالمعروف ، وانهوا عن المنكر ما لم يكن من دون ذلك السوط والسيف ، فإذا كان ذلك كذلك فعليكم أنفسكم .
وأخرج عبد بن حميد ونعيم بن حماد في الفتن وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي العالية قال : كانوا عند عبدالله بن مسعود ، فوقع بين رجلين بعض ما يكون بين الناس ، حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه فقال رجل من جلساء عبدالله : ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخر إلى جنبه : عليك نفسك ، فإن الله تعالى يقول { عليكم أنفسكم } فسمعها ابن مسعود فقال : مه! لم يجئ تأويل هذه الآية بعد ، إن القرآن أنزل حيث أنزل ، ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن ، ومنه ما وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومنه آي يقع تأويلهن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنين ، ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم ، ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة ما ذكر من أمر الساعة ، ومنه آي يقع تأويلهن عند الحساب ما ذكر من أمر الحساب والجنة والنار ، فما دامت قلوبكم واحدة ، وأهواؤكم واحدة ، ولم تلبسوا شيعاً ، فلم يذق بعضكم بأس بعض ، فمروا وانهوا ، فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعاً وذاق بعضكم بأس بعض فكل امرئ ونفسه ، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه « عن ابن عمر . أنه قيل له : أجلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه ، فإن الله قال { عليكم أنفسكم } فقال : إنها ليست لي ولا لأصحابي؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال » ألا فليبلغ الشاهد الغائب « فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب ، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا ، إن قالوا لم يقبل منه .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير من طريق قتادة عن رجل قال : كنت في خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة في حلقة فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا فيهم شيخ حسبت أنه قال أبي بن كعب ، فقرأ { عليكم أنفسكم } فقال : إنما تأويلها في آخر الزمان .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ من طريق قتادة عن أبي مازن قال : انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة ، فإذا قوم جلوس ، فقرأ أحدهم { عليكم أنفسكم } فقال : أكثرهم : لم يجيء تأويل هذه الآية اليوم . (4/6)
وأخرج ابن جرير عن جبير بن نفير قال : كنت في حلقة فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإني لأصغر القوم ، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فقلت : أليس الله يقول { عليكم أنفسكم } فأقبلوا علي بلسان واحد ، فقالوا : تنزع آية من القرآن لا تعرفها ولا تدري ما تأويلها؟ حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت ، ثم أقبلوا يتحدثون ، فلما حضر قيامهم قالوا : إنك غلام حدث السن ، وإنك نزعت أية لا تدري ماهي ، وعسى أن تدرك ذلك الزمان إذا رأيت شحاً مطاعاً ، وهوى متبعاً ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بنفسك ، لا يضرك من ضل إذا اهتديت .
وأخرج ابن مردويه عن معاذ بن جبل أنه قال : « يا رسول الله ، أخبرني عن قول الله عز وجل { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } قال : يا معاذ ، مروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر ، فإذا رأيتم شحاً مطاعاً ، وهوى متبعاً ، وإعجاب كل امرئ برأيه ، فعليكم أنفسكم لا يضركم ضلالة غيركم ، فهو من ورائكم أيام صبر ، المتمسك فيها بدينه مثل القابض على الجمر ، فللعامل منهم يومئذ مثل عمل أحدكم اليوم كأجر خمسين منكم . قلت : يا رسول الله ، خمسين منهم؟ قال : بل خمسين منكم أنتم » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : « ذكرت هذه الآية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم . قول الله عز وجل { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : لم يجئ تأويلها ، لا يجيء تأويلها حتى يهبط عيسى بن مريم عليه السلام » .
وأخرج ابن مردويه عن محمد بن عبدالله التيمي عن أبي بكر الصديق سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بذل ، ولا أقر قوم المنكر بين أظهرهم إلا عمهم الله بعقاب ، وما بينكم وبين أن يعمكم الله بعقاب من عنده إلا أن تأولوا هذه الآية على غير أمر بمعروف ولا نهي عن المنكر { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال : خطب أبو بكر الناس فكان في خطبته قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يا أيها الناس لا تتكلموا على هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } إن الذاعر ليكون في الحي فلا يمنعوه ، فيعمهم الله بعقاب » .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن الحسن . أنه تلا هذه الآية { عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } فقال : يا لها من سعة ما أوسعها! ، ويا لها ثقة ما أوثقها! . (4/7)
وأخرج أبو الشيخ عن عثمان الشحام أبي سلمة قال : « حدثني شيخ من أهل البصرة وكان له فضل وسن قال : بلغني أن داود سأل ربه قال : يا رب ، كيف لي أن أمشي لك في الأرض وأعمل لك فيها بنصح؟ قال » يا داود ، تحب من أحبني من أحمر وأبيض ، ولا يزال شفتاك رطبتين من ذكري ، واجتنب فراش المغيب . قال : أي رب ، فكيف أن تحبني أهل الدنيا البر والفاجر؟ قال : يا داود ، تصانع أهل الدنيا لدنياهم ، وتحب أهل الآخرة لآخرتهم ، وتجتان إليك ذنبك بيني وبينك ، فإنك إذا فعلت ذلك فلا يضرك من ضل إذا اهتديت « » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر . أنه جاء رجل فقال : يا أبا عبد الرحمن ، نفر ستة كلهم قرأ القرآن ، وكلهم مجتهد لا يألوهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك ، فقال : لعلك ترى أني آمرك أن تذهب إليهم تقاتلهم ، عظهم و انههم ، فإن عصوك فعليك نفسك ، فإن الله تعالى يقول { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم } حتى ختم الآية .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن صفوان بن محرز . أنه أتاه رجل من أصحاب الأهواء ، فذكر له بعض أمره فقال له صفوان : ألا أدلك على خاصة الله التي خص الله بها أولياءه { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } يقول : أطيعوا أمري ، واحفظوا وصيتي .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } يقول : إذا ما أطاعني العبد فيما أمرته من الحلال والحرام ، فلا يضره من ضل بعده إذا عمل بما أمرته به .
وأخرج ابن جرير من طريق قارب بينهما عن الضحاك عن ابن عباس قال : { عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } ما لم يكن سيف أو سوط .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول . أن رجلاً سأله عن قول الله { عليكم أنفسكم } الآية . فقال : إن تأويل هذه الآية لم يجيء بعد ، إذا هاب الواعظ وأنكر الموعوظ ، فعليك نفسك لا يضرك حينئذ من ضل إذا اهتديت .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر مولى غفرة قال : إنما أنزلت هذه الآية لأن الرجل كان يسلم ويكفر أبوه ، ويسلم الرجل ويكفر أخوه ، فلما دخل قلوبهم حلاوة الإيمان دعوا آباءهم وإخوانهم ، فقالوا : حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا .
فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } . (4/8)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير أنه سئل عن هذه الآية فقال : نزلت في أهل الكتاب يقول { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل } من أهل الكتاب { إذا اهتديتم } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حذيفة في قوله { عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } قال : إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب في قوله { لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } قال : إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر لا يضرك من ضل إذا اهتديت .
وأخرج ابن جرير عن الحسن . أنه تلا هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم } فقال : الحمد لله بها والحمد لله عليها ، ما كان مؤمن فيما مضى ولا مؤمن فيما بقي إلا وإلى جانبه منافق يكره عمله .
وأخرج أحمد وابن ماجة والبيهقي في الشعب عن أنس قال : « قيل يا رسول الله ، متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال » إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل قبلكم . قالوا : وما ذاك يا رسول الله؟ قال : إذا ظهر الادهان في خياركم ، والفاحشة في كباركم ، وتحوّل الملك في صغاركم والفقه « ، وفي لفظ : » والعلم في رذالكم « .
وأخرج البيهقي عن حذيفة . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال » والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم . والله تعالى أعلم « .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)
أخرج الترمذي وضعفه وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو النعيم في المعرفة من طريق أبي النضر وهو الكلبي ، عن باذان مولى أم هانئ عن ابن عباس عن تميم الداري في هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت } قال « برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء ، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام ، فأتيا الشام لتجارتهما ، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له : بديل بن أبي مريم بتجارة ، ومعه جام من فضة يريد به الملك وهو عظم تجارته ، فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله . قال تميم : فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ، ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بداء ، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا ، وفقدوا الجام فسألونا عنه ، فقلنا : ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره . قال تميم : فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك ، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر ، وأديت إليهم خمسمائة درهم ، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها ، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألهم البينة فلم يجدوا ، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه ، فحلف الله { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } إلى قوله { أن ترد أيمان بعد أيمانهم } فقام عمرو بن العاص ورجل آخر ، فحلفا ، فنزعت الخمسمائة درهم من عدي بن بداء » . (4/9)
وأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والنحاس والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال « خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء ، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم فأوصى إليهما ، فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مخوصاً بالذهب ، فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله : ما كتمتماها ولا اطلعتما ، ثم وجدوا الجام بمكة ، فقيل : اشتريناه من تميم وعدي ، فقام رجلان من أولياء السهمي ، فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما ، وإن الجام لصاحبهم ، وأخذ الجام وفيه نزلت { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم } » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال « كان تميم الداري وعدي بن بداء رجلين نصرانيين يتجران إلى مكة في الجاهلية ويطيلان الإقامة بها ، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم حوّل متجرهما إلى المدينة ، فخرج بديل بن أبي مارية مولى عمرو بن العاص تاجراً حتى قدم المدينة ، فخرجوا جميعاً تجاراً إلى الشام ، حتى إذا كانوا ببعض الطريق اشتكى بديل ، فكتب وصيته بيده ثم دسها في متاعه وأوصى إليهما ، فلما مات ، فتحا متاعه ، فأخذا منه شيئاً ثم حجزاه كما كان ، وقدما المدينة على أهله فدفعا متاعه ، ففتح أهله متاعه فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به ، وفقدوا شيئاً فسألوهما عنه ، فقالوا : هذا الذي قبضنا له وَدُفِعَ إلينا ، فقالوا لهما : هذا كتابه بيده! قالوا : ما كتمنا له شيئاً ، فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت } إلى قوله { إنا إذاً لمن الآثمين } فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوهما بعد صلاة العصر بالله الذي لا إله إلا هو ، ما قبضنا له غير هذا ولا كتمنا ، فمكثا ما شاء الله أن يمكثا ، ثم ظهر معهما على إناء من فضة منقوش مموه بذهب ، فقال أهله : هذا من متاعه ولكنا اشتريناه منه ، ونسينا أن نذكره حين حلفنا ، فكرهنا أن نكذب نفوسنا ، فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت الآية الأخرى { فإن عثر على أنهما استحقا إثماً } فأمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلين من أهل الميت أن يحلفا على ما كتما وغيبا ويستحقانه ، ثم إن تميماً الداري أسلم وبايع النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان يقول : صدق الله ورسوله ، أنا أخذت الإناء ، ثم قال : يا رسول الله ، إن الله يظهرك على أهل الأرض كلها ، فهب لي قريتين من بيت لحم - وهي القرية التي ولد فيها عيسى - فكتب له بها كتاباً ، فلما قدم عمر الشام أتاه تميم بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر : أنا حاضر ذلك فدفعها إليه » .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { شهادة بينكم } مضاف برفع شهادة بغير نون وبخفض بينكم . (4/10)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس من طريق علي عن أبي طلحة عن ابن عباس { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم } هذا لمن مات وعنده المسلمون ، أمره الله أن يشهد على وصيته عدلين من المسلمين ، ثم قال { أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض } فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين ، أمره الله بشهادة رجلين من غير المسلمين ، فإن ارتيب بشهادتهما استحلفا بالله بعد الصلاة : ما اشترينا بشهادتنا ثمناً قليلاً ، فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما ، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله أن شهادة الكافرين باطلة ، فذلك قوله تعالى { فإن عثر على أنهما استحقا إثماً } يقول : إن اطلع على أن الكافرين كذبا ، قام الأوليان فحلفا أنهما كذبا ، ذلك أدنى أن يأتي الكافران بالشهادة على وجهها ، أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم ، فتترك شهادة الكافرين ، ويحكم بشهادة الأوليان ، فليس على شهود المسلمين أقسام ، إنما الأقسام إذا كانا كافرين .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { اثنان ذوا عدل منكم } قال : من أهل الإسلام { أو آخران من غيركم } قال : من غير أهل الإسلام ، وفي قوله { فيقسمان بالله } يقول : يحلفان بالله بعد الصلاة . وفي قوله { فآخران يقومان مقامهما } قال : من أولياء الميت فيحلفان { بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما } يقول : فيحلفان بالله ما كان صاحبنا ليوصي بهذا وإنهما لكاذبان . وفي قوله { ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } يعني أولياء الميت فيستحقون ماله بأيمانهم ، ثم يوضع ميراثه كما أمر الله ، وتبطل شهادة الكافرين . وهي منسوخة . (4/11)
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه الآية { اثنان ذوا عدل منكم } قال : ما من الكتاب إلا قد جاء على شيء جاء على إدلاله غير هذه الآية ، ولئن أنا لم أخبركم بها لأنا أجهل من الذي ترك الغسل يوم الجمعة ، هذا رجل خرج مسافراً ومعه مال ، فأدركه قدره ، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته ، وأشهد عليهما عدلين من المسلمين ، فإن لم يجد عدلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب ، فإن أدى فسبيل ما أدى ، وإن هو جحد استحلف بالله الذي لا إله إلا هو دبر صلاة : أن هذا الذي وقع إلي وما غيبت شيئاً ، فإذا حلف برئ ، فإذا أتى بعد ذلك صاحبا الكتاب فشهدا عليه ، ثم ادعى القوم عليه من تسميتهم ما لهم جعلت أيمان الورثة مع شهادتهم ثم اقتطعوا حقه ، فذلك الذي يقول الله { ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم } .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد { شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت } قال : أن يموت المؤمن فيحضر موته مسلمان أو كافران ، لا يحضره غير اثنين منهم ، فإن رضي ورثته بما غابا عنه من تركته فذلك ، ويحلف الشاهدان أنهما صادقان ، فإن عثر قال : وجد لطخ أو لبس أو تشبيه حلف الاثنان الأوّلان من الورثة ، فاستحقا وأبطلا أيمان الشاهدين .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله { أو آخران من غيركم } قال : من غير المسلمين من أهل الكتاب .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن المسيب في قوله { اثنان ذوا عدل منكم } قال : من أهل دينكم { أو آخران من غيركم } قال : من أهل الكتاب إذا كان ببلاد لا يجد غيرهم .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن شريح قال : لا تجوز شهادة اليهودي ولا النصراني إلا في وصية ، ولا تجوز في وصية إلا في سفر .
وأخرج عبد الرزاق وأبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه عن الشعبي . أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقاء ، ولم يجد أحداً من المسلمين يشهد على وصيته ، فأشهد رجلين من أهل الكتاب ، فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعري ، فأخبراه وقدما بتركته ووصيته ، فقال الأشعري : هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم . فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدَّلا ولا كتما ولا غيرا ، وإنها وصية الرجل وتركته ، فأمضى شهادتهما . (4/12)
وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في قوله { شهادة بينكم } الآية . كلها قال : كان ذلك في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام ، وذلك في أول الإسلام ، والأرض حرب ، والناس كفار ، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالمدينة ، وكان الناس يتوارثون بينهم بالوصية ، ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض وعمل المسلمون بها .
وأخرج ابن جرير عن الزبير قال : مضت السنة أن لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا سفر ، إنما هي في المسلمين .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : هذه الآية منسوخة .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن عكرمة { أو آخران من غيركم } قال : من المسلمين من غير حيه .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والنحاس وأبو الشيخ والبيهقي في سننه { إثنان ذوا عدل منكم } قال : من قبيلتكم { أو آخران من غيركم } قال : من غير قبيلتكم ، ألا ترى أنه يقول { تحبسونهما من بعد الصلاة } كلهم من المسلمين .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عقيل قال : سألت ابن شهاب عن هذه الآية قلت : أرأيت الاثنين اللَّذين ذكر الله من غير أهل المرء الموصي ، أهما من المسلمين أو هما من أهل الكتاب؟ ورأيت الآخرين اللذين يقومان مقامهما ، أتراهما من أهل المرء الموصي أم هما في غير المسلمين؟ قال ابن شهاب : لم نسمع في هذه الآية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أئمة العامة سنة أذكرها ، وقد كنا نتذاكرها أناساً من علمائنا أحياناً فلا يذكرون فيها سنة معلومة ولا قضاء من إمام عادل ، ولكنه مختلف فيها رأيهم ، وكان أعجبهم فيها رأيا إلينا الذين كانوا يقولون : هي فيما بين أهل الميراث من المسلمين ، يشهد بعضهم الميت الذي يرثونه ويغيب عنه بعضهم ، ويشهد من شهده على ما أوصى به لذوي القربى ، فيخبرون من غاب عنه منهم بما حضروا من وصية ، فإن سلموا جازت وصيته ، وإن ارتابوا أن يكونوا بدلوا قول الميت وآثروا بالوصية من أرادوا ممن لم يوص لهم الميت بشيء ، حلف اللذان يشهدان على ذلك بعد الصلاة ، وهي أن المسلمين { يقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذاً لمن الآثمين } فإذا أقسما على ذلك جازت شهادتهما وأيمانهما ما لم يعثر على أنهما استحقا إثماً في شيء من ذلك ، قام آخران مقامهما من أهل الميراث من الخصم الذين ينكرون ما يشهد عليه الأولان المستحلفان أول مرة ، فيقسمان بالله لشهادتنا على تكذيبكما أو إبطال ما شهدتما به ، وما اعتدينا إنا إذاً لمن الظالمين .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عبيدة في قوله { تحبسونهما من بعد الصلاة } قال : صلاة العصر . (4/13)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { لا نشتري به ثمناً } قال : لا نأخذ به رشوة { ولا نكتم شهادة الله } وإن كان صاحبها بعيداً .
وأخرج أبو عبيدة وابن جرير وابن أبي حاتم عن عامر الشعبي أنه كان يقرأ { ولا نكتم شهادة } يعني بقطع الكلام منوّناً { الله } بقطع الألف وخفض اسم الله على القسم .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرؤها { ولا نكتم شهادة الله } يقول هو القسم .
وأخرج عن عاصم { ولا نكتم شهادة الله } مضاف بنصب شهادة ، ولا ينون .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { فإن عثر على أنهما استحقا إثماً } أي اطلع منهما على خيانة على أنهما كذبا أو كتما ، فشهد رجلان هما أعدل منهما بخلاف ما قالا ، أجيز شهادة الآخرين وبطلت شهادة الأولين .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وأبو عبيدة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب أنه كان يقرأ { من الذين استحق عليهم الأوليان } بفتح التاء .
وأخرج ابن مردويه والحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ { من الذين استحق عليهم الأوليان } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن عدي عن أبي مجلز أن أبي بن كعب قرأ { من الذين استحق عليهم الأوليان } قال عمر : كذبت . قال : أنت أكذب . فقال الرجل : تكذب أمير المؤمنين! قال : أنا أشد تعظيماً لحق أمير المؤمنين منك ، ولكن كذبته في تصديق كتاب الله ولم أصدق أمير المؤمنين في تكذيب كتاب الله . فقال عمر : صدق .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى ابن يعمر أنه قرأها { الأوليان } وقال : هما الوليان .
وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس أنه كان يقرأ « من الذين استحق عليهم الأولين » ويقول : أرأيت لو كان الأوليان صغيرين كيف يقومان مقامهما؟
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية أنه كان يقرأ الأوّلين مشدّدة على الجماع .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم { من الذين استحق } برفع التاء وكسر الحاء « عليهم الأولين » مشددة على الجماع .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { الأوليان } قال : الميت . (4/14)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها } يقول : ذلك أحرى أن يصدقوا في شهادتهم { أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } يقول : وأن يخافوا العنت .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم } فتبطل أيمانهم وتؤخذ أيمان هؤلاء .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله { واتقوا الله واسمعوا } قال : يعني القضاء .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { والله لا يهدي القوم الفاسقين } قال : الكاذبين الذين يحلفون على الكذب . والله تعالى أعلم .
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109)
أخرج الفريابي وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم } فيفزعون فيقول : ماذا أجبتم فيقولون : لا علم لنا ، فيرد إليهم أفئدتهم فيعلمون . (4/15)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا } قال : ذلك أنهم نزلوا منزلاً ذهلت فيه العقول ، فلما سئلوا قالوا : لا علم لنا ، ثم نزلوا منزلاً آخر فشهدوا على قومهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم } فيقولون للرب تبارك وتعالى : لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق الضحاك عن ابن عباس في قوله { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا } قال : فرقا تذهل عقولهم ، ثم يرد الله عقولهم إليهم ، فيكونون هم الذين يسألون يقول الله { فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين } [ الأعراف : 6 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله { فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا } قال : من هول ذلك اليوم .
وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال : يأتي على الخلق ساعة يذهل فيها عقل كل ذي عقل ، { يوم يجمع الله الرسل } .
وأخرج الخطيب في تاريخه عن عطاء بن أبي رباح قال : جاء نافع بن الأزرق إلى ابن عباس فقال : والذي نفسي بيده لتفسرن لي آياً من كتاب الله عز وجل أو لأكفرن به ، فقال ابن عباس : ويحك . . ! أنا لها اليوم ، أي آي؟ قال : أخبرني عن قوله عز وجل { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا } وقال في آية أخرى { ونزعنا من كل أمة شهيداً فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله } [ القصص : 75 ] فكيف علموا وقد قالوا لا علم لنا؟ وأخبرني عن قول الله { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } [ الزمر : 31 ] وقال في آية أخرى { لا تختصموا لديَّ } [ ق : 38 ] فكيف يختصمون وقد قال : لا تختصموا لديَّ؟ وأخبرني عن قول الله { اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم } [ يس : 65 ] فكيف شهدوا وقد ختم على الأفواه؟ فقال ابن عباس : ثكلتك أمك يا ابن الأزرق ، إن للقيامة أحوالاً وأهوالاً وفظائع وزلازل ، فإذا تشققت السموات ، وتناثرت النجوم ، وذهب ضوء الشمس والقمر ، وذهلت الأمهات عن الأولاد ، وقذفت الحوامل ما في البطون ، وسجرت البحار ، ودكدكت الجبال ، ولم يلتفت والد إلى ولد ، ولا ولد إلى والد ، وجيء بالجنة تلوح فيها قباب الدر والياقوت حتى تنصب على يمين العرش ، ثم جيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام من حديد ممسك بكل زمام سبعون ألف ملك ، لها عينان زرقاوان ، تجر الشفة السفلى أربعين عاماً ، تخطر كما يخطر الفحل ، لو تركت لأتت على كل مؤمن وكافر ، ثم يؤتى بها حتى تنصب عن يسار العرش ، فتستأذن ربها في السجود فيأذن لها ، فتحمده بمحامد لم يسمع الخلائق بمثلها تقول : لك الحمد إلهي إذ جعلتني أنتقم من أعدائك ولم تجعل لي شيئاً مما خلقت تنتقم به مني إلى أهلي ، فلهي أعرف بأهلها من الطير بالحب على وجه الأرض ، حتى إذا كانت من الموقف على مسيرة مائة عام ، وهو قول الله تعالى
{ إذا رأتهم من مكان بعيد } [ الفرقان : 12 ] زفرت زفرة فلا يبقي ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، ولا صديق منتخب ، ولا شهيد مما هنالك الآخر جاثياً على ركبتيه ، ثم تزفر الثانية زفرة فلا يبقى قطرة من الدموع إلا بدرت ، فلو كان لكل آدمي يومئذ عمل اثنين وسبعين نبياً لظن أنه سيواقعها ، ثم تزفر الثالثة زفرة فتنقطع القلوب من أماكنها ، فتصير بين اللهوات والحناجر ، ويعلو سواد العيون بياضها ، ينادي كل آدمي يومئذ يا رب نفسي نفسي ، لا أسألك غيرها ، حتى أن إبراهيم ليتعلق بساق العرش ينادي : يا رب نفسي نفسي ، لا أسألك غيرها ، ونبيكم صلى الله عليه وسلم يقول : يا رب أمتي أمتي ، لا همة له غيركم ، فعند ذلك يدعى بالأنبياء والرسل فيقال لهم { ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا } طاشت الأحلام وذهلت العقول ، فإذا رجعت القلوب إلى أماكنها { نزعنا من كل أمة شهيداً فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله } [ القصص : 75 ] وأما قوله تعالى { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون } [ الزمر : 31 ] فيؤخذ للمظلوم من الظالم ، وللمملوك من المالك ، وللضعيف من الشديد ، وللجماء من القرناء حتى يؤدي إلى كل ذي حق حقه ، فإذا أدى إلى كل ذي حق حقه أمر بأهل الجنة إلى الجنة ، وأهل النار إلى النار ، اختصموا فقالوا : ربنا هؤلاء أضلونا { ربنا من قدم لنا هذا فزده عذاباً ضعفاً في النار } [ ص : 16 ] فيقول الله تعالى { لا تختصموا لديَّ وقد قدمت إليكم بالوعيد } [ ق : 38 ] إنما الخصومة بالموقف ، وقد قضيت بينكم بالموقف ، فلا تختصموا لدي . وأما قوله { اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم } [ يس : 65 ] فهذا يوم القيامة ، حيث يرى الكفار ما يعطي الله أهل التوحيد من الفضائل والخير . يقولون : تعالوا حتى نحلف بالله ما كنا مشركين ، فتتكلم الأيدي بخلاف ما قالت الألسن : وتشهد الأرجل تصديقاً للأيدي ، ثم يأذن الله للأفواه فتنطق { فقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } [ فصلت : 21 ] . (4/16)
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110)
أخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا كان يوم القيامة دعى بالأنبياء وأممها ، ثم يدعى بعيسى فيذكره الله نعمته عليه فيقربها ، يقول { يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك . . . } الآية . ثم يقول { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } [ المائدة : 116 ] فينكر أن يكون قال ذلك ، فيؤتي بالنصارى فيسألون؟ فيقولون : نعم ، هو أمرنا بذلك . فيطول شعر عيسى حتى يأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده ، فيجاثيهم بين يدي الله مقدار ألف عام ، حتى يوقع عليهم الحجة ، ويرفع لهم الصليب ، وينطلق بهم إلى النار » . (4/17)
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي بكر بن عياش عن ابن وهب عن أبيه قال : قدم رجل من أهل الكتاب اليمن فقال أبي : ائته واسمع منه . فقلت : تحيلني على رجل نصراني؟ قال : نعم . ائته واسمع منه . فأتيته فقال : لما رفع الله عيسى عليه السلام أقامه بين يدي جبريل وميكائيل فقال له { اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك } فعلت بك وفعلت بك ، ثم أخرجتك من بطن أمك ، ففعلت بك وفعلت بك ، ستكون أمة بعدك ينتجلونك وينتجلون ربوبيتك ، ويشهدون أنك قدمت وكيف يكون رب يموت؟ فبعزتي حلفت لأناصبنهم الحساب يوم القيامة ، ولأقيمنهم مقام الخصم من الخصم حتى ينفذوا ما قالوا ولن ينفذوه أبداً ، ثم أسلم وجاء من الأحاديث بشيء لم أسمع مثلها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات } أي الآيات التي وضع على يديه من احياء الموتى ، وخلقه من الطين كهيئة الطير . ثم ينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله ، وإبراء الأسقام ، والخبر بكثير من الغيوب مما يدخرون في بيوتهم ، وما رد عليهم من التوراة مع الإنجيل الذي أحدث الله إليه ، ثم ذكر كفرهم بذلك كله .
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { وإذ أوحيت إلى الحواريين } يقول : قذفت في قلوبهم . (4/18)
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { وإذ أوحيت إلى الحواريين } قال : وحي قذف في قلوبهم ليس بوحي نبوّة ، والوحي وحيان : وحي تجيء به الملائكة ، ووحي يقذف في قلب العبد .
إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115)
أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان الحواريون أعلم بالله من أن يقولوا هل يستطيع ربك ، إنما قالوا : هل تستطيع أنت ، ربك هل تستطيع أن تدعوه . (4/19)
وأخرج الحاكم وصححه والطبراني وابن مردويه عن عبد الرحمن بن غنم قال : سألت معاذ بن جبل عن قول الحواريين { هل يستطيع ربك } أو تستطيع ربك؟ فقال؟ أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم { هل تستطيع ربك } بالتاء .
وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس أنه قرأها « هل تستطيع ربك » بالتاء ونصب ربك .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير عن سعيد بن جبير أنه قرأها « هل تستطيع ربك » قال : هل تستطيع أن تسأل ربك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر الشعبي أن علياً كان يقرأها { هل يستطيع ربك } قال : هل يعطيك ربك .
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن وثاب وأبي رجاء أنهما قرآ { هل يستطيع ربك } بالياء والرفع .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء } قال : قالوا : هل يطيعك ربك إن سألته ، فأنزل الله عليهم مائدة من السماء فيها جميع الطعام إلا اللحم ، فأكلوا منها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { مائدة } قال : المائدة الخوان . وفي قوله { وتطمئن } قال : توقن .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا } يقول : نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا } قال : أرادوا أن تكون لعقبهم من بعدهم .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وأبو بكر الشافعي في فوائده المعروفة بالغيلانيات عن سلمان الفارسي قال : لما سأل الحواريون عيسى ابن مريم المائدة كره ذلك جداً ، وقال : اقنعوا بما رزقكم الله في الأرض ، ولا تسألوا المائدة من السماء فإنها إن نزلت عليكم كانت آية من ربكم ، وإنما هلكت ثمود حين سألوا نبيهم آية ، فابتلوا بها حتى كان بوارهم فيها ، فأبوا إلا أن يأتيهم بها ، فلذلك { قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين } .
فلما رأى عيسى أن قد أبوا إلا أن يدعو لهم بها قام فألقى عنه الصوف ، ولبس الشعر الأسود ، وجبة من شعر ، وعباءة من شعر ، ثم توضأ واغتسل ودخل مصلاه ، فصلى ما شاء الله ، فلما قضى صلاته قام قائماً مستقبل القبلة ، وصف قدميه حتى استويا فألصق الكعب بالكعب ، وحاذي الأصابع بالأصابع ، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره ، وغض بصره ، وطأطأ رأسه خشوعاً ، ثم أرسل عينيه بالبكاء ، فما زالت دموعه تسيل على خديه وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض حيال وجهه من خشوعه ، فلما رأى ذلك دعا الله فقال { اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا } تكون عظة منك لنا { وآية منك } أي علامة منك تكون بيننا وبينك ، وارزقنا عليها طعاماً نأكله { وأنت خير الرازقين } .
فأنزل الله عليهم سفرة حمراء بين غمامتين ، غمامة فوقها وغمامة تحتها ، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضة من فلك السماء تهوي إليهم ، وعيسى يبكي خوفاً للشروط التي اتخذ الله فيها عليهم ، إنه يعذب من يكفر بها منهم بعد نزولها عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين ، وهو يدعو الله في مكانه ويقول : إلهي اجعلها رحمة ، إلهي لا تجعلها عذاباً ، إلهي كم من عجيبة سألتك فأعطيتني ، إلهي اجعلنا لك شاكرين ، إلهي أعوذ بك أن تكون أنزلتها غضباً ورجزاً ، إلهي اجعلها سلامة وعافية ولا تجعلها فتنة ومثلة ، فما زال يدعو حتى استقرت السفرة بين يدي عيسى ، والحواريون وأصحابه حوله يجدون رائحة طيبة لم يجدوا فيما مضى رائحة مثلها قط ، وخر عيسى والحواريون لله سجداً شكراً له بما رزقهم من حيث لم يحتسبوا ، وأراهم فيه آية عظيمة ذات عجب وعبرة . (4/20)
وأقبلت اليهود ينظرون فرأوا أمراً عجباً أورثهم كمداً وغماً ، ثم انصرفوا بغيظ شديد ، وأقبل عيسى والحواريون وأصحابه حتى جلسوا حول السفرة ، فإذا عليه منديل مغطى قال عيسى : من أجرؤنا على كشف المنديل عن هذه السفرة وأوثقنا بنفسه وأحسننا بلاء عند ربه فليكشف عن هذه الآية حتى نراها ، ونحمد ربنا ، ونذكر باسمه ، ونأكل من رزقه الذي رزقنا ، فقال الحواريون : يا روح الله وكلمته ، أنت أولانا بذلك وأحقنا بالكشف عنها .
فقام عيسى : فاستأنف وضوءاً جديداً ، ثم دخل مصلاه فصلى بذلك ركعات ، ثم بكى طويلاً ودعا الله أن يأذن له في الكشف عنها ، ويجعل له ولقومه فيها بركة ورزقاً ، ثم انصرف وجلس إلى السفرة ، وتناول المنديل وقال : بسم الله خير الرازقين ، وكشف عن السفرة ، وإذا هو عليها سمكة ضخمة مشوية ليس عليها بواسير ، وليس في جوفها سوك ، يسيل منها السمن سيلاً ، قد نضد حولها بقول من كل صنف غير الكراث ، وعند رأسها خل ، وعند ذنبها ملح ، وحول البقول خمسة أرغفة على واحد منها زيتون ، وعلى الآخر تمرات ، وعلى الآخر خمس رمانات ، فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى : يا روح الله وكلمته أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة؟ فقال : أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات وتنتهوا عن تنقير المسائل ، ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب هذه الآية .
فقال شمعون : لا وإله إسرائيل ما أردت بها سوءاً يا ابن الصديقة . فقال عيسى : ليس شيء مما ترون عليها من طعام الجنة ولا من طعام الدنيا ، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة الغالبة القاهرة ، فقال له كن فكان أسرع من طرفة عين ، فكلوا مما سألتم بسم الله ، واحمدوا عليه ربكم يمدكم منه ويزدكم ، فإنه بديع قادر شاكر . (4/21)
فقال يا روح الله وكلمته إنا نحب أن ترينا آية في هذه الآية . فقال عيسى : سبحان الله . . ! أما اكتفيتم بما رأيتم من هذه الآية حتى تسألوا فيها آية أخرى! ثم أقبل عيسى على السمكة فقال : يا سمكة عودي بإذن الله حية كما كنت ، فأحياها الله بقدرته فاضطربت وعادت بإذن الله حية طرية تلمظ كما يتلمظ الأسد ، تدور عيناها لها بصيص ، وعادت عليها بواسيرها ، ففزع القوم منها وانحاسوا ، فلما رأى عيسى ذلك منهم قال : ما لكم تسألون الآية فإذا أراكموها ربكم كرهتموها ، ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بما تصنعون! يا سمكة عودي بإذن الله كما كنت ، فعادت بإذن الله مشوية كما كانت في خلقها الأول .
فقالوا لعيسى : كن أنت يا روح الله الذي تبدأ بالأكل منها ثم نحن بعد . فقال : معاذ الله من ذلك ، يبدأ بالأكل كل من طلبها . فلما رأى الحواريون وأصحابهم امتناع نبيهم منها خافوا أن يكون نزولها سخطة وفي أكلها مثلة فتحاموها ، فلما رأى ذلك عيسى دعا لها الفقراء والزمنى وقال : كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم ، واحمدوا الله الذي أنزلها لكم ، يكون مهناها لكم وعقوبتها على غيركم ، وافتتحوا أكلكم بسم الله واختتموه بحمد الله ففعلوا ، فأكل منها ألف وثلثمائة إنسان بين رجل وامرأة ، يصدرون عنها كل واحد منهم شبعان يتجشأ .
ونظر عيسى والحواريون فإذا ما عليها كهيئة إذ نزلت من السماء لم ينتقص منه شيء ، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون فاستغنى كل فقير أكل منها ، وبريء كل زمن منهم أكل منها ، فلم يزالوا أغنياء صحاحاً حتى خرجوا من الدنيا ، وندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة سألت منها أشفارهم ، وبقيت حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات . قال : فكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبلت بنو إسرائيل إليها من كل مكان يسعون يزاحم بعضهم بعضاً ، الأغنياء والفقراء والنساء والصغار والكبار والأصحاء والمرضى يركب بعضهم بعضاً ، فلما رأى عيسى ذلك جعلها نوباً بينهم ، فكانت تنزل يوماً ولا تنزل يوماً ، فلبثوا في ذلك أربعين يوماً تنزل عليهم غباً عند ارتفاع الضحى ، فلا تزال موضوعة يؤكل منها ، حتى إذا قالوا ارتفعت عنهم بإذن الله إلى جو السماء وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى توارى عنهم .
فأوحى الله إلى عيسى أن اجعل رزقي في المائدة لليتامى والفقراء والزمنى دون الأغنياء من الناس ، فلما فعل الله ذلك ارتاب بها الأغنياء وغمصوا ذلك ، حتى شكوا فيها في أنفسهم وشككوا فيها الناس ، وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر ، وأدرك الشيطان منهم حاجته ، وقذف وساوسه في قلوب المرتابين ، حتى قالوا لعيسى : أخبرنا عن المائدة ونزولها من السماء حق فإنه ارتاب بها بشر منا كثير . قال عيسى : كذبتم وإله المسيح ، طلبتم المائدة إلى نبيكم أن يطلبها لكم إلى ربكم ، فلما أن فعل وأنزلها الله عليكم رحمة ورزقاً وأراكم فيها الآيات والعبر كذبتم بها وشككتم فيها ، فأبشروا بالعذاب فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله ، وأوحى الله إلى عيسى إني آخذ المكذبين بشرطي ، فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ، فلما أمسى المرتابون بها وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة من نسائهم آمنين ، فلما كان من آخر الليل مسخهم الله خنازير ، وأصبحوا يتتبعون الأقذار في الكناسات . (4/22)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس . أنه كان يحدث عن عيسى ابن مريم أنه قال لبني إسرائيل : هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوماً؟ ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم ، فإن أجر العامل على من عمل له ، ففعلوا ثم قالوا : يا معلم الخير قلت لنا إن أجر العامل على من عمل له ، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوماً ففعلنا ، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوماً إلا أطعمنا ، { هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء } إلى قوله { أحداً من العالمين } فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة حتى وضعتها بين أيديهم ، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم .
وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمار بن ياسر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً ، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد ، فخانوا وادخروا ورفعوا لغد ، فمسخوا قردة وخنازير » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من وجه آخر عن عمار بن ياسر موقوفاً مثله . قال الترمذي : والوقف أصح .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمار بن ياسر قال : نزلت المائدة عليها ثمر من ثمر الجنة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : المائدة سمكة وأريغفة .
وأخرج سفيان بن عيينة عن عكرمة . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « لولا بنو إسرائيل ما خنز الخبز ولا أنتن اللحم ، ولكن خَبَّأوه لغد فأُنتن اللحم وخنز الخبز » .
وأخرج ابن الأنباري في كتاب الأضداد عن أبي عبد الرحمن السلمي في قوله { أنزل علينا مائدة من السماء } قال : خبزاً وسمكاً . (4/23)
وأخرج ابن الأنباري وأبو الشيخ في العظمة عن سعيد بن جبير قال : نزلت المائدة وهي طعام يفور ، فكانوا يأكلون منها قعوداً ، فأحدثوا فرفعت شيئاً فأكلوا على الركب ، ثم أحدثوا فرفعت البتة .
وأخرج ابن الأنباري عن وهب بن منبه قال : كانت مائدة يجلس عليها أربعة آلاف فقالوا لقوم من وضعائهم : إن هؤلاء يلطخون ثيابنا علينا فلو بنينا لها دكاناً يرفعها ، فبنوا لها دكاناً فجعلت الضعفاء لا تصل إلى شيء ، فلما خالفوا أمر الله عز وجل رفعها عنهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد وأبو الشيخ عن عطية العوفي قال : المائدة سمكة فيها من طعم كل طعام .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة . أن الخبز الذي أنزل مع المائدة كان من أرز .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال : نزل على عيسى ابن مريم والحواريين خوان عليه خبز وسمك ، يأكلون منه أينما تولوا إذا شاؤوا .
وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في كتاب الأضداد من طريق عكرمة عن ابن عباس في المائدة قال : كان طعاماً ينزل عليهم من السماء حيثما نزلوا .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال : هو الطعام ينزل عليهم حيث نزلوا .
وأخرج ابن جرير عن إسحاق بن عبد الله . أن المائدة نزلت على عيسى ابن مريم ، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات يأكلون منها ما شاؤوا ، فسرق بعضهم منها وقال : لعلها لا تنزل غداً فرفعت .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري وأبو الشيخ عن قتادة قال : ذكر لنا أنها كانت مائدة ينزل عليها الثمر من ثمار الجنة ، وأمروا أن لا يخبئوا ولا يخونوا ولا يدخروا لغد بلاء أبلاهم الله به ، وكانوا إذا فعلوا شيئاً من ذلك أنبأهم به عيسى ، فخان القوم فيه فخبأوا وادَّخَروا لِغدٍ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : أنزل على المائدة كل شيء إلا اللحم . والمائدة الخوان .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ميسرة وزاذان قالا : كانت المائدة إذا وضعت لبني إسرائيل اختلفت الأيدي فيها بكل طعام .
وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه سئل عن المائدة التي أنزلها الله من السماء على بني إسرائيل؟ قال : كان ينزل عليهم في كل يوم في تلك المائدة من ثمار الجنة ، فأكلوا ما شاؤوا من ضروب شتى ، فكانت يقعد عليها أربعة آلاف ، فإذا أكلوا أبدل الله مكان ذلك بمثله ، فلبثوا بذلك ما شاء الله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { أنزل علينا مائدة من السماء } قال : هو مثل ضرب ولم ينزل عليهم شيء .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال : مائدة عليها طعام أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا ، فأبوا أن ينزل عليهم . (4/24)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن الحسن قال : لما قيل لهم { فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً } قالوا : لا حاجة لنا فيها فلم تنزل عليهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين } قال : ذكر لنا أنهم لما صنعوا في المائدة ما صنعوا حوِّلوا خنازير .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { فمن يكفر بعد منكم } بعد ما جاءته المائدة { فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين } يقول : أعذبه بعذاب لا أعذبه أحداً غير أهل المائدة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمرو قال : إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة والمنافقون وآل فرعون .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { إني منزلها } مثقلة .
وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)
أخرج الترمذي وصححه والنسائي وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة قال : يلقي الله عيسى والله لقاه في قوله { وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } قال أبو هريرة « عن النبي صلى الله عليه وسلم : فلقاه الله { سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } » . الآية كلها . (4/25)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ميسرة قال : لما { قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } أرعد كل مفصل منه حتى وقع .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن صالح قال : لما قال { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } زال كل مفصل له من مكانه خيفة .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } متى يكون ذلك؟ قال : يوم القيامة ألا ترى أنه يقول { هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } [ المائدة : 119 ] .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } قال : لما رفع الله عيسى بن مريم إليه قالت النصارى ما قالت ، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك ، فسأله عن قوله { قال سبحانك ما يكون لي } إلى قوله { وأنت على كل شيء شهيد } .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن طاوس في هذه الآية قال : احتج عيسى وربه والله وفقه { قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } .
وأخرج أبو الشيخ من طريق طاوس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن عيسى حاجه ربه فحاج عيسى ربه ، والله لقاه حجته بقوله { أأنت قلت للناس . . . } الآية » .
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول « إذا كان يوم القيامة جمعت الأمم ودعي كل أناس بإمامهم ، قال : ويدعى عيسى فيقول لعيسى { يا عيسى أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } فيقول { سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } إلى قوله { يوم ينفع الصادقين صدقهم } » .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج { وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } والناس يسمعون ، فراجعه بما قد رأيت ، فأقر له بالعبودية على نفسه ، فعلم من كان يقول في عيسى ما كان يقول أنه إنما كان يقول باطلاً .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { أن اعبدوا الله ربي وربكم } قال : سيدي وسيدكم . (4/26)
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال « يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلاً ، ثم قرأ { كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين } [ الأنبياء : 104 ] ثم قال : ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : يا رب أصحابي أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح { وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم } فيقال : أما هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم مذ فارقتهم » .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { كنت أنت الرقيب عليهم } قال : الحفيظ .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { كنت أنت الرقيب } قال : الحفيظ .
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)
أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد والنسائي وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي ذر قال : « صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها { إن تعذبهم فإنهم عبادك . . . } الآية . فلما أصبح قلت : يا رسول الله ، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت؟! قال : إني سألت ربي الشفاعة لأمتي فأعطانيها ، وهي نائلة إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئاً » . (4/27)
وأخرج ابن ماجة عن أبي ذر قال « قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية حتى أصبح يرددها { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } » .
وأخرج مسلم والنسائي وابن أبي الدنيا في حسن الظن وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن عمرو بن العاص « أن نبي الله تلا قول الله في إبراهيم { رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني . . . } [ إبراهيم : 36 ] الآية . وقال عيسى بن مريم { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } فرفع يديه فقال : اللهم أمتي أمتي وبكى . فقال الله : جبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي ذر قال « بات رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة يشفع لأمته ، فكان يصلي بهذه الآية { إن تعذِّبهم فإنهم عبادك . . . } إلى آخر الآية . كان بها يسجد ، وبها يركع ، وبها يقوم ، وبها يقعد حتى أصبح » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي ذر قال : « قلت للنبي صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي يا رسول الله قمت الليلة بآية من القرآن ، ومعك قرآن لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه؟ قال : دعوت لأمتي . قال : فماذا أجبت؟ قال : أجبت بالذي لو اطَّلع كثير منهم عليه تركوا الصلاة . قال : أفلا أبشر الناس؟ قال : بلى . فقال عمر : يا رسول الله إنك إن تبعث إلى الناس بهذا نكلوا عن العبادة ، فناداه أن ارجع فرجع ، وتلا الآية التي يتلوها { إن تعذِّبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } » .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس { إن تعذبهم فإنهم عبادك } يقول : عبيدك قد استوجبوا العذاب بمقالتهم { وإن تغفر لهم } أي من تركت منهم ومد في عمره حتى أهبط من السماء إلى الأرض يقتل الدجال ، فنزلوا عن مقالتهم ووحدوك ، وأقروا إنا عبيد { وإن تغفر لهم } حيث رجعوا عن مقالتهم { فإنك أنت العزيز الحكيم } « .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { إن تعذبهم فإنهم عبادك } يقول : إن تعذبهم تميتهم بنصرانيتهم فيحق عليهم العذاب فإنهم عبادك { وإن تغفر لهم } فتخرجهم من النصرانية وتهديهم إلى الإسلام { فإنك أنت العزيز الحكيم } هذا قول عيسى عليه السلام في الدنيا .
قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } قال : يقول هذا يوم ينفع الموحدين توحيدهم . (4/28)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } قال : هذا فصل بين كلام عيسى وهذا يوم القيامة .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة قال : متكلمان تكلما يوم القيامة . نبي الله عيسى ، وإبليس عدو الله ، فأما إبليس فيقول { إن الله وعدكم وعد الحق } [ إبراهيم : 42 ] إلى قوله { إلا أن دعوتكم فاستجبتم } لي وصدق عدو الله يومئذ ، وكان في الدنيا كاذبا ، وأما عيسى فما قص الله عليكم في قوله { وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي } [ المائدة : 116 ] إلى آخر الآية : { قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم } وكان صادقاً في الحياة الدنيا وبعد الموت .
قوله تعالى : { لله ملك السماوات } الآية .
أخرج أبوعبيد في فضائله عن أبي الزاهرية أن عثمان رضي الله عنه كتب في آخر المائدة « لله ملك السموات والأرض والله سميع بصير » .
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)
أخرج ابن الضريس في فضائل القرآن وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن كعب قال : فتحت التوراة { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } وختمت ب { الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً } الى قوله { وكبره تكبيراً } . (4/29)
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } قال : هي في التوراة بستمائة آية .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض } حمد نفسه فأعظم خلقه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي . أنه أتاه رجل من الخوارج فقال : الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون أليس كذلك؟ . قال : نعم . فانصرف عنه ثم قال : ارجع . فرجع فقال : أي قل إنما أنزلت في أهل الكتاب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه أنه أتاه رجل من الخوارج فقرأ عليه { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور } الآية . ثم قال : أليس الذين كفروا بربهم يعدلون؟ قال : بلى . فانصرف عنه الرجل ، فقال له رجل من القوم : يا ابن ابزى إن هذا أراد تفسير الآية غير ما ترى إنه رجل من الخوارج . قال : ردوه علي . فلما جاء قال : أتدري فيمن أنزلت هذه الآية؟ قال : لا . قال : نزلت في أهل الكتاب فلا تضعها في غير موضعها .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال : نزلت هذه الآية في الزنادقة { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور } قال قالوا : إن الله لم يخلق الظلمة ، ولا الخنافس ، ولا العقارب ، ولا شيئاً قبيحاً ، وإنما خلق النور وكل شيء حسن ، فأنزل فيهم هذه الآية .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال : نزل جبريل مع سبعين ألف ملك معهم سورة الأنعام ، لهم زجل من التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد ، وقال : الحمد لله الذي خلق السموات والأرض فكان فيه رد على ثلاثة أديان منهم ، فكان فيه رد على الدهرية لأن الأشياء كلها دائمة ، ثم قال { وجعل الظلمات والنور } فكان فيه رد على المجوس الذين زعموا أن الظلمة والنور هما المدبران ، وقال : { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } فكان فيه رد على مشركي العرب ، ومن دعا دون الله إلهاً .
وأخرج ابن جرير عن أبي روق قال : كل شيء في القرآن ( جعل ) فهو خلق .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس { وجعل الظلمات والنور } قال : الكفر والإيمان .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور } قال : خلق الله السموات قبل الأرض ، والظلمة قبل النور ، والجنة قبل النار { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } قال : كذب العادلون بالله فهؤلاء أهل الشرك .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { وجعل الظلمات والنور } قال : الظلمات ظلمة الليل ، والنور نور النهار { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } قال : هم المشركون . (4/30)
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } قال : يشركون .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } قال : الآلهة التي عبدوها عدلوها بالله تعالى وليس لله عدل ، ولا ند ، وليس معه آلهة ، ولا اتخذ صاحبة ولا ولداً .
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { هو الذي خلقكم من طين } يعني آدم { ثم قضى أجلاً } يعني أجل الموت { وأجل مسمى عنده } أجل الساعة والوقوف عند الله . (4/31)
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله { ثم قضى أجلاً } قال : أجل الدنيا . وفي لفظ : أجل موته { وأجل مسمى عنده } قال : الآخرة لا يعلمه إلا الله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { قضى أجلاً } قال : هو النوم ، يقبض الله فيه الروح ثم يرجع إلى صاحبه حين اليقظة { وأجل مسمى عنده } قال : هو أجل موت الإِنسان .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { هو الذي خلقكم من طين } قال : هذا بدء الخلق ، خلق آدم من طين { ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين } [ السجدة : 8 ] { ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده } يقول : أجل حياتك إلى يوم تموت ، وأجل موتك إلى يوم البعث { ثم أنتم تمترون } قال : تشكون .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { ثم قضى أجلاً } قال : أجل الدنيا الموت { وأجل مسمى عنده } قال : الآخره البعث .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة والحسن في قوله { قضى أجلاً } قالا : أجل الدنيا منذ خلقت إلى أن تموت { وأجل مسمى عنده } قال : يوم القيامه .
وأخرج أبو الشيخ عن يونس بن يزيد الأيلي { قضى أجلاً } قال : ما خلق في ستة أيام { وأجل مسمى عنده } قال : ما كان بعد ذلك إلى القيامة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { ثم أنتم تمترون } قال : تشكون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن خالد بن معدان في قوله { ثم أنتم تمترون } يقول : في البعث .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين } يقول : ما يأتيهم من شيء من كتاب الله إلا أعرضوا عنه . وفي قوله { فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون } يقول : سيأتيهم يوم القيامة أنباء ما استهزأوا به من كتاب الله عز وجل .
أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (6)
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله { من قرن } قال : أمة . (4/32)
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم } يقول : أعطيناهم ما لم نعطكم .
وأخرج أبن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق علي عن ابن عباس في قوله { وأرسلنا السماء عليهم مدراراً } يقول : يتبع بعضها بعضاً .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن هارون التميمي في قوله { وأرسلنا السماء عليهم مدراراً } قال : المطر في إبانه .
وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم } يقول : لو أنزلنا من السماء صحفاً فيها كتاب فلمسوه بأيديهم لزادهم ذلك تكذيباً . (4/33)
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس } يقول : في صحيفة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { فلمسوه بأيديهم } يقول : فعاينوه معاينة ومسوه بأيديهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { فلمسوه بأيديهم } قال : فمسوه ونظروا إليه لم يصدقوا به .
وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن إسحاق قال « دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى الإِسلام وكلمهم فابلغ إليهم فيما بلغني ، فقال له زمعة بن الأسود بن المطلب ، والنضر بن الحارث بي كلدة ، وعبدة بن عبد يغوث ، وأبي خلف بن وهب ، والعاصي بن وائل بن هشام : لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك ، فأنزل الله في ذلك من قولهم { وقالوا لولا أنزل عليه ملك . . . } الآية » . (4/34)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } قال : ملك في صورة رجل { ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر } قال : لقامت الساعة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر } يقول : لو أنزل الله ملكاً ثم لم يؤمنوا لعجَّل لهم العذاب .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس { ولو أنزلنا ملكاً } قال : ولو أتاهم ملك في صورته { لقضي الأمر } لأهلكناهم { ثم لا ينظرون } لا يؤخرون { ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً } يقول : لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة { وللبسنا عليهم ما يلبسون } يقول : لخلطنا عليهم ما يخلطون .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله { ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً } قال : في صورة رجل ، وفي خلق رجل .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً } يقول : في صورة آدمي .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً } قال : لجعلنا ذلك الملك في صورة رجل ، لم نرسله في صورة الملائكة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { وللبسنا عليهم } يقول : شبهنا عليهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { وللبسنا عليهم ما يلبسون } يقول : شبهنا عليهم ما يشبهون على أنفسهم .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { وللبسنا عليهم ما يلبسون } يقول : ما لبس قوم على أنفسهم إلا لبس الله عليهم ، واللبس إنما هو من الناس ، قد بين الله للعباد ، وبعث رسله ، واتخذ عليهم الحجة ، وأراهم الآيات ، وقدم إليهم بالوعيد .
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10)
أخرج ابن المنذر وابي أبي حاتم عن محمد بن إسحاق قال « مر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني بالوليد بن المغيرة ، وأمية بن خلف ، وأبي جهل بن هشام ، فهمزوه واستهزأوا به ، فغاظه ذلك ، فأنزل الله { ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون } » . (4/35)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { فحاق بالذين سخروا منهم } من الرسل { ما كانوا به يستهزؤون } يقول : وقع بهم العذاب الذي استهزأوا به .
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين } قال : بئس - والله - ما كان عاقبة المكذبين ، دمر الله عليهم وأهلكهم ثم صيرهم إلى النار . (4/36)
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سلمان في قوله { كتب على نفسه الرحمة } قال : إنا نجده في التوراة عطيفتين ، أن الله خلق السموات والأرض ثم جعل مائة رحمة قبل أن يخلق الخلق ، ثم خلق الخلق فوضع بينهم واحدة وأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة ، فيها يتراحمون ، وبها يتعاطفون ، وبها يتباذلون ، وبها يتزاورون ، وبها تحن الناقة ، وبها تنتج البقرة ، وبها تيعر الشاة ، وبها تتابع الطير ، وبها تتابع الحيتان في البحر ، فإذا كان يوم القيامة جمع تلك الرحمة إلى ما عنده ، ورحمته أفضل وأوسع .
وأخرج أحمد ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « خلق الله يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة ، منها رحمة يتراحم بها الخلق وتسع وتسعون ليوم القيامة ، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة » .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لما قضى الله الخلق كتب كتاباً فوضعه عنده فوق العرش : إن رحمتي سبقت غضبي » .
وأخرج الترمذي وصححه وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لما خلق الله الخلق كتب كتاباً بيده على نفسه : إن رحمتي تغلب غضبي » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا فرغ الله من القضاء بين الخلق أخرج كتاباً من تحت العرش : إن رحمتي سبقت غضبي وأنا أرحم الراحمين ، فيقبض قبضة أو قبضتين فيخرج من النار خلق كثير لم يعلموا خيراً : مكتوب بين أعينهم عتقاء الله » .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أن الله كتب كتاباً بيده لنفسه قبل أن يخلق السموات والأرض فوضعه تحت عرشه ، فيه : رحتمي سبقت غضبي » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن طاوس . أن الله لما خلق الخلق لم يعطف شيء منه على شيء حتى خلق مائة رحمة ، فوضع بينهم رحمة واحدة ، فعطف بعض الخلق على بعض .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة حسبته أسنده قال : إذا فرغ الله من القضاء بين خلقه ، أخرج كتاباً من تحت العرض فيه : إن رحمتي سبقت غضبي ، وأنا أرحم الراحمين .
قال : فيخرج من النار مثل أهل الجنة ، أو قال مثلاً أهل الجنة . (4/37)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمرو قال : إن لله مائة رحمة ، فاهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا يتراحم بها الجن ، والإنس ، وطائر السماء ، وحيتان الماء ، ودواب الأرض وهوامها ، وما بين الهواء ، واختزن عنده تسعاً وتسعين رحمة ، حتى إذا كان يوم القيامة اختلج الرحمة التي كان أهبطها إلى أهل الدنيا ، فحواها إلى ما عنده فجعلها في قلوب أهل الجنة وعلى أهل الجنة .
وأخرج ابن جرير عن أبي المخازق زهير بن سالم قال : قال عمر لكعب : ما أول شيء ابتدأه الله من خلقه؟ فقال كعب : كتب الله كتاباً لم يكتبه بقلم ولا مداد ، ولكن كتب بأصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت : أنا الله لا إله إلا أنا سبقت رحمتي غضبي .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب حسن الظن بالله عن أبي قتادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « قال الله للملائكة : ألا أحدثكم عن عبدين من بني إسرائيل؟ أما أحدهما فيرى بنو إسرائيل أنه أفضلهما في الدين والعلم والخلق ، والآخر أنه مسرف على نفسه . فذكر عند صاحبه فقال : لن يغفر الله له . فقال ألم يعلم أني أرحم الراحمين ، ألم يعلم رحمتي سبقت غضبي وإني أوجبت لهذا العذاب . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلا تألوا على الله » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة ، فجعل في الأرض منها رحمة فيها تعطف الوالدة على ولدها ، والبهائم بعضها على بعض ، وأخر تسعاً وتسعين إلى يوم القيامة ، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة مائة رحمة » .
وأخرج مسلم وابن مردويه عن سلمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة ، كل رحمة طباق ما بين السموات والأرض ، فجعل منها في الأرض رحمة ، فبها تعطف الوالدة على ولدها ، والوحش والطير بعضها على بعض ، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة » .
وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { وله ما سكن في الليل والنهار } يقول : ما استقر في الليل والنهار . وفي قوله { قل أغير الله أتخذ ولياً } قال : أما الولي فالذي يتولاه ويقر له بالربوبية . (4/38)
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس { فاطر السماوات والأرض } قال : بديع السموات والأرض .
وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن جرير وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس قال : كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال ، أحداهما : أنا فطرتها . يقول : أنا ابتدأتها .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فاطر السماوات والأرض } قال : خالق السموات والأرض .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { وهو يطعِم ولا يطعَم } قال : يرزق ولا يُرزق .
وأخرج النسائي وابن السني والحاكم والبيهقي في الشعب وابن مردويه عن أبي هريرة قال « دعا رجل من الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم فانطلقنا معه ، فلما طعَم النبي صلى الله عليه وسلم وغسل يده قال : » الحمد لله الذي يطعم ولا يطعم ومنَّ علينا فهدانا وأطعمنا وسقانا وكل بلاء حسن أبلانا ، الحمد لله غير مودع ربي ولا مكافأ ولا مكفور ولا مستغني عنه ، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام ، وسقانا من الشراب ، وكسانا من العرى ، وهدانا من الضلال ، وبصرنا من العمى ، وفضلنا على كثير من خلقه تفصيلاً ، الحمد لله رب العالمين « .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { من يصرف عنه يومئذ } قال : من يصرف عنه العذاب .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق بشر بن حاتم من طريق بشر بن السري عن هارون النحوي قال : في قراءة أبي { من يصرفه الله } .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله { وإن يمسسك بخير } يقول : بعافية .
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)
أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : جاء النحام بي زيد ، وقردم بن كعب ، وبحرى بن عمرو ، فقالوا : يا محمد ما تعلم مع الله إلهاً غيره؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا إله إلا الله بذلك بعثت ، وإلى ذلك أدعو ، فأنزل الله في قولهم { قل أي شيء أكبر شهادة } الآية » . (4/39)
وأخرج ابن آدم بن أبي أياس وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله { قل أي شيء أكبر شهادة } قال : أمر محمد صلى الله عليه وسلم أن يسأل قريشاً أي شيء أكبر شهادة ، ثم امره أن يخبرهم فيقول : الله شهيد بيني وبينكم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس { وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به } يعني أهل مكة { ومن بلغ } يعني من بلغه هذا القرآن فهو له نذير .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال : لما نزلت هذه الآية { وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به } كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر والنجاشي وكل جبار يدعوهم إلى الله عز وجل ، وليس النجاشي الذي صلي عليه .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي بن كعب قال « أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسارى فقال لهم : هل دعيتم إلى الإسلام؟ قالوا : لا . فخلى سبيلهم ، ثم قرأ { وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ } ثم قال : خلوا سبيلهم حتى يأتوا ما منهم من أجل أنهم لم يدعوا » .
وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم والخطيب عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من بلغه القرآن فكأنما شافهته به ، ثم قرأ : { وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ } » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي في قوله { وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ } قال : من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم . وفي لفظ : من بلغه القرآن حتى يفهمه ويعقله كان كمن عاين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه .
وأخرج آدم بن أبي أياس وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله { وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به } قال : العرب { ومن بلغ } قال : العجم .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن حسن بن صالح قال : سألت ليثاً هل بقي أحد لم تبلغه الدعوة؟ قال : كان مجاهد يقول : حيثما يأتي القرآن فهو داع وهو نذير ، ثم قرأ { لأنذركم به ومن بلغ } .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وأوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ } أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول « بلغوا عن الله ، فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله » . (4/40)
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ من طريق قتادة عن الحسن « أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : يا أيها الناس بلغوا ولو آية من كتاب الله ، فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذها أو تركها » .
وأخرج البخاري وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « بلغوا عني ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار » .
وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب قال : كأن الناس لم يسمعوا القرآن قبل يوم القيامة حين يتلوه الله عليهم .
الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20)
أخرج أبو الشيخ عن السدي { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم . . . } الآية . يعني يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ، لأن نعته معهم في التوراة . { الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } لأنهم كفروا به بعد المعرفة . (4/41)
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22)
أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : قال النضر وهو من بني عبد الدار : إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى ، فأنزل الله { ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون } . (4/42)
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ثم لم تكن فتنتهم } قال : معذرتهم . (4/43)
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس { ثم لم تكن فتنتهم } قال : حجتهم { إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } يعني المنافقين والمشركين قالوا وهم في النار : هلم فلنكذب فلعله أن ينفعنا . فقال الله { انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم } في القيامة { ما كانوا يفترون } يكذبون في الدنيا .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { ثم لم تكن فتنتهم } بالنصب { إلا أن قالوا والله ربنا } بالخفض .
وأخرج عبد بن حميد عن شعيب بن الحجاب . سمعت الشعبي يقرأ { والله ربنا } بالنصب . فقلت : إن أصحاب النحو يقرأونها { والله ربنا } بالخفض . فقال : هكذا أقرأنيها علقمة بن قيس .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن علقمة أنه قرأ { والله ربنا } والله يا ربنا .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق علي عن ابن عباس في قوله { والله ربنا ما كنا مشركين } ثم قال { ولا يكتمون الله حديثاً } [ النساء : 42 ] قال : بجوارحهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { والله ربنا ما كنا مشركين } قال : قول أهل الشرك حين رأوا الذنوب تغفر ولا يغفر الله لمشرك { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } قال : بتكذيب الله إياهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير . أنه كان يقرأ هذا الحرف { والله ربنا } بخفضها قال : حلفوا واعتذروا .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة { انظر كيف كذبوا على أنفسهم } قال : باعتذارهم بالباطل والكذب { وضل عنهم ما كانوا يفترون } قال : ما كانوا يشركون به .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25)
أخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { ومنهم من يستمع إليك } قال : قريش . وفي قوله { وجعلنا على قلوبهم أكنَّة } قال كالجعبة للنبل . (4/44)
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وجعلنا على قلوبهم أكنَّة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً } قال : يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئاً ، كمثل البهيمة التي تسمع النداء ولا تدري ما يقال لها .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { وجعلنا على قلوبهم أكنَّة } قال : الغطاء أكن قلوبهم { أن يفقهوه } فلا يفقهون الحق { وفي آذانهم وقراً } قال : صمم . وفي قوله { أساطير الأولين } قال : أساجيع الأولين .
وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس في قوله { أساطير الأولين } قال : أحاديث الأولين .
وأخرج عبد بن حميد وأبن أبي حاتم وابن المنذر عن قتادة في قوله { أساطير الأولين } قال : كذب الأولين وباطلهم . والله أعلم .
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26)
أخرج الفريابي وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس { وهم ينهون عنه وينأون عنه } قال : نزلت في أبي طالب ، كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتباعد عما جاء به . (4/45)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن القاسم من مخيمرة في قوله { وهم ينهون عنه وينأون عنه } قال : نزلت في أبي طالب ، كان ينهى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذى ولا يصدق به .
وأخرج ابن جرير عن عطاء بن دينار في قوله { وهم ينهون عنه وينأون عنه } قال : نزلت في أبي طالب ، كان ينهى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وينأى عما جاء به من الهدى .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله { وهم ينهون عنه } قال : ينهون الناس عن محمد أن يؤمنوا به { وينأون عنه } يتباعدون عنه .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { وهم ينهون عنه وينأون عنه } يقول : لا يلقونه ولا يدعون أحداً يأتيه .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن الحنفية في قوله { وهم ينهون عنه وينأون عنه } قال : كفار مكة كانوا يدفعون الناس عنه ولا يجيبون النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وهم ينهون عنه } قال : قريش عن الذكر { وينأون عنه } يقول : يتباعدون .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { وهم ينهون عنه } قال : ينهون عن القرآن وعن النبي صلى الله عليه وسلم { وينأون عنه } يتباعدون عنه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن أبي هلال في قوله { وهم ينهون عنه وينأون عنه } قال : نزلت في عمومة النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا عشرة ، فكانوا أشد الناس معه في العلانية وأشد الناس عليه في السر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله { وهم ينهون عنه } قال : عن قتله { وينأون عنه } قال : لا يتبعونه .
وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)
أخرج أبو عبيد وابن جرير عن هرون قال : في حرف ابن مسعود { يا ليتنا نرد فلا نكذب } بالفاء . (4/46)
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } قال : من أعمالهم { ولو ردوا لعادوا لما نُهوا عنه } يقول : ولو وصل الله لهم دنيا كدنياهم التي كانوا فيها لعادوا إلى أعمالهم أعمال السوء التي كانوا نهوا عنها .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } يقول : بدت لهم أعمالهم في الآخرة التي افتروا في الدنيا .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال : فاخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى فقال { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } أي ولو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا .
وأخرج ابن جرير وأبن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } قال : وقالوا حين يردون { إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين } .
وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الحسرة الندامة . (4/47)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والخطيب بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { يا حسرتنا } قال : الحسرة أن يرى أهل النار منازلهم من الجنة في الجنة ، فتلك الحسرة » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { يا حسرتنا } قال : ندامتنا { على ما فرَّطنا فيها } قال : ضيعنا من عمر الجنة { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم } قال : ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره إلا جاءه رجل قبيح الوجه ، أسود اللون ، منتن الريح ، عليه ثياب دنسة ، حتى يدخل معه قبره ، فإذا رآه قال له : ما أقبح وجهك! قال : كذلك كان عملك قبيحاً . قال : ما أنتن ريحك! قال : كذلك كان عملك منتناً . قال : ما أدنس ثيابك! فيقول : إن عملك كان دنساً . قال : من أنت؟ قال : أنا عملك . قال : فيكون معه في قبره ، فإذا بعث يوم القيامة قال له : إني كنت أحملك الدنيا باللذات والشهوات فأنت اليوم تحملني ، فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخله النار ، فذلك قوله { يحملون أوزارهم على ظهورهم } .
وأخرج أبن جرير وابن أبي حاتم عن عمرو بن قيس الملائي قال : إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله في أحسن صورة وأطيب ريحاً ، فيقول له : هل تعرفني؟ فيقول : لا ، إلا أن الله قد طيب ريحك وحسن صورتك . فيقول : كذلك كنت في الدنيا . أنا عملك الصالح طالما ركبتك في الدنيا فاركبني أنت اليوم ، وتلا { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا } [ مريم : 85 ] . وإن الكافر يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحاً ، فيقول : هل تعرفني؟ فيقول : لا . ألا أن الله قد قبح صورتك ونتن ريحك . فيقول : كذلك كنت في الدنيا ، أنا عملك السيء طالما ركبتني في الدنيا فأنا اليوم أركبك ، وتلا { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون } .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن قيس عن أبي مرزوق . مثله .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ألا ساء ما يزرون } قال : ما يعملون .
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)
أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : كل لعب لهو . (4/48)
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)
أخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والضياء في المختارة عن علي قال : قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به ، فأنزل الله { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } . (4/49)
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي يزيد المدني « أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي أبا جهل ، فجعل أبو جهل يلاطفه ويسائله ، فمر به بعض شياطينه فقال : أتفعل هذا؟ قال : أي والله إني لأفعل به هذا ، وإني لاعلم أنه صادق ولكن متى كنا تبعاً لبني عبد مناف ، وتلا أبو يزيد { فإنهم لا يكذبونك . . . } الآية » .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه عن أبي ميسرة قال « مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي جهل فقال : والله يا محمد ما نكذبك أنك عندنا لمصدق ولكنا نكذب بالذي جئت به ، فأنزل الله { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } » .
وأخرج ابن جرير عن أبي صالح في الآية قال : « جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس حزين ، فقال له : ما يحزنك؟ فقال » كذبني هؤلاء . فقال له جبريل : إنهم لا يكذبونك ، إنهم ليعلمون أنك صادق { ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } « » .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي صالح قال : كان المشركون إذا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قال بعضهم لبعض فيما بينهم : إنه لنبي ، فنزلت هذه الآية { قد نعلم أنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } « .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والضياء عن علي بن أبي طالب . أنه قرأ { فإنهم لا يكذبونك } خفيفة قال : لا يجيئون بحق هو أحق من حقك .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني عن ابن عباس . أنه قرأ { فإنهم لا يكذبونك } مخففة قال : لا يقدرون على أن لا تكون رسولاً ، وعلى أن لا يكون القرآن قرآناً ، فاما أن يكذبونك بألسنتهم فهم يكذبونك ، فذاك ، الا كذاب وهذا ، التكذيب .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب . أنه كان يقرؤها { فإنهم لا يكذبونك } بالتخفيف . يقول : لا يبطلون ما في يديك .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } قال : يعلمون أنك رسول الله ويجحدون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن . أنه قرأ عنده رجل { فإنهم لا يكذبونك } خفيفة فقال الحسن { فإنهم لا يكذبونك } وقال : إن القوم قد عرفوه ولكنهم جحدوا بعد المعرفة .
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا } قال : يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم كما تسمعون ، ويخبره أن الرسل قد كذبت قبله فصبروا على ما كذبوا حتى حكم الله وهو خير الحاكمين . (4/50)
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله { ولقد كذبت رسل من قبلك } قال : يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله { ولقد كذبت رسل من قبلك . . . } الآية . قال يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم .
وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله { وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض } والنفق السرب فتذهب فيه فتأتيهم بآية ، أو تجعل لهم سلماً { في السماء } فتصعد عليه { فتأتيهم بآية } أفضل مما أتيناهم به فافعل { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } يقول الله سبحانه : لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين . (4/51)
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { نفقاً في الأرض } قال : سرباً { أو سلماً في السماء } قال : يعني الدرج .
وأخرج الطستي عن ابن عباس . أن نافع بن الأزرق قال له : اخبرني عن قوله تعالى { تبتغي نفقاً في الأرض } قال : سرباً في الأرض فتذهب هرباً . قال : وهل تعرب العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت عدي بن زيد وهو يقول :
فدس لها على الانفاق عمرو ... بشكته وما خشيت كمينا
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله { إنما يستجيب الذين يسمعون } قال : المؤمنون { والموتى } قال : الكفار .
وأخرج عبد بن حميد وابن شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { إنما يستجيب الذين يسمعون } قال : المؤمنون للذكر { والموتى } قال : الكفار حين يبعثهم الله مع الموتى .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { إنما يستجيب الذين يسمعون } قال : هذا مثل المؤمن سمع كتاب الله فانتفع به وأخذ به وعقله ، فهو حي القلب حي البصر { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم } [ الأنعام : 39 ] وهذا مثل الكافر أصم أبكم لا يبصر هدي ولا ينتفع به .
وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { إلا أمم أمثالكم } قال : أصنافاً مصنفة تعرف باسمائها . (4/52)
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } يقول : الطير أمة ، والإنس أمة ، والجن أمة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { إلا أمم أمثالكم } قال : خلق أمثالكم .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج في الآية قال : الذرة فما فوقها من ألوان ، ما خلق الله من الدواب .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس { ما فرَّطنا في الكتاب من شيء } يعني ما تركنا شيئاً إلا وقد كتبناه في أم الكتاب .
وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن قتادة { ما فرطنا في الكتاب من شيء } قال : من الكتاب الذي عنده .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان والخطيب في تالي التلخيص وابن عساكر عن عبد الله بن زيادة البكري قال : دخلت على ابني بشر المازنيين صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يرحمكما الله ، الرجل يركب منا الدابة فيضربها بالسوط أو يكبحها باللجام فهل سمعتما من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئاً؟ فقالا : لا . قال عبد الله : فنادتني امرأة من الداخل فقالت : يا هذا إن الله يقول في كتابه { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون } فقالا : هذه أختنا وهي أكبر منا ، وقد أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { ما فرطنا في الكتاب من شيء } قال : لم نغفل الكتاب ، ما من شيء إلا وهو في ذلك الكتاب .
وأخرج أبو الشيخ عن أنس بن مالك أنه سأل من يقبض أرواح البهائم؟ فقال : ملك الموت . فبلغ الحسن فقال : صدق أن ذلك في كتاب الله ، ثم تلا { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { ثم إلى ربهم يحشرون } قال : موت البهائم حشرها . وفي لفظ قال : يعني بالحشر الموت .
وأخرج عبد الرزاق وأبو عبد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال : ما من دابة ولا طائر إلا ستحشر يوم القيامة ، ثم يقتص لبعضها من بعض حتى يقتص للجلحاء من ذات القرن .
ثم يقال لهم كوني تراباً ، فعند ذلك يقول الكافر { يا ليتني كنت تراباً } [ النبأ : 40 ] وإن شئتم فاقرأوا { وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } إلى قوله { يحشرون } . (4/53)
وأخرج ابن جرير عن أبي ذر قال « انتطحت شاتان عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي : يا أبا ذر أتدري فيما انتطحتا؟ قلت : لا . قال : لكن الله يدري وسيقضي بينهما . قال أبو ذر : لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علماً »
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم } قال : هذا مثل الكافر أصم أبكم لا يبصر هدى ولا ينتفع به ، صم عن الحق في الظلمات لا يستطيع منها خروجاً متسكع فيها . (4/54)
أخرج أبو الشيخ عن أبي يوسف المدني قال : كل مشيئة في القرآن إلى ابن آدم منسوخة ، نسختها { من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله { فأخذناهم بالبأساء والضراء } قال : خوف السلطان ، وغلا السعر ، والله أعلم .
فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43)
أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم } قال : عاب الله عليهم القسوة عند ذلك فتضعضوا لعقوبة الله بارك الله فيكم ، ولا تعرضوا لعقوبة الله بالقسوة فإنه عاب ذلك على قوم قبلكم . (4/55)
فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { فلما نسوا ما ذكروا به } قال : يعني تركوا ما ذكروا به . (4/56)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله { فلما نسوا ما ذكروا به } قال : ما دعاهم الله إليه ورسله أبوه وردوه عليهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } قال : رخاء الدنيا ويسرها على القرون الأولى .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } قال : يعني الرخاء وسعة الرزق .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { حتى إذا فرحوا بما أوتوا } قال : من الرزق { أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون } قال : مهلكون متغير حالهم { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } يقول : قطع أصل الذين ظلموا .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن النضر الحارثي في قوله { أخذناهم بغتة } قال : أمهلوا عشرين سنة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { فإذا هم مبلسون } قال : المبلس المجهود المكروب الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه ، والمبلس أشد من المستكبر ، وفي قوله { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } قال : استؤصلوا .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد { فإذا هم مبلسون } قال : الاكتئاب . وفي لفظ قال : آيسون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : الإِبلاس تغيير الوجوه ، وإنما سمي إبليس لأن الله نكس وجهه وغيره .
وأخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني في الكبير وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا رأيت الله يعطي العبد في الدنيا وهو مقيم على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج » ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء . . . . } الآية ، والآية التي بعدها .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الله تبارك وتعالى إذا أراد بقوم بقاء أو نماء رزقهم القصد والعفاف ، وإذا أراد بقوم اقتطاعاً فتح لهم أو فتح عليهم باب خيانة { حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين } »
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن قال : من وسع عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له فلا رأي له ، ثم قرأ { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء } الآية . وقال الحسن : مكر بالقوم ورب الكعبة ، أعطوا حاجاتهم ثم أخذوا . (4/57)
وأخرج ابن المنذر عن جعفر قال : أوحى الله إلى داود ، خفني على كل حال ، وأخوف ما تكون عند تظاهر النعم عليك ، لا أصرعك عندها ، ثم لا أنظر إليك .
وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي حازم قال : إذا رأيت الله يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره . قال : وكل نعمة لا تقرب من الله عز وجل فهي بلية .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة } قال : بغت القوم أمر الله ، ما أخذ الله قوماً قط إلا عند سلوتهم وغرتهم ونعيمهم ، فلا تغتروا بالله فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال : إن البعوضة تحيا ما جاعت فإذا شبعت ماتت ، وكذلك ابن آدم إذا امتلأ من الدنيا أخذه الله عند ذلك ، ثم تلا { حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة } .
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله { فقطع دابر القوم الذين ظلموا } قال : قطع أصلهم واستؤصلوا من ورائهم . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت قول زهير وهو يقول :
القائد الخيل منكوباً دوابرها ... محكومة بحكام العدو الأنفا
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49) قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { يصدفون } قال : يعدلون . (4/58)
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله { يصدفون } قال : يعرضون عن الحق . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت سفيان بن الحارث وهو يقول :
عجبت لحكم الله فينا وقد بدا ... له صدفنا عن كل حق منزل
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { يصدفون } قال : يعرضون . وفي قوله { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة } قال : فجأة آمنين { أو جهرة } قال : وهم ينظرون وفي قوله { قل هل يستوي الأعمى والبصير } قال : الضال والمهتدي .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : كل فسق في القرآن فمعناه الكذب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { قل هل يستوي الأعمى والبصير } قال : الأعمى الكافر الذي عمي عن حق الله وأمره ونعمه عليه { والبصير } العبد المؤمن الذي أبصر بصراً نافعاً فوحد الله وحده ، وعمل بطاعة ربه ، وانتفع بما آتاه الله .