صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور |
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : لما كانت وقعة أُحد اشتد على طائفة من الناس وتخوَّفوا أن يدال عليهم الكفار ، فقال رجل لصاحبه : أما أنا فألحق بفلان اليهودي ، فآخذ منه أماناً وأتهوّد معه فإني أخاف أن يدال على اليهود . وقال الآخر : اما أنا فألحق بفلان النصراني ببعض أرض الشام ، فآخذ منه أماناً وأتنصر معه . فأنزل الله تعالى فيهما ينهاهما { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض } . (3/399)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض } في بني قريظة ، إذ غدروا ونقضوا العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابه إلى أبي سفيان بن حرب ، يدعونه وقريشاً ليدخلوهم حصونهم ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا لبابة بن عبد المنذر إليهم ان يستنزلهم من حصونهم ، فلما أطاعوا له بالنزول وأشار إلى حلقه بالذبح ، وكان طلحة والزبير يكاتبان النصارى وأهل الشام ، وبلغني أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يخافون العوز والفاقة ، فيكاتبون اليهود من بني قريظة والنضير ، فيدسون إليهم الخبر من النبي صلى الله عليه وسلم يلتمسون عندهم القرض والنفع ، فنهوا عن ذلك .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كلوا من ذبائح بني تغلب ، وتزوّجوا من نسائهم ، فإن الله يقول { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم } فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء . . . } الآية . قال : إنها في الذبائح من دخل في دين قوم فهو منهم .
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن عياض . أن عمر أمر أبا موسى الأشعري أن يرفع اليه ما أخذ وما أعطى في أزيم واحد ، وكان له كاتب نصراني ، فرفع إليه ذلك ، فعجب عمر وقال : إن هذا لحفيظ ، هل أنت قارئ لنا كتاباً في المسجد جاء من الشام؟ فقال : إنه لا يستطيع أن يدخل المسجد . قال عمر : أجنب هو؟ قال : لا ، بل نصراني . فانتهرني وضرب فخذي ثم قال : أخرجوه ، ثم قرأ { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء . . . } الآية .
وأخرج عبد بن حميد عن حذيفة قال : ليتق أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر وتلا { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } .
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية { فترى الذين في قلوبهم مرض } كعبد الله بن أبي { يسارعون فيهم } في ولايتهم . (3/400)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد { فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم } قال : هم المنافقون في مصانعة اليهود وملاحاتهم واسترضاعهم أولادهم اياهم { يقولون نخشى } أن تكون الدائرة لليهود بالفتح حينئذ { فعسى الله أن يأتي بالفتح } على الناس عامة { أو أمر من عنده } خاصة للمنافقين { فيصبحوا } المنافقون { على ما أسروا في أنفسهم } من شأن يهود { نادمين } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي { فترى الذين في قلوبهم مرض } قال : شك { يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة } والدائرة ظهور المشركين عليهم { فعسى الله أن يأتي بالفتح } فتح مكة { أو أمر من عنده } قال : والأمر هو الجزية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { فترى الذين في قلوبهم مرض } قال : أناس من المنافقين كانوا يوادّون اليهود ويناصحونهم دون المؤمنين . قال الله تعالى { فعسى الله أن يأتي بالفتح } أي بالقضاء { أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين } .
وأخرج ابن سعد وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن عمرو . انه سمع ابن الزبير يقرأ « فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم من موادتهم اليهود ومن غمهم الإسلام وأهله نادمين » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن عمرو . أنه سمع ابن الزبير يقرأ « فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبح الفساق على ما أسروا في أنفسهم نادمين » قال عمر : ولا أدري كانت قراءته أم فسر .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي وابن عساكر عن قتادة قال : أنزل الله هذه الآية وقد علم أنه سيرتد مرتدون من الناس ، فلما قبض الله نبيه ارتد عامة العرب عن الإسلام إلا ثلاثة مساجد : أهل المدينة ، وأهل الجواثي من عبد القيس ، وقال الذين ارتدوا : نصلي الصلاة ولا نزكي والله يغصب أموالنا ، فكلم أبو بكر في ذلك ليتجاوز عنهم ، وقيل لهم أنهم قد فقهوا أداء الزكاة فقال : والله لا أفرق بين شيء جمعه الله ، والله لو منعوني عقالاً مما فرض الله ورسوله لقاتلتهم عليه ، فبعث الله تعالى عصائب مع أبي بكر ، فقاتلوا حتى أقروا بالماعون وهو الزكاة ، قال قتادة : فكنا نحدث أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه . . . } إلى آخر الآية . (3/401)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال : هو أبو بكر وأصحابه ، لما ارتد من ارتد من العرب عن الإسلام جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردهم إلى الإسلام .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وخيثمة الاترابلسي في فضائل الصحابة والبيهقي في الدلائل عن الحسن { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال : هم الذين قاتلوا أهل الردة من العرب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أبو بكر وأصحابه .
وأخرج ابن جرير عن شريح بن عبيد قال « لما أنزل الله { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال عمر : أنا وقومي هم يا رسول الله؟ قال : بل هذا وقومه ، يعني أبا موسى الأشعري » .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة في مسنده وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن عياض الأشعري قال : « لما نزلت { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » هم قوم هذا ، وأشار إلى أبي موسى الأشعري « » .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والحاكم في جمعه لحديث شعبة والبيهقي { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } فقال النبي صلى الله عليه وسلم « هم قومك يا أبا موسى ، أهل اليمن » .
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وأبو الشيخ والطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند حسن عن جابر بن عبد الله قال : « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال : » هؤلاء قوم من أهل اليمن من كندة ، من السكون ، ثم من التحبيب « » .
وأخرج البخاري في تاريخه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال : هم قوم من أهل اليمن ، ثم كندة من السكون . (3/402)
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس { فسوف يأتي الله بقوم } قال : هم أهل القادسية .
وأخرج البخاري في تاريخه عن القاسم بن مخيمرة قال : أتيت ابن عمر فرحَّب بي ، ثم تلا { من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم } ثم ضرب على منكبي وقال : احلف بالله أنهم لمنكم أهل اليمن ثلاثاً .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد { فسوف يأتي الله بقوم } قال : هم قوم سبأ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } قال : هذا وعيد من عند الله ، انه من ارتد منكم سيتبدل بهم خيراً . وفي قوله { أذلة } له قال : رحماء .
وأخرج ابن جرير عن قوله { أذلة على المؤمنين } قال : أهل رقة على أهل دينهم { أعزة على الكافرين } قال : أهل غلظة على من خالفهم في دينهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله { أذلة على المؤمنين } قال : رحماء بينهم { أعزة على الكافرين } قال : أشداء عليهم . وفي قوله { يجاهدون في سبيل الله } قال : يسارعون في الحرب .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد طوائف من العرب ، فبعث الله أبا بكر في أنصار من أنصار الله ، فقاتلهم حتى ردهم إلى الإسلام ، فهذا تفسير هذه الآية .
قوله تعالى : { ولا يخافون لومة لائم }
أخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والطبراني والبيهقي في الشعب عن أبي ذر قال « أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع : بحب المساكين وأن أدنو منهم ، وأن لا أنظر إلى من هو فوقي ، وأن أصل رحمي وإن جفاني ، وأن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها من كنز تحت العرش ، وأن أقول الحق وإن كان مرًّا ، ولا أخاف في الله لومة لائم ، وأن لا أسأل الناس شيئاً » .
وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول الحق إذا رآه وتابعه ، فإنه لا يقرِّب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق ، أو أن يذكر بعظيم » .
وأخرج أحمد وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمر الله فيه يقال فلا يقول فيه مخافة الناس ، فيقال : إياي كنت أحق أن تخاف » .
وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن سهل بن سعد الساعدي قال : « بايعت النبي صلى الله عليه وسلم أنا ، وأبو ذر ، وعبادة بن الصامت ، وأبو سعيد الخدري ، ومحمد بن مسلمة ، وسادس ، على أن لا تأخذنا في الله لومة لائم ، فأما السادس فاستقاله فأقاله » . (3/403)
وأخرج البخاري في تاريخه من طريق الزهري أن عمر بن الخطاب قال : إن وليت شيئاً من أمر الناس فلا تبال لومة لائم .
وأخرج ابن سعد عن أبي ذر قال : ما زال بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ما ترك لي الحق صديقاً .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة عن عبادة بن الصامت قال « بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره ، وعلى أثره علينا ، وأن لا ننازع الأمر أهله ، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة » .
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عطية بن سعد قال : نزلت في عبادة بن الصامت { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا } . (3/404)
وأخرج الخطيب في المتفق عن ابن عباس قال : « تصدَّق علي بخاتمه وهو راكع ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للسائل » من أعطاك هذا الخاتم؟ قال : ذاك الراكع ، فأنزل الله { إنما وليكم الله ورسوله } « » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { إنما وليكم الله ورسوله . . . } الآية . قال : نزلت في علي بن أبي طالب .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن عمار بن ياسر قال « وقف بعلي سائل وهو راكع في صلاة تطوّع ، فنزع خاتمه فأعطاه السائل ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلمه ذلك ، فنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون } فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه ، ثم قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه » .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال « نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته { إنما وليكم الله ورسوله والذين } إلى آخر الآية . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد ، جاء والناس يصلون بين راكع وساجد وقائم يصلي ، فإذا سائل فقال : يا سائل ، هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال : لا ، إلا ذاك الراكع - لعلي بن أبي طالب - أعطاني خاتمه » .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر عن سلمة بن كهيل قال : تصدق علي بخاتمه وهو راكع ، فنزلت { إنما وليكم الله } الآية .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { إنما وليكم الله ورسوله . . . } الآية . نزلت في علي بن أبي طالب ، تصدق وهو راكع .
وأخرج ابن جرير عن السدي وعتبة بن حكيم مثله .
وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : « أتى عبد الله بن سلام ورهط معه من أهل الكتاب نبي الله صلى الله عليه وسلم عند الظهر ، فقالوا : يا رسول الله ، إن بيوتنا قاصية لا نجد من يجالسنا ويخالطنا دون هذا المسجد ، وإن قومنا لما رأونا قد صدقنا الله ورسوله وتركنا دينهم أظهروا العداوة وأقسموا ان لا يخالطونا ولا يؤاكلونا ، فشق ذلك علينا ، فبيناهم يشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون } ونودي بالصلاة صلاة الظهر ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أعطاك أحد شيئاً؟ قال : نعم . قال : من؟ قال : ذاك الرجل القائم . قال : على أي حال أعطاكه؟ قال : وهو راكع . قال : وذلك علي بن أبي طالب ، فكبَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك وهو يقول { ومن يتولَّ الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون } [ المائدة : 56 ] » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم عن أبي رافع قال « دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نائم يوحى إليه ، فإذا حية في جانب البيت ، فكرهت أن أبيت عليها ، فأوقظ النبي صلى الله عليه وسلم ، وخفت أن يكون يوحى إليه ، فاضطجعت بين الحية وبين النبي صلى الله عليه وسلم ، لئن كان منها سوء كان فيَّ دونه ، فمكثت ساعة فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون } الحمد لله الذي أتمَّ لعلي نعمه ، وهيأ لعلي بفضل الله اياه » . (3/405)
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : كان علي بن أبي طالب قائماً يصلي ، فمر سائل وهو راكع فأعطاه خاتمه ، فنزلت هذه الآية . { إنما وليكم الله ورسوله . . . } الآية . قال : نزلت في الذين آمنوا ، وعلي بن أبي طالب أوّلهم .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس في قوله { إنما وليكم الله . . . } الآية . قال : يعني من أسلم فقد تولى الله ورسوله والذين آمنوا .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي جعفر . أنه سئل عن هذه الآية ، من الذين آمنوا؟ قال : الذين آمنوا . قيل له : بلغنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب . قال : علي من الذين آمنوا .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عبد الملك بن أبي سليمان قال : سألت أبا جعفر محمد بن علي عن قوله { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون } قال : أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قلت يقولون : علي؟ قال : علي منهم .
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن جرير بن مغيرة قال : كان في قراءة عبد الله { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة } .
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون } قال : أخبرهم من الغالب فقال : لا تخافوا الدولة ولا الدائرة . (3/406)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57)
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : كان رفاعة بن زيد بن التابوت ، وسويد بن الحارث ، قد أظهرا الإسلام ونافقا ، وكان رجال من المسلمين يوادّونهما ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تتَّخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً } إلى قوله { أعلم بما كانوا يكتمون } . (3/407)
وأخرج أبو عبيد وابن جرير عن ابن مسعود . أنه كان يقرأ { من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا } .
وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58)
أخرج البيهقي في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله { وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } أمر الله . قال : « كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى بالصلاة فقام المسلمون إلى الصلاة قالت اليهود : قد قاموا لا قاموا ، فإذا رأوهم ركعاً وسجداً استهزأوا بهم وضحكوا منهم » . (3/408)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعباً } قال : كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي : أشهد أن محمداً رسول الله . قال : أحرق الله الكاذب ، فدخل خادمه ذات ليلة من الليالي بنار وهو قائم وأهله نيام ، فسقطت شرارة فاحرقت البيت واحترق هو وأهله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن شهاب الزهري قال : قد ذكر الله الأذان في كتابه فقال { وإذا ناديتم إلى الصلاة } .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبيد بن عمير قال « ائتمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كيف يجعلون شيئاً إذا أرادوا جمع الصلاة اجتمعوا لها به؟ فائتمروا بالناقوس ، فبينا عمر بن الخطاب يريد أن يشتري خشبتين للناقوس إذ رأى في المنام أن لا تجعلوا الناقوس بل أذنوا بالصلاة ، فذهب عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره بالذي رأى ، وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بذلك ، فما راع عمر إلا بلال يؤذن فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قد سبقك بذلك الوحي ، حين أخبره بذلك عمر » .
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59)
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من يهود ، فيهم أبو ياسر بن أخطب ، ونافع بن أبي نافع ، وغازي بن عمرو ، وزيد بن خالد ، وازار بن أبي أزار ، وأسقع ، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟ قال : أؤمن بالله { وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وما أوتي موسى وعيسى ، وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرِّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } فلما ذكر عيسى جحدوا نبوّته ، وقالوا : لا نؤمن بعيسى ، فأنزل الله { قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا } إلى قوله { فاسقون } . (3/409)
قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60)
أخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : المثوبة . الثواب ، مثوبة الخير ومثوبة الشر ، وقرئ { بشر ثواباً } . (3/410)
وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله { مثوبة عند الله } يقول : ثواباً عند الله .
قوله تعالى : { وجعل منهم القردة والخنازير } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { وجعل منهم القردة والخنازير } قال : مسخت من يهود .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك . أنه قيل : أكانت القردة والخنازير قبل أن يمسخوا؟ قال : نعم ، وكانوا مما خلق من الأمم .
وأخرج مسلم وابن مردويه عن ابن مسعود قال « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير أهي مما مسخ الله؟ فقال : إن الله لم يهلك قوماً أو يمسخ قوماً فيجعل لهم نسلاً ولا عاقبة ، وإن القردة والخنازير قبل ذلك » .
وأخرج الطيالسي وأحمد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود قال « سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير أهي من نسل اليهود؟ فقال : لا ، إن الله لم يعلن قوماً قط فمسخهم فكان لهم نسل ، ولكن هذا خلق ، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم جعلهم مثلهم » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « الحيات مسخ الجن كما مسخت القردة والخنازير » .
وأخرج ابن جرير عن عمرو بن كثير عن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري قال : حدثت ان المسخ في بني إسرائيل من الخنازير كان أن امرأة كانت من بني إسرائيل كانت في قرية من قرى بني إسرائيل ، وكان فيها ملك بني إسرائيل ، وكانوا قد استجمعوا على الهلكة ، إلا أن تلك المرأة كانت على بقية من الإسلام متمسكة ، فجعلت تدعو إلى الله حتى إذا اجتمع إليها ناس فبايعوها على أمرها ، قالت لهم : أنه لا بد لكم من أن تجاهدوا عن دين الله وأن تنادوا قومكم بذلك ، فاخرجوا فإني خارجة ، فخرجت وخرج إليها ذلك الملك في الناس ، فقتل أصحابها جميعاً وانفلتت من بينهم ، ودعت إلى الله حتى تجمع الناس إليها ، إذا رضيت منهم أمرتهم بالخروج فخرجوا وخرجت معهم فأصيبوا جميعاً ، وانفلتت منهم ، ثم دعت إلى الله حتى إذا اجتمع اليها رجال واستجابوا لها أمرتهم بالخروج فخرجوا وخرجت معهم فأصيبوا جميعاً ، وانفلتت منهم ، ثم دعت إلى الله حتى إذا اجتمع إليها رجال واستجابوا لها أمرتهم بالخروج فخرجوا وخرجت معهم فأصيبوا جميعاً ، وانفلتت من بينهم فرجعت وقد أيست وهي تقول : سبحان الله . . . ! لو كان لهذا الدين ولي وناصر لقد أظهره بعد ، فباتت محزونة وأصبح أهل القرية يسعون في نواحيها خنازير مسخهم الله في ليلتهم تلك ، فقالت حين أصبحت ورأت ما رأت : اليوم أعلم أن الله قد أعز دينه وأمر دينه قال : فما كان مسخ الخنازير في بني إسرائيل إلا على يدي تلك المرأة .
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سيكون في أمتي خسف ، ورجف ، وقردة ، وخنازير » (3/411)
والله أعلم . أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن زهير قال : قلت لابن أبي ليلى : كيف كان طلحة يقرأ الحرف { وعبد الطاغوت } ؟ فسره ابن أبي ليلى وخففه .
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء بن السائب قال : كان أبو عبد الرحمن يقرأ { وعبد الطاغوت } بنصب العين والباء .
وأخرج ابن جرير عن أبي جعفر النحوي . أنه كان يقرأها { وعبد الطاغوت } كما يقول : ضرب الله .
وأخرج ابن جرير عن بريدة . أنه كان يقرؤها { وعابد الطاغوت } .
وأخرج ابن جرير من طريق عبد الرحمن بن أبي حماد قال : حدثني الأعمش ، وعن يحيى بن وثاب ، أنه قرأ { وعبد الطاغوت } يقول : خدم قال عبد الرحمن : وكان حمزة رحمه الله يقرؤها كذلك .
وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وإذا جاؤوكم قالوا آمنا . . . } الآية . قال « اناس من اليهود ، وكانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم فيخبرونه أنهم مؤمنون راضون بالذي جاء به ، وهم متمسكون بضلالتهم وبالكفر ، فكانوا يدخلون ويخرجون به من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم » . (3/412)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به } فإنهم دخلوا وهم يتكلمون بالحق وتسر قلوبهم الكفر ، فقال { دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به } .
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال : هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يهوداً يقول : دخلوا كفاراً وخرجوا كفاراً .
وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان } قال : هؤلاء اليهود { لبئس ما كانوا يعملون ، لولا ينهاهم الربانيون } إلى قوله { لبئس ما كانوا يصنعون } ويعملون واحد . قال : هؤلاء لم ينهوا كما قال لهؤلاء حين عملوا . (3/413)
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت } قال : كان هذا في أحكام اليهود بين أيديكم .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { لولا ينهاهم الربانيون والأحبار } وهم الفقهاء والعلماء .
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله { لولا ينهاهم } العلماء والأحبار .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لبئس ما كانوا يصنعون } قال : حيث لم ينهوهم عن قولهم الإثم وأكلهم السحت .
وأخرج ابن أبي حاتم أن علي رضي الله عنه أنه قال في خطبته : أيها الناس ، إنما هلك من هلك قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار ، فلما تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار أخذتهم العقوبات ، فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقاً ولا يقرِّب أجلاً .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : ما في القرآن آية أشد توبيخاً من هذه الآية « لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم العدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون » هكذا قرأ .
وأخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك ابن مزاحم قال : ما في القرآن آية أخوف عندي من هذه الآية { لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون } أساء الثناء على الفريقين جميعاً .
وأخرج عبد بن حميد من طريق سلمة بن نبيط عن الضحاك { لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت } قال { الربانيون والأحبار } فقهاؤهم وعلماؤهم قال : ثم يقول الضحاك : وما أخوفني من هذه الآية .
وأخرج أبو داود وابن ماجة عن جرير . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل من المعاصي هم أعز منه وأمنع من أن يغيروا إلا أصابهم الله منه بعذاب » .
وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)
أخرج ابن إسحاق والطبراني في الكبير وابن مردويه عن ابن عباس . قال رجل من اليهود يقال له النباش بن قيس : إن ربك بخيل لا ينفق . فأنزل الله { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } . (3/414)
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس { وقالت اليهود يد الله مغلولة } نزلت في فنحاص رأس يهود قينقاع .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله { وقالت اليهود يد الله مغلولة . . . } الآية . قال : نزلت في فنحاص اليهودي .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس { وقالت اليهود يد الله مغلولة } قال : أي بخيلة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وقالت اليهود يد الله مغلولة } قال : لا يعنون بذلك أن يد الله موثوقة ولكن يقولون : إنه بخيل أمسك ما عنده ، تعالى الله عما يقولون علوّاً كبيراً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { مغلولة } يقولون : إنه بخيل ليس بجواد . وفي قوله { غلت أيديهم } قال : أمسكت عن النفقة والخير .
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أنس مرفوعاً « أن يحيى بن زكريا سأل ربه فقال : يا رب ، اجعلني ممن لا يقع الناس فيه . فأوحى الله يا يحيى هذا شيء لم أستخلصه لنفسي كيف أفعله بك؟ اقرأ في المحكم تجد فيه { وقالت اليهود عزيز ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله } [ التوبة : 30 ] . وقالوا { يد الله مغلولة } وقالوا وقالوا . . . » .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد قال : إذا بلغك عن أخيك شيء يسوءك فلا تغتم ، فإنه إن كان كما يقول كانت عقوبة أجلت ، وإن كانت على غير ما يقول كانت حسنة لم تعملها . قال : وقال موسى : يا رب ، أسالك أن لا يذكرني أحد إلا بخير . قال « ما فعلت ذلك لنفسي » .
وأخرج أبو نعيم عن وهب قال : قال موسى : يا رب ، أسألك أن لا يذكرني أحد إلا بخير . قال « ما فعلت ذلك لنفسي » .
وأخرج أبو نعيم عن وهب قال : « قال موسى : يا رب ، احبس عني كلام الناس . فقال الله عزوجل » لو فعلت هذا بأحد لفعلته بي « » .
قوله تعالى { بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } .
أخرج أبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن أبي داود وابن الأنباري معاً في المصاحف وابن المنذرعن ابن مسعود قرأ { بل يداه مبسوطتان } .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة ، سخاء الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه . قال : وعرشه على الماء ، وفي يده الأخرى القبض يرفع ويخفض » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة { وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً } قال : حملهم حسد محمد والعرب على أن تركوا القرآن وكفروا بمحمد ودينه ، وهم يجدونه عندهم مكتوباً . (3/415)
وأخرج أبو الشيخ عن الربيع قال : قالت العلماء فيما حفظوا وعلموا : أنه ليس على الأرض قوم حكموا بغير ما أنزل الله إلا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء ، وقال : ذلك في اليهود حيث حكموا بغير ما أنزل الله { وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة } قال : اليهود والنصارى . وفي قوله { كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله } قال : حرب محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي { كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله } قال : كلما اجمعوا أمرهم على شيء فرّقه الله وأطفأ حدهم ونارهم ، وقذف في قلوبهم الرعب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة { كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله } قال : أولئك أعداء الله اليهود ، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ، فلن تلقى اليهود ببلد إلا وجدتهم من أذل أهله ، لقد جاء الإسلام حين جاء وهم تحت أيدي المجوس ، وهم أبغض خلق الله تعمية وتصغيراً باعمالهم أعمال السوء .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وفي قوله عن الحسن { كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله } قال : كلما اجتمعت السفلة على قتل العرب .
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا } قال : آمنوا بما أنزل الله ، واتقوا ما حرم الله . (3/416)
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مالك بن دينار قال { جنات النعيم } بين جنات الفردوس وجنات عدن ، وفيها جوار خلقن من ورد الجنة . قيل فمن سكنها؟ قال : الذين هموا بالمعاصي فلما ذكروا عظمة الله جل جلاله راقبوه .
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل . . . } الآية . قال : أما اقامتهم التوراة والإنجيل فالعمل بهما ، وأما { ما أنزل إليهم من ربهم } فمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه ، وأما { لأكلوا من فوقهم } فأرسلت عليه مطراً ، وأما { من تحت أرجلهم } يقول : لأنبت لهم من الأرض من رزقي ما يغنيهم { منهم أمة مقتصدة } وهم مسلمة أهل الكتاب . (3/417)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { لأكلوا من فوقهم } يعني لأرسل عليهم السماء مدراراً { ومن تحت أرجلهم } قال : تخرج الأرض من بركاتها .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية يقول : لأكلوا من الرزق الذي ينزل من السماء ، والذي والذي ينبت من الأرض .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة { لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } يقول لأعطتهم السماء بركاتها والأرض نباتها { منهم أمة مقتصدة } على كتاب الله قد آمنوا ، ثم ذم أكثر القوم فقال { وكثير منهم ساء ما يعملون } .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال : الأمة المقتصدة . الذين لا هم فسقوا في الدين ولا هم غلوا . قال : والغلو الرغبة ، والفسق التقصير عنه .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي { أمة مقتصدة } يقول : مؤمنة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن جبير بن نفير . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يوشك أن يرفع العلم . قلت : كيف وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا؟ فقال : ثكلتك أمك يا ابن نفير إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة! أوليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى؟ فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله ، ثم قرأ { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل } الآية » .
وأخرج أحمد وابن ماجة من طريق ابن أبي الجعد عن زياد بن لبيد قال « ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فقال : وذلك عند ذهاب أبنائنا يا رسول الله ، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ، ونقرئه أبناءنا ، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم ، إلى يوم القيامة؟ قال : ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد . ! إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة ، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل ، ولا ينتفعون مما فيهما بشيء » .
وأخرج ابن مردويه من طريق يعقوب بن زيد بن طلحة عن زيد بن أسلم عن أنس بن مالك قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر حديثاً قال : « ثم حدثهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : » تفرَّقت أمة موسى على إحدى وسبعين ملة ، سبعون منها في النار وواحدة منها في الجنة . وتفرقت أمة عيسى على اثنين وسبعين ملة ، واحدة منها في الجنة وإحدى وسبعون في النار . وتعلوا أنتم على الفريقين جميعاً بملة واحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار ، قالوا : من هم يا رسول الله؟ قال : الجماعات الجماعات « قال يعقوب بن زيد : كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا فيه قرآناً { ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا } إلى قوله { ساء ما يعملون } وتلا أيضاً { وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } [ الأعراف : 181 ] يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم » .
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)
أخرج أبو الشيخ عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً ، وعرفت أن الناس مكذبي ، فوعدني لأبلغن أو ليعذبني ، فأنزل { يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك } » . (3/418)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال : لما نزلت { بلغ ما أنزل إليك من ربك } قال : يا رب ، إنما أنا واحد كيف أصنع ليجتمع عليّ الناس؟ ، فنزلت { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال : نزلت هذه الآية { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم ، في علي بن أبي طالب .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } أن علياً مولى المؤمنين { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عنترة . أنه قال لعلي هل عندكم شيء لم يبده رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس؟ فقال : ألم تعلم أن الله قال { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } والله ما ورثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء في بيضاء .
أما قوله تعالى : { والله يعصمك من الناس } .
أخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال : « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي آية أنزلت من السماء أشد عليك؟ فقال » كنت بمنى أيام موسم واجتمع مشركوا العرب وافناء الناس في الموسم ، فنزل عليّ جبريل فقال { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } قال : فقمت عند العقبة ، فناديت : يا أيها الناس من ينصرني على أن أبلغ رسالة ربي ولكم الجنة ، أيها الناس قولوا لا إله إلا الله ، وأنا رسول الله إليكم ، وتنجحوا ولكم الجنة . قال : فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبي إلا يرمون عليّ بالتراب والحجارة ، ويبصقون في وجهي ويقولون : كذاب صابئ ، فعرض عليّ عارض فقال : يا محمد ، إن كنت رسول الله فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ، وانصرني عليهم أن يجيبوني إلى طاعتك « ، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه ، قال : الأعمش فبذلك تفتخر بنو العباس ، ويقولون : فيهم نزلت
{ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } [ القصص : 56 ] هوى النبي صلى الله عليه وسلم أبا طالب ، وشاء الله عباس بن عبد المطلب . (3/419)
وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل وابن مردويه عن عائشة قالت : « كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت { والله يعصمك من الناس } فأخرج رأسه من القبة فقال : أيها الناس ، انصرفوا فقد عصمني الله » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : كان العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم فيمن يحرسه ، فلما نزلت { والله يعصمك من الناس } ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرس .
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه حتى نزلت { والله يعصمك من الناس } فذهب ليبعث معه فقال : يا عم ، إن الله قد عصمني حاجة لي إلى من تبعث » .
وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وأبو نعيم في الدلائل وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس قال « كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس ، وكان يرسل معه عمه أبو طالب كل يوم رجلاً من بني هاشم يحرسونه ، فقال : يا عم ، إن الله قد عصمني لا حاجة لي إلى من تبعث » .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أبي ذر قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينام إلا ونحن حوله من مخافة الغوائل ، حتى نزلت آية العصمة { والله يعصمك من الناس } » .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عصمة بن مالك الخطمي قال « كنا نحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل حتى نزلت { والله يعصمك من الناس } فترك الحرس » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال : « لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أنمار ، نزل ذات الرقاع بأعلى نخل ، فبينا هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه فقال غورث بن الحرث : لأقتلن محمداً فقال له أصحابه : كيف تقتله؟ قال : أقول له أعطيني سيفك فإذا أعطانيه قتلته به . فأتاه فقال : يا محمد ، اعطني سيفك أشمه ، فأعطاه إياه فرعدت يده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حال الله بينك وبين ما تريد ، فأنزل الله { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } الآية » .
وأخرج ابن حبان وابن مردويه عن أبي هريرة قال « كنا إذا صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر تركنا له أعظم دوحة وأظلها فينزل تحتها ، فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها ، فجاء رجل فأخذه فقال : يا محمد ، من يمنعك مني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله يمنعني منك ، ضع عنك السيف فوضعه ، فنزلت { والله يعصمك من الناس } » .
وأخرج أحمد عن جعدة بن خالد بن الصمة الجشمي قال : « أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل فقيل : هذا أراد أن يقتلك . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : الم ترع؟ . . ولو أردت ذلك لم يسلطك الله عليّ » . (3/420)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال : أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنه سيكفيه الناس ويعصمه منهم ، وأمره بالبلاغ ، وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قيل له : لو احتجت فقال : « والله لا يدع الله عقبي للناس ما صاحبتهم » .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال : « لما نزلت { يا أيها الرسول } إلى قوله { والله يعصمك من الناس } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تحرسوني إن ربي قد عصمني » .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عبد الله بن شقيق قال « إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعقبه ناس من أصحابه ، فلما نزلت { والله يعصمك من الناس } فخرج فقال : يا أيها الناس الحقوا بملاحقكم فإن الله قد عصمني من الناس » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يحرس يحارسه أصحابه حتى أنزل الله { والله يعصمك من الناس } فترك الحرس حين أخبره أنه سيعصمه من الناس » .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلاً اختار له أصحابه شجرة ظليلة فيقيل تحتها ، فأتاه اعرابي فاخترط سيفه ، ثم قال : من يمنعك مني؟ قال : الله ، فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف منه قال : وضرب برأسه الشجرة حتى انتثرت دماغه ، فأنزل الله { والله يعصمك من الناس } » .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال « كان النبي صلى الله عليه وسلم يهاب قريشاً ، فأنزل الله { والله يعصمك من الناس } فاستلقى ، ثم قال : من شاء فليخذلني مرتين أو ثلاثاً » .
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن الربيع بن أنس قال « كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرسه أصحابه حتى نزلت هذه الآية { يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك . . . } الآية . فخرج إليهم فقال : لا تحرسوني فإن الله قد عصمني من الناس » .
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70)
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : « جاء رافع بن حارثة ، وسلام بن مشكم ، ومالك بن الصيف ، ورافع بن حرملة ، قالوا : يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه ، وتؤمن بما عندنا من التوراة ، وتشهد أنها من حق الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم » بلى ، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق ، كتمتم منها ما أمرتم أن تبينوا للناس فبرئت من أحداثكم . قالوا : فإنا نأخذ مما في أيدينا فإنا على الهدى والحق ولا نؤمن بك ولا نتبعك ، فأنزل الله فيهم { قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل } إلى قوله { القوم الكافرين } « » . (3/421)
وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71)
وأخرج ابن جرير عن مجاهد { وحسبوا ألا تكون فتنة } قال : يهود . (3/422)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله { وحسبوا ألا تكون فتنة } قال : بلاء .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة { وحسبوا ألا تكون فتنة } قال : حسب القوم أن لا يكون بلاء { فعموا وصموا } قال : كلما عرض لهم بلاء ابتلوا به هلكوا فيه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي { وحسبوا ألا تكون فتنة } قال : حسبوا أن لا يبتلوا فعموا عن الحق .
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ ُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76)
أخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب قال : لما رفع الله عيسى ابن مريم اجتمع من علماء بني إسرائيل مائة رجل ، فقال بعضهم : أنتم كثير نتخوف الفرقة ، اخرجوا عشرة فاخرجوا عشرة ، ثم قالوا : أنتم كثير نتخوف الفرقة ، اخرجوا عشرة فاخرجوا عشرة ، ثم قالوا : أنتم كثير فاخرجوا عشرة فاخرجوا عشرة ، ثم قالوا : أنتم كثير فاخرجوا عشرة حتى بقي عشرة ، فقالوا : أنتم كثير حتى الآن فاخرجوا ستة وبقي أربعة ، فقال بعضهم : ما تقولون في عيسى؟ فقال رجل منهم : أتعلمون أنه لا يعلم الغيب إلا الله؟ قالوا : لا . فقال الرجل : هو الله كان في الأرض ما بدا له ، ثم صعد إلى السماء حين بدا له . وقال الآخر : قد عرفنا عيسى وعرفنا أمه هو ولده ، وقال الآخر : لا أقول كما تقولون ، قد كان عيسى يخبرنا أنه عبد الله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم ، فنقول كما قال لنفسه ، لقد خشيت أن تكونوا قلتم قولاً عظيماً . قال : فخرجوا على الناس فقالوا لرجل منهم : ماذا قلت؟ قال : قلت هو الله كان في الأرض ما بدا له ثم صعد إلى السماء حين بدا له . قال : فاتبعه عنق من الناس وهؤلاء النسطورية واليعقوبية ، ثم خرج الرابع فقالوا له : ماذا قلت؟ قال : قلت هو عبد الله روحه وكلمته ألقاها إلى مريم ، فاتبعه عنق من الناس فقال محمد بن كعب ، فكل قد ذكره الله في القرآن { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة . . . } الآية . ثم قرأ { وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً } [ النساء : 156 ] ثم قرأ { ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا } [ المائدة : 65 ] إلى قوله { منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون } [ المائدة : 66 ] قال محمد بن كعب : فهؤلاء أمة مقتصدة ، الذين قالوا : عيسى عبد الله وكلمته وروحه ألقاها إلى مريم . (3/423)
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } قال : النصارى يقولون : { إن الله ثالث ثلاثة } وكذبوا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : تفرق بنو إسرائيل ثلاث فرق في عيسى ، فقالت فرقة! هو الله . وقالت فرقة : هو ابن الله . وقالت فرقة : هو عبد الله وروحه ، وهي المقتصدة ، وهي مسلمة أهل الكتاب .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } قال : قالت النصارى : إن الله هو المسيح وأمه ، فذلك قوله { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } [ المائدة : 116 ] .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا عبد الله بن هلال الدمشقي ، حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال : قال أبو سليمان الداراني : يا أحمد - والله - ما حرك ألسنتهم بقولهم ثالث ثلاثة إلا هو ، ولو شاء الله لأخرس ألسنتهم .
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { لا تغلوا في دينكم } يقول : لا تبتدعوا . (3/424)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { لا تغلوا في دينكم } قال : الغلو فراق الحق ، وكان مما غلوا فيه أن دعوا لله صاحبة وولداً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال : قد كان قائم قام عليهم ، فأخذ بالكتاب والسنة زماناً ، فأتاه الشيطان فقال : إنما تركب اثراً وأمراً قد عمل به قبلك فلا تحمد عليه ، ولكن ابتدع أمراً من قبل نفسك وادع إليه واجبر الناس عليه ، ففعل ثم ادّكر من بعد فعله زماناً فاراد أن يموت ، فخلع سلطانه وملكه وأراد أن يتعبد ، فلبث في عبادته أياماً فأتي فقيل له : لو أنك تبت من خطيئة عملتها فيما بينك وبين ربك عسى أن يتاب عليك ، ولكن ضل فلان وفلان في سبيلك حتى فارقوا الدنيا وهم على الضلالة ، فكيف لك بهداهم؟ فلا توبة لك أبداً ، ففيه سمعنا وفي اشباهه هذه الآية { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً } فهم أولئك الذين ضلوا وأضلوا أتباعهم { وضلوا عن سواء السبيل } عن عدل السبيل . والله أعلم .
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)
أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال : كان الرجل يلقى الرجل فيقول له : ياهذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك ضرب الله على قلوب بعضهم ببعض . قال { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود } إلى قوله { فاسقون } ثم قال : كلا والله لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ، ولتأخذن على يدي الظالم ، ولتأطرنه على الحق اطراء . (3/425)
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن بني اسرئيل لما عملوا الخطيئة نهاهم علماؤهم تعزيراً ، ثم جالسوهم وآكلوهم وشاربوهم كأن لم يعملوا بالأمس خطيئة ، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ، ولعنهم على لسان نبي من الأنبياء ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله لتأمرن بالمعروف ، ولتنهن عن المنكر ، ولتأطرنهم على الحق أطراً ، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ، وليلعننكم كما لعنهم » .
وأخرج عبد بن حميد عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « خذوا العطاء ما كان عطاء ، فإذا كان رشوة عن دينكم فلا تأخذوه ، ولن تتركوه يمنعكم من ذلك الفقر والمخافة ، إن بني يأجوج قد جاؤوا ، وإن رحى الإسلام ستدور ، فحيث ما دار القرآن فدوروا به ، يوشك السلطان والقرآن أن يقتتلا ويتفرقا ، إنه سيكون عليكم ملوك يحكمون لكم بحكم ولهم بغيره ، فإن أطعتموهم أضلوكم ، وإن عصيتموهم قتلوكم ، قالوا : يا رسول الله فكيف بنا ان أدركنا ذلك؟ قال : تكونون كأصحاب عيسى ، نشروا بالمناشير ، ورفعوا على الخشب ، موت في طاعة خير من حياة في معصية ، إن أول ماكان نقص في بني إسرائيل أنهم كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر شبه التعزير ، فكان أحدهم إذا لقي صاحبه الذي كان يعيب عليه آكله وشاربه كأنه لم يعب عليه شيئاً ، فلعنهم الله على لسان داود ، وذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ، والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ، أو ليسلطنَّ الله عليكم شراركم ، ثم ليدعون خياركم فلا يستجاب لكم ، والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ، ولتنهن عن المنكر ، ولتأخذن على يد الظالم فلتأطرنه عليه اطراً ، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض » .
وأخرج ابن راهويه والبخاري في الوحدانيات وابن السكن وابن منده والباوردي في معرفة الصحابة والطبراني وأبو نعيم وابن مردويه عن ابن أبزى عن أبيه قال
« خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر طوائف من المسلمين فأثنى عليهم خيراً ، ثم قال : ما بال أقوام لا يعلمون جيرانهم ولا يفقهونهم ولا يفطنونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم ، وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتفطنون ، والذي نفسي بيده ليعلمن جيرانه أو ليتفقهن أو ليفطنن ، أو لأعاجلنهم بالعقوبة في دار الدنيا ، ثم نزل فدخل بيته . فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يعني بهذا الكلام؟! قالوا : ما نعلم يعني بهذا الكلام إلا الأشعريين ، فقهاء علماء ، ولهم جيران من أهل المياه جفاة جهلة ، فاجتمع جماعة من الأشعريين فدخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ذكرت طوائف من المسلمين بخير وذكرتنا بشر ، فما بالنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لتعلمن جيرانكم ولتفقهنهم ولتأمرنهم ولتنهونهم ، أو لأعاجلنكم بالعقوبة في دار الدنيا ، فقالوا : يا رسول الله ، فاما إذن فامهلنا سنة ، ففي سنة ما نعلمه ويتعلمون ، فامهلهم سنة ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون } » . (3/426)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لُعِن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود } يعني في الزبور { وعيسى } يعني في الإنجيل .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لعن الذين كفروا . . . } الآية . قال : لعنوا بكل لسان ، لعنوا على عهد محمد في القرآن .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس { لعن الذين كفروا . . . } الآية . خالطوهم بعد النهي على تجارهم ، فضرب الله قلوب بعضهم على بعض ، وهم ملعونون على لسان داود وعيسى ابن مريم .
وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك الغفاري في الآية قال : لعنوا على لسان داود فجُعلوا قردة ، وعلى لسان عيسى فجُعِلوا خنازير .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد . مثله .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال : لعنهم الله على لسان داود في زمانهم ، فجعلهم قردة خاسئين ، ولعنهم في الإنجيل على لسان عيسى فجعلهم خنازير .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } ماذا كان بعضهم؟ قالوا { لا يتناهون عن منكر فعلوه } .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي عمرو بن حماس أن ابن الزبير قال لكعب : هل لله من علامة في العباد إذا سخط عليهم؟ قال : نعم ، يذلهم فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ، وفي القرآن { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل .
. . } الآية . (3/427)
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعاً « قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أوّل النهار ، فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عبادهم ، فأمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر ، فقتلوا جميعاً في آخر النهار ، فهم الذين ذكر الله { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل . . . } الآيات » .
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والبيهقي عن حذيفة بن اليمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، أو ليوشكن أن يبعث الله عليكم عقاباً من عنده ، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم » .
وأخرج ابن ماجة عن عائشة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم » .
وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان » .
وأخرج أحمد عن عدي بن عميرة . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة ، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه ، فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة » .
وأخرج الخطيب في رواة مالك من طريق أبي سلمة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه ، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة » .
وأخرج الخطيب في رواية مالك من طريق أبي سلمة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « والذي نفس محمد بيده ، ليخرجن من أمتي اناس من قبورهم في صورة القردة والخنازير ، داهنوا أهل المعاصي ، سكتوا عن نهيهم وهم يستطيعون » .
وأخرج الحكيم والترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا عظمت أمتي الدنيا نزعت منها هيبة الإسلام ، واذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بَرَكة الوحي ، وإذا تسابَّت امتي سقطت من عين الله » .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال « قيل يا رسول الله ، أتهلك القرية فيهم الصالحون؟ قال : نعم . فقيل يا رسول الله . . . ؟! قال : تهاونهم وسكوتهم عن معاصي الله عز وجل » .
وأخرج الطبراني عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن من كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل العامل فيهم الخطيئة فنهاه الناهي تعزيراً ، فإذا كان من الغد جالسه وآكله وشاربه كأنه لم يره على خطيئة بالأمس ، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ، ولتنهن عن المنكر ، ولتأخذن على يد المسيء ، ولتأطرنه على الحق اطراً ، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ، ويلعنكم كما لعنهم » .
وأخرج الديلمي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا استغنى النساء بالنساء ، والرجال بالرجال ، فبشروهم بريح حمراء تخرج من قبل المشرق ، فينسخ ببعضهم ، ويخسف ببعض { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } » .
تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80)
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { لبئس ما قدمت لهم أنفسهم } قال : ما أمرتهم . (3/428)
وأخرج ابن أبي حاتم والخرائطي في مساوئ الأخلاق وابن مردويه والبيهقي في الشعب وضعفه عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « يا معشر المسلمين ، إياكم والزنا ، فإن فيه ست خصال : ثلاث في الدنيا ، وثلاث في الآخرة ، فاما التي في الدنيا قد طاب إليها ، ودوام الفقر ، وقصر العمر ، وأما التي في الآخرة فسخط الله ، وطول الحساب ، والخلود في النار ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { لبئس ما قدَّمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم الخالدون } » .
وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء } الآية . (3/429)
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86)
أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بقتله ، » وفي لفظ : « إلا حدَّث نفسه بقتله » . (3/430)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى } قال : هم الوفد الذين جاؤوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال : ما ذكر الله به النصارى قال : هم ناس من الحبشة آمنوا إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين ، فذلك لهم .
وأخرج النسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال : نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع } .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والواحدي من طريق ابن شهاب قال : أخبرني سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعروة بن الزبير قالوا « بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري ، وكتب معه كتاباً إلى النجاشي ، فقدم على النجاشي ، فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه ، وأرسل النجاشي إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم ، ثم أمر جعفر بن أبي طالب أن يقرأ عليهم القرآن ، فقرأ عليهم سورة مريم ، فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع ، وهم الذين أنزل فيهم { ولتجدن أقربهم مودة } إلى قوله { مع الشاهدين } .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعيد بن جبير في قوله { ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً } قال : هم رسل النجاشي الذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه ، كانوا سبعين رجلاً اختارهم من قومه الخيِّر الخيِّر ، فالخير في الفقه والسن ، وفي لفظ : بعث من خيار أصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين رجلاً ، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا عليه ، فقرأ عليهم سورة يس ، فبكوا حين سمعوا القرآن ، وعرفوا أنه الحق ، فأنزل الله فيهم { ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً . . } الآية . ونزلت هذه الآية فيهم أيضاً { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون } [ القصص : 52 ] إلى قوله { أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا } [ القصص : 54 ] .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ » عن عروة قال : كانوا يرون أن هذه الآية نزلت في النجاشي { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول } قال : إنهم كانوا برايين يعني ملاحين ، قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة ، فلما قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن آمنوا وفاضت أعينهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا رجعتم إلى أرضكم انقلبتم عن دينكم ، فقالوا لن ننقلب عن ديننا ، فأنزل الله ذلك من قولهم { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول } » « .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال « ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في الذين أقبلوا مع جعفر من أرض الحبشة ، وكان جعفر لحق بالحبشة هو وأربعون معه من قريش ، وخمسون من الأشعريين ، منهم أربعة من عك ، أكبرهم أبو عامر الأشعري وأصغرهم عامر ، فذكر لنا أن قريشاً بعثوا في طلبهم عمرو بن العاص ، وعمارة بن الوليد ، فأتوا النجاشي فقالوا : إن هؤلاء قد أفسدوا دين قومهم ، فأرسل اليهم فجاؤوا فسألهم ، فقالوا : بعث الله فينا نبياً كما بعث في الأمم قبلنا يدعوننا إلى الله وحده ، ويأمرنا بالمعروف وينهانا عن المنكر ، ويأمرنا بالصلة ، وينهانا عن القطيعة ، ويأمرنا بالوفاء ، وينهانا عن النكث ، وإن قومنا بغوا علينا ، وأخرجونا حين صدقناه وآمنا به ، فلم نجد أحد نلجأ اليه غيرك فقال : معروفاً . فقال عمرو وصاحبه : إنهم يقولون في عيسى غير الذي تقول . قال : وما تقولون في عيسى؟ قالوا : نشهد أنه عبد الله ورسوله ، وكلمته وروحه ، ولدته عذراء بتول . قال : ما أخطأتم ، ثم قال لعمرو وصاحبه : لولا أنكما أقبلتما في جواري لفعلت بكما ، وذكر لنا أن جعفر وأصحابه إذ أقبلوا جاء أولئك معهم فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم . قال قائل : لو قد رجعوا إلى أرضهم لحقوا بدينهم ، فحدثنا أنه قدم مع جعفر سبعون منهم ، فلما قرأ عليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فاضت أعينهم » . (3/431)
وأخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم عن السدي قال « بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إثنا عشر رجلاً ، سبعة قسيسين وخمسة رهباناً ، ينظرون إليه ويسألونه ، فلما لقوه قرأ عليهم ما أنزل الله بكوا وآمنوا ، وأنزل الله فيهم { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول } الآية » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة يخاف على أصحابه من المشركين ، فبعث جعفر بن أبي طالب ، وابن مسعود ، وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة ، فلما بلغ المشركين بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم ، وذكروا أنهم سبقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ، فقالوا : إنه قد خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها ، زعم أنه نبي وأنه بعث إليك رهطاً ليفسدوا عليك قومك ، فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم . قال : إن جاؤوني نظرت فيما يقولون ، فلما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتوا إلى باب النجاشي فقالوا : استأذن لأولياء الله؟ فقال : ائذن لهم فمرحباً بأولياء الله ، فلما دخلوا عليه سلموا فقال الرهط من المشركين : ألم تر أيها الملك انا صدقناك وانهم لم يحيوك بتحيتك التي تحيى بها؟ .
. . فقال لهم : ما يمنعكم أن تحيوني بتحيتي؟ قالوا : إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة . فقال لهم : ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ قالوا : يقول عبدالله ورسوله ، وكلمة من الله ، وروح منه ألقاها إلى مريم ، ويقول في مريم : إنها العذراء الطيبة البتول . قال : فأخذ عوداً من الأرض فقال : ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم هذا العود ، فكره المشركون قوله وتغير لون وجوههم ، فقال : هل تقرأون شيئاً مما أنزل عليكم؟ قالوا : نعم . قال : فاقرأوا وحوله القسيسون والرهبان وسائر النصارى ، فجعلت طائفة من القسيسسن والرهبان كلما قرأوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق . قال الله { ذلك بأن منهم قسيسيين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون ، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق } « . (3/432)
وأخرج الطبراني عن سلمان في إسلامه قال » لما قدم النبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة صنعت طعاماً ، فجئت به فقال : ما هذا؟ قلت : صدقة . فقال لأصحابه : كلوا ولم يأكل ، ثم إني رجعت حتى جمعت طعاماً فأتيته به فقال : ما هذا؟ قلت : هدية . فأكل وقال لأصحابه : كلوا . قلت يا رسول الله ، أخبرني عن النصارى؟ قال : لا خير فيهم ولا فيمن أحبهم ، فقمت وأنا مثقل ، فأنزل الله { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود } حتى بلغ { تفيض من الدمع } فأرسل إلىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي : يا سلمان ، إن أصحابك هؤلاء الذين ذكر الله « .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { ولتجدن أقربهم مودة . . . } الآية . قال : أناس من أهل الكتاب ، كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى يؤمنون به وينتهون إليه ، فلما بعث الله محمداً صدقوه وآمنوا به وعرفوا ما جاء به من الحق أنه من الله ، فأثنى عليهم بما تسمعون .
وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن أبي شيبة في مسنده وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والحارث بن أسامة في مسنده والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبزار وابن الأنباري في المصاحف وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن سلمان » أنه سئل عن قوله { ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً } قال : الرهبان الذين في الصوامع ، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { ذلك بأن منهم صديقين ورهباناً } ولفظ البزار دع القسيسين؛ أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم { ذلك بأن منهم صديقين } ولفظ الحكيم الترمذي : قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم { ذلك بأن منهم قسيسين } فأقرأني { ذلك بأن منهم صديقين } .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن سلمان قال : كنت يتيماً من رامهرمز ، وكان ابن دهقان رامهرمز يختلف إلى معلم يعلمه ، فلزمته لأكون في كنفه وكان لي أخ أكبر مني ، وكان مستغنياً في نفسه ، وكنت غلاماً فقيراً ، فكان إذا قام من مجلسه تفرق من يحفظه ، فإذا تفرقوا خرج ، فتقنع بثوبه ثم صعد الجبل ، فكان يفعل ذلك غير مرة متنكراً قال : فقلت أما أنك تفعل كذا وكذا ، فلم لا تذهب بي معك؟ قال : أنت غلام وأخاف أن يظهر منك شيء . قال : قلت لا تخف . قال : فإن في هذا الجبل قوماً في برطيل لهم عبادة وصلاح ، يذكرون الله عز وجل ويذكرون الآخرة ، يزعمون أنا عبدة النيران وعبدة الأوثان ، وأنا على غير دين . قلت : فاذهب بي معك إليهم . قال : لا أقدر على ذلك حتى أستأمرهم ، وأنا أخاف أن يظهر منك شيء فيعلم أبي فيقتل القوم فيجري هلاكهم على يدي . قال : قلت لن يظهر مني ذلك ، فاستأمرهم فقال : غلام عندي يتيم فأحب أن يأتيكم ويسمع كلامكم ، قالوا : إن كنت تثق به . قال : أرجو أن لا يجيء منه إلا ما أحب . (3/433)
قالوا : فجيء به . فقال لي : قد استأذنت القوم أن تجيء معي ، فإذا كانت الساعة التي رأيتني أخرج فيها فأتني ولا يعلم بك أحد ، فإن أبي إن علم قتلهم . قال : فلما كانت الساعة التي يخرج تبعته ، فصعد الجبل فانتهينا إليهم فإذا هم في برطيلهم . قال : علي . وأراه قال : هم ستة أو سبعة . قال : وكانت الروح قد خرجت منهم من العبادة ، يصومون النهار ويقومون الليل ، يأكلون الشجر وما وجدوا ، فقعدنا إليهم فأثنى ابن الدهقان عليَّ خيراً ، فتكلموا فحمدوا الله وأثنوا عليه ، وذكروا من مضى من الرسل والأنبياء حتى خلصوا إلى عيسى ابن مريم ، قالوا : بعثه الله وولده بغير ذكر ، بعثه الله رسوله ، وسخر له ما كان يفعل من إحياء الموتى ، وخلق الطير ، وابراء الأعمى والأبرص ، فكفر به قوم وتبعه قوم . وإنما كان عبد الله ورسوله ابتلى به خلقه . قال : وقالوا قبل ذلك : يا غلام ، إن لك رباً ، وإن لك معاداً ، وإن بين يديك جنة وناراً إليها تصير ، وإن هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهل كفر وضلالة لا يرضى الله بما يصنعون وليسوا على دين ، فلما حضرت الساعة التي ينصرف فيها الغلام انصرف وانصرفت معه ، ثم غدونا إليهم فقالوا مثل ذلك وأحسن ، فلزمتهم فقالوا : يا غلام ، إنك غلام ، وإنك لا تستطيع أن تصنع كما نصنع ، فكل واشرب وصل ونم .
قال : فاطلع الملك على صنيع ابنه ، فركب الخيل حتى أتاهم في برطيلهم ، فقال : ياهؤلاء ، قد جاورتموني فأحسنت جواركم ولم تروا مني سوءاً ، فعمدتم إلى ابني فافسدتموه عليَّ ، قد أجلتكم ثلاثاً ، فإن قدرت عليكم بعد ثلاث أحرقت عليكم برطيلكم هذا فالحقوا ببلادكم ، فإني أكره أن يكون مني إليكم سوء .
قالوا : نعم ، ما تعمدنا اساءتك ، ولا أردنا إلا الخير ، فكفَّ ابنه عن إتيانهم فقلت له : اتق الله ، فإنك تعرف أن هذا الدين دين الله ، وإن أباك ونحن على غير دين ، إنما هم عبدة النيران لا يعرفون الله ، فلا تبع آخرتك بدنيا غيرك . قال : يا سلمان ، هو كما تقول ، وإنما أتخلف عن القوم بقيا عليهم ان اتبعت القوم يطلبني أبي في الخيل ، وقد جزع من إتياني إياهم حتى طردهم ، وقد أعرف أن الحق في أيديهم . قلت : أنت أعلم ، ثم لقيت أخي فعرضت عليه فقال : أنا مشتغل بنفسي وطلب المعيشة ، فأتيتهم في اليوم الذي أرادوا أن يرتحلوا فيه فقالوا : يا سلمان ، قد كنا نحذر ، فكان ما رأيت ، اتق الله واعلم أن الدين ما أوصيناك به ، وإن هؤلاء عبدة النيران لا يعرفون الله ولا يذكرونه ، فلا يخدعنَّك أحد عن ذلك . قلت : ما أنا بمفارقكم . (3/434)
قالوا : إنك لا تقدر على أن تكون معنا ، نحن نصوم النهار ونقوم الليل ونأكل الشجر وما أصبنا ، وأنت لا تستطيع ذلك . قال : قلت : لا أفارقكم . قالوا : أنت أعلم قد أعلمناك حالنا فإذا أبيت فاطلب أحداً يكون معك ، واحمل معك شيئاً تأكله لا تستطيع ما نستطيع نحن . قال : ففعلت ، فلقيت أخي فعرضت عليه فأبى ، فأتيتهم فتحمَّلوا فكانوا يمشون وأمشي معهم ، فرزقنا الله السلامة حتى أتينا الموصل ، فأتينا بيعه بالموصل ، فلما دخلوا حفوا بهم وقالوا : أين كنتم؟ قالوا : كنا في بلاد لا يذكرون الله ، بها عبّاد نيران فطردونا فقدمنا عليكم ، فلما كان بعد قالوا : يا سلمان ، إن ههنا قوماً في هذه الجبال هم أهل دين وإنا نريد لقاءهم ، فكن أنت ههنا مع هؤلاء فإنهم أهل دين ، وسترى منهم ما تحب ، قلت : ما أنا بمفارقكم . قال : وأوصوا بي أهل البيعة فقال أهل دين البيعة : أقم معنا فإنه لا يعجزك شيء يسعنا . قلت : ما أنا بمفارقكم .
فخرجوا وأنا معهم ، فأصبحنا بين جبال ، فإذا صخرة وماء كثير في جرار وخبز كثير ، فقعدنا عند الصخرة ، فلما طلعت الشمس خرجوا من بين تلك الجبال ، يخرج رجل رجل من مكانه كأن الأرواح انتزعت منهم حتى كثروا ، فرحبوا بهم وحفوا وقالوا : أين كنتم لم نركم؟ قالوا : كنا في بلاد لا يذكرون اسم الله فيها عبدة النيران ، وكنا نعبد الله فيها فطردونا ، فقالوا : ما هذا الغلام؟ قال : فطفقوا يثنون عليَّ ، وقالوا : صحبنا من تلك البلاد فلم نرَ منه إلا خيراً . قال : فوالله إنهم لكذا إذ طلع عليهم رجل من كهف رجل طويل ، فجاء حتى سلم وجلس ، فحف به أصحابي الذين كنت معهم وعظموه ، وأحدقوا به فقال لهم : أين كنتم؟ فأخبروه فقال : وما هذا الغلام معكم؟ فأثنوا عليَّ خيراً ، وأخبروه باتباعي إياهم ، ولم أرَ مثل إعظامهم إياه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم ذكر من أرسل من رسله وأنبيائه ، وما لقوا وما صنع بهم حتى ذكر مولد عيسى بن مريم ، وأنه ولد بغير ذكر ، فبعثه الله رسولاً ، وأجرى على يديه إحياء الموتى وإبراء الأعمى والأبرص ، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله ، وأنزل عليه الإنجيل وعلمه التوراة ، وبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل ، فكفر به قوم وآمن به قوم ، وذكر بعض ما لقي عيسى ابن مريم ، وأنه كان عبداً أنعم الله عليه ، فشكر ذلك له ورضي عنه حتى قبضه الله ، وهو يعظمهم ويقول : اتقوا الله والزموا ما جاء عيسى به ، ولا تخالفوا فيخالف بكم ، ثم قال : من أراد أن يأخذ من هذا شيئاً فليأخذ .
فجعل الرجل يقوم فيأخذ الجرة من الماء والطعام والشيء ، وقام إليه أصحابي الذين جئت معهم فسلموا عليه وعظموه ، فقال لهم : الزموا هذا الدين وإياكم أن تفرقوا واستوصوا بهذا الغلام خيراً ، وقال لي : يا غلام ، هذا دين الله الذي ليس له دين فوقه وما سواه هو الكفر . (3/435)
قال : قلت : ما أفارقك . قال : إنك لن تستطيع أن تكون معي ، إني لا أخرج من كهفي هذا إلا كل يوم أحد ، لا تقدر على الكينونة معي . قال : وأقبل على أصحابه فقالوا : يا غلام ، إنك لا تستطيع أن تكون معه . قلت : ما أنا بمفارقك . قال : يا غلام ، فإني أعلمك الآن ، إني أدخل هذا الكهف ولا أخرج منه إلى الأحد الآخر ، وأنت أعلم . قلت : ما أنا بمفارقك . قال له أصحابه : يا فلان ، هذا غلام ونخاف عليه . قال : قال لي : أنت أعلم . قلت : إني لا أفارقك . فبكى أصحابي الأوّلون الذين كنت معهم عند فراقهم إياي . فقال : خذ من هذا الطعام ما ترى أنه يكفيك إلى الأحد الآخر ، وخذ من هذا الماء ما تكتفي به ففعلت ، وتفرقوا وذهب كل إنسان إلى مكانه الذي يكون فيه ، وتبعته حتى دخل الكهف في الجبل فقال : ضع ما معك وكل واشرب ، وقام يصلي ، فقمت معه أصلي قال : وانفتل إلي فقال : إنك لا تستطيع هذا ، ولكن صل ونم ، وكل واشرب ، ففعلت فما رأيته لا نائماً ولا طاعماً إلا راكعاً وساجداً إلى الأحد الآخر .
فلما أصبحنا قال : خذ جرتك هذه وانطلق ، فخرجت معه أتبعه حتى انتهينا إلى الصخرة ، وإذا هم قد خرجوا من تلك الجبال ، واجتمعوا إلى الصخرة ينتظرون خروجه ، فقعدوا وجاد في حديثه نحو المرة الأولى . فقال : الزموا هذا الدين ولا تفرقوا ، واتقوا الله واعلموا أن عيسى ابن مريم كان عبد الله أنعم الله عليه ، ثم ذكروني فقالوا : يا فلان ، كيف وجدت هذا الغلام؟ فأثنى علي وقال : خيراً .
فحمدوا الله ، فإذا خبز كثير وماء ، فأخذوا وجعل الرجل يأخذ بقدر ما يكتفي به ففعلت ، وتفرقوا في تلك الجبال ورجع إلى كهفه ورجعت معه . (3/436)
فلبث ما شاء الله ، يخرج في كل يوم أحد ويخرجون معه ، ويوصيهم بما كان يوصيهم به ، فخرج في أحد ، فلما اجتمعوا حمد الله ووعظهم وقال مثل ما كان يقول لهم ، ثم قال لهم آخر ذلك : يا هؤلاء ، إني قد كبرت سني ، ورق عظمي ، واقترب أجلي ، وأنه لا عهد لي بهذا البيت منذ كذا وكذا ، ولا بد لي من إتيانه ، فاستوصوا بهذا الغلام خيراً ، وإني رأيته لا بأس به ، قال : فجزع القوم فما رأيت مثل جزعهم ، وقالوا : يا أبا فلان ، أنت كبير وأنت وحدك ، ولا نأمن أن يصيبك الشيء ولسنا أحوج ما كنا إليك . قال : لا تراجعوني لا بد لي من إتيانه ولكن استوصوا بهذا الغلام خيراً وافعلوا وافعلوا . قال : قلت : ما أنا بمفارقك . قال : يا سلمان ، قد رأيت حالي وما كنت عليه وليس هذا لك ، إنما أمشي أصوم النهار وأقوم الليل ، ولا أستطيع أن أحمل معي زاداً ولا غيره ولا تقدر على هذا . قال : قلت : ما أنا بمفارقك . قال : أنت أعلم قالوا : يا أبا فلان ، إنا نخاف عليك وعلى هذا الغلام . قال : هو أعلم قد أعلمته الحالة ، وقد رأى ما كان قبل هذا . قلت : لا أفارقك . فبكوا وودعوه وقال لهم : اتقوا الله وكونوا على ما أوصيتكم به ، فإن أعش فلعلي أرجع إليكم ، وإن أمت فإن الله حي لا يموت ، فسلم عليهم وخرج وخرجت معه ، وقال لي : احمل معك من هذا الخبز شيئاً تأكله .
فخرج وخرجت معه يمشي واتبعه ، يذكر الله ، ولا يلتفت ولا يقف على شيء حتى إذ أمسى قال : يا سلمان صل أنت ونم ، وكل واشرب ، ثم قام هو يصلي إلى أن انتهى إلى بيت المقدس ، وكان لا يرفع طرفه إلى السماء حتى انتهينا إلى بيت المقدس ، وإذا على الباب مقعد قال : يا عبد الله ، قد ترى حالي فتصدق عليَّ بشيء ، فلم يلتفت إليه ودخل المسجد ودخلت معه ، فجعل يتتبع أمكنة من المسجد يصلي فيها ، ثم قال : يا سلمان ، إني لم أنم منذ كذا وكذا ولم أجد طعم نوم ، فإن أنت جعلت لي أن توقظني إذا بلغ الظل مكان كذا وكذا نمت ، فاني أحب أن أنام في هذا المسجد وإلا لم أنم . قال : قلت : فإني أفعل . قال : فانظر إذا بلغ الظل مكان كذا وكذا فأيقظني إذا غلبتني عيني ، فنام فقلت في نفسي : هذا لم ينم منذ كذا وكذا وقد رأيت بعض ذلك ، لأدعنه ينام حتى يشتفي من النوم .
وكان فيما يمشي وأنا معه يقبل عليَّ فيعظني ، ويخبرني أن لي رباً وأن بين يديه جنة وناراً وحساباً ، ويعلمني بذلك ويذكرني نحو ما كان يذكر القوم يوم الأحد حتى قال فيما يقول لي : يا سلمان ، الله تعالى سوف يبعث رسولاً اسمه أحمد يخرج بتهامة - وكان رجلاً أعجمياً لا يحسن أن يقول تهامة ولا محمد - علامته أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ، بين كتفيه خاتم ، وهذا زمانه الذي يخرج فيه قد تقارب ، فأما أنا فإني شيخ كبير ولا أحسبني أدركه ، فإن أدركته أنت فصدقه واتبعه .
قلت : وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه؟ قال : وإن أمرك فإن الحق فيما يجيء به ، ورضا الرحمن فيما قال . (3/437)
فلم يمض إلا يسير حتى استيقظ فزعاً يذكر الله تعالى فقال : يا سلمان ، مضى الفيء من هذا المكان ولم أذكر الله ، أين ما جعلت لي على نفسك؟ قال : قلت : أخبرتني أنك لم تنم منذ كذا وكذا ، وقد رأيت بعض ذلك فأحببت أن تشتفي من النوم فحمد الله ، فقام وخرج فتبعته فقال المقعد : يا عبد الله ، دخلت فسألتك فلم تعطني ، وخرجت فسألتك فلم تعطني ، فقام ينظر هل يرى أحداً فلم يره ، فدنا منه فقال : ناولني يدك ، فناوله فقال : قم بسم الله ، فقام كأنه نشط من عقال صحيحاً لا عيب فيه ، فخلى عن يده ، فانطلق ذاهباً فكان لا يلوي على أحد ولا يقوم عليه ، فقال لي المقعد : يا غلام ، أحمل على ثيابي حتى أنطلق وأبشر أهلي ، فحملت عليه ثيابه وانطلق لا يلوي عليَّ .
فخرجت في أثره أطلبه ، وكلما سألت عنه قالوا : أمامك . حتى لقيني الركب من كلب فسألتهم ، فلما سمعوا لغتي أناخ رجل منهم بعيره فحملني ، فجعلني خلفه حتى بلغوا بي بلادهم قال : فباعوني فاشترتني امرأة من الأنصار فجعلتني في حائط لها ، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُخبرت به ، فأخذت شيئاً من تمر حائطي فجعلته على شيء ، ثم أتيته فوجدت عنده أناساً ، وإذا أبو بكر أقرب القوم منه ، فوضعته بين يديه فقال : ما هذا؟ قلت صدقة . فقال للقوم : كلوا ولم يأكل هو ، ثم لبثت ما شاء الله ، ثم أخذت مثل ذلك فجعلته على شيء ، ثم أتيته به فوجدت عنده أناساً ، وإذا أبو بكر أقرب القوم منه ، فوضعته بين يديه فقال : ما هذا؟ قلت : هدية . قال : بسم الله ، فأكل وأكل القوم ، قال : قلت : في نفسي هذه من آياته ، كان صاحبي رجلاً أعجمياً لم يحسن أن يقول تهامة قال تهمة ، وقال أحمد فدرت خلفه ففطن بي فأرخى ثوبه فإذا الخاتم في ناحية كتفه الايسر ، فتبينته ثم درت حتى جلست بين يديه فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله .
قال : من أنت؟ قلت : مملوك ، فحدثته بحديثي وحديث الرجل الذي كنت معه وما أمرني به ، قال : لمن أنت؟ قلت : لامرأة من الأنصار جعلتني في حائط لها .
قال : يا أبا بكر ، قال : لبيك . . . قال : اشتره . قال : فاشتراني أبو بكر فاعتقني ، فلبثت ما شاء الله أن ألبث ، ثم أتيته فسلمت عليه وقعدت بين يديه ، فقلت : يا رسول الله ، ما تقول في دين النصارى؟ قال : لا خير فيهم ولا في دينهم ، فدخلني أمر عظيم فقلت في نفسي : هذا الذي كنت معه ورأيت منه ما رأيت ، أخذ بيد المقعد فأقامه الله على يديه ، لا خير في هؤلاء ولا في دينهم ، فانصرفت وفي نفسي ما شاء الله ، فأنزل الله بعد على النبي صلى الله عليه وسلم { ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون } إلى آخر الآية . (3/438)
فقال النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ بسلمان ، فأتاني الرسول فدعاني وأنا خائف ، فجئت حتى قعدت بين يديه ، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم { ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون } إلى آخر الآية . فقال : يا سلمان ، أولئك الذين كنت معهم وصاحبك لم يكونوا نصارى إنما كانوا مسلمين ، فقلت : يا رسول الله ، فوالذي بعثك بالحق لقد أمرني باتباعك . فقلت له : وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه ، فأتركه؟ قال : نعم ، فاتركه فإن الحق وما يحب الله فيما يأمرك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { قسيسين } قال : علماؤهم .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : القسيسون . عبادهم .
وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق قال : سألت الزهري عن هذه الآية { ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون } وقوله { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً } [ الفرقان : 63 ] قال : ما زلت أسمع علماءنا يقولون : نزلت في النجاشي وأصحابه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله { فاكتبنا مع الشاهدين } قال : أمة محمد صلى الله عليه وسلم . وفي لفظ : قال : يعنون بالشاهدين محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته ، أنهم قد شهدوا له أنه قد بلِّغ ، وشهدوا للمرسلين أنهم قد بلغوا .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين } قال : القوم الصالحون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)
أخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عدي في الكامل والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس « أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إني إذا أكلت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي ، وإني حرمت عليّ اللحم ، فنزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } » . (3/439)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه « عن ابن عباس في قوله { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } قال : نزلت هذه الآية في رهط من الصحابة قالوا : نقطع مذاكيرنا ونترك شهوات الدنيا ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك فقالوا : نعم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لكني أصوم أفطر ، وأصلي وأنام ، وأنكح النساء ، فمن أخذ بسنتي فهو مني ، ومن لم يأخذ بسنَّتي فليس مني » .
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في مراسيله وابن جرير عن أبي مالك في قوله { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } قال : نزلت في عثمان بن مظعون وأصحابه ، كانوا حرموا على أنفسهم كثيراً من الشهوات والنساء ، وهمَّ بعضهم أن يقطع ذكره ، فنزلت هذه الآية .
وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة « أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر؟ فقال بعضهم : لا آكل اللحم ، وقال بعضهم : لا أتزوّج النساء ، وقال بعضهم لا أنام على فراش ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما بال أَقوام يقول أحدهم كذا وكذا ، لكني أصوم وأفطر ، وأنام وأقوم ، وآكل اللحم ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني » .
وأخرج البخاري ومسلم وابن أبي شيبة والنسائي وابن أبي حاتم وابن حبان والبيهقي في سننه وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود قال كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا نساء ، فقلنا ألا نستخصي؟ فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، ورخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ، ثم قرأ عبد الله { يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال : كان أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم همُّوا بالخصاء ، وترك اللحم والنساء ، فنزلت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة ، أن عثمان بن مظعون في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، قال بعضهم : لا آكل اللحم ، وقال الآخر : لا أنام على فراش ، وقال الآخر : لا أتزوج النساء ، وقال الآخر : أصوم ولا أفطر ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم .
. . } الآية . (3/440)
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي في قوله { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } قال : كانوا حرموا الطيب واللحم ، فأنزل الله هذا فيهم .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن أبي قلابة قال « أراد أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفضوا الدنيا ، ويتركوا النساء ويترهَّبوا ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فغلظ فيهم المقاتلة ، ثم قال : إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد ، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع ، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، وحجوا واعتمروا واستقيموا يستقم بكم . قال : ونزلت فيهم { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم . . . } الآية » .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } قال : نزلت في أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أرادوا أن يتخلوا من الدنيا ويتركوا النساء وتزهَّدوا ، منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم . . . } الآية . قال « ذكر لنا أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رفضوا النساء واللحم ، وأرادوا أن يتخذوا الصوامع ، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ليس في ديني ترك النساء واللحم ، ولا اتخاذ الصوامع ، » وخبرنا أن « ثلاثة نفر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفقوا فقال أحدهم أما أنا فأقوم الليل لا أنام ، وقال أحدهم : أما أنا فأصوم النهار فلا أفطر ، وقال الآخر : أما أنا فلا آتي النساء ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال : ألم أنبأ إنكم اتفقتم على كذا وكذا؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، وما أردنا إلا الخير . قال : لكني أقوم وأنام ، وأصوم وأفطر ، وآتي النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ، » وكان في بعض القراءة في الحرف الأول : من رغب عن سنتك فليس من أمتك ، وقد ضل سواء السبيل .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي عبد الرحمن قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم « لا آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً » .
وأخرج ابن أبي جرير عن السدي قال « إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوماً فذكر الناس ، ثم قام ولم يزدهم على التخويف ، فقال ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا عشرة ، منهم علي بن أبي طالب ، وعثمان بن مظعون : ما حقنا أن لم نحدث عملاً ، فإن النصارى قد حرَّموا على أنفسهم فنحن نحرم ، فحرم بعضهم أكل اللحم والودك وأن يأكل منها ، وحرم بعضهم النوم ، وحرم بعضهم النساء ، فكان عثمان بن مظعون ممن حرم النساء ، وكان لا يدنو من أهله ولا يدنون منه ، فأتت امرأته عائشة - وكان يقال لها الحولاء - فقالت لها عائشة ومن حولها من نساء النبي صلى الله عليه وسلم : ما بالك يا حولاء متغيرة اللون لا تمتشطين ولا تتطيبين؟! فقالت : وكيف أتطيب وأمتشط وما وقع عليَّ زوجي ولا رفع عني ثوباً منذ كذا وكذا ، فجعلن يضحكن من كلامها ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن يضحكن ، فقال : ما يضحككن؟ قالت : يا رسول الله ، الحولاء سألتها عن أمرها فقالت : ما رفع عني زوجي ثوباً منذ كذا وكذا ، فأرسل إليه فدعاه فقال : ما بالك يا عثمان؟ ، قال : إني تركته لله لكي أتخلى للعبادة ، وقصَّ عليه أمره ، وكان عثمان قد أراد أن يجب نفسه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقسمت عليك إلا رجعت فواقعت أهلك ، فقال : يا رسول الله إني صائم! قال : أفطر . قال : فأفطر وأتى أهله ، فرجعت الحولاء إلى عائشة قد اكتحلت وامتشطت وتطيبت ، فضحكت عائشة فقالت : مالك يا حولاء؟ فقالت : أنه أتاها أمس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم ، ألا اني أنام وأقوم ، وأفطر وأصوم ، وأنكح النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ، فنزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا } يقول لعثمان : لا تجب نفسك ، فإن هذا هو الاعتداء ، وأمرهم أن يكفروا أيمانهم فقال { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } [ المائدة : 89 ] الآية » .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد قال « أراد رجال منهم عثمان بن مظعون ، وعبد الله بن عمرو ، أن يتبتلوا ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح ، فنزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } والآية التي بعدها . (3/441)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة . » أن عثمان بن مظعون ، وعلي بن أبي طالب ، وابن مسعود ، والمقداد بن الأسود ، وسالماً مولى أبي حذيفة ، وقدامة ، تبتلوا فجلسوا في البيوت ، واعتزلوا النساء ، ولبسوا المسوح ، وحرموا طيبات الطعام واللباس ، إلا ما يأكل ويلبس السياحة من بني إسرائيل ، وهمُّوا بالاختصاء ، وأجمعوا لقيام الليل ، وصيام النهار ، فنزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم . . . } الآية . فلما نزلت بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن لأنفسكم حقاً ، ولأعينكم حقاً ، وإن لأهلكم حقاً ، فصلوا وناموا وأفطروا ، فليس منا من ترك سنتنا . فقالوا : اللهم صدقنا واتبعنا ما أنزلت على الرسول « .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال « إن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عثمان بن مظعون حرموا اللحم والنساء على أنفسهم ، وأخذوا الشفار ليقطعوا مذاكيرهم لكي تنقطع الشهوة عنهم ويتفرغوا لعبادة ربهم ، فأُخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما أردتم؟ قالوا : أَردنا أن نقطع الشهوة عنا ، ونتفرغ لعبادة ربنا ، ونلهو عن الناس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم أؤمر بذلك ، ولكني أُمِرْتُ في ديني أن أتزوج النساء ، فقالوا : نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } إلى قوله { واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } فقالوا : يا رسول الله ، فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فأنزل الله { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } [ المائدة : 89 ] » . (3/442)
وأخرج ابن مردويه عن الحسن العرني قال : كان علي في أناس ممن أرادوا أن يحرموا الشهوات ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم . . . } الآية .
وأخرج أبو الشيخ من طريق ابن جريج عن المغيرة بن عثمان قال « كان عثمان بن مظعون ، وعلي ، وابن مسعود ، والمقداد ، وعمار ، أرادوا الاختصاء ، وتحريم اللحم ، ولبس المسوح في أصحاب لهم ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون ، فسأله عن ذلك ، فقال : قد كان بعض ذلك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنكح النساء ، وآكل اللحم ، وأصوم وأفطر ، وأصلي وأنام ، وألبس الثياب ، لم آتِ بالتبتل ولا بالرهبانية ، ولكن جئت بالحنيفية السمحة ، ومن رغب عن سنتي فليس مني » ، قال ابن جريج : فنزلت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم . . . } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم « أن عبد الله بن رواحة ضافه ضيف من أهله وهو عند النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم رجع إلى أهله فوجدهم لم يطعموا ضيفهم انتظاراً له ، فقال لامرأته : حبست ضيفي من أجلي هو حرام علي . فقالت امرأته : هو عليَّ حرام . قال الضيف : هو علي حرام ، فلما رأى ذلك وضع يده وقال : كلوا بسم الله ، ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قد أصبت ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } » .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا } إلى ما حرم الله عليكم .
وأخرج عبد بن حميد عن المغيرة قال : قلت : لإبراهيم في هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } هو الرجل يحرم الشيء مما أحل الله؟ قال : نعم . (3/443)
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في الآية قال : هو الرجل يحلف لا يصل أهله ، أو يحرِّم عليه بعض ما أحل الله له ، فيأتيه ويكفر عن يمينه .
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني من طرق عن ابن مسعود . أن معقل بن مقرن قال له : إني حرمت فراشي عليَّ سنة . فقال : نم على فراشك وكفِّر عن يمينك ، ثم تلا { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم . . . } إلى آخر الآية .
وأخرج البخاري والترمذي والدار قطني عن أبي جحيفة قال « آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء ، فزار سلمان أبا الدرداء ، فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها : ما شأنك . . . ؟ قالت : أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا ، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاماً فقال : كل فإني صائم قال : ما أنا بآكل حتى تأكل فأكل ، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم قال : نم ، فنام ثم ذهب يقوم فقال : نم . فلما كان من آخر الليل قال سلمان : قم الآن . فصليا فقال له سلمان : أن لربك عليك حقاً ، ولنفسك عليك حقاً ، ولأهلك عليك حقاً ، فأعط كل ذي حق حقه . فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك له ، فقال : صدق سلمان » .
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم « ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ قلت : بلى يا رسول الله ، قال : فلا تفعل ، صم وأفطر ، وقم ونم ، فإن لجسدك عليك حقاً ، وإن لعينك عليك حقاً ، وإن لزوجك عليك حقاً ، وإن لزورك عليك حقاً ، وأن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام ، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها ، فإذن ذلك صيام الدهر كله . قلت : إني أجد قوة . قال : فصم صيام نبي الله داود لا تزد عليه . قلت : وما كان صيام نبي الله داود؟ قال : نصف الدهر » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن سعيد بن المسيب « أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عمرو ، لما تبتلوا وجلسوا في البيوت ، واعتزلوا وهمُّوا بالخصاء ، وأجمعوا على قيام الليل وصيام النهار فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فدعاهم فقال : أما أنا فاني أصلي وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني » .
وأخرج عبد الرزاق والطبراني عن عائشة قالت « دخلت امرأة عثمان بن مظعون واسمها خولة بنت حكيم عليَّ ، وهي باذة الهيئة فسألتها ما شأنك؟ فقالت : زوجي يقوم الليل ويصوم النهار ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكرت ذلك له ، فلقي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا عثمان ، إن الرهبانية لم تكتب علينا ، أما لك فيَّ أسوة؟ فوالله إن أخشاكم لله وأحفظكم لحدوده لأنا » . (3/444)
وأخرج عبد الرزاق عن أبي قلابة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من : تبتل فليس منا » .
وأخرج ابن سعد عن ابن شهاب « أن عثمان بن مظعون أراد أن يختصي ويسيح في الأرض ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أليس لك فيَّ أسوة؟ فأني آتي النساء ، وآكل اللحم ، وأصوم وأفطر ، إن خصاء أمتي الصيام ، وليس من أمتي من خصى أو اختصى » .
وأخرج ابن سعد عن أبي بردة قال « دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، فرأينها سيئة الهيئة ، فقلن لها : ما لك؟ فقالت : ما لنا منه شيء ، أما ليله فقائم ، وأما نهاره فصائم ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكرن ذلك له ، فلقيه فقال يا عثمان بن مظعون ، أما لك فيَّ أسوة؟ قال : وما ذاك؟ قال : تصوم النهار وتقوم الليل . قال : إني لأفعل . قال : لا تفعل ، إن لعينك عليك حقاً ، وإن لجسدك عليك حقاً ، وإن لأهلك عليك حقاً ، فصل ونم ، وصم وأفطر ، قال : فاتتهن بعد ذلك عطرة كأنها عروس ، فقلن لها : مه؟ قالت : أصابنا ما أصاب الناس » .
وأخرج ابن سعد عن أبي قلابة « أن عثمان بن مظعون اتخذ بيتاً فقعد يتعبّد فيه ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتاه فأخذ بعضادتي باب البيت الذي هو فيه ، فقال : يا عثمان ، إن الله لم يبعثني بالرهبانية مرتين أو ثلاثاً ، وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة » .
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال « كانت امرأة عثمان بن مظعون امرأة جميلة عطرة تحب اللباس والهيئة لزوجها ، فزارتها عائشة وهي تفلة ، قالت : ما حالك هذه؟ قالت : إن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن رواحة ، وعثمان بن مظعون ، قد تخلوا للعبادة وامتنعوا من النساء وأكل اللحم ، وصاموا النهار وقاموا الليل ، فكرهت أن أريه من حالي ما يدعوه إلى ما عندي لما تخلى له ، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته عائشة ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم نعله ، فحمله بالسبابة من أصبعه اليسرى ، ثم انطلق سريعاً حتى دخل عليهم ، فسألهم عن حالهم ، قالوا : أردنا الخير . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني إنما بعثت بالحنيفية السمحة ، وإني لم أبعث بالرهبانية البدعة ، إلا وإن أقواماً ابتدعوا الرهبانية فكتبت عليهم فما رعوها حق رعايتها ، إلا فكلوا اللحم ، وأتوا النساء ، وصوموا وأفطروا ، وصلوا وناموا ، فإني بذلك أمرت » .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن مسعود قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم « من استطاع منكم الباءة فليتزوّج ، فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء » . (3/445)
وأخرج عبد الرزاق عن عثمان بن عفان قال « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بفتية فقال : من كان منكم ذا طول فليتزوج ، فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فليصم فإن الصوم له وجاء » .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة قال : لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لأحببت أن يكون لي فيه زوجة .
وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب . أنه قال لرجل : أتزوجت؟ قال : لا . قال : إما أن تكون أحمق ، وإما أن تكون فاجراً .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن إبراهيم بن ميسرة قال : قال لي طاوس : لتنكحن أو لأقول لك ما قال عمر لأبي الزوائد ، ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور .
وأخرج عبد الرزاق عن وهب بن منبه قال : مثل الأعزب كمثل شجرة في فلاة تقلبها الرياح هكذا وهكذا .
وأخرج عبد الرزاق عن سعيد بن هلال ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « تناكحوا تكثروا ، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة » .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن سعد بن أبي وقاص قال « لقد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون التبتل ، ولو أذن له في ذلك لاختصينا » .
وأخرج ابن سعد والبيهقي في شعب الإيمان من طريق عائشة بنت قدامة بن مظعون عن أبيها عن أخيه عثمان بن مظعون « أنه قال : يا رسول الله ، إني رجل تشق عليَّ هذه العزبة في المغازي ، فتأذن لي يا رسول الله في الخصاء؟ فأختصي . قال : لا ، ولكن عليك يا ابن مظعون بالصيام فإنه مجفر » .
وأخرج أحمد عن عائشة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سمرة « أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أنس « أن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر ، فقال بعضهم : لا أتزوج النساء ، وقال بعضهم : لا آكل اللحم ، وقال بعضهم : لا أنام على فراش ، وقال بعضهم أصوم ولا أفطر ، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ ، لكني أصلي وأنام ، وأصوم وأفطر ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني » .
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي في سننه عن عبيد الله بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من أحب فطرتي فليستن بسنتي ، ومن سنتي النكاح » . (3/446)
وأخرج البيهقي في سننه عن ميمون أبي المغلس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من كان موسراً لأن ينكح فلم ينكح فليس منا » .
وأخرج عبد الرزاق عن أيوب . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من استن بسنتي فهو مني ، ومن سنتي النكاح » .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد عن أبي ذر قال « دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقال له عكاف بن بشير التميمي ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : هل لك من زوجة؟ قال : لا . قال : ولا جارية؟ قال : ولا جارية . قال : وأنت موسر بخير؟ قال : نعم . قال : أنت إذاً من إخوان الشياطين ، لو كنت من النصارى كنت من رهبانهم ، إن من سنتنا النكاح ، شراركم عزابكم ، وأراذل موتاكم عزابكم ، أبا لشيطان تتمرسون؟ ما للشيطان من سلاح أبلغ في الصالحين من النساء ، إلا المتزوجين أولئك المطهرون الْمُبَرَّأون من الخنا ، ويحك يا عكاف! إنهن صواحب أيوب وداود ويوسف وكرسف فقال له بشير بن عطية : ومن كرسف يا رسول الله؟ قال : رجل كان يعبد الله بساحل من سواحل البحر ثلثمائة عام ، يصوم النهار ويقوم الليل ، ثم إنه كفر بعد ذلك بالله العظيم في سبب امرأة عشقها وترك ما كان عليه من عبادة ربه ، ثم استدركه الله ببعض ما كان منه فتاب عليه ، ويحك يا عكاف! تزوج وإلا فأنت من المذبذبين » .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عطية بن بسر المازني قال « جاء عكاف بن وداعة الهلالي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عكاف ألك زوجة؟ قال : لا . قال : ولا جارية؟ قال : لا . قال : وأنت صحيح موسر؟ قال : نعم ، والحمد لله . قال : فأنت إذاً من الشياطين ، إما أن تكون من رهبانية النصارى فأنت منهم ، وإما أن تكون منا فتصنع كما نصنع ، فإن من سنتنا النكاح ، شراركم عزابكم ، وأراذل موتاكم عزابكم ، أبا لشيطان تتمرسون ، ما له في نفسه سلاح أبلغ في الصالحين من النساء إلا المتزوجون المطهرون المبرأون من الخنا ، ويحك يا عكاف . ! تزوج إنهن صواحب داود ، وصواحب أيوب ، وصواحب يوسف ، وصواحب كرسف ، فقال عطية من كرسف يا رسول الله؟ فقال : رجل من بني إسرائيل على ساحل من سواحل البحر يصوم النهار ، ويقوم الليل ، لا يفتر من صلاة ولا صيام ، ثم كفر من بعد ذلك بالله العظيم في سبب امرأة عشقها فترك ما كان عليه من عبادة ربه عز وجل ، فتداركه الله بما سلف منه فتاب الله عليه ، ويحك . ! تزوج وإلا فإنك من المذبذبين » .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي عن أبي نجيح قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من كان موسراً لأن ينكح فلم ينكح فليس مني » . (3/447)
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن أبي نجيح قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « مسكين مسكين ، مسكين رجل ليست له امرأة . قيل يا رسول الله ، وإن كان غنياً ذا مال؟ قال : وإن كان غنياً من المال . قال : ومسكينة مسكينة مسكينة ، امرأة ليس زوج ، قيل : يا رسول الله ، وإن كانت غنية ومكثرة من المال ، قال : وإن كانت » قال البيهقي : أبو نجيح اسمه يسار ، وهو والد عبد الله بن أبي نجيح ، والحديث مرسل « .
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبيهقي عن أنس قال » كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالباءة ، وينهانا عن التبتل نهياً شديداً ، ويقول : تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة « .
وأخرج البيهقي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم » إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف دينه ، فليتق الله في النصف الباقي « .
وأخرج البيهقي من وجه آخر عن أنس . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : » من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه ، فليتق الله في الشطر الباقي « .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال : كان في بني إسرائيل رجل عابد ، وكان معتزلاً في كهف له ، فكان بنو إسرائيل قد أعجبوا بعبادته ، فبينما هم عند نبيهم إذ ذكروه فأثنوا عليه ، فقال النبي : » إنه لكما تقولون لولا أنه تارك لشيء من السنة وهو التزوج « .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن شداد بن أوس أنه قال : » زوِّجوني فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصاني أن لا ألقى الله عزباً « .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال : قال معاذ في مرضه الذي مات فيه : زوجوني إني أكره أن ألقى الله عزباً .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال : يكفن الرجل في ثلاثة أثواب ، لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين .
لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89)
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال « لما نزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم } [ المائدة : 87 ] في القوم الذين كانوا حرَّموا النساء ، واللحم على أنفسهم ، قالوا : يا رسول الله ، كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فأنزل الله { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } » . (3/448)
وأخرج أبو الشيخ عن يعلى بن مسلم قال : سألت سعيد بن جبير عن هذه الآية { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } قال : اقرأ ما قبلها فقرأت { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } إلى قوله { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : اللغو أن تحرم هذا الذي أحل الله لك وأشباهه تكفرعن يمينك ولا تحرمه ، فهذا اللغو الذي لا يؤاخذكم به { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } فإن مت عليه أخذت به .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : هو الرجل يحلف على الحلال أن يحرمه ، فقال الله { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } أن تتركه وتكفر عن يمينك { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } قال : ما أقمت عليه .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : هما الرجلان يتبايعان . يقول أحدهما : والله لا أبيعك بكذا ، ويقول الآخر : والله لا أشتريه بكذا .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن إبراهيم قال : اللغو . أن يصل الرجل كلامه بالحلف ، والله لتجيئن ، والله لتأكلن ، والله لتشربن ، ونحو هذا لا يريد به يميناً ، ولا يتعمد به حلفاً ، فهو لغو اليمين ليس عليه كفارة .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك قال : الأيمان ثلاثة . يمين تكفر ، ويمين لا تكفر ، ويمين لا يؤاخذ بها ، فأما التي تكفر فالرجل يحلف على قطيعة رحم أو معصية الله فيكفر يمينه ، والتي لا تكفر الرجل يحلف على الكذب متعمداً ولا تكفر ، والتي لا يؤاخذ بها فالرجل يحلف على الشيء يرى أنه صادق فهو اللغو لا يؤاخذ به . والله أعلم .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة قال : اللغو . الخطأ ، أن يحلف على الشيء وأنت ترى أنه كما حلفت عليه ، فلا يكون كذلك تجوّز لك عنه ولا كفَّارة عليك فيه { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } قال : ما تعمدت فيه المآثم فعليك فيه الكفارة .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن مجاهد { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } قال : بما تعمدتم .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك وليس كذلك { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } قال : الرجل يحلف على الشيء وهو يعلمه .
وأخرج أبو الشيخ عن عائشة قالت : إنما اللغو في المراء والهزل والمزاحة في الحديث الذي لا يعقد عليه القلب ، وإنما الكفارة في كل يمين حلف عليها في جد من الأمر في غضب أو غيره ليفعلن أو ليتركن ، فذاك عقد الأيمان الذي فرض الله فيه الكفارة . (3/449)
قوله تعالى : { فكفارته إطعام عشرة مساكين } .
وأخرج ابن ماجة وابن مردويه عن ابن عباس قال « كفر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر الناس به ، ومن لم يجد فنصف صاع من بر » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقيم كفارة اليمين مداً من حنطة بمد الأول » .
وأخرج ابن مردويه عن أسماء بنت أبي بكر قالت : كنا نعطي في كفارة اليمين بالمد الذي يقتات به .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عمر بن الخطاب قال : أني أحلف لا أعطي أقواماً ثم يبدو لي أن أعطيهم ، فأطعم عشرة مساكين كل مسكين صاعاً من شعير ، أو صاعاً من تمر ، أو نصف صاع من قمح .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال : في كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع من قمح .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال : في كفارة اليمين إطعام عشرة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع من حنطة .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس : في كفارة اليمين نصف صاع من حنطة .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد قال : كل طعام في القرآن فهو نصف صاع ، في كفارة اليمين وغيرها .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس قال : في كفارة اليمين مد من حنطة لكل مسكين .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن زيد بن ثابت . أنه قال : في كفارة اليمين مد من حنطة لكل مسكين .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عمر . في كفارة اليمين قال : إطعام عشرة مساكين ، لكل مسكين مد من حنطة .
وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة قال : ثلاث فيهن مد مد ، كفارة اليمين ، وكفارة الظهار ، وكفارة الصيام .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب في قوله { فكفارته إطعام عشرة مساكين } قال : يغديهم ويعشيهم ، إن شئت خبزاً ولحماً ، أو خبزاً وزيتاً ، أو خبزاً وسمناً ، أو خبزاً وتمراً . (3/450)
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن محمد بن سيرين . في كفارة اليمين قال : أكلة واحدة .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن الشعبي أنه سئل عن كفارة اليمين فقال : رغيفين وعرق لكل مسكين .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن سفيان الثوري عن جابر قال : قيل للشعبي أردد على مسكين واحد . قال : لا يجزيك إلا عشرة مساكين .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن . أنه كان لا يرى بأساً أن يطعم مسكيناً واحداً عشر مرات في كفارة اليمين .
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { من أوسط ما تطعمون أهليكم } قال : من عسركم ويسركم .
وأخرج ابن ماجة عن ابن عباس قال : كان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه سعة ، وكان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه شدة ، فنزلت { من أوسط ما تطعمون أهليكم } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال : كان الرجل يقوت أهله قوتاً فيه فضل ، وبعضهم يقوت قوتاً دون ذلك ، فقال الله { من أوسط ما تطعمون أهليكم } ليس بأرفعه ولا أدناه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر { من أوسط ما تطعمون أهليكم } قال : من أوسط ما نطعم أهلينا الخبز والتمر ، والخبز والزيت ، والخبز والسمن ، ومن أفضل ما نطعمهم الخبز واللحم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن سيرين قال : كانوا يقولون : أفضله الخبز واللحم ، وأوسطه الخبز والسمن ، وأخسه الخبز والتمر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال : كان أهل المدينة يفضلون الحر على العبد ، والكبير على الصغير ، يقولون : الصغير على قدره والكبير على قدره ، فنزلت { من أوسط ما تطعمون أهليكم } فأمروا بأوسط من ذلك ليس بأرفعه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { من أوسط } يعني من أعدل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله { من أوسط } قال : من أمثل .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير { من أوسط ما تطعمون أهليكم } قال : قوتهم ، والطعام صاع من كل شيء إلا الحنطة .
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال : كل شيء فيه إطعام مسكين فهو مد بمد أهل مكة .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عائشة « عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { أو كسوتهم } قال » عباءة لكل مسكين « » .
وأخرج ابن مردويه عن حذيفة قال « قلنا يا رسول الله { أو كسوتهم } ما هو؟ قال : عباءة » . (3/451)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { أو كسوتهم } قال : عباءة لكل مسكين أو شملة .
وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس { أو كسوتهم } قال : ثوب ثوب لكل إنسان ، وقد كانت العباءة تقضي يومئذ من الكسوة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال : الكسوة ثوب أو إزار .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد { أو كسوتهم } قال : القميص أو الرداء أو الإزار . قال : ويجزي في كفارة اليمين كل ثوب إلا التبان أو القلنسوة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد { أو كسوتهم } قال : أدناه ثوب ، وأعلاه ما شئت .
وأخرج عبد الرزاق وأبو الشيخ عن سعيد بن المسيب { أو كسوتهم } قال : إزار وعمامة .
وأخرج أبو الشيخ عن الزهري قال : السراويل لا يجزي ، والقلنسوة لا تجزي .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمران بن حصين . أنه سئل عن قوله { أو كسوتهم } قال : لو أن وفداً قدموا على أميركم فكساهم قلنسوة قلنسوة قلتم قد كسوا .
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء . في الرجل يكون عليه الكفارة من اليمين فيكسو خمس مساكين ، ويطعم خمسة أن ذلك جائز؟ .
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير أنه قرأ « إطعام عشرة مساكين أو كاسوتهم » ثم قال سعيد : أو كاسوتهم في الطعام .
أما قوله تعالى : { أو تحرير رقبة } .
وأخرج ابن أبو شيبة وأبو الشيخ عن الحسن قال : لا يجزي الأعمى ولا المقعد في الرقبة .
وأخرج أبو الشيخ عن فضالة بن عبيد قال : يجزي ولد الزنا في الرقبة الواجبة .
وأخرج أبو الشيخ عن عطاء بن أبي رياح قال : تجزي الرقبة لصغيرة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن : أنه كان لا يرى عتق الكافر في شيء من الكفارات .
وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال : لا يجزي ولد الزنا في الرقبة ، ويجزئ اليهودي والنصراني في كفارة اليمين . والله تعالى أعلم .
أما قوله تعالى : { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } .
وأخرج ابن جرير والبيهقي في سننه عن ابن عباس . في آية كفارة اليمين قال : هو بالخيار في هؤلاء الثلاثة ، الأول فالأوّل ، فإن لم يجد شيئاً من ذلك فصيام ثلاثة أيام متتابعات .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : « لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة : يا رسول الله نحن بالخيار؟ قال » أنت بالخيار ، إن شئت أعتقت ، وإن شئت كسوت ، وإن شئت أطعمت ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات « » .
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال : من كان عنده درهمان فعليه أن يطعم في الكفارة .