صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور
المؤلف : عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)

أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : لما أخبر الأعور سمويل بن صوريا الذي صدق النبي صلى الله عليه وسلم على الرجم أنه في كتابهم ، وقال : لكنا نخفيه ، فنزلت { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب } وهو شاب أبيض طويل من أهل فدك .
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا } قال : هو محمد صلى الله عليه وسلم { يبين لكم كثيراً } يقول : يبين لكم محمد رسولنا كثيراً مما كنتم تكتمونه الناس؛ ولا تبينونه لهم مما في كتابكم ، وكان مما يخفونه من كتابهم فبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس : رجم الزانيين المحصنين .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال : إن نبي الله صلى الله عليه وسلم أتاه اليهود يسألونه عن الرجم ، فقال : أيكم أعلم؟ فأشاروا إلى ابن صوريا ، فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى ، والذي رفع الطور بالمواثيق التي أخذت عليهم ، هل تجدون الرجم في كتابكم؟ فقال : إنه لما كثر فينا جلدنا مائة وحلقنا الرؤوس فحكم عليهم بالرجم ، فأنزل الله { يا أهل الكتاب } إلى قوله { صراط مستقيم } .
وأخرج ابن الضريس والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب . قال تعالى { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب } قال : فكان الرجم مما أخفوا .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { ويعفو عن كثير } من ذنوب القوم جاء محمد باقالة منها وتجاوز إن اتبعوه .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام } قال : سبيل الله الذي شرعه لعباده ، ودعاهم إليه ، وابتعث به رسله ، وهو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عمل إلا به ، لا اليهودية ، ولا النصرانية ، ولا المجوسية . والله تعالى أعلم .

(3/346)


وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال « أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أبي ، وبحري بن عمرو وشاس بن عدي ، فكلمهم وكلموه ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته ، فقالوا : ما تخوّفنا يا محمد ، نحن والله أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى ، فأنزل الله فيهم { وقالت اليهود والنصارى . . . . } إلى آخر الآية » والله تعالى أعلم .
قوله تعالى : { قل فلم يعذبكم } الآية .
أخرج أحمد عن أنس قال « مر النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه وصبي في الطريق ، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ ، فأقبلت تسعى وتقول : ابني ابني . . . فأخذته فقال القوم : يا رسول الله ، ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا والله ولا يلقى حبيبه في النار » .
وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « والله لا يعذب الله حبيبه ، ولكن يبتليه في الدنيا » .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } يقول : يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له ، ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذبه .

(3/347)


يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال « دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود إلى الإسلام ، فرغبهم فيه وحذرهم فأبوا عليه ، فقال لهم معاذ بن جبل ، وسعد بن عبادة ، وعقبة بن وهب : يا معشر يهود اتقوا الله ، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله ، لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه لنا بصفته ، فقال رافع بن حريملة ، ووهب بن يهودا : ما قلنا لكم هذا ، وما أنزل الله من كتاب من بعد موسى ، ولا أرسل بشيراً ولا نذيراً بعده ، فأنزل الله { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة . . } الآية » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل } قال : هو محمد جاء بالحق الذي فتر به بين الحق والباطل ، فيه بيان وموعظة ونور وهدى وعصمة لمن أخذ به ، قال : وكانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ، وذكر لنا أنه كانت ستمائة سنة أو ما شاء الله من ذلك .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير من طريق معمر عن قتادة في قوله { على فترة من الرسل } قال : كان بين عيسى ومحمد خمسمائة سنة وستون . قال معمر : قال الكلبي : خمسمائة سنة وأربعون سنة .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : كانت الفترة خمسمائة سنة .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : كانت الفترة بين عيسى ومحمد أربعمائة سنة وبضعاً وثلاثين سنة .

(3/348)


وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20)

أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً } قال : واسم الله قد جعل نبياً وجعلكم ملوكاً على رقاب الناس ، فاشكروا نعمة الله إن الله يحب الشاكرين .
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله { وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً } قال : كنا نحدث أنهم أول من سخَّر لهم الخدم من بني آدم وملكوا .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { وجعلكم ملوكاً } قال : ملَّكهم الخدم ، وكانوا أول من ملك الخدم .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { وجعلكم ملوكاً } قال : كان الرجل من بني إسرائيل ، إذا كانت له الزوجة والخادم والدار يسمى ملكاً .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في قوله { وجعلكم ملوكاً } قال : الزوجة والخادم والبيت .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان ، عن ابن عباس في قوله { إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً } قال : المرأة الخادم { وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين } قال : الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكاً » .
وأخرج ابن جرير والزبير بن بكار في الموفقيات عن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من كان له بيت وخادم فهو ملك » .
وأخرج أبو داود في مراسيله عن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من كان له بيت وخادم فهو ملك » .
وأخرج أبو داود في مراسيله عن زيد بن أسلم في قوله { وجعلكم ملوكاً } قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « زوجة ومسكن وخادم » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن عبد الله بن عمرو بن العاص . أنه سأله رجل : ألسنا من فقراء المهاجرين؟ قال : ألك امرأة تأوي إليها؟ قال : نعم . قال : ألك مسكن تسكنه؟ قال : نعم . قال : فأنت من الأغنياء . قال : إن لي خادماً . قال : فأنت كم الملوك .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { وجعلكم ملوكاً } قال : جعل لهم أزواجاً وخدماً وبيوتاً { وآتاكم ما لم يؤتِ أحداً من العالمين } قال : المنَّ والسلوى والحجر والغمام .
وأخرج ابن جرير عن الحسن { وجعلكم ملوكاً } قال : وهل الملك إلا مركب وخادم ودار؟ . .
وأخرج ابن جرير من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله { وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين } قال : المنَّ والسلوى .

(3/349)


يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21)

أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { الأرض المقدسة } قال : هي المباركة .
وأخرج ابن عساكر عن معاذ بن جبل قال : الأرض ما بين العريش إلى الفرات .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله { الأرض المقدسة } قال : هي الشام .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { التي كتب الله لكم } قال : أمركم الله بها .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال : أمر القوم كما أمروا بالصلاة والزكاة والحج والعمرة .

(3/350)


قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23)

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { إن فيها قوماً جبارين } قال : ذكر لنا أنهم كانت لهم أجسام وخلق ليست لغيرهم .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله { قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين } قال : هم أطول منا أجساماً وأشد قوّة .
وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن أبي ضمرة قال : استظل سبعون رجلاً من قوم موسى خلف رجل من العماليق .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن زيد بن أسلم قال : بلغني أنه رُئِيَتْ ضبع وأولادها رابضة في فجاج عين رجل من العمالقة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك . أنه أخذ عصا فذرع فيها شيئاً ، ثم قاس في الأرض خمسين أو خمساً وخمسين ، ثم قال : هكذا أطول العماليق .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين ، فسار بمن معه حتى نزل قريباً من المدينة وهي أريحاء ، فبعث إليهم اثني عشر نقيباً من كل سبط منهم عين فيأتوه بخبر القوم فدخلوا المدينة فرأوا أمراً عظيماً من هيبتهم وجسمهم وعظمهم ، فدخلوا حائطاً لبعضهم ، فجاء صاحب الحائط ليجني من حائطه ، فجعل يحش الثمار ، فنظر إلى آثارهم فتبعهم ، فكلما أصاب واحداً منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه ، فقال الملك : قد رأيتم شأننا وأمرنا اذهبوا فأخبروا صاحبكم . قال : فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم . فقال : اكتموا عنا ، فجعل الرجل يخبر أباه وصديقه ويقول : اكتم عني فأشيع ذلك في عسكرهم ، ولم يكتم منهم إلا رجلان يوشع بن نون ، وكالب بن يوحنا ، وهم اللذان أنزل الله فيهما { قال رجلان من الذين يخافون } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ادخلوا الأرض المقدسة } قال : هي مدينة الجبارين ، لما نزل بها موسى وقومه بعث منهم اثني عشر رجلاً ، وهم النقباء الذين ذكرهم الله تعالى ليأتوهم بخبرهم ، فساروا فلقيهم رجل من الجبارين فجعلهم في كساءته ، فحملهم حتى أتى بهم المدينة ونادى في قومه : فاجتمعوا إليه فقالوا : من أنتم؟ قالوا : نحن قوم موسى بعثنا لنأتيه بخبركم ، فأعطوهم حبة من عنب تكفي الرجل ، وقالوا لهم : اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم : أقدروا قدر فاكهتهم ، فلما أتوهم قالوا : يا موسى { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } [ المائدة : 24 ] { فقال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما } وكانا من أهل المدينة أسلما واتبعا موسى ، فقالا لموسى { ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون } .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { قال رجلان } قال : يوشع بن نون وكالب .

(3/351)


وأخرج عبد بن حميد عن عطية العوفي في قوله { قال رجلان } قال : كالب ويوشع بن النون فتى موسى .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { من الذين يخافون أنعم الله عليهما } قال : في بعض القراءة { يخافون أنعم الله عليهما } .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير . أنه كان يقرأها بضم الياء { يخافون } .
وأخرج ابن منذر عن سعيد بن جبير قال : كانا من العدو ، فصارا مع موسى .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس { قال رجلان من الذين يخافون } برفع الياء .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { من الذين يخافون } بنصب الياء في يخافون .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك { قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما } بالهدى فهداهما فكانا على دين موسى ، وكانا في مدينة الجبارين .
وأخرج ابن جرير عن سهل بن علي { قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما } بالخوف .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله { قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما } قال : هم النقباء . وفي قوله { ادخلوا عليهم الباب } قال : هي قرية الجبارين .

(3/352)


قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)

أخرج أحمد والنسائي وابن حبان عن انس « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر استشار المسلمين فأشار عليه عمر ، ثم استشارهم فقالت الأنصار : يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالوا : لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك » .
وأخرج أحمد وابن مردويه عن عتبة بن عبد السلمي قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه « ألا تقاتلون؟ قالوا : نعم . ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون » .
وأخرج أحمد عن طارق بن شهاب أن المقداد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر « يا رسول الله ، إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون » .
وأخرج البخاري والحاكم وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال « لقد شهدت من المقداد مشهداً لأن أكون أنا صاحبه أحب إليَّ مما عدل به ، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين قال : والله يا رسول الله ، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } ولكن نقاتل عن يمينك وعن يسارك ، ومن بين يديك ومن خلفك ، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرق لذلك وسر بذلك » .
وأخرج ابن جريرعن قتادة قال « ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم الحديبية حين صد المشركون الهدي وحيل بينهم وبين مناسكهم! إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت . فقال المقداد بن الأسود : اما والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } » .

(3/353)


قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25)

أخرج ابن جرير عن السدي قال : غضب موسى عليه السلام حين قال له القوم : { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } فدعا عليهم فقال : { رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } وكان عجلة من موسى عجلها ، فلما ضرب عليهم التيه ندم موسى ، فلما ندم أوحى الله إليه { فلا تأس على القوم الفاسقين } [ المائدة : 26 ] لا تحزن على القوم الذين سميتهم فاسقين .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين } يقول : افصل بيننا وبينهم .

(3/354)


قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)

أخرج ابن جرير عن قتادة في قوله { فإنها محرمة عليهم } قال : أبداً . وفي قوله { يتيهون في الأرض } قال : أربعين سنة .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال : ذكر لنا أنهم بعثوا اثني عشر رجلاً ، من كل سبط رجلاً عيوناً ليأتوهم بأمر القوم ، فأما عشرة فجبنوا قومهم وكرهوا إليهم الدخول ، وأما يوشع بن نون وصاحبه فأمرا بالدخول واستقاما على أمر الله ورغبا قومهم في ذلك ، وأخبراهم في ذلك أنهم غالبون حتى بلغ { ههنا قاعدون } . قال : لما جبن القوم عن عدوّهم وتركوا أمر ربهم قال الله { فإنها محرمة عليهم أربعين سنة } إنما يشربون ماء الاطواء ، لا يهبطون قرية ولا مصراً ، ولا يهتدون لها ولا يقدرون على ذلك .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال : حرمت عليهم القرى ، فكانوا لا يهبطون قرية ولا يقدرون على ذلك ، إنما يتبعون الاطواء أربعين سنة ، والاطواء الركايا ، وذكر لنا أن موسى توفي في الأربعين سنة ، وأنه لم يدخل بيت المقدس منهم إلا أبناؤهم والرجلان اللذان قالا .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : تاهوا أربعين سنة ، فهلك موسى وهرون في التيه ، وكل من جاوز الأربعين سنة ، فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم يوشع بن نون ، وهو الذي قام بالأمر بعد موسى ، وهو الذي قيل له اليوم يوم الجمعة فهموا بافتتاحها ، فدنت الشمس للغروب ، فخشي إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا ، فنادى الشمس : إني مأمور وإنك مأمورة . فوقفت حتى افتتحها ، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط ، فقربوه إلى النار فلم تأتِ فقال : فيكم الغلول ، فدعا رؤوس الاسباط وهم اثنا عشر رجلاً فبايعهم ، فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال : الغلول عندك ، فأخرجه فأخرج رأس بقرة من ذهب ، لها عينان من ياقوت ، وأسنان من لؤلؤ ، فوضعا مع القربان ، فأتت النار فأكلتها .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال : تاهت بنو إسرائيل أربعين سنة ، يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا في تيههم .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قال : إن بني إسرائيل لما حرم الله عليهم أن يدخلوا الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون في الأرض ، شكوا إلى موسى فقالوا : ما نأكل؟ فقال : إن الله سيأتكم بما تأكلون . قالوا : من أين؟ قال : إن الله سينزل عليكم خبزاً مخبوزاً . فكان ينزل عليهم المنّ وهو خبز الرقاق ومثل الذرة . قالوا : وما نَأْتَدِمُ ، وهل بُدِّلْنَا من لحم؟ قال : فإن الله يأتيكم به . قالوا : من أين؟ فكانت الريح تأتيهم بالسلوى ، وهو طير سمين مثل الحمام . فقالوا : فما نلبس؟ قال : لا يخلق لأحدكم ثوب أربعين سنة . قالوا : فما نحتذي؟ قال : لا ينقطع لأحدكم شسع أربعين سنة .

(3/355)


قالوا : فإنه يولد فينا أولاد صغار فما نكسوهم؟ قال : الثوب الصغير يشب معه . قالوا : فمن أين لنا الماء؟ قال : يأتيكم به الله . فأمر الله موسى أن يضرب بعصاه الحجر قالوا : فما نبصر تغشانا الظلمة ، فضرب له عموداً من نور في وسط عسكره أضاء عسكره كله . قالوا : فبم نستظل؟ الشمس علينا شديدة ، قال : يظلكم الله تعالى بالغمام .
وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس قال : ظلل عليهم الغمام في التيه قدر خمسة فراسخ أو ستة ، كلما أصبحوا ساروا غادين ، فإذا امسوا إذا هم في مكانهم الذي ارتحلوا منه ، فكانوا كذلك أربعين سنة ، وهم في ذلك ينزل عليهم المن والسلوى ولا تبلى ثيابهم ، ومعهم حجر من حجارة الطور يحملونه معهم ، فإذا نزلوا ضربه موسى بعصاه ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق ولا تذوب .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن طاوس قال : كانت بنو إسرائيل إذا كانوا في تيهم تشب معهم ثيابهم إذا شبوا .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال : لما استسقى موسى لقومه أوحى الله إليه : أن اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، فقال لهم موسى : ردوا معشر الحمير . فأوحى الله إليه : قلت لعبادي معشر الحمير ، وإني قد حرمت عليكم الأرض المقدسة؟ . قال : يا رب فاجعل قبري منها قذفة حجر . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لو رأيتم قبر موسى لرأيتموه من الأرض المقدسة قذفة بحجر » .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال : لما استسقى لقومه فسقوا قال : اشربوا يا حمير . فنهاه عن ذلك ، وقال : لا تدعُ عبادي يا حمير .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { فلا تأس } قال : لا تحزن .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس ان نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل { فلا تَأْسَ } قال : لا تحزن . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت امرؤ القيس وهو يقول :
وقوفاً بها صحبي عليّ مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمَّل
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والحاكم وصححه عن أبي هريرة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن نبياً من الأنبياء قاتل أهل مدينة ، حتى إذا كاد أن يفتحها خشي أن تغرب الشمس فقال : أيتها الشمس إنك مأمورة وأنا مأمور ، بحرمتي عليك إلا وقفت ساعة من النهار . قال : فحبسها الله تعالى حتى افتتح المدينة ، وكانوا إذا أصابوا الغنائم قربوها في القربان فجاءت النار فأكلتها ، فلما أصابوا وضعوا القربان فلم تجئ النار تأكله . فقالوا : يا نبي الله ، ما لنا لا يقبل قرباننا؟! قال : فيكم غلول . قالوا : وكيف لنا أن نعلم من عنده الغلول؟ قال : وهم اثنا عشر سبطاً قال : يبايعني رأس كل سبط منكم ، فبايعه رأس كل سبط ، فلزقت كفه بكف رجل منهم فقالوا له : عندك الغلول . فقال : كيف لي أن أعلم؟ قال تدعو سبطك فتبايعهم رجلاً رجلاً ، ففعل ، فلزقت كفه بكف رجل منهم قال : عندك الغلول . قال : نعم ، عندي الغلول . قال : وماهو؟ قال : رأس ثور من ذهب أعجبني فغللته ، فجاء به فوضعه في الغنائم ، فجاءت النار فأكلته »

(3/356)


، فقال كعب : صدق الله ورسوله هكذا ، والله في كتاب الله يعني في التوراة ، ثم قال : يا أبا هريرة ، أحدثكم النبي صلى الله عليه وسلم أي نبي كان؟ قال : هو يوشع بن نون . قال : فحدثكم أي قرية؟ قال : هي مدينة أريحاء ، وفي رواية عبد الرزاق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لم تحل الغنيمة لأحد قبلنا ، وذلك أن الله رأى ضعفنا فطيبها لنا ، وزعموا أن الشمس لم تحبس لأحد قبله ولا بعده » .

(3/357)


وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)

أخرج ابن جرير عن ابن مسعود عن ناس من الصحابة . أنه كان لا يولد لآدم مولود ألا ولد معه جارية ، فكان يزوّج غلام هذا البطن لجارية البطن الآخر ، ويزوّج جارية هذا البطن غلام هذا البطن الآخر ، حتى ولد له ابنان يقال لهما قابيل وهابيل ، وكان قابيل صاحب زرع ، وكان هابيل صاحب ضرع ، وكان قابيل أكبرهما وكانت له أخت أحسن من أخت هابيل ، وإن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه وقال : هي اختي ولدت معي وهي أحسن من أختك وأنا أحق أن أتزوّج بها . فأمره أبوه أن يتزوّجها هابيل فأبى ، وإنهما قَرَّبَا قرباناً إلى الله أيهما أحق بالجارية ، وكان آدم قد غاب عنهما إلى مكة ينظر إليها ، فقال آدم للسماء : احفظي ولدي بالأمانة فأبت ، وقال للأرض فأبت ، وقال للجبال فأبت ، فقال لقابيل فقال : نعم ، تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك . فلما انطلق آدم قربا قرباناً ، وكان قابيل يفخر عليه فقال : أنا أحق بها منك ، هي أختي وأنا أكبر منك وأنا وصي والدي ، فلما قربا قرب هابيل جذعة سمينة ، وقرب قابيل حزمة سنبل ، فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها فأكلها ، فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل ، فغضب وقال : لأقتلنك حتى لا تنكح أختي . فقال هابيل { إنما يتقبل الله من المتقين ، إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } يقول : إثم قتلي إلى إثمك الذي في عنقك .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر بسند جيد عن ابن عباس قال : نهى أن ينكح المرأة أخاها توأمها ، وأن ينكحها غيره من اخوتها ، وكان يولد له في كل بطن رجل وامرأة ، فبينما هم كذلك ولد له امرأة وضيئة وأخرى قبيحة ذميمة ، فقال أخو الذميمة : انكحني أختك وأنكحك أختي . قال : لا ، أنا أحق بأختي ، فقربا قرباناً ، فجاء صاحب الغنم بكبش أبيض وصاحب الزرع بصبرة من طعام ، فتقبل من صاحب الكبش فخزنه الله في الجنة أربعين خريفاً وهو الكبش الذي ذبحه إبراهيم ، ولم يقبل من صاحب الزرع ، فبنو آدم كلهم من ذلك الكافر .
وأخرج إسحاق بن بشر في المبتدأ وابن عساكر في تاريخه من طريق جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال : ولد لآدم أربعون ولداً ، عشرون غلاماً وعشرون جارية ، فكان ممن عاش منهم هابيل ، وقابيل ، وصالح ، وعبد الرحمن ، والذي كان سماه عبد الحارث ، وود ، وكان يقال له شيث ، ويقال له هبة الله ، وكان اخوته قد سودوه ، وولد له سواع ، ويغوث ، ونسر ، وإن الله أمره أن يفرق بينهم في النكاح ، ويزوج أخت هذا من هذا .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : كان من شأن ابني آدم أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه ، وإنما كان القربان يقربه الرجل ، فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا : لو قربنا قرباناً ، وكان أحدهما راعياً والآخر حراثاً ، وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه واسمنها ، وقرب الآخر بعض زرعه ، فجاءت النار فنزلت فأكلت الشاة وتركت الزرع ، وإن ابن آدم قال لأخيه : أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قرباناً فتقبل منك وردَّ عليَّ؟ فلا والله لا ينظر الناس إليّ وإليك وأنت خير مني ، فقال : لأقتلنك .

(3/358)


فقال له أخوه : ما ذنبي { إنما يتقبل الله من المتقين ، لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك } لا أنا مستنصر ولأمسكن يدي عنك .
وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال : إن ابني آدم اللذين قربا قرباناً ، كان أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم ، وأنهما أُمِرَا أن يُقَرِّبَا قرباناً وأن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه ، وإن صاحب الحرث قرب شر حرثه الكردن والزوان غير طيبة بها نفسه ، وإن الله تقبل قربان صاحب الغنم ولم يقبل قربان صاحب الحرث ، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه ، وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين ، ولكنه منعه التحرج أن يبسط يده إلى أخيه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { واتل عليهم نبأ ابني آدم } قال : هابيل وقابيل لصلب آدم ، قرب هابيل عناقاً من أحسن غنمه وقرب قابيل زرعاً من زرعه ، فتقبل من صاحب الشاة ، فقال لصاحبه : لأقتلنك . . . ! فقتله . فعقل الله إحدى رجليه بساقه إلى فخذها من يوم قتله إلى يوم القيامة ، وجعل وجهه إلى اليمن ، حيث دارت عليه حظيرة من ثلج في الشتاء ، وعليه في الصيف حظيرة من نار ، ومعه سبعة أملاك كلما ذهب ملك جاء الآخر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله { واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق } قال : كانا من بني إسرائيل ولم يكونا ابني آدم لصلبه ، وإنما كان القربان في بني إسرائيل وكان أوّل من مات .
أخرج ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء قال : لأن استيقن ان الله تقبل مني صلاة واحدة أحب إليّ من الدنيا وما فيها ، إن الله يقول { إنما يتقبل الله من المتقين } .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن علي بن أبي طالب قال : لا يقل عمل مع تقوى ، وكيف يقل ما يتقبل؟ . . .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز . أنه كتب إلى رجل : أوصيك بتقوى الله الذي لا يقبل غيرها ، ولا يرحم إلا عليها ، ولا يثيب إلا عليها ، فإن الواعظين بها كثير ، والعاملين بها قليل .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن يزيد العيص : سألت موسى بن أعين عن قوله عز وجل { إنما يتقبل الله من المتقين } قال : تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام ، فسماهم الله متقين .

(3/359)


وأخرج ابن أبي الدنيا عن فضالة بن عبيد قال : لأن أكون اعلم أن الله يقبل مني مثقال حبة من خردل ، أحب إليَّ من الدنيا وما فيها ، فإن الله يقول { إنما يتقبل الله من المتقين } .
وأخرج ابن سعد وابن أبي الدنيا عن قتادة قال : قال عامر بن عبد قيس آية في القرآن أحب إليّ من الدنيا جميعاً أن أعطاه أن يجعلني الله من المتقين ، فإنه قال { إنما يتقبل الله من المتقين } .
وأخرج ابن أبي الدنيا ، عن همام بن يحيى قال : بكى عامر بن عبد الله عند الموت فقيل له : ما يبكيك؟ قال : آية في كتاب الله . فقيل له : أيّة آية؟! قال { إنما يتقبل الله من المتقين } .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله لا يقبل عمل عبد حتى يرضى عنه » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ثابت قال : كان مطرف يقول : اللهم تقبَّل مني صيام يوم ، اللهم اكتب لي حسنة ، ثم يقول { إنما يتقبل الله من المتقين } .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك في قوله { إنما يتقبل الله من المتقين } قال : الذين يتقون الشرك .
وأخرج ابن عساكر عن هشام بن يحيى عن أبيه قال : دخل سائل إلى ابن عمر فقال لابنه : اعطه ديناراً فاعطاه ، فلما انصرف قال ابنه : تقبل الله منك يا أبتاه فقال : لو علمت أن الله تقبل مني سجدة واحدة أو صدقة درهم لم يكن غائب أحب إلي من الموت ، تدري ممن يتقبل الله؟ { إنما يتقبل الله من المتقين } .

(3/360)


لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29)

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { لئن بسطت إلي يدك . . . } الآية . قال : كان كتب عليهم إذا أراد الرجل رجلاً تركه ولا يمتنع منه .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في الآية . قال : كانت بنو إسرائيل كتب عليهم إذا الرجل بسط يده إلى الرجل لا يمتنع عنه حتى يقتله أو يدعه ، فذلك قوله { لئن بسطت } الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك } قال : بقتلك إياي { وإثمك } قال : بما كان منك قبل ذلك .
وأخرج عن قتادة والضحاك . مثله .
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل { إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك } قال : ترجع بإثمي وإثمك الذي عملت فتستوجب النار . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت الشاعر يقول :
من كان كاره عيشه فليأتنا ... يلقى المنية أو يبوء عناء
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن سعد بن أبي وقاص : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إنها ستكون فتنة ، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم خير من الماشي ، والماشي خير من الساعي ، قال : أفرأيت إن دخل علي بيتي فبسط إليّ يده ليقتلني؟ قال : كن كابن آدم ، وتلا { لئن بسطت إلىّ يدك لتقتلني } الآية » .
وأخرج أحمد ومسلم والحاكم عن أبي ذر قال « ركب النبي صلى الله عليه وسلم حماراً وأردفني خلفه فقال : يا أبا ذر أرأيت إن أصاب الناس جوع لا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك ، كيف تصنع؟ قلت : الله ورسوله أعلم! قال : تعفف يا أبا ذر ، أرأيت إن أصاب الناس موت شديد يكون البيت فيه بالعبد يعني القبر؟ قلت : الله ورسوله أعلم! قال : اصبر يا أبا ذر . قال : أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضاً حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء ، كيف تصنع؟ قلت : الله ورسوله أعلم! قال : اقعد في بيتك واغلق بابك . قلت : فإن لم أترك؟ قال : فائت من أنق منهم فكن فيهم . قلت : فآخذ سلاحي؟ قال : إذن تشاركهم فيما هم فيه ، ولكن إن خشيت أن يروّعك شعاع السيف فالق طرف ردائك على وجهك حتى يبوء بإثمه وإثمك فيكون من أصحاب النار » .
وأخرج البيهقي عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « اكسروا سيفكم يعني في الفتنة ، واقطعوا أوتاركم ، والزموا أجواف البيوت ، وكونوا فيها كالخير من ابني آدم » .
وأخرج ابن مردويه عن حذيفة قال : لئن اقتتلتم لأنتظرن أقصى بيت في داري فلألجنَّه فلئن دخل عليَّ فلأقولن : ها بؤ بإثمي وإثمك كخير ابني آدم .

(3/361)


وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن أبي نضرة قال : دخل أبو سعيد الخدري يوم الحرة غاراً ، فدخل عليه الغار رجل ومع أبي سعيد السيف ، فوضعه أبو سعيد وقال : بؤ بإثمي وإثمك وكن من أصحاب النار ، ولفظ ابن سعد وقال : { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار } قال أبو سعيد الخدري : أنت . . . ؟! قال : نعم . قال : فاستغفر لي . قال : غفر الله لك .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن ابني آدم ضربا مثلاً لهذه الأمة فخذوا بالخير منهما » .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « يا أيها الناس ألا إن ابني آدم ضربا لكم مثلاً ، فتشبهوا بخيرهما ولا تتشبهوا بشرهما » .
وأخرج ابن جرير من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه قال : قلت لبكر بن عبد الله : أما بلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلاً ، فخذوا خيرهما ودعوا شرهما؟ . . قال بلى » .
وأخرج الحاكم بسند صحيح عن أبي بكرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ألا إنها ستكون فتن ، ألا ثم تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي إليها ، فإذا نزلت فمن كان له إبل فليلحق بإبله ، ومن كان له أرض فليلحق بأرضه . فقيل : أرأيت يا رسول الله إن لم يكن له ذلك؟ قال : فليأخذ حجراً فليدق به على حد سيفه ، ثم لينج إن استطاع النجاة ، اللهم هل بلغت ثلاثاً . فقال رجل : يا رسول الله ، أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين ، فيرميني رجل بسهم أو يضربني بسيف فيقتلني؟ قال يبوء بإثمه وإثمك فيكون من أصحاب النار . قالها ثلاثاً » .
وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة أنه قيل له : ما تأمرنا إذا قتل المصلون؟ قال : آمرك أن تنظر أقصى بيت في دارك فتلج فيه ، فإن دخل عليك فتقول له : بُؤْ بإثمي وإثمك فتكون كابن آدم .
وأخرج أحمد والحاكم عن خالد بن عرفطة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يا خالد إنه سيكون بعدي أحداث وفتن واختلاف ، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول لا القاتل فافعل » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول « يكون فتنة النائم فيها خير من المضطجع ، والمضطجع خير من القاعد ، والقاعد خير من الماشي ، والماشي خير من الساعي ، قتلاها كلها في النار . قال : يا رسول الله ، فيم تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال : ادخل بيتك . قلت : أفرأيت إن دخل عليَّ؟ قال : قل بؤ بإثمي وإثمك ، وكن عبد الله المقتول » .

(3/362)


وأخرج البيهقي في شعب الإيمان وابن عساكر عن الأوزاعي قال : من قتل مظلوماً كفَّر الله كل ذنب عنه ، وذلك في القرآن { إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك } .
وأخرج ابن سعد عن خباب بن الأرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم « أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، فإن أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يعجز أحدكم أتاه الرجل أن يقتله أن يقول هكذا ، وقال بإحدى يديه على الأخرى ، فيكون كالخير من ابني آدم ، وإذا هو في الجنة وإذا هو في الجنة وإذا قاتله في النار » .

(3/363)


فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { فطوّعت له نفسه قتل أخيه } قال : زيَّنت له نفسه .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة { فطوّعت له نفسه قتل أخيه } ليقتله ، فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال ، فأتاه يوماً من الأيام وهو يرعى غنماً له وهو نائم ، فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات ، فتركه بالعراء ولا يدري كيف يدفن ، فبعث الله غرابين أخوين ، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ، فحفر له ثم حثا عليه التراب ، فلما رآه قال : يا ويلتا ، أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال : ابن آدم الذي قتل أخاه لم يدر كيف يقتله ، فتمثل له إبليس في صورة طير ، فأخذ طيراً فوضع رأسه بين حجرين ، فشدخ رأسه فعلمه القتل . وأخرج عن مجاهد نحوه .
وأخرج ابن جرير عن خيثمة قال : لما قتل ابن آدم أخاه شفت الأرض دمه ، فلعنت ، فلم تشف الأرض دماً بعد .
وأخرج ابن عساكر عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « بدمشق جبل يقال له قاسيون فيه قتل ابن آدم أخاه » .
وأخرج ابن عساكر عن عمرو بن خبير الشعباني قال : كنت مع كعب الأحبار على جبل دير المران ، فرأى لجة سائلة في الجبل ، فقال : ههنا قتل ابن آدم أخاه ، وهذا أثر دمه جعله الله آية للعالمين .
وأخرج ابن عساكر من وجه آخر عن كعب قال : إن الدم الذي على جبل قاسيون هو دم ابن آدم .
وأخرج ابن عساكر عن وهب قال : إن الأرض نشفت دم ابن آدم المقتول فلعن ابن آدم الأرض ، فمن أجل ذلك لا تنشف الأرض دماً بعد دم هابيل إلى يوم القيامة .
وأخرج نعيم بن حماد في الفتن عن عبد الرحمن بن فضالة قال : لما قتل قابيل هابيل مسح الله عقله ، وخلع فؤاده ، تائها حتى مات .
قوله تعالى : { فأصبح من الخاسرين } .
أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل » .
وأخرج ابن المنذر عن البراء بن عازب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما قتلت نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم قاتل الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل » .
وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن عمرو قال : إن أشقى الناس رجلاً لابن آدم الذي قتل أخاه ما سفك دم في الأرض منذ قتل أخاه إلى يوم القيامة إلا لحق به منه شيء وذلك أنه أول من سن القتل .

(3/364)


وأخرج الطبراني عن ابن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أشقى الناس ثلاثة : عاقر ناقة ثمود ، وابن آدم الذي قتل أخاه ما سفك على الأرض من دم إلا لحقه منه لأنه أول من سن القتل » .
وأخرج ابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمرو قال إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب عليه شطر عذابهم .
وأخرج ابن أبي الدنيا كتاب من عاش بعد الموت من طريق عبد الله بن دينار عن أبي أيوب اليماني عن رجل من قومه يقال له عبد الله ، أنه ونفراً من قومه ركبوا البحر وإن البحر أظلم عليهم أياماً ، ثم انجلت عنهم تلك الظلمة وهم قرب قرية . قال عبد الله : فخرجت ألتمس الماء وإذا أبواب مغلقة تجأجأ فيها الريح فهتفت فيها فلم يجبني أحد فبينا أنا على ذلك إذ طلع عليَّ فارسان ، فسألا عن أمري فأخبرتهما الذي أصابنا في البحر وأني خرجت أطلب الماء ، فقالا لي : اسلك في هذه السكة فإنك ستنتهي إلى بركة فيها ماء فاستق منها ولا يهولنك ما ترى فيها . فسألتهما عن تلك البيوت المغلقة التي تجأجئ فيها الريح ، فقالا : هذه بيوت أرواح الموتى ، فخرجت حتى انتهيت إلى البركة فإذا فيها رجل معلق منكوس على رأسه ، يريد أن يتناول الماء بيده فلا يناله ، فلما رآني هتف بي وقال : يا عبد الله ، اسقني فغرفت بالقدح لأناوله فقبضت يدي فقلت : أخبرني من أنت؟ فقال : أنا ابن آدم أول من سفك دماً في الأرض .

(3/365)


فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطية قال : لما قتله ندم ، ضمه إليه حتى أروح ، وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يرمي به فتأكله ، وكره أن يأتي به آدم فيحزنه ، فبعث الله غرابين قتل أحدهما الآخر وهو ينظر إليه ، ثم حفر به بمنقاره وبرجليه حتى مكَّن له ، ثم دفعه برأسه حتى ألقاه في الحفرة ، ثم بحث عليه برجليه حتى واراه ، فلما رأى ما صنع الغراب { قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي } .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : بعث الله غرابين فاقتتلا ، فقتل أحدهما الآخر ثم جعل يحثو عليه التراب حتى واراه ، فقال ابن آدم القاتل : { يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : جاء غراب إلى غراب ميت ، فحثا عليه التراب حتى واراه ، فقال الذي قتل أخاه { يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي } .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : مكث يحمل أخاه في جراب على رقبته سنة ، حتى بعث الله الغرابين ، فرآهما يبحثان فقال { أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب } فدفن أخاه .
وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن سالم بن أبي الجعد قال : ان آدم لما قتل أحد ابنيه الآخر ، مكث مائة عام لا يضحك حزناً عليه ، فأتى على رأس المائة فقيل له : حياك الله وبياك وبشر بغلام ، فعند ذلك ضحك .
وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : لما قتل ابن آدم ، بكى آدم فقال :
تغيرت البلاد ومن عليها ... فلون الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي لون وطعم وقل بشاشة الوجه المليح ... فأجيب آدم عليه السلام :
أبا هابيل قد قتلا جميعاً ... وصار الحي بالميت الذبيح
وجاء بشره قد كان منه ... على خوف فجاء بها يصيح
وأخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس قال : لما قتل ابن آدم أخاه قال آدم عليه الصلاة والسلام :
تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي لون وطعم ... وقل بشاشة الوجه الصبيح
قتل قابيل هابيلاً أخاه ... فوا حزناً مضى الوجه المليح
فأجابه إبليس عليه اللعنة :
تنح عن البلاد وساكنيها ... فبي في الخلد ضاق بك الفسيح
وكنت بها وزوجك في رخاء ... وقلبك من أذى الدنيا مريح
فما انفكت مكايدتي ومكري ... إلى أن فاتك الثمن الربيح

(3/366)


مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)

أخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله { من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل } يقول : من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ظلماً .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله { من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً } عند المقتول يقول : في الإثم { ومن أحياها } فاستنقذها من هلكة { فكأنما أحيا الناس جميعاً } عند المستنفذ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { فكأنما قتل الناس جميعاً } قال : أوبق نفسه كما لو قتل الناس جميعاً وفي قوله { من أحياها } قال : من سلم من قتلها .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : احياؤها أن لا يقتل نفساً حرمها الله .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : من قتل نبياً ، أو إمام عدل ، فكأنما قتل الناس جميعاً .
وأخرج ابن سعد عن أبي هريرة قال : دخلت على عثمان يوم الدار فقلت : جئت لأنصرك . فقال : يا أبا هريرة ، أيسرك أن تقتل الناس جميعاً وإيار معهم؟ قلت : لا . قال : فإنك إن قتلت رجلاً واحداً فكأنما قتلت الناس جميعاً ، فانصرف .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { فكأنما قتل الناس جميعاً } قال : هذه مثل التي في سورة النساء { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً } [ النساء : 93 ] يقول : لو قتل الناس جميعاً لم يزد على مثل ذلك العذاب .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن في قوله { من قتل نفساً بغير نفس . . . فكأنما قتل الناس جميعاً } قال : في الوزر { ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً } قال : في الأجر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { ومن أحياها } قال : من أنجاها من غرق أو حرق أو هدم أو هلكة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في قوله { ومن أحياها } قال : من قتل حميم فعفا عنه فكأنما أحيا الناس جميعاً .
وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه قيل له في هذه الآية : أهي لنا كما كانت لبني إسرائيل؟ قال : اي والذي لا إله غيره .

(3/367)


إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)

أخرج أبو داود والنسائي عن ابن عباس في قوله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : نزلت في المشركين ، منهم من تاب قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه سبيل ، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل ، أو أفسد في الأرض ، أو حارب الله ورسوله ، ثم لحق بالكفار قبل أن يقدروا عليه ، لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه .
وأخرج ابن جرير والطبراني في الكبير عن ابن عباس في هذه الآية قال « كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق ، فنقضوا العهد وأفسدوا في الأرض ، فخيَّر الله نبيه فيهم إن شاء أن يقتل ، وإن شاء أن يصلب ، وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وأما النفي فهو الهرب في الأرض ، فإن جاء تائباً فدخل في الإسلام قُبِل منه ولم يؤخذ بما سلف » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن سعد قال : نزلت هذه الآية في الحرورية { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية .
وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه والبيهقي في الدلائل عن أنس « أن نفراً من عكل قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا وآمنوا ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها ، فقتلوا راعيها واستاقوها ، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم ، فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ، ولم يحسمهم وتركهم حتى ماتوا ، فأنزل الله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله . . . } الآية » .
وأخرج أبو داود والنسائي وابن جرير عن ابن عمر قال : نزلت آية المحاربين في العرنيين .
وأخرج ابن جرير قال : « قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من عرينة مضرورين ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما صحوا واشتدوا قتلوا رعاء اللقاح ، ثم صرخوا باللقاح عامدين بها إلى أرض قومهم قال جرير : فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين ، فقدمنا بهم ، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمل أعينهم ، فأنزل الله هذه الآية { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية » .
وأخرج ابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية ، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر من العرنيين ، وهم من بجيلة . قال أنس « فارتدوا عن الإسلام ، وقتلوا الراعي ، واستاقوا الإبل ، وأخافوا السبيل ، وأصابوا الفرج الحرام ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عن القضاء فيمن حارب ، فقال : من سرق وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه » .

(3/368)


وأخرج الحافظ عبد الغني في إيضاح الإشكال من طريق أبي قلابة عن أنس « عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : » هم من عكل « » .
وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة قال « قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجال من بني فزاره قد ماتوا هزالاً ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى لقاحه فسرقوها فطلبوا ، فأتى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ، قال أبو هريرة : فيهم نزلت هذه الآية { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : فترك النبي صلى الله عليه وسلم الأعين بعد » .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن سعيد بن جبير قال : « كان ناس من بني سليم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فبايعوه على الإسلام وهم كذبة ، ثم قالوا : إنا نجتوي المدينة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح فاشربوا من أبوالها ، فبينما هم كذلك إذ جاء الصريخ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : قتلوا الراعي ، وساقوا النعم ، فركبوا في أثرهم ، فرجع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسروا منهم ، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم بهم ، فأنزل الله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية . فقتل النبي صلى الله عليه وسلم منهم ، وصلب ، وقطع ، وسمل الأعين ، قال : فما مثَّل النبي صلى الله عليه وسلم قبل ولا بعد ، ونهى عن المثلة وقال : لا تمثِّلوا بشيء » .
وأخرج مسلم والنحاس في ناسخه والبيهقي عن أنس قال « إنما سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة » .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية . قال : « نزلت في سودان عرينة ، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وبهم الماء الأصفر ، فشكوا ذلك إليه ، فأمرهم فخرجوا إلى إبل الصدقة ، فقال اشربوا من أبوالها وألبانها ، فشربوا حتى إذا صحوا وبرئوا قتلوا الرعاة واستاقوا الإبل ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى بهم ، فأراد أن يسمل أعينهم ، فنهاه الله عن ذلك ، وأمره أن يقيم فيهم الحدود كما أنزل الله » .
وأخرج ابن جرير عن الوليد بن مسلم قال : ذكرت لليث بن سعد ما كان من سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك حسمهم حتى ماتوا ، فقال : سمعت محمد بن عجلان يقول : أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم معاتبة في ذلك ، وعلَّمه عقوبة مثلهم من القطع والقتل والنفي ، ولم يسمل بعدهم وغيرهم .

(3/369)


قال : وكان هذا القول ذكر لابن عمر ، فأنكر أن تكون نزلت معاتبة ، وقال : بل كانت عقوبة ذلك النفر بأعيانهم ، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم فرفع عنه السمل .
وأخرج البيهقي في سننه عن محمد بن عجلان عن أبي الزناد « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قطع الذين أخذوا لقاحه وسمل أعينهم ، عاتبه الله في ذلك ، فأنزل الله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله . . } الآية » .
وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله . . } الآية . قال : إذا خرج المحارب فأخذ المال ولم يقتل يقطع من خلاف ، واذا خرج فقتل ولم يأخذ المال قتل ، وإذا خرج فقتل وأخذ المال قتل وصلب ، واذا خرج فأخاف السبيل ولم يأخذ المال ولم يقتل نفي .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عباس في قوله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله . . } الآية . قال : من شهر السلاح في قبة الإسلام ، وأفسد السبيل وظهر عليه وقدر فإمام المسلمين مخيَّر فيه ، إن شاء قتله ، وإن شاء صلبه ، وإن شاء قطع يده ورجله ، قال { أو ينفوا من الأرض } يهربوا يخرجوا من دار الإسلام إلى دار الحرب .
وأخرج أبو داود والنسائي والنحاس في ناسخه والبيهقي ، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال : زان محصن يرجم ، ورجل قتل متعمداً فيقتل ، ورجل خرج من الإسلام فحارب ، فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض » .
وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن عباس « أن قوماً من عرينة جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا وكان منهم مواربة قد شلت أعضاؤهم ، واصفرت وجوههم ، وعظمت بطونهم ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة يشربوا من أبوالها وألبانها ، فشربوا حتى صحوا وسمنوا ، فعمدوا إلى راعي النبي صلى الله عليه وسلم فقتلوه واستاقوا الإبل ، وارتدوا عن الإسلام ، وجاء جبريل فقال : يا محمد ابعث في آثارهم ، فبعث ثم قال : ادع بهذا الدعاء : اللهم إن السماء سماؤك ، والأرض أرضك ، والمشرق مشرقك ، والمغرب مغربك ، اللهم ضيق من مسك حمل حتى تقدرني عليهم . فجاؤوا بهم ، فأنزل الله تعالى { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله . . } الآية . فأمره جبريل أن من أخذ المال وقتل يصلب ، ومن قتل ولم يأخذ المال يقتل ، ومن أخذ المال ولم يقتل تقطع يده ورجله من خلاف ، وقال ابن عباس هذا الدعاء : لكل آبق ، ولكل من ضلت له ضالة من انسان وغيره ، يدعو هذا الدعاء ، ويكتب في شيء ويدفن في مكان نظيف إلا قدره الله عليه » .

(3/370)


وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة وعطاء الخراساني في قوله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله . . } الآية . قال : هذا الذي يقطع الطريق فهو محارب ، فإن قتل وأخذ مالاً صلب ، وإن قتل ولم يأخذ مالاً قتل ، وإن أخذ مالاً ولم يقتل قطعت يده ورجله ، وإن أخذ قبل أن يفعل شيئاً من ذلك نفي ، وأما قوله { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } فهؤلاء خاصة ، ومن أصاب دماً ثم تاب من قبل أن يقدر عليه أهدر عنه ما مضى .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عطاء ومجاهد قالا : الإمام في ذلك مخير ، إن شاء قتل ، وإن شاء قطع ، وإن شاء صلب ، وإن شاء نفى .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب والحسن والضحاك في الآية قالوا : الإمام مخيَّر في المحارب يصنع به ما شاء .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك فال « كان قوم بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق ، فنقضوا العهد وقطعوا السبل ، وأفسدوا في الأرض ، فخير الله نبيه فيهم إن شاء قتل ، وإن شاء صلب ، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، أو ينفوا من الأرض . قال : هو أن يطلبوا حتى يعجزوا ، فمن تاب قبل أن يقدروا عليه قبل ذلك منه » .
وأخرج أبو داود في ناسخه عن الضحاك قال : نزلت هذه الآية في المشركين .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : نفيه أن يطلبه الإمام حتى يأخذه ، أقام عليه إحدى هذه المنازل التي ذكر الله بما استحل .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله { أو ينفوا من الأرض } قال : من بلد إلى بلد .
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : ينفى حتى لا يقدر عليه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الزهري في قوله { أو ينفوا من الأرض } قال : نفيه أن يطلب فلا يقدر عليه ، كلما سمع به أرض طلب .
وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس في الآية قال : يخرجوا من الأرض ، أينما أدركوا خرجوا حتى يلحقوا بأرض العدو .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في الآية قال : من أخاف سبيل المؤمنين نفي من بلد إلى غيره .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله { ويسعون في الأرض فساداً } قال : الزنا ، والسرقة ، وقتل النفس ، وهلاك الحرث ، والنسل .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وسعيد بن جبير قالا : ان جاء تائباً لم يقطع مالاً ، ولا سفك دماً ، فذلك الذي قال الله { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب الأشراف وابن جرير وابن أبي حاتم عن الشعبي قال : كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة ، قد أفسد في الأرض وحارب ، وكلم رجالاً من قريش أن يستأمنوا له علياً فأبوا ، فأتى سعيد بن قيس الهمذاني ، فأتى علياً فقال : يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً؟ قال : أن يقتلوا ، أو يصلبوا ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، أو ينفوا من الأرض ، ثم قال { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } فقال سعيد : وإن كان حارثة بن بدر؟ فقال : هذا حارثة بن بدر قد جاء تائباً فهو آمن؟ قال : نعم .

(3/371)


قال : فجاء به إليه ، فبايعه وقَبِل ذلك منه وكتب له أماناً .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن الأشعث عن رجل قال : صلى رجل مع أبي موسى الأشعري الغداة ، ثم قال : هذا مقام العائذ التائب ، أنا فلان بن فلان ، أنا كنت ممن حارب الله ورسوله وجئت تائباً من قبل أن يقدر عليَّ ، فقال أبو موسى : إن فلان ابن فلان كان ممن حارب الله ورسوله وجاء تائباً من قبل أن يقدر عليه ، فلا يعرض له أحد إلا بخير ، فإن يكن صادقاً فسبيلي ذلك ، وإن يك كاذباً فلعل الله أن يأخذه بذنبه .
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء أنه سئل عن رجل سرق سرقة فجاء تائباً من غير أن يؤخذ عليه ، هل عليه حد؟ قال : لا ، ثم قال { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم . . . } الآية .
وأخرج أبو داود في ناسخه عن السدي في قوله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } قال : سمعنا انه إذا قَتَلَ قُتِلَ ، واذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده بالمال ، ورجله بالمحاربة ، وإذا قتل وأخذ المال قطعت يده ورجلاه وصلب { إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } فإن جاء تائباً إلى الإمام قبل أن يقدر عليه فأمنه الإمام فهو آمن ، فإن قتله إنسان بعد أن يعلم أن الإمام قد أمنه قتل به ، فإن قتله ولم يعلم أن الإمام قد أمنه كانت الدية .

(3/372)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)

أخرج عبد بن حميد والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله { وابتغوا إليه الوسيلة } قال : القربة .
وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة في قوله { وابتغوا إليه الوسيلة } قال : القربة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { وابتغوا إليه الوسيلة } قال : تقربوا إلى الله بطاعته والعمل بما يرضيه .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي وائل قال { الوسيلة } في الإيمان .
وأخرج الطستي وابن الأنباري في الوقف والابتداء ، عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : اخبرني عن قوله عز وجل { وابتغوا إليه الوسيلة } قال : الحاجة ، قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت عنترة وهو يقول :
إن الرجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكللي وتخضبي

(3/373)


إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37)

أخرج مسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة » قال يزيد بن الفقير : فقلت لجابر بن عبد الله : يقول الله { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها } قال : اتل أول الآية { إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة } ألا إنهم الذين كفروا .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد وابن مردويه والبيهقي في الشعب ، عن طلق بن حبيب قال : كنت من أشد الناس تكذيباً للشفاعة حتى لقيت جابر بن عبد الله ، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها يذكر الله فيها خلود أهل النار . قال : يا طلق ، أتراك أَقْرَأ لِكِتابِ الله وأَعْلَم لِسُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم مني؟ إن الذين قرأت هم أهلها ، هم المشركون ، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوباً ثم خرجوا منها ، ثم أهوى بيديه إلى أذنيه فقال : صمتا ان لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « يخرجون من النار بعدما دخلوا » ونحن نقرأ كما قرأت .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس { وما هم بخارجين منها } فقال ابن عباس : ويحك . . . ! اقرأ ما فوقها ، هذه للكفار .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال : إن الله إذا فرغ من القضاء بين خلقه أخرج كتاباً من تحت عرشه فيه : رحمتي سبقت غضبي وأنا أرحم الراحمين . قال : فيخرج من النار مثل أهل الجنة ، أو قال مثلي أهل الجنة ، مكتوب ههنا منهم - وأشار إلى نحره - عتقاء الله تعالى ، فقال رجل لعكرمة : يا أبا عبد الله ، فإن الله يقول { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها } قال : ويلك . . ! أولئك هم أهلها الذين هم أهلها .
وأخرج ابن المنذر والبيهقي في الشعب عن أشعث قال : قلت : أرأيت قول الله { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها } فقال : إنك والله لا تسقط على شيء ، إن للنار أهلاً لا يخرجون منها كما قال الله تعالى .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي مالك قال : ما كان فيه عذاب مقيم ، يعني دائم لا ينقطع .

(3/374)


وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن نجدة الحنفي قال : سألت ابن عباس عن قوله { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } أخاص أم عام؟ قال : بل عام .
وأخرج عبد بن حميد عن نجدة بن نفيع قال : سألت ابن عباس عن قوله { والسارق والسارقة . . } الآية . قال : ما كان من الرجال والنساء قطع .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ من طرق ، عن ابن مسعود أنه قرأ « فاقطعوا أيمانهما » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم النخعي . أنه قال : في قراءتنا ، وربما قال : في قراءة عبد الله « والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم » .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { جزاءً بما كسبا نكالاً من الله } قال : لا ترثوا لهم فيه ، فإنه أمر الله الذي أمر به قال : وذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول : اشتدوا على الفساق واجعلوهم يداً يداً ورجلاً رجلاً .
وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال « إن أول حد أقيم في الإسلام لرجل أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم سرق فشهدوا عليه ، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع ، فلما حف الرجل نظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كأنما سفى فيه الرماد ، فقالوا : يا رسول الله ، كأنه اشتد عليك قطع هذا! . . قال : وما يمنعني وأنتم أعون للشيطان على أخيكم! قالوا : فأرسله . قال : فهلا قبل أن تأتوني به ، إن الإمام إذا أتى بحد لم يسغ له أن يعطله » .

(3/375)


فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40)

أخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمر « أن امرأة سرقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطعت يدها اليمنى . فقالت : هل لي من توبة يا رسول الله؟ قال : نعم ، أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك ، فأنزل الله في سورة المائدة { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم } » .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه } يقول : الحد كفارته .
وأخرج عبد الرزاق عن محمد بن عبد الرحمن عن ثوبان قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل سرق شملة ، فقال : ما أخاله سرق أو سرقت؟ قال : نعم . قال : اذهبوا به فاقطعوا يده ثم احسموها ثم ائتوني به ، فأتوه به فقال : تبت إلى الله؟ فقال : إني أتوب إلى الله . قال : اللهم تب عليه .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن المنكدر « أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع رجلاً ثم أمر به فحسم وقال : تب إلى الله ، فقال أتوب إلى الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم » إن السارق إذا قطعت يده وقعت في النار ، فإن عاد تبعها ، وإن تاب استشلاها ، يقول : استرجعها « » .

(3/376)


يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } قال : هم اليهود { من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } قال : هم المنافقون .
وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال « إن الله أنزل { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } [ المائدة : 44 ] الظالمون ، الفاسقون ، أنزلها الله في طائفتين من اليهود قهرت إحداهما الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا ، على أن كل قتيل قتلته الغريزة من الذليلة فديته خمسون وسقاً ، وكل قتيل قتلته الذليلة من الغريزة فديته مائة وسق ، فكانوا على ذلك حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فنزلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ لم يظهر عليهم ، فقامت الذليلة فقالت : وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد ، ونسبهما واحد ، وبلدهما واحد ، ودية بعضهم نصف دية بعض ، إنما أعطيناكم هذا ضيماً منكم لنا وفرقاً منكم ، فاما إذ قدم محمد صلى الله عليه وسلم فلا نعطيكم ذلك ، فكادت الحرب تهيج بينهم ، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم ، ففكرت الغريزة فقالت : والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم ، ولقد صدقوا ، ما أعطونا هذا إلا ضيماً وقهراً لهم ، فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاخبر الله رسوله بأمرهم كله وماذا أرادوا ، فأنزل الله { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } إلى قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } ، ثم قال : فيهم - والله - أنزلت » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عامر الشعبي في قوله { لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } قال : رجل من اليهود قتل رجلاً من أهل دينه ، فقالوا لحلفائهم من المسلمين : سلوا محمداً صلى الله عليه وسلم فإن كان يقضي بالدية اختصمنا إليه ، وإن كان يقضي بالقتل لم نأته .
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن أبي هريرة « أن أحبار اليهود اجتمعوا في بيت المدراس حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وقد زنى رجل بعد احصانه بامرأة من اليهود وقد أحصنت ، فقالوا : ابعثوا هذا الرجل وهذه المرأة إلى محمد فاسألوه كيف الحكم فيهما وولوه الحكم فيهما ، فإن حكم بعملكم من التجبية ، والجلد بحبل من ليف مطلي بقار ، ثم يسود وجوههما ، ثم يحملان على حمارين وجوههما من قبل أدبار الحمار ، فاتبعوه فإنما هو ملك سيد القوم ، وإن حكم فيهما بالنفي فإنه نبي فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكم .

(3/377)


فأتوه فقالوا : يا محمد . هذا رجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت ، فاحكم فيهما فقد وليناك الحكم فيهما ، فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى أحبارهم في بيت المدراس فقال : يا معشر يهود ، أخرجوا إليَّ علماءكم ، فأخرجوا إليه عبد الله بن صوريا ، وياسر بن أخطب ، ووهب بن يهودا ، فقالوا : هؤلاء علماؤنا . فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم حصل أمرهم إلى أن قالوا لعبد الله بن صوريا : هذا أعلم من بقي بالتوراة ، فخلا رسول الله صلى الله عليه وسلم به وشدد المسألة وقال : يا ابن صوريا ، أنشدك الله وأذكرك أيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلم أن الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة؟ فقال : اللهم نعم ، أما والله يا أبا القاسم ، إنهم ليعرفون أنك مرسل ولكنهم يحسدونك ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر بهما فرجما عند باب المسجد ، ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا وجحد نبوّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } الآية « .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال » أول مرجوم رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود ، زنى رجل منهم وامرأة ، فقال بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه نبي بعث بتخفيف ، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله ، وقلنا : فتيا نبي من أنبيائك . قال : فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد وأصحابه ، فقالوا : يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة منهم زنيا؟ فلم يكلمه كلمة حتى أتى مدراسهم ، فقام على الباب فقال : أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى ، ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟ قالوا يحمم ويجبه ويجلد ، والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار ، ويقابل أقفيتهما ، ويطاف بهما ، وسكت شاب ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم سكت ، ألظ النشدة فقال : اللهم نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم ، ثم زنى رجل في أسرة من الناس ، فأراد رجمه فحال قومه دونه ، وقالوا : والله ما نرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه ، فاصطلحوا بهذه العقوبة بينهم . قال النبي صلى الله عليه وسلم : فإني أحكم بما في التوراة ، فأمر بهما فرجما . قال الزهري : فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا } [ المائدة : 44 ] فكان النبي صلى الله عليه وسلم منهم « .
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والنحاس في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن البراء بن عازب قال :

(3/378)


« مر على النبي صلى الله عليه وسلم يهودي محمم مجلود ، فدعاهم فقال : » أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا : نعم ، فدعا رجلاً من علمائهم فقال : أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى : أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال : اللهم لا ، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك ، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ، ولكنه كثر في أشرافنا ، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، فقلنا : تعالوا نجعل شيئاً نقيمه على الشريف والوضيع ، فاجتمعنا على التحميم والجلد ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه « ، وأمر به فرجم ، فأنزل الله { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } إلى قوله { إن أوتيتم هذا فخذوه } وإن أفتاكم بالرجم { فاحذروا } إلى قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال في اليهود { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } [ المائدة : 45 ] قال : في النصارى إلى قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } [ المائدة : 47 ] قال : في الكفار كلها .
وأخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر قال : » إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له رجلاً منهم وامرأة زنيا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ما تجدون في التوراة؟ قالوا : نفضحهم ويجلدون . قال عبد الله بن سلام : كذبتم ان فيها آية الرجم ، فأتوا بالتوراة فنشروها ، فوضع أحدهم يده على آية الرجم ، فقال ما قبلها وما بعدها ، فقال عبد الله بن سلام : ارفع يدك ، فرفع يده فإذا آية الرجم . قالوا : صدق ، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما » « .
وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا } قال » هم اليهود ، زنت منهم امرأة وقد كان حكم الله في التوراة في الزنا الرجم ، فنفسوا أن يرجموها وقالوا : انطلقوا إلى محمد فعسى أن تكون عنده رخصة ، فإن كانت عنده رخصة فاقبلوها ، فأتوه فقالوا : يا أبا القاسم إن امرأة منا زنت ، فما تقول فيها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فكيف حكم الله في التوراة في الزاني؟ قالوا : دعنا مما في التوراة ، ولكن ما عندك في ذلك؟ فقال : ائتوني بأعلمكم بالتوراة التي أنزلت على موسى . فقال لهم : بالذي نجاكم من آل فرعون ، وبالذي فلق لكم البحر فانجاكم وأغرق آل فرعون ، إلا أخبرتموني ما حكم الله في التوراة في الزاني؟ قالوا : حكمه الرجم ، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت « .

(3/379)


وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن جابر بن عبد الله في قوله { من الذين هادوا سماعون للكذب } قال : يهود المدينة { سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } قال : يهود فدك { يحرفون الكلم } قال : يهود فدك { يقولون } ليهود المدينة { إن أوتيتم هذا } الجلد { فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا } الرجم .
وأخرج الحميدي في مسنده وأبو داود وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : « زنى رجل من أهل فدك ، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة اسألوا محمداً عن ذلك ، فإن أمركم بالجلد فخذوه عنه ، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه ، فسألوه عن ذلك فقال : أرسلوا إليَّ أعلم رجلين منكم ، فجاؤوا برجل أعور يقال له ابن صوريا وآخر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما » أليس عندكما التوراة فيها حكم الله؟ قالا : بلى . قال : فانشدك بالذي فلق البحر لبني إسرائيل ، وظلل عليكم الغمام ، ونجاكم من آل فرعون ، وأنزل التوراة على موسى ، وأنزل المن والسلوى على بني إسرائيل ، ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقال أحدهما للآخر : ما نشدت بمثله قط : قالا : نجد ترداد النظر زنية ، والاعتناق زنية ، والقبل زنية ، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدئ ويعيد كما يدخل الميل في المكحلة فقد وجب الرجم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فهو كذلك ، فأمر به فرجم ، فنزلت { فإن جاؤوك فاحكم بينهم } إلى قوله { يحب المقسطين } [ المائدة : 42 ] « .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله { لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } قال : نزلت في رجل من الأنصار ، زعموا أنه أبو لباتة أشارت اليه بنو قريظة يوم الحصار ما الأمر على ما ننزل ، فأشار إليهم أنه الذبح .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { ومن الذين هادوا سماعون للكذب } قال : هم أبو يسرة وأصحابه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله { سماعون لقوم آخرين } قال : يهود خيبر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { سمَّاعون لقوم آخرين } قال : هم أيضاً سماعون ليهود .
وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم النخعي في قوله { يحرِّفون الكلم عن مواضعه } [ المائدة : 13 ] قال : كان يقول بني إسرائيل : يا بني أحباري ، فحرفوا ذلك فجعلوه يا بني أبكاري ، فذلك قوله { يحرفون الكلم عن مواضعه } وكان إبراهيم يقرأها » يحرفون الكلم من مواضعه « .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { يحرفون الكلم من بعد مواضعه . . } الآية . قال : ذكر لنا أن هذا كان في قتيل بني قريظة والنضير ، إذ قتل رجل من قريظة قتله النضير ، وكانت النضير إذا قتلت من بني قريظة لم يقيدوهم ، إنما يعطونهم الدية لفضلهم عليهم في أنفسهم تعوذاً ، فقدم نبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة فسألهم ، فأرادوا ان يرفعوا ذلك إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم ، فقال لهم رجل من المنافقين : إن قتيلكم هذا قتيل عمد ، وإنكم متى ترفعون أمره إلى محمد أخشى عليكم القود ، فإن قبل منكم الدية فخذوه وإلا فكونوا منهم على حذر .

(3/380)


وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله { يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه } قال : إن وافقكم وإن لم يوافقكم { فاحذروه } يهود تقول : للمنافقين .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله { يحرفون الكلم } يعني حدود الله في التوراة . وفي قوله { يقولون إن أوتيتم هذا } قال : يقولون إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه وإن خالفكم فاحذروه . وفي قوله { ومن يرد الله فتنته } قال : ضلالته { فلن تملك له من الله شيئاً } يقول : لن تغني عنه شيئاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله { لهم في الدنيا خزي } قال : أما خزيهم في الدنيا ، فإنه إذا قام الهدى فتح القسطنطينية فقتلهم فذلك الخزي .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة في قوله { لهم في الدنيا خزي } مدينة تفتح بالروم فيسبون .
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله { لهم في الدنيا خزي } قال : يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون .

(3/381)


سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42)

أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { سمَّاعون للكذب أكَّالون للسحت } وذلك أنهم أخذوا الرشوة في الحكم وقضوا بالكذب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { سمَّاعون للكذب أكَّالون للسحت } قال : تلك أحكام اليهود يسمع كذبه ويأخذ رشوته .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال : السحت الرشوة في الدين . قال سفيان : يعني في الحكم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال : من شفع لرجل ليدفع عنه مظلمته أو يرد عليه حقاً ، فاهدى له هدية فقبلها فذلك السحت . فقيل : يا أبا عبد الرحمن إنا كنا نعد السحت الرشوة في الحكم ، فقال عبد الله : ذلك الكفر { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } [ المائدة : 44 ] .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني في سننه عن ابن عباس أنه سئل عن السحت فقال : الرشا . قيل : في الحكم؟ قال : ذلك الكفر ، ثم قرأ { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } [ المائدة : 44 ] .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي عن ابن مسعود أنه سئل عن السحت ، أهو الرشوة في الحكم؟ قال : لا . { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } [ المائدة : 45 ] الفاسقون ، ولكن السحت أن يستعينك رجل على مظلمة فيهدي لك فتقبله ، فذلك السحت .
وأخرج ابن المنذر عن مسروق قال : قلت لعمر بن الخطاب : أرأيت الرشوة في الحكم ، أمن السحت هي؟ قال : لا ، ولكن كفراً ، إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة ويكون إلى السلطان حاجة ، فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « رشوة الحكام حرام ، وهي السحت الذي ذكر الله في كتابه » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به . قيل : يا رسول الله ، وما السحت؟ قال : الرشوة في الحكم » .
وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن ثابت . أنه سئل عن السحت فقال : الرشوة .
وأخرج عبد بن حميد عن علي بن أبي طالب . أنه سئل عن السحت فقال : الرشا . فقيل له : في الحكم؟ قال : ذاك الكفر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عمر قال : بابان من السحت يأكلهما الناس . الرشا في الحكم ، ومهر الزانية .
وأخرج أبو الشيخ عن علي قال : أبواب السحت ثمانية : رأس السحت رشوة الحاكم ، وكسب البغي ، وعَسَبُ الفحل ، وثمن الميتة ، وثمن الخمر ، وثمن الكلب ، وكسب الحجام ، وأجر الكاهن .

(3/382)


وأخرج عبد الرزاق عن طريف قال : مر علي برجل يحسب بين قوم بأجر ، وفي لفظ : يقسم بين ناس قسماً فقال له علي : إنما تأكل سحتاً .
وأخرج الفريابي وابن جرير عن أبي هريرة قال : من السحت مهر الزانية ، وثمن الكلب إلا كلب الصيد ، وما أخذ من شيء في الحكم .
وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « هدايا الأمراء سحت » .
وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ست خصال من السحت : رشوة الإمام وهي أخبث ذلك كله ، وثمن الكلب ، وعسب الفحل ، ومهر البغي ، وكسب الحجام ، وحلوان الكاهن » .
وأخرج عبد بن حميد عن طاوس قال : هدايا العمال سحت .
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن سعيد قال « لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبر أهدوا له فروة ، فقال : سحت » .
وأخرج عبد الرزاق والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال « لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي » .
وأخرج أحمد والبيهقي عن ثوبان قال : « لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش ، يعني الذي يمشي بينهما » .
وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من ولي عشرة فحكم بينهم بما أحبوا أو كرهوا جيء به مغلولة يده ، فإن عدل ولم يرتش ولم يحف فك الله عنه ، وإن حكم بغير ما أنزل الله ارتشى وحابى فيه شدت يساره إلى يمينه ثم رمي في جهنم ، فلم يبلغ قعرها خمسمائة عام » .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « ستكون من بعدي ولاة يستحلون الخمر بالنبيذ ، والبخس بالصدقة ، والسحت بالهدية ، والقتل بالموعظة ، يقتلون البريء لتوطى العامة لهم فيزدادوا إثماً » .
وأخرج الخطيب في تاريخه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من السحت : كسب الحجام ، وثمن الكلب ، وثمن القرد ، وثمن الخنزير ، وثمن الخمر ، وثمن الميتة ، وثمن الدم ، وعسب الفحل ، وأجر النائحة ، وأجر المغنية ، وأجر الكاهن ، وأجر الساحر ، وأجر القائف ، وثمن جلود السباع ، وثمن جلود الميتة ، فإذا دبغت فلا بأس بها ، وأجر صور التماثيل ، وهدية الشفاعة ، وجعلة الغزو » .
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن شقيق قال : هذه الرغف التي يأخذها المعلمون من السحت .
وأخرج ابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : آيتان نسختا من هذه السورة - يعني من المائدة - آية القلائد ، وقوله { فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيراً ، إن شاء حكم بينهم ، وإن شاء أعرض عنهم فردهم إلى أحكامهم ، فنزلت

(3/383)


{ وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتَّبع أهواءهم } [ المائدة : 49 ] قال : فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما في كتابنا « .
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } قال : نسختها هذه الآية { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } [ المائدة : 49 ] .
وأخرج عبد الرزاق عن عكرمة . مثله .
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن شهاب . أن الآية التي في سورة المائدة { فإن جاؤوك فاحكم بينهم } كانت في شأن الرجم .
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس » أن الآيات من المائدة التي قال الله فيها { فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } إلى قوله { المقسطين } إنما أنزلت في الدية من بني النضير وقريظة ، وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف يريدون الدية كاملة ، وأن بني قريظة كانوا يريدون نصف الدية ، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله ذلك فيهم ، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق ، فجعل الدية سواء « .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : كانت قريظة والنضير ، وكان النضير أشرف من قريظة ، فكان إذا قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة أدى مائة وسق من تمر ، وإذا قتل رجل من قريظة رجلاً من النضير قتل به ، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة ، فقالوا : ادفعوه إلينا نقتله ، فقالوا : بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم فأتوه ، فنزلت { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } والقسط . النفس بالنفس ، ثم نزلت { أفحكم الجاهلية يبغون } [ المائدة : 50 ] .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله { فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } قال : يوم نزلت هذه الآية كان في سعة من أمره ، إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم ، ثم قال { وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً } قال : نسختها { وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم } [ المائدة : 49 ] .
وأخرج عبد بن حميد والنحاس في ناسخه عن الشعبي في قوله { فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } قال : إن شاء حكم بينهم وإن شاء لم يحكم .

(3/384)


وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن إبراهيم والشعبي قالا : إذا جاؤوا إلى حاكم من حكام المسلمين ، إن شاء حكم بينهم ، وإن شاء أعرض عنهم ، وإن حكم بينهم حكم بما أنزل الله .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء في الآية قال : هو مخيَّر .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في أهل الذمة يرتفعون إلى حكام المسلمين قال : يحكم بينهم بما أنزل الله .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال : أهل الذمة إذ ارتفعوا إلى المسلمين حكم عليهم بحكم المسلمين .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو الشيخ والبيهقي عن إبراهيم التيمي { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } قال : بالرجم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك في قوله { إن الله يحب المقسطين } قال : المعدلين في القول والفعل .
وأخرج عبد الرزاق عن الزهري في الآية قال : مضت السنة أن يردوا في حقوقهم ومواريثهم إلى أهل دينهم ، إلا أن يأتوا راغبين في حد يحكم بينهم فيه ، فيحكم بينهم بكتاب الله ، وقد قال لرسوله { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } .

(3/385)


وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)

أخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال « مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم قد جلد ، فسألهم ما شأن هذا؟ قالوا : زنى . فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود : ما تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا؛ نجد حده التحميم والجلد . فسألهم أيكم أعلم؟ فوركوا ذلك إلى رجل منهم ، قالوا : فلان . فارسل إليه فسأله ، قال : نجد التحميم والجلد ، فناشده رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال : نجد الرجم ، ولكنه كثر في عظمائنا ، فامتنعوا منهم بقومهم ووقع الرجم على ضعفائنا ، فقلنا نضع شيئاً يصلح بينهم حتى يستووا فيه ، فجعلنا التحميم والجلد ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه » ، فأمر به فرجم . قال : ووقع اليهود بذلك الرجل الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وشتموه ، وقالوا : لو كنا نعلم أنك تقول هذا ما قلنا انك أعلمنا . قال : ثم جعلوا بعد ذلك يسألون النبي صلى الله عليه وسلم : ما تجد فيما أنزل إليك حد الزاني؟ فأنزل الله { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله } يعني حدود الله ، فأخبره الله بحكمه في التوراة قال { وكتبنا عليهم فيها } [ المائدة : 45 ] إلى قوله { والجروح قصاص } [ المائدة : 45 ] .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله } يقول : عندهم بيان ما تشاجروا فيه من شأن قتيلهم .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل بن حيان في قوله { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله } يقول : فيها الرجم للمحصن والمحصنة ، والإيمان بمحمد والتصديق له { ثم يتولون } يعني عن الحق { من بعد ذلك } يعني بعد البيان { وما أولئك بالمؤمنين } يعني اليهود .

(3/386)


إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)

أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مقاتل في قوله { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } يعني هدى من الضلالة ، ونور من العمى { يحكم بها النبيون } يحكمون بما في التوراة من لدن موسى إلى عيسى { للذين هادوا } لهم وعليهم ، ثم قال ويحكم بها { الربانيون والأحبار } أيضاً بالتوراة { بما استحفظوا من كتاب الله } من الرجم والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم { وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس } في أمر محمد صلى الله عليه وسلم والرجم يقول : اظهروا أمر محمد والرجم { واخشون } في كتمانه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار } قال : أما الربانيون . ففقهاء اليهود ، وأما الأحبار . فعلماؤهم . قال : وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لما أنزلت هذه الآية : نحن نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن في قوله { يحكم بها النبيون الذين أسلموا } قال : النبي صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الأنبياء يحكمون بما فيها من الحق .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله { والربانيون والأحبار } قال : الفقهاء والعلماء .
وأخرج عن مجاهد قال : { الربانيون } العلماء الفقهاء ، وهم فوق الأحبار .
وأخرج عن قتادة قال { الربانيون } فقهاء اليهود { والأحبار } العلماء .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال « كان رجلان من اليهود أخوان يقال لهما ابنا صوريا ، قد اتبعا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسلما ، وأعطياه عهداً أن لا يسألهما عن شيء في التوراة إلا أخبراه به ، وكان أحدهما ربيّا والآخر حبراً ، وإنما الأمر كيف حين زنى الشريف وزنى المسكين وكيف غيروه ، فأنزل الله { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا } يعني النبي صلى الله عليه وسلم { والربانيون والأحبار } هما ابنا صوريا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الربانيون . الفقهاء العلماء .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { والربانيون } قال : هم المؤمنون { والأحبار } قال : هم القراء { كانوا عليه شهداء } يعني الربانيون والأحبار هم الشهداء لمحمد صلى الله عليه وسلم بما قال أنه حق جاء من عند الله ، فهو نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم أتته اليهود فقضى بينهم بالحق » .
وأخرج ابن المنذر وابن جريج { فلا تخشوا الناس واخشون } لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن عساكر عن نافع قال : كنا مع ابن عمر في سفر فقيل إن السبع في الطريق قد حبس الناس ، فاستحث ابن عمر راحلته ، فلما بلغ اليه برك فعرك أذنه وقعده ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول

(3/387)


« إنما يسخط على ابن آدم من خافه ابن آدم ، ولو أن ابن آدم لم يخف إلا الله لم يسلط عليه غيره ، وإنما وكل ابن آدم عن رجال ابن آدم ، ولو أن ابن آدم لم يرج إلا الله لم يكله إلى سواه » .
وأخرج ابن جرير عن السدي { فلا تخشوا الناس } فتكتموا ما أنزلت { ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً } على أن تكتموا ما أنزلت .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً } قال : لا تأكلوا السحت على كتابي .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله } فقد كفر ، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق .
وأخرج سعيد بن منصور والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } [ المائدة : 45 ] { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } [ المائدة : 47 ] قال : كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق .
وأخرج سعيد بن منصور و أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال : إنما أنزل الله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } والظالمون ، والفاسقون ، في اليهود خاصة .
وأخرج ابن جرير عن أبي صالح قال : الثلاث الآيات التي في المائدة { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } هم الظالمون ، هم الفاسقون ، ليس في أهل الإسلام منها شيء ، هي في الكفار .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } هم الظالمون ، هم الفاسقون ، نزلت هؤلاء الآيات في أهل الكتاب .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن إبراهيم النخعي في قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله . . . } الآيات . قال : نزلت الآيات في بني إسرائيل ، ورضي لهذه الأمة بها .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون . . . } قال : نزلت في اليهود ، وهي علينا واجبة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن الشعبي قال : الثلاث آيات التي في المائدة { ومن لم يحكم بما أنزل الله } أولها في هذه الأمة ، والثانية في اليهود ، والثالثة في النصارى .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال : من حكم بكتابه الذي كتب بيده وترك كتاب الله ، وزعم أن كتابه هذا من عند الله فقد كفر .

(3/388)


وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن حذيفة أن هذه الآيات ذكرت عنده { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } والظالمون ، والفاسقون ، فقال رجل : ان هذا في بني إسرائيل . قال حذيفة : نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل ، إن كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة ، كلا والله لتسلكن طريقهم قدر الشراك .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال : نعم القوم أنتم إن كان ما كان من حُلو فهو لكم ، وما كان من مُر فهو لأهل الكتاب ، كأنه يرى أن ذلك في المسلمين { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي مجلز { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال : نعم . قالوا { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } قال : نعم . قالوا : فهؤلاء يحكمون بما أنزل الله . قال : نعم ، هو دينهم الذي به يحكمون ، والذي به يتكلمون وإليه يدعون ، فإذا تركوا منه شيئاً علموا أنه جور منهم ، إنما هذه اليهود والنصارى والمشركون الذين لا يحكمون بما أنزل الله .
وأخرج عبد بن حميد عن حكيم بن جبير قال : سألت سعيد بن جبير عن هذه الآيات في المائدة { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } ، { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } فقلت : زعم قوم أنها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا قال : اقرأ ما قبلها وما بعدها ، فقرأت عليه فقال : لا ، بل نزلت علينا ، ثم لقيت مقسماً مولى ابن عباس ، فسألته عن هذه الآيات التي في المائدة ، قلت : زعم قوم أنها نزلت على بني إسرائيل ولم تنزل علينا . قال : إنه نزل على بني إسرائيل ونزل علينا ، وما نزل علينا وعليهم فهو لنا ولهم ، ثم دخلت على علي بن الحسين فسألته عن هذه الآيات التي في المائدة ، وحدثته أني سألت عنها سعيد بن جبير ومقسماً قال : فما قال مقسم؟ فأخبرته بما قال . قال صدق ، ولكنه كفر ليس ككفر الشرك ، وفسق ليس كفسق الشرك ، وظلم ليس كظلم الشرك ، فلقيت سعيد بن جبير فأخبرته بما قال : فقال سعيد بن جبير لابنه : كيف رأيته ، لقد وجدت له فضلاً عليك وعلى مقسم .
وأخرج سعيد بن منصور عن عمر قال : ما رأيت مثل من قضى بين إثنين بعد هذه الآيات .
وأخرج سعيد قال : استُعمل أبو الدرداء على القضاء ، فأصبح يهينه . قال : تهينني بالقضاء وقد جعلت على رأس مهواة منزلتها أبعد من عدن وأبين ، ولو علم الناس ما في القضاء لأخذوه بالدول رغبة عنه وكراهية له ، ولو يعلم الناس ما في الأذان لأخذوه بالدول رغبة فيه وحرصاً عليه .

(3/389)


وأخرج ابن سعد عن يزيد بن موهب . أن عثمان قال لعبد الله بن عمر : اقض بين الناس ، قال : لا أقضي بين إثنين ولا أؤم إثنين قال : لا ، ولكنه بلغني أن القضاة ثلاثة . رجل قضى بجهل فهو في النار ، ورجل حاف ومال به الهوى فهو في النار ، ورجل اجتهد فأصاب فهو كفاف لا أجر له ولا وزر عليه . قال : إن أباك كان يقضي؟ قال : إن أبي إذا أشكل عليه شيء سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا أشكل على النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل ، وإني لا أجد من أسأل أما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول « من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ؟ فقال عثمان : بلى . قال : فاني أعوذ بالله أن تستعملني ، فأعفاه وقال : لا تخبر بهذا أحداً » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن عبد العزيز بن أبي رواد قال : بلغني أن قاضياً كان في زمن بني إسرائيل ، بلغ من اجتهاده أن طلب إلى ربه أن يجعل بينه وبينه علماً ، إذا هو قضى بالحق عرف ذلك . فقيل له : ادخل منزلك ، ثم مد يدك في جدارك ، ثم انظر كيف تبلغ أصابعك من الجدار ، فاخطط عنده خطاً ، فإذا أنت قمت من مجلس القضاء فارجع إلى ذلك الخط ، فامدد يدك إليه فانك متى كنت على الحق فانك ستبلغه ، وإن قصرت عن الحق قصر بك ، فكان يغدو إلى القضاء وهو مجتهد ، وكان لا يقضي إلا بالحق ، وكان إذا فرغ لم يذق طعاماً ولا شراباً ، ولا يفضي إلى أهله بشيء حتى يأتي ذلك الخط ، فإذا بلغه حمداً لله وأفضى إلى كل ما أحل الله له من أهل أو مطعم أو مشرب ، فلما كان ذات يوم وهو في مجلس القضاء أقبل إليه رجلان بدابة ، فوقع في نفسه أنهما يريدان يختصمان إليه ، وكان أحدهما له صديقاً وخدنا ، فتحرك قلبه عليه محبة أن يكون له فيقضي له به ، فلما إن تكلما دار الحق على صاحبه فقضى عليه ، فلما قام من مجلسه ذهب إلى خطه كما كان يذهب كل يوم ، فمد يده إلى الخط فإذا الخط قد ذهب وتشمر إلى السقف وإذا هو لا يبلغه ، فخر ساجداً وهو يقول : يا رب ، شيء لم أتعمده ، فقيل له : أتحسبن أن الله لم يطلع على جور قلبك حيث أحببت أن يكون الحق لصديقك فتقضي له به ، قد أردته وأحببته ولكن الله قد رد الحق إلى أهله وأنت لذلك كاره .
وأخرج الحكيم والترمذي عن ليث قال : تقدم إلى عمر بن الخطاب خصمان فأقامهما ، ثم عادا ففصل بينهم ، فقيل له في ذلك فقال : تقدما إليَّ ، فوجدت لأحدهما ما لم أجد لصاحبه فكرهت أن افصل بينهما ، ثم عادا فوجدت بعض ذلك فكرهت ، ثم عادا وقد ذهب ذلك ففصلت بينهما .

(3/390)


وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)

أخرج ابن جرير عن ابن جريج قال « لما رأت قريظة النبي صلى الله عليه وسلم حكم بالرجم ، وقد كانوا يخفونه في كتابهم ، فنهضت قريظة فقالوا : يا محمد ، اقض بيننا وبين إخواننا بني النضير ، وكان بينهم دم قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت النضير ينفرون على بني قريظة دياتهم على انصاف ديات النضير ، فقال : دم القرظي وفاء دم النضير ، فغضب بنو النضير وقالوا : لا نطيعك في الرجم ولكنا نأخذ بحدودنا التي كنا عليها ، فنزلت { أفحكم الجاهلية يبغون } [ المائدة : 50 ] ونزل { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس . . . } الآية » .
وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس { وكتبنا عليهم فيها } قال : في التوراة .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } قال : كتب عليهم هذا في التوراة ، فكانوا يقتلون الحر بالعبد ، ويقولون : كتب علينا أن النفس بالنفس .
وأخرج عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب قال : كتب ذلك على بني إسرائيل ، فهذه الآيات لنا ولهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن قوله { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس . . . } إلى تمام الآية . أهي عليهم خاصة؟ قال : بل عليهم والناس عامة .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة { وكتبنا عليهم فيها } قال : في التوراة { أن النفس بالنفس . . . } الآية . قال : إنما أنزل ما تسمعون في أهل الكتاب حين نبذوا كتاب الله ، وعطّلوا حدوده ، وتركوا كتابه ، وقتلوا رسله .
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من قتل عبده قتلناه ، ومن جدعه جدعناه ، فراجعوه ، فقال : قضى الله { أن النفس بالنفس } » .
وأخرج البيهقي في سننه عن ابن شهاب قال : لما نزلت هذه الآية { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } أقيد الرجل من المرأة ، وفيما تعمده من الجوارح .
وأخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب قال : الرجل يقتل بالمرأة إذا قتلها . قال الله { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه في قوله { أن النفس بالنفس } قال : تقتل بالنفس { والعين بالعين } قال : تفقأ بالعين { والأنف بالأنف } قال : يقطع الأنف بالأنف { والسن بالسن والجروح قصاص } قال : وتقتص الجراح بالجراح { فمن تصدَّق به } يقول : من عفا عنه فهو كفارة للمطلوب .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين } بنصب النفس ورفع العين وما بعده الآية كلها » .

(3/391)


وأخرج ابن سعد وأحمد والبخاري وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس « أن الربيع كسرت ثنية جارية ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أخوها أنس بن النضر : يا رسول الله تكسر ثنية فلانة؟ فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أنس كتاب الله القصاص » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال : الجروح قصاص ، وليس للإمام أن يضربه ولا أن يحبسه ، إنما القصاص - ما كان الله نسياً - لو شاء لأمر بالضرب والسجن .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمر . في قوله { فمن تصدَّق به } .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن في قوله { فمن تصدَّق به فهو كفارة له } قال كفارة للمجروح .
وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر بن عبد الله { فهو كفارة له } قال للذي تصدق به .
وأخرج ابن مردويه عن رجل من الأنصار عن النبي صلى الله عليه وسلم « في قوله { فمن تصدق به فهو كفارة له } قال : الرجل تكسر سنه ، أو تقطع يده ، أو يقطع الشيء ، أو يجرح في بدنه ، فيعفو عن ذلك ، فيحط عنه قدر خطاياه ، فإن كان ربع الدية فربع خطاياه ، وإن كان الثلث فثلث خطاياه ، وإن كانت الدية حطت عنه خطاياه كذلك » .
وأخرج الديلمي عن ابن عمر قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { فمن تصدق به فهو كفَّارة له } الرجل تكسر سنه ، أو يجرح من جسده ، فيعفو عنه فيحط من خطاياه بقدر ما عفا من جسده ، إن كان نصف الدية فنصف خطاياه ، وإن كان ربع الدية فربع خطاياه ، وإن كان ثلث الدية فثلث خطاياه ، وإن كانت الدية كلها فخطاياه كلها »
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن مردويه عن عدي بن ثابت . « أن رجلاً هتم فم رجل على عهد معاوية ، فأعطاه دية فأبى إلا أن يقتص ، فاعطاه ديتين فأبى ، فأعطى ثلاثاً . فحدث رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من تصدق بدم فما دونه فهو كفارة له من يوم ولد إلى يوم يموت » .
وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وابن جرير عن أبي الدرداء قال : كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار ، فاستعدى عليه ، فقال معاوية : أنا أسترضيه ، فألح الأنصاري فقال معاوية : شأنك بصاحبك؟ وأبو الدرداء جالس فقال أبو الدرداء « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة » فقال الأنصاري : فاني قد عفوت .
وأخرج الديلمي عن ابن عمر قال

(3/392)


« قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { فمن تصدق به فهو كفَّارة له } قال : هو الرجل تكسر سنه ، ويجرح من جسده ، فيعفو عنه فيحط عنه من خطاياه بقدر ما عفا عنه من جسده ، إن كان نصف الدية فنصف خطاياه ، وإن كان ربع الدية فربع خطاياه ، وإن كان ثلث الدية فثلث خطاياه ، وإن كان الدية كلها فخطاياه كلها » .
وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وابن جرير عن أبي الدرداء . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « ما من مسلم يصاب بشيء من جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط به خطيئة » فقال الانصاري : فإني قد عفوت .
وأخرج أحمد والنسائي عن عبادة بن الصامت . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « مامن رجل يجرح من جسده جرحة فيتصدق بها إلا كفر الله عنه مثل ما تصدق به » .
وأخرج أحمد عن رجل من الصحابة قال : من أصيب بشيء من جسده فتركه بعد كان كفارة له .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن يونس بن أبي إسحاق قال : سأل مجاهد أبا إسحاق عن قوله { فمن تصدق به فهو كفارة له } فقال له أبو إسحاق : هو الذي يعفو . قال مجاهد : بل هو الجارح صاحب الذنب .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { فمن تصدق به فهو كفَّارة له } قال : كفارة للجارح ، وأجر المتصدق على الله .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد وإبراهيم { فمن تصدق به فهو كفارة له } قال : كفارة للجارح ، وأجر المتصدق على الله .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد وإبراهيم { فمن تصدق به فهو كفارة له } قالا : للجارح .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { فمن تصدق به فهو كفارة له } للمتصدق عليه .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { فمن تصدق به فهو كفارة له } يقول : من جرح فتصدق به على الجارح ، فليس على الجارح سبيل ، ولا قود ، ولا عقل ، ولا جرح عليه من أجل أنه تصدق عليه الذي جرح ، فكان كفارة له من ظلمه الذي ظلم .
وأخرج الخطيب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من عفا عن دم لم يكن له ثواب إلا الجنة » .

(3/393)


وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)

أخرج أبو الشيخ في قوله { وقفينا على آثارهم } يقول : بعثنا من بعدهم عيسى ابن مريم .
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قول الله { وقفينا على آثارهم } قال : اتبعنا آثار الأنبياء ، أي بعثنا على آثارهم ، قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت عدي بن زيد وهو يقول :
يوم قفت عيرهم من عيرنا ... واحتمال الحي في الصبح فلق
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه } قال : من أهل الإنجيل { فأولئك هم الفاسقون } قال : الكاذبون . قال ابن زيد : كل شيء في القرآن فاسق فهو كاذب إلا قليلا ، وقرأ قول الله { إن جاءكم فاسق بنبأ } [ الحجرات : 6 ] فهو كاذب . قال : الفاسق ههنا كاذب .

(3/394)


وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)

أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة قال : لما أنبأكم الله عن أهل الكتاب قبلكم بأعمالهم أعمال السوء ، وبحكمهم بغير ما أنزل الله وعظ نبيه والمؤمنين موعظة بليغة شافية ، وليعلم من ولي شيئاً من هذا الحكم أنه ليس بين العباد وبين الله شيء يعطيهم به خيراً ولا يدفع عنهم به سوءاً إلا بطاعته والعمل بما يرضيه ، فلما بيَّن الله لنبيه والمؤمنين صنيع أهل الكتاب وجورهم قال { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه } يقول : للكتب التي قد خلت قبله .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله { ومهيمناً عليه } مؤتمناً عليه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله { ومهيمناً عليه } قال : المهيمن الأمين ، والقرآن أمين على كل كتاب قبله .
وأخرج أبو الشيخ عن عطية { ومهيمناً عليه } قال : أميناً على التوراة والإنجيل ، يحكم عليهما ولا يحكمان عليه قال : مؤتمنا محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج آدم بن أبي إياس وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن مجاهد { ومهيمناً عليه } قال : محمد صلى الله عليه وسلم مؤتمناً على القرآن ، والمهيمن الشاهد على ما قبله من الكتب .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ومهيمناً عليه } قال : شهيداً على كل كتاب قبله .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي روق { ومهيمناً عليه } قال : شهيداً على خلقه بأعمالهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فاحكم بينهم بما أنزل الله } قال : بحدود الله .
وأخرج عبد بن حميد وسعيد بن منصور والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله { شرعة ومنهاجاً } قال : سبيلاً وسنة .
وأخرج الطستي عن ابن عباس . أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عزوجل { شرعة ومنهاجاً } قال : الشرعة الدين ، والمنهاج الطريق . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو يقول :
لقد نطق المأمون بالصدق والهدى ... وبين لنا الإسلام ديناً ومنهاجاً
يعني به النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً } قال : الدين واحد والشرائع مختلفة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً } يقول : سبيلاً والسنن مختلفة ، للتوراة شريعة ، وللإنجيل من يطيعه ممن يعصيه ، ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره التوحيد والإخلاص الذي جاءت به الرسل .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن كثير في قوله { ولكن ليبلوكم فيما آتاكم } قال : من الكتب .

(3/395)


وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49)

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : قال كعب بن أسد ، وعبد الله بن صوريا ، وشاس بن قيس ، اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه ، فأتوه فقالوا : يا محمد ، إنك عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم ، وإنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا ، وإن بيننا وبين قومنا خصومة ، فنحاكمهم إليك ، فتقضي لنا عليهم ونؤمن لك ونصدقك ، فأبى ذلك ، وأنزل الله عز وجل فيهم { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } إلى قوله { لقوم يوقنون } .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } قال : أمر الله نبيه أن يحكم بينهم بعدما كان رخص له أن يعرض عنهم إن شاء ، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال : نسخت من هذه السورة { فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } [ المائدة : 42 ] قال : فكان مخيراً حتى أنزل الله { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما في كتاب الله .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم قال : نسخت ما قبلها { فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } [ المائدة : 42 ] .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن مسروق . أنه كان يحلف أهل الكتاب بالله ، وكان يقول { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } .

(3/396)


أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { أفحكم الجاهلية يبغون } قال : يهود .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { أفحكم الجاهلية يبغون } قال : هذا في قتيل اليهود ، إن أهل الجاهلية كان يأكل شديدهم ضعيفهم وعزيزهم ذليلهم . قال { أفحكم الجاهلية يبغون } .
وأخرج البخاري عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أبغض الناس إلى الله مبتغ في الإسلام سنة جاهلية ، وطالب امرئ بغير حق ليريق دمه » .
وأخرج أبو الشيخ عن السدي قال : الحكم حكمان : حكم الله ، وحكم الجاهلية ، ثم تلا هذه الآية { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة قال : كانت تسمى الجاهلية العالمية حتى جاءت امرأة فقالت : يا رسول الله ، كان في الجاهلية كذا وكذا . فأنزل الله ذكر الجاهلية .

(3/397)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن عبادة بن الوليد « أن عبادة بن الصامت قال : لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم تشبث بأمرهم عبد الله بن سلول وقام دونهم ، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم ، - وكان أحد بني عوف بن الخزرج - وله من حلفهم مثل الذي كان لهم من عبد الله بن أبي ، فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أتولى الله ورسوله والمؤمنين ، وأبرأ إلى الله ورسوله من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم ، وفيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات في المائدة { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض } إلى قوله { فإن حزب الله هم الغالبون } » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : إن عبد الله بن أبي بن سلول قال : أن بيني وبين قريظة والنضير حلف ، وإني أخاف الدوائر فأرتد كافراً . وقال عبادة بن الصامت : أبرأ إلى الله من حلف قريظة والنضير ، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء } إلى قوله { فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم } يعني عبد الله بن أبي . وقوله { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون } [ المائدة : 55 ] يعني عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون } [ المائدة : 81 ] .
وأخرج ابن مردويه من طريق عبادة بن الوليد عن أبيه عن جده عن عبادة بن الصامت قال : فيّ نزلت هذه الآية حين أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبرأت إليه من حلف اليهود ، وظاهرت رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين عليهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عطية بن سعد قال « جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إن لي موالي من يهود كثير عددهم ، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود ، وأتولى الله ورسوله فقال عبد الله بن أبي : إني رجل أخاف الدوائر ، لا أبرأ من ولاية مواليّ . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أُبَيِّ : يا أبا حباب ، أرأيت الذي نفست به من ولاء يهود على عبادة ، . . فهو لك دونه . قال : إذن أقبل . فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض } إلى أن بلغ إلى قوله { والله يعصمك من الناس } » .

(3/398)