صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور
المؤلف : عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما من عمل ابن آدم شيء أفضل من الصدقة ، وصلاح ذات البين ، وخلق حسن » .
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أفضل الصدقة صلاح ذات البين » .
وأخرج البيهقي عن أبي أيوب قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا أبا أيوب ألا أخبرك بما يعظم الله به الأجر ويمحو به الذنوب؟ تمشي في إصلاح الناس إذا تباغضوا وتفاسدوا ، فإنها صدقة يحب الله موضعها » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي عن أم كلثوم بنت عقبة « أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً ، وقالت : لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث : في الحرب ، والإصلاح بين الناس ، وحديث الرجل امرأته ، وحديث المرأة زوجها » .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والبيهقي عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألا أخبركم بأفضل من درجات الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا : بلى . قال : إصلاح ذات البين . قال : وفساد ذات البين هي الحالقة » .
وأخرج البيهقي عن أبي أيوب « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : يا أبا أيوب ألا أدلك على صدقة يرضى الله ورسوله موضعها؟ قال : بلى . قال : أن تصلح بين الناس إذا تفاسدوا ، وتقرب بينهم إذا تباعدوا » .
وأخرج البزار عن أنس « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي أيوب : ألا أدلك على تجارة؟ قال : بلى . قال : تسعى في صلح بين الناس إذا تفاسدوا ، وتقرب بينهم إذا تباعدوا » .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت قال : كنت جالساً مع محمد بن كعب القرظي ، فأتاه رجل فقال له القوم : أين كنت؟ فقال : أصلحت بين القوم ، فقال محمد بن كعب : أصبت لك مثل أجر المجاهدين ، ثم قرأ { لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله { ومن يفعل ذلك } تصدق أو اقرض أو اصلح بين الناس .
وأخرج أبو نصر السجري في الإبانة عن أنس قال : « جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله أنزل عليّ في القرآن يا أعرابي { لا خير في كثير من نجواهم } إلى قوله { فسوف نؤتيه أجراً عظيماً } يا أعرابي الأجر العظيم : الجنة . قال الأعرابي : الحمد لله الذي هدانا للإسلام » .

(3/246)


وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116)

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال : دعاني معاوية فقال : بايع لابن أخيك . فقلت : يا معاوية { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً } فأسكته عني .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { نوله ما تولى } من آلهة الباطل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك قال : كان عمر بن عبد العزيز يقول : سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سنناً ، الأخذ بها تصديق لكتاب الله ، واستكمال لطاعة الله ، وقوّة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ، ولا النظر فيما خالفها ، من اقتدى بها مهتد ، ومن استنصر بها منصور ، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين ، وولاه الله ما تولى ، وصلاه جهنم وساءت مصيراً .
وأخرج الترمذي والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبداً ، ويد الله على الجماعة ، فمن شذ شذَّ في النار » .
وأخرج الترمذي والبيهقي عن ابن عباس « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يجمع الله أمتي . أو قال : هذه الأمة على الضلالة أبدًا ، ويد الله على الجماعة » .

(3/247)


إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122)

أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن المنذر وابن أبي حاتم والضياء في المختارة عن أبي بن كعب { إن يدعون من دونه إلا إناثاً } قال : مع كل صنم جنية .
وأخرج عبد وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك في قوله { إن يدعون من دونه إلا إناثاً } قال : اللات والعزى ومنات ، كلها مؤنث .
وأخرج ابن جرير عن السدي { إن يدعون من دونه إلا إناثاً } يقول : يسمونهم إناثاً ، لات ومنات وعزى .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { إن يدعون من دونه إلا إناثاً } قال : موتى .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : الإناث ، كل شيء ميت ليس فيه روح ، مثل الخشبة اليابسة ، ومثل الحجر اليابس .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال { إلا إناثاً } قال : ميتاً لا روح فيه .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن الحسن قال : كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونها يسمونها انثى بني فلان ، فأنزل الله { إن يدعون من دونه إلا إناثاً } .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { إن يدعون من دونه إلا إناثاً } قال المشركون : إن الملائكة بنات الله ، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى . قال اتخذوا أرباباً وصوروهن صور الجواري ، فحلوا وقلدوا وقالوا : هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعبده ، يعنون الملائكة .
وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي أن ابن عباس كان يقرأ هذا الحرف « إن يدعون من دونه إلا أنثى وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً » قال : مع كل صنم شيطانة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { إلا إناثاً } قال : إلا أوثاناً .
وأخرج أبو عبيد في فضائل القرآن وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن عائشة أنها كانت تقرأ « إن يدعون من دونه إلا أوثاناً » ولفظ ابن جرير كان في مصحف عائشة { إن يدعون من دونه إلا أوثاناً } .
وأخرج الخطيب في تاريخه عن عائشة قالت : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن يدعون من دونه إلا أنثى » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان { وإن يدعون إلا شيطاناً } يعني إبليس .
وأخرج عن سفيان { وإن يدعون إلا شيطاناً } قال : ليس من صنم إلا فيه شيطان .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { مريداً } قال : تمرد على معاصي الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان { وقال لأتَّخذن من عبادك } قال : هذا قول إبليس { نصيباً مفروضاً } يقول : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد إلى الجنة .

(3/248)


وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { لأتَّخذنَّ من عبادك نصيباً مفروضاً } قال : يتخذونها من دونه ، ويكونون من حزبي .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك { نصيباً مفروضاً } قال : معلوماً .
وأخرج ابن المنذر عن الربيع بن أنس في قوله { لأتَّخذنَّ من عبادك نصيباً مفروضاً } قال : من كلف ألف تسعمائة وتسعة وتسعين .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { ولأضلنهم ولأمنينّهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام } قال : دين شرعه لهم إبليس كهيئة البحائر والسوائب .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { فليبتكن آذان الأنعام } قال : التبتك في البحيرة والسائبة ، كانوا يبتكون آذانها لطواغيتهم .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك { فليبتكن آذان الأنعام } قال : ليقطعن آذان الأنعام .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : أما يبتكن آذان الأنعام فيشقونها ، فيجعلونها بحيرة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كره الإخصاء ، وقال : فيه نزلت { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أنس بن مالك أنه كره الإخصاء ، وقال : فيه نزلت { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } ولفظ عبد الرزاق قال : من تغيير خلق الله الإخصاء .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عباس قال : اخصاء البهائم مثله ، ثم قرأ { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } .
وأخرج عبد بن حميد من طرق عن ابن عباس { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } قال : هو الخصاء .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عمر قال : « نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خصاء الخيل والبهائم ، قال ابن عمر : فيه نماء الخلق » .
وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس قال : « نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صبر الروح ، وإخصاء البهائم » .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب كان ينهى عن إخصاء البهائم ، ويقول : هل النماء إلا في الذكور .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن شبيل . أنه سمع شهر بن حوشب قرأ هذه الآية { فليغيرن خلق الله } قال : الخصاء منه . فأمرت أبا التياج ، فسأل الحسن عن خصاء الغنم؟ قال : لا بأس به .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله { فليغيرن خلق الله } قال : هو الخصاء .
وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر . أنه كان يكره الخصاء ، ويقول : هو نماء خلق الله .

(3/249)


وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عكرمة . أنه كره الخصاء قال : فيه نزلت { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عروة . أنه خصى بغلاً له .
وأخرج ابن المنذر عن طاوس أنه خصى جملاً له .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن محمد بن سيرين . أنه سئل عن خصاء الفحول؟ فقال : لا بأس ، لو تركت الفحول لأكل بعضها بعضاً .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الحسن قال : لا بأس بإخصاء الدواب .
وأخرج ابن المنذر عن أبي سعيد عبد الله بن بشر قال : أمرنا عمر بن عبد العزيز بخصاء الخيل ، ونهانا عنه عبد الملك بن مروان .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عطاء . أنه سئل عن إخصاء الفحل فلم ير به عند عضاضه وسوء خلقه بأساً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } قال : دين لله .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله { فليغيرن خلق الله } قال : دين الله . وهو قوله { فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله } [ الروم : 30 ] يقول : لدين الله .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن إبراهيم { فليغيرن خلق الله } قال : دين الله .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن سعيد بن جبير { فليغيرن خلق الله } قال : دين الله .
وأخرج عبد الرزاق وآدم وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد { فليغيرن خلق الله } قال : دين الله ، ثم قرأ { لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { فليغيرن خلق الله } قال : الوشم .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال : لعن الله الواشمات ، والمستوشمات ، والمتنمصات ، والمتفلجات للحسن ، والمغيرات خلق الله .
وأخرج أحمد عن أبي ريحانة قال « نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشرة : عن الوشر ، والوشم ، والنتف ، وعن مكامعة الرجل الرجل بغير شعار ، وعن مكامعة المرأة المرأة بغير شعار ، وأن يجعل الرجل في أسفل ثوبه حريراً مثل الأعلام ، وأن يجعل على منكبه مثل الأعاجم ، وعن النهبى ، وعن ركوب النمور ، ولبوس الخاتم إلا لذي سلطان » .
وأخرج أحمد عن عائشة قالت « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلعن القاشرة ، والمقشورة ، والواشمة ، والمستوشمة ، والواصلة ، والمتصلة » .
وأخرج أحمد ومسلم عن جابر قال « زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة برأسها شيئاً » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عائشة . أن جارية من الأنصار تزوجت وأنها مرضت ، فتمعط شعرها ، فأرادوا أن يصلوها ، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « لعن الله الواصلة والمستوصلة » .

(3/250)


وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت « أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت : يا رسول الله إن لي ابنة عروساً ، وأنه أصابها حصبة فتمزق شعرها ، أفأصله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعن الله الواصلة والمستوصلة » .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } قال : ما بال أقوام جهلة ، يغيرون صبغة الله ولون الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : إن أصدق الحديث كلام الله .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال « كل ما هو آت قريب ، إلا إن البعيد ما ليس بآتٍ ، ألا لا يعجل الله لعجلة أحد ، ولا يجد لأمر الناس ما شاء الله لا ما شاء الناس ، يريد الله أمراً ويريد الناس أمراً ، ما شاء الله كان ولو كره الناس ، لا مقرب لما باعد الله ، ولا مباعد لما قرب الله ، ولا يكون شيء إلا بإذن الله ، أصدق الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وخير ما ألقي في القلب اليقين ، وخير الغنى غنى النفس ، وخير العلم ما نفع ، وخير الهدي ما اتبع ، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى ، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع ، ألا لا تملوا الناس ولا تسئموهم ، فإن لكل نفس نشاطاً وإقبالاً ، وإن لها سآمة وإدباراً ، ألا وشر الروايا روايا الكذب ، والكذب يقود إلى الفجور ، وإن الفجور يقود إلى النار ، ألا وعليكم بالصدق فإن الصدق يقود إلى البر وإن البر يقود إلى الجنة ، واعتبروا في ذلك أيهما الفئتان التقتا يقال للصادق صدق وبر ، ويقال للكاذب كذب وفجر ، وقد سمعنا نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول : لا يزال العبد يصدق حتى يكتب صديقاً ، ولا يزال يكذب حتى يكتب كذاباً .
ألا وإن الكذب لا يصلح في جد ولا هزل ، ولا أن يَعِدَ الرجل منكم صبيه ثم لا ينجز له ، ألا ولا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم قد طال عليهم الأمد فقست قلوبهم وابتدعوا في دينهم ، فإن كنتم لا محالة سائليهم فما وافق كتابكم فخذوه وما خالفه فأمسكوا عنه واستكوا ، ألا وإن أصفر البيوت البيت الذي ليس فيه من كتاب الله شيء ، ألا وإن البيت الذي ليس فيه من كتاب الله خرب كخراب البيت الذي لا عامر له ، ألا وإن الشيطان يخرج من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه » .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن عقبة بن عامر قال « خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ، فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما كان منها على ليلة فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح قال : ألم أقل لك يا بلال أكلئنا الليلة؟ فقال : يا رسول الله ذهب بي النوم فذهب بي الذي ذهب بك ، فانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك المنزل غير بعيد ثم صلى ، ثم هدر بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : أما بعد : فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وأوثق العرا كلمة التقوى ، وخير الملل ملة إبراهيم ، وخير السنن سنة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأشرف الحديث ذكر الله ، وأحسن القصص هذا القرآن ، وخير الأمور عوازمها ، وشر الأمور محدثاتها ، وأحسن الهدي هدي الأنبياء ، وأشرف الموت قتل الشهداء ، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى ، وخير العلم ما نفع ، وخير الهدى ما اتبع ، وشر العمى عمى القلب ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى ، وشر المعذرة حين يحضر الموت ، وشر الندامة يوم القيامة ، ومن الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبراً ، ومنهم من لا يذكر الله إلا هجراً ، وأعظم الخطايا اللسان الكذوب ، وخير الغنى غنى النفس ، وخير الزاد التقوى ، ورأس الحكمة مخافة الله عز وجل ، وخير ما وقر في القلوب اليقين ، والإرتياب من الكفر والنياحة من عمل الجاهلية ، والغلول من جثاء جهنم ، والكنز كي من النار ، والشعر من مزامير إبليس ، والخمر جماع الإثم ، والنساء حبالة الشيطان ، والشباب شعبة من الجنون ، وشر المكاسب كسب الربا ، وشر المآكل مال اليتيم ، والسعيد من وعظ بغيره ، والشقي من شقي في بطن أمه ، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربع أذرع ، والأمر بآخره ، وملاك العمل خواتمه ، وشر الروايا روايا الكذب ، وكل ما هو آت قريب ، وسباب المؤمن فسوق ، وقتال المؤمن كفر ، وأكل لحمه من معصية الله ، وحرمة ماله كحرمة دمه ، ومن يتأول على الله يكذبه ، ومن يغفر يغفر له ، ومن يغضب يغضب الله عنه ، ومن يكظم الغيظ يأجره الله ، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله ، ومن يتبع السمعة يسمع الله به ، ومن يصبر يضعف الله له ، ومن يعص الله يعذبه الله ، اللهم اغفر لي ولأمتي ، قالها ثلاثاً : استغفر الله لي ولكم » .

(3/251)


وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه كان يقول في خطبته : أصدق الحديث كلام الله ، فذكر مثله سواء .

(3/252)


لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123)

أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : قالت العرب : لا نبعث ولا نحاسب ، وقالت اليهود والنصارى { لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى } [ البقرة : 111 ] . وقالوا { لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة } [ البقرة : 80 ] فأنزل الله { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به } .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مسروق قال : احتج المسلمون وأهل الكتاب فقال المسلمون : نحن أهدى منكم . وقال أهل الكتاب : نحن أهدى منكم . فأنزل الله { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب } فانفلج عليهم المسلمون بهذه الآية { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن . . . } [ النساء : 124 ] الآية .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مسروق قال : تفاخر النصارى وأهل الإسلام فقال هؤلاء : نحن أفضل منكم . وقال هؤلاء : نحن أفضل منكم . فأنزل الله { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال : ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا ، فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، ونحن أولى بالله منكم . وقال المسلمون : نحن أولى بالله منكم ، ونبينا خاتم النبيين ، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله . فأنزل الله { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب } إلى قوله { ومن أحسن ديناً } الآية . فأفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى فقالت اليهود للمسلمين : نحن خير منكم ، ديننا قبل دينكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، ونبينا قبل نبيكم ، ونحن على دين إبراهيم ، ولن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً . وقالت النصارى مثل ذلك . فقال المسلمون : كتابنا بعد كتابكم ، ونبينا بعد نبيكم ، وديننا بعد دينكم ، وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم فنحن خير منكم ، نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا . فرد الله عليهم قولهم فقال { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به } ثم فضل الله المؤمنين عليهم فقال { ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً } [ النساء : 125 ] .
وأخرج ابن جرير من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك قال : تخاصم أهل الأديان فقال أهل التوراة : كتابنا أول كتاب وخيرها ، ونبينا خير الأنبياء . وقال أهل الإنجيل نحواً من ذلك ، وقال أهل الإسلام : لا دين إلا الإسلام ، وكتابنا نسخ كل كتاب ، ونبينا خاتم النبيين ، وأمرنا أن نعمل بكتابنا ونؤمن بكتابكم ، فقضى الله بينهم فقال { ليس بأمانيكم ولا أمانيِّ أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به } ثم خير بين أهل الأديان ففضل أهل الفضل فقال

(3/253)


{ ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن . . . } [ النساء : 125 ] الآية . وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق جويبر عن الضحاك قال : افتخر أهل الأديان ، فقالت اليهود : كتابنا خير الكتب وأكرمها على الله ، ونبينا أكرم الأنبياء على الله موسى خلا به وكلمه نجيا ، وديننا خير الأديان . وقالت النصارى : عيسى خاتم النبيين ، آتاه الله التوراة والإنجيل ، ولو أدركه محمد تبعه ، وديننا خير الدين . وقالت المجوس وكفار العرب : ديننا أقدم الأديان وخيرها . وقال المسلمون : محمد رسول الله خاتم الأنبياء وسيد الرسل ، والقرآن آخر ما نزل من عند الله من الكتب ، وهو أمير على كل كتاب ، والإسلام خير الأديان ، فخير الله بينهم فقال { ليس بأمانيكم ولا أمانيِّ أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به } يعني بذلك اليهود والنصارى والمجوس وكفار العرب ، ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ، ثم فضل الإسلام على كل دين فقال : { ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله } [ النساء : 125 ] الآية .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال : قال أهل التوراة : كتابنا خير الكتب أنزل قبل كتابكم ، ونبينا خير الأنبياء . وقال أهل الإنجيل مثل ذلك ، وقال أهل الإسلام : كتابنا نسخ كل كتاب ، ونبينا خاتم النبيين ، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا ، فقضى الله بينهم فقال { ليس بأمانيكم ولا أمانيِّ أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به } وخير بين أهل الأديان فقال { ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه } [ النساء : 125 ] الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال : جلس أناس من أهل التوراة وأهل الإنجيل وأهل الإيمان ، فقال هؤلاء : نحن أفضل منكم . وقال هؤلاء : نحن أفضل . فقال الله { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به } ثم خص الله أهل الأديان فقال { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى } [ النساء : 124 ] .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب } قال : قريش وكعب بن الأشرف .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال : إن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني ، إن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : قالت اليهود والنصارى : لا يدخل الجنة غيرنا . وقالت قريش : لا نبعث . فأنزل الله { ليس بأمانيكم ولا أمانيِّ أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به } والسوء : الشرك .
وأخرج أحمد وهناد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن جرير وأبو يعلى وابن المنذر وابن حبان وابن السني في عمل اليوم والليلة والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان والضياء في المختارة عن أبي بكر الصديق .

(3/254)


أنه قال « يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به } فكل سوء جزينا به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : غفر الله لك يا أبا بكر ، ألست تنصب ، ألست تمرض ، ألست تحزن ، ألست تصيبك اللأواء؟ قال : بلى . قال : فهو ما تجزون به » .
وأخرج أحمد والبزار وابن جرير وابن مردويه والخطيب في المتفق والمفترق عن ابن عمر قال : سمعت أبا بكر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من يعمل سوءاً يجز به في الدنيا » .
وأخرج ابن سعيد والترمذي الحكيم والبزار وابن المنذر والحاكم عن ابن عمر . أنه مر بعبدالله بن الزبير وهو مصلوب فقال : رحمك الله يا أبا خبيب ، سمعت أباك الزبير يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من يعمل سوءاً يجز به في الدنيا » .
وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن المنذر « عن أبي بكر الصديق قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية { من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » يا أبا بكر ألا أقرئك آية نزلت عليّ؟ قلت : بلى يا رسول الله ، فاقرأنيها فلا أعلم إلا أني وجدت انفصاماً في ظهري حتى تمطيت لها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مالك يا أبا بكر؟ قلت : بأبي وأمي يا رسول الله ، وأينا لم يعمل السوء وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما أنت وأصحابك يا أبا بكر المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله ليس لكم ذنوب ، وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزوا به يوم القيامة « » .
وأخرج ابن جرير عن عائشة « عن أبي بكر قال : لما نزلت { من يعمل سوءاً يجز به } قال أبو بكر : يا رسول الله كل ما نعمل نؤاخذ به؟ فقال : » يا أبا بكر أليس يصيبك كذا وكذا . . . فهو كفارة « » .
وأخرج سعيد بن منصور وهناد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه عن مسروق قال : « قال أبو بكر : يا رسول الله ما أشد هذه الآية { من يعمل سوءاً يجز به } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المصائب والأمراض والأحزان في الدنيا جزاء » « .
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبخاري في تاريخه وأبو يعلى وابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح عن عائشة . » أن رجلاً تلا هذه الآية { من يعمل سوءاً يجز به } قال : إنا لنجزى بكل ما عملناه هلكنا إذن ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : « نعم ، يجزى به المؤمن في الدنيا في نفسه ، في جسده ، فيما يؤذيه » « .

(3/255)


وأخرج أبو داود وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي « عن عائشة قالت : قلت : يا رسول الله إني لأعلم أشد آية في القرآن قال » ما هي يا عائشة؟ قلت : { من يعمل سوءاً يجز به } فقال : هو ما يصيب العبد من السوء حتى النكبة ينكبها ، يا عائشة من نوقش هلك ، ومن حوسب عذب . فقلت : يا رسول الله أليس الله يقول { فسوف يحاسب حساباً يسيراً } قال : ذاك العرض ، يا عائشة من نوقش الحساب عن هذه الآية { من يعمل سوءاً يجز به } قال : « إن المؤمن يؤجر في كل شيء حتى في الغط عند الموت » « .
وأخرج أحمد عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفرها ابتلاه الله بالحزن ليكفرها « .
وأخرج ابن راهويه في مسنده وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه عن أبي المهلب قال : رحلت إلى عائشة في هذه الآية { من يعمل سوءاً يجز به } قالت : هو ما يصيبكم في الدنيا .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه » عن أبي هريرة قال : لما نزلت { من يعمل سوءاً يجز به } شق ذلك على المسلمين ، وبلغت منهم ما شاء الله ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « سددوا وقاربوا ، فإن في كل ما أصاب المسلم كفارة ، حتى الشوكة يُشَاكَهَا ، والنكبة ينكبها » وفي لفظ عند ابن مردويه : بكينا وحزنا وقلنا : يا رسول الله ما أبقت هذه الآية من شيء! قال : « أما والذي نفسي بيده إنها لكما نزلت ، ولكن أبشروا وقاربوا وسددوا ، إنه لا يصيب أحد منكم من مصيبة في الدنيا إلا كفر الله بها خطيئته ، حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما يصيب المؤمن من وصب ، ولا نصب ، ولا سقم ، ولا حزن ، حتى الهم يهمه إلا كفر الله به من سيئاته » .
وأخرج أحمد ومسدد وابن أبي الدنيا في الكفارات وأبو يعلى وابن حبان والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي سعيد قال : « قال رجل : يا رسول الله أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا ما لنا بها؟ قال : كفارات . قال أبي : وإن قلت؟ قال : وإن شوكة فما فوقها » .
وأخرج ابن راهويه في مسنده عن محمد بن المنتشر قال : قال رجل لعمر ابن الخطاب : إني لا أعرف أشد آية في كتاب الله .

(3/256)


فأهوى عمر فضربه بالدرة وقال : مالك نقبت عنها؟ فانصرف حتى كان الغد قال له عمر : الآية التي ذكرت بالأمس؟ فقال { من يعمل سوءاً يجز به } فما منا أحد يعمل سوءاً إلا جزي به . فقال عمر : لبثنا حين نزلت ما ينفعنا طعام ولا شراب حتى أنزل الله بعد ذلك ، ورخص وقال : { ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً } [ النساء : 110 ] .
وأخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وحسنه والبيهقي « عن أمية بنت عبدالله قالت : سألت عائشة عن هذه الآية { من يعمل سوءاً يجز به } فقالت : لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد بعد أن سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : » يا عائشة هذه مبايعة الله العبد بما يصيبه من الحمى والحزن والنكبة ، حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفزع لها فيجدها تحت ضبنه ، حتى إن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير « » .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير والبيهقي عن زياد بن الربيع قال : قلت لأبي بن كعب : آية في كتاب الله قد أحزنتني قال : ما هي؟ قلت { من يعمل سوءاً يجز به } قال : ما كنت أراك إلا أفقه مما أرى ، إن المؤمن لا تصيبه مصيبة ، عثرة قدم ولا اختلاج عرق ولا نحبة نملة إلا بذنب ، وما يعفوه الله عنه أكثر حتى اللدغة والنفحة .
وأخرج هناد وأبو نعيم في الحلية عن إبراهيم بن مرة قال : جاء رجل إلى أبي فقال : يا أبا المنذر آية في كتاب الله قد غمتني ، قال : أي آية؟ قال { من يعمل سوءاً يجز به } قال : ذاك العبد المؤمن ، ما أصابته من نكبة مصيبة فيصبر ، فليقى الله عز وجل ولا ذنب له .
وأخرج ابن جرير « عن عطاء بن أبي رباح قال : لما نزلت { من يعمل سوءاً يجز به } قال أبو بكر : جاءت قاصمة الظهر . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » إنما هي المصيبات في الدنيا « » .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس . إن ابن عمر لقيه حزيناً فسأله عن هذه الآية { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به } فقال : ما لكم ولهذه ، إنما هذه للمشركين ، قريش وأهل الكتاب .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس { من يعمل سوءاً يجز به } يقول : من يشرك يجز به وهو السوء { ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً } إلا أن يتوب قبل موته ، فيتوب الله عليه .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد والحكيم الترمذي والبيهقي عن الحسن في قوله { من يعمل سوءاً يجز به } قال : إنما ذاك لمن أراد الله هوانه ، فأما من أراد الله كرامته فإنه يتجاوز عن سيئاته في أصحاب الجنة ، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون .

(3/257)


وأخرج البيهقي عن أنس قال : « أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم شجرة ، فهزها حتى تساقط من ورقها ما شاء الله أن يتساقط ، ثم قال : الأوجاع والمصيبات أسرع في ذنوب بني آدم مني في هذه الشجرة » .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وفي ولده وماله حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة » .
وأخرج أحمد عن السائب بن خلاد « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه إلا كتب الله له بها حسنة وحط عنه بها خطيئة » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عائشة قالت : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه ، حتى الشوكة يشاكها » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والحكيم الترمذي عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة » .
وأخرج أحمد عن عائشة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وجع ، فجعل يشتكي ويتقلب على فراشه ، فقالت عائشة : لو صنع هذا بعضنا لوجدت عليه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الصالحين يشدد عليهم ، وأنه لا يصيب مؤمناً نكبة من شوكة فما فوق ذلك إلا حطت به عنه خطيئة ورفع له بها درجة » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما يصيب المؤمن من نصب ، ولا وصب ، ولا هم ، ولا حزن ، ولا أذى ، ولا غم ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله من خطاياه » .
وأخرج أحمد وهناد في الزهد معاً عن أبي بكر الصديق قال : إن المسلم ليؤجر في كل شيء ، حتى في النكبة وانقطاع شسعه ، والبضاعة تكون في كمه فيفقدها فيفزع لها فيجدها في ضبنه .
وأخرج ابن أبي شيبة « عن سعد بن أبي وقاص قال : قلت : يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال : » النبيون ، ثم الأمثل من الناس ، فما يزال بالعبد البلاء حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة « » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن معاوية : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما من شيء يصيب المؤمن في جسده يؤذيه إلا كفَّر الله عنه به من سيئاته » .

(3/258)


وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « صداع المؤمن ، أو شوكة يشاكها ، أو شيء يؤذيه ، يرفعه الله بها يوم القيامة درجة ، ويكفر عنه بها ذنوبه » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن بريدة الأسلمي . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما أصاب رجلاً من المسلمين نكبة فما فوقها - حتى ذكر الشوكة - إلا لإحدى خصلتين : إلا ليغفر الله من الذنوب ذنباً لم يكن ليغفر الله له إلا بمثل ذلك ، أو يبلغ به من الكرامة كرامة لم يكن يبلغها إلا بمثل ذلك » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن مسعود قال : إن الوجع لا يكتب به الأجر ، إنما الأجر في العمل ، ولكن يكفِّر الله به الخطايا .
وأخرج ابن سعد والبيهقي عن عبدالله بن أياس بن أبي فاطمة عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أيكم يحب أن يصح فلا يسقم؟ قالوا : كلنا يا رسول الله قال : أتحبون أن تكونوا كالحمير الضالة » وفي لفظ : الصيالة ، « ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلاء ، وأصحاب كفارات؟ والذي نفسي بيده إن الله ليبتلي المؤمن وما يبتليه إلا لكرامته عليه ، وإن العبد لتكون له الدرجة في الجنة لا يبلغها بشيء من عمله حتى يبتليه بالبلاء ليبلغ به تلك الدرجة » .
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا والبيهقي عن محمد بن خالد السلمي عن أبيه عن جده وكانت له صحبة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إذا سبقت للعبد من الله منزلة لم يبلغها بعمله ، ابتلاه الله في جسده ، أو في ماله ، أو في ولده ، ثم صبره حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله » .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الرجل لتكون له المنزلة عند الله فما يبلغها بعمل ، فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه ذلك » .
وأخرج البيهقي من طريق أحمد بن أبي الحواري قال : سمعت أبا سليمان يقول : مر موسى عليه السلام على رجل في متعبد له ، ثم مر به بعد ذلك وقد مزقت السباع لحمه ، فرأس ملقى ، وفخذ ملقى ، وكبد ملقى ، فقال موسى : يا رب عبدك كان يطيعك فابتليه بهذا؟! فأوحى الله إليه : يا موسى إنه سألني درجة لم يبلغها بعمله ، فابتليه بهذا لأبلغه بذلك الدرجة « .
وأخرج البيهقي عن عائشة : » سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما ضرب من مؤمن عرق إلاَّ حَطَّ الله به عنه خطيئة ، وكتب له به حسنة ، ورفع له به درجة « .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

(3/259)


« إن الله ليبتلي عبده بالسقم حتى يكفِّر كل ذنب » .
وأخرج البيهقي عن عبدالله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من صدع في سبيل الله ثم احتسب غفر الله له ما كان قبل ذلك من ذنب » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن يزيد بن أبي حبيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يزال الصداع والمليلة بالمرء المسلم حتى يدعه مثل الفضة البيضاء » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عامر أخي الخضر قال : إني لبأرض محارب إذا رايات وألوية فقلت : ما هذا؟! قالوا : رسول الله صلى الله عليه وسلم . فجلست إليه وهو في ظل شجرة قد بسط له كساء وحوله أصحابه ، فذكروا الأسقام فقال : « إن العبد المؤمن إذا أصابه سقم ثم عافاه الله كان كفارة لما مضى من ذنوبه ، وموعظة له فيما يستقبل من عمره ، وإن المنافق إذا مرض وعوفي كان كالبعير عقله أهله ثم أطلقوه ، لا يدري فيما عقلوه ولا فيما أطلقوه . فقال رجل : يا رسول الله ما الأسقام؟ قال : أو ما سقمت قط؟! قال : لا . قال : فقم عنا فلست منا » .
وأخرج البيهقي عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما من عبد يصرع صرعة من مرض إلا بعثه منه طاهراً » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن العبد إذا مرض أوحى الله إلى ملائكته : يا ملائكتي إذا قيدت عبدي بقيد من قيودي فإن أقبضه أغفر له ، وإن أعافه فجسده مغفور لا ذنب له » وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله لَيُجرِّبَ أحدكم البلاء - وهو أعلم - كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار ، فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز ، فذلك الذي نجاه الله من السيئات ، ومنهم من يخرج كالذهب دون ذلك ، فذلك الذي يشك بعض الشك ، ومنهم من يخرج كالذهب الأسود ، فذلك الذي قد افتتن » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي من طريق بشير بن عبدالله بن أبي أيوب الأنصاري عن أبيه عن جده قال : « عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأنصار ، فأكبَّ عليه فسأله فقال : يا نبي الله ما غمضت منذ سبع ليال ، ولا أحد يحضرني . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » أي أخي اصبر ، أي أخي اصبر تخرج من ذنوبك كما دخلت فيها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ساعات الأمراض يذهبن ساعات الخطايا « » .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(3/260)


« ساعات الأذى يذهبن ساعات الخطايا » .
وأخرج البيهقي عن الحكم بن عتبة رفعه قال « إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له من العمل ما يكفر ذنوبه ، ابتلاه الله بالهم يكفر به ذنوبه » .
وأخرج ابن عدي والبيهقي وضعفه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله ليبتلي عبده بالبلاء والألم حتى يتركه من ذنبه كالفضة المصفاة » .
وأخرج البيهقي عن المسيب بن رافع . أن أبا بكر الصديق قال : إن المرء المسلم يمشي في الناس وما عليه خطيئة . قيل : ولم ذلك يا أبا بكر؟ قال : بالمصائب والحجر والشوكة والسشع ينقطع .
وأخرج أحمد عن أبي الدرداء « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الصداع والمليلة لا يزال بالمؤمن وإن ذنبه مثل أحد فما يتركه وعليه من ذلك مثقال حبة من خردل » .
وأخرج أحمد عن خالد بن عبدالله القسري عن جده يزيد بن أسد . أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « المريض تحات خطاياه كما يتحات ورق الشجر » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء قال : ما يسرني بليلة أمرضها حمر النعم .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عياض بن غضيف قال : دخلنا على أبي عبيدة بن الجراح نعوده ، فإذا وجهه مما يلي الجدار ، وامرأته قاعدة عند رأسه قلت : كيف بات أبو عبيدة؟ قالت : بات بأجر . فأقبل علينا بوجهه فقال : إني لم أَبِتْ بأجر ، ومن ابتلاه الله ببلاء في جسده فهو له حطة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان قال : إن المؤمن يصيبه الله بالبلاء ثم يعافيه فيكون كفارة لسيئاته ومستعتباً فيما بقي ، وإن الفاجر يصيبه الله بالبلاء ثم يعافيه فيكون كالبعير عقله أهله ، لا يدري لمَ عقلوه ثم أرسلوه فلا يدري لمَ أرسلوه .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمار . أنه كان عنده أعرابي ، فذكروا الوجع فقال عمار : ما اشتكيت قط؟ قال : لا . فقال عمار : لست منا ، ما من عبد يبتلى إلا حط عنه خطاياه كما تحط الشجرة ورقها ، وإن الكافر يبتلى فمثله مثل البعير عُقِل فلم يدرِ لمَ عَقِلْ ، وأُطْلِقَ فلم يدرِ لمَ أُطْلِقَ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { من يعمل سوءاً يجز به } قال : الشرك .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير . مثله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { من يعمل سوءاً يجز به } قال : الكافر ، ثم قرأ { وهل يجازى إلا الكفور } [ سبأ : 17 ] .

(3/261)


وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124)

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مسروق قال : لما نزلت { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب . . . } [ النساء : 123 ] الآية . قال أهل الكتاب : نحن وأنتم سواء . فنزلت هذه الآية { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } ففجلوا عليهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي في قوله { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } قال : أبى أن يقبل الإيمان إلا بالعمل الصالح .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن ابن عمر لقيه فسأله عن هذه الآية { ومن يعمل من الصالحات } قال : الفرائض .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } قال : قد يعمل اليهودي والنصراني والمشرك الخير ، فلا ينفعهم في الدنيا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن } قال : إنما يتقبل الله من العمل ما كان في الإيمان .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال : النقير هي النكتة التي تكون في ظهر النواة .
وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي قال : « القطمير » القشرة التي تكون على النواة والفتيل الذي يكون في بطنها و « النقير » النقطة البيضاء التي في وسط النواة .

(3/262)


وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126)

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : قال أهل الإسلام : لا دين إلا الإسلام ، كتابنا نسخ كل كتاب ، ونبينا خاتم النبيين ، وديننا خير الأديان . فقال الله تعالى { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن } .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله اصطفى موسى بالكلام ، وإبراهيم بالخلة » .
وأخرج ابن جرير والطبراني في السنة عن ابن عباس قال : إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة ، واصطفى موسى بالكلام ، واصطفى محمداً بالرؤية .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن الضريس عن معاذ بن جبل . أنه لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ { واتخذ الله إبراهيم خليلاً } فقال رجل من القوم : لقد قرت عين أم إبراهيم .
وأخرج الحاكم وصححه عن جندب : أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يتوفى : « إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً » .
وأخرج الطبراني وابن عساكر عن ابن مسعود قال : إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً ، وإن صاحبكم خليل الله ، وإن محمداً سيد بني آدم يوم القيامة . ثم قرأ { عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً } [ الإسراء : 79 ] .
وأخرج الطبراني عن سمرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن الأنبياء يوم القيامة كل اثنين منهم خليلان دون سائرهم . قال فخليلي منهم يومئذ خليل الله إبراهيم » .
وأخرج الطبراني والبزار عن أبي هريرة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن في الجنة قصراً من درة لا صدع فيه ولا وهن ، أعده الله لخليله إبراهيم عليه السلام نزلاً » .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال : أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم ، والكلام لموسى ، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم ؟! « .
وأخرج الترمذي وابن مردويه عن ابن عباس قال : » جلس ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرونه ، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم ، وإذا بعضهم يقول : إن الله اتخذ من خلقه خليلاً فإبراهيم خليله . وقال آخر : ماذا بأعجب من أن كلم الله موسى تكليماً . وقال آخر : فعيسى روح الله وكلمته . وقال آخر : آدم اصطفاه الله . فخرج عليهم فسلم فقال : قد سمعت كلامكم وعجبكم ان إبراهيم خليل الله وهو كذلك ، وموسى كليمه ، وعيسى روحه وكلمته ، وآدم اصطفاه الله ربه كذلك ، ألا وإني حبيب الله ولا فخر ، وأنا أول شافع ، وأول مشفع ولا فخر ، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتحها الله ، فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر ، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر « .

(3/263)


وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات قال : أوحى الله إلى إبراهيم : أتدري لم اتخذتك خليلاً؟ قال : لا يا رب . قال : لأني اطلعت إلى قلبك فوجدتك تحب أن ترزأ ولا ترزأ .
وأخرج ابن المنذر عن ابن أبزى قال : دخل إبراهيم عليه السلام منزله ، فجاءه ملك الموت في صورة شاب لا يعرفه ، فقال له إبراهيم : بإذن من دخلت؟ قال : بإذن رب المنزل . فعرفه إبراهيم فقال له ملك الموت : إن ربك اتخذ من عباده خليلاً . قال إبراهيم : ونحن ذلك! قال : وما تصنع به؟ قال : أكون خادماً له حتى أموت . قال : فإنه أنت . وبأي شيء اتخذني خليلاً؟ قال : بأنك تحب أن تعطي ولا تأخذ .
وأخرج البيهقي في الشعب عن عبدالله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا جبريل لم اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟ قال : لإطعامه الطعام يا محمد » .
وأخرج الديلمي بسند واهٍ عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس : « يا عم أتدري لم اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟ هبط إليه جبريل فقال : أيها الخليل هل تدري بم استوجبت الخلة؟ فقال : لا أدري يا جبريل! قال : لأنك تعطي ولا تأخذ » .
وأخرج الحافظ أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي في فضائل العباس عن واثلة بن الأسقع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم اتخذه خليلاً ، واصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ، ثم اصطفى من ولد إسماعيل نزاراً ، ثم اصطفى من ولد نزار مضر ، ثم اصطفى من مضر كنانة ، ثم اصطفى من كنانة قريشاً ، ثم اصطفى من قريش بني هاشم ، ثم اصطفى من بني هاشم بني عبد المطلب ، ثم اصطفاني من بني عبد المطلب » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه وابن عساكر والديلمي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « { اتخذ الله إبراهيم خليلاً } وموسى نجياً ، واتخذني حبيباً ، ثم قال : وعزتي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيِّي » .
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن علي بن أبي طالب قال : أوّل من يكسى يوم القيامة إبراهيم قبطيتين والنبي صلى الله عليه وسلم حلة حبرة وهو عن يمين العرش . والله أعلم .

(3/264)


وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127)

أخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله { ويستفتونك في النساء . . . } الآية . قال كان أهل الجاهلية لا يورثون المولود حتى يكبر ، ولا يورثون المرأة . فلما كان الإسلام قال { ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب } في أوّل السورة في الفرائض .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال : كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ أن يقوم في المال ويعمل فيه ، ولا يرث الصغير ولا المرأة شيئاً ، فلما نزلت المواريث في سورة النساء شق ذلك على الناس ، وقالوا : أيرث الصغير الذي لا يقوم في المال ، والمرأة التي هي كذلك ، فيرثان كما يرث الرجل؟ فرجوا أن يأتي في ذلك حدث من السماء ، فانتظروا فلما رأوا أنه لا يأتي حدث قالوا : لئن تم هذا إنه لواجب ما عنه بد ، ثم قالوا : سلوا . . . فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله { ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب } في أول السورة ، في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن . قال سعيد ابن جبير : وكان الولي إذا كانت المرأة ذات جمال ومال رغب فيها ونكحها واستأثر بها ، وإذا لم تكن ذات جمال ومال أنكحها ولم ينكحها .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان شيئاً ، كانوا يقولون : لا يغزون ولا يغنمون خيراً ، ففرض الله لهن الميراث حقاً واجباً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن إبراهيم في الآية قال : كانوا إذا كانت الجارية يتيمة دميمة لم يعطوها ميراثها ، وحبسوها من التزويج حتى تموت فيرثوها ، فأنزل الله هذا .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : كانت اليتيمة تكون في حجر الرجل فيرغب أن ينكحها ولا يعطيها مالها رجاء أن تموت فيرثها ، وإن مات لها حميم لم تعط من الميراث شيئاً ، وكان ذلك في الجاهلية ، فبين الله لهم ذلك ، وكانوا لا يورثون الصغير والضعيف شيئاً ، فأمر الله أن يعطى نصيبه من الميراث .
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال : كان جابر بن عبدالله له ابنة عم عمياء ، وكانت دميمة ، وكانت قد ورثت من أبيها مالاً ، فكان جابر يرغب عن نكاحها ولا ينكحها رهبة أن يذهب الزوج بمالها ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، وكان ناس في حجورهم جوار أيضاً مثل ذلك ، فأنزل الله فيهم هذا .
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق السدي عن أبي مالك في قوله { وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهم ما كتب لهم وترغبون أن تنكحوهن } قال : كانت المرأة إذا كانت عند ولي يرغب عن حسنها لم يتزوّجها ولم يترك أحداً يتزوّجها { والمستضعفين من الولدان } قال : كانوا لا يورثون إلا الأكبر فالأكبر .

(3/265)


وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير في قوله { وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء } قال : ما يتلى عليكم في أول السورة من المواريث ، وكانوا لا يورثون امرأة ولا صبياً حتى يحتلم .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عائشة في قوله { ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن } إلى قوله { وترغبون أن تنكحوهن } قالت : هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووراثها قد شركته في ماله حتى في العذق ، فيرغب أن ينكحها ، ويكره أن يزوّجها رجلاً فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها ، فنزلت هذه الآية .
وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن أبي حاتم عن عائشة قالت : ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن ، فأنزل الله { ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء } قالت : والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب ، الآية الأولى التي قال الله { وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء } قالت : وقول الله { وترغبون أن تنكحوهن } رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال ، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال : كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه ، فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوّجها أبداً ، فإن كانت جميلة وهويها تزوّجها وأكل مالها ، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبداً حتى تموت ، فإذا ماتت ورثها فحرم الله ذلك ونهى عنه ، وكانوا لا يورثون الصغار ولا البنات وذلك قوله { لا تؤتونهن ما كتب لهن } فنهى الله عنه ، وبيَّن لكل ذي سهم سهمه ، صغيراً كان أو كبيراً .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال : كانت اليتيمة تكون في حجر الرجل فيها دمامة ، فيرغب عنها أن ينكحها ، ولا ينكحها رغبة في مالها .
وأخرج القاضي إسماعيل في أحكام القرآن عن عبد الملك بن محمد بن حزم . أن عمرة بنت حزم كانت تحت سعد بن الربيع فقتل عنها بأحد ، وكان له منها ابنة ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تطلب ميراث ابنتها ، ففيها نزلت { ويستفتونك في النساء . . . } الآية .
وأخرج ابن المنذر من طريق ابن عون عن الحسن وابن سيرين في هذه الآية قال أحدهما : ترغبون فيهن ، وقال الآخر : ترغبون عنهن .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن الحسن في قوله { وترغبون أن تنكحوهن } قال : ترعبون عنهن .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عبيدة { وترغبون أن تنكحوهن } قال : ترغبون عنهن .

(3/266)


وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134)

أخرج الطيالسي والترمذي وحسنه وابن المنذر والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : « خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله لا تطلقني واجعل يومي لعائشة ، ففعل ونزلت هذه الآية { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا . . . } الآية . قال ابن عباس : فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز » .
وأخرج ابن سعد وأبو داود والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة قالت : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندنا ، وكان يطوف علينا يومياً من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى من هو يومها فيبيت عندها ، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت ، وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله يومي هو لعائشة . فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة : فأنزل الله في ذلك { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً . . . } الآية » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن جرير وابن المنذر عن عائشة { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً . . . } الآية . قالت : الرجل تكون عنده المرأة ليس مستكثراً منها يريد أن يفارقها ، فتقول : أجعلك من شأني في حل . فنزلت هذه الآية .
وأخرج ابن ماجة عن عائشة قالت : نزلت هذه الآية { والصلح خير } في رجل كانت تحته امرأة قد طالت صحبتها وولدت منه أولاداً ، فأراد أن يستبدل بها ، فراضته على أن يقيم عندها ولا يقيم لها .
وأخرج مالك وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن رافع بن خديج . أنه كانت تحته امرأة قد خلا من سنها ، فتزوج عليها شابة فآثرها عليها ، فأبت الأولى أن تقر ، فطلقها تطليقة حتى إذا بقي من أجلها يسير قال : إن شئت راجعتك وصبرت على الأثرة ، وإن شئت تركتك؟ قالت : بل راجعني . فراجعا فلم تصبر على الأثرة ، فطلقها أخرى وآثر عليها الشابة ، فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله أنزل فيه { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً . . . } الآية .
وأخرج الشافعي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي عن سعيد ابن المسيب . أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج ، فكره منها أمراً ، إما كبراً أو غيره ، فأراد طلاقها فقالت : لا تطلقني . واقسم لي ما بدا لك ، فاصطلحا على صلح ، فجرت السنة بذلك ، ونزل القرآن { وإن امرأة خافت من بعلها . . . } الآية .
وأخرج ابن جرير عن عمر . أن رجلاً سأله عن آية؟ فكره ذلك وضربه بالدرة ، فسأله آخر عن هذه الآية { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً } فقال : عن مثل هذا فسلوا ، ثم قال : هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها ، فيتزوج المرأة الثانية يلتمس ولدها ، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز .

(3/267)


وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وابن راهويه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن علي بن أبي طالب . أنه سئل عن هذه الآية فقال : هو الرجل عنده امرأتان ، فتكون إحداهما قد عجزت أو تكون دميمة فيريد فراقها ، فتصالحه على أن يكون عندها ليلة وعند الأخرى ليالي ولا يفارقها ، فما طابت به نفسها فلا بأس به ، فإن رجعت سوَّى بينهما .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال : هي المرأة تكون عند الرجل حتى تكبر ، فيريد أن يتزوج عليها ، فيتصالحان بينهما صلحاً على أن لها يوماً ولهذه يومان أو ثلاثة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال : تلك المرأة تكون عند الرجل لا يرى منها كثيراً مما يحب ، وله امرأة غيرها أحب إليه منها فيؤثرها عليها ، فأمر الله إذا كان ذلك أن يقول لها : يا هذه إن شئت أن تقيمي على ما ترين من الأثرة فأواسيك وأنفق عليك فأقيمي ، وإن كرهت خليت سبيلك ، فإن هي رضيت أن تقيم بعد أن يخبرها فلا جناح عليه ، وهو قوله { والصلح خير } يعني أن تخيير الزوج لها بين الإقامة والفراق خير من تمادي الزوج على أثرة غيرها عليها .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : هو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة ، فينكح عليها المرأة الشابة ، ويكره أن يفارق أم ولده فيصالحها على عطية من ماله ونفسه ، فيطيب له ذلك الصلح .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال : نزلت في أبي السنابل بن بعكك .
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال : نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي سودة بنت زمعة .
وأخرج أبو داود وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أبغض الحلال إلى الله الطلاق » .
وأخرج الحاكم عن كثير بن عبدالله بن عوف عن أبيه عن جده : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « الصلح حائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالاً أو أحل حراماً ، والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { وأحضرت الأنفس الشح } قال : تشح عند الصلح على نصيبها من زوجها .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله { وأحضرت الأنفس الشح } قال : هواه في الشيء يحرص عليه . وفي قوله { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء } قال : في الحب والجماع .

(3/268)


وفي قوله { فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة } قال : لا هي أيِّم ولا هي ذات زوج .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبي مليكة قال : نزلت هذه الآية { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء } في عائشة ، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبها أكثر من غيرها .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن المنذر عن عائشة قالت : « كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ، ثم يقول : اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن ماجة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط » .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال : كانوا يستحبون أن يسوّوا بين الضرائر حتى في الطيب ، يتطيب لهذه كما يتطيب لهذه .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن جابر بن زيد قال : كانت لي امرأتان ، فلقد كنت أعدل بينهما حتى أعد القبل .
وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين . في الذي له امرأتان يكره أن يتوضأ في بيت إحداهما دون الأخرى .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال : إن كانوا ليسوّون بين الضرائر حتى تبقى الفضلة مما لا يكال من السويق والطعام ، فيقسمونه كفاً كفاً إذا كان مما لا يستطاع كيله .
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في قوله { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء } قال : في الجماع .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن عبيدة في قوله { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء } قال في الحب { فلا تميلوا كل الميل } قال : في الغشيان { فتذروها كالمعلقة } لا أيِّم ولا ذات زوج .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد في قوله { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء } قال : يعني في الحب { فلا تميلوا كل الميل } قال : لا تتعمدوا الإساءة .
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية يقول : لا تمل عليها ، فلا تنفق عليها ، ولا تقسم لها يوماً .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في الآية يقول : إن أحببت واحدة وأبغضت واحدة فاعدل بينهما .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فتذروها كالمعلقة } قال : لا مطلقة ولا ذات بعل .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن قتادة في قوله { كالمعلقة } قال : كالمسجونة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { وإن يتفرقا } قال : الطلاق .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وكان الله غنياً } قال : غنياً عن خلقه { حميداً } قال : مستحمداً إليهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن علي . مثله .
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله { وكفى بالله وكيلاً } قال : حفيظاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين } قال : قادر والله ربنا على ذلك أن يهلك من خلقه ما شاء ويأت بآخرين من بعدهم .

(3/269)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين . . . } الآية . قال : أمر الله المؤمنين أن يقولوا بالحق ولو على أنفسهم ، أو آبائهم ، أو أبنائهم ، لا يحابوا غنياً لغناه ، ولا يرحموا مسكيناً لمسكنته ، وفي قوله { فلا تتبعوا الهوى } فتذروا الحق ، فتجوروا { وإن تلووا } يعني ألسنتكم بالشهادة أو تعرضوا عنها .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس في قوله { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله . . . } الآية . قال : الرجلان يقعدان عند القاضي فيكون ليّ القاضي وإعراضه لأحد الرجلين على الآخر .
وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن مولى لابن عباس قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، كانت البقرة أول سورة نزلت ، ثم أردفها سورة النساء قال : فكان الرجل يكون عنده الشهادة قبل ابنه أو عمه أو ذوي رحمه ، فيلوي بها لسانه أو يكتمها ، مما يرى من عسرته حتى يوسر فيقضي ، فنزلت { كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله } يعني إن يكن غنياً أو فقيراً .
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال : نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم ، اختصم إليه رجلان غني وفقير ، فكان حلفه مع الفقير يرى أن الفقير لا يظلم الغني ، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال : هذا في الشهادة ، فأقم الشهادة يا ابن آدم ولو على نفسك ، أو الوالدين والأقربين ، أو على ذي قرابتك وأشراف قومك ، فإنما الشهادة لله وليست للناس ، وإن الله تعالى رضي بالعدل لنفسه ، والإقساط والعدل ميزان الله في الأرض ، به يرد الله من الشديد على الضعيف ، ومن الصادق على الكاذب ، ومن المبطل على المحق ، وبالعدل يصدق الصادق ويكذب الكاذب ، ويرد المعتدي ويوبخه تعالى ربنا وتبارك ، وبالعدل يصلح الناس ، يا ابن آدم إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما ، يقول : الله أولى بغنيكم وفقيركم ، ولا يمنعك عنى غني ولا فَقْرُ فقير أن تشهد عليه بما تعلم فإن ذلك من الحق ، قال : وذكر لنا أن نبي الله موسى عليه السلام قال : يا رب أي شيء وضعت في الأرض أقل؟ قال : العدل أقل ما وضعت « .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { وإن تلووا أو تعرضوا } يقول : تلوي لسانك بغير الحق وهي اللجلجة ، فلا يقيم الشهادة على وجهها . والإعراض الترك .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال { تلووا } تحرفوا و { تعرضوا } تتركوا .
أخرج آدم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله { وإن تلووا } يقول : تبدلوا الشهادة { أو تعرضوا } يقول : تكتموها .

(3/270)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136)

أخرج الثعلبي عن ابن عباس ، أن عبد الله بن سلام ، وأسداً وأسيدا ابنَيْ كعب ، وثعلبة بن قيس ، وسلاماً ابن أخت عبد الله بن سلام ، وسلمة ابن أخيه ، ويامين بن يامين ، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : « يا رسول الله إنا نؤمن بكتابك وموسى والتوراة وعزير ، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل آمنوا بالله ورسوله محمد ، وكتابه القرآن ، وبكل كتاب كان قبله ، فقالوا : لا نفعل . فنزلت { يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل } قال : فآمنوا كلهم » .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله { يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله . . . } الآية . قال : يعني بذلك أهل الكتاب ، كان الله قد أخذ ميثاقهم في التوراة والإنجيل ، وأقروا على أنفسهم بأن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فلما بعث الله رسوله ، دعاهم إلى أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ، وذكرهم الذي أخذ عليهم من الميثاق ، فمنهم من صدق النبي واتبعه ، ومنهم من كفر .

(3/271)


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (137) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139)

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال : هم اليهود والنصارى ، آمنت اليهود بالتوراة ثم كفرت ، وآمنت النصارى بالإنجيل ثم كفرت .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { إن الذين آمنوا ثم كفروا } قال : هؤلاء اليهود ، آمنوا بالتوراة ثم كفروا ، ثم ذكر النصارى فقال { ثم آمنوا ثم كفروا } يقول : آمنوا بالإنجيل ثم كفروا به { ثم ازدادوا كفراً } بمحمد صلى الله عليه وسلم { ولا ليهديهم سبيلاً } قال : طريق هدى وقد كفروا بآيات الله .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : هؤلاء المنافقون آمنوا مرتين وكفروا مرتين { ثم ازدادوا كفراً } .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال : هم المنافقون .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن علي أنه قال في المرتد : إن كنت لمستتيبه ثلاثاً ، ثم قرأ هذه الآية { إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازداودا كفراً } .
وأخرج ابن المنذر والبيهقي في سننه عن فضالة بن عبيد . أنه أتي برجل من المسلمين قد فر إلى العدوّ فأقاله الإسلام ، فأسلم ثم فر الثانية ، فأتي به فأقاله الإسلام ، ثم فر الثالثة ، فأتي به فنزع بهذه الآية { إن الذين آمنوا ثم كفروا } إلى { سبيلاً } ثم ضرب عنقه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ازدادوا كفراً } قال : تموا على كفرهم حتى ماتوا .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد . مثله .
وأخرج الحاكم في التاريخ والديلمي وابن عساكر عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الله يقول كل يوم : أنا ربكم العزيز ، فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز » .

(3/272)


وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141)

أخرج ابن المنذر وابن جرير عن أبي وائل قال : إن الرجل ليتكلم في المجلس بالكلمة الكذب يُضْحِكُ بها جلساءه فيسخط الله عليهم جميعاً ، فذكر ذلك لإبراهيم النخعي فقال : صدق أبو وائل ، أو ليس ذلك في كتاب الله { فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره } .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال : أنزل في سورة الأنعام { حتى يخوضوا في حديث غيره } [ الأنعام : 68 ] ثم نزل التشديد في سورة النساء { إنكم إذاً مثلهم } .
وأخرج ابن المنذر عن السدي في الآية قال : كان المشركون إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله والقرآن ، فشتموه واستهزؤوا به ، فأمر الله أن لا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره .
وأخرج عن سعيد بن جبير أن الله جامع المنافقين من أهل المدينة ، والمشركين من أهل مكة الذين خاضوا واستهزؤوا بالقرآن في جهنم جميعاً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { الذين يتربصون بكم } قال : هم المنافقون يتربصون بالمؤمنين ، { فإن كان لكم فتح من الله } إن أصاب المسلمون من عدوّهم غنيمة قال المنافقون { ألم نكن معكم } قد كنا معكم فأعطونا من الغنيمة مثل ما تأخذون { وإن كان للكافرين نصيب } يصيبونه من المسلمين قال المنافقون للكفار { ألم نستحوذ عليكم } ألم نبين لكم أنا على ما أنتم عليه قد نثبطهم عنكم .
وأخرج ابن جرير عن السدي { ألم نستحوذ عليكم } قال : نغلب عليكم .
أخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن علي . أنه قيل له : أرأيت هذه الآية { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً } وهم يقاتلونا فيظهرون ويقتلون؟ فقال : ادنه ادنه ، ثم قال : فالله يحكم بينكم يوم القيامة { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً } .
واخرج ابن جرير عن علي { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً } قال في الآخرة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً } قال : ذاك يوم القيامة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً } قال : ذاك يوم القيامة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك . مثله .
وأخرج ابن جرير عن السدي { سبيلاً } قال : حجة .

(3/273)


إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142)

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن في الآية قال : يلقى على كل مؤمن ومنافق نور يمشون به يوم القيامة ، حتى إذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين ومضى المؤمنون بنورهم ، فتلك خديعة الله إياهم .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { وهو خادعهم } قال : يعطيهم يوم القيامة نوراً يمشون فيه مع المسلمين كما كانوا معه في الدنيا ، ثم يسلبهم ذلك النور فيطفئه ، فيقومون في ظلمتهم .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد وسعيد بن جبير . نحوه .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في الآية قال : نزلت في عبد الله بن أبي ، وأبي عامر بن النعمان .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في الصمت عن ابن عباس . أنه كان يكره أن يقول الرجل : إني كسلان ويتأوّل هذه الآية .
وأخرج أبو يعلى عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من حسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو فتلك استهانة استهان بها ربه » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة { يراؤون الناس } قال : والله لولا الناس ما صلى المنافق ، ولا يصلي إلا رياء وسمعة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإيمان عن الحسن { ولا يذكرون الله إلا قليلاً } قال : إنما لأنه كان لغير الله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة { ولا يذكرون الله إلا قليلاً } قال : إنما قل ذكر المنافق لأن الله لم يقبله ، وكل ما رد الله قليل ، وكل ما قبل الله كثير .
وأخرج ابن المنذر عن علي قال : لا يقل عمل مع تقوى ، وكيف يقل ما يتقبل؟ .
وأخرج مسلم وأبو داود والبيهقي في سننه عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تلك صلاة المنافق ، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً » .

(3/274)


مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143)

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : مثل المؤمن والمنافق والكافر مثل ثلاثة نفر انتهوا إلى واد ، فوقع أحدهم فعبر حتى أتى ، ثم وقع أحدهم حتى أتى على نصف الوادي ناداه الذي على شفير الوادي : ويلك أين تذهب إلى الهلكة ، ارجع عودك على بدئك؟! وناداه الذي عبر : هلم النجاة . فجعل ينتظر إلى هذا مرة وإلى هذا مرة قال : فجاءه سيل فأغرقه ، فالذي عبر المؤمن ، والذي غرق المنافق ، مذبذب بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، والذي مكث الكافر .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية { مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } يقول : ليسوا بمؤمنين مخلصين ولا مشركين مصرحين بالشرك . قال : « وذكر لنا : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يضرب مثلاً للمؤمن والكافر والمنافق كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر ، فوقع المؤمن فقطع ، ثم وقع المنافق حتى كاد يصل إلى المؤمن ، ناداه الكافر : أن هلم إليّ فإني أخشى عليك ، وناداه المؤمن أن هلم إليّ فإن عندي وعندي يحض يحصي له ما عنده ، فما زال المنافق يتردد بينهما حتى أتى عليه الماء فغرقه ، وإن المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أتى عليه الموت وهو كذلك » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { مذبذبين بين ذلك } قال : هم المنافقون { لا إلى هؤلاء } يقول : لا إلى أصحاب محمد ، ولا إلى هؤلاء اليهود .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد { مذبذبين بين ذلك } قال : بين الإسلام والكفر .
وأخرج عبد بن حميد والبخاري في تاريخه ومسلم وابن جرير وابن المنذر عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مَثَل المنافق مَثَل الشاة العائرة بين الغنمين ، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة ، لا تدري أيها تتبع » .
وأخرج أحمد والبيهقي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أن مثل المنافق يوم القيامة كالشاة بين الغنمين ، إن أتت هؤلاء نطحتها وإن أتت هؤلاء نطحتها » .

(3/275)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144)

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً } قال : إن لله السلطان على خلقه ، ولكنه يقول : عذراً مبيناً .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : كل سلطان في القرآن فهو حجة .

(3/276)


إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)

أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وهناد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في صفة النار عن ابن مسعود { إن المنافقين في الدرك الأسفل } قال : في توابيت من حديد مقفلة عليهم ، وفي لفظ : مبهمة عليهم ، أي مقفلة لا يهتدون لمكان فتحها .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي هريرة { إن المنافقين في الدرك الأسفل } قال : الدرك الأسفل . بيوت من حديد لها أبواب تطبق عليها ، فيوقد من تحتهم ومن فوقهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي هريرة { إن المنافقين في الدرك } قال : في توابيت ترتج عليهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { في الدرك الأسفل } يعني في أسفل النار .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عبد الله بن كثير قال : سمعت أن جهنم أدراك منازل ، بعضها فوق بعض .
وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار عن أبي الأحوص قال : قال ابن مسعود : أي أهل النار أشد عذاباً؟ قال رجل : المنافقون . قال : صدقت ، فهل تدري كيف يعذبون؟ قال : لا . قال : يجعلون في توابيت من حديد تصمد عليهم ، ثم يجعلون في الدرك الأسفل ، في تنانير أضيق من زج ، يقال له : جب الحزن يطبق على أقوام بأعمالهم آخر الأبد .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن معاذ بن جبل . أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن : أوصني . قال : « أخلص دينك يكفك القليل من العمل » .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الإخلاص والبيهقي في الشعب عن ثوبان « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : طوبى للمخلصين أولئك مصابيح الهدى ، تنجلي عنهم كل فتنة ظلماء » .
وأخرج البيهقي عن أبي فراس رجل من أسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « سلوني عما شئتم . فنادى رجل : يا رسول الله ما الإسلام؟ قال : إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، قال : فما الإيمان؟ قال : الإخلاص . قال : فما اليقين؟ قال : التصديق بالقيامة » .
وأخرج البزار بسند حسن عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع : « نصر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها ، فرب حامل فقه ليس بفقيه ، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مؤمن . إخلاص العمل لله ، والمناصحة لأئمة المسلمين ، ولزوم جماعتهم ، فإن دعاءهم يحيط من ورائهم » .
وأخرج النسائي عن مصعب بن سعد عن أبيه ، أنه ظن أن له فضلاً على من دونه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها ، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم » .

(3/277)


وأخرج ابن أبي شيبة والمروزي في زوائد الزهد وأبو الشيخ بن حبان عن مكحول قال : بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما أخلص عبد لله أربعين صباحاً إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » .
وأخرج أحمد والبيهقي عن أبي ذر . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان ، وجعل قلبه سليماً ، ولسانه صادقاً ، ونفسه مطمئنة ، وخليقته مستقيمة ، وأذنه مستمعة ، وعينه ناظرة ، فأما الأذن فقمع ، والعين مقرة لما يوعي القلب ، وقد أفلح من جعل قلبه واعياً » .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة ، قيل : يا رسول الله وما إخلاصها؟ قال : أن تحجزه عن المحارم » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والحكيم والترمذي وابن أبي حاتم عن أبي ثمامة قال : قال الحواريون لعيسى عليه السلام : يا روح الله من المخلص لله؟ قال : الذي يعمل لله لا يحب أن يحمده الناس عليه .
وأخرج ابن عساكر عن أبي إدريس قال : لا يبلغ عبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحب أن يحمده أحد على شيء من عمل الله عز وجل .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله { ما يفعل الله بعذابكم . . . } الآية . قال : إن الله لا يعذب شاكراً ولا مؤمناً .

(3/278)


لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول . . . } الآية . قال : لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوماً ، فإنه رخص له أن يدعو على من ظلمه ، وإن يصبر فهو خير له .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن في الآية قال : هو الرجل يظلم فلا يدع عليه ، ولكن ليقل : اللهم أعني عليه ، اللهم استخرج لي حقي حل بينه وبين ما يريد ونحو هذا .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية قال : عذر الله المظلوم كما تسمعون أن يدعو .
وأخرج أبو داود « عن عائشة . أنها سرق لها شيء ، فجعلت تدعو عليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » لا تسبخي عنه بدعائك « » .
وأخرج الترمذي عنها . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من دعا على من ظلمه فقد انتصر » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال : نزلت في رجل ضاف رجلاً بفلاة من الأرض ، فلم يضفه ، فنزلت { إلا من ظلم } ذكر أنه لم يضفه لا يزيد على ذلك .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال : هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته ، فيخرج من عنده فيقول : أساء ضيافتي ولم يحسن .
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية يقول : إن الله لا يحب الجهر بالسوء من القول من أحد من الخلق ، ولكن يقول : من ظلم فانتصر بمثل ما ظلم فليس عليه جناح .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : كان أبي يقرأ { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } قال ابن زيد : يقول : من قام على ذلك النفاق فجهر له بالسوء حتى نزع .
وأخرج ابن المنذر عن إسماعيل { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم } قال : كان الضحاك بن مزاحم يقول : هذا في التقديم والتأخير يقول الله { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم } [ النساء : 147 ] { إلا من ظلم } وكان يقرأها كذلك ، ثم قال { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول } أي على كل حال .

(3/279)


إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151) وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (152)

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال : أولئك أعداء الله اليهود والنصارى ، آمنت اليهود بالتوراة وموسى وكفروا بالإنجيل وعيسى ، وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى وكفروا بالقرآن ومحمد ، فاتخذوا اليهودية والنصرانية وهما بدعتان ليستا من الله ، وتركوا الإسلام وهو دين الله الذي بعث به رسله .
وأخرج ابن جرير عن السدي وابن جرير . نحوه .

(3/280)


يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (154) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156)

أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال : جاء ناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن موسى جاءنا بالألواح من عند الله فائتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقِّك ، فأنزل الله { يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء } إلى { وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال : إن اليهود والنصارى قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم : لن نبايعك على ما تدعونا إليه حتى تأتينا بكتاب من عند الله ، من الله إلى فلان أنك رسول الله ، وإلى فلان أنك رسول الله ، فأنزل الله { يسألك أهل الكتاب . . . } الآية .
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال : قالت اليهود : إن كنت صادقاً أنك رسول الله ، فآتنا كتاباً مكتوباً من السماء كما جاء به موسى .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { أن تنزل عليهم كتاباً من السماء } أي كتاباً خاصة . وفي قوله { جهرة } أي عياناً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { فقالوا أرنا الله جهرة } قال : إنهم إذا رأوه إنما قالوا جهرة أرنا الله ، قال : هو مقدم ومؤخر .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن عمر بن الخطاب . أنه قرأ « فأخذتهم الصعقة » .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله { فأخذتهم الصاعقة } قال : الموت ، أماتهم الله قبل آجالهم عقوبة بقولهم ما شاء الله أن يميتهم ثم بعثهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة { رفعنا فوقهم الطور } قال : جبل كانوا في أصله ، فرفعه الله فجعله فوقهم كأنه ظلة ، فقال : لتأخذن أمري أو لأرمينكم به فقالوا : نأخذه وأمسكه الله عنهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { وقلنا لهم ادخلوا الباب سجداً } قال : كنا نحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس { وقلنا لهم لا تعدوا في السبت } قال : أمر القوم أن لا يأكلوا الحيتان يوم السبت ولا يعرضوا لها ، وأحلت لهم ما خلا ذلك ، وفي قوله { فبما نقضهم } يقول : فبنقضهم ميثاقهم { وقولهم قلوبنا غلف } أي لا نفقة { بل طبع الله عليها } يقول : لما ترك القوم أمر الله ، وقتلوا رسوله ، وكفروا بآياته ، ونقضوا الميثاق الذي عليهم ، طبع الله على قلوبهم ولعنهم حين فعلوا ذلك .
وأخرج البزار والبيهقي في الشعب وضعفه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الطابع معلق بقائمة العرش ، فإذا انتهكت الحرمة ، وعمل بالمعاصي ، واجترئ على الله ، بعث الله الطابع فطبع على قلبه ، فلا يقبل بعد ذلك شيئاً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً } قال : رموها بالزنا .
وأخرج البخاري في تاريخه والحاكم وصححه « عن علي قال : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : » إن لك من عيسى مثلاً أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه ، وأحبته النصارى حتى أنزلوه المنزل الذي ليس له « . والله تعالى أعلم .

(3/281)


وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)

أخرج عبد بن حميد والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال : لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى أصحابه وفي البيت إثنا عشر رجلاً من الحواريين ، فخرج عليهم من غير البيت ورأسه يقطر ماء ، فقال : إن منكم من يكفر بي إثني عشر مرة بعد أن آمن بي ، ثم قال : أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي ، فقام شاب من أحدثهم سناً ، فقال له : اجلس . ثم أعاد عليهم فقام الشاب ، فقال : اجلس . ثم أعاد عليهم فقام الشاب ، فقال : أنا . فقال : أنت ذاك ، فألقى عليه شبه عيسى ، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء . قال : وجاء الطلب من اليهود ، فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه ، وكفر به بعضهم إثني عشر مرة بعد أن آمن به ، وافترقوا ثلاث فرق ، وقالت طائفة : كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء ، فهؤلاء اليعقوبية . وقالت فرقة : كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه ، وهؤلاء النسطورية ، وقالت فرقة : كان فينا عبد الله ورسوله ، وهؤلاء المسلمون . فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها ، فلم يزل الإسلام طامساً حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله { فآمنت طائفة من بني إسرائيل } يعني الطائفة التي آمنت في زمن عيسى ، وكفرت الطائفة التي كفرت في زمن عيسى { فأيدنا الذين آمنوا } في زمن عيسى بإظهار محمد دينهم على دين الكافرين .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة { وقولهم إنا قتلنا المسيح . . . } الآية . قال : أولئك أعداء الله اليهود ، افتخروا بقتل عيسى ، وزعموا أنهم قتلوه وصلبوه ، وذكر لنا أنه قال لأصحابه : أيكم يقذف عليه شبهي فإنه مقتول؟ قال رجل من أصحابه : أنا يا نبي الله ، فقتل ذلك الرجل ، ومنع الله نبيه ورفعه إليه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { شُبِّه لهم } قال : صلبوا رجلاً غير عيسى شبه بعيسى يحسبونه إياه ، ورفع الله إليه عيسى حياً .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { وما قتلوه يقيناً } قال : يعني لم يقتلوا ظنهم يقيناً .
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في الآية قال : ما قتلوا ظنهم يقيناً .
وأخرج ابن جرير مثله ، عن جويبر والسدي .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وابن عساكر من طريق ثابت البناني عن أبي رافع قال : رُفِع عيسى ابن مريم وعليه مدرعة ، وخُفَّا راع ، وحذافة يخذف بها الطير .
وأخرج أحمد في الزهد وأبو نعيم وابن عساكر من طريق ثابت البناني عن أبي العالية قال : ما ترك عيسى بن مريم حين رفع إلا مدرعة صوف ، وخفَّيْ راع ، وقذافة يقذف بها الطير .

(3/282)


وأخرج ابن عساكر عن عبد الجبار بن عبد الله بن سليمان قال : أقبل عيسى ابن مريم على أصحابه ليلة رفع فقال لهم : لا تأكلوا بكتاب الله أجراً فانكم إن لم تفعلوا أقعدكم الله على منابر الحجر منها خير من الدنيا وما فيها . قال عبد الجبار : وهي المقاعد التي ذكر الله في القرآن { في مقعد صدق عند مليك مقتدر } [ القمر : 55 ] ورفع عليه السلام .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن وهب بن منبه قال : إن عيسى لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشق عليه ، فدعا الحواريين فصنع لهم طعاماً ، فقال : احضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة ، فلما اجتمعوا إليه من الليلة عَشَّاهُم وقام يحدثهم ، فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضيهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه ، فتعاظموا ذلك وتكارموه فقال : ألا من رد عليَّ شيئاً الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه ، فأقروه حتى فرغ من ذلك قال : أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم فلا يتعظم بعضكم على بعض ، وليبذل بعضكم نفسه لبعض كما بذلت نفسي لكم ، وأما حاجتي التي استعنتكم عليها ، فتدعون لي الله وتجتهدون في الدعاء أن يؤخِّر أجلي ، فلما نصبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء ، فجعل يوقظهم ويقول : سبحان الله . . ! ما تصبرون لي ليلة واحدة تعينونني فيها؟ قالوا : والله ما ندري ما كنا لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمراً ، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه ، فقال : يذهب بالراعي وتتفرق الغنم ، وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعي به نفسه ، ثم قال : الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات ، وليبيعنني أحدكم بدراهم يسيرة ، وليأكلن ثمني ، فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهود تطلبه ، فأخذوا شمعون أحد الحواريين فقالوا : هذا من أصحابه . فجحد وقال : ما أنا بصاحبه فتركوه ، ثم أخذه آخرون كذلك ، ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال : ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهماً ، فأخذها ودلهم عليه وكان شبِّه عليهم قبل ذلك ، فأخذوه واستوثقوا منه وربطوه بالحبل ، فجعلوا يقودونه ويقولون : أنت كنت تحيي الميت ، وتبرئ المجنون ، أفلا تخلِّص نفسك من هذا الحبل؟ ويبصقون عليه ، ويلقون عليه الشوك ، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها فرفعه الله إليه وصلبوا ما شُبِّه لهم ، فمكث سبعاً .
ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون جاءتا تبكيان حيث المصلوب ، فجاءهما عيسى فقال : علام تبكيان؟! قالتا عليك . قال : إني قد رفعني الله إليه ولم يصبني إلا خير ، وإن هذا شيء شبِّه لهم ، فأمروا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا ، فألقوه إلى ذلك المكان أحد عشر ، وقعد الذي كان باعه ودل عليه اليهود ، فسأل عنه أصحابه فقالوا : إنه ندم على ما صنع فاختنق وقتل قال : لو تاب تاب الله عليه ، ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له يحنا؟ فقال : هو معكم فانطلقوا فإنه سيصبح كل إنسان منكم يحدث بلغة فليتدبرهم وليدعهم .

(3/283)


وأخرج ابن المنذر عن وهب بن منبه قال : إن عيسى عليه السلام كان سياحاً فمر على امرأة تستقي ، فقال : اسقيني من مائك الذي من شرب منه مات وأسقيك من مائي الذي من شرب منه حيي؟ قال : وصادف امرأة حكيمة فقالت له : أما تكتفي بمائك الذي من شرب منه حيي عن مائي الذي من شرب منه مات؟ قال : إن ماءك عاجل ومائي آجل . قالت : لعلك هذا الرجل الذي يقال له عيسى ابن مريم؟ قال : فإني أنا هو ، وأنا أدعوك إلى عبادة الله وترك ما تعبدين من دون الله عز وجل . قالت : فأتني على ما تقول ببرهان؟ قال : برهان ذلك أن ترجعي إلى زوجك فيطلقك . قالت : إن في هذا لآية بينة ، ما في بني إسرائيل امرأة أكرم على زوجها مني ، ولئن كان كما تقول إني لأعرف أنك صادق . قال : فرجعت إلى زوجها ، وزوجها شاب غيور فقال : ما بَطُؤ بِكِ؟ قالت : مر علي رجل فأرادت أن تخبره عن عيسى ، فاحتملته الغيرة فطلقها ، فقالت : لقد صدقني صاحبي .
فخرجت تتبع عيسى وقد آمنت به ، فأتى عيسى ومعه سبعة وعشرون من الحواريين في بيت وأحاطوا بهم ، فدخلوا عليهم وقد صوّرهم الله على صورة عيسى ، فقالوا : قد سحرتمونا؟ لتبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعاً ، فقال عيسى لأصحابه : من يشتري منكم نفسه بالجنة؟ فقال رجل من القوم : أنا . فأخذوه فقتلوه وصلبوه ، فمن ثم شُبِّه لهم وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى وصلبوه ، فظنت النصارى مثل ذلك ، ورفع الله عيسى من يومه ذلك .
فبلغ المرأة أن عيسى قد قتل وصلب ، فجاءت حتى بنت مسجداً إلى أصل شجرته ، فجعلت تصلي وتبكي على عيسى ، فسمعت صوتاً من فوقها صوت عيسى لا تنكره : أي فلانة إنهم والله ما قتلوني وما صلبوني ولكن شُبِّه لهم ، وآية ذلك أن الحواريين يجتمعون الليلة في بيتك ، فيفترقون اثنتي عشرة فرقة كل فرقة منهم تدعو قوماً إلى دين الله ، فلما أمسوا اجتمعوا في بيتها ، فقالت لهم : إني سمعت الليلة شيئاً أحدِّثكم به وعسى أن تكذبوني وهو الحق ، سمعت صوت عيسى وهو يقول : يا فلانة إني والله ما قتلت ولا صلبت ، وآية ذلك أنكم تجتمعون الليلة في بيتي ، فتفترقون اثنتي عشرة فرقة ، فقالوا : إن الذي سمعت كما سمعت ، فإن عيسى لم يقتل ولم يصلب إنما قتل فلان وصلب ، وما اجتمعنا في بيتك إلا لما قال ، نريد أن نخرج دعاة في الأرض ، فكان ممن توجه إلى الروم نسطور وصاحبان له ، فأما صاحباه فخرجا ، وأما نسطور فحبسته حاجة له فقال لهما : ارفقا ولا تخرقا ولا تستبطئاني في شيء ، فلما قدما الكورة التي أرادا قدما في يوم عيدهم ، وقد برز ملكهم وبرز معه أهل مملكته ، فأتاه الرجلان فقاما بين يديه ، فقالا له : اتق الله فإنكم تعملون بمعاصي الله وتنتهكون حرم الله مع ما شاء الله أن يقولا .

(3/284)


قال : فأسف الملك وهمَّ بقتلهما ، فقام إليه نفر من أهل مملكته فقالوا : إن هذا يوم لا تهرق فيه دما ، وقد ظفرت بصاحبيك فإن أحببت أن تحبسهما حتى يمضي عيدنا ثم ترى فيهما رأيك فعلت ، فأمر بحبسهما ثم ضُرِب على أذنه بالنسيان لهما ، حتى قدم نسطور فسأل عنهما فأخبر بشأنهما وإنهما محبوسان في السجن ، فدخل عليهما فقال : ألم أقل لكما ارفقا ولا تخرقا ولا تستبطئاني في شيء ، هل تدريان ما مثلكما؟ مثلكما مثل امرأة لم تصب ولداً حتى دخلت في السن فأصابت بعدما دخلت في السن ولداً ، فأحبت أن تعجل شبابه لتنتفع به ، فحملت على معدته ما لا تطيق فقتلته ، ثم قال لهما : والآن فلا تستبطئاني في شيء ، ثم خرج فانطلق حتى أتى باب الملك ، وكان إذا جلس الناس وضع سريره وجلس الناس سمطاً بين يديه ، وكانوا إذا ابتلوا بحلال أو حرام رفعوا له ، فنظر فيه ثم سأل عنه من يليه في مجلسه ، وسأل الناس بعضهم بعضاً حتى تنتهي المسألة إلى أقصى المجلس ، وجاء نسطور حتى جلس في أقصى القوم ، فلما ردوا على الملك جواب من أجابه ، وردوا عليه جواب نسطور فسمع بشيء عليه نور وحلا في مسامعه فقال : من صاحب هذا القول؟ فقيل : الرجل الذي في أقصى القوم . فقال : عليَّ به . فقال : أنت القائل كذا وكذا؟ قال : نعم . قال : فما تقول في كذا وكذا؟ قال : كذا وكذا . فجعل لا يسأله عن شيء إلا فسَّره له . فقال : عندك هذا العلم وأنت تجلس في آخر القوم؟ ضعوا له عند سريري مجلساً؟ ثم قال : إن أتاك ابني فلا تقم له عنه ، ثم أقبل على نسطور وترك الناس ، فلما عرف أن منزلته قد تثبتت قال : لأزورنه .
فقال : أيها الملك رجل بعيد الدار بعيد الضيعة ، فإن أحببت أن تقضي حاجتك مني وتأذن لي فأنصرف إلى أهلي . فقال : يا نسطور ليس إلى ذلك سبيل ، فإن أحببت أن تحمل أهلك إلينا فلك المواساة ، وإن أحببت أن تأخذ من بيت المال حاجتك فتبعث به إلى أهلك فعلت ، فسكت نسطور .
ثم تحيَّن يوماً فمات لهم فيه ميت فقال : أيها الملك بلغني أن رجلين أتياك يعيبان دينك؟ قال : فذكرهما فأرسل إليهما ، فقال : يا نسطور أنت حكم بيني وبينهما ما قلت من شيء رضيت .

(3/285)


قال : نعم أيها الملك ، هذا ميت قد مات في بني إسرائيل فمرهما حتى يَدْعُوَا ربهما فيحييه لهما ففي ذلك آية بيِّنة ، قال : فأتى بالميت فوضع عنده ، فقاما وتوضآ ودعوا ربهما فرد عليه روحه وتكلم ، فقال : أيها الملك إن في هذه لآية بينة ، ولكن مرهما بغير ما أجمع أهل مملكتك ، ثم قل لآلهتك ، فإن كانت تقدر أن تضر هذين فليس أمرهما بشيء ، وإن كان هذان يقدران أن يضرا آلهتك فأمرهما قوي ، فجمع الملك أهل مملكته ودخل البيت الذي فيه الآلهة ، فخر ساجداً هو ومن معه من أهل مملكته وخرَّ نسطور ساجداً ، وقال : اللهم إني أسجد لك وأكيد هذه الآلهة أن تعبد من دونك ، ثم رفع الملك رأسه فقال : إن هذين يريدان أن يبدلا دينكم ويدعوا إلى إله غيركم ، فافقأوا أعينهما أو اجذموهما أو شلوهما ، فلم تردَّ عليه الآلهة شيئاً ، وقد كان نسطور أمر صاحبيه أن يحملا معهما فأساً ، فقال : أيها الملك قل لهذين أيقدران أن يضرا آلهتك؟ قال : أتقدران على أن تضرا آلهتنا؟ قالا : خلِّ بيننا وبينها ، فأقبلا عليها فكسراها ، فقال نسطور : أما أنا فآمنت برب هذين ، وقال الملك : وأنا آمنت برب هذين ، وقال جميع الناس : آمنا برب هذين ، فقال نسطور لصاحبيه : هكذا الرفق .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله { وكان الله عزيزاً حكيماً } قال : معنى ذلك أنه كذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس . أن يهودياً قال له : إنكم تزعمون أن الله كان عزيزاً حكيماً فكيف هو اليوم؟ قال ابن عباس : إنه كان من نفسه عزيزاً حكيماً .

(3/286)


وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159)

أخرج الفريابي وعبد بن حميد والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } قال : خروج عيسى ابن مريم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } قال : قبل موت عيسى .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : يعني أنه سيدرك أناس من أهل الكتاب حين يبعث عيسى ، سيؤمنون به .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وإن من أهل الكتاب } قال : اليهود خاصة { إلا ليؤمنن به قبل موته } قال : قبل موت اليهودي .
وأخرج الطيالسي وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } قال : هي في قراءة أبي قبل موتهم . قال : ليس يهودي أبداً حتى يؤمن بعيسى . قيل لابن عباس : أرأيت إن خر من فوق بيت؟ قال : يتكلم به في الهواء . فقيل : أرأيت إن ضرب عنق أحدكم؟ قال : يتلجلج بها لسانه .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : لو ضربت عنقه لم تخرج نفسه حتى يؤمن بعيسى .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس قال : لا يموت يهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله ، ولو عجل عليه بالسلاح .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } قال : لو أن يهودياً ألقي من فوق قصر ما خلص إلى الأرض حتى يؤمن أن عيسى عبد الله ورسوله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى . قيل : وإن ضرب بالسيف؟ قال : يتكلم به . قيل : وإن هوى؟ قال : يتكلم به وهو يهوي .
وأخرج ابن المنذر عن أبي هاشم وعروة قالا : في مصحف أبي بن كعب « وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موتهم » .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن شهر بن حوشب في قوله { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } عن محمد بن علي بن أبي طالب هو ابن الحنفية ، قال : ليس من أهل الكتاب أحد إلا أتته الملائكة يضربون وجهه ودبره ، ثم يقال : يا عدو الله إن عيسى روح الله وكلمته ، كذبت على الله وزعمت أنه الله ، إن عيسى لم يمت وإنه رفع إلى السماء ، وهو نازل قبل أن تقوم الساعة ، فلا يبقى يهودي ولا نصراني إلا آمن به .
وأخرج ابن المنذر عن شهر بن حوشب قال : قال لي الحجاج : يا شهر آية من كتاب الله ما قرأتها إلا اعترض في نفسي منها شيء؟ قال الله { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } وإني أوتى بالأسارى فأضرب أعناقهم ولا أسمعهم يقولون شيئاً؟ فقلت : رفعت إليك على غير وجهها ، وإن النصراني إذا خرجت روحه ضربته الملائكة من قبله ومن دبره ، وقالوا : أي خبيث ، إن المسيح الذي زعمت أنه الله ، أو ابن الله ، أو ثالث ثلاثة ، عبد الله ، وروحه ، وكلمته ، فيؤمن حين لا ينفعه إيمانه ، وإن اليهودي إذا خرجت نفسه ضربته الملائكة من قبله ومن دبره ، وقالوا : أي خبيث ، إن المسيح الذي زعمت أنك قتلته عبد الله ، وروحه ، فيؤمن به حين لا ينفعه الإيمان ، فإذا كان عند نزول عيسى آمنت به أحياؤهم كما آمنت به موتاهم .

(3/287)


فقال : من أين أخذتها؟ فقلت : من محمد بن علي . قال : لقد أخذتها من معدنها . قال شهر : وأيم الله ما حدثنيه إلا أم سلمة ، ولكني أحببت أن أغيظه .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } قال : إذا نزلت آمنت به الأديان كلها { ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً } أنه قد بلَّغ رسالة ربه ، وأقرَّ على نفسه بالعبودية .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } قال : إذا نزل عيسى عليه السلام فقتل الدجال ، لم يبق يهودي في الأرض إلا آمن به ، فذلك حين لا ينفعهم الإيمان .
وأخرج ابن جرير عن أبي مالك { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } قال : ذلك عند نزول عيسى ابن مريم ، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به .
وأخرج ابن جرير عن الحسن { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } قال : قبل موت عيسى ، والله إنه الآن حي عند الله ، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن . أن رجلاً سأله عن قوله { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } قال : قبل موت عيسى ، وإن الله رفع إليه عيسى ، وهو باعثه قبل يوم القيامة مقاماً ، يؤمن به البر والفاجر .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ، حتى تكون السجدة خيراً من الدنيا وما فيها » ثم يقول أبو هريرة : واقرأوا إن شئتم { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً } .

(3/288)


وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً ، يقتل الدجال ، ويقتل الخنزير ، ويكسر الصليب ، ويضع الجزية ، ويفيض المال ، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين ، واقرأوا إن شئتم { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } موت عيسى بن مريم ، ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات » .
وأخرج أحمد وابن جرير عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام ، فيقتل الخنزير ، ويكسر الصليب ، ويجمع له الصلاة ، ويعطي المال حتى لا يقبل ، ويضع الخراج ، وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما » قال : وتلا أبو هريرة { وإن من أهل الكتاب إلاَّ ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً } قال أبو هريرة : يؤمن به قبل موت عيسى .
وأخرج أحمد ومسلم عن أبي هريرة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ليهلن عيسى بن مريم بفج الروحاء بالحج أو بالعمرة ، أو ليثنينهما جميعاً » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم ، وإمامكم منكم؟ » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود وابن جرير وابن حبان عن أبي هريرة « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الأنبياء أخوات لعلات ، أمهاتهم شتى ، ودينهم واحد ، وإني أولى الناس بعيسى بن مريم ، لأنه لم يكن بيني وبينه نبي ، وإنه خليفتي على أمتي ، وأنه نازل ، فإذا رأيتموه فاعرفوه ، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض ، عليه ثوبان ممصران ، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل ، فيدق الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويدعو الناس إلى الإسلام ، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال ، ثم تقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل ، والنمار مع البقر ، والذئاب مع الغنم ، وتلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم ، فيمكث أربعين سنة ، ثم يتوفى ، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه » .
وأخرج أحمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إني لأرجو إن طال بي عمر أن ألقى عيسى بن مريم ، فإن عجل بي موت فمن لقية منكم فليقرئه مني السلام » .
وأخرج الطبراني عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألا إن عيسى ابن مريم ليس بيني وبينه نبي ولا رسول ، إلا أنه خليفتي في أمتي من بعدي ، إلا أنه يقتل الدجال ، ويكسر الصليب ، ويضع الجزية ، وتضع الحرب أوزارها ، ألا من أدركه منكم فليقرأ عليه السلام » .
وأخرج الطبراني عن أبي هريرة

(3/289)


« أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ينزل عيسى ابن مريم فيمكث في الناس أربعين سنة » .
وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ينزل ابن مريم إماماً عادلاً وحكماً مقسطاً ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويرجع السلم ، وتتخذ السيوف مناجل ، وتذهب حمة كل ذات حمة ، وتنزل السماء رزقها ، وتخرج الأرض بركتها ، حتى يلعب الصبي بالثعبان ولا يضره ، ويراعي الغنم الذئب ولا يضرها ، ويراعي الأسد البقر ولا يضرها » .
وأخرج أحمد والطبراني عن سمرة بن جندب « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الدجال خارج وهو أعور عين الشمال ، عليها طفرة غليظة ، وأنه يبرئ الأكمه والأبرص ، ويحيي الموتى ، ويقول : أنا ربكم . فمن قال : أنت ربي فقد فتن ، ومن قال ربي الله حي لا يموت فقد عصم من فتنته ولا فتنة عليه ولا عذاب ، فيلبث في الأرض ما شاء الله ، ثم يجيء عيسى ابن مريم من المغرب » ولفظ الطبراني : من المشرق ، « مصدقاً بمحمد وعلى ملته ، فيقتل الدجال ، ثم إنما هو قيام الساعة » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد « عن عائشة قالت : دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقال : » ما يبكيكِ؟ قلت : يا رسول الله ذكرت الدجال فبكيت . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه يخرج في يهودية أصبهان حتى يأتي المدينة فينزل ناحيتها ، ولها يومئذ سبعة أبواب ، على كل نقب منها ملكان ، فيخرج إليها شرار أهلها حتى يأتي الشام مدينة بفلسطين باب لدّ ، فينزل عيسى ابن مريم فيقتله ، ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة إماماً عادلاً وحكماً مقسطاً « » .
وأخرج أحمد عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم ، فله أربعون ليلة يسيحها في الأرض ، اليوم منها كالسنة ، واليوم منها كالشهر ، واليوم منها كالجمعة ، ثم سائر أيامه كأيامكم هذه ، وله حمار يركبه عرض ما يبن أذنيه أربعون ذراعاً ، فيقول للناس : أنا ربكم . وهو أعور ، وإن ربكم ليس بأعور ، مكتوب بين عينيه ك ف ر مهجاة ، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب ، يرد كل ماء منهل إلا المدينة ومكة حرمهما الله عليه ، وقامت الملائكة بأبوابها ومعه جبال من خبز ، والناس في جهد إلا من اتبعه ، ومعه نهران أنا أعلم بهما منه ، نهر يقول الجنة ، ونهر يقول النار ، فمن دخل الذي يسميه الجنة فهي النار ، ومن دخل الذي يسميه النار فهي الجنة ، وتبعث معه شياطين تكلم الناس ، ومعه فتنة عظيمة ، يأمر السماء فتمطر فيما يرى الناس ، ويقتل نفساً ثم يحييه ، لا يسلط على غيرها من الناس فيما يرى الناس ، فيقول للناس : أيها الناس هل يفعل مثل هذا إلا الرب؟ فيفر المسلمون إلى جبل الدخان بالشام ، فيأتيهم فيحصرهم فيشتد حصارهم ، ويجهدهم جهداً شديداً ، ثم ينزل عيسى فينادي من السحر فيقول : يا أيها الناس ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذاب الخبيث؟ فيقولون : هذا رجل حي فينطلقون فإذا هم بعيسى ، فتقام الصلاة فيقال له : تقدم يا روح الله ، فيقول : ليتقدم إمامكم فليصل بكم ، فإذا صلوا الصبح خرجوا إليه ، فحين يراه الكذاب ينماث كما ينماث الملح في الماء ، فيمشي إليه فيقتله ، حتى إن الشجرة تنادي : يا روح الله هذا يهودي فلا يترك ممن كان يتبعه أحد إلاَّ قتله » .

(3/290)


وأخرج معمر في جامعه عن الزهري ، أخبرني عمرو بن سفيان الثقفي ، أخبرني رجل من الأنصار ، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال فقال : يأتي سباخ المدينة وهو محرم عليه أن يدخلها ، فتنتفض بأهلها نفضة أو نفضتين وهي الزلزلة ، فيخرج إليه منها كل منافق ومنافقة ، ثم يأتي الدجال قبل الشام حتى يأتي بعض جبال الشام فيحاصرهم ، وبقية المسلمون يومئذ معتصمون بذروة جبل ، فيحاصرهم نازلاً بأصله ، حتى إذا طال عليهم الحصار » ، قال رجل : حتى متى أنتم هكذا وعدوّكم نازل بأصل جبلكم ، هل أنتم إلا بين إحدى الحسنيين ، بين أن تستشهدوا أو يظهركم؟ فيتبايعون على القتال بيعة يعلم الله أنها الصدق من أنفسهم ، ثم تأخذهم ظلمة لا يبصر أحدهم كفه ، فينزل ابن مريم فيحسر عن أبصارهم وبين أظهرهم رجل عليه لأمة فيقول : من أنت؟ فيقول : أنا عبد الله وروحه وكلمته عيسى ، إختاروا إحدى ثلاث : بين أن يبعث الله على الدجال وجنوده عذاباً جسيماً ، أو يخسف بهم الأرض ، أو يرسل عليهم سلاحكم ويكف سلاحهم ، فيقولون : هذه يا رسول الله أشفى لصدورنا ، فيومئذ ترى اليهودي العظيم الطويل الأكول الشروب لا تقل يده سيفه من الرعب ، فينزلون إليهم فيسلطون عليهم ، ويذرب الدجال حتى يدركه عيسى فيقتله .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والطبراني والحاكم وصححه عن عثمان بن أبي العاصي « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يكون للمسلمين ثلاثة أمصار : مصر بملتقى البحرين ، ومصر بالجزيرة ، ومصر بالشام فيفزع الناس ثلاث فزعات فيخرج الدجال في عراض جيش فيهزم من قبل المشرق ، فأوّل مصر يرده المصر الذي بملتقى البحرين ، فيصير أهلها ثلاث فرق : فرقة تقيم وتقول نشامه ننظر ما هو ، وفرقة تلحق الأعراب ، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم ، ومع الدجال سبعون ألفاً عليهم التيجان ، وأكثر من معه اليهود والنساء ، ثم يأتي المصر الذي يليهم فيصير أهله ثلاث فرق : فرقة تقول نشامه وننظر ما هو ، وفرقة تلحق بالأعراب ، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم ، ثم يأتي الشام فينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق ، فيبعثون بسرح لهم فيصاب سرحهم ، فيشتد ذلك عليهم ، وتصيبهم مجاعة شديدة وجهد شديد ، حتى إن أحدهم ليحرق وتر قوسه فيأكله ، فبينما هم كذلك إذ ناداهم مناد : من السحر أتاكم الغوث أيها الناس ثلاثاً ، فيقول بعضهم لبعض : إن هذا لصوت رجل شبعان ، فينزل عيسى عند صلاة الفجر ، فيقول له أمير الناس تقدم يا رسول الله فصلِّ بنا ، فيقول : إنكم معشر هذه الأمة أمراء بعضكم على بعض ، تقدم أنت فصلِّ بنا ، فيتقدم فيصلي بهم ، فإذا انصرف أخذ عيسى حربته نحو الدجال ، فإذا رآه ذاب كما يذوب الرصاص ، فتقع حربته بين تندوته فيقتله ثم ينهزم أصحابه ، فليس شيء يومئذ يجن أحداً منهم ، حتى إن الحجر يقول : يا مؤمن هذا كافر فاقتله ، والشجر يقول : يا مؤمن هذا كافر فاقتله » .

(3/291)


وأخرج الحاكم وصححه عن أبي الطفيل قال : كنت بالكوفة فقيل : قد خرج الدجال فأتينا حذيفة بن أسيد فقلت : هذا الدجال قد خرج؟ فقال اجلس فجلست ، فنودي أنها كذبة صباغ فقال حذيفة : إن الدجال لو خرج زمانكم لرمته الصبيان بالخزف ، ولكنه يخرج في نقص من الناس ، وخفة من الدين ، وسوء ذات بين ، فيرد كل منهل ، وتُطْوَى له الأرض طيّ فروة الكبش ، حتى يأتي المدينة فيغلب على خارجها ويمنع داخلها ، ثم جبل إيليا فيحاصر عصابة من المسلمين ، فيقول لهم الذي عليهم : ما تنتظرون بهذا الطاغية أن تقاتلوه حتى تلحقوا بالله أو يفتح لكم ، فيأتمرون أن يقاتلوه إذا أصبحوا ، فيصبحون ومعهم عيسى ابن مريم ، فيقتل الدجال ويهزم أصحابه .
وأخرج مسلم والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يخرج الدجال فليبث في أمتي ما شاء الله يلبث أربعين ، ولا أدري ليلة أو شهراً أو سنة . قال : ثم يبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعد الثقفي ، فيطلبه حتى يهلكه ، ثم يبقى الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة ، ثم يبعث الله ريحاً باردة تجيء من قبل الشام ، فلا تدع أحداً في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضت روحه ، حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه ، سمعت هذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كبد جبل ، ثم يبقى شرار الناس من لا يعرف معروفاً ، ولا ينكر منكراً ، في خفة الطير وأحلام السباع ، فيجيئهم الشيطان فيقول : ألا تستحيون؟ فيقولون : ما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان فيعبدونها ، وهم في ذلك دار رزقهم ، حسن عيشهم ، ثم ينفخ في الصور » .
وأخرج أبو داود وابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي قال : « خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أكثر خطبته حديثاً حدثناه عن الدجال وحذرناه ، فكان من قوله أن قال : إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال ، وإن الله لم يبعث نبياً إلا حذر من الدجال ، وأنا آخر الأنبياء ، وأنتم آخر الأمم ، وهو خارج فيكم لا محالة ، فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم فأنا حجيج لكل مسلم ، وإن يخرج من بعدي فكل حجيج نفسه ، والله خليفتي على كل مسلم ، وأنه يخرج من خلة بين الشام والعراق ، فيعيث يميناً ويعيث شمالاً ، يا عباد الله فاثبتوا ، وإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي .
إنه يبدأ فيقول : أنا نبي ولا نبي بعدي ، ثم يثني فيقول : أنا ربكم ولا ترون ربكم حتى تموتوا ، وإنه أعور وإن ربكم عز وجل ليس بأعور ، وإنه مكتوب بين عينيه كافر ، يقرأه كل مؤمن كاتب وغير كاتب ، وإن من فتنته أن معه جنة وناراً ، فناره جنة وجنته نار ، فمن ابتلي بناره فليستعن بالله وليقرأ فواتح الكهف فتكون عليه برداً وسلاماً كما كانت النار على إبراهيم ، وإن من فتنته أن يقول لأعرابي : أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك أتشهد أني ربك؟ فيقول له : نعم . فيمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه فيقولان : يا بني اتبعه فإنه ربك . وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة فيقتلها ينشرها بالمنشار حتى يلقى شقتين ، ثم يقول : انظروا إلى عبدي هذا فإني أبعثه الآن ، ثم يزعم أن له رباً غيري فيبعثه الله فيقول له الخبيث : من ربك؟ فيقول : ربي الله وأنت عدوّ الله الدجال ، والله ما كنت أشد بصيرة بك مني اليوم .
وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر ، ويأمر الأرض أن تنبت ، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيكذبونه فلا يبقى لهم سائمة إلا هلكت ، وإن من فتنته أن يمر بالحي فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر ، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت ، حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت وأعظمه وأمده خواصر وادره ضروعاً ، وأنه لا يبقى من الأرض شيء إلا وطئه وظهر عليه إلا مكة والمدينة ، فإنه لا يأتيها من نقب من نقابها إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلته حتى ينزل عند الظريب الأحمر عند منقطع السبخة ، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات ، فلا يبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه ، فتنقي الخبث منها كما ينقي الكير خبث الحديد ، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص .
فقالت أم شريك بنت أبي العسكر : يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال : هم قليل ، وجلهم ببيت المقدس ، وإمامهم رجل صالح ، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي الصبح إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح ، فرجع ذلك الإمام يمشي القهقرى ليتقدم عيسى يصلي ، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له تقدم فصل فإنها لك أقيمت ، فيصلي بهم إمامهم ، فإذا انصرف قال عيسى : أقيموا الباب ، فيفتح ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي ، كلهم ذو سيف محلى وساج ، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وينطلق هارباً ، ويقول عيسى : إن لي فيك ضربة لن تسبقني بها ، فيدركه عند باب لدّ الشرقي فيقتله ، فيهزم الله اليهود فلا يبقى شيء ما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله الشيء ، لا حجر ولا شجر ولا دابة ولا حائط إلا الغرقدة ، فإنها من شجرهم لا تنطق إلا قالت : يا عبد الله المسلم هذا يهودي فتعال فاقتله .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وإن أيامه أربعون سنة ، السنة كنصف السنة ، والسنة كالشهر ، والشهر كالجمعة ، وآخر أيامه كالشررة ، يصبح أحدكم على باب المدينة فلا يبلغ بها الآخر حتى يمسي ، فقيل له : يا رسول الله كيف نصلي في تلك الأيام القصار؟ قال : تقدرون فيها للصلاة كما تقدرون في هذه الأيام الطوال ثم صلوا . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليكونن عيسى ابن مريم في أمتي حكماً عدلاً ، وإماماً مقسطاً ، يدق الصليب ، ويذبح الخنزير ، ويضع الجزية ، ويترك الصدقة ، فلا يسعى على شاة ولا بعير ، وترفع الشحناء والتباغض ، وتنزع حمة كل ذات حمة ، حتى يدخل الوليد يده في في الحية فلا تضره ، وينفر الوليد الأسد فلا يضره ، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها ، وتملأ الأرض من المسلم كما يملأ الإناء من الأناء ، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله ، وتضع الحرب أوزارها ، وتسلب قريش ملكها ، وتكون الأرض كثاثور الفضة ، تنبت نباتها كعهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف من العنب يشبعهم ، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم ، ويكون الثور بكذا وكذا من المال ، ويكون الفرس بالدريهمات .
قيل : يا رسول الله وما يرخص الفرس؟ قال : لا يركب لحرب أبداً . قيل له : فما يغلي الثور؟ قال : لحرث الأرض كلها . وإن قبل خرج الدجال ثلاث شداد ، يصيب الناس فيها جوع شديد ، يأمر الله السماء أن تحبس ثلث مطرها ، ويأمر الأرض أن تحبس ثلث نباتها ، ثم يأمر السماء في السنة الثانية فتحبس ثلثي مطرها ، ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها ، ثم يأمر السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله فلا تقطر قطرة ، ويأمر الأرض فتحبس نباتها كله فلا تنبت خضراء ، فلا تبقي ذات ظلف إلا هلكت إلا ما شاء الله . قيل : فما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال : التهليل ، والتكبير ، والتسبيح ، والتحميد ، ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام » .

(3/292)