صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور
المؤلف : عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال : صك أبو بكر رجلاً منهم { الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء } لم يستقرضنا وهو غني . وهم يهود .
وأخرج ابن جرير عن شبل في الآية قال : بلغني أنه فنحاص اليهودي وهو الذي قال { إن الله ثالث ثلاثة } [ المائدة : 73 ] و { يد الله مغلولة } [ المائدة : 64 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : أتت اليهود محمداً صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله { من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً } [ البقرة : 245 ] فقالوا : يا محمد أفقير ربنا يسأل عباده القرض؟ فأنزل الله { لقد سمع الله قول الذين قالوا . . . } الآية .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { لقد سمع الله . . . . } الآية . قال : ذكر لنا أنها نزلت في حيي بن أخطب لما نزلت { من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة } [ البقرة : 245 ] قال : يستقرضنا ربنا إنما يستقرض الفقير الغني .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن العلاء بن بدر أنه سئل عن قوله { وقتلهم الأنبياء بغير حق } وهم لم يدركوا ذلك قال : بموالاتهم من قتل أنبياء الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { ونقول ذوقوا عذاب الحريق } قال : بلغني أنه يحرق أحدهم في اليوم سبعين ألف مرة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وأن الله ليس بظلام للعبيد } قال : ما أنا بمعذب من لم يجترم .

(3/7)


الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (183) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)

أخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { حتى يأتينا بقربان تأكله النار } قال : يتصدق الرجل منا فإذا تقبل منه أنزلت عليه نار من السماء فأكلته .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : كان من قبلنا من الأمم يقرب أحدهم القربان ، فتخرج الناس فينظرون أيتقبل منهم أم لا ، فإن تقبل منهم جاءت نار بيضاء من السماء فأكلت ما قرب ، وإن لم يتقبل لم تأت النار فعرف الناس أن لم يقبل منهم ، فلما بعث الله محمداً سأله أهل الكتاب أن يأتيهم بقربان { قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم } القربان { فلمَ قتلتموهم } يعيرهم بكفرهم قبل اليوم .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { الذين قالوا إن الله عهد . . . } الآية . قال هم اليهود قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم : إن أتيتنا بقربان تأكله النار صدقناك وإلا فلست بنبي .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الشعبي قال : إن الرجل يشترك في دم الرجل ، وقد قتل قبل أن يولد . ثم قرأ الشعبي { قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم } فجعلهم هم الذين قتلوهم ولقد قتلوا قبل أن يولدوا بسبعمائة عام . ولكن قالوا قتلوا بحق وسنة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { الذين قالوا إن الله عهد إلينا . . . . } الآية . قال : كذبوا على الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن العلاء بن بدر قال : كانت رسل تجيء بالبينات ، ورسل علامة نبوتهم أن يضع أحدهم لحم البقر على يده فتجيء نار من السماء فتأكله . فأنزل الله { قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { فإن كذبوك } قال : اليهود .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { فقد كذبت رسل من قبلك } قال : يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي عن أصحابه في قوله { بالبينات } قال : الحرام والحلال { والزبر } قال : كتب الأنبياء { والكتاب المنير } قال : هو القرآن .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { والزبر والكتاب المنير } قال : يضاعف الشيء وهو واحد .
قوله تعالى : { كل نفس ذائقة الموت } الآية .
أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن علي بن أبي طالب قال : لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية . جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه فقال : السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته { كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة } إن في الله عزاء من كل مصيبة ، وخلفاً من كل هالك ، ودركاً من كل ما فات فبالله فثقوا ، وإياه فأرجوا ، فإن المصاب من حرم الثواب .

(3/8)


فقال علي : هذا الخضر .
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد والترمذي والحاكم وصححاه وابن حبان وابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ، واقرأوا إن شئتم { فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } » .
وأخرج ابن مردويه عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها . ثم تلا هذه الآية { فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } » .
وأخرج عبد بن حميد عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا بما عليها ، ولقاب قوس أحدهم في الجنة خير من الدنيا بما عليها » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع قال : إن آخر من يدخل الجنة يعطى من النور بقدر ما دام يحبو فهو في النور حتى تجاوز الصراط . فذلك قوله { فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } .
وأخرج أحمد عن ابن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من أحب أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه » .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { فقد فاز } قال سعد : ونجا . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول عبد الله بن رواحة :
وعسى أن أفوز ثمت ألقى ... حجة اتقى بها الفتانا
وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن سابط في قوله { وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } قال : كزاد الراعي يزوده الكف من التمر ، أو الشيء من الدقيق يشرب عليه اللبن .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة { وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } قال : هي متاع متروك أوشكت والله أن تضمحل عن أهلها ، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم . ولا قوَّة إلا بالله .

(3/9)


لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله { لتبلون . . . } الآية قال : أعلم الله المؤمنين أنه سيبتليهم ، فينظر كيف صبرهم على دينهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الزهري في قوله { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } قال : هو كعب بن الأشرف ، وكان يحرض المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شعره ، ويهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
وأخرج ابن المنذر من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك . مثله .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب } يعني اليهود والنصارى ، فكان المسلمون يسمعون من اليهود قولهم : عزير ابن الله . ومن النصارى قولهم : المسيح ابن الله . وكان المسلمون ينصبون لهم الحرب ، ويسمعون إشراكهم بالله { وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور } قال : من القوّة مما عزم الله عليه وأمركم به .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { وإن تصبروا وتتقوا . . . } الآية . قال : أمر الله المؤمنين أن يصبروا على من آذاهم رغم أنهم كانوا يقولون : يا أصحاب محمد لستم على شيء ، نحن أولى بالله منكم ، أنتم ضلال . فأمروا أن يمضوا ويصبروا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { إن ذلك من عزم الأمور } يعني هذا الصبر على الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر { من عزم الأمور } يعني من حق الأمور التي أمر الله تعالى .

(3/10)


وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)

أخرج ابن إسحق وابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس } إلى قوله { عذاب أليم } يعني فنحاص وأشيع وإشباههما من الأحبار .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس } قال : كان أمرهم أن يتبعوا النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته ، وقال : واتبعوه لعلكم تهتدون . فلما بعث الله محمداً قال { وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم } [ البقرة : 40 ] عاهدهم على ذلك فقال حين بعث محمداً . صدقوه وتلقون عندي الذي أحببتم .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علقمة بن وقاص عن ابن عباس في الآية قال : في التوراة والإنجيل أن الإسلام دين الله الذي افترضه على عباده ، وأن محمداً رسول الله يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل فينبذونه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب } قال : اليهود { لتبيننه للناس } قال : محمداً صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال : إن الله أخذ ميثاق اليهود لتبينن للناس محمداً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم ، فمن علم علماً فليعلمه للناس ، وإياكم وكتمان العلم فإن كتمان العلم هلكة ، ولا يتكلفن رجل ما لا علم له به فيخرج من دين الله فيكون من المتكلفين . كان يقول مثل علم لا يقال به كمثل كنز لا ينتفع به ، ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب . وكان يقال في الحكمة : طوبى لعالم ناطق ، وطوبى لمستمع واع . هذا رجل عَلِمَ عِلماً فَعَلَّمَه وبذله ودعا إليه ، ورجل سمع خيراً فحفظه ووعاه وانتفع به .
وأخرج ابن جرير عن أبي عبيدة قال : جاء رجل إلى قوم في المسجد وفيه عبد الله بن مسعود فقال : إن أخاكم كعباً يقرؤكم السلام ويبشركم أن هذه الآية ليست فيكم { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه } فقال له عبد الله : وأنت فاقرئه السلام أنها نزلت وهو يهودي .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : إن أصحاب عبد الله يقرؤون « وإذ أخذ ربك من الذين أوتوا الكتاب ميثاقهم » .
وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه كان يفسر قوله { لتبيننه للناس ولا تكتمونه } ليتكلمن بالحق ، وليصدقنه بالعمل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله { فنبذوه وراء ظهورهم } قال إنهم قد كانوا يقرؤونه ولكنهم نبذوا العمل به .

(3/11)


وأخرج ابن جرير عن ابن جريج { فنبذوه } قال : نبذوا الميثاق .
وأخرج ابن جرير عن السدي { واشتروا به ثمناً قليلاً } أخذوا طمعاً ، وكتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم قال : كتموا وباعوا فلم يبدوا شيئاً إلا بثمن .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { فبئس ما يشترون } قال : تبديل يهود التوراة .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي هريرة قال : لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم . وتلا { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه } .
وأخرج ابن سعد عن الحسن قال لولا الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم ما حدثتكم بكثير مما تسألون عنه .

(3/12)


لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)

أخرج البخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن مروان قال لبوّابه : اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له : لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً لَنُعَذَّبَنَّ أجمعين . فقال ابن عباس ما لكم ولهذه الآية؟! إنما أنزلت هذه في أهل الكتاب ، ثم تلا ابن عباس { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس . . . . . . } [ آل عمران : 187 ] الآية وتلا { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا } الآية فقال ابن عباس : سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره ، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه ، واستحمدوا بذلك إليه ، وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه .
وأخرج البخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري . أن رجالاً من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه ، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه ، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا ، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا . فنزلت { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا . . . } الآية .
وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن أسلم أن رافع بن خديج وزيد بن ثابت كانا عند مروان وهو أمير بالمدينة فقال مروان : يا رافع في أي شيء نزلت هذه الآية { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا } ؟ قال رافع : أنزلت في ناس من المنافقين ، كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم اعتذروا وقالوا : ما حبسنا عنكم إلا الشغل ، فلوددنا أنا كنا معكم ، فأنزل الله فيهم هذه الآية ، فكأن مروان أنكر ذلك ، فجزع رافع من ذلك فقال لزيد بن ثابت : أنشدك بالله هل تعلم ما أقول؟ قال : نعم . فلما خرجا من عند مروان قال له زيد : ألا تحمدني شهدت لك قال : أحمدك أن تشهد بالحق قال : نعم . قد حمد الله على الحق أهله .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : هؤلاء المنافقون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم لو قد خرجت لخرجنا معك ، فإذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم تخلفوا وكذبوا ، ويفرحون بذلك ، ويرون أنها حيلة احتالوا بها .
وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في الآية قال : يعني فنحاص ، وأشيع ، وأشباههما من الأحبار الذين يفرحون بما يصيبون من الدنيا على ما زينوا للناس من الضلالة { ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } أن يقول لهم الناس علماء وليسوا بأهل علم ، لم يحملوهم على هدى ولا خير ، ويحبون أن يقول لهم الناس قد فعلوا .

(3/13)


وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال : هم أهل الكتاب ، أنزل الله عليهم الكتاب فحكموا بغير الحق ، وحرفوا الكلم عن مواضعه ، وفرحوا بذلك ، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا . فرحوا أنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وما أنزل الله إليه ، وهم يزعمون أنهم يعبدون الله ، ويصومون ، ويصلون ، ويطيعون الله ، فقال الله لمحمد { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا } كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وكفروا بالله ، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الصلاة والصوم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك في الآية قال : إن اليهود كتب بعضهم إلى بعض أن محمداً ليس بنبي ، فأجمعوا كلمتكم ، وتمسكوا بدينكم وكتابكم الذي معكم ، ففعلوا ففرحوا بذلك ، وفرحوا باجتماعهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال : كتموا اسم محمد ففرحوا بذلك حين اجتمعوا عليه ، وكانوا يزكون أنفسهم فيقولون : نحن أهل الصيام ، وأهل الصلاة ، وأهل الزكاة ، ونحن على دين إبراهيم . فأنزل الله فيهم { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا } من كتمان محمد { ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } أحبوا أن تحمدهم العرب بما يزكون به أنفسهم وليسوا كذلك .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا } قال : بكتمانهم محمداً { ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } قال : هو قولهم نحن على دين إبراهيم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال : يهود فرحوا بإعجاب الناس بتبديلهم الكتاب ، وحمدهم إياهم عليه . ولا تملك يهود وذلك ولن تفعله .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في الآية قال : هم اليهود يفرحون بما آتى الله إبراهيم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال : ذكر لنا أن يهود خيبر أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فزعموا أنهم راضون بالذي جاء به ، وأنهم متابعوه وهم متمسكون بضلالتهم ، وأرادوا أن يحمدهم النبي صلى الله عليه وسلم بما لم يفعلوا . فأنزل الله { لا تحسبن الذين يفرحون . . . } الآية .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير من وجه آخر عن قتادة في الآية قال : إن أهل خيبر أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقالوا : إنا على رأيكم ، وإنا لكم ردء . فأكذبهم الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : إن اليهود من أهل خيبر قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : قد قبلنا الدين ورضينا به ، فأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا .

(3/14)


وأخرج مالك وابن سعد والبيهقي في الدلائل عن محمد بن ثابت « أن ثابت بن قيس قال : يا رسول الله لقد خشيت أن أكون قد هلكت قال : لمَ . . . ؟ قال : نهانا الله أن نحب أن نحمد بما لم نفعل ، وأجدني أحب الحمد . ونهانا عن الخيلاء ، وأجدني أحب الجمال . ونهانا أن نرفع صوتنا فوق صوتك ، وأنا رجل جهير الصوت . فقال : يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميداً ، وتقتل شهيداً ، وتدخل الجنة . فعاش حميداً ، وقتل شهيداً ، يوم مسيلمة الكذاب » .
وأخرج الطبراني عن محمد بن ثابت قال : حدثني ثابت بن قيس بن شماس قال « قلت : يا رسول الله لقد خشيت فذكره » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال : كان في بني إسرائيل رجال عباد فقهاء ، فأدخلتهم الملوك فرخصوا لهم وأعطوهم ، فخرجوا وهم فرحون بما أخذت الملوك من قولهم وما أعطوا . فأنزل الله { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا } .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن إبراهيم في قوله { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا } قال : ناس من اليهود جهزوا جيشاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأحنف بن قيس . أن رجلاً قال له : ألا تميل فنحملك على ظهر قال : لعلك من العراضين قال : وما العراضون؟ قال : الذين { يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } إذ عرض لك الحق فاقصد له واله عما سواه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر « فلا يحسبنهم » يعني أنفسهم .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد أنه قرأ « فلا يحسبنهم » على الجماع بكسر السين ورفع الباء .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله { بمفازة } قال بمنجاة ، وأخرج ابن جرير عن ابن زيد مثله .

(3/15)


إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال : أتت قريش اليهود فقالوا : ما جاءكم موسى من الآيات؟ قالوا : عصاه ، ويده بيضاء للناظرين . وأتوا النصارى فقالوا : كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا : كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى . فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهباً . فدعا ربه فنزلت { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } فليتفكروا فيها .
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن ابن عباس قال : بت عند خالتي ميمونة ، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل ، ثم استيقظ فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده . ثم قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة آل عمران حتى ختم .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند والطبراني والحاكم في الكنى والبغوي في معجم الصحابة عن صفوان بن المعطل السلمي قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فرهقت صلاته ليلة فصلى العشاء الآخرة ثم نام ، فلما كان نصف الليل استيقظ فتلا الآيات العشر . آخر سورة آل عمران ، ثم تسوّك ، ثم توضأ فصلى إحدى عشرة ركعة .

(3/16)


الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)

أخرج الأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ينادي مناد يوم القيامة أين أولوا الألباب؟ قالوا : أي أولي الألباب تريد؟! قال { الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار } عقد لهم لواء فاتبع القوم لواءهم وقال لهم : ادخلوها خالدين » .
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم والطبراني من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن مسعود في قوله { الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم } قال : إنما هذا في الصلاة ، إذا لم يستطع قائماً فقاعدا ، وإن لم يستطع قاعداً فعلى جنبه .
وأخرج الحاكم عن عمران بن حصين . أنه كان به البواسير فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي على جنب .
وأخرج البخاري « عن عمران بن حصين قال : كانت بي بواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة؟ فقال » صل قائماً ، فإن لم تستطع فقاعداً ، فإن لم تستطع فعلى جنب « » .
وأخرج البخاري عن عمران بن حصين قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الرجل وهو قاعد فقال « من صلى قائماً فهو أفضل ، ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم ، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال : هو ذكر الله في الصلاة وفي غير الصلاة ، وقراءة القرآن .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة { الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم } قال : هذه حالاتك كلها يا ابن آدم . اذكر الله وأنت قائم ، فإن لم تستطع فاذكره جالساً ، فإن لم تستطع فاذكره وأنت على جنبك . يسر من الله وتخفيف .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : لا يكون عبد من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً .
قوله تعالى { ويتفكرون . . . } الآية .
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والأصبهاني في الترغيب عن عبد الله بن سلام قال « خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يتفكرون فقال : لا تفكروا في الله ولكن تفكروا فيما خلق » .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر والأصبهاني في الترغيب عن عمرو بن مرة قال « مر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يتفكرون فقال : تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عثمان بن أبي دهرين قال « بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى أصحابه وهم سكوت لا يتكلمون فقال : ما لكم لا تتكلمون؟! قالوا : نتفكر في خلق الله قال : كذلك فافعلوا ، تفكروا في خلقه ولا تفكروا فيه » .

(3/17)


وأخرج ابن أبي الدنيا والطبراني وابن مردويه والأصبهاني في الترغيب عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله » .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله » .
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال : تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في التفكر وابن المنذر وابن حبان في صحيحه وابن مردويه والأصبهاني في الترغيب وابن عساكر عن عطاء قال « قلت لعائشة أخبرني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : وأي شأنه لم يكن عجباً! إنه أتاني ليلة فدخل معي في لحافي ثم قال : ذريني أتعبد لربي . فقام فتوضأ ثم قام يصلي فبكى حتى سالت دموعه على صدره ، ثم ركع فبكى ، ثم سجد فبكى ، ثم رفع رأسه فبكى . فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة فقلت : يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال : أفلا أكون عبداً شكوراً ، ولم لا أفعل وقد أنزل علي هذه الليلة { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } إلى قوله { سبحانك فقنا عذاب النار } ثم قال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها » .
وأخرج ابن أبي الدنيا في التفكر عن سفيان رفعة قال « من قرأ سورة آل عمران فلم يتفكر فيها ويله . فعد بأصابعه عشراً . قيل للأوزاعي : ما غاية التفكر فيهن؟ قال : يقرؤهن وهو يعقلهن » .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عامر بن عبد قيس قال : سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون : إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن المنذر عن ابن عون قال : سألت أم الدرداء ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء؟ قالت : التفكر والإعتبار .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال : تفكر ساعة خير من قيام ليلة .
وأخرج ابن سعد عن أبي الدرداء . مثله .
وأخرج الديلمي عن أنس مرفوعاً . مثله .
وأخرج الديلمي من وجه آخر مرفوعاً عن أنس « تفكر ساعة في اختلاف الليل والنهار خير من عبادة ثمانين سنة » .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فكرة ساعة خير من عبادة ستين » .
وأخرج أبو الشيخ والديلمي عن أبي هريرة مرفوعاً « بينما رجل مستلق ينظر إلى السماء وإلى النجوم فقال : والله إني لأعلم أن لك خالقاً ورباً . اللهم اغفر لي . فنظر الله إليه فغفر له » .

(3/18)


رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)

أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن أبي الدرداء وابن عباس أنهما كانا يقولان : اسم الله الأكبر رب رب .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أنس في قوله { من تُدخل النار فقد أخزيته } قال : من تخلد .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن المسيب في قوله { ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته } قال : هذه خاصة لمن لا يخرج منها .
وأخرج ابن جرير والحاكم عن عمرو بن دينار قال : قدم علينا جابر بن عبد الله في عمرة فانتهيت إليه أنا وعطاء فقلت { وما هم بخارجين من النار } [ البقرة : 167 ] قال : أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم الكفار . قلت لجابر : فقوله { إنك من تدخل النار فقد أخزيته } قال : وما أخزاه حين أحرقه بالنار ، وإن دون ذلك خزياً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله { منادياً ينادي للإيمان } قال : هو محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد . مثله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والخطيب في المتفق والمفترق عن محمد بن كعب القرظي { سمعنا منادياً ينادي للإيمان } قال : هو القرآن ليس كل الناس يسمع النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : سمعوا دعوة من الله فأجابوها ، وأحسنوا فيها : وصبروا عليها . ينبئكم الله عن مؤمن الأنس كيف قال ، وعن مؤمن الجن كيف قال . فأما مؤمن الجن فقال { إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً } [ الجن : 1 ] . وأما مؤمن الأنس فقال { ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج { ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك } قال : ستنجزون موعد الله على رسله .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ولا تخزنا يوم القيامة } قال : لا تفضحنا { إنك لا تخلف الميعاد } قال : ميعاد من قال لا إله إلا الله { فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم } قال : أهل لا إله إلا الله أهل التوحيد والإخلاص لا أخزيهم يوم القيامة .
وأخرج أبو يعلى عن جابر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « العار والتخزية يبلغ من ابن آدم يوم القيامة في المقام بين يدي الله ما يتمنى العبد أن يؤمر به إلى النار » .
وأخرج أبو بكر الشافعي في رباعياته عن أبي قرصافة قال

(3/19)


« كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم لا تخزنا يوم القيامة ، ولا تفضحنا يوم اللقاء » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه قال : إذا فرغ أحدكم من التشهد في الصلاة فليقل : اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم ، وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم ، اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبادك الصالحون ، وأعوذ بك من شر ما عاذ منه عبادك الصالحون { ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار } [ البقرة : 201 ] ربنا إننا آمنا { فاغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار } إلى قوله { إنك لا تخلف الميعاد } .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي قال : كان يستحب أن يدعو في المكتوبة بدعاء القرآن .
وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين أنه سئل عن الدعاء في الصلاة فقال : كان أحب دعائهم ما وافق القرآن .
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « عسقلان أحد العروسين يبعث الله منها يوم القيامة سبعين ألفاً لا حساب عليهم ، ويبعث منها خمسون ألفاً شهداء وفوداً إلى الله وبها صفوف الشهداء ، رؤوسهم تقطر في أيديهم تثج أوداجهم دماً يقولون { ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك . . إنك لا تخلف الميعاد } فيقول : صدق عبيدي . اغسلوهم بنهر البيضة فيخرجون منه بيضاً ، فيسرحون في الجنة حيث شاؤوا » .

(3/20)


فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)

أخرج سعيد بن منصور وعبد الرزاق والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن أم سلمة قالت « يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء! فأنزل الله { فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى } إلى آخر الآية قالت الأنصار : هي أول ظعينة قدمت علينا » .
وأخرج ابن مردويه عن أم سلمة قالت : آخر آية نزلت هذه الآية { فاستجاب لهم ربهم } إلى آخرها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال : ما من عبد يقول : يا رب يا رب يا رب ثلاث مرات إلا نظر الله إليه . فذكر للحسن فقال : أما تقرأ القرآن { ربنا إننا سمعنا منادياً } [ آل عمران : 193 ] إلى قوله { فاستجاب لهم ربهم } .
قوله تعالى : { فالذين هاجروا } الآية .
أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : هم المهاجرون أخرجوا من كل وجه .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن عمرو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن أول ثلة الجنة الفقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره . إذا أُمِروا سمعوا وأطاعوا ، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى السلطان لم تقض حتى يموت وهي في صدره ، وأن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول : أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي ، وقُتِلوا وأوذوا في سبيلي ، وجاهدوا في سبيلي؟! أدخلوا الجنة فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب ، ويأتي الملائكة فيسجدون ويقولون : ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار ونقدس لك ، من هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟ فيقول : هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي ، وأوذوا في سبيلي . فتدخل الملائكة عليهم من كل باب { سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } [ الرعد : 24 ] » .
وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو قال « قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ قلت : الله ورسوله أعلم! قال : المهاجرون ، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة ويستفتحون فتقول لهم الخزنة : أوقد حوسبتم؟ قالوا : بأي شيء نحاسب وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك! قال : فيفتح لهم فيقيلون فيه أربعين عاماً قبل أن يدخل الناس » .
وأخرج أحمد عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « دخلت الجنة فسمعت فيها حشفة بين يدي فقلت : ما هذا؟ قال : بلال ، فمضيت فإذا أكثر أهل الجنة فقراء المهاجرين وذراري المسلمين ، ولم أر أحداً أقل من الأغنياء والنساء . قيل لي : أما الأغنياء فهم بالباب يحاسبون ويمحصون ، وأما النساء فألهاهن الأحمران : الذهب والحرير » .

(3/21)


وأخرج أحمد عن أبي الصديق عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل أغنيائهم بأربعمائة عام ، حتى يقول المؤمن الغني : يا ليتني كنت نحيلاً . قيل : يا رسول الله صفهم لنا قال : هم الذين إذا كان مكروه بعثوا له ، وإذا كان مغنم بعث إليه سواهم ، وهم الذين يحجبون عن الأبواب » .
وأخرج الحكيم الترمذي عن سعيد بن عامر بن حزم قال « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يدخل فقراء المسلمين قبل الأغنياء الجنة بخمسين سنة ، حتى إن الرجل من الأغنياء ليدخل في غمارهم فيؤخذ بيده فيستخرج » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال : يجمعون فيقول أين فقراء هذه الأمة ومساكينها؟ فيبرزون . فيقال : ما عندكم؟ فيقولون : يا رب ابتلينا فصبرنا وأنت أعلم ، وَوَلَّيْتَ الأموال والسلطان غيرنا . فيقال : صدقتم . فيدخلون الجنة قبل سائر الناس بزمن ، وتبقى شدة الحساب على ذوي الأموال والسلطان . قيل : فأين المؤمنون يومئذ؟ قال : يوضع لهم كراسي من نور ، ويظلل عليهم الغمام ، ويكون ذلك اليوم أقصر عليهم من ساعة من نهار . والله أعلم .
قوله تعالى : { والله عنده حسن الثواب } .
أخرج ابن أبي حاتم عن شداد بن أوس قال : يا أيها الناس لا تتهموا الله في قضائه فإن الله لا يبغي على مؤمن ، فإذا نزل بأحدكم شيء مما يحب فليحمد الله ، وإذا نزل به شيء يكره فليصبر وليحتسب ، فإن الله عنده حسن الثواب .

(3/22)


لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198)

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة { لا يغرنك تقلب الذين كفروا } تقلب ليلهم ونهارهم وما يجري عليهم من النعم { متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد } قال عكرمة : قال ابن عباس : أي بئس المنزل .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي { لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد } يقول ضربهم في البلاد .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : والله ما غروا نبي الله ، ولا وكل إليهم شيئاً من أمر الله ، حتى قبضه الله على ذلك .
قوله تعالى : { وما عند الله خير للأبرار } .
أخرج البخاري في الأدب المفرد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال : إنما سماهم الله أبراراً لأنهم بروا الآباء والأبناء ، كما أن لوالدك عليك حقاً كذلك لولدك عليك حق . وأخرجه ابن مردويه عن ابن عمر مرفوعاً . والأول أصح .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال { الأبرار } الذين لا يؤذون الذر .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد { وما عند الله خير للأبرار } قال : لمن يطيع الله عز وجل .

(3/23)


وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199)

أخرج النسائي والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أنس قال : لما مات النجاشي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « صلوا عليه قالوا يا رسول الله نصلي على عبد حبشي . فأنزل الله { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم . . . } الآية » .
وأخرج ابن جرير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « اخرجوا فصلوا على أخ لكم ، فصلى بنا فكبر أربع تكبيرات فقال : هذا النجاشي أصحمة فقال المنافقون : انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم نره قط . فأنزل الله { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله } الآية » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال « ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في النجاشي ، وفي ناس من أصحابه آمنوا بنبي الله وصدقوا به . وذكر لنا : أن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر للنجاشي وصلى عليه حين بلغه موته ، قال لأصحابه : صلوا على أخ لكم قد مات بغير بلادكم . فقال أناس من أهل النفاق : يصلي على رجل مات ليس من أهل دينه! فأنزل الله { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله } الآية » .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال : لما مات النجاشي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « استغفروا لأخيكم فقالوا : يا رسول الله أنستغفر لذلك العلج؟ فأنزل الله { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم } الآية » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال « لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي طعن في ذلك المنافقون فقالوا : صلى عليه وما كان على دينه! فنزلت هذه الآية { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله . . } الآية . قالوا : ما كان يستقبل قبلته وإن بينهما البحار . فنزلت { فأينما تولوا فثم وجه الله } [ البقرة : 115 ] قال ابن جريج : وقال آخرون : نزلت في النفر الذين كانوا من يهود فأسلموا : عبد الله بن سلام ومن معه » .
وأخرج الطبراني عن وحشي بن حرب قال : لما مات النجاشي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه « إن أخاكم النجاشي قد مات ، قوموا فصلوا عليه . فقال رجل : يا رسول الله كيف نصلي عليه وقد مات في كفره؟ قال : ألا تسمعون قول الله { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله . . . } الآية » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله . . . } الآية . قال : هم مسلمة أهل الكتاب من اليهود والنصارى .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : هؤلاء يهود .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم والذين اتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم .

(3/24)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)

أخرج ابن المبارك وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان من طريق داود بن صالح قال : قال أبو سلمة بن عبد الرحمن : تدري في أي شيء نزلت هذه الآية { اصبروا وصابروا ورابطوا } ؟ قلت : لا . قال : سمعت أبا هريرة يقول : لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ولكن انتظار الصلاة بعد الصلاة .
وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : أقبل عليَّ أبو هريرة يوماً فقال : أتدري يا ابن أخي فيم أنزلت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا } ؟ قلت : لا . قال : أما إنه لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابطون فيه ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد يصلون الصلاة في مواقيتها ، ثم يذكرون الله فيها فعليهم أنزلت { اصبروا } أي على الصلوات الخمس { وصابروا } أنفسكم وهواكم { ورابطوا } في مساجدكم { واتقوا الله } فيما علمكم { لعلكم تفلحون } .
وأخرج ابن مردويه عن أبي أيوب قال : وقف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال « هل لكم إلى ما يمحو الله تعالى به الذنوب ويعظم به الأجر؟ فقلنا : نعم يا رسول الله قال : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة . قال : وهو قول الله { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا } فذلكم هو الرباط في المساجد » .
وأخرج ابن جرير وابن حبان عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر به الذنوب؟ قلنا : بلى يا رسول الله . قال : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط » .
وأخرج ابن جرير من حديث علي . مثله .
وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط . فذلكم الرباط . فذلكم الرباط » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي غسان قال : إن هذه الآية إنما أنزلت في لزوم المساجد { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في الآية قال : أمرهم أن يصبروا على دينهم ولا يدعوه لشدة ، ولا رخاء ، ولا سراء ، ولا ضراء . وأمرهم أن يصابروا الكفار ، وأن يرابطوا المشركين .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي في الآية قال : اصبروا على دينكم ، وصابروا الوعد الذي وعدتكم ، ورابطوا عدوّي وعدوكم حتى يترك دينه لدينكم ، واتقوا الله فيما بيني وبينكم ، لعلكم تفلحون غداً إذا لقيتموني .

(3/25)


وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال : اصبروا على طاعة الله ، وصابروا أهل الضلالة ، ورابطوا في سبيل الله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن زيد بن أسلم في الآية قال : اصبروا على الجهاد ، وصابروا عدوكم ، ورابطوا على دينكم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : اصبروا عند المصيبة ، وصابروا على الصلوات ، ورابطوا : جاهدوا في سبيل الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال : اصبروا على الفرائض ، وصابروا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الموطن ، ورابطوا فيما أمركم ونهاكم .
وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في الآية قال : اصبروا على طاعة الله ، وصابروا أعداء الله ، ورابطوا في سبيل الله . وأخرج أبو نعيم عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « { يا أيها الذين آمنوا اصبروا . . } على الصلوات الخمس ، وصابروا على قتال عدوّكم بالسيف ، ورابطوا في سبيل الله لعلكم تفلحون » .
وأخرج مالك وابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن زيد بن أسلم قال : كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعاً من الروم وما يتخوّف منهم ، فكتب إليه عمر : أما بعد فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من شدة يجعل الله بعدها فرجاً ، وإنه لن يغلب عسر يسرين ، وإن الله يقول في كتابه { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } .
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والبيهقي في الشعب عن سهل بن سعد . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها » .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن فضالة بن عبيد : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول « كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ، ويأمن فتنة القبر » .
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي والطبراني والبيهقي عن سلمان : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول « رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه ، وإن مات فيه جرى عليه عمله الذي كان يعمل ، وأجرى عليه رزقه فأمن الفتان . زاد الطبراني : وبعث يوم القيامة شهيداً » .
وأخرج الطبراني بسند جيد عن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال

(3/26)


« رباط شهر خير من صيام دهر ، ومن مات مرابطاً في سبيل الله أمنه من الفزع الأكبر ، وغدى عليه برزقه وريح من الجنة ، ويجري عليه أجر المرابط حتى يبعثه الله عز وجل » .
وأخرج الطبراني بسند جيد عن العرباض بن سارية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كل عمل ينقطع عن صاحبه إذا مات إلا المرابط في سبيل الله ، فإنه ينمي له عمله ، ويجري عليه رزقه إلى يوم القيامة » .
وأخرج أحمد بسند جيد عن أبي الدرداء يرفع الحديث قال : من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام أجزأت عنه رباط سنة .
وأخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من مات مرابطاً في سبيل الله أجرى عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل ، وأجرى عليه رزقه ، وأمن من الفتان ، وبعثه الله يوم القيامة آمنا من الفزع » .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة مرفوعاً مثله . وزاد : والمرابط إذا مات في رباطه كتب له أجر عمله إلى يوم القيامة ، وغدى عليه وريح برزقه ، ويزوّج سبعين حوراء ، وقيل له قف اشفع إلى أن يفرغ من الحساب « .
وأخرج الطبراني بسند لا بأس به عن واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : » من سن سنة حسنة فله أجرها ما عمل بها في حياته وبعد مماته حتى تترك ، ومن سن سنة سيئة فعليه إثمها حتى تترك ، ومن مات مرابطاً في سبيل الله جرى عليه عمل المرابط حتى يبعث يوم القيامة « .
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند جيد عن أنس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أجر المرابط فقال : » من رابط ليلة حارساً من وراء المسلمين كان له أجر من خلفه ممن صام وصلى « .
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند لا بأس به عن جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : » من رابط يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار سبع خنادق ، كل خندق كسبع سموات وسبع أرضين « .
وأخرج ابن ماجة بسندٍ واهٍ عن أبي بن كعب قال » قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لرباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسباً من غير شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجراً من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسباً من شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجراً من عبادة ألفي سنة صيامها وقيامها ، فإن رده الله الى أهله سالماً لم تكتب له سيئة وتكتب له الحسنات ، ويجري له أجر الرباط إلى يوم القيامة « .

(3/27)


وأخرج ابن حبان والبيهقي عن مجاهد عن أبي هريرة . أنه كان في المرابطة ففزعوا وخرجوا إلى الساحل ثم قيل لا بأس فانصرف الناس وأبو هريرة واقف فمر به إنسان فقال : ما يوقفك يا أبا هريرة؟ فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود » .
وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه عن عثمان بن عفان « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل » ولفظ ابن ماجة : « من رابط ليلة في سبيل الله كانت كألف ليلة صيامها وقيامها » .
وأخرج البيهقي عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « إن صلاة المرابط تعدل خمسمائة صلاة ، ونفقة الدينار والدرهم منه أفضل من سبعمائة دينار ينفقه في غيره » .
وأخرج أبو الشيخ في الثواب عن أنس مرفوعاً « الصلاة بأرض الرباط بألفي ألف صلاة » .
وأخرج ابن حبان عن عتبة بن المنذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا انتاط غزوكم ، وكثرت الغرائم ، واستحلت الغنائم ، فخير جهادكم الرباط » .
وأخرج البخاري والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « تعس عبد الدينار ، وعبد الدرهم ، وعبد الخميصة ، وعبد القطيفة . إن أعطي رضي ، وإن لم يعط سخط ، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله ، أشعث رأسه مغبرة قدماه ، إن كان في الحراسة كان في الحراسة ، وإن كان في الساقة كان في الساقة . إن استأذن لم يؤذن له ، وإن شفع لم يشفع » .
وأخرج مسلم والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « من خير معاش الناس لهم رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله ، يطير على متنه كلما سمع هيعة أو قزعة طار على متنه ، يبتغي القتل والموت من مظانه . ورجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف ، أو بطن واد من هذه الأودية ، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ، ليس من الناس إلا في خير » .
وأخرج البيهقي عن أم مبشر تبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال « خير الناس منزلة رجل على متن فرسه يخيف العدو ويخيفونه » .
وأخرج البيهقي عن أبي أمامة قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأن أحرس ثلاث ليال مرابطاً من وراء بيضة المسلمين أحب إليّ من أن تصيبني ليلة القدر في أحد المسجدين . المدينة أو بيت المقدس . »

(3/28)


وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من مات مرابطاً في سبيل الله آمنه الله من فتنة القبر . » وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن المرابط في سبيل الله أعظم أجراً من رجل جمع كعبيه رياد شهر صيامه وقيامه » .
وأخرج البيهقي عن ابن عابد قال « خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل ، فلما وضع قال عمر بن الخطاب : لا تصلِّ عليه يا رسول الله فإنه رجل فاجر . فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس قال : هل رآه أحد منكم على الإسلام؟ فقال رجل : نعم يا رسول الله ، حرس ليلة في سبيل الله . فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحثى عليه التراب وقال : أصحابك يظنون أنك من أهل النار ، وأنا أشهد أنك من أهل الجنة . وقال : يا عمر إنك لا تسأل عن أعمال الناس ولكن تسأل عن الفطرة » .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر . أن عمر كان يقول : إن الله بدأ هذا الأمر حين بدأ بنبوّة ورحمة ، ثم يعود إلى ملك ورحمة ، ثم يعود جبرية يتكادمون تكادم الحمير . أيها الناس عليكم بالغزو والجهاد ما كان حلواً خضراً قبل أن يكون مراً عسراً ، ويكون عاماً قبل أن يكون حطاماً ، فإذا انتاطت المغازي ، وأكلت الغنائم ، واستحل الحرام ، فعليكم بالرباط فإنه خير جهادكم .
وأخرج أحمد عن أبي أمامة « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت . رجل مات مرابطاً في سبيل الله ، ورجل علم علماً فأجره يجري عليه ما عمل به ، ورجل أجرى صدقة فأجرها يجري عليه ما جرت عليهم ، ورجل ترك ولداً صالحاً يدعو له » .
وأخرج ابن السني في عمل يوم وليلة وابن مردويه وأبو نعيم وابن عساكر عن أبي هريرة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة » .
وأخرج الدرامي عن عثمان بن عفان قال : من قرأ آخر آل عمران في ليلة كتب له قيام ليلة .

(3/29)


يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)

أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { خلقكم من نفس واحدة } قال : من آدم { وخلق منها زوجها } قال : خلق حوّاء من قصيراء أضلاعه .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { خلقكم من نفس واحدة } قال : آدم { وخلق منها زوجها } قال : حوّاء من قصيراء آدم وهو نائم فاستيقظ فقال : أأنا . . ؟! بالنبطية امرأة .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عمرو قال خلقت حوّاء من خلف آدم الأيسر ، وخلقت امرأة إبليس من خلفه الأيسر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك { وخلق منها زوجها } قال : خلق حواء من آدم من ضلع الخلف وهو أسفل الأضلاع .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال : خلقت المرأة من الرجل فجعلت نهمتها في الرجال ، فاحبسوا نساءكم . وخلق الرجل من الأرض ، فجعل نهمته في الأرض .
قوله تعالى : { وبث منهما رجالاً } الآية .
أخرج إسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس قال : ولد لآدم أربعون ولداً : عشرون غلاماً ، وعشرون جارية .
وأخرج ابن عساكر عن أرطاة بن المنذر قال : بلغني أن حوّاء حملت بشيث حتى نبتت أسنانه ، وكانت تنظر إلى وجهه من صفاء في بطنها ، وهو الثالث من وِلْد آدم ، وإنه لما حضرها الطلق أخذها عليه شدة شديدة ، فلما وضعته أخذته الملائكة ، فمكث معها أربعين يوماً ، فعلموه الرمز ثم رد إليها .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { واتقوا الله الذي تساءلون به } قال : تعاطون به .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في الآية يقول : اتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { تساءلون به والأرحام } قال : يقول : أسألك بالله وبالرحم .
وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال : هو قول الرجل : أنشدك بالله والرحم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن إبراهيم { تساءلون به والأرحام } خفض . قال : هو قول الرجل : أسألك بالله وبالرحم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن . أنه تلا هذه الآية قال : إذا سئلت بالله فأعطه ، وإذا سئلت بالرحم فأعطه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } يقول : اتقوا الله الذي تساءلون به ، واتقوا الأرحام وصلوها .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله { الذي تساءلون به والأرحام } قال : قال ابن عباس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يقول الله تعالى : صلوا أرحامكم فإنه أبقى لكم في الحياة الدنيا ، وخير لكم في آخرتكم » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال : ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول :

(3/30)


« اتقوا الله وصلوا الأرحام ، فإنه أبقى لكم في الدنيا ، وخير لكم في الآخرة » .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اتقوا الله وصلوا الأرحام » .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك إن ابن عباس كان يقرأ { والأرحام } يقول : اتقوا الله لا تقطعوها .
وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج قال : قال ابن عباس : اتقوا الأرحام .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد { الذي تساءلون به والأرحام } قال : اتقوا الله واتقوا الأرحام أن تقطعوها ، نصب الأرحام .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله { والأرحام } قال : اتقوا الأرحام أن تقطعوها .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد { إن الله كان عليكم رقيباً } قال : حفيظاً .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : رقيباً على أعمالكم ، يعلمها ويعرفها .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة عن ابن مسعود قال : علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الصلاة وخطبة الحاجة . فأما خطبة الصلاة فالتشهد . وأما خطبة الحاجة فإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . ثم يقرأ ثلاث آيات من كتاب الله { اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } [ آل عمران : 102 ] { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً } { اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم } [ الأحزاب : 70 ] ثم تعمد حاجتك .

(3/31)


وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2)

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : إن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم ، فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه عنه ، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم . فنزلت { وآتوا اليتامى أموالهم } يعني الأوصياء يقول : أعطوا اليتامى أموالهم { ولا تتبدَّلوا الخبيث بالطيب } يقول : لا تتبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم . يقول : لا تبذروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن مجاهد { ولا تتبدَّلوا الخبيث بالطيب } قال : الحرام بالحلال . لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال الذي قدر لك { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } قال : لا تأكلوا أموالهم مع أموالكم تخلطونها فتأكلونها جميعاً { إنه كان حوباً كبيراً } قال : إثماً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب { ولا تتبدَّلوا الخبيث بالطيب } قال : لا تعط مهزولاً وتأخذ سميناً .
وأخرج ابن جرير عن الزهري . مثله .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم في الآية قال : لا تُعْطِ زائفاً وتأخذ جيداً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم ويجعل فيها مكانها الشاة المهزولة ، ويقول : شاة بشاة . ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف ، ويقول : درهم بدرهم .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ، ولا يورثون الصغار . يأخذه الأكبر فنصيبه من الخيرات طيب ، وهذا الذي يأخذه خبيث .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } قال : مع أموالكم .
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى ، كرهوا أن يخالطوهم ، وجعل ولي اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله . فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم } قال : فخالطوهم واتقوا .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله { حوباً كبيراً } قال : إثماً عظيماً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس حوباً قال : ظلماً .
وأخرج الطستي في مسائله وابن الأنباري في الوقف والإبتداء والطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { حوباً } قال : إثماً بلغة الحبشة قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول الأعشى الشاعر :
فإني وما كلفتموني من أمركم ... ليعلم من أمسى أعق وأحوبا
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة أنه كان يقرأ حوباً برفع الحاء .
وأخرج عن الحسن أنه كان يقرؤها { حوباً } بنصب الحاء .

(3/32)


وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)

أخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى } قالت : يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في مالها ويعجبه مالها وجمالها ، فيريد وليها أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها ، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره . فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق ، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن ، وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية . فأنزل الله { ويستفتونك في النساء } [ البقرة : 220 ] قالت عائشة : وقول الله في الآية الأخرى { وترغبون أن تنكحوهن } [ النساء : 127 ] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال . فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله من باقي النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال .
وأخرج البخاري عن عائشة . أن رجلاً كانت له يتيمة فنكحها ، وكان لها عذق فكان يمسكها عليه ، ولم يكن لها من نفسه شيء . فنزلت فيه { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى } أحسبه قال كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عائشة قالت : نزلت هذه الآية في اليتيمة تكون عند الرجل وهي ذات مال ، فلعله ينكحها لمالها وهي لا تعجبه ، ثم يضربها ويسيء صحبتها . فوعظ في ذلك .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال : كان الرجل من قريش يكون عند النسوة ويكون عند الأيتام ، فيذهب ماله فيميل على مال الأيتام . فنزلت هذه الآية { وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى } الآية .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة في الآية قال : كان الرجل يتزوّج الأربع والخمس والست والعشر فيقول الرجل : ما يمنعني أن أتزوّج كما تزوّج فلان! فيأخذ مال يتيمة فيتزوّج به ، فنهوا أن يتزوّجوا فوق الأربع .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال : كان الرجل يتزوج بمال اليتيم ما شاء الله تعالى ، فنهى الله عن ذلك .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : قصر الرجال على أربع نسوة من أجل أموال اليتامى .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم والناس على أمر جاهليتهم إلا أن يؤمروا بشيء وينهوا عنه ، فكانوا يسألون عن اليتامى ولم يكن للنساء عدد ولا ذكر ، فأنزل الله { وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم .

(3/33)


. . } الآية . وكان الرجل يتزوج ما شاء فقال : كما تخافون أن لا تعدلوا في اليتامى فخافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن . فقصرهم على الأربع .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : كانوا في الجاهلية ينكحون عشراً من النساء الأيامى ، وكانوا يعظمون شأن اليتيم ، فتفقدوا من دينهم شأن اليتامى ، وتركوا ما كانوا ينكحون في الجاهلية .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية قال : كما خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى فخافوا أن لا تعدلوا في النساء إذا جمعتموهن عندكم .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في الآية قال : كانوا في الجاهلية لا يرزؤن من مال اليتيم شيئاً وهم ينكحون عشراً من النساء وينكحون نساء آبائهم ، فتفقدوا من دينهم شأن النساء .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق محمد بن أبي موسى الأشعري عن ابن عباس في الآية يقول : فإن خفتم الزنا فانكحوهن يقول : كما خفتم في أموال اليتامى أن لا تقسطوا فيها كذلك فخافوا على أنفسكم ما لم تنكحوا .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية يقول : إن تحرجتم في ولاية اليتامى وأكل أموالهم إيماناً وتصديقاً فكذلك فتحرجوا من الزنا ، وانكحوا النساء نكاحاً طيباً مثنى وثلاث ورباع .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن إدريس قال أعطاني الأسود بن عبد الرحمن بن الأسود مصحف علقمة فقرأت { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } بالألف ، فحدثت به الأعمش فأعجبه ، وكان الأعمش لا يكسرها . لا يقرأ { طيب } بمال ، وهي في بعض المصاحف بالياء { طيب لكم } .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك { ما طاب لكم } قال : ما أحل لكم .
وأخرج ابن جرير عن الحسن وسعيد بن جبير { ما طاب لكم } قال : ما حل لكم .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عائشة { ما طاب لكم } يقول : ما أحللت لكم .
قوله تعالى : { مثنى وثلاث ورباع } .
أخرج الشافعي وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وابن ماجة والنحاس في ناسخه والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر . أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : « اختر منهن » - وفي لفظ - « أمسك أربعا وفارق سائرهن » .
وأخرج ابن أبي شيبة والنحاس في ناسخه عن قيس بن الحارث قال : أسلمت وكان تحتي ثمان نسوة ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال : « اختر منهن أربعاً وخل سائرهن » ففعلت .
وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين قال : قال عمر : من يعلم ما يحل للمملوك من النساء؟ قال رجل : أنا .

(3/34)


امرأتين فسكت .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في سننه عن الحكم قال : أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن المملوك لا يجمع من النساء فوق اثنتين .
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في { فإن خفتم أن ألا تعدلوا } الآية يقول إن خفت أن لا تعدل في أربع فثلاث ، وإلا فاثنتين ، وإلا فواحدة ، فإن خفت أن لا تعدل في واحدة فما ملكت يمينك .
وأخرج ابن جرير عن الربيع . مثله .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك { فإن خفتم ألا تعدلوا } قال في المجامعة والحب .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي { أو ما ملكت أيمانكم } قال : السراري .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { أو ما ملكت أيمانكم } فكانوا في حلال مما ملكت أيمانكم من الإماء كلهن . ثم أنزل الله بعد هذا تحريم نكاح المرأة وأمها ، ونكاح ما نكح الآباء والأبناء ، وأن يجمع بين الأخت والأخت من الرضاعة ، والأم من الرضاعة ، والمرأة لها زوج حرم الله ذلك حر من حرةٍ أو أمة .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم { ذلك أدنى ألا تعولوا } قال : أن لا تجوروا قال ابن أبي حاتم : قال أبي : هذا حديث خطأ ، والصحيح عن عائشة موقوف .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله { ألا تعولوا } قال : أن لا تميلوا .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { ذلك أدنى ألا تعولوا } قال : أجدر أن لا تميلوا . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول الشاعر :
إنا تبعنا رسول الله واطرحوا ... قول النبي وعالوا في الموازين
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والمنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { ألا تعولوا } قال : أن لا تميلوا . ثم قال : أما سمعت قول أبي طالب :
بميزان قسط لا تخيس سعيرة ... ووازن صدق وزنه غير عائل
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي إسحق الكوفي قال : كتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه : إني لست بميزان لا أعول .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الرحمن وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { ألا تعولوا } قال : أن لا تميلوا .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي رزين وأبي مالك والضحاك . مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية قال { ذلك أدنى } أن لا يكثر من تعولوا .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : ذلك أقل لنفقتك . الواحدة أقل من عدد ، وجاريتك أهون نفقة من حرة ، أهون عليك في العيال .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة { ألا تعولوا } قال : أن لا تفتقروا . والله تعالى أعلم .

(3/35)


وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)

أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال : كان الرجل إذا زوّج أيمة أخذ صداقها دونها ، فنهاهم الله عن ذلك ونزلت { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } .
وأخرج ابن جرير عن حضرمي أن ناساً كانوا يعطي هذا الرجل أخته ويأخذ أخت الرجل ، ولا يأخذون كبير مهر . فقال الله { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل { وآتوا النساء } يقول : أعطوا النساء { صدقاتهن } يقول : مهورهن .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { نحلة } قال : يعني بالنحلة المهر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة { نحلة } قالت واجبة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جرير { وآتوا النساء صدقاتهن نحلة } قال : فريضة مسماة .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال { النحلة } في كلام الواجب ، يقول : لا تنكحها إلا بشيء واجب لها ، وليس ينبغي لأحد أن ينكح امرأة بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا بصداق واجب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { نحلة } قال : فريضة .
وأخرج أحمد عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لو أن رجلاً أعطى امرأة صداقاً ملء يديه طعاماً كانت له حلالاً .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن أبي لبيبة عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من استحل بدرهم فقد استحل » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر بن ربيعة « أن رجلاً تزوج على نعلين فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم نكاحه » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم « من نكح امرأة وهو يريد أن يذهب بمهرها فهو عند الله زان يوم القيامة » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة وأم سلمة قالتا : ليس شيء أشد من مهر امرأة وأجر أجير .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { فإن طبن لكم } قال : هي للأزواج .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة { فإن طبن لكم عن شيء منه } قال : من الصداق .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس { فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً } يقول : إذا كان من غير إضرار ولا خديعة فهو هنيء مريء كما قال الله .
وأخرج ابن جرير عن حضرمي ، أن ناساً كانوا يتأثمون أن يراجع أحدهم في شيء مما ساق إلى امرأته فقال الله { فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً } .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال : إذا اشتكى أحدكم فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحوها فليشتر بها عسلاً ، وليأخذ من ماء السماء فيجمع هنيئاً مريئاً وشفاء ومباركاً .
وأخرج ابن سعد عن علقمة أنه كان يقول لامرأته : أطعمينا من ذلك الهنيء المريء ، يتأوّل هذه الآية .

(3/36)


وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5)

أخرج ابن جرير عن حضرمي . أن رجلاً عمد فدفع ماله إلى امرأته فوضعته في غير الحق فقال الله { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم . . } الآية . يقول : لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك ثم تضطر إلى ما في أيديهم ، ولكن أمسك مالك وأصلحه ، وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم ورزقهم ومؤنتهم . قال : وقوله { قياماً } يعني قوامكم من معائشكم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية يقول : لا تسلط السفيه من ولدك على مالك ، وأمره أن يرزقه منه ويكسوه .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس { ولا تؤتوا السفهاء } قال : هم بنوك والنساء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن النساء السفهاء إلا التي أطاعت قيمها » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة { ولا تؤتوا السفهاء } قال : الخدم وهم شياطين الأنس .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود { ولا تؤتوا السفهاء } قال : النساء والصبيان .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في الآية قال : الصغار والنساء هم السفهاء .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال : نهى الرجال أن يعطوا النساء أموالهم وهن سفهاء من كن أزواجاً أو بنات أو أمهات ، وأمروا أن يرزقوهن فيه ويقولوا لهن قولاً معروفاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير { ولا تؤتوا السفهاء } قال : اليتامى والنساء .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } قال : هو مال اليتيم يكون عندك يقول : لا تؤته إياه وأنفق عليه حتى يبلغ .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { ولا تؤتوا السفهاء } قال : هم اليتامى { أموالكم } قال : أموالهم بمنزلة قوله { ولا تقتلوا أنفسكم } [ النساء : 127 ] .
وأخرج ابن جرير عن مورق قال : مرت امرأة بعبد الله بن عمر لها شارة وهيئة فقال لها ابن عمر { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً } .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي موسى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم : رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها ، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد ، ورجل أتى سفيهاً ماله وقد قال الله { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } »

(3/37)


وأخرجه ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن أبي موسى موقوفاً .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال : أمر الله بهذا المال أن يخزن فتحسن خزانته ، ولا تملكه المرأة السفيهة والغلام .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن في قوله { قياماً } قال : قيام عيشك .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد . أنه قرأ { التي جعل الله لكم قياماً } بالألف يقول : قيام عيشك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك { جعل الله لكم قياماً } قال : عصمة لدينكم ، وقياماً لكم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس { وارزقوهم } يقول : أنفقوا عليهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد { وقولوا لهم قولاً معروفاً } قال : أمروا أن يقولوا لهم قولاً معروفاً في البر والصلة .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج { وقولوا لهم قولاً معروفاً } قال : عدة تعدونهم .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد { وقولوا لهم قولاً معروفاً } قال : إن كان ليس من ولدك ولا ممن يجب عليك أن تنفق عليه فقل له قولاً معروفاً ، قل له عافانا الله وإياك وبارك الله فيك .

(3/38)


وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس { وابتلوا اليتامى } يعني اختبروا اليتامى عند الحلم { فإن آنستم } عرفتم { منهم رشداً } في حالهم والإصلاح في أموالهم { فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً } يعني تأكل مال اليتيم مبادرة قبل أن يبلغ فتحول بينه وبين ماله .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { وابتلوا اليتامى } قال : عقولهم { حتى إذا بلغوا النكاح } يقول : الحلم { فإن آنستم } قال : أحسستم { منهم رشداً } قال : العقل .
وأخرج ابن جرير عن السدي { وابتلوا اليتامى } قال : جربوا عقولهم { فإن آنستم منهم رشداً } قال : عقولاً وصلاحاً .
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن مقاتل { وابتلوا اليتامى } يعني الأولياء والأوصياء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن قيس { حتى إذا بلغوا النكاح } قال : خمس عشرة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن الحسن { فإن آنستم منهم رشداً } قال : صلاحاً في دينه وحفظاً لماله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { فإن آنستم منهم رشداً } قال : صلاحاً في دينهم وحفظاً لأموالهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : إذا أدرك اليتيم بحلم وعقل ووقار دفع إليه ماله .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال : لا تدفع إلى اليتيم ماله وإن شمط ما لم يؤنس منه رشد .
وأخرج ابن جرير عن الحسن { ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً } ويقول : لا تسرف فيها ولا تبادر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { ولا تأكلوها إسرافاً } يعني في غير حق { وبداراً أن يكبروا } قال : خشية أن يبلغ الحلم فيأخذ ماله .
وأخرج البخاري وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عائشة قالت : أنزلت هذه الآية في ولي اليتيم { ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف } بقدر قيامه عليه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والحاكم وصححه من طريق مقسم عن ابن عباس { ومن كان غنياً فليستعفف } قال : بغناه من ماله حتى يستغني عن مال اليتيم لا يصيب منه شيئاً { ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف } قال : يأكل من ماله يقوت على نفسه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم .
وأخرج ابن المنذر من طريق أبي يحيى عن ابن عباس { ومن كان غنياً فليستعفف } قال : يستعف بماله حتى لا يفضي إلى مال اليتيم .
وأخرج ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس { ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف } قال : هو القرض .

(3/39)


وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس { ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف } يعني القرض .
وأخرج عبد بن حميد والبيهقي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية قال : ولي اليتيم إن كان غنياً فليستعفف وإن كان فقيراً أخذ من فضل اللبن وأخذ بالقوت لا يجاوزه ، وما يستر عورته من الثياب ، فإن أيسر قضاه ، وإن أعسر فهو في حل .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية يقول : إن كان غنياً فلا يحل له أن يأكل من مال اليتيم شيئاً ، وإن كان فقيراً فليستقرض منه ، فإذا وجد ميسرة فليعطه ما استقرض منه فذلك أكله بالمعروف . وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير والنحاس في ناسخه وابن المنذر والبيهقي في سننه من طرق عن عمر بن الخطاب قال : إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم ، إن استغنيت استعففت وإن احتجت أخذت منه بالمعروف . فإذا أيسرت قضيت .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس في قوله { ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف } قال : إذا احتاج ولي اليتيم وضع يده فأكل من طعامهم ، ولا يلبس منه ثوباً ولا عمامة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس { فليأكل بالمعروف } قال : بأطراف أصابعه الثلاث .
وأخرج ابن المنذر والطبراني عن ابن عباس في الآية قال : يأكل الفقير إذا ولي مال اليتيم بقدر قيامه على ماله ومنفعته له ، وما لم يسرف أو يبذر .
وأخرج مالك وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه عن القاسم بن محمد قال : جاء رجل إلى ابن عباس فقال : إن في حجري أيتاماً ، وإن لهم إبلاً فماذا يحل لي من ألبانها؟ فقال : إن كنت تبغي ضالتها ، وتهنا جرباها ، وتلوط حوضها ، وتسعى عليها فاشرب غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب .
وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه عن ابن عمرو أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ليس لي مال ولي يتيم؟ فقال « كل من مال يتيمك غير مسرف ، ولا مبذر ، ولا متأثل مالاً ، ومن غير أن تقي مالك بماله » .
وأخرج ابن حبان عن جابر « أن رجلاً قال يا رسول الله مم أضرب يتيمي؟ قال : مما كنت ضارباً منه ولدك غير واق مالك بماله ، ولا متأثل منه مالاً » .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي شيبة والنحاس في ناسخه عن الحسن العرني « أن رجلاً قال : يا رسول الله مم أضرب يتيمي؟ قال : مما كنت ضارباً منه ولدك قال : فأصيب من ماله؟ قال : بالمعروف غير متأثل مالاً ، ولا واق مالك بماله » .

(3/40)


وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال : ذكر لنا أن عم ثابت بن وداعة - وثابت يومئذ يتيم في حجره من الأنصار - أتى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال « إن ابن أخي يتيم في حجري فماذا يحل لي من ماله؟ قال : أن تأكل من ماله بالمعروف من غير أن تقي مالك بماله ، ولا تأخذ من ماله وفراً . قال : وكان اليتيم يكون له الحائط من النخل فيقوم وليه على صلاحه وسقيه فيصيب من ثمره ، ويكون له الماشية فيقوم وليه على صلاحها ومؤنتها وعلاجها فيصيب من جزازها ورسلها وعوارضها ، فأما رقاب المال فليس لهم أن يأكلوا ولا يستهلكوه » .
وأخرج ابن المنذر عن عطاء قال : خمس في كتاب الله رخصة وليست بعزيمة قوله { ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف } إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل .
وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس { ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف } قال : نسختها { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً . . } [ النساء : 10 ] الآية .
وأخرج أبو داود في ناسخه عن الضحاك . مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن أبي الزناد في الآية قال : كان أبو الزناد يقول : إنما كان ذلك في أهل البدو وأشباههم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن نافع بن أبي نعيم القاري قال : سألت يحيى بن سعيد وربيعة عن قوله { فليأكل بالمعروف } قالا : ذلك في اليتيم ، إن كان فقيراً أنفق عليه بقدر فقره ولم يكن للولي منه شيء .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس { فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم } يقول : إذا دفع إلى اليتيم ماله فليدفعه إليه بالشهود كما أمره الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية يقول للأوصياء : إذا دفعتم إلى اليتامى أموالهم إذا بلغوا الحلم فأشهدوا عليهم بالدفع إليهم أموالهم { وكفى بالله حسيباً } يعني لا شاهد أفضل من الله فيما بينكم وبينهم .
وأخرج ابن جرير عن السدي { وكفى بالله حسيباً } شهيداً .

(3/41)


لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7)

أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات ، ولا الصغار الذكور حتى يدركوا . « فمات رجل من الأنصار يقال له أوس بن ثابت وترك ابنتين وابناً صغيراً ، فجاء ابنا عمه وهما عصبته فأخذا ميراثه كله ، فقالت امرأته لهما : تزوجا بهما وكان بهما دمامة فأبيا . فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله توفي أوس وترك ابناً صغيراً وابنتين ، فجاء ابنا عمه خالد وعرفطة فأخذا ميراثه ، فقلت لهما : تزوّجا ابنتيه فأبيا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » ما أدري ما أقول؟ فنزلت { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون . . . } الآية . فأرسل إلى خالد وعرفطة فقال : لا تحركا من الميراث شيئاً ، فإنه قد أنزل عليَّ فيه شيء أخبرت فيه أن للذكر والأنثى نصيباً ، ثم نزل بعد ذلك { ويستفتونك في النساء } [ النساء : 127 ] إلى قوله { عليماً } ثم نزل { يوصيكم الله في أولادكم } [ النساء : 11 ] إلى قوله { والله عليم حليم } فدعا بالميراث فأعطى المرأة الثمن ، وقسم ما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين « » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال : نزلت في أم كلثوم ، وابنة أم كحلة ، أو أم كحة ، وثعلبة بن أوس ، وسويد ، وهم من الأنصار . كان أحدهم زوجها والآخر عم ولدها فقالت : يا رسول الله توفي زوجي وتركني وابنته فلم نورث من ماله فقال عم ولدها : يا رسول الله لا تركب فرساً ، ولا تنكأ عدواً ويكسب عليها ولا تكتسب . فنزلت { للرجال نصيب . . } الآية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء ولا الولدان الصغار شيئاً ، يجعلون الميراث لذي الأسنان من الرجال . فنزلت { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } إلى قوله { مما قلَّ منه أو كثر } يعني من الميراث { نصيباً } يعني حظاً { مفروضاً } يعني معلوماً .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك { نصيباً مفروضاً } قال : وقفاً معلوماً .

(3/42)


وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8)

أخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس { وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين } قال : هي محكمة وليست بمنسوخة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق مقسم عن ابن عباس { وإذا حضر القسمة . . . . } الآية . قال : هي قائمة يعمل بها .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حطان بن عبد الله في هذه الآية قال : قضى بها أبو موسى .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن يحيى بن يعمر قال : ثلاث آيات مدنيات محكمات ضيعهن كثير من الناس { وإذا حضر القسمة } الآية وآية الاستئذان { والذين لم يبلغوا الحلم منكم } [ النور : 58 ] وقوله { إنا خلقناكم من ذكر وأنثى . . } [ الحجرات : 13 ] الآية .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : إن ناساً يزعمون أن هذه الآية نسخت { وإذا حضر القسمة . . } الآية . ولا والله ما نسخت ولكنه مما تهاون به الناس ، هما واليان . وال يرث فذاك الذي يرزق ويكسو ، ووال ليس بوارث فذاك الذي يقول قولاً معروفاً . يقول : إنه مال يتيم وماله فيه شيء .
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير والحاكم وصححه من طريق من عكرمة عن ابن عباس { وإذا حضر القسمة أولو القربى } قال : يرضخ لهم ، فإن كان في المال تقصير اعتذر إليهم ، فهو قولاً معروفاً .
وأخرج ابن المنذر عن عمرة ابنة عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر حين قسم ميراث أبيه أمر بشاة فاشتريت من المال ، وبطعام فصنع . فذكرت ذلك لعائشة فقالت : عمل بالكتاب ، هي لم تنسخ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه من طريق علي عن ابن عباس في هذه الآية قال : أمر الله المؤمنين عند قسمة مواريثهم أن يصلوا أرحامهم وأيتامهم ومساكينهم من الوصية إن كان أوصى لهم ، فإن لم يكن لهم وصية وصل إليهم من مواريثهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال : ذلك قبل أن تنزل الفرائض ، فأنزل الله بعد ذلك الفرائض ، فأعطى كل ذي حق حقه ، فجعلت الصدقة فيما سمى المتوفى .
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس { وإذا حضر القسمة . . } الآية . قال : نسختها آية الميراث فجعل لكل إنسان نصيبه مما ترك مما قل منه أو كثر .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي وابن أبي مليكة أن أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق والقاسم بن محمد بن أبي بكر أخبراه .

(3/43)


أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه عبد الرحمن وعائشة حية . قالا : فلم يدع في الدار مسكيناً ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه . وتلا { وإذا حضر القسمة . . } الآية . قال القاسم : فذكرت ذلك لابن عباس فقال : ما أصاب ليس ذلك له إنما ذلك للوصية ، وإنما هذه الآية في الوصية يريد الميت أن يوصي لهم .
وأخرج النحاس في ناسخه من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله { وإذا حضر القسمة . . } الآية . قال : نسختها { يوصيكم الله في أولادكم . . } [ النساء : 11 ] الآية .
وأخرج عبد الرزاق وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي عن سعيد بن المسيب في هذه الآية قال : هي منسوخة كانت قبل الفرائض ، كان من ما ترك الرجل من مال أعطى منه اليتيم والفقير والمسكين وذوو القربى إذا حضروا القسمة ، ثم نسخ بعد ذلك نسختها المواريث ، فألحق الله بكل ذي حق حقه ، وصارت الوصية من ماله يوصي بها لذوي قرابته حيث يشاء .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن سعيد بن جبير في الآية قال : إن كانوا كباراً يرضخوا وإن كانوا صغاراً اعتذروا إليهم . فذلك قوله { قولاً معروفاً } .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح في الآية قال : كانوا يرضخون لذوي القرابة حتى نزلت الفرائض .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي مالك قال : نسختها آية الميراث .

(3/44)


وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { وليخش الذين لو تركوا . . . } الآية . قال : هذا في الرجل يحضر الرجل عند موته فيسمعه يوصي وصية يضر بورثته ، فأمر الله الذي يسمعه أن يتقي الله ويوفقه ويسدده للصواب ، ولينظر لورثته كما يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضيعة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في الآية قال : يعني الرجل يحضره الموت فيقال له : تصدق من مالك وأعتق وأعط منه في سبيل الله ، فنهوا أن يأمروا بذلك . يعني أن من حضر منكم مريضاً عند الموت فلا يأمره أن ينفق ماله في العتق ، أو في الصدقة ، أو في سبيل الله ، ولكن يأمره أن يبين ماله وما عليه من دين ، ويوصي من ماله لذوي قرابته الذين لا يرثون ، يوصي لهم بالخمس أو الربع . يقول : ليس لأحدكم إذا مات وله ولد ضعاف - يعني صغاراً - أن يتركهم بغير مال فيكونون عيالاً على الناس ، ولا ينبغي لكم أن تأمروه بما لا ترضون به لأنفسكم ولأولادكم ، ولكن قولوا الحق في ذلك .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية يعني بذلك الرجل يموت وله أولاد صغار ضعاف يخاف عليهم العيلة والضيعة ، ويخاف بعده أن لا يحسن إليهم من يليهم يقول : فإن ولي مثل ذريته ضعافاً يتامى فليحسن إليهم ، ولا يأكل أموالهم إسرافاً وبداراً أن يكبروا .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : إذا حضر الرجل عند الوصية فليس ينبغي أن يقال : أوص بمالك فإن الله رازق ولدك ، ولكن يقال له : قدم لنفسك واترك لولدك . فذلك القول السديد ، فإن الذي يأمر بهذا يخاف على نفسه العيلة .
وأخرج سعيد بن منصور وآدم والبيهقي عن مجاهد في الآية قال : كان الرجل إذا حضر يقال له : أوص لفلان ، أوص لفلان ، وافعل كذا وافعل كذا حتى يضر ذلك بورثته . فقال الله { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم } قال : لينظروا لورثة هذا كما ينظر هذا لورثة نفسه ، فليتقوا الله ، وليأمروه بالعدل والحق .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم } يعني من بعد موتهم { ذرية ضعافاً } يعني عجزة لا حيلة لهم { خافوا عليهم } يعني على ولد الميت الضيعة كما يخافون على ولد أنفسهم { فليتقوا الله وليقولوا } للميت إذا جلسوا إليه { قولاً سديداً } يعني عدلاً في وصيته فلا يجور .
وأخرج ابن جرير عن الشيباني قال : كنا بالقسطنطينية أيام مسلمة بن عبد الملك وفينا ابن محيريز ، وابن الديلمي ، وهانئ بن كلثوم ، فجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر الزمان ، فضقت ذرعاً بما سمعت فقلت لابن الديلمي : يا أبا بشر يودّني أنه لا يولد لي ولد أبداً .

(3/45)


فضرب بيده على منكبي وقال : يا ابن أخي لا تفعل ، فإنه ليست من نسمة كتب الله لها أن تخرج من صلب رجل وهي خارجة إن شاء وإن أبى . قال : ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجاك الله منه ، وإن تركت ولدك من بعدك حفظهم الله فيك؟ قلت : بلى . فتلا عليّ هذه الآية { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً . . . } الآية .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : « اتقوا الله في الضعيفين : اليتيم ، والمرأة ، أيتمه ثم أوصى به ، وابتلاه وابتلى به » .

(3/46)


إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)

أخرج ابن أبي شيبة في مسنده وأبو يعلى والطبراني وابن حبان في صحيحه وابن أبي حاتم عن أبي برزة . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم ناراً . فقيل : يا رسول الله من هم؟ قال : ألم تر أن الله يقول { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً } » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال « حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به قال : نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل ، وقد وكِّل بهم من يأخذ بمشافرهم ، ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار ، فتقذف في في أحدهم حتى تخرج من أسافلهم ولهم خوار وصراخ فقلت : يا جبريل من هؤلاء؟ قال : هؤلاء { الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً } » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : إذا قال الرجل يأكل مال اليتيم ظلماً يبعث يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه ومن أذنيه وأنفه وعينيه ، يعرفه من رآه بآكل مال اليتيم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيد الله بن أبي جعفر قال : من أكل مال اليتيم فإنه يؤخذ بمشفره يوم القيامة فيملأ فوه جمراً ، فيقال له : كل كما أكلته في الدنيا ، ثم يدخل السعير الكبرى .
وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في الآية قال : هذه لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم ويأكلون أموالهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله { سعيراً } يعني وقوداً .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال « السعير » واد من فيح في جهنم .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أربع حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيماً : مدمن الخمر ، وآكل ربا ، وآكل مال اليتيم بغير حق ، والعاق لوالديه » .

(3/47)


يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11)

أخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طرق عن جابر بن عبد الله قال « عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سلمة ماشيين ، فوجدني النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئاً ، فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش عليَّ ، فأفقت فقلت : ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } » .
وأخرج عبد بن حميد والحاكم عن جابر قال « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا مريض فقلت : كيف أقسم مالي بين ولدي؟ فلم يرد علي شيئاً ونزلت { يوصيكم الله في أولادكم } .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة ومسدد والطيالسي وابن أبي عمر وابن منيع وابن أبي أسامة وأبو يعلى وابن أبي حاتم والحاكم وابن حبان والبيهقي في سننه عن جابر قال » جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع ، قتل أبوهما معك في أحد شهيداً ، وأن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً ولا ينكحان إلا ولهما مال فقال : يقضي الله في ذلك . فنزلت آية الميراث { يوصيكم الله في أولادكم . . . } الآية . فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال : أعط ابنتي سعد الثلثين ، وأمهما الثمن ، وما بقي فهو لك « . وأخرج عبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين والأقربين ، فنسخ الله من ذلك ما أحب فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس مع الولد ، وجعل للزوجة الثمن والربع ، وللزوج الشطر والربع .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لما نزلت آية الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين ، كرهها الناس أو بعضهم وقالوا : نعطي المرأة الربع أو الثمن ، ونعطي الإبنة النصف ، ونعطي الغلام الصغير ، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة؟ وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية لا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم ، ويعطونه الأكبر فالأكبر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { للذكر مثل حظ الأنثيين } قال : صغيراً أو كبيراً . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ولا الضعفاء من الغلمان ، لا يرث الرجل من والده إلا من أطاق القتال .

(3/48)


فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر وترك امرأة له يقال لها : أم كحة . وترك خمس جوار ، فجاءت الورثة فأخذوا ماله ، فشكت أم كحة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله هذه الآية { فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف } ثم قال : في أم كحة { ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن } [ النساء : 12 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { فإن كن نساء } يعني بنات { فوق اثنتين } يعني أكثر من اثنتين ، أو كن اثنتين ليس معهن ذكر { فلهن ثلثا ما ترك } الميت والبقية للعصبة { وإن كانت واحدة } يعني ابنة واحدة فلها النصف ، { ولأبويه } يعني أبوي الميت { لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد } يعني ذكراً كان أوكانتا اثنتين فوق ذلك ولم يكن معهن ذكر ، فإن كان الولد ابنة واحدة فلها نصف المال ثلاثة أسداس وللأب سدس ، ويبقى سدس واحد فيرد ذلك على الأب لأنه هو العصبة { فإن لم يكن له ولد } قال : ذكر ولا أنثى { وورَّثه أبواه فلأمه الثلث } وبقية المال للأب { فإن كان له } يعني للميت { إخوة } قال : أخوان فصاعداً أو أختان أو أخ أو أخت { فلأمه السدس } وما بقي فللأب ، وليس للإخوة مع الأب شيء ، ولكنهم حجبوا الأم عن الثلث { من بعد وصية يوصي بها } فيما بينه وبين الثلث لغير الورثة ولا تجوز وصية لوارث { أو دين } يعني يحرم الميراث للورثة من بعد دين على الميت { فريضة من الله } يعني ما ذكر من قسمة الميراث { إن الله كان عليماً حكيماً } حكم قسمه .
وأخرج الحاكم عن زيد بن ثابت قال : توفي الرجل أو المرأة وترك بنتاً فلها النصف ، فإن كانتا اثنتين فأكثر فلهن الثلثان ، وإن كان معهن ذكر فلا فريضة لأحد منهم ، ويبدأ بأحد إن شركهن بفريضة فيعطى فريضته .
وأخرج سعيد بن منصور والحاكم والبيهقي عن ابن مسعود قال : كان عمر بن الخطاب إذا سلك بنا طريقاً فاتبعناه وجدناه سهلاً ، وإنه سئل عن امرأة وأبوين فقال : للمرأة الربع ، وللأم ثلث ما بقي ، وما بقي فللأب .
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن عكرمة قال : أرسلني ابن عباس إلى زيد بن ثابت أسأله عن زوج وأبوين فقال زيد : للزوج النصف ، وللأم ثلث ما بقي ، وللأب بقية المال . فأرسل إليه ابن عباس : أفي كتاب الله تجد هذا؟ قال : لا . ولكن أكره أن أفضل أماً على أب . قال : وكان ابن عباس يعطي الأم الثلث من جميع المال .
وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه دخل على عثمان فقال : إن الأخوين لا يردان الأم عن الثلث قال الله { فإن كان له إخوة } فالأخوان ليسا بلسان قومك إخوة ، فقال عثمان : لا أستطيع أن أرد ما كان قبلي ، ومضى في الأمصار وتوارث به الناس .

(3/49)


وأخرج الحاكم والبيهقي في سننه عن زيد بن ثابت أنه كان يحجب الأم بالأخوين فقالوا له : يا أبا سعيد إن الله يقول { فإن كان له إخوة } وأنت تحجبها بأخوين فقال : إن العرب تسمي الأخوين إخوة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { فإن كان له إخوة فلأمه السدس } قال : أضروا بالأم ولا يرثون ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث ويحجبها ما فوق ذلك ، وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم من الثلث لأن أباهم يلي نكاحهم والنفقة عليهم دون أمهم .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : السدس الذي حجبته الإخوة الأم لهم إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أمهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن علي قال : إنكم تقرؤون هذه الآية { من بعد وصية يوصي بها أو دين } وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية ، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { من بعد وصية يوصي بها أو دين } قال : يبدأ بالدين قبل الوصية .
وأخرج ابن جرير وابن أبي المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً } يقول : أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة عند الله يوم القيامة ، لأن الله شفع المؤمنين بعضهم في بعض .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { أيهم أقرب لكم نفعاً } قال : في الدنيا .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { أيهم أقرب لكم نفعاً } قال بعضهم : في نفع الآخرة . وقال بعضهم : في نفع الدنيا .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال : الميراث للولد فانتزع الله منه للزوج والوالد .

(3/50)


وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)

أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { ولكم نصف ما ترك أزواجكم . . } الآية . يقول : للرجل نصف ما تركت امرأته إذا ماتت إن لم يكن لها ولد من زوجها الذي ماتت عنه أو من غيره ، فإن كان لها ولد ذكر أو أنثى فللزوج الربع مما تركت من المال من بعد وصية يوصي بها النساء أو دين عليهن - والدين قبل الوصية فيها تقديم - { ولهن الربع . . . } الآية . يعني للمرأة الربع مما ترك زوجها من الميراث إن لم يكن لزوجها الذي مات عنها ولد منها ولا من غيرها ، فإن كان للرجل ولد ذكر أو أنثى فلها الثمن مما ترك الزوج من المال ، وإن كان رجل أو امرأة يورث كلالة - والكلالة الميت الذي ليس له ولد ولا والد - { فإن كانوا أكثر من ذلك } يعني أكثر من واحد ، إثنين إلى عشرة فصاعداً .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والدرامي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن سعد بن أبي وقاص . أنه كان يقرأ « وإن كان رجل يورث كلالة وله أخ أو أخت من أم » .
وأخرج البيهقي عن الشعبي قال : ما ورث أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الإخوة من الأم مع الجد شيئاً قط .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { وله أخ أو أخت } قال : هؤلاء الإخوة من الأم فهم شركاء في الثلث قال : ذكرهم وأنثاهم فيه سواء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال : قضى عمر بن الخطاب أن ميراث الإخوة من الأم بينهم الذكر فيه مثل الأنثى . قال : ولا أرى عمر بن الخطاب قضى بذلك حتى علمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذه الآية التي قال الله { فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث } .
وأخرج الحاكم عن عمر وعلي وابن مسعود وزيد في أم وزوج وإخوة لأب ، وأم وإخوة لأم . إن الإخوة من الأب والأم شركاء الإخوة من الأم في ثلثهم وذلك أنهم قالوا : هم بنو أم كلهم ، ولم تزدهم الأم إلا قرباً فهم شركاء في الثلث .
وأخرج الحاكم عن زيد بن ثابت في المشركة قال : هبوا أن أباهم كان حماراً ما زادهم الأب إلا قرباً ، وأشرك بينهم في الثلث .
ذكر الأحاديث الواردة في الفرائض
أخرج الحاكم والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تعلموا الفرائض وعلموه الناس فإنه نصف العلم ، وإنه ينسى ، وهو أول ما ينزع من أمتي » .
وأخرج الحاكم والبيهقي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(3/51)


« تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض ، وإن العلم سيقبض ، وتظهر الفتن حتى يختلف الإثنان في الفرائض ، لا يجدان من يقضي بها » .
وأخرج الحاكم عن ابن المسيب قال : كتب عمر إلى أبي موسى : إذا لهوتم فالهوا بالرمي ، وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض .
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال : تعلموا الفرائض ، واللحن ، والسنة ، كما تعلمون القرآن .
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال : تعلموا الفرائض فإنها من دينكم .
وأخرج الحاكم والبيهقي عن ابن مسعود قال : من قرأ منكم القرآن فليتعلم الفرائض ، فإن لقيه أعرابي قال : يا مهاجر أتقرأ القرآن؟ فيقول : نعم . فيقول : وأنا أقرأ . فيقول الأعرابي : أتفرض يا مهاجر؟ فإن قال : نعم . قال : زيادة خير . وإن قال : لا . قال : فما فضلك عليَّ يا مهاجر؟ .
وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال : تعلموا الفرائض ، والحج ، والطلاق ، فإنه من دينكم .
وأخرج الحاكم والبيهقي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أَفْرَضُ أمتي زيد بن ثابت » .
وأخرج البيهقي عن الزهري قال : لولا أن زيد بن ثابت كتب الفرائض لرأيت أنها ستذهب من الناس .
وأخرج سعيد بن منصور وأبو داود في المراسيل والبيهقي عن عطاء بن يسار « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب إلى قباء يستخير في ميراث العمة والخالة . فأنزل الله عليه لا ميراث لهما . وأخرجه الحاكم موصولاً من طريق عطاء عن أبي سعيد الخدري .
وأخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول : عجباً للعمة تورِث ولا ترث .
وأخرج الحاكم عن قبيصة بن ذؤيب قال : جاءت الجدة إلى أبي بكر فقالت : إن لي حقاً في ابن ابن . أو ابن ابنة لي مات . قال : ما علمت لك حقاً في كتاب الله ، ولا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شيئاً ، وسأسأل . فشهد المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس قال : من شهد ذلك معك؟ فشهد محمد بن مسلمة ، فأعطاها أبو بكر السدس .
وأخرج الحاكم عن زيد بن ثابت . أن عمر لما استشارهم في ميراث الجد والإخوة قال زيد : كان رأيي أن الإخوة أولى بالميراث ، وكان عمر يرى يومئذ أن الجد أولى من الإخوة ، فحاورته وضربت له مثلاً ، وضرب علي وابن عباس له مثلاً يومئذ . السيل يضربانه ويصرفانه على نحو تصريف زيد .
وأخرج الحاكم عن عبادة بن الصامت قال : إن من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للجدتين من الميراث السدس بينهما بالسوية .
وأخرج الحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال : أول من أعال الفرائض عمر ، تدافعت عليه وركب بعضها بعضاً ، قال : والله ما أدري كيف أصنع بكم ، والله ما أدري أيكم قدَّم الله ولا أيكم أخَّر ، وما أجد في هذا المال شيئاً أحسن من أن أقسمه عليكم بالحصص .

(3/52)


ثم قال ابن عباس : وأيم الله لو قدَّم من قدَّم الله وأخَّر من أخر الله ما عالت فريضته . فقيل له : وأيها قدَّم الله؟ قال : كل فريضة لم يهبطها الله من فريضة إلا إلى فريضة : فهذا ما قدَّم الله ، وكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلا ما بقي فتلك التي أخَّر الله فالذي قدَّم كالزوجين والأم ، والذي أخَّر كالأخوات والبنات . فإذا اجتمع من قدَّم الله وأخرَّ بدئ بمن قدَّم فأعطى حقه كاملاً ، فإن بقي شيء كان لهن وإن لم يبق شيء فلا شيء لهن .
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس قال : أترون الذي أحصى رمل عالج عدداً جعل في المال نصفاً وثلثاً وربعاً ، إنما هو نصفان وثلاثة أثلاث وأربعة أرباع .
وأخرج سعيد بن منصور عن عطاء قال : قلت لابن عباس : إن الناس لا يأخذون بقولي ولا بقولك ، ولو متُّ أنا وأنت ما اقتسموا ميراثاً على ما تقول : قال : فليجتمعوا فلنضع أيدينا على الركن ، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين . ما حكم الله بما قالوا .
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في سننه عن زيد بن ثابت . أنه أول من أعال الفرائض ، وأكثر ما بلغ العول مثل ثلثي رأس الفريضة .
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس . أنه كان يقول : من شاء لاعنته عند الحجر الأسود ، إن الله لم يذكر في القرآن جداً ولا جدة إن هم إلا الآباء ، ثم تلا { واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب } [ يوسف : 38 ] .
وأخرج سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أجرؤكم على قسم الجد أجرؤكم على النار » .
وأخرج عبد الرزاق عن عمر قال : أجرؤكم على جراثيم جهنم أجرؤكم على الجد .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور عن علي قال : من سرَّه أن يتقحَّم جراثيم جهنم فليقض بين الجد والإخوة .
وأخرج مالك والبخاري ومسلم عن أسامة بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر » .
وأخرج سعيد بن منصور عن عبد الله بن مغفل قال : ما أحدث في الإسلام قضاء بعد قضاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعجب إليَّ من قضاء معاوية ، إنا نرثهم ولا يرثونا ، كما أن النكاح يحل لنا فيهم ولا يحلُّ لهم فينا .
وأخرج أبو داود والبيهقي عن ابن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليس للقاتل من الميراث شيء » .
قوله تعالى : { غير مضار } الآية .

(3/53)


أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار } يعني من غير ضرار لا يقر بحق ليس عليه ولا يوصي بأكثر من الثلث مضار للورثة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { غير مضار } قال : في الميراث لأهله .
وأخرج النسائي وعبد بن حميد وابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس قال : الضرار في الوصية من الكبائر ثم قرأ { غير مضار } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « الأضرار في الوصية من الكبائر » .
وأخرج مالك والطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان عن سعد بن أبي وقاص « أنه مرض مرضاً أشفي منه فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقال : يا رسول الله إن لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلا ابنة أفأتصدق بالثلثين؟ قال : لا . قال : فالشطر . . . ؟ قال : لا . قال : فالثلث . . . ؟ قال : الثلث والثلث كثير ، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ بن جبل قال : إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في حياتكم يعني الوصية .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن عباس قال : وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الثلث كثير » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال : ذكر عند عمر الثلث في الوصية قال : الثلث وسط ، لا بخس ولا شطط .
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي بن أبي طالب قال : لأن أوصي بالخمس أحبُّ إليَّ من أن أوصي بالربع ، ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث ، ومن أوصي بالثلث لم يترك .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال : كانوا يقولون : الذي يوصي بالخمس أفضل من الذي يوصي بالربع ، والذي يوصي بالربع أفضل من الذي يوصي بالثلث .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال : كان يقال : السدس خير من الثلث في الوصية .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عامر الشعبي قال : من أوصى بوصية لم يحف فيها ولم يضار أحداً كان له من الأجر ما لو تصدق في حياته في صحته .
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال : كانوا يكرهون أن يموت الرجل قبل أن يوصي ، قبل أن تنزل المواريث .

(3/54)


تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14)

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { تلك حدود الله } يعني طاعة الله ، يعني المواريث التي سمى . وقوله { ويتعدَّ حدوده } يعني من لم يرض بقسم الله وتعدَّى ما قال .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي { تلك حدود الله } بقول : شروط الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { تلك حدود الله } يعني سنة الله وأمره في قسمة الميراث { ومن يطع الله ورسوله } فيقسم الميراث كما أمره الله { ومن يعص الله ورسوله } قال : يخالف أمره في قسمة المواريث { يدخله ناراً خالداً فيها } يعني من يكفر بقسمة المواريث وهم المنافقون ، كانوا لا يعدون أن للنساء والصبيان الصغار من الميراث نصيباً .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد { ومن يطع الله ورسوله } قال : في شأن المواريث التي ذكر قبل .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { تلك حدود الله } التي حد لخلقه وفرائضه بينهم في الميراث والقسمة ، فانتهوا إليها ولا تعدوها إلى غيرها .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله { ومن يطع الله ورسوله } قال : من يؤمن بهذه الفرائض . وفي قوله { ومن يعص الله ورسوله } قال من لا يؤمن بها .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة واللفظ له والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة » ثم يقول أبو هريرة : اقرأوا إن شئتم { تلك حدود الله } إلى قوله { عذاب مهين } .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وسعيد بن منصور عن سليمان بن موسى قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قطع ميراثاً فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة » .
وأخرج ابن ماجه من وجه آخر عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قطع ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة » .
وأخرج البيهقي في البعث من وجه ثالث عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قطع ميراثاً فرضه الله ورسوله قطع الله به ميراثه من الجنة » .
وأخرج الحاكم عن ابن مسعود قال : إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة عدو .

(3/55)


وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15)

أخرج الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبزار والطبراني من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله { واللاتي يأتين الفاحشة . . . } الآية . قال : كانت المرأة إذا فجرت حبست في البيوت فإن ماتت ماتت ، وإن عاشت عاشت ، حتى نزلت الآية في سورة النور { الزانية والزاني } [ النور : 2 ] فجعل الله لهنَّ سبيلاً ، فمن عمل شيئاً جلد وأرسل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه والبيهقي في سننه من طريق علي عن ابن عباس في الآية قال : كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت ، ثم أنزل الله بعد ذلك { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } [ النور : 2 ] فإن كانا محصنين رجما . فهذا السبيل الذي جعله الله لهما .
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم } وقوله { لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } [ الطلاق : 1 ] وقوله { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } [ النساء : 19 ] قال : كان ذكر الفاحشة في هؤلاء الآيات قبل أن تنزل سورة النور بالجلد والرجم ، فإن جاءت اليوم بفاحشة مبينة فإنها تخرج فترجم ، فنسختها هذه الآية { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } [ النور : 2 ] والسبيل الذي جعل الله لهن الجلد والرجم .
وأخرج أبو داود في سننه والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم } إلى قوله { سبيلاً } وذكر الرجل بعد المرأة ثم جمعهما جميعاً فقال { واللذان يأتيانها منكم فآذوهما . . . } [ النساء : 16 ] الآية . ثم نسخ ذلك بآية الجلد فقال : { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } [ النور : 2 ] .
وأخرج آدم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم } يعني الزنا كان أمر أن يحبس ، ثم نسختها { الزانية والزاني فاجلدوا } [ النور : 2 ] .
وأخرج آدم وأبو داود في سننه والبيهقي عن مجاهد قال « السبيل » الحد .
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { واللاتي يأتين الفاحشة . . . } الآية . قال : كان هذا بدء عقوبة الزنا ، كانت المرأة تحبس ويؤذيان جميعاً ، ويعيران بالقول وبالسب . ثم إن الله أنزل بعد ذلك في سورة النور جعل الله لهن سبيلاً ، فصارت السنة فيمن أحصن الرجم بالحجارة ، وفيمن لم يحصن جلد مائة ونفي سنة .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والنحاس عن قتادة في الآية قال : نسختها الحدود .
وأخرج البيهقي في سننه عن الحسن في قوله { واللاتي يأتين الفاحشة . . . } الآية . قال : كان أول حدود النساء أن يحبسن في بيوت لهن حتى نزلت الآية التي في النور .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { واللاتي يأتين الفاحشة } يعني الزنا { من نسائكم } يعني المرأة الثيب من المسلمين { فاستشهدوا عليهن أربعة منكم } يعني من المسلمين الأحرار { فإن شهدوا } يعني بالزنا { فأمسكوهن } يعني احبسوهن { في البيوت } يعني في السجون .

(3/56)