صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور |
سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151)
أخرج ابن جرير عن السدي قال : لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين نحو مكة ، انطلق أبو سفيان حتى بلغ بعض الطريق . ثم إنهم ندموا فقالوا : بئسما صنعتم إنكم قتلتموهم حتى لم يبق إلا الشريد ، تركتموهم . . . ؟ إرجعوا فاستأصلوا . فقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا فلقوا أعرابياً فجعلوا له جعلاً فقالوا له : إن لقيت محمداً فأخبرهم بما قد جمعنا لهم . فأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم ، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد . فأنزل الله في ذلك ، فذكر أبا سفيان حين أراد أن يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وما قذف في قلبه من الرعب فقال { سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب } الآية . (2/455)
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في هذه الآية قال « قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب فرجع إلى مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفاً ، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب » .
وأخرج مسلم عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « نصرت بالرعب على العدوّ » .
وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي امامة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فضلت على الأنبياء بأربع : أرسلت إلى الناس كافة ، وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجداً وطهوراً ، فأينما رجل أدركه من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره ، ونُصِرْتُ بالرعب مسيرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي ، وأحل لنا الغنائم » .
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)
أخرج البيهقي في الدلائل عن عروة قال : كان الله وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين وكان قد فعل ، فلما عصوا أمر الرسول وتركوا مصافهم ، وتركت الرماة عهد الرسول إليهم أن لا يبرحوا منازلهم وأرادوا الدنيا ، رفع عنهم مدد الملائكة ، وأنزل الله { ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه } فصدق الله وعده وأراهم الفتح ، فلما عصوا أعقبهم البلاء . (2/456)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ولقد صدقكم الله وعده . . . } الآية . قال « إن أبا سفيان أقبل في ثلاث ليال خلون من شوال حتى نزل أحداً ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن في الناس ، فاجتمعوا وأمر على الخيل الزبير بن العوّام ، ومعه يومئذ المقداد بن الأسود الكندي ، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء رجلاً من قريش يقال له مصعب بن عمير ، وخرج حمزة بن عبد المطلب بالجيش ، وبعث حمزة بين يديه ، وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين ومعه عكرمة بن أبي جهل ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير وقال : استقبل خالد بن الوليد فكن بإزائه حتى أوذنك ، وأمر بخيل أخرى فكانوا من جانب آخر فقال : لا تبرحوا حتى أوذنكم ، وأقبل أبو سفيان يحمل اللات والعزى ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الزبير أن يحمل ، فحمل خالد بن الوليد فهزمه ومن معه فقال { ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه } .
وأن الله وعد المؤمنين أن ينصرهم وأنه معهم ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعضاً من الناس فكانوا من ورائهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كونوا ههنا ، فَرُدّوا وجهه من نَدَّ مِنَّّا ، وكونوا حرساً لنا قبل ظهورنا . وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هزم القوم هو وأصحابه الذين كانوا ، جعلوا من ورائهم فقال بعضهم لبعض لما رأوا النساء مصعدات في الجبل ، ورأوا الغنائم : انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوا الغنيمة قبل أن تستبقوا إليها وقالت طائفة أخرى : بل نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنثبت مكاننا ، فذلك قوله { منكم من يريد الدنيا } للذين أرادوا الغنيمة { ومنكم من يريد الآخرة } للذين قالوا : نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونثبت مكاننا . فاتوا محمداً صلى الله عليه وسلم ، فكان فشلاً حين تنازعوا بينهم يقول { وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون } كانوا قد رأوا الفتح والغنيمة » .
وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه قال « ما نصر الله نبيه في موطن كما نصر يوم أحد فانكروا » .
فقال ابن عباس : بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله ، إن الله يقول في يوم أحد { ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه } يقول ابن عباس : « والحس » . القتل . (2/457)
{ حتى إذا فشلتم } إلى قوله { ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين } وإنما عنى هذا الرماة ، وذلك « أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع ثم قال : احموا ظهورنا ، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا ، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا . فلما غنم النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبا عسكر المشركين انكفأت الرماة جميعاً فدخلوا في العسكر ينتهيون ، والتفت صفوف المسلمين فهم هكذا وشبك بين يديه والتبسوا ، فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها دخل الخيل من ذلك الموضع على الصحابة ، فضرب بعضهم بعضاً والتبسوا ، وقتل من المسلمين ناس كثير وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة ، وجال المسلمون جولة نحو الجبل ولم يبلغوا حيث يقول الناس : الغاب . إنما كانوا تحت المهراس ، وصاح الشيطان قتل محمد فلم يشك فيه أنه حق .
فما زلنا كذلك ما نشك أنه قتل حتى طلع بين السعدين نعرفه بتكفؤه إذا مشى ، ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصبنا فَرَقِيَ نحونا وهو يقول : اشتد غضب الله على قوم دموا وجه نبيهم ، ويقول مرة أخرى . اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا حتى انتهى إلينا ، فمكث ساعة فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل : أعل هبل أعل هبل . أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر : ألا أجيبة يا رسول الله؟ قال : بلى . فلما قال : أعل هبل . قال عمر : الله أعلى وأجل . فعاد فقال : أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ فقال عمر : هذا رسول الله ، وهذا أبو بكر ، وها أنا عمر . فقال : يوم بيوم بدر ، الأيام دول والحرب سجال فقال عمر : لا سواء . . . قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار قال : إنكم لتزعمون ذلك ، لقد خبنا إذن وخسرنا . ثم أدركته حمية الجاهلية فقال : أما انه كان ذلك ولم نكرهه » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن المنذر عن ابن مسعود قال « إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين ، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبرَّ أنه ليس أحد منا يريد الدنيا حتى أنزل الله { منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة } فلما خالف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعصوا ما أمروا به ، أفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تسعة . سبعة من الأنصار ، ورجلين من قريش . وهو عاشر ، فلما رهقوه قال : رحم الله رجلاً ردهم عنا . فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل ، فلما رهقوه أيضاً قال : رحم الله رجلاً ردهم عنا ، فلم يزل يقول ذا حتى قتل السبعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه : ما أنصفنا أصحابنا .
فجاء أبو سفيان فقال : أعل هبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قولوا الله أعلى وأجل . فقالوا : الله أعلى وأجل . فقال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قولوا اللهم مولانا والكافرون لا مولى لهم . ثم قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر ، يوم لنا ويوم علينا ، ويوم نساء ويوم نسر ، حنظلة بحنظلة وفلان بفلان . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا سواء . أما قتلانا فأحياء يرزقون وقتلاكم في النار يعذبون . قال أبو سفيان : قد كان في القوم مثلة وإن كانت على غير توجيه منا ، ما أمرت ولا نهيت ، ولا أحببت ولا كرهت ، ولا ساءني ولا سرني . قال : فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه ، وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أكلت شيئاً؟ قالوا : لا . قال : ما كان الله ليدخل شيئاً من حمزة النار . فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة فصلى عليه ، وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه فرفع الأنصاري وترك حمزة ، ثم جيء بآخر فوضعه إلى جنب حمزة فصلى عليه ، ثم رفع وترك حمزة حتى صلى عليه يومئذ سبعون صلاة » .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن البراء بن عازب قال « جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد وكانوا خمسين رجلاً عبد الله بن جبير ووضعهم موضعاً وقال : ان رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تَبْرَحُوا حتى أرسل إليكم ، فهزموهم قال : فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسوقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن . فقال أصحاب عبد الله : الغنيمة أي قوم الغنيمة . . . ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ قال عبدالله بن جبير : أفنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالوا : إنا والله لَنَاْتِيَنَّ الناس فَلْنصِيبَنَّ من الغنيمة . فلما أتوهم صرفت وجوههم فاقبلوا منهزمين ، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم ، فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلاً . فأصابوا منا سبعين ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة . سبعين أسيراً ، وسبعين قتيلاً . (2/458)
قال أبو سفيان : أفي القوم محمد ثلاثاً؟ فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه ثم قال : أفي ابن أبي قحافة مرتين؟ أفي القوم ابن الخطاب مرتين؟ ثم أقبل على أصحابه فقال : أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم . فما ملك عمر نفسه أن قال : كذبت والله يا عدو الله ، إن الذين عددت أحياء كلهم ، وقد بقي لك ما يسوءك . قال : يوم بيوم بدر والحرب سجال ، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني . ثم أخذ يرتجز : أعل هبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا تجيبونه؟ قالوا : يا رسول الله ما نقول؟ قال قولوا : الله أعلى وأجل . قال : إن لنا العزى ولا عزى لكم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا تجيبونه؟ قالوا : يا رسول الله وما نقول؟ قال : قولوا الله مولانا ولا مولى لكم » .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن جابر قال « انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلاً من الأنصار ، وطلحة بن عبيد الله ، وهو يصعد في الجبل ، فلحقهم المشركون فقال : الا أحد لهؤلاء؟ فقال طلحة : أنا يا رسول الله فقال : كما أنت يا طلحة فقال رجل من الأنصار : فأنا يا رسول الله فقاتل عنه وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بقي معه ، ثم قتل الأنصاري فلحقوه فقال : ألا رجل لهؤلاء؟ فقال طلحة مثل قوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قوله ، فقال رجل من الأنصار : فأنا يا رسول الله وأصحابه يصعدون ، ثم قتل . فلحقوه فلم يزل يقول مثل قوله الأول ، ويقول طلحة أنا يا رسول الله فيحبسه ، فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال فيأذن له ، فيقاتل مثل من كان قبله حتى لم يبق معه إلا طلحة ، فغشوهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لهؤلاء؟ فقال طلحة : أنا . فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله وأصيبت أنامله فقال : حس . فقال . لو قلت بسم الله ، أو ذكرت اسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك في جوّ السماء ، ثم صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم مجتمعون » . (2/459)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عبد الرحمن بن عوف في قوله { إذ تحسُّونهم بإذنه } قال : « الحس » القتل .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس . مثله .
وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس { إذ تحسونهم } قال : تقتلونهم .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { إذ تحسُّونهم } قال : تقتلونهم قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول الشاعر :
ومنا الذي لاقى بسيف محمد ... فحس به الأعداء عرض العساكر
وأخرج الطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قول الله { إذ تحسونهم بإذنه } قال : تقتلونهم قال : وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم .
أما سعمت قول عتبة الليثي : (2/460)
نحسهم بالبيض حتى كأننا ... نفلق منهم بالجماجم حنظلا
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس { حتى إذا فشلتم } قال : الفشل الجبن .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع { حتى إذا فشلتم } يقول : جبنتم عن عدوكم { وتنازعتم في الأمر } يقول اختلفتم وعصيتم { من بعد ما أراكم ما تحبون } وذلك يوم أُحُد قال لهم : إنكم ستظهرون فلا أعرِفَنَّ ما أصبتم من غنائمهم شيئاً حتى تفرغوا . فتركوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم وعصوا ، ووقعوا في الغنائم ، ونسوا عهدَه الذي عهده إليهم ، وخافوا إلى غير ما أمرهم به فنصر عليهم عدوّهم من بعد ما أراهم فيهم ما يحبون .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن عبد الرحمن بن ابزى في قوله { حتى إذا فشلتم } قال : كان وضع خمسين رجلاً من أصحابه عليهم عبيد الله بن خوات ، فجعلهم بإزاء خالد بن الوليد على خيل المشركين ، فلما هزم رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس قال نصف أولئك : نذهب حتى نلحق بالناس ولا تفوتنا الغنائم ، وقال بعضهم : قد عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نريم حتى يحدث إلينا . فلما رأى خالد بن الوليد رقتهم حمل عليهم ، فقاتلوا خالداً حتى ماتوا ربضة ، فأنزل الله فيهم { ولقد صدقكم الله وعده } إلى قوله { وعصيتم } فجعل أولئك الذين انصرفوا عصاة .
وأخرج ابن المنذر عن البراء بن عازب { من بعد ما أراكم ما تحبون } الغنائم ، وهزيمة القوم .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد { من بعد ما أراكم ما تحبون } قال : نصر الله المؤمنين على المشركين حتى ركب نساء المشركين على كل صعب وذلول ، ثم أديل عليهم المشركون بعصيتهم للنبي صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : إن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم أحد طائفة من المسلمين فقال : كونوا مسلحة للناس بمنزلة أمرهم أن يثبتوا بها ، وأمرهم أن لا يبرحوا مكانهم حتى يأذن لهم . فلما لقي نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أبا سفيان ومن معه من المشركين ، هزمهم نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رأى المسلحة أن الله هزم المشركين انطلق بعضهم يتنادون الغنية الغنيمة . . . لا تفتكم ، وثبت بعضهم مكانهم وقالوا لا نريم موضعنا حتى يأذن لنا نبي الله صلى الله عليه وسلم . ففي ذلك نزل { منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة } فكان ابن مسعود يقول : ما شعرت أن أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أحد .
وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال : لما هزم الله المشركين يوم أحد قال الرماة : أدركوا الناس ونبي الله صلى الله عليه وسلم لا يسبقونا إلى الغنائم فتكون لهم دونكم .
وقال بعضهم : لا نريم حتى يأذن لنا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت { منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة } قال ابن جريج : قال ابن مسعود : ما علمنا أن أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يومئذ . (2/461)
وأخرج أحمد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والبيهقي بسند صحيح عن ابن مسعود قال : ما كنت أرى أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزلت فينا يوم أحد { منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة } .
وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله { ثم صرفكم عنهم } قال : صرف القوم عنهم ، فقتل من المسلمين بعدة من أسروا يوم بدر ، وقتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكسرت رباعيته ، وشج في وجهه فقالوا : أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدنا النصر؟ فأنزل الله { ولقد صدقكم الله وعده } إلى قوله { ولقد عفا عنكم } .
وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله { ولقد عفا عنكم } قال : يقول الله : قد عفوت عنكم إذ عصيتموني أن لا أكون استأصلتكم ، ثم يقول الحسن : هؤلاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي سبيل الله ، غضاب لله يقاتلون أعداء الله ، نهوا عن شيء فضيعوه ، فوالله ما تركوا حتى غموا بهذا الغم ، قتل منهم سبعون ، وقتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكسرت رباعيته ، وشج وجهه ، فأفسق الفاسقين اليوم يتجرأ على كل كبيرة ، ويركب كل داهية ، ويسحب عليها ثيابه ، ويزعم أن لا بأس عليه فسوف يعلم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله { ولقد عفا عنكم } قال : إذ لم يستأصلكم .
وأخرج البخاري عن عثمان بن موهب قال : « جاء رجل إلى ابن عمر فقال : إني سائلك عن شيء فحدثني أنشدك بحرمة هذا البيت . أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد؟ قال : نعم . قال : فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال : نعم . قال : فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال : نعم . فكبر فقال ابن عمر : تعال لأخبرك ، ولأبين لك عما سألتني عنه . أما فراره يوم أحد فاشهد أن الله عفا عنه . وأما تغيبه عن بدر فإنه تحته بنت النبي صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم » إن لك أجر رجل وسهمه « . وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه ، فبعث عثمان فكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى ، فضرب بها على يده فقال » هذه يد عثمان اذهب بها الآن معك « » .
إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153)
أخرج ابن جريرعن الحسن البصري أنه قرأ { تصعدون } بفتح التاء والعين . (2/462)
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { تصعدون } برفع التاء وكسر العين .
وأخرج ابن جرير عن هرون قال : في قراءة أبي بن كعب « إذ تصعدون في الوادي » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس { إذ تصعدون } قال : صعدوا في أحد فراراً يدعوهم في اخراهم « إليّ عباد الله ارجعوا ، إليّ عباد الله ارجعوا » .
وأخرج ابن المنذر عن عطية العوفي قال : لما كان يوم أحد وانهزم الناس ، صعدوا في الجبل والرسول يدعوهم في أخراهم فقال الله { إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل أنه عن قوله { إذ تصعدون . . . } الآية . قال : فروا منهزمين في شعب شديد لا يلوون على أحد ، والرسول يدعوهم في أخراهم « إليّ عباد الله ، إليّ عباد الله . ولا يلوي عليه أحد » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { إذ تصعدون } الآية . قال : ذاكم يوم أحد صعدوا في الوادي فراراً ونبي الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم في أخراهم « إليّ عباد الله ، إليّ عباد الله » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس { إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم } فرجعوا وقالوا : والله لنأتينهم ثم لنقتلنهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « مهلاً فإنما أصابكم الذي أصابكم من أجل أنكم عصيتموني » فبينما هم كذلك إذ أتاهم القوم وقد أيسوا ، وقد اخترطوا سيوفهم { فأثابكم غماً بغمٍّ } فكان غمُّ الهزيمة ، وغمُّهم حين أتوهم { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } من الغنيمة { وما أصابكم } من القتل والجراحة .
وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف { فأثابكم غماً بغم } قال : الغم الأول بسبب الهزيمة ، والثاني حين قيل قتل محمد . وكان ذلك عندهم أعظم من الهزيمة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { فأثابكم غماً بغم } قال : فرة بعد الفرة الأولى حين سمعوا الصوت أن محمداً قد قتل ، فرجع الكفار فضربوهم مدبرين حتى قتلوا منهم سبعين رجلاً ، ثم انحازوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعلوا يصعدون في الجبل والرسول يدعوهم في أخراهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة { فأثابكم غماً بغم } قال : الغم الأوّل الجراح والقتل ، والغم الآخر حين سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل . فأنساهم الغم الآخر ما أصابهم من الجراح والقتل ، وما كانوا يرجون من الغنيمة .
وذلك قوله { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم } . (2/463)
وأخرج ابن جرير عن الربيع . مثله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : « انطلق النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة ، فلما رأوه وضع رجل سهماً في قوسه فأراد أن يرميه فقال : أنا رسول الله . ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حياً ، وفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أن في أصحابه من يمتنع . فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذهب عنهم الحزن ، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه ، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا ، فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم ، فلما نظروا إليه نسوا ذلك الذي كانوا عليه ، وهمهم أبو سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم » ليس لهم أن يعلونا ، اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد . ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم « فذلك قوله { فأثابكم غماً بغم } الغم الأوّل ما فاتهم من الغنيمة والفتح ، والغم الثاني اشراف العدوّ عليهم { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } من الغنيمة { ولا ما أصابكم } من القتل حين تذكرون فشغلهم أبو سفيان .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال : أصاب الناس حزن وغم على ما أصابهم في أصحابهم الذين قتلوا ، فلما تولجوا في الشعب وقف أبو سفيان وأصحابه بباب الشعب ، فظن المؤمنون أنهم سوف يميلون عليه فيقتلونهم أيضاً ، فأصابهم حزن من ذلك أنساهم حزنهم في أصحابهم . فذلك قوله سبحانه { فأثابكم غماً بغم } .
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154)
أخرج ابن جرير عن السدي . « أن المشركين انصرفوا يوم أحد بعد الذي كان من أمرهم وأمر المسلمين ، فواعدوا النبي صلى الله عليه وسلم بدراً من قابل فقال لهم : نعم . فتخوّف المسلمون أن ينزلوا المدينة ، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً فقال : انظر فإن رأيتهم قد قعدوا على أثقالهم ، وجنبوا خيولهم ، فإن القوم ذاهبون . وإن رأيتهم قد قعدوا على خيولهم ، وجنبوا على أثقالهم ، فإن القوم ينزلون المدينة . فاتقوا الله واصبروا ، ووطنهم على القتال . فلما أبصرهم الرسول قعدوا على الأثقال سراعاً عجالاً نادى بأعلى صوته بذهابهم ، فلما رأى المؤمنون ذلك صدقوا نبي الله صلى الله عليه وسلم فناموا ، وبقي الناس من المنافقين يظنون أن القوم يأتونهم فقال الله يذكر حين أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم } » . (2/464)
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : أمنهم الله يومئذ بنعاس غشاهم ، وإنما ينعس من يأمن .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الدلائل عن المسور بن مخرمة قال : سألت عبد الرحمن بن عوف عن قول الله { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً } قال : ألقي علينا النوم يوم أحد .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن أنس أن أبا طلحة قال : غشينا ونحن في مصافنا يوم أحد ، حدث أنه كان ممن غشيه النعاس يومئذ ، قال : فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ، وسقط وآخذه . فذلك قوله { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً يغشى طائفة منكم } والطائفة الأخرى؛ المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم ، أجبن قوم وأرعبه وأخذ له للحق يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية كذبهم إنما هم أهل شك وريبة في الله .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وصححه والحاكم وصححه وابن مردويه وابن جرير والطبراني وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن الزبير بن العوّام قال : رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر وما منهم أحد إلا وهو مميد تحت حجفته من النعاس . فذلك قوله ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً وتلا هذه الآية ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً .
وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير وأبو الشيخ والبيهقي في الدلائل عن الزبير بن العوّام قال : رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر وما منهم أحد إلا وهو مميد تحت حجفته من النعاس .
وتلا هذه الآية { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً . . . } الآية . (2/465)
وأخرج ابن اسحق وابن راهويه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن الزبير قال : لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف علينا ، أرسل الله علينا النوم فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره ، فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم { لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا } فحفظتها منه ، وفي ذلك أنزل الله { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً } إلى قوله { ما قتلنا ههنا } لقول معتب بن قشير .
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم أنه قرأ في آل عمران { أمنة نعاساً تغشى } بالتاء .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود قال « النعاس » عند القتال أمنة من الله ، والنعاس في الصلاة من الشيطان .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال : إن المنافقين قالوا لعبدالله بن أبي وكان سيد المنافقين في أنفسهم قتل اليوم بنو الخزرج . فقال : وهل لنا من الأمر شيء؟ أما والله { لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل } [ المنافقون : 8 ] وقال { لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل } .
وأخرج ابن جرير عن قتادة والربيع في قوله { ظن الجاهلية } قالا : ظن أهل الشرك .
وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال معتب : الذي قال يوم أحد { لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا } فأنزل الله في ذلك من قولهم { وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله } إلى آخر القصة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله { يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك } كان مما أخفوا في أنفسهم أن قالوا { لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن هذه الآية فقال : لما قتل من قتل من أصحاب محمد أتوا عبدالله بن أبي فقالوا له : ما ترى؟ فقال : إنا والله ما نؤامر { لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا } .
وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه سئل عن قوله { قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم } قال : كتب الله على المؤمنين أن يقاتلوا في سبيله ، وليس كل من يقاتل يقتل ، ولكن يقتل من كتب الله عليه القتل .
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)
أخرج ابن جرير عن كليب قال : خطب عمر يوم الجمعة فقرأ آل عمران ، وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها فلما انتهى إلى قوله { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان } قال : لما كان يوم أحد هزمنا ، ففررت حتى صعدت الجبل ، فلقد رأيتني أنزو كأنني أروى ، والناس يقولون : قتل محمد فقلت : لا أجد أحداً يقول قتل محمد إلا قتلته ، حتى اجتمعنا على الجبل . فنزلت { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان . . . } الآية . كلها . (2/466)
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن عوف { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان } قال : هم ثلاثة . واحد من المهاجرين ، واثنان من الأنصار .
وأخرج ابن منده في معرفة الصحابة عن ابن عباس في قوله { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان . . . } الآية . قال : نزلت في عثمان ، ورافع بن العلى ، وحارثة بن زيد .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان } قال : نزلت في رافع بن المعلى وغيره من الأنصار ، وأبي حذيفة بن عتبة ، ورجل آخر .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان } قال : عثمان ، والوليد بن عقبة ، وخارجة بن زيد ، ورفاعة بن معلى .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال : كان الذين ولوا الدبر يومئذ : عثمان بن عفان ، وسعد بن عثمان ، وعقبة بن عثمان ، أخوان من الأنصار من بني زريق .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن اسحق { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان } فلان ، وسعد بن عثمان ، وعقبة بن عثمان الأنصاريان ، ثم الزرقيان . وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى بعضهم إلى المنفى دون الأغوص ، وفر عقبة بن عثمان ، وسعد بن عثمان ، حتى بلغوا الجعلب جبل بناحية المدينة مما يلي الأغوص فأقاموا به ثلاثاً ، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « لقد ذهبتم فيها عريضة » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جريرعن قتادة { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان } ذلك يوم أحد ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تولوا عن القتال وعن نبي الله يومئذ ، وكان ذلك من أمر الشيطان وتخويفه ، فأنزل الله ما تسمعون أنه قد تجاوز لهم عن ذلك وعفا عنهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { إن الذين تولوا منكم } يعني انصرفوا عن القتال منهزمين { يوم التقى الجمعان } يوم أحد حين التقى الجمعان؛ جمع المسلمين ، وجمع المشركين ، فانهزم المسلمون عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وبقي في ثمانية عشر رجلاً { إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا } يعني حين تركوا المركز وعصوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال للرماة يوم أحد « لا تبرحوا مكانكم فترك بعضهم المركز » { ولقد عفا الله عنهم } حين لم يعاقبهم فيستأصلهم جميعاً { إن الله غفور حليم } فلم يجعل لمن انهزم يوم أحد بعد قتال بدر النار كما جعل يوم بدر .
هذه رخصة بعد التشديد . (2/467)
وأخرج أحمد وابن المنذر عن شقيق قال : لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد : ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين عثمان؟ فقال له عبد الرحمن : أخبره أني لم أفر يوم عينين يقول يوم أحد ، ولم أتخلف عن بدر ، ولم أترك سنة عمر ، فانطلق فخبر بذلك عثمان فقال : أما قوله أني لم أفر يوم عينين فكيف يعيرني بذلك وقد عفا الله عني؟ فقال { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم } . وأما قوله : إني تخلفت يوم بدر فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ماتت ، وقد ضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم . ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم فقد شهد . وأما قوله : إني لم أترك سنة عمر فإني لا أطيقها ولا هو ، فأتاه فحدثه بذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن رجاء بن أبي سلمة قال : الحلم أرفع من العقل لأن الله عز وجل تسمى به .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض . . . } الآية . قال : هذا قول عبدالله بن أبي بن سلول والمنافقين . (2/468)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم . . . } الآية . قال : هؤلاء المنافقون أصحاب عبد الله بن أبي { إذا ضربوا في الأرض } وهي التجارة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا } قال : هذا قول الكفار إذا مات الرجل يقولون : لو كان عندنا ما مات فلا تقولوا كما قال الكفار .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم } قال : يحزنهم قولهم لا ينفعهم شيئاً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن اسحق { ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم } لقلة اليقين بربهم { والله يحيي ويميت } أي يُعَجِّلُ ما يشاء ويؤخر ما يشاء من آجالهم بقدرته { ولئن قتلتم في سبيل الله . . . } الآية . أي الموت كائن لا بد منه ، فموت في سبيل الله أو قتل { خير } لو علموا واتقوا { مما يجمعون } من الدنيا التي لها يتأخرون عن الجهاد تخوف الموت والقتل لما جمعوا من زهيد الدنيا زهادة في الآخرة { ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون } أي ذلك كائن إذ إلى الله المرجع فلا تَغُرَنَّكم الحياة الدنيا ولا تغتروا بها ، وليكن الجهاد وما رغبكم الله فيه منه آثر عندكم منها .
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه قرأ { متم } و ( إذا متنا ) . كل شيء في القرآن بكسر الميم .
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { فبما رحمة من الله } يقول : فبرحمة من الله { لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك } أي والله طهره من الفظاظة والغلظة ، وجعله قريباً رحيماً رؤوفاً بالمؤمنين . وذكر لنا أن نعت محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا صخوب في الأسواق ، ولا يجزئ بالسيئة مثلها ، ولكن يعفو ويصفح . (2/469)
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن . أنه سئل عن هذه الآية فقال : هذا خلق محمد صلى الله عليه وسلم نعته الله .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله { لانفضوا من حولك } قال : لانصرفوا عنك .
وأخرج الحكيم الترمذي وابن عد بسند فيه متروك عن عائشة قالت : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن الحسن في قوله { وشاورهم في الأمر } قال : قد علم الله أنه ما به إليهم من حاجة ، ولكن أراد أن يستن به من بعده .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وشاورهم في الأمر } قال : أمر الله نبيه أن يشاور أصحابه في الأمور ، وهو يأتيه وحي السماء لأنه أطيب لأنفس القوم ، وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضاً وأرادوا بذلك وجه الله عزم لهم على رشده .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك قال : ما أمر الله نبيه بالمشاورة إلا لما علم ما فيها من الفضل والبركة . قال سفيان : وبلغني أنها نصف العقل . وكان عمر بن الخطاب يشاور حتى المرأة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال : ما شاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم .
وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب بسند حسن عن ابن عباس قال « لما نزلت { وشاورهم في الأمر } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما ان الله ورسوله لغنيان عنها ، ولكن جعلها الله رحمة لأمتي ، فمن استشار منهم لم يعدم رشداً ، ومن تركها لم يعدم غياً » .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما خاب من استخار ، ولا ندم من استشار » .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس { وشاورهم في الأمر } قال : أبو بكر وعمر .
وأخرج من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في أبي بكر وعمر .
وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن غنم « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر : لو اجتمعتا في مشورة ما خالفتكما » . (2/470)
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال : ما رأيت أحداً من الناس أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخرج الطبراني بسند جيد عن ابن عمرو قال : كتب أبو بكر الصديق إلى عمرو : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشاور في الحرب فعليك به .
وأخرج الحاكم عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو كنت مستخلفاً أحداً عن غير مشورة لاستخلف ابن أم عبد » .
وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في الأدب وابن المنذر بسند حسن عن ابن عباس أنه قرأ « وشاورهم في بعض الأمر » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { فإذا عزمت فتوكل على الله } قال : أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ، ويستقيم على أمر الله ، ويتوكل على الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن زيد وأبي نهيك أنهما قرآ « فإذا عزمت يا محمد على أمر فتوكل على الله » .
وأخرج ابن مردويه عن علي قال « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزم فقال : مشاورة أهل الرأي ، ثم أتباعهم » .
وأخرج الحاكم عن الحباب بن المنذر قال « أشرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر بخصلتين فقبلهما مني . خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعسكر خلف الماء ، فقلت يا رسول الله أبوحي فعلت أو برأي؟ قال : برأي يا حباب . قلت : فإن الرأي أن تجعل الماء خلفك ، فإن لجأت لجأت إليه ، فقبل ذلك مني . قال : ونزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أي الأمرين أحب إليك تكون في دنياك مع أصحابك أو ترد على ربك فيما وعدك من جنات النعيم؟ فاستشار أصحابه فقالوا : يا رسول الله تكون معنا أحب إلينا ، وتخبرنا بعورات عدونا ، وتدعو الله لينصرنا عليهم وتخبرنا من خبر السماء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما لك لا تتكلم يا حباب! فقلت : يا رسول الله اختر حيث اختار لك ربك . فقبل ذلك مني » قال الذهبي : حديث منكر .
وأخرج ابن سعد عن ابن عباس . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل منزلاً يوم بدر فقال الحباب بن المنذر : ليس هذا بمنزل ، انطلق بنا إلى أدنى ماء إلى القوم ، ثم نبني عليه حوضاً ونقذف فيه الآنية فنشرب ونقاتل ونغور ما سواها من القلب . فنزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : الرأي ما أشار به الحباب بن المنذر .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يا حباب أشرت بالرأي » فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل ذلك . (2/471)
وأخرج ابن سعد بن يحيى بن سعيد . أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار الناس يوم بدر ، فقام الحباب بن المنذر فقال : نحن أهل الحرب ، أرى أن تغور المياه إلا ماء واحداً نلقاهم عليه . قال : واستشارهم يوم قريظة والنضير ، فقام الحباب بن المنذر فقال : أرى أن ننزل بين القصور فنقطع خبر هؤلاء عن هؤلاء ، وخبر هؤلاء عن هؤلاء ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله .
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن اسحق في الآية قال : أي أن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس ، لن يضرك خذلان من خذلك ، وإن يخذلك فلن يضرك الناس { فمن ذا الذي ينصركم من بعده } أي لا تترك أمري للناس ، وارفض الناس لأمري { وعلى الله } لا على الناس { فليتوكل المؤمنون } . (2/472)
وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163)
وأخرج أبو داود وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق مقسم عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية { وما كان لنبي أن يغل } في قطيفة حمراء افتقدت يوم بدر فقال بعض الناس : لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها . فأنزل الله { وما كان لنبي أن يغل } . (2/473)
وأخرج ابن جرير عن الأعمش قال : كان ابن مسعود يقرأ { ما كان لنبي أن يغل } فقال ابن عباس : بلى . ويقتل ، إنما كانت في قطيفة قالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم غلها يوم بدر . فأنزل الله { وما كان لنبي أن يغل } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير قال : نزلت هذه الآية { وما كان لنبي أن يغل } في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من الغنيمة .
وأخرج الطبراني بسند جيد عن ابن عباس قال « بعث النبي صلى الله عليه وسلم جيشاً فردت رايته ، ثم بعث فردت بغلول رأس غزالة من ذهب . فنزلت { وما كان لنبي أن يغل } » .
وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس { وما كان لنبي أن يغل } قال : ما كان لنبي أن يتهمه أصحابه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن عباس قال : فقدت قطيفة حمراء يوم بدر مما أصيب من المشركين فقال بعض الناس : لعل النبي صلى الله عليه وسلم أخذها . فأنزل الله { وما كان لنبي أن يغل } قال : خصيف فقلت لسعيد بن جبير { ما كان لنبي أن يغل } يقول : ليخان قال : بل يغل ، فقد كان النبي والله يغل ويقتل أيضاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ { وما كان لنبي أن يغل } بنصب الياء ورفع الغين .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي الرحمن السلمي وأبي رجاء ومجاهد وعكرمة . مثله .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ { وما كان لنبي أن يغل } بفتح الياء
وأخرج ابن منيع في مسنده عن أبي عبد الرحمن قال : قلت لابن عباس إن ابن مسعود يقرأ { وما كان لنبي أن يغل } يعني بفتح الغين فقال لي : قد كان له أن يغل وأن يقتل ، إنما هي { أن يغل } يعني بضم الغين . ما كان الله ليجعل نبياً غالاً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { وما كان لنبي أن يغل } قال : أن يقسم لطائفة من المسلمين ويترك طائفة ويجور في القسمة ، ولكن يقسم بالعدل ، ويأخذ فيه بأمر الله ، ويحكم فيه بما أنزل الله يقول : ما كان الله ليجعل نبياً يغل من أصحابه فإذا فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم استسنوا به .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير من طريق سلمة بن نبيط عن الضحاك قال « بعث النبي صلى الله عليه وسلم طلائع ، فغنم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقسم بين الناس ولم يقسم للطلائع شيئاً ، فلما قدمت الطلائع قالوا : قسم الفيء ولم يقسم لنا؟ فأنزل الله { وما كان لنبي أن يغل } » . (2/474)
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس { وما كان لنبي أن يغل } قال : أن يقسم لطائفة ولا يقسم لطائفة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد { وما كان لنبي أن يغل } قال أن يخون .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن أنه قرأ { وما كان لنبي أن يغل } بنصب الغين قال : أن يخان .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة والربيع { وما كان لنبي أن يغل } يقول : ما كان لنبي أن يغله أصحابه الذين معه . وذكر لنا أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ، وقد غل طوائف من أصحابه .
وأخرج الطبراني والخطيب في تاريخه عن مجاهد قال : كان ابن عباس ينكر على من يقرأ { وما كان لنبي أن يغل } ويقول : كيف لا يكون له أن يغل وقد كان له أن يقتل؟ قال الله { ويقتلون الأنبياء بغير حق } [ البقرة : 61 ] ولكن المنافقين اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من الغنيمة ، فأنزل الله { وما كان لنبي أن يغل } .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن زيد بن خالد الجهني . « أن رجلاً توفي يوم حنين فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : صلوا عليه . فتغيرت وجوه الناس لذلك فقال : إن صاحبكم غل في سبيل الله ، ففتشنا متاعه فوجدنا خرزاً من خرز اليهود لا يساوي درهمين » .
وأخرج الحاكم وصححه عن عبدالله بن عمر قال « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصاب غنيمة أمر بلالاً فنادى في النار ، فيجيئون بغنائمهم ، فيخمسه ويقسمه ، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال : يا رسول الله هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة فقال : أسمعت بلالاً ثلاثاً؟ قال : نعم . قال : فما منعك أن تجيء به؟ قال : يا رسول الله أعتذر . قال : كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله عنك » .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن صالح بن محمد بن زائدة قال : دخل مسلمة أرض الروم ، فأتي برجل قد غل فسأل سالماً عنه فقال : سمعت أبي يحدث عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه ، واضربوه . قال فوجدنا في متاعه مصحفاً ، فسئل سالم عنه فقال : بعه وتصدق بثمنه » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبدالله بن شقيق قال « أخبرني من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى وجاءه رجل فقال : استشهد مولاك فلان . قال : بل هو الآن يُجَرُّ إلى النار في عباءة غلَّ بها الله ورسوله » . (2/475)
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال « كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة فمات ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو في النار . فذهبوا ينظرون فوجدوا عليه عباءة قد غلها » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك قال « قيل يا رسول الله استشهد مولاك فلان قال : كلا . إني رأيت عليه عباءه قد غلها » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال « أهدى رفاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاماً فخرج به معه إلى خيبر ، فنزل بين العصر والمغرب ، فأتى الغلام سهم غائر فقتله . فقلنا هنيئاً لك الجنة فقال : والذي نفسي بيده إن شملته لُتحْرَقَ عليه الآن في النار ، غلها من المسلمين . فقال رجل من الأنصار : يا رسول الله أصبت يومئذ شراكين فقال : يقدمنك مثلها من نار جهنم » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن سالم قال : كان أصحابنا يقولون : عقوبة صاحب الغلول ، أن يحرق فسطاطه ومتاعه .
وأخرج الطبراني عن كثير بن عبدالله عن أبيه عن جده . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « لا إسلال ولا غلول { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } »
وأخرج الترمذي وحسنه عن معاذ بن جبل قال « بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ، فلما سرت أرسل في أثري فرددت فقال : أتدري لمَ بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئاً بغير إذني فإنه غلول { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } لهذا دعوتك ، فامضِ لذلك » .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال « ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غنم مغنماً بعث مناديه يقول : ألا لا يغلن رجل مخيطاً فما فوقه ، ألا لا أعرفن رجلاً يغل بعيراً يأتي به يوم القيامة حامله على عنقه له رغاء ، ألا لا أعرفن رجلاً يغل فرساً يأتي به يوم القيامة حامله على عنقه له حمحمة ، ألا لا أعرفن رجلاً يغل شاة يأتي بها يوم القيامة حاملها على عنقه لها ثغاء يتتبع من ذلك ما شاء الله أن يتتبع . ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : اجتنبوا الغلول فإنه عار ، وشنار ، ونار » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن جرير والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال
« قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً ، فذكر الغلول ، فعظمه وعظم أمره ثم قال : ألا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول : يا رسول الله أغثني فأقول : لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك ، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة فيقول : يا رسول الله أغثني فأقول : لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك ، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول : يا رسول الله أغثني فأقول : لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك . لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول : يا رسول الله أغثني فأقول : لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك » . (2/476)
وأخرج هناد وابن أبي حاتم عن أبي هريرة . أن رجلاً قال له : أرأيت قول الله { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } هذا يغل ألف درهم وألفي درهم يأتي بها ، أرأيت من يغل مائة بعير ومائتي بعير كيف يصنع بها؟ قال : أرأيت من كان ضرسه مثل أحد ، وفخذه مثل ورقان ، وساقه مثل بيضاء ، ومجلسه ما بين الربذة إلى المدينة . ألا يحمل مثل هذا .
وأخر ج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن بريدة قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الحجر ليزن سبع خلفات ليلقى في جهنم فيهوى فيها سبعين خريفاً ، ويؤتى بالغلول فيلقى معه ثم يكلف صاحبه أن يأتي به وهو قول الله { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود عن عدي بن عميرة الكندي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يا أيها الناس من عمل منكم لنا في عمل فكتمنا منه مخيطاً فما فوقه فهو غل وفي لفظ فإنه غلول يأتي به يوم القيامة » .
وأخرج ابن جرير عن عبدالله بن أنيس . أنه تذاكر هو وعمر يوماً الصدقة فقال : ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر غلول الصدقة ، من غل منها بعيراً أو شاة فإنه يحمله يوم القيامة؟ قال عبدالله بن أنيس : بلى .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } يعني يأت بما غل يوم القيامة يحمله على عنقه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمرو قال : لو كنت مستحلاً من الغلول القليل لاستحللت منه الكثير ، ما من أحد يغل غلولاً إلا كلف أن يأتي به من أسفل درك جهنم .
وأخرج أحمد وابن أبي داود في المصاحف عن خمير بن مالك قال : لما أمر بالمصاحف أن تغير فقال ابن معسود : من استطاع منكم أن يغل مصحفه فليغله فإنه ، من غل شيئاً جاء به يوم القيامة ، ونعم الغل المصحف يأتي به أحدكم يوم القيامة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { أفمن اتبع رضوان الله } يعني رضا الله فلم يغلل في الغنيمة { كمن باء بسخط من الله } يعني كمن استوجب سخطاً من الله في الغلول فليس هو بسواء ، ثم بين مستقرهما فقال للذي يغل { مأواه جهنم وبئس المصير } يعني مصير أهل الغلول ، ثم ذكر مستقر من لا يغل فقال { هم درجات } يعني فضائل { عند الله والله بصير بما يعملون } يعني بصير بمن غل منكم ومن لم يغل . (2/477)
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { أفمن اتبع رضوان الله } قال : من لم يغل { كمن باء بسخط من الله } كمن غل .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج { أفمن اتبع رضوان الله } قال : أمر الله في أداء الخمس { كمن باء بسخط من الله } فاستوجب سخطاً من الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد { أفمن اتبع رضوان الله } قال : من أدى الخمس .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { أفمن اتبع رضوان الله } يقول : من أخذ الحلال خير له ممن أخذ الخرام وهذا في الغلول ، وفي المظالم كلها .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس { هم درجات عند الله } يقول : بأعمالهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { هم درجات عند الله } قال : هي كقوله { لهم درجات عند الله } [ الأنفال : 4 ] .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { هم درجات } يقول : لهم درجات .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن قوله { هم درجات } قال : للناس درجات بأعمالهم في الخير والشر .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك { هم درجات عند الله } قال : أهل الجنة بعضهم فوق بعض ، فيرى الذين فاق فضله على الذي أسفل منه ، ولا يرى الذي أسفل منه أنه فضل عليه أحد .
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة في هذه الآية { لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم } قالت : هذه للعرب خاصة . (2/478)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : منّ من الله عظيم من غير دعوة ولا رغبة من هذه الأمة جعله الله رحمة لهم ، يخرجهم من الظلمات إلى النور ، ويهديهم إلى صراط مستقيم ، بعثه الله إلى يوم لا يعلمون فعلمهم ، وإلى قوم لا أدب لهم فأدبهم .
أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { أو لما أصابتكم مصيبة . . . } الآية . يقول : إنكم قد أصبتم من المشركين يوم بدر مثلي ما أصابوا منكم يوم أحد . (2/479)
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال : قتل المسلمون من المشركين يوم بدر سبعين واسروا سبعين ، وقتل المشركون يوم أحد من المسلمين سبعين . فذلك قوله { أصبتم مثليها قلتم أنى هذا } ونحن مسلمون نقاتل غضباً لله ، وهؤلاء مشركون { قل هو من عند أنفسكم } عقوبة لكم بمعصيتكم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال ما قال .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : لما رأوا من قتل منهم يوم أحد قالوا : من أين هذا ما كان للكفار أن يقتلوا منا؟ فلما رأى الله ما قالوا من ذلك قال الله : هم بالأسرى الذين أخذتم يوم بدر ، فردهم الله بذلك ، وعجل لهم عقوبة ذلك في الدنيا ليسلموا منها في الآخرة .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه وابن جرير وابن مردويه عن علي قال « جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى ، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين : إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم ، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ، فذكر ذلك لهم فقالوا : يا رسول الله عشائرنا واخواننا نأخذ فداءهم فنقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا بعدتهم ، فليس في ذلك ما نكره . فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلاً عدة أسارى أهل بدر » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن وابن جريج { قل هو من عند أنفسكم } عقوبة لكم بمعصيتكم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال : لا تتبعوهم يوم أحد فاتبعوهم .
وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس { قلتم أنى هذا } ونحن مسلمون نقاتل غضباً لله ، وهؤلاء مشركون . فقال { قل هو من عند أنفسكم } عقوبة بمعصيتكم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال : لا تتبعوهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها } قال : أصيبوا يوم أحد قتل منهم سبعون يومئذ ، وأصابوا مثليها يوم بدر قتلوا من المشركين سبعين وأسروا سبعين { قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم } « ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم أحد حين قدم أبو سفيان والمشركون : إنا في جنة حصينة يعني بذلك المدينة فدعوا القوم يدخلوا علينا نقاتلهم فقال له أناس من الأنصار : إنا نكره أن نقتل في طرق المدينة ، وقد كنا نمنع من الغزو في الجاهلية فبالإسلام أحق أن يمتنع منه ، فأبرز بنا إلى القوم . فانطلق فلبس لأمته فتلاوم القوم فقالوا : عرض نبي الله صلى الله عليه وسلم بأمر وعرضتم بغيره ، اذهب يا حمزة فقل له امرنا لأمرك تبع . فأتى حمزة فقال له . فقال : إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يناجز ، وإنه ستكون فيكم مصيبة . قالوا : يا نبي الله خاصة أو عامة؟ قال : سترونها » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن إسحق في قوله { وليعلم المؤمنين ، وليعلم الذين نافقوا } فقال : ليميز بين المؤمنين والمنافقين { وقيل لهم تعالوا قاتلوا } يعني عبد الله بن أبي وأصحابه . (2/480)
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله { أو ادفعوا } قال : كثروا بأنفسكم وإن لم تقاتلوا .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي حازم قال : سمعت سهل بن سعيد يقول : لو بعت داري فلحقت بثغر من ثغور المسلمين ، فكنت بين المسلمين وبين عدوّهم . فقلت : كيف وقد ذهب بصرك؟ قال : ألم تسمع إلى قوله الله { تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا } أسوّد مع الناس ففعل .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله { أو ادفعوا } قال : كونوا سواداً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عون الأنصاري في قوله { أو ادفعوا } قال : رابطوا .
وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر عن ابن شهاب وغيره قال « خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد في ألف رجل من أصحابه ، حتى إذا كانوا بالشرط بين أحد والمدينة انخذل عنهم عبد الله بن أُبَيَّ بثلث الناس ، وقال : أطاعهم وعصاني والله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا ، فرجع بمن اتبعه من أهل النفاق وأهل الريب ، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام من بني سلمة يقول : يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضرهم عدوهم . قالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ، ولكن لا نرى أن يكون قتال » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { لو نعلم قتالاً لاتبعناكم } قال : لو نعلم انا واجدون معكم مكان قتال لاتبعناكم .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قالوا { لو نعلم قتالاً لأتَّبعناكم } قال : نزلت في عبد الله بن أبي .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد في ألف رجل وقد وعدهم الفتح إن صبروا ، فلما خرجوا رجع عبد الله بن أبي في ثلاثمائة ، فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم ، فلما غلبوه وقالوا له : ما نعلم قتالاً ولئن أطعتنا لترجعن معنا . فذكر الله . فهو قولهم : ولئن أطعتنا لترجعن { الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا .
. . } الاية . (2/481)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { الذين قالوا لإخوانهم . . . } الآية . قال : ذكر لنا أنها نزلت في عدوّ الله عبد الله بن أبي .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع { الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا } قال : نزلت في عدوّ الله عبد الله بن أبي .
وأخرج ابن جرير عن جابر بن عبد الله في قوله { الذين قالوا لإخوانهم } قال : هو عبد الله بن أبي .
وأخرج عن السدي في الآية قال : هم عبد الله بن أبي وأصحابه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج في الآية قال : هو عبد الله بن أبي الذين قعدوا وقالوا لإخوانهم الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن إسحق { قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت } أي أنه لا بد من الموت ، فإن استطعتم أن تدفعوه عن أنفسكم فافعلوا ، وذلك أنهم إنما نافقوا وتركوا الجهاد في سبيل الله حرصاً على البقاء في الدنيا وفراراً من الموت .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال : إن الله أنزل على نبيه في القدرية { الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : هم الكفار يقولون لاخوانهم لو كانوا عندنا ما قتلوا ، يحسبون أن حضورهم للقتال هو يقدمهم إلى الأجل .
وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)
أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون } . (2/482)
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي الضحى في قوله { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً } قال : نزلت في قتلى أحد ، استشهد منهم سبعون رجلاً : أربعة من المهاجرين : حمزة بن عبد المطلب من بني هاشم ، ومصعب بن عمير من بني عبد الدار ، وعثمان بن شماس من بني مخزوم ، وعبد الله بن جحش من بني أسد . وسائرهم من الأنصار .
وأخرج أحمد وهناد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش . فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ، وحسن مقبلهم . قالوا : يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا » - وفي لفظ - « قالوا : إنا أحياء في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله : أنا أبلغهم عنكم . فأنزل الله هؤلاء الآيات { ولا تحسبن الذين قتلوا . . . } الآية . وما بعدها » .
وأخرج الترمذي وحسنه وابن ماجة وابن أبي عاصم في السنة وابن خزيمة والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبد الله قال « لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا جابر ما لي أراك منكسراً؟ قلت : يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالاً وديناً فقال : ألا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قال : بلى . قال : ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب ، وأحيا أباك فكلمه كفاحاً وقال : يا عبدي تمن عليّ أعطك قال : يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية قال الرب تعالى : قد سبق مني أنهم لا يرجعون . قال : أي رب فأبلغ من ورائي . فأنزل الله هذه الآية { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً . . . } الآية » .
وأخرج الحاكم عن عائشة قالت « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر : ألا أبشرك . قال : بلى . قال : شعرت أن الله أحيا أباك فأقعده بين يديه فقال : تمنَّ عليَّ ما شئت أعطيكه قال : يا رب ما عبدتك حق عبادتك ، أتمنى أن تردني إلى الدنيا فأقتل مع نبيك مرة أخرى . قال : سبق مني أنك إليها لا ترجع » .
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال : ذكر لنا أن رجالاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : يا ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين قتلوا يوم أحد ، فأنزل الله { ولا تحسبن الذين قتلوا .
. . } الآية . (2/483)
وأخرج ابن جرير عن الربيع قال : ذكر لنا عن بعضهم في قوله { ولا تحسبن الذين قتلوا . . . } الآية . قال : هم قتلى بدر وأحد ، زعموا أن الله تعالى لما قبض أرواحهم وأدخلهم الجنة ، جعلت أرواحهم في طير خضر ترعى في الجنة ، وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش ، فلما رأوا ما أعطاهم الله من الكرامة قالوا : ليت إخواننا الذين بعدنا يعلمون ما نحن فيه ، فإذا شهدوا قتالاً تعجلوا إلى ما نحن فيه فقال الله : إني منزل على نبيكم ومخبر إخوانكم بالذي أنتم فيه . ففرحوا واستبشروا وقالوا : يخبر الله إخوانكم ونبيكم بالذي أنتم فيه . فإذا شهدوا قتالاً أتوكم . فذلك قوله { فرحين . . . } الآية .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن محمد بن قيس بن مخرمة قال : قالوا : يا رب ألا رسول لنا يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنا بما أعطيتنا فقال الله تعالى : أنا رسولكم ، فأمر جبريل أن يأتي بهذه الآية { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله . . . } الآيتين .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : لما أصيب الذين أصيبوا يوم أحد لقوا ربهم فأكرمهم ، فأصابوا الحياة والشهادة والرزق الطيب قالوا : يا ليت بيننا وبين إخواننا من يبلغهم أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا فقال الله : أنا رسولكم إلى نبيكم وإخوانكم ، فأنزل الله { ولا تحسبن الذين قتلوا } إلى قوله { ولا هم يحزنون } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن إسحق بن أبي طلحة . حدثني أنس بن مالك في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى بئر معونة قال : لا أدري أربعين أو سبعين وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل ، فخرج أولئك النفر حتى أتوا غاراً مشرفاً على الماء قعدوا فيه ، ثم قال بعضهم لبعض : أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا الماء؟ فقال أبو ملحان الأنصاري : أنا . فخرج حتى أتى خواءهم فاختبأ أمام البيوت ، ثم قال : يا أهل بئر معونة إني رسول رسول الله إليكم ، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، فآمنوا بالله ورسوله . فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر . فقال : الله أكبر فزت ورب الكعبة ، فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه في الغار فقتلهم عامر بن الطفيل . فحدثني أنس أن الله أنزل فيهم قرآناً : بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه . ثم نسخت فرفعت بعدما قرأناه زماناً ، وأنزل الله { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء . . . } الآية .
وأخرج ابن المنذر من طريق طلحة بن نافع عن أنس قال : لما قتل حمزة وأصحابه يوم أحد قالوا : يا ليت لنا مخبراً يخبر إخواننا بالذي صرنا إليه من الكرامة لنا .
فأوحى إليهم ربهم أنا رسولكم إلى إخوانكم . فأنزل الله { ولا تحسبن الذين قتلوا } إلى قوله { لا يضيع أجر المؤمنين } . (2/484)
وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن سعيد بن جبير قال : لما أصيب حمزة وأصحابه بأحد قالوا : ليت من خلفنا علموا ما أعطانا الله من الثواب ليكون أحرى لهم فقال الله : إنا أعلمهم ، فأنزل الله { ولا تحسبن الذين قتلوا . . . } الآية .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والفريابي وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الدلائل عن مسروق قال : سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً } فقال : أما انا قد سألنا عن ذلك ، أرواحهم في جوف طير خضر - ولفظ عبد الرزاق - أرواح الشهداء عند الله كطير خضر لها قناديل معلقة بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت ، ثم تأوي إلى تلك القناديل ، فاطلع إليهم ربهم إطلاعة فقال : هل تشتهون شيئاً؟ قالوا : أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا . ففعل ذلك بهم ثلاث مرات ، فلما رأوا أنهم لم يتركوا من أن يسألوا قالوا : يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى . فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا .
وأخرج عبد الرزاق عن أبي عبيدة عن عبد الله أنه قال في الثالثة حين قال لهم : هل تشتهون من شيء قالوا : تقرئ نبينا السلام ، وتبلغه أنا قد رضينا ورضي عنا .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { بل أحياء عند ربهم يرزقون } قال : يرزقون من ثمر الجنة ، ويجدون ريحها وليسوا فيها .
وأخرج ابن جرير عن قتادة في الآية قال : كنا نحدث أن أرواح الشهداء تعارف في طير بيض تأكل من ثمار الجنة ، وأن مساكنهم سدرة المنتهى ، وأن للمجاهد في سبيل الله ثلاث خصال : من قتل في سبيل الله منهم صار حياً مرزوقاً ، ومن غلب آتاه الله أجراً عظيماً ، ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله { بل أحياء } قال : في صور طير خضر يطيرون في الجنة حيث شاؤوا منها يأكلون من حيث شاؤوا .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة في الآية قال : أرواح الشهداء في طير بيض في الجنة .
وأخرج ابن جرير من طريق الإفريقي عن ابن بشار الأسلمي أو أبي بشار قال : أرواح الشهداء في قباب بيض من قباب الجنة ، في كل قبة زوجتان رزقهم في كل يوم ثور وحوت .
فأما الثور ففيه طعم كل ثمرة في الجنة ، وأما الحوت ففيه طعم كل شراب في الجنة . (2/485)
وأخرج ابن جرير عن السدي أن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر في قناديل من ذهب معلقة بالعرش ، فهي ترعى بكرة وعشية في الجنة وتبيت في القناديل .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور عن ابن عباس قال : أرواح الشهداء تجول في أجواف طير خضر تعلق في ثمر الجنة .
وأخرج هناد بن السري في كتاب الزهد وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن أرواح الشهداء في طير خضر ترعى في رياض الجنة ، ثم يكون مأواها إلى قناديل معلقة بالعرش فيقول الرب : هل تعلمون كرامة أكرم من كرامة أكْرَمْتُكُموها؟ فيقولون : لا . إلا أنا وَدَدْنا أنك أعدت أرواحنا في أجسادنا حتى نقاتل فنقتل مرة أخرى في سبيلك » .
وأخرج هناد في الزهد وابن أبي شيبة في المصنف عن أبي بن كعب قال : الشهداء في قباب من رياض بفناء الجنة ، يبعث إليهم ثور وحوت فيعتركان فيلهون بهما ، فإذا احتاجوا إلى شيء عقر أحدهما صاحبه ، فيأكلون منه فيجدون فيه طعم كل شيء في الجنة .
وأخرج أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء ، يخرج إليهم رزقهم من الجنة غدوة وعشية » .
وأخرج هناد في الزهد من طريق ابن إسحق عن إسحق بن عبد الله بن أبي فروة قال : حدثنا بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الشهداء ثلاثة ، فأدنى الشهداء عند الله منزلة رجل خرج منبوذاً بنفسه وماله لا يريد أن يقتل ولا يقتل أتاه سهم غرب فأصابه فأول قطرة تقطر من دمه يغفر له ما تقدم من ذنبه ، ثم يهبط الله جسداً من السماء يجعل فيه روحه ثم يصعد به إلى الله ، فما يمر بسماء من السموات إلا شيَّعته الملائكة حتى ينتهي إلى الله ، فإذا انتهى به وقع ساجدا ، ثم يؤمر به فيكسى سبعين حلة من الاستبرق ، ثم يقال : اذهبوا به إلى إخوانه من الشهداء فاجعلوه معهم ، فيؤتى به إليهم وهم في قبة خضراء عند باب الجنة يخرج عليهم غداؤهم من الجنة » .
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : ما زال ابن آدم يتحمد حتى صار حياً ما يموت ، ثم تلا هذه الآية { أحياء عند ربهم يرزقون } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله { فرحين بما آتاهم الله من فضله } قال : بما هم فيه من الخير والكرامة والرزق .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم } قال : لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء قالوا : يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما صرنا فيه من الكرامة ، فإذا شهدوا القتال باشروها بأنفسهم حتى يستشهدوا فيصيبون ما أصابنا من الخير ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأمرهم ، وما هم فيه من الكرامة ، وأخبرهم أني قد أنزلت على نبيكم ، وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه من الكرامة ، فاستبشروا بذلك . فذلك قوله { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم } يعني إخوانهم من أهل الدنيا أنهم سيحرصون على الجهاد ويلحقون بهم . (2/486)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم } قال : إن الشهيد يؤتى بكتاب فيه من يقدم عليه من إخوانه وأهله يقال : يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا ، يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا . فيستبشر حين يقدم عليه كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا .
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { يستبشرون بنعمة من الله وفضل . . . } الآية . قال : هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم سوى الشهداء ، وقلما ذكر الله فضلاً ذكر به الأنبياء وثواباً أعطاهم إلا ذكر ما أعطى المؤمنين من بعدهم . (2/487)
وأخرج الحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه « سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا ذكر أصحاب أحد : والله لوددت أني غودرت مع أصحابي بنحص الجبل » نحص الجبل : أصله .
وأخرج الحاكم وصححه عن جابر قال « فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة حين فاء الناس من القتال فقال رجل : رأيته عند تلك الشجرات وهو يقول : أنا أسد الله وأسد رسوله ، اللهم ابرأ إليك مما جاء به هؤلاء؛ أبو سفيان وأصحابه ، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء بانهزامهم . فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه ، فلما رأى جثته بكى ، ولما رأى ما مثل به شهق ثم قال : ألا كفن؟ فقام رجل من الأنصار فرمى بثوب عليه ، ثم قام آخر فرمى بثوب عليه ، ثم قال جابر : هذا الثوب لأبيك وهذا لعمي ، ثم جيء بحمزة فصلى عليه ثم يجاء بالشهداء فتوضع إلى جانب حمزة فيصلي عليهم يرفع ويترك حمزة حتى صلى على الشهداء كلهم قال : فرجعت وأنا مثقل قد ترك أبي عليَّ ديناً وعيالاً ، فلما كان عند الليل أرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا جابر إن الله أحيا أباك وكلمه قلت : وكلمه كلاماً! قال : قال له : تمن . . . . فقال : أتمنى أن ترد روحي وتنشئ خلقي كما كان ، وترجعني إلى نبيك فأقاتل في سبيلك فأقتل مرة أخرى . قال : إني قضيت أنهم لا يرجعون وقال : قال صلى الله عليه وسلم : سيد الشهداء عند الله يوم القيامة حمزة » .
وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن أنس قال « كفن حمزة في نمرة كانوا إذا مدوها على رأسه خرجت رجلاه ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يمدوها على رأسه ويجعلوا على رجليه من الإذخر وقال : لولا أن تجزع صفية لتركنا حمزة فلم ندفنه حتى يحشر من بطون الطير والسباع » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب بن مالك « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد : من رأى مقتل حمزة؟ فقال رجل : أنا . . . . قال : فانطلق فأرناه . فخرج حتى وقف على حمزة فرآه قد بقر بطنه وقد مُثِّل به ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينظر إليه ووقف بين ظهراني القتلى وقال : أنا شهيد على هؤلاء القوم لفوهم في دمائهم ، فإنه ليس جريح يجرح إلا جرحه يوم القيامة يدمى ، لونه لون الدم وريحه ريح المسك ، قدموا أكثر القوم قرآناً فاجعلوه في اللحد » .
وأخرج النسائي والحاكم وصححه عن سعد بن أبي وقاص « أن رجلاً جاء إلى الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بنا فقال حين انتهى إلى الصف : اللهم آتني أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين ، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قال : من المتكلم آنفاً؟ فقال : أنا . . . . فقال : إذن يعقر جوادك وتستشهد في سبيل الله » . (2/488)
وأخرج أحمد ومسلم والنسائي والحاكم عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول الله له : يا ابن آدم كيف وجدت منزلك؟ فيقول : أي رب خير منزل فيقول : سل وتمن فيقول : أسألك أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرات لما رأى من فضل الشهادة . قال : ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول الله : يا ابن آدم كيف وجدت منزلك؟ فيقول : أي رب شر منزل فيقول : فتفتدى منه بطلاع الأرض ذهباً؟ فيقول : نعم . فيقول : كذبت قد سألتك دون ذلك فلم تفعل » .
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « عرض عليَّ أول ثلاثة يدخلون الجنة ، وأول ثلاثة يدخلون النار . فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة فالشهيد ، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ونصح لسيده ، وعفيف متعفف ذو عيال . وأما أول ثلاثة يدخلون النار فأمير مسلط ، وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله في ماله ، وفقير فخور » .
وأخرج الحاكم عن سهل بن أبي أمامة بن سهل عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن أول ما يهراق من دم الشهيد يغفر له ذنوبه » .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي أيوب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من صبر حتى يقتل أو يغلب لم يفتن في قبره » .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري عن أنس . « أن حارثة بن سراقة خرج نظاراً فأتاه سهم فقتله فقالت أمه : يا رسول الله قد عرفت موضع حارثة مني فإن كان في الجنة صبرت وإلا رأيت ما أصنع؟ قال : يا أم حارثة أنها ليست بجنة ولكنها جنان كثيرة ، وأن حارثة لفي أفضلها . أو قال : في أعلى الفردوس » .
وأخرج أحمد والنسائي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « ما على الأرض من نفس تموت ولها عند الله خير تحب أن ترجع إليكم إلا القتيل في سبيل الله ، فإنه يحب أن يرجع فيقتل مرة أخرى » .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والبيهقي في الشعب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال
« ما من أهل الجنة أحد يسره أن يرجع إلى الدنيا وله عشر أمثالها إلا الشهيد ، فإنه ود أنه لو رد إلى الدنيا عشر مرات فاستشهد لما يرى من فضل الشهادة » . (2/489)
وأخرج ابن سعد وأحمد والبيهقي عن قيس الجذامي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن للقتيل عند الله ست خصال : تغفر له خطيئته في أول دفعة من دمه ، ويجار من عذاب القبر ، ويحلى حلة الكرامة ، ويرى مقعده من الجنة ، ويؤمن من الفزع الأكبر ، ويزوّج من الحور العين » .
وأخرج الترمذي وصححه وابن ماجة والبيهقي عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « إن للشهيد عند الله خصالاً . يغفر له في أول دفعة من دمه ، ويرى مقعده من الجنة ، ويحلى عليه حلة الإيمان ، ويجار من عذاب القبر ، ويأمن يوم الفزع الأكبر ، ويوضع على رأسه تاج الوقار ، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه » .
وأخرج أحمد والطبراني من حديث عبادة بن الصامت . مثله .
وأخرج البزار والبيهقي والأصبهاني في ترغيبه بسند ضعيف عن أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الشهداء ثلاثة : رجل خرج بنفسه وماله محتسباً في سبيل الله يريد أن لا يقتل ولا يقتل ولا يقاتل ، يكثر سواد المؤمنين ، فإن مات وقتل غفرت له ذنوبه كلها ، وأجير من عذاب القبر ، وأومن من الفزع الأكبر ، وزوّج من الحور العين ، وحلت عليه حلة الكرامة ، ووضع على رأسه تاج الوقار والخلد . والثاني رجل خرج بنفسه وماله محتسباً يريد أن يقتل ولا يقتل ، فإن مات أو قتل كانت ركبته مع ركبة إبراهيم خليل الرحمن بين يدي الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر . والثالث رجل خرج بنفسه وماله محتسباً يريد أن يقتل ويقتل ، فإن مات أو قتل جاء يوم القيامة شاهراً سيفه واضعه على عاتقه والناس جاثون على الركب يقول : ألا أفسحوا لنا ، مرتين . فإنا قد بذلنا دماءنا وأموالنا لله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لو قال ذلك لإبراهيم خليل الرحمن ، أو لنبي من الأنبياء لتنحى لهم عن الطريق لما يرى من واجب حقهم ، حتى يأتوا منابر من نور عن يمين العرش ، فيجلسون فينظرون كيف يقضى بين الناس ، لا يجدون غم الموت ، ولا يغتمون في البرزخ ، ولا تفزعهم الصيحة ، ولا يهمهم الحساب ، ولا الميزان ولا الصراط ، ينظرون كيف يقضي بين الناس ، ولا يسألون شيئاً إلا أعطوا ، ولا يشفعون في شيء إلا شفعوا ، ويعطون من الجنة ما أحبوا ، وينزلون من الجنة حيث أحبوا » .
وأخرج أحمد والطبراني وابن حبان والبيهقي عن عتبة بن عبد السلمي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « القتلى ثلاثة : رجل مؤمن جاهد بنفسه وماله في سبيل الله ، حتى إذا لقي العدوّ قاتلهم حتى يقتل ، فذاك الشهيد الممتحن في خيمة الله تحت عرشه لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة . ورجل مؤمن قرف على نفسه من الذنوب والخطايا ، جاهد بماله ونفسه في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل ، فتلك ممصمصة تحط من ذنوبه وخطاياه . إن السيف مَحَّاءٌ للخطايا ، وأدخل من أي أبواب الجنة شاء ، فإن لها ثمانية أبواب ، ولجهنم سبعة أبواب ، وبعضها أفضل من بعض . ورجل منافق جاهد بنفسه وماله ، حتى إذا لقي العدو قاتل في سبيل الله حتى يقتل ، فإن ذلك في النار . إن السيف لا يمحو النفاق » . (2/490)
وأخرج أحمد والحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين » .
وأخرج أحمد عن عبد الله بن جحش « أن رجلاً قال : يا رسول الله ما لي إن قتلت في سبيل الله؟ قال : الجنة . فلما ولى قال : إلا الدين سارني به جبريل آنفاً » .
وأخرج أحمد والنسائي عن ابن أبي عميرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما من نفس مسلمة يقبضها ربها تحب أن ترجع إليكم وإن لها الدنيا وما فيها غير الشهيد » .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لأن أقتل في سبيل الله أحب إليَّ من أن يكون لي أهل الوبر والمدر » .
وأخرج الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن حبان عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة » .
وأخرج الطبراني عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إذا وقف العباد للحساب جاء قوم واضعي سيوفهم على رقابهم تقطر دماً فازدحموا على باب الجنة فقيل : من هؤلاء؟ قيل : الشهداء كانوا مرزوقين » .
وأخرج أحمد وأبو يعلى والبيهقي في الأسماء والصفات عن نعيم بن همار « أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الشهداء أفضل؟ قال : الذين أن يلقوا في الصف لا يلفتوا وجوههم حتى يقتلوا ، أولئك ينطلقون في العرف العالي من الجنة ، ويضحك إليهم ربهم . وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه » .
وأخرج الطبراني عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أفضل الجهاد عند الله يوم القيامة الذين يلتقون في الصف الأول فلا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا ، أولئك يتلبطون في الغرف من الجنة يضحك إليهم ربك . وإذا ضحك إلى قوم فلا حساب عليهم » .
وأخرج ابن ماجة عن أبي هريرة قال : « ذكر الشهيد عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : » لا تجف الأرض من دم الشهيد حتى تبتدره زوجتاه كأنهما ظئران أضلتا فصيلهما في براح من الأرض ، وفي يد كل واحدة منهما حلة خير من الدنيا وما فيها « . (2/491)
وأخرج النسائي عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم » أن رجلاً قال : يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال : كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة « .
وأخرج الحاكم وصححه عن أنس » أن رجلاً أسود أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني رجل أسود ، منتن الريح ، قبيح الوجه ، لا مال لي ، فإن أنا قاتلت هؤلاء حتى أقتل فأين أنا؟ قال : في الجنة . فقاتل حتى قتل . أتاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : قد بيض الله وجهك ، وطيب ريحك ، وأكثر مالك . وقال لهذا أو لغيره : لقد رأيت زوجته من الحور العين نازعته جبة له صوفا تدخل بينه وبين جبته « .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر » أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بخباء أعرابي وهو في أصحابه يريدون الغزو ، فرفع الأعرابي ناحية من الخباء فقال : من القوم؟ فقيل : رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يريدون الغزو ، فسار معهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده أنه لمن ملوك الجنة . فلقوا العدو فاستشهدوا خبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتاه فقعد عند رأسه مستبشراً يضحك ثم أعرض عنه . فقلنا : يا رسول الله رأيناك مستبشراً تضحك ثم أعرضت عنه؟! فقال : أما ما رأيتم من استبشاري فلما رأيت من كرامة روحه على الله ، وأما إعراضي عنه فإن زوجته من الحور العين الآن عند رأسه « .
وأخرج عناد في الزهد وعبد بن حميد والطبراني عن عبد الله بن عمرو قال » أن أوّل قطرة تقطر من دم الشهيد يغفر له بها ما تقدم من ذنبه ، ثم يبعث الله ملكين بريحان من الجنة وريطة من الجنة ، وعلى أرجاء السماء ملائكة يقولون : سبحان الله قد جاء من الأرض اليوم ريح طيبة ونسمة طيبة . فلا يمر بباب إلا فتح له ، ولا يمر بملك إلا صلى عليه وشيعه ، حتى يؤتى به إلى الرحمن فيسجد له قبل الملائكة وتسجد الملائكة بعده ، ثم يأمر به إلى الشهداء فيجدهم في رياض خضر وقباب من حرير عند ثور وحوت يلعبان لهم كل يوم لعبة لم يلعبا بالأمس مثلها ، فيظل الحوت في أنهار الجنة فإذا أمسى وكزه الثور بقرنه فذكاه لهم ، فأكلوا من لحمه فوجدوا من لحمه طعم كل رائحة من أنهار الجنة ، ويبيت الثور نافشاً في الجنة ، فإذا أصبح غدا عليه الحوت فوكزه بذنبه ، فأكلوا من لحمه فوجدوا في لحمه طعم كل ثمرة من ثمار الجنة ينظرون إلى منازلهم بكرة وعشيا يدعون الله أن تقوم الساعة .
وإذا توفى المؤمن بعث الله إليه ملكين بريحان من ريحان الجنة وخرقة من الجنة تقبض فيها نفسه ، ويقال : اخرجي أيتها النفس المطمئنة إلى روح وريحان ورب عليك غير غضبان . فتخرج كأطيب رائحة وجدها أحد قط بأنفه ، وعلى أرجاء السماء ملائكة يقولون : سبحان الله قد جاء اليوم من الأرض ريح طيبة ونسمة طيبة . فلا يمر بباب إلا فتح له ، ولا بملك إلا صلى عليه وشيعه ، حتى يؤتى به إلى الرحمن . فتسجد الملائكة قبله ويسجد بعدهم ثم يدعى بميكائيل فيقول : اذهب بهذه النفس فاجعلها مع أنفس المؤمنين حتى أسألك عنهم يوم القيامة ، ويؤمر به إلى قبر ويوسع سبعين طوله وسبعين عرضه ، وينبذ له فيه ريحان ويشيد بالحرير ، فإن كان معه شيء من القرآن كسى نوره ، وإن لم يكن معه شيء من القرآن جعل له نور مثل الشمس ، فمثله كمثل العروس لا يوقظه إلا أحب أهله إليه . (2/492)
وإن الكافر إذا توفي بعث الله إليه ملكين بخرقة من بجاد أنتن من كل نتن ، وأخشن من كل خشن ، فيقال : اخرجي أيتها النفس الخبيثة ولبئس ما قدمت لنفسك . فتخرج كأنتن رائحة وجدها أحد قط ، ثم يؤمر به في قبره فيضيق عليه حتى تختلف فيه أضلاعه ، ويرسل عليه حيات كأعناق البخت يأكلن لحمه ، وتقبض له ملائكة صم بكم عمي لا يسمعون له صوتاً ولا يرونه ، فيرحمونه ولا يملون إذا ضربوا يدعون الله أن يديم ذلك عليه حتى يخلص إلى النار « .
وأخرج الطيالسي والترمذي وحسنه والبيهقي في الشعب عن عمر بن الخطاب » سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الشهداء أربعة : فمؤمن جيد الإيمان لقي العدو فصدق الله فقاتل حتى يقتل ، فذلك الذي يرفع الناس إليه أعينهم ، ورفع رأسه حتى وقعت قلنسوة كانت على رأسه أو رأس عمر ، فهذا في الدرجة الأولى . ورجل مؤمن جيد الإيمان إذا لقي العدو فكأنما يضرب جلده بشوك الطلح من الجبن ، فأتاه سهم غرب فقتله فهذا في الدرجة الثانية . ورجل مؤمن خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً ، لقي العدو فصدق الله فَقُتِلَ فهذا في الدرجة الثالثة . ورجل أسرف على نفسه فلقي العدو فقاتل حتى يُقتل ، فهذا في الدرجة الرابعة « .
وأخرج أبو داود وابن حبان عن أبي الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : » الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته « .
وأخرج الطبراني والبيهقي في البعث والنشور عن يزيد بن شجرة أنه كان يقول : إذا صف الناس للصلاة وصفوا للقتال فتحت أبواب السماء ، وأبواب الجنة ، وأبواب النار ، وزين الحور العين وأطلقن ، فإذا أقبل الرجل قلن اللهم انصره ، وإذا أدبر احتجبن عنه وقلن اللهم اغفر له . فانهكوا وجوه القوم ، ولا تخزوا الحور العين ، فإن أوّل قطرة تقطر من دم أحدكم يكفر عنه كل شيء عمله ، وينزل إليه زوجتان من الحور العين يمسحان التراب عن وجهه ويقولان : قد أنالك ويقول : قد أنالكما . ثم يكسى مائة حلة ليس من نسج بني آدم ولكن من نبت الجنة ، لو وضعت بين أصبعين لوسعن . وكان يقول : إن السيوف مفاتيح الجنة . (2/493)
وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي بكر محمد بن أحمد التميمي قال : سمعت قاسم بن عثمان الجوعي يقول : رأيت في الطواف حول البيت رجلاً لا يزيد على قوله : اللهم قضيت حاجة المحتاجين وحاجتي لم تقض فقلت له : ما لك لا تزيد على هذا الكلام؟ فقال : أحدثك . كنا سبعة رفقاء من بلدان شتى ، غزونا أرض العدو فاستؤسرنا كلنا ، فاعتزل بنا لتضرب أعناقنا ، فنظرت إلى السماء فإذا سبعة أبواب مفتحة عليها سبع جوار من الحور العين على كل باب جارية ، فقدم رجل منا فضربت عنقه ، فرأيت جارية في يدها منديل قد هبطت إلى الأرض حتى ضربت أعناق ستة وبقيت أنا ، وبقي باب وجارية . فلما قدمت لتضرب عنقي استوهبني بعض رجاله فوهبني له ، فسمعتها تقول : أي شيء فاتك يا محروم . !! وأغلقت الباب ، وأنا يا أخي متحسر على ما فاتني . قال قاسم بن عثمان : أراه أفضلهم لأنه رأى ما لم يروا ، وترك يعمل على الشوق .
وأخرج أبو داود والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات واللفظ له عن ابن مسعود : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « عجيب ربنا من رجلين : رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي ، ورجل غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه فعلم ما عليه في الإنهزام وما له في الرجوع فرجع حتى أهريق دمه . فيقول الله لملائكته : انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي ، وشفقة مما عندي حتى أهريق دمه » .
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ثلاثة يحبهم الله ، ويضحك إليهم ، ويستبشر بهم : الذي إذا انكشف فئة قاتل وراءها بنفسه لله عز وجل فإما أن يقتل ، وإما أن ينصره الله تعالى ويكفيه ، فيقول : انظروا إلى عبدي كيف صبر لي نفسه . والذي له امرأة حسناء ، وفراش لين حسن ، فيقوم من الليل فيذر شهوته فيذكرني ويناجيني ولو شاء رقد ، والذي إذا كان في سفر وكان معه ركب فسهروا ونصبوا ثم هجعوا فقام من السحر في سراء أو ضراء » .
وأخرج الحاكم وصححه عن أنس « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من سأل الله القتل في سبيل الله صادقاً ثم مات أعطاه الله أجر شهيد » . (2/494)
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم عن سهل ابن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه عن جده « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه » .
وأخرج أحمد ومسلم عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من طلب الشهادة صادقاً أعطيها ولو لم تصبه » .
الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)
أخرج ابن اسحق وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال « خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمراء الأسد ، وقد أجمع أبو سفيان بالرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا : رجعنا قبل أن نستأصلهم ، لَنَكُرَّنَّ على بقيتهم . فبلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في أصحابه يطلبهم ، فثنى ذلك أبا سفيان وأصحابه ومر ركب من عبد القيس فقال لهم أبو سفيان : بلغوا محمداً أنا قد أجمعنا الرجعة الى أصحابه لنستأصلهم . فلما مر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد أخبروه بالذي قال أبو سفيان؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه { حسبنا الله ونعم الوكيل } فأنزل الله في ذلك { الذين استجابوا لله والرسول . . . . } الآيات . (2/495)
وأخرج موسى بن عقبة في مغازيه والبيهقي في الدلائل عن ابن شهاب قال » إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر المسلمين لموعد أبي سفيان بدراً ، فاحتمل الشيطان أولياءه من الناس ، فمشوا في الناس يخوفونهم وقالوا : قد أخبرنا أن قد جمعوا لكم من الناس مثل الليل ، يرجون أن يواقعوكم فينتهبوكم ، فالحذر الحذر . . . . فعصم الله المسلمين من تخويف الشيطان ، فاستجابوا لله ورسوله وخرجوا ببضائع لهم وقالوا : إن لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا له ، وإن لم نلقه ابتعنا بضائعنا . فكان بدر متجراً يوافي كل عام ، فانطلقوا حتى أتوا موسم بدر ، فقضوا منه حاجتهم ، وأخلف أبو سفيان الموعد فلم يخرج هو ولا أصحابه ، ومر عليهم ابن حمام فقال : من هؤلاء؟ قالوا : رسول الله وأصحابه ينتظرون أبا سفيان ومن معه من قريش . فقدم على قريش فأخبرهم ، فأرعب أبو سفيان ورجع إلى مكة ، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بنعمة من الله وفضل ، فكانت تلك الغزوة تدعى غزوة جيش السويق ، وكانت في شعبان سنة ثلاث « .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال » إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعد الذي كان منه ، فرجع إلى مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفاً ، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب « ، وكانت وقعة أحد في شوّال ، وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة ، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة ، وأنهم قدموا بعد وقعة أحد ، وكان أصاب المؤمنين القرح واشتكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، واشتد عليهم الذي أصابهم ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس لينطلقوا معه وقال : إنما ترتحلون الآن فتأتون الحج ولا تقدرون على مثلها حتى عام مقبل .
فجاء الشيطان فخوف أولياءه فقال { إن الناس قد جمعوا لكم } فأبى الناس أن يتبعوه فقال : إني ذاهب وإن لم يتبعني أحد . فانتدب معه أبو بكر ، وعمر ، وعلي ، وعثمان ، والزبير ، وسعد ، وطلحة ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعبد الله بن مسعود ، وحذيفة بن اليمان ، وأبو عبيدة بن الجراح؛ في سبعين رجلاً ، فساروا في طلب أبي سفيان ، فطلبوه حتى بلغوا الصفراء ، فأنزل الله { الذين استجابوا لله والرسول . . . } الآية . (2/496)
وأخرج النسائي وابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : لما رجع المشركون عن أحد قالوا : لا محمداً قتلتم ، ولا الكواعب أردفتم . بئسما صنعتم ارجعوا . فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد؛ أو بئر أبي عنبة ، شك سفيان فقال المشركون : نرجع قابل . فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانت تعد غزوة . فأنزل الله { الذين استجابوا لله والرسول . . . } الآية . وقد كان أبو سفيان قال للنبي صلى الله عليه وسلم : موعدكم موسم بدر حيث قتلتم أصحابنا ، فأما الجبان فرجع ، وأما الشجاع فأخذ أهبة القتال والتجارة . فأتوه فلم يجدوا به أحد وتسوقوا . فأنزل الله { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل . . . } الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر الصغرى وبهم الكلوم ، خرجوا لموعد أبي سفيان فمر بهم أعرابي ، ثم مر بأبي سفيان وأصحابه وهو يقول :
ونفرت من رفقتي محمد ... وعجوة منثورة كالعنجد
فتلقاه أبو سفيان فقال : ويلك ما تقول . . . . ؟! فقال : محمد وأصحابه تركتهم ببدر الصغرى فقال أبو سفيان : يقولون ويصدقون ، ونقول ولا نصدق وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من الأعراب وانقلبوا؟! قال عكرمة : ففيهم أنزلت هذه الآية { الذين استجابوا لله والرسول . . . } إلى قوله { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال « إن أبا سفيان وأصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا ورجعوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أبا سفيان قد رجع وقد قذف الله في قلبه الرعب فمن ينتدب في طلبه؟ فقام النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . فتبعوهم ، فبلغ أبا سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم يطلبه ، فلقي عيراً من التجار فقال : ردوا محمداً ولكم من الجعل كذا وكذا . . . وأخبروهم أني قد جمعت لهم جموعاً ، وإني راجع إليهم . فجاء التجار فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : حسبنا الله . فأنزل الله { الذين استجابوا لله والرسول . . . . } الآية » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال
« أخبرت أن أبا سفيان لما راح هو وأصحابه يوم أحد منقلبين قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم : إنهم عامدون إلى المدينة يا رسول الله . فقال : إن ركبوا الخيل وتركوا الأثقال فهم عامدوها ، وإن جلسوا على الأثقال وتركوا الخيل فقد أرعبهم الله فليسوا بعامديها . فركبوا الأثقال . ثم ندب أناساً يتبعوهم ليروا أن بهم قوّة ، فاتبعوهم ليلتين أو ثلاثاً ، فنزلت { الذين استجابوا لله والرسول . . . } الآية » . (2/497)
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن عائشة في قوله { الذين استجابوا لله والرسول . . . . } الآية . قالت لعروة : يا ابن أختي كان أبواك منهم : الزبير وأبو بكر ، لما أصاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد انصرف عنه المشركون ، خاف أن يرجعوا فقال : من يرجع في أثرهم؟ فانتدب منهم سبعون رجلاً . فيهم أبو بكر والزبير ، فخرجوا في آثار القوم فسمعوا بهم ، فانصرفوا بنعمة من الله وفضل . قال : لم يلقوا عدوّاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : نزلت هذه الآية فينا ثمانية عشر رجلاً { الذين استجابوا لله والرسول . . . } الآية .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال : « كان يوم أحد السبت للنصف من شوّال ، فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوّال أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو ، وأذن مؤذنه أن لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس ، فكلمه جابر عن عبد الله فقال : يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع وقال : يا بني أنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن ، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي فتخلف على أخواتك فتخلفت عليهن . فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه . وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ترعيباً للعدوّ ليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوّة ، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم من عدوهم » .
وأخرج ابن إسحق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان « أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عبد الأشهل كان شهد أحداً قال : شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً . أنا وأخ لي فرجعنا جريحين ، فلما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو قلت لأخي ، أو قال لي : تفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ما لنا من دابة نركبها ، وما منا إلا جريح ثقيل .
فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أيسر جرحاً منه ، فكنت إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة ، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد . وهي من المدينة على ثمانية أميال ، فأقام بها ثلاثاً . الإثنين ، والثلاثاء ، والأربعاء ، ثم رجع إلى المدينة . فنزل { الذين استجابوا لله والرسول . . } الآية « . (2/498)
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم قال : كان عبد الله من { الذين استجابوا لله والرسول } .
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله { من بعد ما أصابهم القرح } قال : الجراحات .
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود أنه كان يقرأ { من بعد ما أصابهم القرح } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : افصلوا بينهما قوله { للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ، الذين قال لهم الناس } .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال : لما ندم أبو سفيان وأصحابه على الرجوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقالوا : ارجعوا فاستأصلوهم . فقذف الله في قلوبهم الرعب فهزموا ، فلقوا أعرابياً فجعلوا له جعلاً ، فقالوا له : إن لقيت محمداً وأصحابه فأخبرهم أنا قد جمعنا لهم . فأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم ، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد ، فلقوا الأعرابي في الطريق فأخبرهم الخبر فقالوا : { حسبنا الله ونعم الوكيل } ثم رجعوا من حمراء الأسد . فأنزل الله فيهم وفي الأعرابي الذي لقيهم { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم . . . } الآية .
وأخرج ابن سعد عن ابن أبزى { الذين قال لهم الناس } قال : أبو سفيان . قال لقوم : إن لقيتم أصحاب محمد فأخبروهم أنا قد جمعنا لهم جموعاً . فأخبروهم فقالوا { حسبنا الله ونعم الوكيل } .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال : استقبل أبو سفيان في منصرفه من أحد عيراً واردة المدينة ببضاعة لهم ، وبينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم جبال فقال : إن لكم عليّ رضاكم إن أنتم رددتم عني محمداً ومن معه ، إن أنتم وجدتموه في طلبي أخبرتموه أني قد جمعت له جموعاً كثيرة ، فاستقبلت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له : يا محمد إنا نخبرك أن أبا سفيان قد جمع لك جموعاً كثيرة ، وأنه مقبل إلى المدينة ، وإن شئت أن ترجع فافعل . فلم يزده ذلك ومن معه إلا يقيناً { وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } فأنزل الله { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا . . . } الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال » انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصابة من أصحابه بعدما انصرف أبو سفيان وأصحابه من أحد خلفهم حتى إذا كانوا بذي الحليفة ، فجعل الأعراب والناس يأتون عليهم فيقولون لهم : هذا أبو سفيان مائل عليكم بالناس فقالوا { حسبنا الله ونعم الوكيل } فأنزل الله { الذين قال لهم الناس .
. . } الآية . (2/499)
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله { الذين قال لهم الناس . . . } الآية . قال : إن أبا سفيان كان أرسل يوم أحد أو يوم الأحزاب إلى قريش ، وغطفان ، وهوازن ، يستجيشهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه فقيل : لو ذهب نفر من المسلمين فأتوكم بالخبر ، فذهب نفر حتى إذا كانوا بالمكان الذي ذكر لهم أنهم فيه لم يروا أحداً فرجعوا « .
وأخرج ابن مردويه والخطيب عن أنس » أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى يوم أحد فقيل له : يا رسول الله { إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم } فقال { حسبنا الله ونعم الوكيل } فأنزل الله { الذين قال لهم الناس . . . } الآية « .
وأخرج ابن مردويه عن أبي رافع » أن النبي صلى الله عليه وسلم وجه علياً في نفر معه في طلب أبي سفيان ، فلقيهم أعرابي من خزاعة فقال : إن القوم قد جمعوا لكم { قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } فنزلت فيهم هذه الآية . . . . « .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد » في قوله { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم } قال : هذا أبو سفيان قال لمحمد يوم أحد : موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا . فقال محمد صلى الله عليه وسلم : عسى . فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لموعده حتى نزل بدراً فوافوا السوق فابتاعوا ، فذلك قوله { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء } وهي غزوة بدر الصغرى « .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : كانت بدر متجراً في الجاهلية ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم واعد أبا سفيان أن يلقاه بها ، فلقيهم رجل فقال له : إن بها جمعاً عظيماً من المشركين . فأما الجبان فرجع . وأما الشجاع فأخذ أهبة التجارة وأهبة القتال . { وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } ثم خرجوا حتى جاؤوها فتسوّقوا بها ولم يلقوا أحداً فنزلت { الذين قال لهم الناس } إلى قوله { بنعمة من الله وفضل } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { فزادهم إيماناً } قال : الإيمان يزيد وينقص .
وأخرج البخاري والنسائي وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال { حسبنا الله ونعم الوكيل } قالها إبراهيم حين ألقي في النار ، وقالها محمد حين قالوا { إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } .
وأخرج البخاري وابن المنذر والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال : قال آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار { حسبنا الله ونعم الوكيل } وقال نبيكم مثلها { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ابن عمرو قال : هي الكلمة التي قالها إبراهيم حين ألقي في النار { حسبنا الله ونعم الوكيل } وهي الكلمة التي قالها نبيكم وأصحابه إذ قيل لهم { إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم } . (2/500)
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا { حسبنا الله ونعم الوكيل } » .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر عن عائشة « أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتدّ غمه مسح بيده على رأسه ولحيته ثم تنفس الصعداء وقال : حسبي الله ونعم الوكيل » .
وأخرج أبو نعيم عن شداد بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « حسبي الله ونعم الوكيل أمان كل خائف » .
وأخرج الحكيم الترمذي عن بريدة قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قال عشر كلمات عند كل صلاة غداة وجد الله عندهن مكفياً مجزياً : خمس للدنيا ، وخمس للآخرة : حسبي الله لديني ، حسبي الله لما أهمني ، حسبي الله لمن بغى عليّ ، حسبي الله لمن حسدني ، حسبي الله لمن كادني بسوء ، حسبي الله عند الموت ، حسبي الله عند المسألة في القبر ، حسبي الله عند الميزان ، حسبي الله عند الصراط ، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب » .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل } قال { النعمة } أنهم سلموا و { الفضل } إن عيراً مرَّت وكان في أيام الموسم فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم فربح مالاً فقسمه بين أصحابه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال « الفضل » ما أصابوا من التجارة والأجر .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال : أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى غزوة بدر الصغرى ببدر دراهم ابتاعوا بها من موسم بدر ، فأصابوا تجارة فذلك قول الله { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء } قال : أما النعمة فهي العافية ، وأما الفضل فالتجارة ، والسوء القتل .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { لم يمسسهم سوء } قال : لم يؤذهم أحد { واتبعوا رضوان الله } قال : أطاعوا الله ورسوله .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف من طريق عطاء عن ابن عباس أنه كان يقرأ { إنما ذلكم الشيطان يخوّفكم أولياءه } .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس { إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه } يقول : الشيطان يخوّف المؤمنين بأوليائه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد { إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه } قال : يخوّف المؤمنين بالكفار .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك { يخوّف أولياءه } قال : يعظم أولياءه في أعينكم .
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة في الآية قال : تفسيرها يخوّفكم بأوليائه .
وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم في الآية قال : يخوّف الناس أولياءه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : إنما كان ذلك تخويف الشيطان ، ولا يخاف الشيطان إلا ولي الشيطان .
وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } قال : هم المنافقون . (3/1)
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } قال : هم الكفار .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد { إن الذين اشتروا الكفر بالإِيمان } قال : هم المنافقون . والله أعلم .
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178)
أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو بكر المروزي في الجنائز وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال : ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها من الحياة ، إن كان براً فقد قال الله { وما عند الله خير للأبرار } وإن كان فاجراً فقد قال الله { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً } . (3/2)
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أبي الدرداء قال : ما من مؤمن إلا الموت خير له ، وما من كافر إلا الموت خير له . فمن لم يصدقني فإن الله يقول { وما عند الله خير للأبرار } [ آل عمران : 198 ] { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين } .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن محمد بن كعب قال : الموت خير للكافر والمؤمن ، ثم تلا هذه الآية ، ثم قال : إن الكافر ما عاش كان أشد لعذابه يوم القيامة .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي برزة قال : ما أحد إلا والموت خير له من الحياة ، فالمؤمن يموت فيستريح ، وأما الكافر فقد قال الله { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير } الآية .
مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : قالوا إن كان محمد صادقاً فليخبرنا بمن يؤمن به منا ومن يكفر؟ فأنزل الله { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه . . . } الآية . (3/3)
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال : « يقول للكفار { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه } من الكفر { حتى يميز الخبيث من الطيب } فيميز أهل السعادة من أهل الشقاوة » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : يقول للكفار لم يكن ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه من الضلالة حتى يميز الخبيث من الطيب ، فميز بينهم في الجهاد والهجرة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال : ميز بينهم يوم أحد . المنافق من المؤمن .
وأخرج سعيد بن منصور عن مالك بن دينار أنه قرأ { حتى يميز الخبيث من الطيب } .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { حتى يميز الخبيث من الطيب } مخففة منصوبة الياء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { وما كان الله ليطلعكم على الغيب } قال : ولا يَّطلع على الغيب إلا رسول .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء } قال : يختصهم لنفسه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك { يَجْتَبي } قال : يَسْتَخْلِص .
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله } يعني بذلك أهل الكتاب أنهم بخلوا بالكتاب أن يبينوه للناس { سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة } ألم تسمع أنه قال { يبخلون ويأمرون الناس بالبخل } [ النساء : 37 ] يعني أهل الكتاب يقول : يكتمون ويأمرون الناس بالكتمان . (3/4)
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله } قال : هم يهود .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله } قال : بخلوا أن ينفقوها في سبيل الله ولم يُؤدوا زكاتها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : هم كافر ومؤمن بخل أن ينفق في سبيل الله .
وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له شجاع أقرع له زبيبتان يطوّقه يوم القيامة ، فيأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - فيقول : أنا مالك . أنا كنزك . ثم تلا هذه الآية { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله . . . } الآية » .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن ماجة والنسائي وابن جرير وابن خزيمة وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا مثل له يوم القيامة شجاعاً أقرع يفر منه وهو يتبعه فيقول : أنا كنزك حتى يطوّق في عنقه . ثم قرأ علينا النبي صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب الله { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله . . . } الآية » .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله { سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة } قال : من كان له مال لم يؤد زكاته طوقه الله يوم القيامة شجاعاً أقرع بفيه زبيبتان ينقر رأسه حتى يخلص إلى دماغه . ولفظ الحاكم : ينهسه في قبره فيقول : ما لي ولك؟! فيقول : أنا مالك الذي بخلت بي .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال : يكون المال على صاحبه يوم القيامة شجاعاً أقرع إذا لم يعط الله منه ، فيتبعه وهو يلوذ منه .
وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده وابن جرير عن حجر بن بيان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل ما أعطاه الله إياه فيبخل عليه إلا خرج له يوم القيامة من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوقه . ثم قرأ { ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله . . . } الآية » .
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير والبيهقي في الشعب عن معاوية بن حيدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « لا يأتي الرجل مولاه فيسأله من فضل مال عنده ، فيمنعه إياه إلا دعى له يوم القيامة شجاع يتلمظ فضله الذي منع » . (3/5)
وأخرج الطبراني عن جرير بن عبد الله البجلي قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله فضلاً أعطاه الله إياه فيبخل عليه إلا أخرج الله له حية من جهنم يقال لها شجاع يتلمظ فيطوّق به » .
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب عن أبي الدرداء « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يؤتى بصاحب المال الذي أطاع الله فيه وماله بين يديه كلما تكفأ به الصراط قال له ماله : أمض فقد أديت حق الله فيّ . ثم يُجاء بصاحب المال الذي لم يطع الله فيه وماله بين كتفيه كلما تكفأ به الصراط قال له ماله : ويلك ألا أديت حق الله فيّ؟! فما يزال كذلك حتى يدعو بالويل والثبور » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مسروق في الآية قال : هو الرجل يرزقه الله المال فيمنع قرابته الحق الذي جعله الله لهم في ماله ، فيجعل حية فيطوقها فيقول للحية : مالي ولك؟! فتقول : أنا مالك .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي في قوله { سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة } قال : طوقاً من نار .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { سيطوّقون ما بخلوا به } قال : سيكلفون أن يأتوا بمثل ما بخلوا به من أموالهم يوم القيامة .
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182)
أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : « دخل أبو بكر بيت المدراس فوجد يهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص ، وكان من علمائهم وأحبارهم فقال أبو بكر : ويلك يا فنحاص . ! اتق الله وأسلم ، فوالله أنك لتعلم أن محمداً رسول الله تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة فقال فنحاص : والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر ، وإنه إلينا لفقير ، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا ، وإنا عنه لأغنياء ، ولو كان غنياً عنا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم ، ينهاكم عن الربا ويعطينا ، ولو كان غنياً عنا ما أعطانا الربا . فغضب أبو بكر فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال : والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدوّ الله . فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد انظر ما صنع صاحبك بي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر » ما حملك على ما صنعت؟ قال : يا رسول الله قال قولاً عظيماً : يزعم أن الله فقير وأنهم أغنياء . فلما قال ذلك غضبت لله مما قال فضربت وجهه . فجحد فنحاص فقال : ما قلت ذلك . فأنزل الله فيما قال فنحاص تصديقاً لأبي بكر { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير . . . . } الآية « ونزل في أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً . . . . } [ آل عمران : 186 ] . (3/6)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن عكرمة » أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر إلى فنحاص اليهودي يستمده ، وكتب إليه وقال لأبي بكر : لا تفتت عليّ بشيء حتى ترجع إليَّ . فلما قرأ فنحاص الكتاب قال : قد احتاج ربكم . قال أبو بكر ، فهممت أن أمده بالسيف ، ثم ذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تفتت عليّ بشيء . فنزلت { لقد سمع الله قول الذين قالوا . . . } الآية . وقوله { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } [ آل عمران : 186 ] وما بين ذلك في يهود بني قينقاع .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير } قالها فنحاص اليهودي من نبي مرثد لقيه أبو بكر فكلمه فقال له : يا فنحاص اتق الله ، وآمن وصدق ، وأقرض الله قرضاً حسناً . فقال فنحاص : يا أبا بكر تزعم أن ربنا فقير وتستقرضنا أموالنا وما يستقرض إلا الفقير من الغني ، إن كان ما تقول حقاً فإن الله إذن لفقير . فأنزل الله هذا فقال أبو بكر : فلولا هدنة كانت بين بني مرثد وبين النبي صلى الله عليه وسلم لقتلته .