صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور |
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { الحق من ربك فلا تكن من الممترين } يعني فلا تكن في شك من عيسى ، إنه كمثل آدم عبدالله ورسوله وكلمته . (2/351)
وأخرج ابن المنذر عن الشعبي قال : « قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : حدثنا عن عيسى ابن مريم قال : رسول الله ، وكلمته ألقاها إلى مريم . قالوا : ينبغي لعيسى أن يكون فوق هذا . فأنزل الله { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم . . . } الآية . قالوا : ما ينبغي لعيسى أن يكون مثل آدم . فأنزل الله { فمن حاجَّك فيه من بعد ما جاءك من العلم . . . } الآية » .
وأخرج ابن جرير عن عبدالله بن الحرث بن جزء الزبيدي « أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ليت بيني وبين أهل نجران حجاباً فلا أراهم ولا يروني ، من شدة ما كانوا يمارون النبي صلى الله عليه وسلم » .
وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق سلمة بن عبد يشوع عن أبيه عن جده « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه » طس « سليمان . بسم الله إله إبراهيم وإسحق ويعقوب ، من محمد رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران . إن أسلمتم فإني أحمد إليكم الله إله إبراهيم وإسحق ويعقوب . أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد ، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد ، فإن أبيتم فالجزية ، وإن أبيتم فقد آذنتكم بالحرب ، والسلام . فلما قرأ الأسقف الكتاب فظع به وذعر ذعراً شديداً ، فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة ، فدفع إليه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقرأه فقال له الأسقف : ما رأيك . . . ؟ فقال شرحبيل : قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوّة ، فما يؤمن أن يكون هذا الرجل! ليس لي في النبوّة رأي ، لو كان رأي من أمر الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك .
فبعث الأسقف إلى واحد بعد واحد من أهل نجران ، فكلهم قال مثل قول شرحبيل ، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة ، وعبدالله بن شرحبيل ، وجبار بن فيض ، فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانطلق الوفد حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم وسألوه ، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له : ما تقول في عيسى ابن مريم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما عندي فيه شيء يومي هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى صبح الغد .
فأنزل الله هذه الآية { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب } إلى قوله { فنجعل لعنة الله على الكاذبين } فأبوا أن يقروا بذلك . (2/352)
فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعدما أخبرهم الخبر أقبل مشتملاً على الحسن والحسين في خميلة له ، وفاطمة تمشي خلف ظهره للملاعنة ، وله يومئذ عدة نسوة فقال شرحبيل لصاحبيه : إني أرى أمراً مقبلاً ان كان هذا الرجل نبياً مرسلاً فلاعناه لا يبقي على الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك فقالا له : ما رأيك؟ فقال : رأيي أن أحكمه فإني أرى رجلاً لا يحكم شططاً أبداً . فقالا له : أنت وذاك . فتلقى شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني قد رأيت خيراً من ملاعنتك قال : وما هو؟ قال : حكمك اليوم إلى الليل ، وليلتك إلى الصباح ، فمهما حكمت فينا فهو جائز . فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلاعنهم وصالحهم على الجزية « .
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو نعيم في الدلائل عن حذيفة » أن العاقب ، والسيد ، أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يلاعنهما فقال أحدهما لصاحبه : لا تلاعنه فوالله لئن كان نبياً فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا فقالوا له : نعطيك ما سألت فابعث معنا رجلاً أميناً فقال : قم يا أبا عبيدة . فلما وقف قال : هذا أمين هذه الأمة « .
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن جابر قال » قدم على النبي صلى الله عليه وسلم العاقب ، والسيد ، فدعاهما إلى الإِسلام فقالا : أسلمنا يا محمد قال : كذبتما إن شئتما أخبرتكما بما يمنعكما من الإِسلام . قالا : فهات . قال : حب الصليب ، وشرب الخمر ، وأكل لحم الخنزير ، قال جابر : فدعاهما إلى الملاعنة ، فوعداه إلى الغد ، فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخذ بيد علي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيباه ، وأقرا له ، فقال : والذي بعثني بالحق لو فعلا لأمطر الوادي عليهما ناراً . قال جابر : فيهم نزلت { تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم . . . } الآية . قال جابر : أنفسنا وأنفسكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي ، وأبناءنا الحسن والحسين ، ونساءنا فاطمة « .
وأخرج الحاكم وصححه عن جابر » أن وفد نجران أتوا النبي فقالوا : ما تقول في عيسى؟ فقال : هو روح الله ، وكلمته ، وعبد الله ، ورسوله ، قالوا له : هل لك أن نلاعنك أنه ليس كذلك؟ قال : وذاك أحب إليكم؟ قالوا : نعم . قال : فإذا شئتم . فجاء وجمع ولده الحسن والحسين ، فقال رئيسهم : لا تلاعنوا هذا الرجل فوالله لئن لاعنتموه ليخسفن بأحد الفريقين فجاؤوا فقالوا : يا أبا القاسم إنما أراد أن يلاعنك سفهاؤنا ، وإنا نحب أن تعفينا . قال قد أعفيتكم ثم قال : إن العذاب قد أظل نجران « .
وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس « أن وفد نجران من النصارى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم . منهم السيد وهو الكبير ، والعاقب وهو الذي يكون بعده ، وصاحب رأيهم ، فقال رسول الله لهما : أسلما قالا : أسلمنا . قال : ما أسلمتما . قالا : بلى . قد أسلمنا قبلك . قال : كذبتما يمنعكم من الإسلام ثلاث فيكما . عبادتكما الصليب ، وأكلكما الخنزير ، وزعمكما أن لله ولداً . ونزل { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب . . . } الآية . فلما قرأها عليهم قالوا : ما نعرف ما تقول . ونزل { فمن حاجَّك فيه من بعد ما جاءك من العلم } يقول : من جادلك في أمر عيسى من بعد ما جاءك من العلم من القرآن { فقل تعالوا } إلى قوله { ثم نبتهل } يقول : نجتهد في الدعاء أن الذي جاء به محمد هو الحق ، وإن الذي يقولون هو الباطل فقال لهم : إن الله قد أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم فقالوا : يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك . فخلا بعضهم ببعض وتصادقوا فيما بينهم قال السيد للعاقب : قد والله علمتم أن الرجل نبي مرسل ، ولئن لاعنتموه إنه ليستأصلكم ، وما لاعن قوم قط نبياً فبقي كبيرهم ، ولا نبت صغيرهم . فإن أنتم لم تتعوه وأبيتم إلا إلف دينكم فوادعوه وارجعوا إلى بلادكم . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ومعه علي ، والحسن ، والحسين ، وفاطمة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » إن أنا دعوت فأمنوا أنتم . فأبوا أن يلاعنوه وصالحوه على الجزية « » . (2/353)
وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس « أن ثمانية من أساقف العرب من أهل نجران قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم العاقب ، والسيد ، فأنزل الله { قل تعالوا ندع أبناءنا } إلى قوله { ثم نبتهل } يريد ندع الله باللعنة على الكاذب . فقالوا : أخرنا ثلاثة أيام ، فذهبوا إلى بني قريظة ، والنضير ، وبني قينقاع ، فاستشارهم . فاشاروا عليهم أن يصالحوه ولا يلاعنوه ، وهو النبي الذي نجده في التوراة . فصالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على ألف حلة في صفر ، وألف في رجب ودراهم » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الدلائل عن قتادة { فمن حاجَّك فيه } في عيسى { فقل تعالوا ندع أبناءنا . . . . } الآية « فدعا النبي صلى الله عليه وسلم لذلك وفد نجران ، وهم الذين حاجوه في عيسى فنكصوا وأبوا . وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن كان العذاب لقد نزل على أهل نجران ، ولو فعلوا لاستؤصلوا عن وجه الأرض » . (2/354)
وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم عن الشعبي قال « كان أهل نجران أعظم قوم من النصارى قولاً في عيسى ابن مريم ، فكانوا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم فيه . فأنزل الله هذه الآيات في سورة آل عمران { إن مثل عيسى عند الله } إلى قوله { فنجعل لعنة الله على الكاذبين } فأمر بملاعنتهم ، فواعدوه لغد ، فغدا النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الحسن ، والحسين ، وفاطمة ، فأبوا أن يلاعنوه وصالحوه على الجزية فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد أتاني البشير بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشجر لو تموا على الملاعنة » .
وأخرج عبد الرزاق والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال « لو باهل أهل نجران رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا مالاً » .
وأخرج مسلم والترمذي وابن المنذر والحاكم والبيهقي في سننه عن سعد بن أبي وقاص قال : « لما نزلت هذه الآية { فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم } دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً ، وفاطمة ، وحسناً ، وحسيناً ، فقال » اللهم هؤلاء أهلي « » .
وأخرج ابن جرير عن غلباء بن أحمر اليشكري قال « لما نزلت هذه الآية { فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم . . . } الآية . أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي ، وفاطمة ، وابنيهما الحسن ، والحسين ، ودعا اليهود ليلاعنهم فقال شاب من اليهود : ويحكم أليس عهدكم بالأمس إخوانكم الذين مسخوا قردة وخنازير؟ لا تلاعنوا . فانتهوا » .
وأخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية { تعالوا ندع أبناءنا . . . } الآية . قال : فجاء بأبي بكر وولده ، وبعمر وولده ، وبعثمان وولده ، وبعلي وولده .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عباس { ثم نبتهل } نجتهد .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هذا الإخلاص يشير بأصبعه التي تلي الإبهام ، وهذا الدعاء فرفع يديه حذو منكبيه ، وهذا الابتهال فرفع يديه مداً » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { إن هذا لهو القصص الحق } يقول : إن هذا الذي قلنا في عيسى هو الحق .
وأخرج عبد بن حميد عن قيس بن سعد قال : كان بين ابن عباس وبين آخر شيء فقرأ هذه الآية { تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل } فرفع يديه واستقبل الركن { فنجعل لعنة الله على الكاذبين } .
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)
أخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال « كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما { قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا . . . } [ البقرة : 136 ] الآية . وفي الثانية { تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } » . (2/355)
وأخرج عبد الرزاق والبخاري ومسلم والنسائي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال « حدثني أبو سفيان أن هرقل دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه ، فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى . أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام . أسلم تسلم . أسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الاريسيين { يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً } إلى قوله { اشهدوا بأنا مسلمون } » .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس أن كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكفار { تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم . . . } الآية .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله { تعالوا إلى كلمة . . . } الآية . قال : بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا يهود أهل المدينة إلى ذلك فأبوا عليه . فجاهدهم حتى أتوا بالجزية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال « ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا يهود أهل المدينة إلى الكلمة السواء ، وهم الذين حاجوا في إبراهيم وزعموا أنه مات يهودياً ، وأكذبهم الله ونفاهم منه فقال { يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم . . . } [ آل عمران : 65 ] الآية » .
وأخرج ابن جرير عن الربيع قال « ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا اليهود إلى الكلمة السواء » .
وأخرج عن محمد بن جعفر بن الزبير في قوله { قل يا أهل الكتاب تعالوا . . . } الآية قال : فدعاهم إلى النصف وقطع عنهم الحجة . يعني وفد نجران .
وأخرج عن السدي قال « ثم دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يعني الوفد من نصارى نجران فقال : { يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء . . . } الآية » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة { تعالوا إلى كلمة سواء } قال : عدل .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع . مثله .
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { سواء بيننا وبينكم } قال : عدل . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم أما سمعت قول الشاعر :
تلاقينا تعاصينا سواء ... ولكن حم عن حال بحال
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : كلمة السواء لا إله إلا الله .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد { تعالوا إلى كلمة سواء } قال : لا إله إلا الله .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله { ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله } قال : لا يطيع بعضنا بعضاً في معصية الله ويقال : إن تلك الربوبية أن يطيع الناس سادتهم وقادتهم في غير عبادة وإن لم يصلوا لهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً } قال : سجود بعضهم لبعض .
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66)
أخرج ابن اسحق وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال : « اجتمعت نصارى نجران ، وأحبار يهود ، عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتنازعوا عنده فقالت الأحبار : ما كان إبراهيم إلا يهودياً ، وقالت النصارى : ما كان إبراهيم إلا نصرانياً . فأنزل الله فيهم { يا أهل الكتاب لما تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده } إلى قوله { والله ولي المؤمنين } فقال أبو رافع القرظي : أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران : أذلك تريد يا محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : معاذ الله أن أعبد غير الله ، أو آمر بعبادة غيره . ما بذلك بعثني ، ولا أمرني . فأنزل الله في ذلك من قولهما { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله } [ آل عمران : 79 ] إلى قوله { بعد إذ أنتم مسلمون } ثم ذكر ما أخذ عليهم وعلى آبائهم من الميثاق بتصديقه إذا هو جاءهم ، وإقرارهم به على أنفسهم فقال { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } [ آل عمران : 81 ] إلى قوله { من الشاهدين } » . (2/356)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال « ذكر النبي صلى الله عليه وسلم دعا يهود أهل المدينة ، وهم الذين حاجوا في إبراهيم ، وزعموا أنه مات يهودياً . فأكذبهم الله وتفاهم منه فقال { يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم } وتزعمون أنه كان يهودياً أونصرانياً { وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده } فكانت اليهودية بعد التوراة ، وكانت النصرانية بعد الإنجيل { أفلا تعقلون } » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم } قال : اليهود والنصارى برأه الله منهم حين ادعى كل أمة منهم ، وألحق به المؤمنين من كان من أهل الحنيفية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي { يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم } قالت النصارى : كان نصرانياً . وقالت اليهود : كان يهودياً . فأخبرهم الله أن التوراة والإنجيل إنما أنزلتا من بعده ، وبعده كانت اليهودية والنصرانية .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية { ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم } يقول : فيما شهدتم ورأيتم وعاينتم { فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم } يقول : فيما لم تشهدوا ولم تروا تعاينوا .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة . مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : أما الذي لهم به علم فما حرم عليهم وما أُمروا به ، وأما الذي ليس لهم به علم فشأن إبراهيم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : يعذر من حاج بعلم ، ولا يعذر من حاج بالجهل .
مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)
وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال : قالت اليهود : إبراهيم على ديننا . وقال النصارى : هو على ديننا . فأنزل الله { ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً . . . } الآية . فأكذبهم وأدحض حجتهم . (2/357)
وأخرج عن الربيع . مثله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال : قال كعب وأصحابه ونفر من النصارى : إن إبراهيم منا ، وموسى منا ، والأنبياء منا . فقال الله { ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً } .
وأخرج ابن جرير عن سالم بن عبدالله لا أراه إلا يحدثه عن أبيه : أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه ، فلقي عالماً من اليهود فسأله عن دينه وقال : إني لعلّي أن أدين دينكم فأخبرني عن دينكم؟ فقال له اليهودي : إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله قال زيد : ما أفر إلا من غضب الله ، ولا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً ، فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟ قال : ما أعلمه الا أن تكون حنيفاً . قال : وما الحنيف؟ قال : دين إبراهيم لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ، وكان لا يعبد إلا الله . فخرج من عنده فلقي عالماً من النصارى فسأله عن دينه؟ فقال : إنّي لعلّي أن أدين دينكم فأخبرني عن دينكم؟ قال : إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله قال : لا أحتمل من لعنة الله شيئاً ، ولا من غضب الله شيئاً أبداً فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟ فقال له نحو ما قاله اليهودي : لا أعلمه إلا أن تكون حنيفاً . فخرج من عندهم وقد رضي بالذي أخبراه ، والذي اتفقا عليه من شأن إبراهيم . فلم يزل رافعاً يديه ألى الله وقال : اللهم إني أشهدك اني على دين إبراهيم .
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)
أخرج عبد بن حميد من طريق شهر بن حوشب حدثني ابن غنم . أنه لما خرج أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي أدركهم عمرو بن العاص ، وعمارة بن أبي معيط ، فأرادوا عنتهم والبغي عليهم ، فقدموا على النجاشي وأخبروه أن هؤلاء الرهط الذين قدموا عليك من أهل مكة إنما يريدون أن يخبلوا عليك ملكك ، ويفسدوا عليك أرضك ، ويشتموا ربك . فأرسل إليهم النجاشي فلما أن أتوه قال : ألا تسمعون ما يقول صاحباكم هذان؟ لعمرو بن العاص ، وعمارة بن أبي معيط ، يزعمان أنما جئتم لتخبلوا عليَّ ملكي ، وتفسدوا علي أرضي . فقال عثمان بن مظعون ، وحمزة : إن شئتم فخلوا بين أحدنا وبين النجاشي فلنكلمه فانا أَحْدَثَكُمْ سناً ، فإن كان صواباً فالله يأتي به ، وإن كان أمراً غير ذلك قلتم رجل شاب لكم في ذلك عذر . فجمع النجاشي قسيسيه ورهبانه وتراجمته ، ثم سألهم أرأيتكم صاحبكم هذا الذي من عنده جئتم ما يقول لكم ، وما يأمركم به ، وما ينهاكم عنه . هل له كتاب يقرأه؟ قالوا : نعم . هذا الرجل يقرأ ما أنزل الله عليه ، وما قد سمع منه ، وهو يأمر بالمعروف ، ويأمر بحسن المجاورة ، ويأمر باليتيم ، ويأمر بأن يعبد الله وحده ولا يعبد معه إله أخر . فقرأ عليه سورة الروم ، وسورة العنكبوت ، وأصحاب الكهف ، ومريم . فلما ان ذكر عيسى في القرآن أراد عمرو أن يغضبه عليهم فقال : والله إنهم ليشتمون عيسى ويسبونه قال النجاشي : ما يقول صاحبكم في عيسى؟ قال : يقول ان عيسى عبدالله ، ورسوله ، وروحه ، وكلمته ألقاها إلى مريم . فأخذ النجاشي نفثة من سواكه قدر ما يقذي العين ، فحلف ما زاد المسيح على ما يقول صاحبكم ما يزن ذلك القذى في يده من نفثة سواكه ، فابشروا ولا تخافوا فلا دهونة يعني بلسان الحبشة اليوم على حزب إبراهيم قال عمرو بن العاص : ما حزب إبراهيم؟ قال : هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاؤوا من عنده ومن اتبعهم . فأنزلت ذلك اليوم خصومتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين } . (2/358)
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن لكل نبي ولاة من النبيين ، وإن وليي منهم أبي وخليل ربي ثم قرأ { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين } » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحكم بن ميناء « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا معشر قريش إن أولى الناس بالنبي المتقون ، فكونوا أنتم بسبيل ذلك ، فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الأعمال ، وتلقوني بالدنيا تحولنها فأصدُّ عنكم بوجهي . ثم قرأ عليهم هذه الآية { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين } » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه } قال : هم المؤمنون . (2/359)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه } يقول الذين اتبعوه على ملته ، وسنته ، ومنهاجه ، وفطرته ، { وهذا النبي } وهو نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم { والذين آمنوا معه } وهم المؤمنون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : كل مؤمن ولي لإبراهيم ممن مضى وممن بقي .
وأخرج أحمد وابن أبي داود في البعث وابن أبي الدنيا في العزاء والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور عن أبي هريرة قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أولاد المؤمنين في جبل في الجنة يكفلهم إبراهيم وسارة حتى يردهم إلى آبائهم يوم القيامة » .
وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سفيان قال : كل شيء في آل عمران من ذكر اهل الكتاب فهو في النصارى . (2/360)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { يا أهل الكتاب لمَ تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون } قال : تشهدون أن نعت نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم في كتابكم ثم تكفرون به ، وتنكرونه ، ولا تؤمنون به ، وأنتم تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل . النبي الأمي .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع . مثله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { يا أهل الكتاب لمَ تكفرون بآيات الله } قال : محمد { وأنتم تشهدون } قال : تشهدون أنه الحق تجدونه مكتوباً عندكم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل { لم تكفرون بآيات الله } قال : بالحجج { وأنتم تشهدون } ان القرآن حق ، وأن محمداً رسول الله تجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج { لمَ تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون } على أن الدين عند الله الإسلام ، ليس لله دين غيره .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله { لمَ تلبسون الحق بالباطل } يقول : لمَ تخلطون اليهودية والنصرانية بالإسلام ، وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره الإسلام { وتكتمون الحق } يقول : تكتمون شأن محمد صلى الله عليه وسلم وأنتم تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة . مثله .
وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : قال عبدالله بن الضيف ، وعدي بن زيد ، والحرث بن عوف ، بعضهم لبعض : تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة ونكفر به عشية ، حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون كما نصنع فيرجعون عن دينهم . فأنزل الله فيهم { يا أهل الكتاب لمَ تلبسون الحق بالباطل } إلى قوله { والله واسع عليم } .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك قال : قالت اليهود بعضهم لبعض : آمنوا معهم بما يقولون أول النهار وارتدوا آخره لعلهم يرجعون معكم . فاطلع الله على سرهم ، فأنزل الله تعالى { وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل . . . } الآية .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { وقالت طائفة من أهل الكتاب } الآية . قال : كان أحبار قرى عربية إثنى عشر حبراً فقالوا لبعضهم : أدخلوا في دين محمد أول النهار وقولوا : نشهد أن محمداً حق صادق ، فإذا كان آخر النهار فاكفروا ، وقولوا : إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم فحدثونا : أن محمداً كاذب ، وإنكم لستم على شيء ، وقد رجعنا إلى ديننا فهو أعجب إلينا من دينكم لعلهم يشكون فيقولون : هؤلاء كانوا معنا أول النهار فما بالهم! فأخبر الله رسوله بذلك .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عت ابن عباس في قوله { وقالت طائفة . . . } الآية . قال : أن طائفة من اليهود قالت : إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار فآمنوا ، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم لعلهم يقولون هؤلاء أهل الكتاب ، وهم أعلم منا لعلهم ينقلبون عن دينهم . (2/361)
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة من طريق أبي ظبيان عن ابن عباس في قوله { وقالت طائفة . . . } الآية . قال : كانوا يكونون معهم أول النهار ويجالسونهم ويكلمونهم ، فإذا أمسوا وحضرت الصلاة كفروا به وتركوه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار } يهود تقوله ، صلت مع محمد صلاة الفجر ، وكفروا آخر النهار مكراً منهم ليروا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالة بعد إذ كانوا اتبعوه .
وأخرج ابن جرير عن قتادة والربيع في قوله { وجه النهار } قالا : أول النهار .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } قال : هذا قول بعضهم لبعض .
وأخرج ابن جرير عن الربيع . مثله .
وأخرج ابن جرير عن السدي { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } قال : لا تؤمنوا إلا لمن تبع اليهودية .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك قال : كانت اليهود تقول أحبارها للذين من دينهم : ائتوا محمداً وأصحابه أول النهار فقولوا نحن على دينكم ، فإذا كان بالعشي فأتوهم فقولوا لهم : إنا كفرنا بدينكم ونحن على ديننا الأول ، إنا قد سألنا علماءنا فأخبرونا أنكم لستم على شيء . وقالوا لعل المسلمين يرجعون إلى دينكم فيكفرون بمحمد { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } فأنزل الله { قل إن الهدى هدى الله } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } حسداً من يهود أن تكون النبوّة في غيرهم ، وإرادة أن يتابعوا على دينهم .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك وسعيد بن جبير { أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } قالا : أمة محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال الله لمحمد { قل إن الهدى هدى الله } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : قال الله لمحمد { قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } يا أمة محمد { أو يحاجوكم عند ربكم } يقول اليهود : فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة حتى أنزل علينا المن والسلوى ، فإن الذي أعطاكم أفضل فقولوا { إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة { قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } يقول : لما أنزل الله كتاباً مثل كتابكم ، وبعث نبياً كنبيكم حسدتموه على ذلك { قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء } . (2/362)
وأخرج ابن جرير عن الربيع . مثله .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج { قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم } يقول : هذا الأمر الذي أنتم عليه مثل ما أوتيتم { أو يحاجُّوكم عند ربكم } قال : قال بعضهم لبعض : لا تخبروهم بما بينَّ الله لكم في كتابه { ليحاجُّوكم } قال : ليخاصموكم به ربكم ، فتكون لهم حجة عليكم { قل إن الفضل بيد الله } قال : الإسلام { يختص برحمته من يشاء } قال : القرآن والإسلام .
وأخرج عبد بن حميد وابن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { يختص برحمته من يشاء } قال : النبوّة يختص بها من يشاء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن { يختص برحمته من يشاء } قال : رحمته الإسلام . يختص بها من يشاء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { ذو الفضل العظيم } يعني الوافر .
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك } قال : هذا من النصارى { ومنهم من أن تأمنه بدينار لا يؤدِّه إليك } قال : هذا من اليهود { إلا ما دمت عليه قائماً } قال : إلا ما طلبته واتبعته . (2/363)
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدِّه إليك } قال : كانت تكون ديون لأصحاب محمد عليهم فقالوا : ليس علينا سبيل في أموال أصحاب محمد إن أمسكناها . وهم أهل الكتاب أمروا أن يؤدوا إلى كل مسلم عهده .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك ين دينار قال : إنما سمي الدينار لأنه دين ، ونار ، قال : معناه أن من أخذه بحقه فهو دينه ، ومن أخذ بغير حقه فله النار .
وأخرج الخطيب في تاريخه عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن الدرهم لمَ سمي درهماً ، وعن الدينار لمَ سمي ديناراً؟ قال : أما الدرهم فكان يسمى دارهم ، وإما الدينار فضربته المجوس فسمي ديناراً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم مجاهد { إلا ما دمت عليه قائماً } قال : مواظباً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي { إلا ما دمت عليه قائماً } يقول : يعترف بأمانته ما دمت عليه قائماً على رأسه ، فإذا قمت ثم جئت تطلبه كافرك الذي يؤدي والذي يجحد .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل } قال قالت اليهود : ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال : يقال له ما بالك لا يؤدي أمانتك؟؟ فيقول : ليس علينا حرج في أموال العرب ، قد أحلَّها الله لنا .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابي أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال « لما نزلت { ومن أهل الكتاب } إلى قوله { ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل } قال النبي صلى الله عليه وسلم : كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة فإنها مؤدَّاة إلى البر والفاجر » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن صعصعة . أنه سأل ابن عباس فقال : إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة . قال ابن عباس : فتقولون ماذا؟ قال : نقول ليس علينا في ذلك من بأس . قال : هذا كما قال أهل الكتاب { ليس علينا في الأميين سبيل } إنهم أدُّوا الجزية لم تحلَّ لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في الآية قال : بايع اليهودَ رجالٌ من المسلمين في الجاهلية فلما أسلموا تقاضوهم ثمن بيوعهم فقالوا : ليس علينا أمانة ، ولا قضاء لكم عندنا لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه ، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم فقال الله { ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } .
وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس { بلى من أوفى بعهده واتقى } يقول : اتقى الشرك { فإن الله يحب المتقين } يقول الذين يتقون الشرك .
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)
أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان . فقال الأشعث بن قيس : فيَّ والله كان ذلك ، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني ، فقدمته النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألك بيَّنة . . . ؟ قلت : لا . فقال لليهودي : احلف . . . فقلت : يا رسول الله إذن يحلف فيذهب مالي . فأنزل الله { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً } إلى آخر الآية » . (2/364)
وأخرج عبد بن حميد والبخاري وابن المنذر أبي حاتم عن عبد الله بن أبي أوفى . أن رجلاً أقام سلعة له في السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه ، ليوقع فيها رجلاً من المسلمين . فنزلت هذه الآية { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً . . . } إلى آخر الأية .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الشعب وابن عساكر عن عدي بن بحيرة قال « كان بين امرئ القيس ورجل من حضرموت خصومة فارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال للحضرمي : بينتك وإلا فيمينة قال : يا رسول الله إن حلف ذهب بأرضي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها حق أخيه لقي الله وهو عليه غضبان . فقال امرؤ القيس : يا رسول الله فما لمن تركها وهو يعلم أنها حق؟ قال : الجنة . . . فقال : أشهدك إني قد تركتها . فنزلت هذه الآية { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً } » إلى آخر الآية . لفظ ابن جرير .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج « أن الأشعث بن قيس اختصم هو ورجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض كانت في يده لذلك الرجل أخذها في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقم بينتك قال الرجل : ليس يشهد لي أحد على الأشعث قال : فلك يمينه فقال الأشعث : نحلف . فأنزل الله { إن الذين يشترون بعهد الله . . . } الآية . فنكل الأشعث وقال : إني أشهد الله وأشهدكم أن خصمي صادق ، فرد إليه أرضه ، وزاده من أرض نفسه زيادة كثيرة » .
وأخرج ابن جرير عن الشعبي ، أن رجلاً أقام سلعته من أول النهار ، فلما كان آخره جاء رجل يساومه ، فحلف لقد منعها أول النهار من كذا ، ولولا المساء ما باعها به .
فأنزل الله { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً } . (2/365)
وأخرج ابن جرير عن مجاهد . نحوه .
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال : نزلت هذه الآية { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً } في أبي رافع ، وكنانة بن أبي الحقيق ، وكعب بن الأشرف ، وحيي بن أخطب .
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق ابن عون عن إبراهيم ومحمد والحسن في قوله { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً } قالوا : هو الرجل يقتطع مال الرجل بيمينه .
وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن وائل بن حجر قال « جاء رجل من حضرموت ، ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي : يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي . قال الكندي : هي أرض كانت في يدي أزرعها ليس له فيها حق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي : ألك بينة؟ قال : لا . قال : فلك يمينه فقال : يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه ، وليس يتورع عن شيء فقال : ليس لك منه إلا ذلك ، فانطلق ليحلف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أدبر : لئن حلف على مال ليأكله ظلماً ليلقين الله وهو عنه معرض » .
وأخرج أبو داود وابن ماجة عن الأشعث بن قيس « أن رجلاً من كندة ، وآخر من حضرموت ، اختصما إلى رسول الله صلى عليه وسلم في أرض من اليمن فقال الحضرمي : يا رسول الله إن أرضي اغتصبها أبو هذا وهي في يده فقال : هل لك بينة؟ قال : لا . ولكن أحلفه والله ما يعلم أنها أرضي اغتصبها أبوه . فتهيأ الكندي لليمين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يقتطع أحد مالاً بيمين إلا لقي الله وهو أجذم فقال الكندي : هي أرضه » .
وأخرج أحمد والبزار وأبو يعلى والطبراني بسند حسن عن أبي موسى قال « اختصم رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أرض أحدهما من حضرموت ، فجعل يمين أحدهما فضج الآخر وقال : إذن يذهب بأرضي فقال : إن هو اقتطعها بيمينه ظلماً كان ممن لا ينظر الله إليه يوم القيامة ، ولا يزكيه ، وله عذاب أليم ، قال : وروع الآخر فردها » .
وأخرج أحمد بن منيع في مسنده والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن مسعود قال : كنا نعد من الذنب الذي ليس كفارة اليمين الغموس قيل : وما اليمين الغموس؟ فقال : الرجل يقتطع بيمينه مال الرجل .
وأخرج ابن حبان والطبراني والحاكم وصححه عن الحرث بن البرصاء : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج بين الجمرتين وهو يقول : « من اقتطع مال أخيه بيمين فاجرة فليتبوّأ مقعده من النار . ليبلِّغ شاهدكم غائبكم مرتين أو ثلاثاً » .
وأخرج البزار عن عبد الرحمن بن عوف « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اليمين الفاجرة تذهب بالمال » . (2/366)
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس مما عُصِيَ الله به هو أعجل عقاباً من البغي ، وما من شيء أُطيع الله فيه أسرع ثواباً من الصلة . واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع » .
وأخرج الحرث بن أبي أسامة والحاكم وصححه عن كعب بن مالك « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين مسلم كاذبة كانت نكتة سوداء في قلبه لا يغيرها شيء إلى يوم القيامة » .
وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن جابر بن عتيك قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من اقتطع مال مسلم بيمينه حرَّم عليه الجنة وأوجب له النار . فقيل : يا رسول الله وإن شيئاً يسيراً؟ قال : وإن سواكاً » .
وأخرج مالك وابن سعد وأحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة عن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرَّم عليه الجنة . قالوا : وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال : وإن كان قضيباً من أراك ثلاثاً » .
وأخرج ابن ماجة بسند صحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يحلف عند هذا المنبر عبد ولا أمة على يمين آثمة ولو على سواك رطبة إلا وجبت له النار » .
وأخرج ابن ماجة وابن حبان عن جابر بن عبد الله قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حلف على يمين آثمة عند منبري هذا فليتبوّأ مقعده من النار . ولو على سواك أخضر » قال أبو عبيد والخطابي : كانت اليمين على عهده صلى الله عليه وسلم عند المنبر .
وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن اليمين الكاذبة تنفق السلعة وتمحق الكسب » .
وأخرج عبد الرزاق عن أبي سويد قال : « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن اليمين الفاجرة تعقم الرحم ، وتقل العدد ، وتدع الديار بلاقع » .
وأخرج البخاري ومسلم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ثلاثة لا يكلمهم الله ، ولا ينظر إليهم ، ولهم عذاب أليم : رجل حلف يميناً على مال مسلم فاقتطعه ، ورجل حلف على يمين بعد العصر أنه أعطي بسلعته أكثر مما أعطي وهو كاذب ، ورجل منع فضل ماء فإذن الله سبحانه يقول : اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير والحاكم وصححه عن عمران بن حصين ، أنه كان يقول : من حلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال أخيه فليتبوّأ مقعدة من النار . فقال له قائل : شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال لهم : إنكم لتجدون ذلك ثم قرأ { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم } الآية . (2/367)
وأخرج البخاري عن ابن أبي مليكة ، أن امرأتين كانتا تخرزان في بيت ، فخرجت إحداهما وقد أنفذ بإشفاء في كفها فادعت على الأخرى ، فرفع إلى ابن عباس فقال ابن عباس « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو يُعطي الناس بدعواهم لذهب دماء قوم وأموالهم ذكروها بالله ، واقروا عليها { إن الذين يشترون بعهد الله . . . } الآية . فذكروها فاعترفت » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن المنذر عن سعيد بن المسيب قال : إن اليمين الفاجرة من الكبائر . ثم تلا { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً } .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال : كنا نرى ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من الذنب الذي لا يغفر يمين فجر فيها صاحبها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي قال : من قرأ القرآن يتأكل الناس به أتى الله يوم القيامة ووجهه بين كتفيه ، وذلك بأن الله يقول { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً } .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن زاذان قال : من قرأ القرآن يأخذ به جاء يوم القيامة ووجهه عظم عليه لحم .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي ذر قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة لا يكلمهم الله ، ولا ينظر إليهم يوم القيامة ، ولا يزكيهم ، ولهم عذاب أليم : المسبل إزاره ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ، والمنان » .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ، ولا ينظر إليهم ، ولا يزكيهم ، ولهم عذاب أليم : رجل منِّع ابن السبيل فضل ماء عنده ، ورجل حلف على سلعة بعد العصر كاذباً فصدَّقه فاشتراها بقوله ، ورجل بايع إماماً فإن أعطاه وفى له وإن لم يعطه لم يَفِ له » .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن سلمان : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ، ولا يزكِّيهم ، ولهم عذاب أليم : أشمط زانٍ ، وعائل مستكبر ، ورجل جعل الله له بضاعة فلا يبيع إلا بيمينه ولا يشتري إلا بيمينه » .
وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله أذن لي أن أحدث عن ديك قد مرقت رجلاه الأرض وعنقه منثن تحت العرش وهو يقول : سبحانك ما أعظمك ربنا! فيرد عليه ما علم ذلك من حلف بي كاذباً . » .
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب } قال : هم اليهود كانوا يزيدون في كتاب الله ما لم ينزل الله . (2/368)
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد { يلوون ألسنتهم بالكتاب } قال : يحرِّفونه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال : إن التوراة والإنجيل كنا أنزلهما الله لم يغير منهما حرف ، ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل ، وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله } فأما كتب الله فهي محفوظة لا تحوّل .
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80)
أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال « قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودعاهم إلى الإسلام : أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس : أوَ ذاك تريد منا يا محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : معاذ الله . . . ! أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غيره . ما بذلك بعثني ، ولا بذلك أمرني . فأنزل الله في ذلك من قولهما { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب } إلى قوله { بعد إذ أنتم مسلمون } » . (2/369)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال : كان ناس من يهود يتعبدون الناس من دون ربهم بتحريفهم كتاب الله عن موضعه . فقال الله { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله } ثم يأمر الناس بغير ما أنزل الله في كتابه .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال « بلغني أن رجلاً قال : يا رسول الله نسلِّم عليك كما يسلم بعضنا على بعض ، أفلا نسجد لك؟ قال : لا . ولكن أكرموا نبيكم ، واعرفوا الحق لأهله ، فانه لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله . فأنزل الله { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب } إلى قوله { بعد إذ أنتم مسلمون } » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله { ربانيين } قال : فقهاء معلمين .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله { ربانيين } قال : حلماء علماء حكماء .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن طريق الضحاك عن ابن عباس { ربانيين } قال : علماء فقهاء .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس { ربانيين } قال : حكماء فقهاء .
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود { ربانيين } قال : حكماء علماء .
وأخرج ابي جرير عن مجاهد قال { الربانيون } الفقهاء العلماء . وهم فوق الأحبار .
وأخرج عن سعيد بن جبير { ربانيين } قال : حكماء أتقياء .
وأخرج ابن جرير عن ابي زيد قال « الربانيون » الذين يربون الناس ولاة هذا الأمر . يلونهم ، وقرأ { لولا ينهاهم الربانيون والأحبار } [ المائدة : 63 ] قال ( الربانيون ) الولاة ( والأحبار ) العلماء .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب } قال : حق على كل من تعلم القرآن أن يكون فقيهاً .
وأخرج ابن المنذر عن ابق عباس أنه كان يقرأ { بما كنتم تعلمون } .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه قرأ { بما كنتم تعلمون } مثقلة برفع التاء وكسر اللام . (2/370)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ، أنه قرأ { بما كنتم تعلمون الكتاب } خفيفة بيصب التاء قال ابن عيينة : ما علموه حتى علموه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي بكر قال : كان عاصم يقرؤها { بما كنتم تعلمون الكتاب } مثقلة برفع التاء وكسر اللام . قال : القرآن { وبما كنتم تدرسون } قال : الفقه .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك قال : لا يعذر أحد حر ، ولا عبد ، ولا رجل ، ولا امرأة؛ لا يتعلم من القرآن جهده ما بلغ منه فإن الله يقول : { كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون } يقول : كونوا فقهاء ، كونوا علماء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي رزين في قوله { وبما كنتم تدرسون } قال : مذاكرة الفقه ، كانوا يتذاكرون الفقه كما نتذاكره نحن .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج { ولا يأمركم أن تتخذوا } قال : ولا يأمركم النبي .
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82)
أخرج عبد بن حميد والفريابي وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة } قال : هي خطأ من الكتاب . وهي قراءة ابن مسعود { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب } . (2/371)
وأخرج ابن جرير عي الربيع أنه قرأ { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب } قال : وكذلك كان يقرؤها أبي بن كعب . قال الربيع : ألا ترى أنه يقول { ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه } يقول : لتؤمنن بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ولتنصرنه . قال : هم أهل الكتاب .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : إن أصحاب عبد الله يقرؤون { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لما آتيتكم من كتاب وحكمة } ونحن نقرأ { ميثاق النبيين } فقال ابن عباس : إنما أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم .
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن طاوس في الآية قال : أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن طاوس في الآية قال : أخذ الله ميثاق الأول من الأنبياء ليصدقن ، وليؤمنن بما جاء به الآخر منهم .
وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : لم يبعث الله نبياً؛ آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد ، لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ، ولينصرنه . ويأمره فيأخذ العهد على قومه . ثم تلا { وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة . . . } الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابي جرير عن قتادة في الآية قال : هذا ميثاق أخذه الله على النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً ، وأن يبلِّغوا كتاب الله ورسالاته ، فبلغت الأنبياء كتاب الله ورسالاته إلى قومهم ، وأخذ عليهم فيما بلغتهم رسلهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ويصدقوه ، وينصروه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : لم يبعث الله نبياً قط من لدن نوح إلا أخذ الله ميثاقه؛ ليؤمنن بمحمد ، ولينصرنه إن خرج وهو حي ، وإلا أخذ على قومه أن يؤمنوا به وينصروه إن خرج وهم أحياء .
وأخرج ابن جريج عن الحسن في الآية قال : أخذ الله ميثاق النبيين ليبلغن آخركم أوّلكم ، ولا تختلفوا .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال : ثم ذكر ما أخذ عليهم يعني على أهل الكتاب وعلى أنبيائهم من الميثاق بتصديقه يعني بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم إذ جاءهم ، وإقرارهم به على أنفسهم .
وأخرج أحمد عن عبد الله بن ثابت قال « جاء عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني قد مررت بأخ لي من قريظة ، فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر : رضينا بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد رسولاً . فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه لضللتم . إنكم حظي من الأمم ، وأنا حظكم من النبيين » . (2/372)
وأخرج أبو يعلى عن جابر قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا . إنكم أما أن تصدقوا بباطل ، وإما أن تكذبوا بحق ، وأنه والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني » .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير أنه قرأ { لما آتيتكم } ثقل لما .
وأخرج عن عاصم أنه قرأ { لما } مخففة { آتيتكم } بالتاء على واحدة يعني أعطيتكم .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { إصري } قال : عهدي .
وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب في قوله { قال فاشهدوا } يقول : فاشهدوا على أممكم بذلك { وأنا معكم من الشاهدين } عليكم وعليهم { فمن تولى } عنك يا محمد بعد هذا العهد من جميع الأمم { فأولئك هم الفاسقون } هم العاصون في الكفر .
أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)
أخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس « عن النبي صلى الله عليه وسلم { وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً } أما من في السموات فالملائكة ، وأما من في الأرض فمن ولد على الإسلام ، وأما كرهاً فمن أتى به من سبايا الأمم في السلاسل والأغلال يقادون إلى الجنة وهم كارهون » . (2/373)
وأخرج الديلمي عن أنس قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً } قال : الملائكة أطاعوه في السماء ، والأنصار وعبد القيس أطاعوه في الأرض » .
وأخرج ابن جرير من طريق مجاهد عن ابن عباس { وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً } قال : حين أخذ الميثاق .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في الآية قال : عبادتهم لي أجمعين { طوعاً وكرهاً } وهو قوله { ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً } [ الرعد : 15 ] .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس { وله أسلم من في السماوات } قال : هذه مفصولة { ومن في الأرض طوعاً وكرهاً } .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس { وله أسلم } قال : المعرفة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال : هو كقوله { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } [ لقمان : 25 ] فذلك إسلامهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في الآية قال : كل آدمي أقر على نفسه بأن الله ربي وأنا عبده . فمن أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرهاً ، ومن أخلص لله العبودية فهو الذي أسلم طوعاً .
وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال : أكره أقوام على الإسلام ، وجاء أقوام طائعين .
وأخرج عن مطر الوراق في الآية قال : الملائكة طوعاً ، والأنصار طوعاً ، وبنو سليم وعبد القيس طوعاً ، والناس كلهم كرهاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : أما المؤمن فأسلم طائعاً فنفعه ذلك وقبل منه ، وأما الكافر فأسلم حين رأى بأس الله ، فلم ينفعه ذلك ، ولم يقبل منهم { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } [ غافر : 85 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : في السماء الملائكة طوعاً ، وفي الأرض الأنصار وعبد القيس طوعاً .
وأخرج عن الشعبي { وله أسلم من في السماوات } قال : استقادتهم له .
وأخرج عن أبي سنان { وله أسلم من في السماوات والأرض } قال : المعرفة . ليس أحد تسأله إلا عرفه .
وأخرج عن عكرمة في قوله { وكرهاً } قال : من أسلم من مشركي العرب والسبايا : ومن دخل في الإسلام كرهاً .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من ساء خلقه من الرقيق والدواب والصبيان فاقرأوا في أذنه { أفغير دين الله يبغون } » .
وأخرج ابن السني في عمل يوم وليلة عن يونس بن عبيد قال : ليس رجل يكون على دابة صعبة فيقرأ في أذنها { أفغير دين الله يبغون وله أسلم } الآية . إلا ذلت له بإذن الله عز وجل .
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)
أخرج أحمد والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تجئ الأعمال يوم القيامة فتجيء الصلاة فتقول : يا رب أنا الصلاة فيقول : إنك على خير ، وتجيء الصدقة فتقول : يا رب أنا الصدقة فيقول : إنك على خير ، ثم يجيء الصيام فيقول : أنا الصيام فيقول إنك على خير ، ثم تجيء الأعمال كل ذلك يقول الله : إنك على خير ، ثم يجيء الإسلام فيقول : يا رب أنت السلام ، وأنا الإسلام فيقول الله : إنك على خير . بك اليوم آخذ ، وبك أعطي » قال الله في كتابه { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } . (2/374)
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89)
أخرج النسائي وابن حبان وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : كان رجل من الأنصار فأسلم ثم ارتد ولحق بالمشركين ، ثم ندم فأرسل إلى قومه : أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هل لي من توبة؟ فنزلت { كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم } إلى قوله { فإن الله غفور رحيم } فأرسل إليه قومه فأسلم . (2/375)
وأخرج عبد الرزاق ومسدد في مسنده وابن جرير وابن المنذر والباوردي في معرفة الصحابة قال : جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم كفر فرجع إلى قومه ، فأنزل الله فيه القرآن { كيف يهدي الله قوماً كفروا } إلى قوله { رحيم } فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه فقال الحارث : إنك والله ما علمت لصدوق ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك ، وأن الله عز وجل لأصدق الثلاثة . فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن السدي في قوله { كيف يهدي الله قوماً } الآية قال : أنزلت في الحارث بن سويد الأنصاري ، كفر بعد إيمانه . فأنزلت فيه هذه الآيات ، ثم نزلت { إلا الذين تابوا . . . } الآية . فتاب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن مجاهد في قوله { كيف يهدي الله قوماً . . . } الآية . قال : نزلت في رجل من بني عمرو بن عوف كفر بعد إيمانه فجاء الشام .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن مجاهد في الآية قال : هو رجل من بني عمرو بن عوف كفر بعد إيمانه قال : قال ابن جريج ، أخبرني عبد الله بن كثير ، عن مجاهد قال : لحق بأرض الروم فتنصَّر ، ثم كتب إلى قومه : أرسلوا هل لي من توبة؟ فنزلت { إلا الذين تابوا } فآمن ثم رجع . قال ابن جريج : قال عكرمة : نزلت في أبي عامر الراهب ، والحارث بن سويد بن الصامت ، ووحوح بن الأسلت ، في اثني عشر رجلاً رجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش . ثم كتبوا إلى أهلهم هل لنا من توبة؟! فنزلت { إلا الذين تابوا من بعد ذلك . . . } الآيات .
وأخرج ابن إسحق وابن المنذر عن ابن عباس ، أن الحارث بن سويد قتل المجدر بن زياد ، وقْيس بن زيد أحد بني ضبيعة يوم أحد ، ثم لحق بقريش فكان بمكة ، ثم بعث إلى أخيه الجلاس يطلب التوبة ليرجع إلى قومه . فأنزل الله فيه { كيف يهدي الله قوماً } إلى آخر القصة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح مولى أم هانئ ، أن الحرث بن سويد بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لحق بأهل مكة ، وشهد أحداً فقاتل المسلمين ، ثم سقط في يده فرجع إلى مكة ، فكتب إلى أخيه جلاس بن سويد يا أخي إني ندمت على ما كان مني ، فأتوب إلى الله وأرجع إلى الإسلام؟ فاذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن طمعت لي في توبة فاكتب إليَّ .
فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فأنزل الله { كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم } فقال قوم من أصحابه ممن كان عليه يتمنع ثم يراجع الإسلام . فأنزل الله { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون } . (2/376)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم } قال : هم أهل الكتاب عرفوا محمداً ثم كفروا به .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في الآية قال : هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، رأوا نعت محمد في كتابهم ، وأقرُّوا به ، وشهدوا أنه حق . فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك ، فأنكروه وكفروا بعد اقرارهم حسداً للعرب حين بعث من غيرهم .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90)
أخرج البزار عن ابن عباس . أن قوماً أسلموا ، ثم ارتدوا ، ثم أسلموا ، ثم ارتدوا . فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم . فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فنزلت هذه الآية { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً . . . } الآية . هذا خطأ من البزار . (2/377)
وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال : اليهود والنصارى ، لن تقبل توبتهم عند الموت .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : هم اليهود ، كفروا بالإنجيل وعيسى ، ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية في الآية قال : إنها نزلت في اليهود والنصارى ، كفروا بعد إيمانهم ، ثم ازدادوا كفراً بذنوب أذنبوها ، ثم ذهبوا يتوبون من تلك الذنوب في كفرهم ، ولو كانوا على الهدى قبلت توبتهم ، ولكنهم على ضلالة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله { لن تقبل توبتهم } قال : تابوا من الذنوب ولم يتوبوا من الأصل .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله { ثم ازدادوا كفراً } قال : تموا على كفرهم .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { ثم ازدادوا كفراً } قال : ماتوا وهم كفار { لن تقبل توبتهم } قال : إذا تاب عند موته لم تقبل توبته .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً } قال : هو كل كافر . (2/378)
وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له : أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول : نعم . فيقال : لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك » فذلك قوله تعالى { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار . . . } الآية . لفظ ابن جرير .
لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)
أخرج مالك وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أنس قال « كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة نخلاً ، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء ، وكانت مستقبلة المسجد ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ، فلما نزلت { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } قال أبو طلحة : يا رسول الله ان الله يقول { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } وان أحب أموالي إليَّ بيرحاء ، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله ، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بخ ذاك مال رابح . ذلك مال رابح ، وقد سمعت ما قلت ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين . فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله؟ فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه » . (2/379)
وأخرج عبد بن حميد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير عن أنس قال « لما نزلت هذه الآية { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } قال أبو طلحة : يا رسول الله إن الله يسألنا من أموالنا ، أشهد أني قد جعلت بأريحا لله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلها في قرابتك . فجعلها في حسان بن ثابت ، وأبي بن كعب » .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أنس قال « لما نزلت هذه الآية { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } أو هذه الآية { من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً } قال أبو طلحة : يا رسول الله حائطي الذي بكذا وكذا صدقة ، ولو استطعت أن أسره لم أعلنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعله في فقراء أهلك » .
وأخرج عبد بن حميد والبزار عن ابن عمر قال : حضرتني هذه الآية { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } فذكرت ما أعطاني الله ، فلم أجد شيئاً أحب إليَّ من مرجانة جارية لي رومية ، فقلت هي حرة لوجه الله ، فلو أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها . فأنكحها نافعاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عمر بن الخطاب ، إنه كتب إلى أبي موسى الأشعري ، أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء . فدعا بها عمر فقال : إن الله يقول { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } فأعتقها عمر .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن المنكدر قال « لما نزلت هذه الآية { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } جاء زيد بن حارثة بفرس له يقال لها شبلة لم يكن له مال أحب إليه منها فقال : هي صدقة . فقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحمل عليها ابنه أسامة ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في وجه زيد فقال : إن الله قد قبلها منك » .
وأخرج ابن جرير عن عمرو بن دينار . مثله . (2/380)
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير من طريق معمر عن أيوب وغيره « أنها حين نزلت { لن تنالوا البر . . . } الآية . جاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها فقال : يا رسول الله هذا في سبيل الله ، فحمل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم اسامة بن زيد ، فكأن زيداً وجد في نفسه . فلما رأى ذلك منه النبي صلى الله عليه وسلم قال أما إن الله قد قبلها » .
وأخرج عبد بن حميد عن ثابت بن الحجاج قال « بلغني أنه لما نزلت هذه الآية { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } قال زيد : اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إلي من فرسي هذه فتصدق بها على المساكين ، فأقاموها تباع وكانت تعجبه . فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه أن يشتريها » .
وأخرج ابن جرير عن ميمون بن مهران ، أن رجلاً سأل أبا ذر أيُّ الأعمال أفضل؟ قال : الصلاة عماد الإسلام ، والجهاد سنام العمل ، والصدقة شيء عجيب . فقال : يا أبا ذر لقد تركت شيئاً هو أوثق عملي في نفسي لا أراك ذكرته! قال : ما هو؟ قال : الصيام! فقال : قربة وليس هنا . وتلا هذه الآية { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } .
وأخرج عبد بن حميد عن رجل من بني سليم قال : جاورت أبا ذر بالربذة ، وله فيها قطيع إبل . له فيها راع ضعيف فقلت : يا أبا ذر الا أكون لك صاحباً أكنف راعيك ، واقتبس منك بعض ما عندك ، لعل الله أن ينفعني به؟ فقال أبو ذر : إن صاحبي من أطاعني ، فأما أنت مطيعي فأنت لي صاحب وإلا فلا . قلت : ما الذي تسألني فيه الطاعة؟ قال : لا أدعوك بشيء من مالي إلا توخيت أفضل .
قال : فلبثت معه ما شاء الله ، ثم ذكر له في الماء حاجة فقال : ائتني ببعير من الإبل ، فتصفحت الإبل فإذا أفضلها فحلها ذلول ، فهممت بأخذه ثم ذكرت حاجتهم إليه فتركته ، وأخذت ناقة ليس في الإبل بعد الفحل أفضل منها ، فجئت بها فحانت منه نظرة فقال : يا أخا بني سليم خنتني . فلما فهمتها منه خليت سبيل الناقة ورجعت إلى الإبل ، فاخذت الفحل فجئت به فقال لجلسائه : من رجلان يحتسبان عملهما؟ قال رجلان : نحن . . . قال : اما لا فأنيخاه ، ثم اعقلاه ، ثم انحراه ، ثم عدوا بيوت الماء فجزئوا لحمه على عددهم ، واجعلوا بيت أبي ذر بيتاً منها ففعلوا .
فلما فرق اللحم دعاني فقال : ما أدري أحفظت وصيتي فظهرت بها ، أما نسيت فاعذرك؟ قلت : ما نسيت وصيتك ولكن لما تصفحت الإبل وجدت فحلها أفضلها ، فهممت بأخذه فذكرت حاجتكم إليه فتركته فقال : ما تركته إلا لحاجتي إليه؟ قلت : ما تركت إلا لذلك قال : أفلا أخبرك بيوم حاجتي؟ إن يوم حاجتي يوم أوضع في حفرتي ، فذلك يوم حاجتي .
إن في المال ثلاثة شركاء : القدر لا ينتظر أن يذهب بخيرها أو شرها ، والوارث ينتظر متى تضع رأسك ثم يستفيئها وأنت ذميم ، وأنت الثالث فإن استطعت أن لا تكونن أعجز الثلاثة فلا تكونن مع أن الله يقول { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } وأن هذا المال مما أحب من مالي فأحببت أن أقدمه لنفسي . (2/381)
وأخرج أحمد عن عائشة قالت « أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بضب فلم يأكله ولم ينهَ عنه قلت : يا رسول الله أفلا نطعمه المساكين؟ قال : لا تطعموهم مما لا تأكلون » .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن طريق مجاهد عن ابن عمر ، أنه لما نزلت { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } دعا بجارية له فاعتقها .
وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : قرأ ابن عمر وهو يصلي فأتى على هذه الآية { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } فاعتق جارية له وهو يصلي أشار إليها بيده .
وأخرج ابن المنذر عن نافع قال : كان ابن عمر يشتري السكر فيتصدق به فنقول له : لو اشتريت لهم بثمنه طعاماً كان أنفع لهم من هذا ، فيقول : إني أعرف الذي تقولون ولكن سمعت الله يقول { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } وابن عمر يحب السكر .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله { لن تنالوا البر } قال : الجنة .
وأخرج ابن جرير عن عمرو بن ميمون والسدي . مثله .
وأخرج ابن المنذر عن مسروق . مثله .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال : لن تنالوا بركم حتى تنفقوا مما يعجبكم ، ومما تهوون من أموالكم { وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم } يقول محفوظ : ذلك لكم والله به عليم شاكر له .
كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95)
أخرج عبد بن حميد والفريابي والبيهقي في سننه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه } قال : العرق . أخذه عرق النسا ، فكان يبيت له زقاء يعني صياح ، فجعل لله عليه إن شفاه أن لا يأكل لحماً فيه عروق ، فحرمته اليهود . (2/382)
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير من طريق يوسف بن ماهك عن ابن عباس قال : هل تدري ما حرم إسرائيل على نفسه؟ ان إسرائيل أخذته الأنساء فاضنته ، فجعل لله عليه إن عافاه الله أن لا يأكل عرقاً أبداً . فلذلك تسل اليهود العروق فلا يأكلونها .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال : حرم على نفسه العروق . وذلك أنه كان يشتكي عرق النسا ، فكان لا ينام الليل فقال : والله لئن عافاني الله منه لا يأكله لي ولد ، وليس مكتوباً في التوراة « وسأل محمد صلى الله عليه وسلم نفراً من أهل الكتاب فقال : ما شأن هذا حراماً؟ فقالوا : هو حرام علينا من قبل الكتاب فقال الله { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل } إلى { إن كنتم صادقين } » .
وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال « جاء اليهود فقالوا : يا أبا القاسم أخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال : كان يسكن البدو ، فاشتكى عرق النسا ، فلم يجد شيئاً يداويه إلا لحوم الإبل وألبانها ، فلذلك حرمها قالوا صدقت » .
وأخرج ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله { إلا ما حرَّم إسرائيل على نفسه } قال : حرم العروق ، ولحوم الإبل ، كان به عرق النسا فأكل من لحومها ، فبات بليلة يزقو ، فحلف أن لا يأكله أبداً .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي محلز في قوله { إلا ما حرم إسرائيل على نفسه } قال : إن إسرائيل هو يعقوب ، وكان رجلاً بطيشاً ، فلقي ملكاً فعالجه ، فصرعه الملك ، ثم ضرب على فخذه ، فلما رأى يعقوب ما صنع به بطش به فقال : ما أنا بتاركك حتى تسميني اسماً . فسماه إسرائيل ، فلم يزل يوجعه ذلك العرق حتى حرمه من كل دابة .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال : حرم على نفسه لحوم الأنعام .
وأخرج ابن إسحق وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس ، أنه كان يقول : الذي حرم إسرائيل على نفسه زائدتا الكبد ، والكليتين ، والشحم ، إلا ما كان على الظهر . فإن ذلك كان يقرب للقربان فتأكله النار .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء { إلا ما حرم إسرائيل } قال : لحوم الإبل وألبانها . (2/383)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال « قالت اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم : نزلت التوراة ، بتحريم الذي حرم إسرائيل ، فقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } وكذبوا ليس في التوراة ، وإنما لم يحرم ذلك إلا تغليظاً لمعصية بني إسرائيل بعد نزول التوراة { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } وقالت اليهود لمحمد صلى الله عليه وسلم : » كان موسى يهودياً على ديننا ، وجاءنا في التوراة تحريم الشحوم ، وذي الظفر ، والسبت . فقال محمد صلى الله عليه وسلم : كذبتم لم يكن موسى يهودياً ، وليس في التوراة إلا الإسلام . « يقول الله { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } أفيه ذلك وما جاءهم بها أنبياؤهم بعد موسى ، فنزلت في الألواح جملة » .
وأخرج عبد بن حميد عن عامر ، أن علياً رضي الله عنه قال في رجل جعل امرأته عليه حراماً قال : حرمت عليه كما حرم إسرائيل على نفسه لحم الجمل فحرم عليه . قال مسروق : إن إسرائيل كان حرم على نفسه شيئاً كان في علم الله أن سيحرمه ، إذا نزل الكتاب فوافق تحريم إسرائيل ما قد علم الله أنه سيرحمه ، إذا نزل الكتاب وأنتم تعمدون إلى الشيء قد أحله الله فتحرمونه على أنفسكم ما أبالي إياها حرمت أو قصعة من ثريد .
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96)
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن علي بن أبي طالب في قوله { إن أوّل بيت وضع للناس للذي ببكة } قال : كانت البيوت قبله ، ولكنه كان أول بيت وصع لعبادة الله . (2/384)
وأخرج ابن جرير عن مطر . مثله .
وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال { إن أول بيت وضع للناس } يُعْبَدُ الله فيه { للذي ببكة }
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن جرير والبيهقي في الشعب عن أبي ذر قال « قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال : المسجد الحرام . قلت : ثم أي؟ قال : المسجد الأقصى قلت : كم بينهما؟ قال : أربعون سنة » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن عمرو قال : خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة ، وكان إذ كان عرشه على الماء زبدة بيضاء ، وكانت الأرض تحته كأنها حشفة فدحيت الأرض من تحته .
وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة قال : إن الكعبة خلقت قبل الأرض بألفي سنة وهي من الأرض ، إنما كانت حشفة على الماء عليها ملكان من الملائكة يسبحان ، فلما أراد الله أن يخلق الأرض دحاها منها ، فجعلها في وسط الأرض .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والأزرقي عن مجاهد قوله { إن أول بيت وضع للناس } كقوله { كنتم خير أمة أخرجت للناس } [ آل عمران : 110 ] .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال : أما أول بيت فإنه يوم كانت الأرض ماء كان زبدة على الأرض ، فلما خلق الله الأرض خلق البيت معها . فهو أول بيت وضع في الأرض .
وأخرج ابن المنذر عن الحسن في الآية قال : أول قبلة أعملت للناس المسجد الحرام .
وأخرج ابن المنذر والأزرقي عن ابن جريج قال « بلغنا أن اليهود قالت : بيت المقدس أعظم من الكعبة لأنها مهاجر الأنبياء ، ولأنه في الأرض المقدسة . فقال المسلمون : بل الكعبة أعظم . فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم . فنزلت { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً } إلى قوله { فيه آيات بينات مقام إبراهيم } وليس ذلك في بيت المقدس { ومن دخله كان آمناً } وليس ذلك في بيت المقدس { ولله على الناس حج البيت } وليس ذلك لبيت المقدس » .
وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أول بقعة وضعت في الأرض موضع البيت ، ثم مهدت منها الأرض . وإن أول جبل وضعه الله على وجه الأرض أبو قبيس ، ثم مدت منه الجبال » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير قال : إنما سميت بكة لأن الناس يجيئون إليها من كل جانب حجاجاً .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير والبيهقي في الشعب عن مجاهد قال : إنما سميت بكة لأن الناس يتباكون فيها الرجال والنساء . يعني يزدحمون . (2/385)
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير . مثله .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبيهقي عن مجاهد قال : إنما سميت بكة لأن الناس يبك بعضهم بعضاً فيها ، وانه يحل فيها ما لا يحل في غيرها .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في الشعب عن قتادة قال : سميت بكة لأن الله بك بها الناس جميعاً ، فيصلي النساء قدام الرجال ولا يصلح ذلك ببلد غيره .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عتبة بن قيس قال : إن مكة بكت بكاء الذكر فيها كالأنثى . قيل : عمن تروي هذا؟ قال : عن ابن عمر .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن زيد حميد بن مهاجر قال : إنما سميت بكة لأنها كانت تبك الظلمة .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : البيت وما حوله بكة ، وما وراء ذلك مكة .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي مالك الغفاري قال : بكة موضع البيت ، ومكة ما سوى ذلك .
وأخرج ابن جرير عن ابن شهاب قال : بكة البيت والمسجد ، ومكة الحرم كله .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال : بكة هي مكة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : مكة من الفج إلى التنعيم ، وبكة من البيت إلى البطحاء .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال : بكة الكعبة ، ومكة ما حولها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان { مباركاً } جعل فيه الخير والبركة { وهدى للعالمين } يعني بالهدى قبلتهم .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي في الشعب عن الزهري قال : بلغني أنهم وجدوا في مقام إبراهيم ثلاثة صفوح في كل صفح منها كتاب . في الصفح الأول « أنا الله ذو بكة صغتها يوم صغت الشمس والقمر ، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء ، وباركت لأهلها في اللحم واللبن . وفي الصفح الثاني أنا الله ذو بكة خلقت الرحم ، وشققت لها من اسمي ، من وصلها وصلته ، ومن قطعها بتته . وفي الثالث أنا الله ذو بكة خلقت الخير والشر ، فطوبى لمن كان الخير على يديه ، وويل لمن كان الشر على يديه » .
وأخرج الأزرقي عن ابن عباس قال : وجد في المقام كتاب فيه : هذا بيت الله الحرام بكة توكل الله برزق أهله من ثلاثة سبل ، يبارك لأهلها في اللحم ، والماء ، واللبن ، لا يحله أول من أهله ، ووجد في حجر من الحجر كتاب من خلقة الحجر « أنا الله ذو بكة الحرام صغتها يوم صغت الشمس والقمر ، وخففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشابها ، مبارك لأهلها في اللحم والماء » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد والضحاك . نحوه . (2/386)
وأخرج الجندي في فضائل مكة عن ابن عباس وأبي هريرة قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خلق الله مكة فوضعها على المكروهات والدرجات » قيل لسعيد ببن جبير : ما الدرجات؟ قال : الدرجات الجنة .
وأخرج الأزرقي والجندي عن عائشة قالت : ما رأيت السماء في موضع أقرب منها إلى الأرض من مكة .
وأخرج الأزرقي عن عطاء بن كثير رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم « المقام بمكة سعادة ، وخروج منها شقوة » .
وأخرج الأزرقي والجندي والبيهقي في الشعب وضعفه عن ابن عباس قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أدركه شهر رمضان بمكة فصامه كله وقام منه ما تيسر كتب الله له مائة ألف شهر رمضان بغير مكة ، وكتب له كل يوم حسنة ، وكل ليلة حسنة ، وكل يوم عتق رقبة ، وكل ليلة عتق رقبة ، وكل يوم حملان فرس في سبيل الله ، وكل ليلة حملان فرس في سبيل الله ، وله بكل يوم دعوة مستجابة » .
وأخرج الأزرقي والطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال : هذا البيت دعامة الإسلام من خرج يؤم هذا البيت من حاج أو معتمر كان مضموناً على الله ان قبضه أن يدخله الجنة ، وإن رده أن يرده بأجر أو غنيمة » .
وأخرج البيهقي في الشعب عن جابر بن عبد الله قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، والجمعة في مسجدي هذا أفضل من ألف جمعة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، وشهر رمضان في مسجدي هذا أفضل من ألف شهر رمضان فيما سواه إلا المسجد الحرام » .
وأخرج البزار وابن خزيمة والطبراني والبيهقي في الشعب عن أبي الدرداء قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة ، وفي مسجدي ألف صلاة ، وفي مسجد بيت المقدس بخمسمائة صلاة » .
وأخرج ابن ماجة عن أنس قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلاة الرجل في بيته بصلاة ، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة ، وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة صلاة ، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة ، وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة ، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة » .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر :
« أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام » . (2/387)
وأخرج الطيالسي وأحمد والبزار وابن عدي والبيهقي وابن خزيمة وابن حبان عن عبد الله بن الزبير قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام ، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي هذا » قيل لعطاء : هذا الفضل الذي يذكر في المسجد الحرام وحده أو في الحرم؟ قال : لا . بل في الحرم ، فإن الحرم كله مسجد .
وأخرج أحمد وابن ماجة عن جابر : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة » .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة : « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام » .
وأخرج البزار عن عائشة قالت : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا خاتم الأنبياء ، ومسجدي خاتم مساجد الأنبياء ، أحق المساجد أن يزار ، وتشد إليه الرواحل : المسجد الحرام ، ومسجدي . صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام » .
وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد وابن منيع والروياني وابن خزيمة والطبراني عن جبير بن مطعم قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام » .
فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)
أخرج سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس أنه كان يقرأ « فيه آية بينة مقام إبراهيم » . (2/388)
وأخرج ابن الأنباري عن مجاهد أنه كان يقرأ « فيه آيات بينة » .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود { فيه آيات بينات } على الجمع .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس { فيه آيات بينات } منهن مقام إبراهيم ، والمشعر .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد وقتادة في الآية قالا : مقام إبراهيم من الآيات البينات .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله { فيه آيات بينات } قال : { مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً ولله على الناس حج البيت } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والأزرقي عن مجاهد { فيه آيات بينات مقام إبراهيم } قال : أثر قدميه في المقام آية بينة { ومن دخله كان آمناً } قال : هذا شيء آخر .
وأخرج الأزرقي عن زيد بن أسلم { فيه آيات بينات } قال : الآيات البينات هنَّ مقام إبراهيم { ومن دخله كان آمناً ولله على الناس حج البيت } وقال { يأتين من كل فج عميق } [ الحج : 27 ] .
وأخرج ابن الأنباري عن الكلبي { فيه آيات بينات } قال { الآيات } الكعبة ، والصفا ، والمروة ، ومقام إبراهيم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ومن دخله كان آمناً } قال : هذا كان في الجاهلية ، كان الرجل لو جر كل جريرة على نفسه ثم لجأ إلى حرم الله لم يتناول ولم يطلب ، فاما في الإسلام فإنه لا يمنع من حدود الله ، ومن سرق فيه قطع ، ومن زنى فيه أقيم عليه الحد ، ومن قتل فيه قتل .
وأخرج الأزرقي عن مجاهد . مثله .
وأخرج ابن المنذر والأزرقي عن حويطب بن عبد العزى قال : أدركت في الجاهلية في الكعبة حلقاً أمثال لُجَمِ البُهْمِ ، لا يُدخل خائف يده فيها ويهيجه أحد ، فجاء خائف ذات يوم فادخل يده فيها فجاءه آخر من ورائه فاجتذبه فشلت يده ، فَلقد رأيته أدرك الإسلام وأنه لأشل .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والأزرقي عن عمر بن الخطاب قال : لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله { ومن دخله كان آمناً } قال : من عاذ بالبيت أعاذه البيت ، ولكن لا يؤذي ، ولا يطعم ، ولا يسقى ، ولا يرعى . فإذا خرج أخذ بذنبه .
وأخرج ابن المنذر والأزرقي من طريق طاوس عن ابن عباس في قوله { ومن دخله كان آمناً } قال : من قتل ، أو سرق في الحل ثم دخل الحرم فإنه لا يجالس ، ولا يكلم ، ولا يؤوى ، ولكنه يناشد حتى يخرج فيؤخذ فيقام عليه فإن قتل ، أو سرق في الحل فادخل الحرم فارادوا أن يقيموا عليه ما أصاب ، اخرجوه من الحرم إلى الحل فأقيم عليه ، وإن قتل في الحل أو سرق ، أقيم عليه في الحرم .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق مجاهد عن ابن عباس قال : إذا أصاب الرجل الحد ، قتل أو سرق ، فدخل الحرم ، لم يبايع ولم يؤْوَ حتى يتبرم فيخرج من الحرم ، فيقام عليه في الحد . (2/389)
وأخرج ابن المنذر عن طاوس قال : عاب ابن عباس على ابن الزبير في رجل أخذ في الحل ، ثم أدخله الحرم ، ثم أخرجه إلى الحل فقتله .
وأخرج عن الشعبي قال : من أحدث حدثاً ثم لجأ إلى الحرم فقد أمِنَ ولا يعرض له ، وان أحدث في الحرم أقيم عليه .
وأخرج ابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : من أحدث حدثاً ثم استجار بالبيت فهو آمن ، وليس للمسلمين أن يعاقبوه على شيء إلى أن يخرج ، فإذا خرج أقاموا عليه الحد .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق عطاء عن ابن عباس قال : من أحدث حدثاً في غير الحرم ثم لجأ إلى الحرم لم يعرض له ، ولم يبايع ، ولم يؤوَ حتى يخرج من الحرم ، فإذا خرج من الحرم أُخِذَ فأقيم عليه الحد ، ومن أحدث في الحرم حدثاً أقيم عليه الحد .
وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال : لو أخذت قاتل عمر في الحرم ما هجته .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس قال : لو وجدت قاتل أبي في الحرم لم أعرض له .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : كان الرجل في الجاهلية يقتل الرجل ثم يدخل الحرم فيلقاه ابن المقتول أبو أبوه فلا يحركه .
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي شريح العدوي قال « قام النبي صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح فقال : إن مكة حرَّمها الله ولم يحرِّمها الناس ، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ، ولا يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا : إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم ، وإنما لي ساعة من نهار ، ثم عادت حرمتها اليوم بالأمس » .
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمرو قال « مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بناس من قريش جلوس في ظل الكعبة ، فلما انتهى إليهم سلَّم ثم قال : اعلموا أنها مسؤولة عما يعمل فيها ، وإن ساكنها لا يسفك دماً ، ولا يمشي بالنميمة » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن يحيى بن جعدة بن هبيرة في قوله { ومن دخله كان آمناً } قال : آمناً من النار .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من دخل البيت دخل في حسنة وخرج من سيئة مغفوراً له » . (2/390)
وأخرج ابن المنذر عن عطاء قال : من مات في الحرم بعث آمناً . يقول الله { ومن دخله كان آمناً } . وأخرج البيهقي في الشعب عن جابر قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مات في أحد الحرمين بعث أمناً » .
وأخرج البيهقي في الشعب وضعفه عن سلمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من مات في أحد الحرمين استوجب شفاعتي ، وجاء يوم القيامة من الآمنين » .
وأخرج الجندي والبيهقي عن أنس بن مالك قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة ، ومن زارني محتسباً إلى المدينة كان في جواري يوم القيامة » .
وأخرج الجندي عن محمد بن قيس بن مخرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة » .
وأخرج الجندي عن ابن عمر قال : من قُبِرَ بمَكة مسلماً بُعِثَ آمناً يوم القيامة .
أما قوله تعالى : { ولله على الناس حج البيت } الآية .
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة : وابن أبي حاتم والحاكم عن علي قال « لما نزلت { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً } قالوا : يا رسول الله في كل عام؟ فسكت . . قالوا : يا رسول الله في كل عام؟ قال : لا . ولو قلت نعم لوجبت . فأنزل الله { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } [ المائدة : 101 ] » .
وأخرج عبد حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال : « لما نزلت { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً } قال : يا رسول الله أفي كل عام؟ فقال : حج حجة الإسلام التي عليك . ولو قلت نعم وجبت عليكم » .
وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : « خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج . فقام الأقرع بن حابس فقال : أفي كل عام يا رسول الله؟ قال : لو قلتها لوجبت ، ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها . الحج مرة فمن زاد فتطوّع » .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال : « لما نزلت { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً } قال رجل : يا رسول الله أفي كل عام؟ قال : والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت ما قمتم بها ، ولو تركتموها لكفرتم . فذروني فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم أنبياءهم واختلافهم عليهم ، فإذا أمرتكم بأمر فأتمروه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن أمر فاجتنبوه » .
وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال « قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من الحاج يا رسول الله؟ قال : الشعث التفل . فقام آخر فقال : أي الحج أفضل يا رسول الله؟ قال : العج والثج . فقام آخر فقال : ما السبيل يا رسول الله؟ قال : الزاد والراحلة » . (2/391)
وأخرج الدارقطني والحاكم وصححه عن أنس « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله { من استطاع إليه سبيلاً } فقيل ما السبيل؟ قال : الزاد والراحلة » .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والدارقطني والبيهقي في سننهما عن الحسن قال « قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم . { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً } قالوا : يا رسول الله ما السبيل؟ قال : الزاد والراحلة » .
وأخرج الدارقطني والبيهقي في سننهما من طريق الحسن عن أبيه عن عائشة قالت « سئل النبي صلى الله عليه وسلم ما السبيل إلى الحج؟ قال : الزاد والراحلة » .
وأخرج الدارقطني في سننه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً } قال « قيل يا رسول الله ما السبيل؟ قال : الزاد والراحلة » .
وأخرج الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلىلله عليه وسلم قال « السبيل إلى البيت : الزاد والراحله » .
وأخرج الدارقطني عن جابر بن عبدالله قال « لما نزلت هذه الآية { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً } قام رجل فقال : يا رسول الله ما السبيل؟ قال : الزاد والراحلة » .
وأخرج الدارقطني عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً } قال : « فسئل عن ذلك فقال : » تجد ظهر بعير « .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عمر بن الخطاب في قوله { من استطاع إليه سبيلاً } قال : الزاد والراحلة .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { من استطاع إليه سبيلاً } قال : الزاد والبعير . وفي لفظ الراحلة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس في قوله { من استطاع إليه سبيلاً } قال : السبيل أن يصح بدن العبد ، ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يجحف به .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس قال { سبيلاً } من وجد إليه سعة ولم يحل بينه وبينه . (2/392)
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن عبد الله بن الزبير { من استطاع إليه سبيلاً } قال : الاستطاعة القوة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد { من استطاع إليه سبيلاً } قال : زاداً وراحلة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير والحسن وعطاء . مثله .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي قال : إن المحرم للمرأة من السبيل الذي قال الله .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسافر امرأة مسيرة ليلة » وفي لفظ « لا تسافر المرأة بريداً إلا مع ذي محرم » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال : « سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يقول : لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم . فقام رجل فقال : يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة ، وإني كنت في غزوة كذا وكذا . فقال : انطلق فحُجَّ مع امرأتك » .
وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب وابن مردويه عن علي قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحجَّ بيت الله فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً ، وذلك بأن الله يقول { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } »
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد في كتاب الإيمان وأبو يعلى والبيهقي عن أبي أمامة قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مات ولم يحج حجة الإسلام ، لم يمنعه مرض حابس ، أو سلطان جائر ، أو حاجة ظاهرة ، فليمت على أي حال شاء يهودياً أو نصرانياً » .
وأخرج ابن المنذر عن عبد الرحمن بن سابط مرفوعاً مرسلاً . مثله .
وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح عن عمر بن الخطاب قال : لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار ، فلينظروا كل من كان له جدة ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية . ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب قال : من مات وهو موسر لم يحج . فليمت إن شاء يهودياً ، وإن شاء نصرانياً .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عمر قال : من كان يجد وهو موسر صحيح لم يحج كان سماه بين عينيه كافراً . ثم تلا هذه الآية { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } ولفظ ابن أبي شيبة : من مات وهو موسر ولم يحج ، جاء يوم القيامة وبين عينيه مكتوب كافراً .
وأخرج سعيد بن منصور من طريق نافع عن ابن عمر قال : من وجد إلى الحج سبيلاً سنة ، ثم مات ولم يحج لم يصل عليه؛ لا يدري مات يهودياً ، أو نصرانياً . (2/393)
وأخرج سعيد بن منصور عن عمر بن الخطاب قال : لو ترك الناس الحج لقاتلتهم عليه كما نقاتلهم على الصلاة والزكاة .
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس قال : لو أن الناس تركوا الحج عاماً واحداً لا يحج أحد ما نوظروا بعده .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { ومن كفر } قال : من زعم أنه ليس بفرض عليه .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في الآية قال : من كفر بالحج فلم ير حجه براً ، ولا تركه مأثماً .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عكرمة قال « لما نزلت { ومن يبتغ غيرالإسلام ديناً . . . } [ آل عمران : 85 ] الآية . قالت اليهود : فنحن مسلمون . فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم . إن الله فرض على المسلمين حج البيت فقالوا : لم يكتب علينا . وأبوا أن يحجوا قال الله { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال : لما نزلت { ومن يبتغ غير الإِسلام ديناً . . . } الآية . قالت الملل . نحن المسلمون . فأنزل الله { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } فحج المسلمون وقعد الكفار .
وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في سننه عن مجاهد قال : لما نزلت هذه الآية { ومن يبتغ غير الإِسلام ديناً } الآية . قال : أهل الملل كلهم : نحن مسلمون . فأنزل الله { ولله على الناس حج البيت } قال : يعني على المسلمين . حج المسلمون وترك المشركون .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك قال « لما نزلت آية الحج { ولله على الناس جح البيت } الآية جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الملل؛ مشركي العرب ، والنصارى ، واليهود ، والمجوس ، والصابئين ، فقال : إن الله فرض عليكم الحج فحجوا البيت . فلم يقبله إلا المسلمون ، وكفرت به خمس ملل . قالوا : لا نؤمن به ، ولا نصلي إليه ، ولا نستقبله . فأنزل الله { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي داود نفيع قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } فقام رجل من هذيل فقال : يا رسول الله من تركه كفر؟ قال : من تركه لا يخاف عقوبته ، ومن حج لا يرجو ثوابه فهو ذاك » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله { ومن كفر } قال « من كفر بالله واليوم الآخر » . (2/394)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد أنه سئل عن قول الله { ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } ما هذا الكفر؟ قال : من كفر بالله واليوم الآخر .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء بن أبي رباح . في الآية قال : من كفر بالبيت .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد أنه سئل عن ذلك فقرأ { إن أول بيت وضع للناس } إلى قوله { سبيلاً } ثم قال : من كفر بهذه الآيات .
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في الآية قال : ومن كفر فلم يؤمن فهو الكافر .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال : لو كان لي جار موسر ، ثم مات ولم يحجَّ لم أصلِّ عليه .
وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه قرأ { ولله على الناس حج البيت } بكسر الحاء .
وأخرج عن عاصم بن أبي النجود { ولله على الناس حج البيت } بنصب الحاء .
واخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن ابن عباس « أن الأقرع بن حابس سأل النبي صلى الله عليه وسلم الحج في كل سنة . أو مرة واحدة؟ قال : لا . بل مرة واحدة ، فمن زاد فتطوّع » .
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101)
أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال : مر شاس بن قيس وكان شيخاً قد عسا في الجاهلية ، عظيم الكفر ، شديد الضغن على المسلمين ، شديد الحسد لهم ، على نفر من أصحاب رسول الله من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه ، فغاظه ما رأى من ألفتهم ، وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية فقال : قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد . والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار ، فأمر فتى شاباً معه من يهود فقال : اعمد إليهم فاجلس معهم ، ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قبله ، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار . وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج ، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج . ففعل ، فتكلم القوم عند ذلك ، وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب أوس بن قيظي أحد بني حارثة من الأوس ، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج فتقاولا ، ثم قال أحدهما لصاحبه : إن شئتم والله رددناها الآن جذعة . وغضب الفريقان جميعاً وقالوا : قد فعلنا . السلاح السلاح . . . موعدكم الظاهرة ، والظاهرة الحرة . فخرجوا إليها وانضمت الأوس بعضها إلى بعض ، والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية . (2/395)
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال : « يا معشر المسلمين الله الله . . . أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام ، وأكرمكم به ، وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر ، وألف به بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً؟! » فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان ، وكيد من عدوّهم لهم . فألقوا السلاح ، وبكوا وعانق الرجال بعضهم بعضاً ، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين ، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس ، وأنزل الله في شأن شاس بن قيس وما صنع { قل يا أهل الكتاب لمَ تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون } إلى قوله { وما الله بغافل عما تعملون } وأنزل في أوس بن قيظي ، وجبار بن صخر ، ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين } إلى قوله { أولئك لهم عذاب عظيم } .
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني من طريق أبي نعيم عن ابن عباس قال : كانت الأوس والخزرج في الجاهلية بينهم شر ، فبينما هم يوماً جلوس ، ذكروا ما بينهم حتى غضبوا وقام بعضهم إلى بعض بالسلاح ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر له ذلك فركب إليهم .
فنزلت { وكيف تكفرون } الآية . والآيتان بعدها . (2/396)
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال : كان بين هذين الحيين من الأوس والخزرج قتال في الجاهلية فلما جاء الإسلام اصطلحوا وألف الله بين قلوبهم فجلس يهودي في مجلس فيه نفر من الأوس والخزرج فأنشد شعراً قاله أحد الحيين في حربهم ، فكأنهم دخلهم من ذلك فقال الآخرون : قد قال شاعرنا كذا وكذا . . . فاجتمعوا وأخذوا السلاح ، واصطفوا للقتال ، فنزلت هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب } إلى قوله { لعلكم تهتدون } فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى قام بين الصفين ، فقرأهن ورفع صوته ، فلما سمعوا صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن أنصتوا له وجعلوا يستمعون ، فلما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً ، وجثوا يبكون .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : كان جماع قبائل الأنصار بطنين : الأوس والخزرج ، وكان بينهما في الجاهلية حرب ودماء وشنآن منّ الله عليهم بالإسلام وبالنبي صلى الله عليه وسلم ، فأطفأ الله الحرب التي كانت بينهم وألَّف بينهم بالإسلام . فبينا رجل من الأوس ورجل من الخزرج قاعدان يتحدثان ومعهما يهودي جالس ، فلم يزل يذكرهما بأيامهم والعداوة التي كانت بينهم حتى استبا ثم اقتتلا ، فنادى هذا قومه وهذا قومه ، فخرجوا بالسلاح وصفَّ بعضهم لبعض ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يزل يمشي بينهم إلى هؤلاء وهؤلاء ليسكنهم حتى رجعوا . فأنزل الله في ذلك القرآن { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال : نزلت في ثعلبة بن عنمة الأنصاري وكان بينه وبين أناس من الأنصار كلام ، فمشى بينهم يهودي من قينقاع ، فحمل بعضهم على بعض حتى همت الطائفتان من الأوس والخزرج أن يحملوا السلاح فيقاتلوا . فأنزل الله { إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين } يقول : إن حملتم السلاح فاقتتلتم كفرتم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله { لمَ تصدون عن سبيل الله } الآية . قال : كانوا إذا سألهم أحد هل تجدون محمداً؟ قالوا : لا فصدوا الناس عنه وبغوا .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي جرير عن قتادة في الآية يقول : لم تصدون عن الإسلام وعن نبي الله من آمن بالله وأنتم شهداء فيما تقرأون من كتاب الله : أن محمداً رسول الله ، وأن الإسلام دين الله الذي لا يقبل غيره ولا يجزي إلا به ، يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة الإنجيل؟ .
وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله { يا أهل الكتاب لم تصدون } قال : هم اليهود والنصارى .
نهاهم أن يصدوا المسلمين عن سبيل الله ، ويريدون أن يعدلوا الناس إلى الضلالة . (2/397)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً } الآية . قد تقدم الله إليكم فيهم كما تسمعون ، وحذركموهم وأنبأكم بضلالتهم ، فلا تأتمنوهم على دينكم ، ولا تنصحوهم على أنفسكم ، فإنهم الأعداء الحسدة الضلال . كيف تأتمنون قوماً كفروا بكتابهم ، وقتلوا رسلهم ، وتحيروا في دينهم ، وعجزوا عن أنفسهم؟ أولئك والله أهل التهمة والعداوة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله } قال : علمان بينان : نبي الله ، وكتاب الله ، فأما نبي الله فمضى عليه الصلاة والسلام . وأما كتاب الله فأبقاه الله بين أظهركم رحمة من الله ونعمة . فيه حلاله ، وحرامه ، ومعصيته .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله { ومن يعتصم بالله } قال : يؤمن بالله .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال « الاعتصام بالله » الثقة به .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال « إن الله قضى على نفسه أن من آمن به هداه ، ومن وثق به أنجاه . قال الربيع : تصديق لك في كتاب الله { ومن يعتصم بالله فقد هُدِيَ إلى صراط مستقيم } » .
وأخرج عبد بن حميد من طريق الربيع عن أبي العالية قال : إن الله قضى على نفسه؛ أنه من آمن به هداه ، ومن توكل عليه كفاه ، ومن أقرضه جزاه ، ومن وثق به أنجاه ، ومن دعا استجاب له بعد أن يستجيب لله . قال الربيع : وتصديق ذلك في كتاب الله { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } [ التغابن : 11 ] ، { ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره } [ الطلاق : 3 ] ، { ومن يقرض الله قرضاً حسناً يضاعفه له } { ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم } ، { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي } [ البقرة : 186 ] .
وأخرج تمام في فوائده عن كعب بن مالك قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أوحى الله إلى داود : يا داود ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السموات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً ، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف منه نيته إلا قطعت أسباب السماء من بين يديه ، وأسخت الهواء من تحت قدميه » .
وأخرج الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن ابن عمر قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من طلب ما عند الله كانت السماء ظلاله ، والأرض فراشه ، لم يهتم بشيء من أمر الدنيا ، فهو لا يزرع الزرع وهو يأكل الخبز ، ولا يغرس الشجر ويأكل الثمار توكلاً على الله وطلب مرضاته ، فضمن الله السموات والأرض رزقه ، فهم يتعبون فيه ، ويأتون به حلالاً ، ويستوفي هو رزقه بغير حساب حتى أتاه اليقين »
قال الحاكم : صحيح . قال الذهبي : بل منكراً أو موضوع فيه عمرو بن بكر السكسكي متهم عند ابن حبان وابنه إبراهيم . قال الدارقطني : متروك . (2/398)
وأخرج الحاكم وصححه عن معقل بن يسار قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول ربكم : يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى ، وأملأ يديك رزقاً . يا ابن أدم لا تباعد مني فأملأ قلبك فقرأ ، واملأ يديك شغلا » . وأخرج الحكيم الترمذي عن الزهري قال : أوحى الله إلى داود : ما من عبد يعتصم بي دون خلقي وتكيده السموات والأرض إلا جعلت له من ذلك مخرجاً ، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني إلا قطعت أسباب السماء بين يديه ، وأسخت الأرض من تحت قدميه .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة ، ومن تشاعبت به الهموم لم يبالِ الله في أي أودية الدنيا هلك » .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)
أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في الناسخ والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود في قوله { اتقوا الله حق تقاته } قال : أن يطاع فلا يعصى ، ويذكر فلا ينسى ، ويشكر فلا يكفر . (2/399)
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه من وجه آخر عن ابن مسعود قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { اتقوا الله حق تقاته } أن يطاع فلا يعصى ، ويذكر فلا ينسى » .
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة { اتقوا الله حق تقاته } قال : أن يطاع فلا يعصى ، وان يذكر فلا ينسى . قال عكرمة : قال ابن عباس : فشق ذلك على المسلمين ، فأنزل الله بعد ذلك { فاتقوا الله ما استطعتم } [ التغابن : 16 ] .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله { اتقوا الله حق تقاته } أن يطاع فلا يعصى . فلم يستطيعوا قال الله { فاتقوا الله ما استطعتم } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل ، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم ، وتقرحت جباههم ، فأنزل الله تخفيفاً على المسلمين { فاتقوا الله ما استطعتم } فنسخت الآية الأولى .
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود { اتقوا الله حق تقاته } قال : نسختها { فاتقوا الله ما استطعتم } .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه من طريق علي عن ابن عباس في قوله { اتقوا الله حق تقاته } قال : لم تنسخ ولكن { حق تقاته } أن يجاهدوا في الله حق جهاده ، ولا تأخذهم في الله لومة لائم ، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأمهاتهم .
وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس قال : لما نزلت { اتقوا الله حق تقاته } ثم نزل بعدها { فاتقوا الله ما استطعتم } نسخت هذه الآية التي في آل عمران .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن قتادة في قوله { اتقوا الله حق تقاته } قال : نسختها الآية التي في التغابن { فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا } وعليها بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيما استطاعوا .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله { اتقوا الله حق تقاته } قال : نزلت هذه الآية في الأوس والخزرج وكان بينهم قتال يوم بعاث قبيل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم ، فأنزل هذه الآيات .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس قال : لا يتقي اللَّهَ العبدُ حق تقاته حتى يخزن من لسانه .
وأخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وصححاه والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال
« قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } ولو أن قطرة من الزقوم قطرت لأمرت على أهل الأرض عيشهم ، فكيف ممن ليس له طعام إلا الزقوم؟ » . (2/400)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن طاوس { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته } وهو أن يطاع فلا يعصى ، فإن لم تفعلوا ولم تستطيعوا { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } قال : على الإسلام ، وعلى حرمة الإسلام « .
وأخرج الخطيب عن أنس قال : » قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يتقي الله عبد { حق تقاته } حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه « .
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)
أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود في قول الله { واعتصموا بحبل الله } قال : حبل الله القرآن . (2/401)
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن الضريس وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال : إن هذا الصراط محتضر ، تحضره الشياطين ينادون يا عبد الله هلمَّ هذا هو الطريق ليصدوا عن سبيل الله ، فاعتصموا بحبل الله ، فإن حبل الله القرآن .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي شريح الخزاعي قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذا القرآن سبب . طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم ، فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا بعده أبداً » .
وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن زيد بن أرقم قال « خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني تارك فيكم كتاب الله ، هو حبل الله ، من اتبعه كان على الهدى ، ومن تركه كان على الضلالة » .
وأخرج أحمد عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني تارك فيكم خليفتين : كتاب الله عز وجل حبل ممدود ما بين السماء والأرض ، وعترتي وأهل بيتي ، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض » .
وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إني لكم فرط وإنكم واردون عليّ الحوض ، فانظروا تخلفوني في الثقلين قيل : وما الثقلان يا رسول الله؟ قال : الأكبر كتاب الله عز وجل . سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم ، فتمسكوا به لن تزالوا ولا تضلوا ، والأصغر عترتي وأنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، وسألت لهما ذاك ربي فلا تقدموهما لتهلكوا ، ولا تعلموهما فإنهما أعلم منكم » .
وأخرج ابن سعد وأحمد والطبراني عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أيها الناس إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي أمرين . أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وأنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض » .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني من طريق الشعبي عن ابن مسعود { واعتصموا بحبل الله جميعاً } قال : حبل الله الجماعة « .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن ثابت بن فطنة المزني قال : سمعت ابن مسعود يخطب وهو يقول : أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنهما حبل الله الذي أمر به .