صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : الدر المنثور في التأويل بالمأثور |
وأخرج ابن المنذر عن الزهري أنه سئل عن شهادة النساء فقال : تجوز فيما ذكر الله من الدين ، ولا تجوز في غير ذلك . (2/254)
وأخرج ابن المنذر من مكحول قال : لا تجوز شهادة النساء إلا في الدين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك قال : لا تجوز شهادة أربع نسوة مكان رجلين في الحقوق ، ولا تجوز شهادتهن إلا معهن رجل ، ولا تجوز شهادة رجل وامرأة ، لأن الله يقول { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان } .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر قال : لا تجوز شهادة النساء وحدهن إلا على ما لا يطلع عليه إلا هن من عورات النساء ، وما أشبه ذلك من حملهن وحيضهن .
وأخرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن! قالت امرأة : يا رسول الله ما نقصان العقل والدين؟ قال : أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل ، وتمكث الليالي ولا تصلي ، وتفطر رمضان فهذا نقصان الدين » .
وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله { فمن ترضون من الشهداء } قال : عدول .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن أبي مليكة قال : كتبت إلى ابن عباس أسأله عن شهادة الصبيان؟ فكتب إلي : إن الله يقول { ممن ترضون من الشهداء } فليسوا ممن نرضى ، لا تجوز .
وأخرج الشافعي والبيهقي عن مجاهد في قوله { ممن ترضون من الشهداء } قال : عدلان حران مسلمان .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ، أنه كان يقرأها { فتذكر إحداهما الأخرى } مثقلة .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد . أنه كان يقرأها { فتذكر إحداهما الأخرى } مخففة . وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال : في قراءة ابن مسعود ( أن تضل إحداهما فتذكرها إحداهما الأخرى ) .
وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } يقول : من احتيج إليه من المسلمين قد شهد على شهادة أو كانت عنده شهادة فلا يحل له أن يأبى إذا ما دعي ، ثم قال بعد هذا { ولا يضار كاتب ولا شهيد } والأضرار أن يقول الرجل للرجل وهو عنه غني : إن الله قد أمرك أن لا تأبى إذا ما دعيت فيضاره بذلك ، وهو مكتف بذلك ، فنهاه الله وقال { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } يعني بالفسوق المعصية .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : إذا كانت عندهم شهادة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع قال : كان الرجل يطوف في القوم الكثير يدعوهم ليشهدوا فلا يتبعه أحد منهم ، فأنزل الله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : كان الرجل يطوف في الحي العظيم فيه القوم فيدعوهم إلى الشهادة فلا يتبعه أحد منهم ، فأنزل الله هذه الآية . (2/255)
وأخرج سفيان وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : إذا كانت عندك شهادة فأقمها ، فأما إذا دعيت لتشهد فإن شئت فاذهب وإن شئت فلا تذهب .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير { ولا يأب الشهداء } قال : وهو الذي عنده الشهادة .
وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال : جمعت أمرين . لا تأب إذا كانت عندك شهادة أن تشهد ، ولا تأب إذا دعيت إلى شهادة .
وأخرج ابن المنذر عن عائشة في قوله { أقسط عند الله } قالت : أعدل .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن الحسن في قوله { وأشهدوا إذا تبايعتم } قال : نسختها { فإن أمن بعضكم بعضاً } [ البقرة : 283 ] .
وأخرج ابن المنذر عن جابر بن زيد . أنه اشترى سوطاً فاشهد وقال : قال الله { وأشهدوا إذا تبايعتم } .
وأخرج النحاس في ناسخه عن إبراهيم في الآية قال : أشهد إذا بعت وإذا اشتريت ولو دستجة بقل .
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك { وأشهدوا إذا تبايعتم } قال : أشهدوا ولو دستجة من بقل .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { ولا يضار كاتب ولا شهيد } قال : يأتي الرجل الرجلين فيدعوهما إلى الكتاب والشهادة فيقولان : إنا على حاجة . فيقول : إنكما قد أمرتما أن تجيبا فليس له أن يضارهما .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { ولا يضار كاتب ولا شهيد } يقول : إنه يكون للكاتب والشاهد حاجة ليس منها بد فيقول : خلوا سبيله .
وأخرج سفيان وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عكرمة قال : كان عمر بن الخطاب يقرأها ( ولا يضارر كاتب ولا شهيد ) يعني بالبناء للمفعول .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود ، أنه كان يقرأ ( و لا يضارر ) .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد ، أنه كان يقرأ ( ولا يضارر كاتب ولا شهيد ) وأنه كان يقول في تأويلها : ينطلق الذي له الحق فيدعو كاتبه وشاهده إلى أن يشهد ، ولعله يكون في شغل أو حاجة .
وأخرج ابن جرير عن طاوس { ولا يضار كاتب } فيكتب ما لم يمل عليه { ولا شهيد } فيشهد ما لم يستشهد .
وأخرج ابن جرير والبيهقي عن الحسن { ولا يضار كاتب } فيزيد شيئاً أو يحرف { ولا شهيد } لا يكتم الشهادة ولا يشهد إلا بحق .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)
أخرج ابن جرير بسند صحيح عن سعيد بن المسيب : أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين . (2/256)
وأخرج أبو عبيد في فضائله عن ابن شهاب قال : آخر القرآن عهداً بالعرش آية الربا وآية الدين .
وأخرج الطيالسي وأبو يعلى وابن سعد وأحمد وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : لما نزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن أوّل من جحد آدم أن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذار إلى يوم القيامة فجعل يعرض ذريته عليه ، فرأى فيهم رجلاً يزهر قال : أي رب من هذا؟ قال : هذا ابنك داود . قال : أي رب كم عمره؟ قال : ستون عاماً قال : رب زد في عمره . فقال : لا إلا أن أزيده من عمرك . وكان عمر آدم ألف سنة ، فزاده أربعين عاماً ، فكتب عليه بذلك كتاباً وأشهد عليه الملائكة ، فلما احتضر آدم وأتته الملائكة لتقبضه قال : إنه قد بقي من عمري أربعون عاماً . فقيل له : إنك قد وهبتها لابنك داود . قال : ما فعلت . فأبرز الله عليه الكتاب وأشهد عليه الملائكة ، فكمل الله لآدم ألف سنة ، وأكمل لداود مائة عام » .
وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم والبيهقي عن ابن عباس قال : أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أجله وأذن فيه ، ثم قرأ { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين } قال : نزلت في السلم في الحنطة في كيل معلوم إلى أجل معلوم .
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن ابن عباس قال : « قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث ، فقال » من أسلف فليسلف في كيل معلوم ، ووزن معلوم ، إلى أجل معلوم « .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال : لا سلف إلى العطاء ، ولا إلى الحصاد ، ولا إلى الأندر ، ولا إلى العصير ، واضرب له أجلاً .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : أمر بالشهادة عند المداينة لكيلا يدخل في ذلك جحود ولا نسيان ، فمن لم يشهد على ذلك فقد عصى ، ولا يأب الشهداء يعني من احتيج إليه من المسلمين يشهد على شهادة ، أو كانت عنده شهادة فلا يحل له أن يأبى إذا ما دعي ، ثم قال بعد هذا { ولا يضار كاتب ولا شهيد } والضرار أن يقول الرجل للرجل وهو عنه غني : إن الله قد أمرك أن لا تأبى إذا دعيت فيضاره بذلك وهو مكتف بغيره ، فنهاه الله عن ذلك وقال { وإن تفعلوا فإنه فسوق } يعني معصية .
قال : ومن الكبائر كتمان الشهادة . قال : لأن الله تعالى يقول { ومن يكتمها فإنه آثم قلبه } [ البقرة : 283 ] . (2/257)
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { كاتب بالعدل } قال : يعدل بينهما في كتابه ، لا يزاد على المطلوب ولا ينقص من حق الطالب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { ولا يأب كاتب } قال : واجب على الكاتب أن يكتب .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي { ولا يأب كاتب } قال : إن كان فارغاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل { ولا يأب كاتب } قال : ذلك أن الكتاب في ذلك الزمان كانوا قليلاً .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال { ولا يأب كاتب } قال : كانت الكتاب يومئذ قليلاً .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك { ولا يأب كاتب } قال : كانت عزيمة فنسختها { ولا يضار كاتب ولا شهيد } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك { كما علمه الله } قال : كما أمره الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { كما علمه الله } قال : كما علمه الكتابة وترك غيره { وليملل الذي عليه الحق } يعني المطلوب . يقول : ليمل ما عليه من الحق على الكاتب { ولا يبخس منه شيئاً } يقول : لا ينقص من حق الطالب شيئاً { فإن كان الذي عليه الحق } يعني المطلوب { سفيهاً أو ضعيفاً } يعني عاجزاً أو أخرس أو رجلاً به حمق { أو لا يستطيع } يعني لا يحسن { أن يمل هو } قال : أن يمل ما عليه { فليملل وليه } ولي الحق حقه { بالعدل } يعني الطالب ولا يزداد شيئاً { واستشهدوا } يعني على حقكم { شهيدين من رجالكم } يعني المسلمين الأحرار { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان . . . أن تضل إحداهما } يقول : أن تنسى إحدى المرأتين الشهادة { فتذكر إحداهما الأخرى } يعني تذكرها التي حفظت شهادتها { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : الذي معه الشهادة { ولا تسأموا } يقول : لا تملوا { أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً } يعني . أن تكتبوا صغير الحق وكبيره قليله وكثيره { إلى أجله } لأن الكتاب أحصى للأجل والمال { ذلكم } يعني الكتاب { أقسط عند الله } يعني أعدل { وأقوم } يعني أصوب { للشهادة وأدنى } يقول : وأجدر { أن لا ترتابوا } أن لا تشكوا في الحق والأجل والشهادة إذا كان مكتوباً ، ثم استثنى فقال { إلا أن تكون تجارة حاضرة } يعني يداً بيد { تديرونها بينكم } يعني ليس فيها أجل { فليس عليكم جناح } يعني حرج { أن لا تكتبوها } يعني التجارة الحاضرة { وأشهدوا إذا تبايعتم } يعني اشهدوا على حقكم إذا كان فيه أجل أو لم يكن فاشهدوا على حقكم على كل حال { وإن تفعلوا } يعني أن تضاروا الكاتب أو الشاهد وما نهيتم عنه { فإنه فسوق بكم } ثم خوفهم فقال { واتقوا الله } ولا تعصوه فيها { والله بكل شيء عليم } يعني من أعمالكم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد { فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً } قال : هو الجاهل بالإِملاء { أو ضعيفاً } قال : هو الأحمق . (2/258)
وأخرج ابن جرير عن السدي والضحاك في قوله { سفيهاً } قالا : هو الصبي الصغير .
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس { فليملل وليه } قال : صاحب الدين .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن { فليملل وليه } قال : ولي اليتيم .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك { فليملل وليه } قال : ولي السفيه أو الضعيف .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق مجاهد عن ابن عمر في قوله { واستشهدوا شهيدين } قال : كان إذا باع بالنقد أشهد ولم يكتب قال مجاهد : وإذا باع بالنسيئة كتب وأشهد .
وأخرج سفيان وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن مجاهد في قوله { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } قال : من الأحرار .
وأخرج سعيد بن منصور عن داود بن أبي هند قال : سألت مجاهداً عن الظهار من الأمة فقال : ليس بشيء . قلت : أليس يقول الله { الذين يظاهرون من نسائهم } [ المجادلة : 3 ] أفلسن من النساء؟ فقال : والله تعالى يقول { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } أفتجوز شهادة العبيد؟ .
وأخرج ابن المنذر عن الزهري أنه سئل عن شهادة النساء فقال : تجوز فيما ذكر الله من الدين ، ولا تجوز في غير ذلك .
وأخرج ابن المنذر من مكحول قال : لا تجوز شهادة النساء إلا في الدين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك قال : لا تجوز شهادة أربع نسوة مكان رجلين في الحقوق ، ولا تجوز شهادتهن إلا معهن رجل ، ولا تجوز شهادة رجل وامرأة ، لأن الله يقول { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان } .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر قال : لا تجوز شهادة النساء وحدهن إلا على ما لا يطلع عليه إلا هن من عورات النساء ، وما أشبه ذلك من حملهن وحيضهن .
وأخرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن! قالت امرأة : يا رسول الله ما نقصان العقل والدين؟ قال : أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل ، وتمكث الليالي ولا تصلي ، وتفطر رمضان فهذا نقصان الدين » .
وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله { فمن ترضون من الشهداء } قال : عدول .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن أبي مليكة قال : كتبت إلى ابن عباس أسأله عن شهادة الصبيان؟ فكتب إلي : إن الله يقول { ممن ترضون من الشهداء } فليسوا ممن نرضى ، لا تجوز .
وأخرج الشافعي والبيهقي عن مجاهد في قوله { ممن ترضون من الشهداء } قال : عدلان حران مسلمان . (2/259)
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ، أنه كان يقرأها { فتذكر إحداهما الأخرى } مثقلة .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد . أنه كان يقرأها { فتذكر إحداهما الأخرى } مخففة . وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال : في قراءة ابن مسعود ( أن تضل إحداهما فتذكرها إحداهما الأخرى ) .
وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } يقول : من احتيج إليه من المسلمين قد شهد على شهادة أو كانت عنده شهادة فلا يحل له أن يأبى إذا ما دعي ، ثم قال بعد هذا { ولا يضار كاتب ولا شهيد } والأضرار أن يقول الرجل للرجل وهو عنه غني : إن الله قد أمرك أن لا تأبى إذا ما دعيت فيضاره بذلك ، وهو مكتف بذلك ، فنهاه الله وقال { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } يعني بالفسوق المعصية .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : إذا كانت عندهم شهادة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع قال : كان الرجل يطوف في القوم الكثير يدعوهم ليشهدوا فلا يتبعه أحد منهم ، فأنزل الله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : كان الرجل يطوف في الحي العظيم فيه القوم فيدعوهم إلى الشهادة فلا يتبعه أحد منهم ، فأنزل الله هذه الآية .
وأخرج سفيان وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } قال : إذا كانت عندك شهادة فأقمها ، فأما إذا دعيت لتشهد فإن شئت فاذهب وإن شئت فلا تذهب .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير { ولا يأب الشهداء } قال : وهو الذي عنده الشهادة .
وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال : جمعت أمرين . لا تأب إذا كانت عندك شهادة أن تشهد ، ولا تأب إذا دعيت إلى شهادة .
وأخرج ابن المنذر عن عائشة في قوله { أقسط عند الله } قالت : أعدل .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن الحسن في قوله { وأشهدوا إذا تبايعتم } قال : نسختها { فإن أمن بعضكم بعضاً } [ البقرة : 283 ] .
وأخرج ابن المنذر عن جابر بن زيد . أنه اشترى سوطاً فاشهد وقال : قال الله { وأشهدوا إذا تبايعتم } .
وأخرج النحاس في ناسخه عن إبراهيم في الآية قال : أشهد إذا بعت وإذا اشتريت ولو دستجة بقل .
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك { وأشهدوا إذا تبايعتم } قال : أشهدوا ولو دستجة من بقل . (2/260)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله { ولا يضار كاتب ولا شهيد } قال : يأتي الرجل الرجلين فيدعوهما إلى الكتاب والشهادة فيقولان : إنا على حاجة . فيقول : إنكما قد أمرتما أن تجيبا فليس له أن يضارهما .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس { ولا يضار كاتب ولا شهيد } يقول : إنه يكون للكاتب والشاهد حاجة ليس منها بد فيقول : خلوا سبيله .
وأخرج سفيان وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عكرمة قال : كان عمر بن الخطاب يقرأها ( ولا يضارر كاتب ولا شهيد ) يعني بالبناء للمفعول .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود ، أنه كان يقرأ ( و لا يضارر ) .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد ، أنه كان يقرأ ( ولا يضارر كاتب ولا شهيد ) وأنه كان يقول في تأويلها : ينطلق الذي له الحق فيدعو كاتبه وشاهده إلى أن يشهد ، ولعله يكون في شغل أو حاجة .
وأخرج ابن جرير عن طاوس { ولا يضار كاتب } فيكتب ما لم يمل عليه { ولا شهيد } فيشهد ما لم يستشهد .
وأخرج ابن جرير والبيهقي عن الحسن { ولا يضار كاتب } فيزيد شيئاً أو يحرف { ولا شهيد } لا يكتم الشهادة ولا يشهد إلا بحق .
وأخرج ابن جرير عن الربيع قال : لما نزلت هذه الآية { ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله } كان أحدهم يجيء إلى الكاتب فيقول : اكتب لي . فيقول : إني مشغول أو لي حاجة فانطلق إلى غيري ، فيلزمه ويقول : إنك قد أمرت أن تكتب لي فلا يدعه ويضاره بذلك وهو يجد غيره ، فأنزل الله { ولا يضار كاتب ولا شهيد } .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم } ويقول : إن تفعلوا غير الذي أمركم به { واتقوا الله ويعلمكم الله } قال : هذا تعليم علمكموه فخذوا به .
وأخرج أبو يعقوب البغدادي في كتاب رواية الكبار عن الصغار عن سفيان قال : من عمل بما يعلم وفق لما لا يعلم .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم » .
وأخرج الترمذي عن يزيد بن سلمة الجعفي أنه قال « يا رسول الله إني سمعت منك حديثاً كثيراً أخاف أن ينسيني أوّله آخره ، فحدثني بكلمة تكون جماعاً قال : اتق الله فيما تعلم » .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « من معادن التقوى تعلمك إلى ما علمت ما لم تعلم والنقص والتقصير فيما علمت قلة الزيادة فيه ، وإنما يزهد الرجل في علم ما لم يعلم قلة الانتفاع بما قد علم » .
وأخرج الدارمي عن عبد الله بن عمر . أن عمر بن الخطاب قال لعبد الله بن سلام : من أرباب العلم؟ قال : الذين يعملون بما يعلمون . قال : فما ينفي العلم من صدور الرجال؟ قال : الطمع . (2/261)
وأخرج البيهقي في الشعب عن جابر بن عبد الله قال : تعلموا الصمت ، ثم تعلموا الحلم ، ثم تعلموا العلم ، ثم تعلموا العمل به ، ثم انشروا .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التقوى عن زياد بن جدير قال : ما فقه قوم لم يبلغوا التقى .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال : يقول الله عز وجل « إذا علمت أن الغالب على عبدي التمسك بطاعتي مننت عليه بالاشتغال بي والانقطاع إليَّ » .
وأخرج أبو الشيخ من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « العلم حياة الإِسلام وعماد الإِيمان ، ومن علم علماً أنمى الله له أجره إلى يوم القيامة ، ومن تعلم علماً فعمل به فإن حقاً على الله أن يعلمه ما لم يكن يعلم » .
وأخرج هناد عن الضحاك قال : ثلاثة لا يسمع الله تعالى لهم دعاء : رجل معه امرأة زناء كلما قضى شهوته منها قال : رب اغفر لي . فيقول الرب تبارك وتعالى : تحول عنها وأنا أغفر لك وإلا فلا ، ورجل باع بيعاً إلى أجل مسمى ولم يشهد ولم يكتب فكافره الرجل بما له فيقول : يا رب كافرني فلان بمالي . فيقول الرب لا آجرك ولا أجيبك ، إني أمرتك بالكتاب والشهود فعصيتني ، ورجل يأكل مال قوم وهو ينظر إليهم ويقول : يا رب اغفر لي ما آكل من مالهم فيقول الرب تعالى : رد إليهم مالهم وإلا فلا .
وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)
أخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف من طرق عن ابن عباس أنه قرأ ) ولم تجدوا كتاباً ) وقال : قد يوجد الكاتب ولا يوجد القلم ولا الدواة ولا الصحيفة ، والكتاب يجمع ذلك كله قال : وكذلك كانت قراءة أبي . (2/262)
وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية أنه كان يقرأ { فإن لم تجدوا كتاباً } قال : يوجد الكاتب ولا توجد الدواة ولا الصحيفة .
وأخرج ابن الأنباري عن الضحاك . مثله .
وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن الأنباري عن عكرمة أنه قرأها ( فإن لم تجدوا كتاباً ) .
وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن الأنباري عن مجاهد أنه قرأها ( فإن لم تجدوا كتاباً ) قال : مداداً .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس أنه كان يقرأها { فإن لم تجدوا كتاباً } وقال : الكتاب كثير لم يكن حواء من العرب إلا كان فيهم كاتب ، ولكن كانوا لا يقدرون على القرطاس والقلم والدواة .
وأخرج ابن الأنباري عن ابن عباس أنه كان يقرأ ( ولم تجدوا كتاباً ) بضم الكاف وتشديد التاء .
وأخرج الحاكم وصححه عن زيد بن ثابت قال : أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فرهن مقبوضة ) بغير ألف .
وأخرج سعيد بن منصور عن حميد الأعرج وإبراهيم أنهما قرآ ( فرهن مقبوضة ) .
وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن وأبي الرجاء أنهما قرآ { فرهان مقبوضة } .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله { وإن كنتم على سفر . . . } الآية . قال : من كان على سفر فبايع بيعاً إلى أجل فلم يجد كاتباً فرخص له في الرهان المقبوضة ، وليس له أن وجد كاتباً أن يرتهن .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة } قال : لا يكون الرهان إلا في السفر .
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن عائشة قالت « اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً من يهودي بنسيئة ورهنه درعاً له من حديد » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً } يعني لم تقدروا على كتابة الدين في السفر { فرهان مقبوضة } يقول : فليرتهن الذي له الحق من المطلوب { فإن أمن بعضكم بعضاً } يقول : فإن كان الذي عليه الحق أميناً عند صاحب الحق فلم يرتهن لثقته وحسن ظنه { فليؤد الذي ائتمن أمانته } يقول : ليؤد الحق الذي عليه إلى صاحبه ، وخوّف الله الذي عليه الحق فقال { وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة } يعني عند الحكام يقول : من أشهد على حق فليقمها على وجهها كيف كانت { ومن يكتمها } يعني الشهادة ولا يشهد بها إذا دعي لها { فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم } يعني من كتمان الشهادة وإقامتها .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : لا يكون الرهن إلا مقبوضاً يقبضه الذي له المال ثم قرأ { فرهان مقبوضة } . (2/263)
وأخرج البخاري في التاريخ الكبير وأبو داود والنحاس معاً في الناسخ وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في سننه بسند جيد عن أبي سعيد الخدري . أنه قرأ هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين } حتى إذا بلغ { فإن أمن بعضكم بعضاً } قال : هذه نسخت ما قبلها .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي عن الشعبي قال : لا بأس إذا أمنته أن لا تكتب ولا تشهد لقوله { فإن أمن بعضكم بعضاً } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع { ولا تكتموا الشهادة } قال : لا يحل لأحد أن يكتم شهادة هي عنده ، وإن كانت على نفسه أو الوالدين أو الأقربين .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { آثم قلبه } قال : فاجر قلبه .
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)
أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } قال : نزلت في الشهادة . (2/264)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق مقسم عن ابن عباس في قوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه . . . } الآية . قال : نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها .
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال « لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم { لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير } اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جثوا على الركب ، فقالوا : يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة ، والصيام ، والجهاد ، والصدقة ، وقد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا { سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير } [ البقرة : 285 ] فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها { آمن الرسول } [ البقرة : 285 ] الآية . فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } [ البقرة : 286 ] إلى آخرها » .
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال : « لما نزلت هذه الآية { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } دخل في قلوبهم منه شيء لم يدخل من شيء فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا . فألقى الله الإِيمان في قلوبهم ، فأنزل الله { آمن الرسول . . . } [ البقرة : 285 ] الآية { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } [ البقرة : 286 ] قال : قد فعلت { ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا } قال : قد فعلت { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } قال : قد فعلت { واعف عنا واغفر لنا وارحمنا . . . } الآية قال : قد فعلت » .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال : دخلت على ابن عباس فقلت : كنت عند ابن عمر فقرأ هذه الآية فبكى . قال : أية آية؟ قلت { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } قال ابن عباس : « إن هذه الآية حين أنزلت غمت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غماً شديداً وغاظتهم غيظاً شديداً ، وقالوا : يا رسول الله هلكنا إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل ، فأما قلوبنا فليست بأيدينا؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم » قولوا سمعنا وأطعنا « . قال : فنسختها هذه الآية { آمن الرسول } [ البقرة : 285 ] إلى { وعليها ما اكتسبت } فتجوّز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال » .
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير والطبراني والبيهقي في الشعب عن سعيد بن مرجانة . أنه بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه . . . } الآية . فقال : والله لئن آخذنا الله بهذا لنهلكن ، ثم بكى حتى سمع نشيجه ، قال ابن مرجانة : فقمت حتى أتيت ابن عباس فذكرت له ما قال ابن عمر وما فعل حين تلاها . فقال ابن عباس : يغفر الله لأبي عبد الرحمن ، لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر ، فأنزل الله بعدها { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } [ البقرة : 286 ] إلى آخر السورة قال ابن عباس : فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها ، وصار الأمر إلى أن قضى الله أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت من القول والعمل . (2/265)
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والنحاس في ناسخه والحاكم وصححه عن سالم أن أباه قرأ { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } فدمعت عيناه ، فبلغ صنيعه ابن عباس فقال : يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت ، فنسختها الآية التي بعدها { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد عن نافع قال : لقلما أتى ابن عمر على هذه الآية إلا بكى { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } إلى آخر الآية . ويقول : إن هذا لاحصاء شديد .
وأخرج البخاري والبيهقي في الشعب عن مروان الأصغر عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحسبه ابن عمر { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } قال : نسختها الآية التي بعدها .
وأخرج عبد بن حميد والترمذي عن علي قال : لما نزلت هذه الآية { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله . . . } الآية . أحزنتنا قلنا : أيحدث أحدنا نفسه فيحاسب به لا ندري ما يغفر منه ولا ما لا يغفر منه؟! فنزلت هذه الآية بعدها فنسختها { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير والطبراني عن ابن مسعود في الآية قال : كانت المحاسبة قبل أن تنزل { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } فلما نزلت نسخت الآية التي كانت قبلها .
وأخرج ابن جرير من طريق قتادة عن عائشة أم المؤمنين في الآية قال : نسختها { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } . (2/266)
وأخرج سفيان وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن المنذر عن أبي هريرة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم وتعمل به » .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي قال « ما بعث الله من نبي ولا أرسل من رسول أنزل عليهم الكتاب إلا أنزل عليه هذه الآية { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير } فكانت الأمم تأبى على أنبيائها ورسلها ، ويقولون : نؤاخذ بما نحدث به أنفسنا ولم تعمله جوارحنا؟! فيكفرون ويضلون ، فلما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم اشتد على المسلمين ما اشتد على الأمم قبلهم ، فقالوا : يا رسول الله أنؤاخذ بما نحدث به أنفسنا ولم تعمله جوارحنا؟ قال : نعم ، فاسمعوا وأطيعوا واطلبوا إلى ربكم ، فذلك قوله { آمن الرسول } [ البقرة : 285 ] الآية . فوضع الله عنهم حديث النفس إلا ما عملت الجوارح ، لها ما كسبت من خير وعليها ما اكتسبت من شر { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } [ البقرة : 286 ] قال : فوضع عنهم الخطأ والنسيان { ربنا ولا تحمل علينا إصرا . . . } الآية . قال : فلم يكلفوا ما لم يطيقوا ، ولم يحمل عليهم الإِصر الذي جعل على الأمم قبلهم ، وعفا عنهم وغفر لهم ونصرهم » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } فذلك سرائرك وعلانيتك { يحاسبكم به الله } فإنها لم تنسخ ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول : إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم تطلع عليه ملائكتي ، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم وهو قوله { يحاسبكم به الله } يقول : يخبركم ، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب وهو قوله { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } [ البقرة : 225 ] .
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس عن مجاهد في قوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } قال : من اليقين والشك .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه } فذلك سر عملك وعلانيته { يحاسبكم به الله } فما من عبد مؤمن يسر في نفسه خيراً ليعمل به فإن عمل به كتبت له عشر حسنات ، وإن هو لم يقدر له أن يعمل كتب له به حسنة من أجل أنه مؤمن ، والله رضي سر المؤمنين وعلانيتهم ، وان كان سوءاً حدث به نفسه اطلع الله عليه أخبره الله به يوم تبلى السرائر ، فإن هو لم يعمل به لم يؤاخذه الله به حتى يعمل به ، فإن هو عمل به تجاوز الله عنه كما قال
{ أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم } [ الأحقاف : 16 ] . (2/267)
وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس قال { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } نسخت فقال { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } [ البقرة : 286 ] .
وأخرج الطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } قال : لما نزلت اشتد ذلك على المسلمين وشق عليهم فنسخها الله ، فانزل الله { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } [ البقرة : 286 ] .
وأخرج الطبراني في مسند الشاميين عن ابن عباس قال : لما نزلت { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه . . . } الآية أتى أبو بكر ، وعمر ، ومعاذ بن جبل ، وسعد بن زرارة ، رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : ما نزل علينا آية أشد من هذه .
وأخرج ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس في الآية قال : إن الله يقول يوم القيامة : إن كتابي لم يكتبوا من أعمالكم إلا ما ظهر منها ، فأما ما أسررتم في أنفسكم فأنا أحاسبكم به اليوم ، فأغفر لمن شئت وأعذب من شئت .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في الآية قال : هي محكمة لم ينسخها شيء يعرفه الله يوم القيامة إنك أخفيت في صدرك كذا وكذا ولا يؤاخذه .
وأخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن أمية ، أنها سألت عائشة عن قول الله تعالى { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } وعن قوله { من يعمل سوءاً يجز به } [ النساء : 123 ] فقالت : ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : هذه معاتبة الله العبد فيما يصيبه من الحمى والنكبة ، حتى البضاعة يضعها في يد قميصه فيفقدها فيفزع لها ثم يجدها في ضبينه ، حتى إن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير من طريق الضحاك عن عائشة في قوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم . . . } الآية . قالت : هو الرجل يهم بالمعصية ولا يعملها ، فيرسل عليه من الغم والحزن بقدر ما كان هم من المعصية ، فتلك محاسبته .
وأخرج ابن جرير عن عائشة قالت : كل عبد هم بسوء ومعصية وحدث به نفسه حاسبه الله به في الدنيا ، يخاف ويحزن ويشتد همه لا يناله من ذلك شيء ، كما هم بالسوء ولم يعمل منه شيئاً .
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } بالرفع فيهما .
وأخرج عن الأعمش : انه قرأ بجزمهما .
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش . أنه قال : في قراءة ابن مسعود ( يحاسبكم به الله يغفر لمن يشاء ) بغير فاء .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله { فيغفر لمن يشاء . . . } الآية . قال : يغفر لمن يشاء الكبير من الذنوب ، ويعذب من يشاء على الصغير .
آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)
أخرج سعيد بن منصور وعبد حميد عن مجاهد قال « لما نزلت { وإن تبدوا ما في أنفسكم . . . } [ البقرة : 284 ] الآية . شق ذلك عليهم قالوا : يا رسول الله إنا لنحدث أنفسنا بشيء ما يسرنا أن يطلع عليه أحد من الخلائق ، وإن لنا كذا وكذا . قال : أو قد لقيتم هذا؟ ذلك صريح الإِيمان ، فأنزل الله { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه . . . } الآيتين » . (2/268)
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب من طريق يحيى بن أبي كثير عن أنس قال : « لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه } قال النبي صلى الله عليه وسلم » وحق له أن يؤمن « . قال : الذهبي منقطع بين يحيى وأنس » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال : « ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا نزلت هذه الآية قال » وحق له أن يؤمن « . قلت هذا شاهد لحديث أنس » .
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن علي بن أبي طالب . أنه قرأ ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه وآمن المؤمنون ) .
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس . أنه كان يقرأ ( كل آمن بالله وملائكته وكتابه ) .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : لما نزلت هذه الآية قال المؤمنون : آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان لا نفرق بين أحد من رسله ، لا نكفر بما جاءت به الرسل ، ولا نفرق بين أحد منهم ، ولا نكذب به { وقالوا سمعنا } للقرآن الذي جاء من الله { وأطعنا } اقروا الله أن يطيعوه في أمره ونهيه .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن يحيى بن عمير . أنه كان يقرأ ( لا يفرق بين أحد من رسله ) يقول : كل آمن ، وكل لا يفرق .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { غفرانك ربنا } قال : قد غفرت لكم { وإليك المصير } قال : إليك المرجع والمآب يوم يقوم الحساب .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم عن حكيم بن جابر قال : لما نزلت { آمن الرسول } قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم : إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه . فسأل { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } حتى ختم السورة بمسألة محمد صلى الله عليه وسلم .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } قال : هم المؤمنون ، وسع الله عليهم أمر دينهم فقال
{ وما جعل عليكم في الدين من حرج } [ الحج : 78 ] وقال { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [ البقرة : 185 ] وقال { فاتقوا الله ما استطعتم } [ التغابن : 19 ] . (2/269)
وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن عمران بن حصين قال : كانت لي بواسير ، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال « صل قائماً ، فإن لم تستطع فقاعداً ، فإن لم تستطع فعلى جنب » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } قال : من العمل .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق الزهري عن ابن عباس قال : لما نزلت ضج المؤمنون منها ضجة ، وقالوا : يا رسول الله : هذا نتوب من عمل اليد والرجل واللسان كيف نتوب من الوسوسة؟ كيف نمتنع منها؟ فجاء جبريل بهذه الآية { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } إنكم لا تستطيعون أن تمتنعوا من الوسوسة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { إلا وسعها } قال : إلا طاقتها .
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك { إلا وسعها } قال : إلا ما تطيق .
وأخرج سفيان والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تكلم به » .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي بكر الهذلي عن شهر عن أم الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث : عن الخطأ ، والنسيان ، والاستكراه . قال أبو بكر : فذكرت ذلك للحسن فقال : أجل ، اما تقرأ بذلك قرآنا { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } » .
وأخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن حبان والطبراني والدارقطني والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه » .
وأخرج ابن ماجة عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه » .
وأخرج الطبراني عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه » .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه » .
وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « وضع الله عن أمتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه » .
وأخرج ابن عدي في الكامل وأبو نعيم في التاريخ عن أبي بكرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« رفع الله عن هذه الأمة الخطأ ، والنسيان ، والأمر يكرهون عليه » . (2/270)
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « تجوّز لهذه الأمة الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه » .
وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث : عن الخطأ ، والنسيان ، والإِكراه » .
وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « تجاوز الله لابن آدم عما أخطأ ، وعما نسي ، وعما أكره وعما غلب عليه » .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال : إن هذه الآية حين نزلت { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } قال له جبريل : إن الله قد فعل ذلك يا محمد .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { إصراً } قال : عهداً .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد { ولا تحمل علينا إصراً } قال : عهداً .
وأخرج الطستي عن ابن عباس . أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله { ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا } قال : عهداً كما حملته على اليهود ، فمسختهم قردة وخنازير . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت أبا طالب وهو يقول :
أفي كل عام واحد وصحيفة ... يشد بها أمر وثيق وأيصره
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج { ولا تحمل علينا إصراً } قال : عهداً لا نطيقه ولا نستطيع القيام به { كما حملته على الذين من قبلنا } اليهود والنصارى فلم يقوموا به فأهلكتهم { ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } قال : مسخ القردة والخنازير .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا } قال : كم من تشديد كان على من كان قبلنا { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } قال : كم من تخفيف ويسر وعافية في هذه الأمة .
وأخرج ابن جرير عن عطاء بن أبي رباح { ولا تحمل علينا إصراً } قال : لا تمسخنا قردة وخنازير .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله { ولا تحمل علينا إصراً } يقول : التشديد الذي شدد به على من كان من أهل الكتاب .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن عبد الرحمن بن حسنة « أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم البول قرضوه بالمقاريض » .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال : كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم البول يتبعه بالمقراضين .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت
« دخلت على امرأة من اليهود فقالت : إن عذاب القبر من البول . قلت : كذبت . قالت : بلى . قالت : إنه ليقرض منه الجلد والثوب ، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : صدقت » . (2/271)
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال : لا تحمل علينا ذنباً ليس فيه توبة ولا كفارة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الفضيل في قوله { ولا تحمل علينا إصراً } قال : كان الرجل من بني إسرائيل إذا أذنب قيل له : توبتك أن تقتل نفسك فيقتل نفسه ، فوضعت الاصار عن هذه الأمة .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } قال : لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق .
وأخرج ابن جرير عن السدي { ما لا طاقة لنا به } من التغليظ والأغلال التي كانت عليهم من التحريم .
وأخرج ابن جرير عن سلام بن سابور { ما لا طاقة لنا به } قال : الغلمة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول { ما لا طاقة لنا به } قال : الغربة والغلمة والانعاظ .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد { واعف عنا } إن قصرنا عن شيء مما أمرتنا به { واغفر لنا } إن انتهكنا شيئاً مما نهيتنا عنه { وارحمنا } يقول : لا ننال العمل بما أمرتنا به ، ولا ترك ما نهيتنا عنه إلا برحمتك . قال : ولم ينج أحد إلا برحمته .
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإِيمان عن الضحاك قال : جاء بها جبريل ومعه من الملائكة ما شاء الله { آمن الرسول } إلى قوله { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا } قال : ذلك لك ، وهكذا عقب كل كلمة .
وأخرج سفيان بن عيينة وعبد بن حميد عن الضحاك قال « أقرأ جبريل النبي آخر سورة البقرة ، فلما حفظها قال : اقرأها . فقرأها ، فجعل كلما مر بحرف قال : ذلك لك حتى فرغ منها » .
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال : « لما نزلت هذه الآيات { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } فكلما قالها جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم : آمين رب العالمين » .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي ذر قال : هي للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في هذه الآية قال : كان عليه الصلاة والسلام فسألها نبي الله ربه ، فاعطاه اياها ، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة .
وأخرج أبو عبيد عن أبي ميسرة « أن جبريل لقن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خاتمة البقرة : آمين » .
وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر عن معاذ بن جبل . أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة { وانصرنا على القوم الكافرين } قال : آمين .
وأخرج أبو عبيد عن جبير بن نغير .
أنه كان إذا قرأ خاتمة البقرة يقول : آمين ، آمين . (2/272)
وأخرج ابن السني والبيهقي في الشعب عن حذيفة قال « صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ سورة البقرة ، فلما ختمها قال : اللهم ربنا ولك الحمد عشراً أو سبع مرات » .
وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وأحمد والدارمي والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن الضريس والبيهقي في سننه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه » .
وأخرج أبو عبيد والدارمي والترمذي والنسائي وابن الضريس ومحمد بن نصر وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن النعمان بن بشير « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام ، فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ، ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان » .
وأخرج أحمد وأبو عبيد ومحمد بن نصر عن عقبة بن عامر « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اقرأوا هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة ، فإن ربي أعطانيهما من تحت العرش » .
وأخرج الطبراني عن عقبة بن عامر قال : ترددوا في الآيتين من آخر سورة البقرة { آمن الرسول } إلى خاتمتها ، فإن الله اصطفى بها محمداً .
وأخرج أحمد والنسائي والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن حذيفة « أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : أعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش ، لم يعطها نبي قبلي » .
أخرج إسحق بن راهويه وأحمد والبيهقي في الشعب عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش ، لم يعطهن نبي قبلي » .
وأخرج مسلم عن ابن مسعود قال « لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى ، فأعطي ثلاثاً : أعطي الصلوات الخمس ، وأعطي خواتيم سورة البقرة ، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئاً من أمته المقحمات » .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي ذر « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش ، فتعلموهما وعلموهما نساءكم وأبناءكم ، فإنهما صلاة وقرآن ودعاء » .
وأخرج أبو عبيد وابن الضريس وجعفر الفريابي في الذكر عن محمد بن المنكدر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أواخر سورة البقرة « إنهن قرآن ، وإنهن دعاء ، وإنهن يدخلن الجنة ، وإنهن يرضين الرحمن » .
وأخرج الديلمي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
« آيتان هما قرآن ، وهما يشفيان ، وهما مما يحبهما الله ، الآيتان من آخر البقرة » . (2/273)
وأخرج الطبراني بسند جيد عن شداد بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام ، فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ، لا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان » .
وأخرج مسدد عن عمر قال : ما كنت أرى أحداً يعقل ينام حتى يقرأ الآيات الأواخر من سورة البقرة ، فإنهن من كنز تحت العرش .
وأخرج الدارمي ومحمد بن نصر وابن الضريس وابن مردويه عن علي قال : ما كنت أرى أن أحداً يعقل ينام حتى يقرأ هؤلاء الآيات الثلاث من آخر سورة البقرة ، وإنهن لمن كنز تحت العرش .
وأخرج الفريابي وأبو عبيد والطبراني ومحمد بن نصر عن ابن مسعود قال : أنزلت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش .
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال : من قرأ في ليلة آخر سورة البقرة فقد أكثر وأطاب .
وأخرج الخطيب في تلخيص المتشابه عن ابن مسعود قال : من قرأ الثلاث الأواخر من سورة البقرة فقد أكثر وأطاب .
وأخرج ابن عدي عن ابن مسعود الأنصاري « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أنزل الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ، من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل » .
وأخرج ابن الضريس عن ابن مسعود البدري قال : من قرأ خاتمة سورة البقرة في ليلة أجزأت عنه قيام ليلة ، وقال : أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش .
وأخرج أبو يعلى عن ابن عباس قال « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر ، في الركعة الأولى { آمن الرسول } حتى ختمها ، وفي الثانية من آل عمران { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء . . } [ آل عمران : 64 ] الآية » .
وأخرج أبو عبيد عن كعب أن محمداً صلى الله عليه وسلم أعطي أربع آيات لم يعطهن موسى ، وإن موسى أعطي آية لم يعطها محمد صلى الله عليه وسلم . قال : والآيات التي أعطيهن محمد { لله ما في السماوات وما في الأرض } حتى ختم البقرة ، فتلك ثلاث آيات ، وآية الكرسي حتى تنقضي ، والآية التي أعطيها موسى اللهم لا تولج الشيطان في قلوبنا وخلصنا منه ، من أجل أن لك الملكوت والأيد والسلطان والملك والحمد والأرض والسماء والدهر الداهر أبداً أبداً ، آمين آمين .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ، أنه كان إذا قرأ آخر البقرة قال : يا لك نعمة ، يا لك نعمة .
وأخرج ابن جرير في تهذيب الآثار عن أيوب .
إن أبا قلابة كتب إليه بدعاء الكرب وأمره أن يعلمه ابنه . لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السموات السبع ورب الأرض ورب العرش الكريم ، سبحانك يا رحمن ما شئت أن يكون كان وما لم تشأ لم يكن ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، أعوذ بالذي يمسك السموات السبع ومن فيهن أن يقعن على الأرض من شر ما خلق ومن شر ما برأ ، وأعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر السامة ، والهامة ، ومن الشر كله في الدنيا والآخرة ، ثم يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة . (2/274)
الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)
أخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أبيّ بن كعب أنه قرأ { الحي القيوم } . (2/275)
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال : { القيوم } القائم على كل شيء .
وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي داود وابن الأنباري معاً في المصاحف وابن المنذر والحاكم وصححه عن عمر أنه صلى العشاء الآخرة فاستفتح سورة آل عمران ، فقرأ { الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم } .
وأخرج ابن أبي داود عن الأعمش قال في قراءة عبدالله { الحي القيام } .
وأخرج ابن جرير وابن الأنباري عن علقمة أنه كان يقرأ { الحي القيام } .
وأخرج ابن جرير وابن الأنباري عن أبي معمر قال : سمعت علقمة يقرأ { الحي القيم } وكان أصحاب عبدالله يقرؤون { الحي القيام } .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عاصم بن كليب عن أبيه قال : كان عمر يعجبه أن يقرأ سورة آل عمران في الجمعة إذا خطب .
وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن جعفر بن الزبير قال « قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد نجران ستون راكباً ، فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم ، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة ، والعاقب ، وعبد المسيح ، والأيهم السيد ، وهو من النصرانية على دين الملك مع اختلاف من أمرهم . يقولون هو الله ، ويقولون هو ولد الله ، ويقولون هو ثالث ثلاثة ، كذلك قول النصرانية ، فهم يحتجون في قولهم يقولون هو الله بأنه كان يحيي الموتى ، ويبرئ الاسقام ، ويخبر بالغيوب ، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيراً ، وذلك كله بإذن الله ليجعله آية للناس .
ويحتجون في قولهم بأنه ولد بأنهم يقولون : لم يكن له أب يعلم ، وقد تكلم في المهد شيئاً لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله . ويحتجون في قولهم إنه ثالث ثلاثة بقول الله : فعلنا : وأمرنا ، وخلقنا ، وقضينا ، فيقولون : لو كان واحداً ما قال إلا فعلت ، وأمرت ، وقضيت ، وخلقت ، ولكنه هو وعيسى ومريم . ففي كل ذلك من قولهم نزل القرآن وذكر الله لنبيه فيه قولهم ، فلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : أسلما قالا : قد أسلمنا قبلك . قال : كذبتما منعكما من الإِسلام دعاؤكما لله ولداً ، وعبادتكما الصليب ، وأكلكما الخنزير ، قالا : فمن أبوه يا محمد؟ فصمت فلم يجبهما شيئاً ، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم كله صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها » ، فافتتح السورة بتنزيه نفسه مما قالوه ، وتوحيده إياهم بالخلق ، والأمر لا شريك له فيه ، ورد عليه ما ابتدعوا من الكفر ، وجعلوا معه من الأنداد ، واحتجاجاً عليهم بقولهم في صاحبهم ليعرفهم بذلك ضلالتهم فقال { الم ، الله لا إله إلا هو الحي القيوم } أي ليس معه غيره شريك في أمره ، الحي الذي لا يموت وقد مات عيسى ، في قولهم القائم على سلطانه لا يزول وقد زال عيسى .
وقال ابن إسحق : حدثني محمد بن سهل بن أبي امامة قال : لما قدم أهل نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن عيسى ابن مريم . نزلت فيهم فاتحة آل عمران إلى رأس الثمانين منها وأخرجه البيهقي في الدلائل . (2/276)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع قال : « إن النصارى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخاصموه في عيسى ابن مريم وقالوا له : من أبوه؟ وقالوا على الله الكذب والبهتان . فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ قالوا : بلى . قال : ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت ، وإن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا : بلى . قال : ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟ قالوا : بلى . قال : فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً؟ قالوا : لا . قال : أفلستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا : بلى . قال : فهل يعلم عيسى من ذلك شيئاً إلا ما علم؟ قالوا : لا .
قال : فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء ، ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ، ولا يشرب الشراب ، ولا يحدث الحدث؟ قالوا : بلى . قال : ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ، ثم غُذّيَ كما تُغذي المرأة الصبي ، ثم كان يأكل الطعام ، ويشرب الشراب ، ويحدث الحدث؟ قالوا : بلى . قال : فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فعرفوا ثم أبوا إلا جحوداً . فأنزل الله { الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم } » .
وأخرج سعيد بن منصور والطبراني عن ابن مسعود أنه كان يقرؤها { القيام } .
وأخرج ابن جرير عن علقمة أنه قرأ { الحي القيوم } .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله { نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه } قال : لما قبله من كتاب أو رسول .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن { مصدقاً لما بين يديه } يقول : من البينات التي أنزلت على نوح وإبراهيم وهود والأنبياء .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { نزل عليك الكتاب } قال : القرآن { مصدقاً لما بين يديه } من الكتب التي قد خلت قبله ( وأنزل التوراة والإنجيل ، من قبل هدى للناس ) هما كتابان أنزلهما الله فيهما بيان من الله ، وعصمة لمن أخذ به ، وصدق به وعمل بما فيه { وأنزل الفرقان } هو القرآن فرق به بين الحق والباطل .
فأحل فيه حلاله ، وحرم فيه حرامه ، وشرع فيه شرائعه ، وَحَدَّ فيه حدوده ، وفرض فيه فرائضه ، وبَيَّنَ فيه بيانه ، وأمر بطاعته ، ونهى عن معصيته . (2/277)
وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير { وأنزل الفرقان } أي الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره . وفي قوله { إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } أي أن الله منتقم ممن كفر بآياته بعد علمه بها ، ومعرفته بما جاء منه فيها . وفي قوله { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء } أي قد علم ما يريدون ، وما يكيدون ، وما يضاهون بقولهم في عيسى . إذ جعلوه رباً ، وإلهاً ، وعندهم من علمه غير ذلك ، غرة بالله وكفراً به { هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء } قد كان عيسى ممن صور في الأرحام لا يدفعون ذلك ولا ينكرونه ، كما صور غيره من بني آدم فكيف يكون إلهاً وقد كان بذلك المنزل؟
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في قوله { يصوركم في الأرحام كيف يشاء } قال : ذكوراً وإناثاً .
وأخرج ابن جرير من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح وعن ابن عباس عن مرة عن ابن مسعود وناس من الصحابة . في قوله { هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء } قال : إذا وقعت النطفة في الأرحام طارت في الجسد أربعين يوماً ، ثم تكون علقة أربعين يوماً ، ثم تكون مضغة أربعين يوماً . فإذا بلغ أن يخلق ، بعث الله ملكاً يصوّرها فيأتي الملك بتراب بين اصبعيه ، فيخلط فيه المضغة ، ثم يعجنه بها ، ثم يصوّره كما يؤمر ، ثم يقول أذكر أم أنثى ، أشقي أم سعيد ، وما رزقه ، وما عمره ، وما أثره ، وما مصائبه؟ فيقول الله . . . ويكتب الملك . فإذا مات ذلك الجسد دفن حيث أخذ ذلك التراب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة { هو الذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء } قال : من ذكر ، وأنثى ، وأحمر ، وأبيض ، وأسود ، وتام ، وغير تام الخلق .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله { العزيز الحكيم } قال : العزيز في نقمته إذا انتقم ، الحكيم في أمره .
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال : { المحكمات } ناسخه ، وحلاله ، وحرامه ، وحدوده؛ وفرائضه ، وما يؤمن به و { المتشابهات } منسوخه ، ومقدمه ، ومؤخره ، وأمثاله ، وأقسامه ، وما يؤمن به ولا يعمل به . (2/278)
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال : { المحكمات } الناسخ الذي يدان به ويعمل به . { المتشابهات } المنسوخات التي لا يدان بهن .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن عبدالله بن قيس : سمعت ابن عباس يقول في قوله { منه آيات محكمات } قال : الثلاث آيات من آخر سورة الأنعام محكمات { قل تعالوا . . . } [ الأنعام : 151 - 153 ] والآيتان بعدها .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس في قوله { آيات محكمات } قال : من ههنا { قل تعالوا . . . } [ الأنعام : 151 - 153 ] . إلى آخر ثلاث آيات . ومن ههنا { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه . . . } [ الإسراء : 23 - 25 ] إلى ثلاث آيات بعدها .
وأخرج ابن جرير من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة بن مسعود وناس من الصحابة { المحكمات } الناسخات التي يعمل بهن { والمتشابهات } المنسوخات .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال { المحكمات } الحلال والحرام .
وأخرج عبد بن حميد والفريابي عن مجاهد قال { المحكمات } ما فيه الحلال والحرام ، وما سوى ذلك منه متشابه يصدق بعضه بعضاً . مثل قوله { وما يضل به إلا الفاسقين } [ البقرة : 26 ] ومثل قوله { كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } [ الأنعام : 125 ] ومثل قوله { والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم } [ محمد : 17 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع قال { المحكمات } هي الآمرة الزاجرة .
وأخرج عبد بن حميد وابن الضريس وابن جرير وابن أبي حاتم عن إسحق بن سويد ، أن يحيى بن يعمر ، وأبا فاختة . تراجعا هذه الآية { هنَّ أم الكتاب } فقال أبو فاختة : هن فواتح السور ، منها يستخرج القرآن { الم ذلك الكتاب } منها استخرجت البقرة ، و { الم ، الله لا إله إلا هو الحي القيوم } منها استخرجت آل عمران ، قال يحيى : هن اللاتي فيهن الفرائض ، والأمر والنهي ، والحلال والحدود ، وعماد الدين .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير { هنَّ أم الكتاب } قال : أصل الكتاب ، لأنهن مكتوبات في جميع الكتب .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير قال { المحكمات } حجة الرب ، وعصمة العباد ، ودفع الخصوم والباطل ، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعت عليه { وأخر متشابهات } في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل ، ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام ، لا يصرفن إلى الباطل ، ولا يحرفن عن الحق .
وأخرج ابن جرير عن مالك بن دينار قال : سألت الحسن عن قوله { أم الكتاب } قال : الحلال والحرام قلت له ف { الحمد لله رب العالمين } [ الفاتحة : 1 ] قال : هذه أم القرآن . (2/279)
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال : إنما قال { هن أم الكتاب } لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهن { وأخر متشابهات } يعني فيما بلغنا { الم } و ( المص ) و ( المر ) و ( الر ) .
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال { المتشابهات } آيات في القرآن يتشابهن على الناس إذا قرأوهن . ومن أجل ذلك يضل من ضل ، فكل فرقة يقرؤون آية من القرآن يزعمون أنها لهم ، فمنها يتبع الحرورية من المتشابه قول الله { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } [ المائدة : 44 ] ثم يقرؤون معها { والذين كفروا بربهم يعدلون } [ الأنعام : 1 ] فإذا رأوا الامام يحكم بغير الحق قالوا : قد كفر فمن كفر عدله بربه ، ومن عدل بربه فقد أشرك بربه . فهؤلاء الأئمة مشركون .
وأخرج البخاري في التاريخ وابن جرير من طريق ابن إسحق عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن رباب قال « مر أبو ياسر بن أخطب ، فجاء رجل من يهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة { الم ذلك الكتاب لا ريب فيه } .
فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود ، فقال أتعلمون؟ والله لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل عليه { الم ، ذلك الكتاب } فقال : أنت سمعته قال : نعم . فمشى حتى وافى أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : الم تقل إنك تتلو فيما أنزل عليك { الم ، ذلك الكتاب } ؟ فقال : بلى ، فقالوا : لقد بعث بذلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مده ملكه ، وما أجل أمته غيرك . الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فهذه إحدى وسبعون سنة .
ثم قال : يا محمد هل مع هذا غيره؟ قال : نعم . ( المص ) قال : هذه أثقل وأطول! الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والصاد تسعون ، هذه إحدى وثلاثون ومائة . هل مع هذا غيره؟ قال : نعم . ( الر ) قال : هذه أثقل وأطول! الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والراء مائتان . هذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة . هل مع هذا غيره؟ قال : نعم . ( المر ) قال : هذه أثقل وأطول . هذه إحدى وسبعون ومائتان . ثم قال : لقد لبس علينا أمرك حتى ما ندري أقليلاً أعطيت أم كثيراً! .
ثم قال : قوموا عنه . ثم قال أبو ياسر لأخيه ومن معه : ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد . إحدى وسبعون ، وإحدى وثلاثون ومائة ، وإحدى وثلاثون ومائتان ، وإحدى وسبعون ومائتان ، فذلك سبعمائة وأربع سنين! فقالوا : لقد تشابه علينا أمره ، فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات } » .
وأخرج يونس بن بكير في المغازي عن ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وجابر بن رباب ، أن أبا ياسر بن أخطب مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ ( فاتحة الكتاب ، والم ، ذلك الكتاب ) فذكر القصة . وأخرجه ابن المنذر في تفسيره من وجه آخر عن ابن جريج معضلاً . (2/280)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس { فأما الذين في قلوبهم زيغ } يعني أهل الشك . فيحملون المحكم على المتشابه ، والمتشابه على المحكم ، ويلبسون فلبس الله عليهم { وما يعلم تأويله إلا الله } قال : تأويله يوم القيامة لا يعلمه إلا الله .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود { زيغ } قال : شك .
وأخرج عن ابن جريج قال { الذين في قلوبهم زيغ } المنافقون .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله { فيتبعون ما تشابه منه } قال : الباب الذي ضلوا منه وهلكوا فيه { ابتغاء تأويله } وفي قوله { ابتغاء الفتنة } قال : الشبهات .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والدارمي وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن أبي حبان والبيهقي في الدلائل من طرق عن عائشة قالت « تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ } إلى قوله { أولوا الألباب } فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم . ولفظ البخاري : فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم . وفي لفظ لابن جرير : إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه سمى الله فاحذروهم . وفي لفظ لابن جرير : إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه والذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فلا تجالسوهم » .
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه } قال : هم الخوارج . وفي قوله { يوم تبيض وجوه وتسودُّ وجوه } [ آل عمران : 106 ] قال : هم الخوارج .
وأخرج الطبراني عن أبي مالك الأشعري ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال : أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا ، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذَّكَّرُ إلا أولوا الألباب } ، وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يبالوا به » .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مما أتخوف على أمتي؛ أن يكثر فيهم المال حتى يتنافسوا فيه فيقتتلوا عليه ، وإن مما أتخوف على أمتي أن يُفْتَحَ لهم القرآن حتى يقرأه المؤمن والكافر والمنافق فيحل حلاله المؤمن » . (2/281)
أما قوله تعالى : { ابتغاء تأويله } الآية .
أخرج أبو يعلى عن حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال « إن في أمتي قوماً يقرؤون القرآن ينثرونه نثر الدقل ، يتأوّلونه على غير تأويله » .
وأخرج ابن سعد وابن الضريس في فضائله وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على قوم يتراجعون في القرآن وهو مغضب فقال : بهذا صلت الأمم قبلكم ، باختلافهم على أنبيائهم ، وضرب الكتاب بعضه ببعض . قال : وإن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً ، ولكن نزل أن يصدق بعضه بعضاً ، فما عرفتم منه فاعلموا به ، وما تشابه عليكم فآمنوا به » .
وأخرج أحمد من وجه آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده « سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً يتدارأون فقال : إنما هلك من كان قبلكم بهذا ، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض ، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً ، فلا تكذبوا بعضه ببعض ، فما علمتم منه فقولوا ، وما جهلتم فَكِلُوه إلى عالِمِهِ » .
وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه وأبو نصر السجزي في الابانة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال « كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد ، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف . زاجر وآمر ، وحلال وحرام ، ومحكم ومتشابه وأمثال ، فأحلوا حلاله ، وحرموا حرامه ، وافعلوا ما أمرتم به ، وانتهوا عما نُهيتم عنه ، واعتبروا بأمثاله واعلموا بمحكمه ، وآمنوا بمتشابهه ، وقولوا { آمنا به كل من عند ربنا } » وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود . موقوفاً .
وأخرج الطبراني عن عمر بن أبي سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن مسعود « إن الكتب كان تنزل من السماء ، من باب واحد ، وأن القرآن نزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف ، حلال وحرام ، ومحكم ومتشابه ، وضرب أمثال ، وآمر وزاجر ، فأحل حلاله ، وحرم حرامه ، واعمل بمحكمه ، وقف عند متشابهه ، واعتبر أمثاله ، فإن كلا من عند الله { وما يذّكَّر إلا أولوا الألباب } » .
وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد بسند واهٍ عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته : « أيها الناس قد بين الله لكم في محكم كتابه ما أحل لكم وما حرم عليكم . فأحلوا حلاله ، وحرموا حرامه ، وآمنوا بمتشابهه ، واعلموا بمحكمه ، واعتبروا بأمثاله » .
وأخرج ابن الضريس وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود قال : أنزل القرآن على خمسة أوجه : حرام ، وحلال ، ومحكم ، ومتشابه ، وأمثال . فأحل الحلال ، وحرم الحرام ، وآمن بالمتشابه ، واعمل بالمحكم ، واعتبر بالأمثال . (2/282)
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن ابن مسعود قال : إن القرآن أنزل على نبيكم صلى الله عليه وسلم من سبعة أبواب على سبعة أحرف ، وأن الكتاب قبلكم كان ينزل من باب واحد على حرف واحد .
وأخرج ابن جرير ونصر المقدسي في الحجة عن أبي هريرة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نزل القرآن على سبعة أحرف . المراء في القرآن كفر . ما عرفتم منه فاعملوا به ، وما جهلتم منه فردوه إلى عَالِمِهِ » .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أعربوا القرآن واتبعوا غرائبه ، وغرائبه فرائضه وحدوده . فإن القرآن نزل على خمسة أوجه : حلال ، وحرام ، ومحكم ، ومتشابه ، وأمثال . فاعملوا بالحلال ، واجتنبوا الحرام ، واتبعوا المحكم ، وآمنوا بالمتشابه ، واعتبروا بالأمثال » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : إن القرآن ذو شجون ، وفنون ، وظهور ، وبطون . لا تنقضي عجائبه ، ولا تبلغ غايته . فمن أوغل فيه برفق نجا ، ومن أوغل فيه بعنف غوى . أخبار وأمثال وحرام وحلال ، وناسخ ومنسوخ ، ومحكم ومتشابه ، وظهر وبطن . فظهره التلاوة ، وبطنه التأويل . فجالسوا به العلماء ، وجانبوا به السفهاء ، وإياكم وزلة العالم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع أن النصارى قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ألست تزعم أن عيسى كلمة الله ، وروح منه؟ قال : بلى . قالوا : فحسبنا . . . فأنزل الله { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة } .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في كتاب الأضداد والحاكم وصححه عن طاوس قال : كان ابن عباس يقرؤها « وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به »
وأخرج أبو داود في المصاحف عن الأعمش قال : في قراءة عبد الله « وان حقيقة تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبن أبي مليكة قال : قرأت على عائشة هؤلاء الآيات فقالت : كان رسوخهم في العلم أن آمنوا بمحكمه ومتشابهه { وما يعلم تأويله إلا الله } ولم يعلموا تأويله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي الشعثاء وأبي نهيك قالا : إنكم تصلون هذه الآية وهي مقطوعة { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا } فانتهى عملهم إلى قولهم الذي قالوا .
وأخرج ابن جرير عن عروة قال { الراسخون في العلم } لا يعلمون تأويله ، ولكنهم يقولون { آمنا به كل من عند ربنا } . (2/283)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عمر بن عبد العزيز قال : انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا { آمنا به كل من عند ربنا } .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن أبي قال : كتاب الله ما استبان منه فاعمل به ، وما اشتبه عليك فآمن به وَكِلْهُ إلى عالمه .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال : إن للقرآن مناراً كمنار الطريق ، فما عرفتم فتمسكوا به ، وما اشتبه عليكم فذروه .
وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ قال : القرآن منار كمنار الطريق ولا يخفى على أحد ، فما عرفتم منه فلا تسألوا عنه أحداً ، وما شككتم فيه فكلوه إلى عالمه .
وأخرج ابن أبي جرير من طريق أشهب عن مالك في قوله { وما يعلم تأويله إلا الله } قال : ثم ابتدأ فقال { والراسخون في العلم يقولون آمنا به } وليس يعلمون تأويله .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أنس وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأبي الدرداء « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن { الراسخين في العلم } فقال : من برت يمينه ، وصدق لسانه ، واستقام قلبه ، ومن عف بطنه وفرجه . فذلك من الراسخين في العلم » .
وأخرج ابن عساكر من طريق عبد الله بن يزيد الأودي . « سمعت أنس بن مالك يقول سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من { الراسخون في العلم } ؟ قال : » من صدق حديثه ، وبر في يمينه ، وعف بطنه وفرجه . فذلك { الراسخون في العلم } « » .
وأخرج ابن المنذر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : تفسير القرآن على أربعة وجوه : تفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعذر الناس بجهالته من حلال أو حرام ، وتفسير تعرفه العرب بلغتها ، وتفسير لا يعلم تأويله إلا الله . من ادعى علمه فهو كاذب .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أُنْزِلَ القرآن على سبعة أحرف : حلال وحرام لا يعذر أحد بالجهالة به ، وتفسير تفسره العرب ، وتفسير تفسره العلماء ، ومتشابه لا يعلمه إلا الله . ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري من طريق مجاهد عن ابن عباس قال : أنا ممن يعلم تأويله .
وأخرج ابن جرير عن الربيع « والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون آمنا به » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس { يقولون آمنا به } نؤمن بالمحكم وندين به ، ونؤمن بالمتشابه ولا ندين به .
وهو من عند الله كله . (2/284)
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { كل من عند ربنا } يعني ما نسخ منه وما لم ينسخ .
وأخرج الدارمي في مسنده ونصر المقدسي في الحجة عن سليمان بن يسار ، أن رجلاً يقال له صيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن ، فأرسل إليه عمر وقد أَعَدَّ له عراجين النخل فقال : من أنت؟ فقال : أنا عبدالله صبيغ فقال : وأنا عبدالله عمر . فأخذ عمر عرجوناً من تلك العراجين ، فضربه حتى دمى رأسه فقال : يا أمير المؤمنين حسبك . . . قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي .
وأخرج الدارمي عن نافع ، إن صبيغاً العراقي جعل يسأل عن أشياء من القرآن في أجناد المسلمين حتى قدم مصر ، فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب ، فلما أتاه أرسل عمر إلى رطائب من جريد ، فضربه بها حتى ترك ظهره دبرة ، ثم تركه حتى برئ ، ثم عاد له ، ثم تركه حتى برئ ، فدعا به ليعود له فقال صبيغ : إن كنت تريد قتلي فاقتلني جميلاً ، وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برأت . فأذن له إلى أرضه ، وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه أحد من المسلمين .
وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن أنس . أن عمر بن الخطاب جلد صبيغاً الكوفي في مسألة عن حرف من القرآن حتى اطردت الدماء في ظهره .
وأخرج ابن الأنباري في المصاحف ونصر المقدسي في الحجة وابن عساكر عن السائب بن يزيد ، أن رجلاً قال لعمر : إني مررت برجل يسأل عن تفسير مشكل القرآن . فقال عمر : اللهم أمكني منه . فدخل الرجل يوماً على عمر فسأله ، فقام عمر ، فحسر عن ذراعيه ، وجعل يجلده ثم قال : ألبسوه تباناً واحملوه على قتب ، وابلغوا به حيه ، ثم ليقم خطيب فليقل أن صبيغاً طلب العلم فاخطأه ، فلم يزل وضيعاً في قومه بعد أن كان سيداً فيهم .
وأخرج نصر المقدسي في الحجة وابن عساكر عن أبي عثمان النهدي ، إن عمر كتب إلى أهل البصرة ، أن لا يجالسوا صبيغاً ، قال : فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا .
وأخرج ابن عساكر عن محمد بن سيرين قال : كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالس صبيغاً ، وأن يحرم عطاءه ورزقه .
وأخرج نصر في الحجة وابن عساكر عن زرعة قال : رأيت صبيغ بن عسل بالبصرة كأنه بعير أجرب ، يجيء إلى الحلقة ويجلس وهم لا يعرفونه ، فتناديهم الحلقة الأخرى : عزمة أمير المؤمنين عمرن فيقومون ويدعونه .
وأخرج نصر في الحجة عن أبي إسحق ، أن عمر كتب إلى أبي موسى الأشعري .
أما بعد . . . فإن الأصبغ تكلف ما يخفى وضيع ما ولي ، فإذا جاءك كتابي هذا فلا تبايعوه ، وإن مرض فلا تعودوه ، وإن مات فلا تشهدوه . (2/285)
وأخرج الهروي في ذم الكلام عن الإِمام الشافعي رضي الله عنه قال : حكمي في أهل الكلام حكم عمر في صبيغ ، أن يضربوا بالجريد ، ويحملوا على الإِبل ، ويطاف بهم في العشائر والقبائل ، وينادى عليهم؛ هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة ، وأقبل على علم الكلام .
وأخرج الدارمي عن عمر بن الخطاب قال : إنه سيأتيكم ناس يجادلونكم بشبهات القرآن ، فخذوهم بالسنن ، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله .
وأخرج نصر المقدسي في الحجة عن ابن عمرو « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القرآن . هذا ينزع بآية ، وهذا ينزع بآية . فكأنما فقىء في وجهه حب الرمان فقال : ألهذا خلقتم ، أو لهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض ، انظروا ما أمرتم به فاتبعوه ، وما نهيتم عنه فانتهوا » .
وأخرج أبو داود والحاكم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الجدال في القرآن كفر » .
وأخرج نصر المقدسي في الحجة عن ابن عمرو رضي الله عنهما قال : « خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن وراء حجرته قوم يتجادلون في القرآن . فخرج محمرة وجنتاه كأنما تقطران دماً فقال : يا قوم لا تجادلوا بالقرآن ، فإنما ضَلَّ من كان قبلكم بجدالهم ، إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً ولكن نزل ليصدق بعضه بعضاً ، فما كان من محكمه فاعملوا به ، وما كان من متشابهه فآمنوا به » .
وأخرج نصر في الحجة عن أبي هريرة قال : كنا عند عمر بن الخطاب إذ جاءه رجل يسأله عن القرآن أمخلوق هو أو غير مخلوق؟ فقام عمر فأخذ بمجامع ثوبه حتى قاده إلى علي بن أبي طالب فقال : يا أبا الحسن أما تسمع ما يقول هذا؟ قال : وما يقول؟! قال : جاءني يسألني عن القرآن أمخلوق هو أو غير مخلوق . فقال علي : هذه كلمة وسيكون لها ثمرة ، لو وَليتُ من الأمر ما وَلِيتَ ضربت عُنقَه .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { فأما الذين في قلوبهم زيغ . . . } الآية قال : طلب القوم التأويل فأخطأوا التأويل وأصابوا الفتنة واتبعوا ما تشابه منه فهلكوا بين ذلك .
وأخرج ابن الأنباري في كتاب الأضداد عن مجاهد قال : الراسخون في العلم يعلمون تأويله ، ويقولون آمنا به .
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أم سلمة « أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك . ثم قرأ { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا . . . } الآية » . (2/286)
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر في دعائه أن يقول : اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك . قلت : يا رسول الله وإن القلوب لتتقلب؟! قال : نعم . ما من خلق الله من بشر من بني آدم إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله ، فإن شاء الله أقامه ، وإن شاء أزاغه . فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب . قلت : يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي . قال : بلى . قولي اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي ، وأذهب غيظ قلبي ، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني » .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن مردويه عن عائشة قالت : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يدعو : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك . قلت : يا رسول الله ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء! فقال : ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن ، إذا شاء أن يقيمه أقامه ، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه ، أما تسمعين قوله تعالى { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب } » ولفظ ابن أبي شيبة « إذا شاء أن يقلبه إلى هدى قلبه ، وإذا شاء أن يقلبه إلى ضلال قلبه » .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد والبخاري في الأدب المفرد والترمذي وحسنه وابن جرير عن أنس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول « يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك . قالوا : يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به ، فهل تخاف علينا؟ قال : نعم . قال : إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها » .
وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير والطبراني عن سبرة بن فاتك قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرب . فإذا شاء أقامه ، وإذا شاء أزاغه » .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الإِخلاص والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي عبيدة بن الجراح « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن قلب ابن آدم مثل قلب العصفور يتقلب في اليوم سبع مرات » .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الإِخلاص عن أبي موسى قال : إنما سمي القلب قلباً لتقلبه . وإنما مثل القلب مثل ريشة بفلاة من الأرض . (2/287)
وأخرج أحمد وابن ماجة عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن هذا القلب كريشة بفلاة من الأرض تقيمها الريح ظهراً لبطن » .
وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة وأبو داود والبيهقي في سننه عن أبي عبدالله الصنابحي ، أنه قدم المدينة في خلافة أبي بكر الصديق ، فصلى وراء أبي بكر المغرب ، فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين بأم القرآن ، وسورة من قصار المفصل . ثم قام في الركعة الثالثة ، فقرأ بأم القرآن ، وهذه الآية { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب } .
وأخرج ابن جرير والطبراني في السنة والحاكم وصححه عن جابر قال : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول : يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك . قلنا : يا رسول الله تخاف علينا وقد آمنا بك؟ فقال : إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد ، يقول به هكذا . ولفظ الطبراني : إن قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الله عز وجل ، فإذا شاء أن يقيمه أقامه ، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه » .
وأخرج أحمد والنسائي وابن ماجة وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن النّواس بين سمعان سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « الميزان بيد الرحمن . يرفع أقواماً ويضع آخرين إلى يوم القيامة ، وقلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن . إذا شاء أقامه ، وإذا شاء أزاغه ، وكان يقول : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك » .
وأخرج الحاكم وصححه عن المقداد : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لقلب ابن آدم أشد انقلاباً من القدر إذ اجتمع غلياناً » .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير في قوله { ربنا لا تزغ قلوبنا } أي لا تمل قلوبنا وإن ملنا بأجسادنا .
وأخرج ابن سعد في طبقاته عن أبي عطاف أن أبا هريرة كان يقول : أي رب لا أزنين ، أي رب لا أسرقن ، أي رب لا أكفرن . قيل له : أو تخاف؟ قال : آمنت بمحرف القلوب ثلاثاً .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي الدرداء قال : كان عبدالله بن رواحة إذا لقيني قال : اجلس يا عويمر فلنؤمن ساعة ، فنجلس فنذكر الله على ما يشاء . ثم قال : يا عويمر هذه مجالس الإِيمان ، إن مثل الإِيمان ومثلك كمثل قميصك بينا أنت قد نزعته إذ لبسته ، وبينا أنت قد لبسته إذ نزعته . يا عويمر للقلب أسرع تقلباً من القِدر ، إذا استجمعت غلياناً .
وأخرج الحكيم الترمذي من طريق عتبة بن عبدالله بن خالد بن معدان عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنما الإِيمان بمنزلة القميص ، مرة تقمصه ومرة تنزعه » . (2/288)
وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي أيوب الأنصاري قال : ليأتين على الرجل أحايين وما في جلده موضع ابرة من النفاق ، وليأتين عليه أحايين وما في جلده موضع إبرة من إيمان .
وأخرج أبو داود والنسائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استيقظ من الليل قال : « لا إله إلا أنت سبحانك اللهم إني أستغفرك لذنبي وأسألك رحمتك ، اللهم زدني علماً ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني ، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب » .
وأخرج مسلم والنسائي وابن جرير والبيهقي عن عبدالله بن عمرو « أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك » .
وأخرج الطبراني في السنة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنما قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن عز وجل » .
رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10)
أخرج ابن النجار في تاريخه عن جعفر بن محمد الخلدي قال : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من قرأ هذه الآية على شيء ضاع منه رده الله عليه { ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد } اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع بيني وبين مالي إنك على كل شيء قدير » . (2/289)
كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { كدأب آل فرعون } قال : كصنيع آل فرعون . (2/290)
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله { كدأب آل فرعون } قال : كفعل .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد . مثله .
وأخرج ابن جرير عن الربيع { كدأب آل فرعون } يقول : كسنَّتهم .
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (13)
أخرج ابن اسحاق وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصاب ما أصاب من بدر ورجع إلى المدينة ، جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال : يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشاً فقالوا : يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفراً من قريش كانوا أغماراً ولا يعرفون القتال ، إنك والله لو ما قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس ، وأنك لم تلق مثلنا . فأنزل الله { قل للذين كفروا ستغلبون } إلى قوله { لأولي الأبصار } » . (2/291)
وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن عاصم بن عمر عن قتادة . مثله .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال : قال فنحاص اليهودي في يوم بدر : لا يغرن محمداً أن غلب قريشاً وقتلهم ، إن قريشاً لا تحسن القتال . فنزلت هذه الآية { قل للذين كفروا ستغلبون } .
وأخرج ابن جرير عن قتادة { قد كان لكم آية } عبرة وتفكر .
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس { قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله } أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر { وأخرى كافرة } فئة قريش الكفار .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عكرمة قال : في أهل بدر نزلت { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم } [ الأنفال : 7 ] وفيهم نزلت { سيهزم الجميع . . . } [ القمر : 45 ] الآية . وفيهم نزلت { حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب } [ المؤمنون : 64 ] وفيهم نزلت { ليقطع طرفاً من الذين كفروا } [ آل عمران : 127 ] وفيهم نزلت { ليس لك من الأمر شيء } [ آل عمران : 128 ] وفيهم نزلت { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً } [ إبراهيم : 28 ] وفيهم نزلت { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء } [ الأنعام : 47 ] وفيهم نزلت { قد كان لكم آية في فئتين التقتا } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله { قد كان لكم آية } يقول : قد كان لكم في هؤلاء عبرة ومتفكر . أيدهم الله ونصرهم على عدوّهم وذلك يوم بدر ، كان المشركون تسعمائة وخمسين رجلاً ، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة عشر رجلاً .
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله { قد كان لكم آيةٌ في فئتين } الآية . قال : هذا يوم بدر فنظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا ، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً . وذلك قول الله { وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم } [ الأنفال : 44 ] .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { قد كان لكم آية في فئتين . . . } الآية . قال : أنزلت في التخفيف يوم بدر على المؤمنين ، كانوا يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، وكان المشركون مثليهم ستة وعشرين وستمائة ، فأيد الله المؤمنين فكان هذا في التخفيف على المؤمنين .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس ، أن أهل بدر كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر . المهاجرون منهم خمسة وسبعون ، وكانت هزيمة بدر لسبع عشرة من رمضان ليلة جمعة . (2/292)
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله { يؤيد بنصره من يشاء } قال : يقوي بنصره من يشاء قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول حسان بن ثابت رضي الله عنه :
برجال لستمو أمثالهم ... أيدوا جبريل نصراً فنزل
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد قال : لما نزلت { زين للناس حب الشهوات . . . } إلى آخر الآية . قال عمر : الآن يا رب حين زينتها لنا فنزلت { قل أؤنبئكم . . . } [ آل عمران : 15 ] الآية كلها . (2/293)
وأخرج ابن المنذر بلفظ حتى انتهى إلى قوله { قل أؤنبئكم بخير } [ آل عمران : 15 ] فبكى وقال : بعد ماذا . بعد ما زينتها .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سيار بن الحكم ، أن عمر بن الخطاب قرأ { زيِّن للناس . . . } الآية . ثم قال : الآن يا رب وقد زينتها في القلوب .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم عن أسلم قال : رأيت عبدالله بن أرقم جاء إلى عمر بن الخطاب بحلية آنية وفضة فقال عمر : اللهم إنك ذكرت هذا المال . فقلت { زين للناس حب الشهوات } حتى ختم الآية وقلت { لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم } [ الحديد : 23 ] وإنا لا أستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا ، اللهم فاجعلنا ننفقه في حق ، وأعوذ بك من شره .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { زين للناس . . . } الآية . قال من زينها؟ ما أحد أشد لها ذماً من خالقها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله تعالى عنه في قوله { زين للناس . . . } الآية . قال : زين لهم الشيطان .
قوله تعالى : { من النساء } .
أخرج النسائي وابن أبي حاتم والحاكم عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « حبب إليَّ من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة » .
قوله تعالى : { والقناطير المقنطرة } .
أخرج أحمد وابن ماجة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « القنطار اثنا عشر ألف أوقية » .
وأخرج الحاكم وصححه عن أنس قال : « سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله { والقناطير المقنطرة } قال : القنطار ألف أوقية » .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « القنطار ألف دينار » .
وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { القنطار } ألف أوقية ومائتا أوقية » .
وأخرج ابن جرير عن الحسن قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { القنطار } ألف ومائتا دينار » .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي الدرداء قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قرأ في ليلة مائة آية لم يكتب من الغافلين ، ومن قرأ مائتي آية بعث من القانتين ، ومن قرأ خمسمائة آية إلى ألف آية أصبح له قنطار من الأجر ، والقنطار مثل التل العظيم » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن معاذ بن جبل قال : القنطار ألف ومائتا أوقية . (2/294)
وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال : القنطار ألف ومائتا أوقية .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن أبي هريرة مثله .
وأخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن عباس قال : القنطار اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار .
وأخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن عباس قال : القنطار ألف ومائتا دينار من الفضة وألف ومائتا مثقال .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال : القنطار ملء مسك الثور ذهباً .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر ، أنه سئل ما القنطار؟ قال : سبعون ألفاً .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال : القنطار سبعون ألف دينار .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب قال : القنطار ثمانون ألفاً .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح قال : القنطار مائة رطل .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال : كنا نحدث أن القنطار مائة رطل من الذهب ، أو ثمانون ألفاً من الورق .
وأخرج الطستي عن ابن عباس ، أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله عز وجل { والقناطير } قال : أما قولنا أهل البيت فانا نقول : القنطار عشرة آلاف مثقال ، وأما بنو حسل فإنهم يقولون : ملء مسك ثور ذهباً أو فضة . قال : فهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت عدي بن زيد وهو يقول :
وكانوا ملوك الروم تجبى إليهم ... قناطيرها من بين قل وزائد
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر قال { القنطار } خمسة عشر ألف مثقال ، والمثقال أربعة وعشرون قيراطاً .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله { القناطير المقنطرة } يعني المال الكثير من الذهب والفضة .
وأخرج عن الربيع { القناطير المقنطرة } المال الكثير بعضه على بعض .
وأخرج عن السدي { المقنطرة } يعني المضروبة حتى صارت دنانير أو دراهم .
قوله تعالى : { والخيل المسوّمة } .
أخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس { والخيل المسوّمة } قال : الراعية . وأخرجه ابن المنذر من طريق مجاهد عن ابن عباس .
وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس { والخيل المسوّمة } يعني معلمة .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس { والخيل المسوّمة } يعني معلمة .
وأخرج ابن أبي حاتم من الطريق عكرمة عن ابن عباس قال { الخيل المسوّمة } الراعية والمطهمة الحسان . ثم قرأ ( شجر فيه تسيمون ) .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد { والخيل المسوّمة } قال : المطهمة الحسان .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال : تسويمها حسنها .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول { والخيل المسومة } قال : الغرة والتحجيل .
أما قوله تعالى : { ذلك متاع الحياة الدنيا } .
أخرج مسلم وابن أبي حاتم عن ابن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « الدنيا متاع ، وخير متاعها المرأة الصالحة » .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { والله عنده حسن المآب } قال : حسن المنقلب . وهي الجنة .
قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16)
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول : اللهم زينت لنا الدنيا ، وأنبأتنا أن ما بعدها خير منها ، فاجعل حظنا في الذي هو خير وأبقى . (2/295)
الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17)
أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله { الصابرين . . . } الآية . قال : ( الصابرون ) قوم صبروا على طاعة الله ، وصبروا عن محارمه ( والصادقون ) قوم صدقت نياتهم ، واستقامت قلوبهم وألسنتهم ، وصدقوا في السر والعلانية ( والقانتون ) هم المطيعون ( والمستغفرون بالأسحار ) هم أهل الصلاة . (2/296)
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال { الصابرين } على ما أمر الله { والصادقين } في إيمانهم { والقانتين } يعني المطيعين { والمنفقين } يعني من أموالهم في حق الله { والمستغفرين بالأسحار } يعني المصلين .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم { والمستغفرين بالأسحار } قال : هم الذين يشهدون صلاة الصبح .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر أنه كان يحيي الليل صلاة ثم يقول : يا نافع أسحرنا فيقول : لا . فيعاود الصلاة فإذا قال : نعم . قعد يستغفر الله ويدعو حتى يصبح .
وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن أنس بن مالك قال « أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستغفر بالأسحار سبعين استغفارة » .
وأخرج ابن جرير عن جعفر بن محمد قال : من صلى من الليل ثم استغفر في آخر الليل سبعين مرة كتب من المستغفرين .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن أبي سعيد الخدري قال : بلغنا أن داود عليه السلام سأل جبريل عليه السلام فقال : يا جبريل أي الليل أفضل؟ قال : يا داود ما أدري إلا أن العرش يهتز في السحر .
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)
أخرج ابن السني في عمل يوم وليلة وأبو منصور الشجامي في الأربعين عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن فاتحة الكتاب ، وآية الكرسي ، والآيتين من آل عمران { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ، إن الدين عند الله الإسلام } و { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء } [ آل عمران : 26 ] إلى قوله { بغير حساب } هن معلقات بالعرش . ما بينهن وبين الله حجاب يقلن : يا رب تهبطنا إلى أرضك وإلى من يعصيك . قال الله : إني حلفت لا يقرأكن أحد من عبادي دبر كل صلاة يعني المكتوبة إلا جعلت الجنة مأواه على ما كان فيه ، وإلا أسكنته حظيرة الفردوس ، وإلا نظرت إليه كل يوم سبعين نظرة ، وإلا قضيت له كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة ، وإلا أعذته من كل عدوّ ونصرته منه » . (2/297)
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أبي أيوب الأنصاري مرفوعاً « لما نزلت { الحمد لله رب العالمين } [ الفاتحة : 1 ] ، وآية الكرسي ، و { شهد الله } ، و { قل اللهم مالك الملك } [ آل عمران : 26 ] إلى { بغير حساب } [ آل عمران : 27 ] تعلقن بالعرش وقلن : أنزلتنا على قوم يعملون بمعاصيك فقال : وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني ، لا يتلوكن عبد عند دبر كل صلاة مكتوبة إلا غفرت له ما كان فيه ، وأسكنته جنة الفردوس ، ونظرت له كل يوم سبعين مرة ، وقضيت له سبعين حاجة أدناها المغفرة » .
وأخرج أحمد والطبراني وابن السني في عمل يوم وليلة وابن أبي حاتم عن الزبير بن العوّام قال « سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية { شهد الله أنه لا إله إلا هو } إلى قوله { العزيز الحكيم } فقال : وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب . ولفظ الطبراني فقال : وأنا أشهد أنك لا إله إلا أنت العزيز الحكيم » .
وأخرج ابن عدي والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه والخطيب في تاريخه وابن النجار عن غالب القطان قال : أتيت الكوفة في تجارة ، فنزلت قريباً من الأعمش ، فلما كان ليلة أردت أن أنحدر قام فتهجد من الليل ، فمر بهذه الآية { شهد الله أنه لا إله إلا هو } إلى قوله { إن الدين عند الله الإِسلام } فقال : وأنا أشهد بما شهد الله به ، واستودع الله هذه الشهادة ، وهي لي وديعة عند الله . قالها مراراً فقلت : لقد سمع فيها شيئاً ، فسألته فقال : حدثني أبو وائل ، عن عبدالله قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يُجاءُ بصاحبها يوم القيامة فيقول الله : عبدي عهد إلي وأنا أحق من وفى بالعهد ، أدخلوا عبدي الجنة » .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن حمزة الزيات قال : خرجت ذات ليلة أريد الكوفة ، فآواني الليل إلى خربة فدخلتها ، فبينا أنا فيها دخل علي عفريتان من الجن فقال أحدهما لصاحبه : هذا حمزة بن حبيب الزيات الذي يقرىء الناس بالكوفة قال : نعم والله لأقتلنَّه قال : دعه . المسكين يعيش قال : لأقتلنه . فلما أزمع على قتلي قلت : بسم الله الرحمن الرحيم { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم } وأنا على ذلك من الشاهدين فقال له صاحبه : دونك الآن فاحفظه راغماً إلى الصباح . (2/298)
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال : في قراءة عبدالله « شهد الله أن لا إله إلا هو » وفي قراءته { إن الدين عند الله الإسلام } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { قائماً بالقسط } قال : ربنا قائماً بالعدل .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس { بالقسط } قال : بالعدل .
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال : فإن الله شهد هو ، والملائكة ، والعلماء من الناس { إن الدين عند الله الإِسلام } .
وأخرج عن محمد بن جعفر بن الزبير { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم } بخلاف ما قال نصارى نجران .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله { إن الدين عند الله الإِسلام } قال : الإِسلام شهادة أن لا إله إلا الله ، والإِقرار بما جاء به من عند الله . وهو دين الله الذي شرع لنفسه ، وبعث به رسله ، ودل عليه أولياءه . لا يقبل غيره ، ولا يجزي إلا به .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله { إن الدين عند الله الإِسلام } قال : « لم أبعث رسولاً إلا بالإِسلام .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال : كان حول البيت ستون وثلاثمائة صنم ، لكل قبيلة من قبائل العرب صنم أو صنمان . فأنزل الله { شهد الله أنه لا إله إلا هو . . . } الآية . قال : فأصبحت الأصنام كلها قد خرت سجداً للكعبة .
قوله تعالى : { وما اختلف } الآية .
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب } قال : بنو إسرائيل .
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله { إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم } ويقول : بغيا على الدنيا ، وطلب ملكها وسلطانها ، فقتل بعضهم بعضاً على الدنيا من بعدما كانوا علماء الناس .
وأخرج ابن جرير عن الربيع قال : إن موسى عليه السلام لما حضره الموت دعا سبعين حبراً من أحبار بني إسرائيل ، فاستودعهم التوراة ، وجعلهم أمناء عليه .
كل حبر جزء منه ، واستخلف موسى عليه السلام يوشع بن نون ، فلما مضى القرن الأول ، ومضى الثاني ، ومضى الثالث ، وقعت الفرقة بينهم . وهم الذين أوتوا العلم من أبناء أولئك السبعين حتى أهرقوا بينهم الدماء ، ووقع الشر والاختلاف . وكان ذلك كله من قبل الذين أوتوا العلم بغيا بينهم على الدنيا ، طلباً لسلطانها وملكها وخزائنها وزخرفها ، فسلط الله عليهم جبابرتهم . (2/299)
وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب } يعني النصارى { إلا من بعد ما جاءهم العلم } الذي جاءك أي أن الله الواحد الذي ليس له شريك .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله { فإن الله سريع الحساب } قال إحصاؤه عليهم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { فإن حَاجُّوك } قال : إن حاجَّكَ اليهود والنصارى .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج { فإن حاجُّوك } قال : اليهود والنصارى فقالوا : إن الدين اليهودية والنصرانية فقل يا محمد { أسلمت وجهي لله } .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير { فإن حاجُّوك } أي بما يأتون به من الباطل من قولهم : خلقنا ، وفعلنا ، وجعلنا ، وأمرنا ، فإنما هي شبهة باطل قد عرفوا ما فيها من الحق { فقل أسلمت وجهي لله } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { ومن اتبعن } قال : ليقل من اتبعك مثل ذلك .
وأخرج الحاكم وصححه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال « أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا نبي الله إني أسألك بوجه الله بم بعثك ربنا؟ قال : بالإسلام . . . قلت : وما آيته؟ قال : أن تقول { أسلمت وجهي لله } وتخليت ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة . كل مسلم على مسلم محرم أخوان نصيران ، لا يقبل الله من مسلم أشرك بعدما أسلم عملاً حتى يفارق المشركين إلى المسلمين ، ما لي آخذ بحجزكم عن النار . ألا إن ربي داعيّ ، ألا وإنه سائلي هل بلغت عبادي؟ وإني قائل : رب قد أبلغتهم ، فليبلغ شاهدكم غائبكم . ثم أنه تدعون مقدمة أفواهكم بالفدام ، ثم أوّل ما يبين عن أحدكم لفخذه وكفه . قلت : يا رسول الله هذا ديننا؟ قال : هذا دينكم وأينما تحسن يَكْفِكَ » .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس { وقل للذين أوتوا الكتاب } قال : اليهود والنصارى { والأميين } قال : هم الذين لا يكتبون .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع { فإن أسلموا فقد اهتدوا } قال : من تكلم بهذا صدقاً من قلبه يعني الإِيمان فقد اهتدى { وإن تولوا } يعني عن الإِيمان .
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة بن الجراح قال « قلت يا رسول الله أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة؟ قال : رجل قتل نبياً ، أو رجل أمر بالمنكر ونهى عن المعروف . ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس } إلى قوله { وما لهم من ناصرين } ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً أول النهار في ساعة واحدة ، فقام مائة رجل وسبعون رجلاً من عباد بني إسرائيل ، فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر ، فقتلوا جميعاً من آخر النهار من ذلك اليوم ، فهم الذين ذكر الله » . وأخرج ابن أبي الدنيا فيمن عاش بعد الموت وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : بعث عيسى يحيى في اثني عشر رجلاً من الحواريين يعلمون الناس ، فكان ينهى عن نكاح بنت الأخ ، وكان ملك له بنت أخ تعجبه ، فأرادها وجعل يقضي لها كل يوم حاجة فقالت لها أمها : إذا سألك عن حاجتك ، فقولي : حاجتي أن تقتل يحيى بن زكريا فقال الملك : حاجتك . . . ؟ قالت حاجتي أن تقتل يحيى بن زكريا . فقال سلي غير هذا . قالت : لا أسألك غير هذا . فلما أبت أمر به فذبح في طست ، فبدرت قطرة من دمه فلم تزل تغلي حتى بعث الله بختنصر ، فدلت عجوز عليه فألقى في نفسه أن لا يزال يقتل حتى يسكن هذا الدم ، فقتل في يوم واحد ، من ضرب واحد ، وسن واحد ، سبعين ألفاً فسكن . (2/300)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن معقل بن أبي مسكين في الآية قال : كان الوحي يأتي بني إسرائيل فيذكرون قومهم ولم يكن يأتيهم كتاب فيقتلون ، فيقوم رجال ممن اتبعهم وصدقهم فيذكرون قومهم فيقتلون . فهم الذين يأمرون بالقسط من الناس .
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله { ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس } قال : هؤلاء أهل الكتاب . كان أتباع الأنبياء ينهونهم ويذكرونهم بالله فيقتلونهم .
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال : أقحط الناس في زمان ملك من ملوك بني إسرائيل فقال الملك : ليرسلن علينا السماء أو لنؤذينه فقال له جلساؤه : كيف تقدر على أن تؤذيه أو تغيظه وهو في السماء؟ قال : اقتل أولياءه من أهل الأرض ، فيكون ذلك أذى له . قال : فأرسل الله عليهم السماء .
وأخرج ابن عساكر من طريق زيد بن أسلم عن ابن عباس في قول الله { إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم } قال : الذين يأمرون بالقسط من الناس ولاة العدل ، عثمان وأضرابه .
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال : في قراءة عبدالله « إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق وقاتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس » .
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25)
أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال « دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدراس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله فقال له النعمان بن عمرو ، والحرث بن زيد : على أي دين أنت يا محمد؟ قال : على ملة إبراهيم ودينه قالا : فإن إبراهيم كان يهودياً فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : فهلُّما إلى التوراة فهي بيننا وبينكم ، فأبيا عليه ، فأنزل الله { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم } إلى قوله { وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون } » . (2/301)
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله { ألم تر إلى الذين أوتوا . . . } الآية . قال : هم اليهود دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم ، وإلى نبيه وهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة ثم تولوا عنه وهم معرضون .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في الآية قال : كان أهل الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم بالحق وفي الحدود ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الإِسلام فيتولون عن ذلك .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله { نصيباً } قال : حظاً { من الكتاب } قال : التوراة .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد { قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات } قال : يعنون الأيام التي خلق الله فيها آدم عليه السلام .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة { وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون } حين قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد { وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون } قال : غرهم قولهم { لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات } .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { وَوُفِّيَتْ } يعني تُوَفَّى كلُّ نفس برٍ وفاجرٍ { ما كسبت } ما عملت من خير أو شر { وهم لا يظلمون } يعني من أعمالهم .
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال « ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل له ملك فارس والروم في أمته . فأنزل الله { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء . . . . } الآية » . (2/302)
وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال « جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد سل ربك { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء } إلى قوله { وترزق من تشاء بغير حساب } ثم جاءه جبريل فقال : يا محمد فسل ربك { قل رب أدخلني مدخل صدق . . . } [ الإسراء : 8 ] الآية . فسأل ربه بقول الله تعالى فأعطاه ذلك » .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء . . . } إلى آخر الآية » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : اسم الله الأعظم { قل اللهم مالك الملك } إلى قوله { بغير حساب } .
وأخرج ابن أبي الدنيا في الدعاء عن معاذ بن جبل قال : « شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ديناً كان عليَّ فقال : يا معاذ أتحب أن يقضى دينك؟ قلت : نعم . قال { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير } رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما ، تعطي منهما ما تشاء ، وتمنع منهما ما تشاء ، اقض عني ديني فلو كان عليك ملء الأرض ذهباً أدي عنك » .
وأخرج الطبراني عن معاذ بن جبل « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتقده يوم الجمعة ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى معاذاً فقال : يا معاذ ما لي لم أرك؟ فقال اليهودي عليَّ وقية من تبر ، فخرجت إليك فحسبني عنك فقال : ألا أعلمك دعاء تدعو به فلو كان عليك من الدين مثل صبير أداه الله عنك ، فادع الله يا معاذ { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعزُّ من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ، تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب } رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما ، تعطي من تشاء منهما وتمنع من تشاء منهما ، ارحمني رحمة تغنني بها عن رحمة من سواك ، اللهم أغنني من الفقر ، واقض عني الدين ، وتوفني في عبادتك وجهاد في سبيلك » .