صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ روح المعاني - الألوسي ]
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : محمود الألوسي أبو الفضل
الناشر : دار إحياء التراث العربي - بيروت
عدد الأجزاء : 30

الذين طبع الله على قلوبهم فعدم توجههم نحو الخير واتبعوا أهواءهم
16
- فتوجهوا نحو كل ما لا خير فيه فلذلك كان منهم ما كان
والذين اهتدوا إلى طريق الحق زادهم أي الله عز و جل هدى بالتوفيق والإلهام والموصول يحتمل الرفع على الأبتداء والنصب بفعل محذوف يفسره المذكور و هدى مفعول ثان لأن زاد قد يتعدى لمفعولين ويحتمل أن يكون تمييزا والأول هو الظاهر وتنوينه للتعظيم أي هدى عظيما وما أتيتهم تقواهم
17
- أي أعطاهم تقواهم إياه جل شأنه بأن خلقها فيهم بناء على ما يقوله الأشاعرة في أفعال العباد أو بأنخلق فيهم قدرة عليها مؤثرة في فعلها بإذنه سبحانه على ما نسبه الكوراني إلى الأشعري وسائر المحققين في أفعال العباد من أنها بقدرة خلقها الله تعالى فيهم مؤثرة بإذنه تعالى وقول بعضهم : بأن جعلهم جل شأنه متقين له سبحانه يمكن تطبيقه على كل من القولين وقال البيضاوي : أي بين لهم ما يتقون أو أعانهم على تقواهم أو أعطاهم جزاءها فالإيتاء عنده مجاز عن البيان أو الإعانة أو هو على حقيقته جزائها لأنها سببه أو فيه مضاف مقدر وليس في شيء من ذلك ما يأباه مذهب أهل الحق وذكر الزمخشري الثاني والثالث من ذلك واختار الطيبي الأول من هذين الأثنين وقال : هو أوفق لتأليف النظم الكريم لأن أغلب هذه السورة الكريمة روعي فيها التقابل فقوبل أولئك الذين طبع الله على قلوبهم بقوله سبحانه : والذين اهتدوا زادهم هدى لأن الطبع يحصل من تزايد الرين وترادف ما يزيد في الكفر وقوله تعالى واتبعوا أهواءهم بقوله جل وعلا : وآتاهم تقواهم فيحمل على كمال التقوى وهو أن يتنزه العارف عما يشغل سره عن الحق ويتبتل إليه سبحانه بشراشره وهو التقوى الحقيقية المعنية بقوله تعالى : اتقوا الله حق تقاته فإن المزيد على مزيد الهدى مزيد لا مزيد عليه وفي الترفع عن متابعة الهوى النزوع إلى المولى والعزوب عن شهوات الحياة الدنيا ثم في إسناد إيتاء التقوى إليه تعالى وإسناد متابعة الهوى إليهم إيماء إلى معنى قوله تعالى حكاية : وإذا مرضت فهو يشفين وتلويح إلى متابعة الهوى مرض روحاني وملازمة التقوى دواء إلهي انتهى
وما ذكره من التقابل جار فيما ذكرناه أيضا وكذا يجري التقابل على تفسير إيتاء التقوى ببيان ما يتقون لأشعار الكلام عليه بأن ما هم فيه ليس من ارتكاب الهوى والتشهي بل هو أمر حق مبني على أساس قوي وتفسير ذلك بإعطاء جزاء التقوى مروي عن سعيد بن جبير وذهب إليه الجبائي والكلام عليه أفيد وأبعد عن التأكيد من غير حاجة إلى حمل التقوى على أعلى مراتبها وأمر التقابل هين فإنه قد يقال إن قوله تعالى اهتدوا في مقابلة اتبعوا أهواءهم وقوله سبحانه : زادهم هدى في مقابلة طبع الله على قلوبهم فليتدبر وقيل : فاعل زادهم ضمير قوله صلى الله عليه و سلم المفهوم من قوله تعالى ومنهم من يستمع إليك وقوله سبحانه : ماذا قال آنفا وكذا فاعل آتاهم أي أعانهم أو بين لهم والإسناد مجازي ولا يخفى أنه خلاف الظاهر وأيضا إذا كان قوله تعالى : زادهم هدى في مقابلة قوله سبحانه : طبع الله على قلوبهم فالأولى أن يتحد فاعله مع فاعله ويجري نحو ذلك على ما قاله الطيبي لئلا يلزم التفكيم وجوز أن يكون ضميرا عائدا على قول المنافقين فإن ذلك مما يعجب منه المؤمن فيحمد الله تعالى على إيمانه ويزيده بصيرة في دينه وهو بعيد جدا بل لا يكاد يلتفت إليه
فهل ينظرون إلا الساعة أي القيامة وقوله تعالى : أن تأتيهم بغتة أي تباغتهم بغتة وهي المفاجأة بدل

(26/51)


اشتمال من الساعة أي لا يتذكرون بأحوال الأمم الخالية ولا بالأخبار بإتيان الساعة وما فيها من عظائم الأحوال فما ينتظرون للتذكير إلا إتيان الساعة نفسها وقوله تعالى : فقد جاء أشراطها أي علاماتها وأماراتها كما في قوله أبي الأسود الدؤلي : فإن كنت قد أزمعت بالصرم بيننا فقد جعلت أشراط أوله تبدو وهي جمع شرط بالتحريك تعليل لمفاجأتها على معنى أنه لم يبق من الأمور الموجبة للتذكر أمر مترقب ينتظرونه سوى إتيان نفس الساعة إذ قد جاء أشراطها فلم يرفعوا لها رأسا ولم يعدوها من مباديء إتيانها فيكون إتيانها بطريق المفاجأة لا محالة كذا في إرشاد العقل السليم وظاهر الكشاف أنه تعليل للإتيان مطلقا أي ما ينتظرون إلا إتيان الساعة لأنه قد جاء أشراطها وبعد مجيئها لا بد من وقوع الساعة وتعليل المقيد دون قيده لا يخلو عن بعد قيل : ويقربه هنا أن انتظارهم ليس إلا لأتيان الساعة بغتة ليس إلا لبيان الواقع وقال بعض المحققين : هو تعليل لانتظار الساعة لأن ظهور إمارات الشيء سبب لانتظاره وفي جعله تعليلا للمفاجأة خفاء لأنها لا تناسب مجيء الإشراط إلا بتأويل وأنت تعلم أن البدل هو المقصود فالأنتظار لأتيان الساعة بغتة فالتعليل المذكور تعليل للمقيد دون قيده أيضا فكان ما في الإرشاد متعين وإن كان فيه نوع تأويل وقوله تعالى : فأنى لهم إذا جاءتهم ذكريهم
18
- على ما أفاده بعض الأجلة تعجيب من نفع الذكرى عند مجيء الساعة وإنكار لعدم تشمرهم لها ولانتظارهم إياها هزؤا وجحودا وفي الإرشاد وقوله تعالى : فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم حكم بخطئهم وفساد رأيهم في تأخير التذكر إلى إتيانها ببيان استحالة نفع التذكر كقوله سبحانه : يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى أي فكيف لهم ذكراهم على أن أنى خبر مقدم و ذكراهم مبتدأ و إذا جاءتهم اعتراض وسط بينهما رمزا إلى غاية سرعة مجيئها وإطلاق المجيء عن قيد البغتة لما أن مدار استحالة نفع التذكر كونه عند مجيئها مطلقا لا مقيدا بقيد البغتة وقيل : أنى خبر مقدم لمبتدأ محذوف أي فأنى لهم الخلاص إذا جاءتهم الذكرى بما يخبرون به فينكرونه منوطة بالعذاب ولا يخفى حاله وقرأ أبو جعفر الرؤاسي عن أهل مكة إن تأتيهم على أنه شرط مستأنف جزاؤه فأنى لهم الخ أي أن تأتيهم الساعة إذ قد جاء أشراطها فأنى تنفعهم الذكرى وقت مجيئها وإن هنا بمعنى إذا لأن إتيان الساعة متيقن ولعل الإتيان بها للتعريض بهم وأنهم في ريب منها أو لأنها لعدم تعيين زمانها أشبهت المشكوك فيه وإذا جاءتهم باعتبار الواقع فلا تعارض بينهما كما يتوهم في النظرة الحمقاء
وفي الكشف إذا على هذه القراءة لمجرد الظرفية لئلا يلزم التمانع بين إذا جاءتهم و إن تأتهم وفي الإتيان بأن مع الجزم بالوقوع تقوية أمر التوبيخ والإنكار كما لا يخفى انتهى وعلى ما ذكرنا لا يحتاج إلى جعل إذا لمجرد الظرفية
وقرأ الجعفي وهارون عن أبي عمرو بغتة بفتح الغين وشد التاء قال صاحب اللوامح : وهي صفة وانتصابها على الحال ولا نظير لها في المصادر ولا في الصفات بل في الأسماء نحو الجربة وهي القطيع من حمر الوحش وقد يسمى الأقوياء من الناس إذا كانوا جماعة متساوين جربة والشربة وهي اسم موضع وكذا قال أبو العباس ابن الحاج من أصحاب أبي علي الشلوبين في كتابه المصادر وقال الزمخشري : وما أخوفني أن تكون غلطة من الراوي عن أبي عمرو وأن يكون الصواب بغتة بفتح الغين من غير تشديد كقراءة الحسن فيما تقدم
وتعقبه أبو حيان بأن هذا على عادته في تغليط الرواة والظاهر أن المراد بأشراط الساعة علاماتها التي كانت واقعة

(26/52)


وأخبروا أنها علامات لها كبعثة نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم فقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بالسبابة والوسطى وأراد عليه الصلاة و السلام مزيد القرب بين مبعثه والساعة فإن السبابة تقرب الوسطى طولا فينا وهكذا فيه صلى الله تعالى عليه وسلم وزعم بعضهم أن أمر الطول والقصر في وسطاه وسبابته عليه الصلاة و السلام على عكس ما فينا خطأ لا يلتفت إليه إلا أن يكون أراد ذلك في أصابع رجليه الشريفة صلى الله تعالى عليه وسلم
وأخرج أحمد عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول بعثت أنا والساعة جميعا وإن كادت لتسبقني وهذا أبلغ في إفادة القرب وعدوا منها انشقاق القمر الذي وقع له صلى الله عليه و سلم والدخان الذي وقع لأهل مكة وأما أشراطها مطلقا فكثيرة الفت فيها كتب مختصرة ومطولة وهي تنقسم إلى مضيقة لا تبقى الدنيا بعد وقوعها ألا أيسر يسير كخروج المهدي رضي الله تعالى عنه على ما يقول أهل السنة دون ما يقوله الشيعة القائلون بالرجعة فإن الدنيا عندهم بعد ظهوره تبقى مدة معتدا بها وكنزول عيسى عليه السلام وخروج الدجال وطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة غير ذلك وغير مضيقة وهي أكثر الأشراط ككون الحفاة الرعاة رؤس الناس وتطاولهم في البنيان وفشو الغيبة وأكل الربا وشرب الخمر وتعظيم رب المال وقلة الكرام وكثرة اللئام وتباهي الناس في المساجد واتخاذها طرقا وسوء الجوار وقطيعة الأرحام وقلة العلم وإن يوسد الأمر إلى غير أهله وإن يكون أسعد الناس بالدنيا لكع إلى ما يطول ذكره
ومن وقف على الكتب المؤلفة في هذا الشأن وأطلع على أحوال الأزمان رأي أن أكثر هذه العلامات قد برزت للعيان وامتلأت منها البلدان ومع هذا كله أمر الساعة مجهول ورداء الخفاء عليه مسدول وقصارى ما ينبغي أن يقال : أن ما بقي من عمر الدنيا أقل قليل بالنسبة إلى ما مضى وفي بعض الآثار أنه عليه الصلاة و السلام خطب أصحابه بعد العصر حين كادت الشمس تغرب ولم يبق منها إلا أسف أي شيء فقال والذي نفس محمد بيده ما مثل ما مضى من الدنيا فيما بقي منها إلا ما مضى من يومكم هذا فيما بقي منه وما بقي منه إلا اليسير ولا ينبغي أن يقال : إن الألف الثانية بعد الهجرة وهي الألف التي نحن فيها هي ألف مخضرة أي نصفها من الدنيا ونصفها الآخر من الآخرة وقال الجلال السيوطي في رسالة سماها الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف : الذي دلت عليه الآثار أن مدة هذه الأمة تزيد على ألف ولا تبلغ الزيادة عليها ألف وبني الأمر على ما ورد من أن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعث آخر الألف السادسة وأن الدجال يخرج على رأس مائة وينزل عيسى عليه السلام فيقتله ثم يمكث في الأرض أربعين سنة وأن الناس يمكثون بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة وأن بين النفختين أربعين سنة وذكر الأحاديث والأخبار في ذلك
وفي بهجة الناظرين وآيات المستدلين قد احتج كثير من العلماء على تعيين قرب زمانها بأحاديث لا تخلو عن نظر فمنهم من قال : بقي منها كذا ومنهم من قال : يخرج الدجال على رأس كذا وتطلع الشمس على رأس كذا وأفرد الحافظ السيوطي رسالة لذلك كله وقال : تقوم الساعة في نحو الألف والخمسمائة وكل ذلك مردود وليس للمتكلمين في ذلك إلا ظن وحسبان لا يقوم عليه من الوحي برهان انتهى ونقله السفاريني في البحور الزاخرة في علوم الآخرة وذكر السيوطي عدة أخبار في كون مدة الدنيا سبعة آلاف سنة أولها ما أخرجه الحكيم الترمذي

(26/53)


في نوادر الأصول بسنده عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إنما الشفاعة يوم القيامة لمن عمل الكبائر من أمتي ثم ماتوا عليها فهم في الباب الأول من جهنم وساق بقية الحديث وفيه وأطولهم مكثا فيه من يمكث فيها مثل الدنيا منذ خلقت إلى يوم أفنيت وذلك سبعة آلاف سنة الحديث وتعقبه السفاريني بقوله : ذكر الحافظ ابن رجب في كتابه صفة النار أن هذا الحديث خرجه ابن أبي حاتم وغيره وخرجه الإسماعيلي مطولا وقال الدارقطني في كتاب المختلف : هو حديث منكر وذكر علله ومما ذكره السيوطي في ذلك ما نقل هو ضعف إسناد رفعه وقد يرد عليه بأنه مضى من زمن البعثة إلى يومنا هذا ألف ومئتان وثماني وستون سنة وإذا ضم إليها ما ذكره من سني مكث عيسى عليه السلام وبقاء الدنيا بعد طلوع الشمس من مغربها وما بين النفختين وهي مائتا سنة تصير ألفا وأربعمائة وثماني وسبعين فيبقى من المدة التي ذكرها اثنتان وعشرون وإلى الآن لم تطلع الشمس من مغربها ولا خرج الدجال الذي خروجه قبل طلوعها من مغربها بعدة سنين ولا ظهر المهدي الذي ظهوره قبل الدجال بسبع سنين ولا وقعت الأشراط التي قبل ظهور المهدي ولا يكاد يقال : إنه يظهر بعد خمس عشرة سنة ويظهر الدجال بعدها بسبع سنين على رأس المائة الثالثة من الألف الثانية لأن قبل ذلك مقدمات تكون في سنين كثيرة فالحق أنه لا يعلم ما بقي من مدة الدنيا إلا الله عز و جل وأنه وإن طال أقصر قصير وما متاع الحياة الدنيا إلا قليل وكذا فيما أرى مبدأ خلقها لا يعلمه إلا الله تعالى وما يذكرونه في المبدأ لو صح فإنما هو في مبدأ خلق الخليفة آدم عليه السلام لا مبدأ خلق السماء والأرض والجبال ونحوها
وحكى الشيخ محيي الدين قدس سره عن إدريس عليه السلام وقد اجتمع معه اجتماعا روحانيا وسأله عن العالم أنه قال : نحن معاشر الأنبياء نعلم أن العالم حادث ولا نعلم متى حدث والفلاسفة على المشهور يزعمون أن من العالم ما هو قديم بالشخص وما هو قديم بالنوع مع قولهم بالحدث الذاتي ولا يدثر عندهم وذهب الملا صدر الدين الشيرازي أنهم لا يقولون إلا بقدم العقول المجردة دون عالم الأجسام مطلقا بل هم قائلون بحدوثها ودثورها وأطال الكلام على ذلك في الأسفار وأتى بنصوص أجلتهم كأرسطو وغيره وحكى البعض عنهم أنه خلق هذا العالم الذي نحن فيه وهو عالم الكون والفساد والطالع النبلة ويدثر مضي ثمانية وسبعين ألف سنة وذلك عند مضي مدة سلطان كل من البروج الأثني عشر ووصول الأمر إلى برج الميزان وزعموا أن مدة سلطان الحمل اثنا عشر ألف سنة ومدة سلطان الثور أقل بألف وهكذا إلى الحوت
ونقل البكري عن هرمس أنه زعم أنه لم يكن في سلطان الحمل والثور والجوزاء على الأرض حيوان فلما كان سلطان الأسد تكونت دواب الماء وهوام الأرض فلما كان سلطان الأسد تكونت الدواب ذوات الأربع فلما كان سلطان السنبلة تولد الإنسانان الأولان أدمانوس وحوانوس وزعم بعضهم أن مدة العالم مقدار قطع الكواكب الثابتة لدرج الفلك التي هي ثلثمائة وستون درجة وقطعها لكل درجة على قول كثير منهم في مائة سنة فتكون مدته ستا وثلاثين ألف سنة وكل ذلك خبط لا دليل عليه ومن أعجب ما رأيت ما زعمه بعضالإسلاميين من أن الساعة تقوم بعد ألف وأربعمائة وسبع سنين أخذا من قوله تعالى : فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وقوله سبحانه لا تأتيكم إلا بغتة بناء على أن عدة حروف بغتة بالجمل الكبير ألف وأربعمائة وسبع ويوشك أن يقول قائل : هي ألف وثمانمائة واثنان وبحسب تاء التأنيث أربعمائة لا خمسة فإنه رأى بعض أهل الحساب كما في فتاوي خير الدين الرملي ويجيء آخر ويقول : هي أكثر من ذلك أيضا ويعتبر بسط الحروف على

(26/54)


نحو ما قالوا في اسم محمد صلى الله عليه و سلم إنه متضمن عدة المرسلين عليه السلام وأنت تعلم أن مثل ذلك مما لا ينبغي لعاقل أن يعول عليه أو يلتفت إليه والحزم الجزم بأنه لا يعلم ذلك إلا اللطيف الخبير فاعلم أنه لا إله إلا الله مسبب عن مجموع القصة من مفتتح السورة لا عن قوله تعالى : هل ينظرون كأنه قيل : إذا علمت أن الأمر كما ذكر سعادة هؤلاء وشقاوة هؤلاء فأثبت على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية فهو من موجبات السعادة وفسر الأمر بالعلم بالثبات عليه لأن علمه صلى الله عليه و سلم بالتوحيد لا يجوز أن يترتب على ما ذكره سبحانه من الأحوال فإنه عليه الصلاة و السلام موحد عن علم حال ما يوحى إليه ولأن المعنى فتمسك بما أنت فيه من موجبات السعادة لا باطلب السعادة وقال بعض الأفاضل : إن الثبات أيضا حاصل له عليه الصلاة و السلام فأمره بذلك صلى الله عليه و سلم تذكير له بما أنعم الله تعالى عليه توطئة لما بعده وتعقب بأن المراد بالثبات الأستمرار وهو بالنظر إلى الأزمنة الآتية وذلك وإن كان مما لا بد من حصوله له عليه الصلاة و السلام لمكان العصمة لكن المعصوم يؤمر وينهى فيأتي بالمأمور ويترك المنهي ولا بد للعصمة والأمر في قوله تعالى : واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات قيل على معنى الثبات أيضا وجعل الأستغفار كناية عما يلزمه من التواضع وهضم النفس والأعتراف بالتقصير لأنه صلى الله عليه و سلم معصوم أو مغفور لا مصر ذاهل عن الأستغفار وقيل : التحقيق أنه توطئة لما بعده من الأستغفار للمؤمنين والمؤمنات ولعل الأولى إبقاؤه على الحقيقة من دون جعله توطئة والنبي صلى الله عليه و سلم كان يكثر الأستغفار أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن حبان عن الأغر المزني رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة وأخرج النسائي وابن ماجه وغيرهما عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أصبحت غداة قط إلا استغفرت الله فيها مائة مرة وأخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وجماعة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : إنا كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه و سلم في المجلس يقول : رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم مائة مرة وفي لفظ التواب الغفور إلى غير ذلك من الأخبار الصحيحة
والذنب بالنسبة إليه عليه الصلاة و السلام ترك ما هو الأولى بمنصبه الجليل ورب شيء حسنة من شخص سيئة من آخر كما قيل : حسنات الأبرار سيئات المقربين وقد ذكروا أن لنبينا صلى الله عليه و سلم في كل لحظة عروجا إلى مقام أعلى مما كان فيه فيكون ما عرج منه في نظره الشريف ذنبا بالنسبة إلى ما عرج إليه فيستغفر منه وحملوا على ذلك قوله عليه الصلاة و السلام : إنه ليغان على قلبي الحديث وفيه أقوال أخر وقوله تعالى : وللمؤمنين على حذف مضاف بقرينة ما قبل أي ولذنوب المؤمنين وأعيد الجار لأن ذنوبهم جنس آخر غير ذنبه عليه الصلاة و السلام فإنها معاص كبائر وصغائر وذنبه صلى الله عليه و سلم ترك الأولى بالنسبة إلى منصبه الجليل ولا يبعد أن يكون بالنسبة إليهم من أجل حسناتهم وقيل : وفي حذف المضاف وتعليق الأستغفار بذواتهم إشعار بفرط احتياجهم إليه فكان ذواتهم عين الذنوب وكذا فيه إشعار بكثرتها وجوز بعضهم كون الأستغفار للمؤمنين بمعنى طلب المغفرة لهم وطلب سببها كأمرهم بالتقوى وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز مع أن في صحته كلاما فالظاهر إبقاء اللفظ على حقيقته
وفي تقديم الأمر بالتوحيد إيذان بمزيد شرف التوحيد فإنه أساس الطاعات ونبراس العبادات وفي الكلمة الطيبة أبحاث شريفة ولطائف منيفة لا بأس بذكر بعضها وإن تقدم شيء من ذلك فنقول : المشهور أن إلا للأستثناء والأسم الجليل بدل من محل اسم لا النافية للجنس وخبر لا محذوف واستشكل الإبدال من جهتين أولاهما أنه بدل بعض وليس معه ضمير يعود على المبدل منه وهو شرط فيه وأجيب بمنع كونه شرطا مطلقا

(26/55)


بل هو شرط حيث لا تفهم البعضية بقرينة وههنا قد فهمت بقرينة الأستثناء ثانيتهما أن بين المبدل منه والبدل مخالفة فإن الأول منفي والثاني موجب
وأجاب السيرافي بأنه بدل عن الأول في عمل العامل والتخالف نفيا وإيجابا لا يمنع البدلية لأن مذهب البدل أن يجعل الأول كأنه لم يذكر والثاني في موضعه وقد تتخالف الصفة والموصوف في ذلك نحو مررت برجل لا كريم لا لبيب على أنه لو قيل : إن البدل في الأستثناء قسم على حياله مغاير لغيره من الإبدال لكان له وجه
واستشكل أمر الخبر بأنه إن قدر ممكن يلزم عدم إثبات الوجود بالفعل للواحد الحقيقي تعالى شأنه أو موجود يلزم عدم تنزيهه تعالى عن إمكان الشركة وتقدير خاص مناسب لا قرينة عليه قيل : ولصعوبة هذا الإشكال ذهب صاحب الكشاف وأتباعه إلى أن الكلمة لا غير محتاجة إلى خبر وجعل إلا الله مبتدأ و لا إله خبره والأصل الله إله أي معبود بحق لكن لما أريد قصر الصفة على الموصوف قدم الخبر وقرن المبتدأ بإلا إذ المقصور عليه هو الذي يلي إلا والمقصور هو الواقع في سياق النفي والمبتدأ إذا اقترن بإلا وجب تقديم خبره وتعقب بأنه مع ما فيه من التمحل يلزم منه بناء الخبر مع لا وهي لا يبنى معها إلا المبتدأ وأيضا لو كان الأمر كذلك لم يكن لنصب الاسم الواقع بعدها وجه وقد جوزه جماعة
وقال بعض الأفاضل : لا إله إلا الله على هذا المذهب قضية معدولة الطرفين بمنزلة غير الحي لا عالم بمعنى الحي عالم ولا يدفع الأعتراض كما لا يخفى وقال بعضهم : إن الخبر هو إلا الله أعني إلا مع الأسم الجليل وأورد عليه أن الجنس مغاير لكل من أفرده فكيف يصدق حينئذ سلب مغايرة فرد عنه اللهم إلا أن يقال : إن ذلك بناء على تضمين معنى من وإن المفهوم منه أنه انتفى من هذا الجنس غير هذا الفرد والوجه كما قيل أن يقال : إن المغايرة المنفية هي المغايرة في الوجود لا المغايرة في المفهوم حتى لا يصدق ولا شك أن المراد من الجنس المنفي بلا هذه هو المفهوم من غير اعتبار حصوله في الأفراد كلها أو بعضها فيكون محمولا لا بمعنى اعتبار عدم حصوله فيها أصلا حتى لا يصح حمله إذ لا يلزم من عدم اعتبار شيء عدمه ومتى تحقق الحمل تحقق عدم المغايرة في الوجود فتدبره
وقال بعضهم : لا خبر للا هذه أصلا على ما قاله بنو تميم فيها وأورد عليه أنه يلزم حينئذ انتفاء الحكم والعقد وهو باطل قطعا ضرورة اقتضاء التوحيد ذلك ولا يبعد أن يقال : إن القول بعدم احتياج لا إلى الخبر لا يخرج المركب منها ومن اسمها عن العقد وذلك لأن معنى المركب نحو لا رجل على هذا التقدير انتفى هذا اللجنس فإذا قلنا : لا رجل إلا حاتم كان معناه انتفى هذا الجنس في غير هذا الفرد ويخدشه إن تركب الكلام من الحرف والأسم مما ليس إليه سبيل وربما يدفع بما قيل في النداء مثل يا زيد من أنه قائم مقام ادعوه والشريف العلامة قدس سره صرح في بيان ما نقل عن بني تميم من عدم إثبات خبر لا هذه بأنه يحتمل أن يكون بناء على أن المفهوم من التركيب كما ذكر آنفا انتفاء هذا الجنس ثم إن كلمة الأعلى هذا التقدير بمعنى غير لا مجال لكونها للأستثناء لا لما يتوهم من التناقض بناء على أن سلب الجنس عن كل فرد فرد ينافي إثباته لواحد من أفراده فإنه مدفوع بنحو ما اختاره نجم الأئمة في دفع التناقض المتوهم في مثل ما قام القوم إلا زيدا لوجوب شمول القوم المنفي عنهم الفعل لزيد المثبت هو له فيما يتبادر بأن يقال : إن الجنس الخارج عنه هذا الفرد منتف في ضمن كل ما عداه ولا لما قد يتوهم من عدم تناول الجنس المنفي لما هو بعد إلا وهو شرط الأستثناء لما عرفت من الفرق بين

(26/56)


الجنس بدون اعتبار حصوله في الأفراد وبينه مع اعتبار عدم حصوله فيها بل لأنها لو كانت للأستثناء لما أفاد الكلام التوحيد لأنه يكون حاصله حينئذ أن هذا الجنس على تقدير عدم دخول هذا الفرد فيه منتف فيفهم منه عدم انتفائه في أفراد غير خارج عنها ذلك الفرد فأين التوحيد فالواجب حملها على معنى غير وجعلها تابعة لمحل اسم لا بدلا عنه أو صفة كما في قوله : وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفردان كذا رأيته في بعض نسخ قديمة وذكره بعض شيوخ مشايخنا العلامة الطبقجلي في رسالته شرح الكلمة الطيبة ولم يتعقبه بشيء وعندي أن ما ذكر في نفي كون إلا للأستثناء على ذلك التقدير لا يخلو عن نظر ثم إنه قيل : إذا كان مضمون المركب على ذلك التقدير أن هذا الجنس منتف فيما عدا هذا الفرد كانت القضية شخصية ولها لازم هو قضية كلية أعني قولنا كل ما يعتبر فردا له سوى هذا الفرد فهو منتف ولا استبعاد في شيء من ذلك
وذهب الكثير إلى تقدير الخبر موجود وأجاب عن الأشكال بأنه يلزم نفي الأمكان العام من جانب الوجود عن الآلهة غير الله تعالى وذلك مبني على مقدمة قطعية معلومة للعقلاء هي أن المعبود بالحق لا يكون إلا واجب الوجود فيصير المعنى لا معبود بحق موجود إلا الله وإذ ليس موجودا ليس ممكنا لأنه لو كان ممكنا لكان واجبا بناء على المقدمة القطعية فيكون موجودا وقد أفادت الكلمة الطيبة أنه ليس بموجود فليس بممكن لأن نفي اللازم يدل على نفي الملزوم واعترض بأن المقدمة القطعية وإن كانت صحيحة في نفس الأمر لكنها غير مسلمة عند المشركين لأنهم يعبدون الأصنام ويعتقدونها آلهة مع اعترافهم بأنها ممكنة محتاجة إلى الصانع ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله فيمكن أن يعترف المكلف بالكلمة الطيبة ويعتقد أن نفي الوجود لا يستلزم نفي الإمكان فيمكن عنده وجود آلهة غير الله تعالى فلا يكون التلفظ بالكلمة نصا على إيمانه ولو كانت المقدمة المذكورة مسلمة عند الكل لأمكن أن يقدر الخبر من أول الأمر موجود بالذات أي لا إله موجودا بالذات إلا الله وإذا لم يكن غيره تعالى موجودا بالذات لم يكن مستحقا للعبادة لأن المستحق لها لا يكون إلا واجبا لذاته
وقد قرر الجواب بوجهين آخرين الأول أن لا إله موجود قضية سالبة حملية لا بد لها من وجهة وهي الإمكان العام فيكون المعنى أن الجانب المخالف للسلب وهو إثبات الوجود ليس ضروريا للآلهة إلا الله تعالى فإنه موجود بالإمكان العام أي جانب السلب ليس ضروريا له تعالى فيكون الوجود ضروريا له سبحانه تحقيقا للتناقض بين المستثنى والمستثنى منه الثاني أن لا إله موجود بالأمكان العام سالبة كلية ممكنة عامة فيكون المتحصل بالأستثناء الذي هو نقيض موجبة جزئية ضرورية أي الله موجود بالضرورة وأورد على التقريرين أنهما إنما بتمان إذا كان كل من طرفي المستثنى والمستثنى منه قضية مستقلة وهو ممنوع والصحيح عند أهل العربية أنهما كلام واحد مقيد بالأستثناء فلا يجري فيهما أحكام التناقض إلا أن يؤول بالمعنى اللغوي وأيضا جعل الله موجود بالضرورة قضية جزئية فيه تساهل وقيل : يمكن أن يقال الخبر المقدر هو الموجود مطلقا سواء كان بالفعل أو بالإمكان على استعمال المشترك في كلا معنييه أو على تأويله بما يطلق عليه اسم الموجود وهو كما ترى وقيل : يجوز تقديره ممكن ونفي الإمكان يستلزم نفي الوجود لأن إلا له واجب الوجود وإمكان اتصاف شيء بوجوب الوجود يستلزم

(26/57)


اتصافه بالفعل بالضرورة فإذا استفيد من الكلمة الطيبة إمكانه يستفاد وجوده أيضا إذ كل ما لم يوجد يستحيل أن يكون واجب الوجود ويعلم ما فيه مما مر فلا تغفل وقال بعضهم الخبر المقدر مستحق للعبادة فالمعنى لا إله مستحق للعبادة إلا الله ولامحذور فيه واعترض بأن هذا كون خاص ولا بد من خذفه من قرينة ولا قرينة فلا يصح الحذف وأجيب بأنها كنار على علم لأن الإله بمعنى المعبود واستحقاقها ويؤيد ملاحظة المقام واعتبار حال المخاطبين لأن هذه الكلمة الطيبة واردة لرد اعتقاد المشركين الزاعمين أن الأصنام تستحق العبادة
واعترض أيضا بأنه لا يدل على نفي التعدد مطلقا أي لا بالأمكان ولا بالفعل لجواز وجود إله غيره سبحانه لا يستحق العبادة وأيضا يمكن أن يقال : المراد إما نفي إله مستحق للعبادة غيره تعالى بالفعل أو بالإمكان فعلى الأول لا ينفى إمكان إله مستحق للعبادة أيضا غيره عز و جل وعلى الثاني لا يدل على استحقاقه تعالى بالفعل ورد بأن وجوب الوجود مبدأ جميع الكمالات ولذا فرعوا عليه كثيرا منها فلا ريب أنه يوجب استحقاق التعظيم والتبجيل ولا معنى لاستحقاق العبادة إلا ذلك فإذا لم يستحق غيره تعالى العبادة لم يوجد واجب وجود غيره سبحانه وإلا لاستحق العبادة قطعا وإذا لم يوجد لم يكن ممكنا أيضا فثبت أن نفي استحقاق العبادة يستلزم نفي التعدد جزما
وتعقب بأن فيه على أن الإله لا يكون إلا واجب الوجود وقد سمعت أنها وإن كانت قطعية الصدق في نفس الأمر إلا أنها غير مسلمة عند المشركين ومن المحققين من قال : إنه لا يلتفت إلى عدم تسليمهم لمكابرتهم ما عسى أن يكون بديهيا نعم ربما يقال : إن الكلمة الطيبة على ذلك التقدير إنما تدل على نفي المعبود بالفعل بناء على ما قرر في المنطق أن ذات الموضوع يجب اتصافه بالعنوان بالفعل ويجاب بمنع وجوب ذلك بل يكفي الأتصاف بالإمكان كما صرح به الفارابي وأما ما نقل عن الشيخ فمعناه كونه بحسب الفرض العقلي لا بحسب نفس الأمر كما تدل عليه عبارته في الشفاء والإشارات فيرجع إلى معنى الإمكان
والفرق بين المذهبين أن في مذهب الشيخ زيادة اعتبار ليست في مذهب الفارابي وهي أن الشيخ اعتبر مع الإمكان بحسب نفس الأمر فرض الأتصاف بالفعل ولم يعتبره الفارابي وبالجملة إن الأتصاف بالفعل غير لازم فكل ما يمكن اتصافه بالمعبودية داخل في الحكم بأنه لا يستحق العبادة ولما كانت القضية سالبة صدقت وإن لم يوجد الموضوع ولعل التحقيق في هذا المقام أن الكلمة الطيبة جارية بين الناس على متفاهم اللغة والعرف لا على الأصطلاحات المنطقية والتدقيقات الفلسفية وهي كلام ورد في رد اعتقاد المشرك الذي اعتقد أن آلهة غير الله سبحانه تستحق العبادة فإذا اعترف المشرك بمضمونه من أنه لا معبود مستحق للعبادة إلا الله تعالى علم من ظاهر الإيمان حاله الإيمان ولهذا اكتفى به الشارع عليه الصلاة و السلام وأما الكافر الذي يعتقد إمكان وجود ذات تستحق العبادة بعد فلا تكفي هذه الكلمة الطيبة في إيمانه كما لا تكفي في إيمان من أنكر النبوة أو المعاد أو نحو ذلك مما يجب الإيمان به بل لا بد من الأعتراف بالحكم الذي أنكره ولا محذور في ذلك ولما كان الكفرة الذين يعتقدون أن آلهة غير الله تعالى تستحق العبادة هم المشهورون دون من يعتقد إمكان وجودها بعد اعتبرت الكلمة علما للتوحيد بالنسبة إليهم
ويعلم من هذا أنه لو قدر الخبر المحذوف من أول الأمر موجود أمكن دفع الأشكال بهذا الطريق أعني متفاهم اللغة وعرف الناس من الأوساط وأما أن نفي الوجود لا يستلزم نفي الإمكان فلا يلزم من الكلمة الطيبة حينئذ نفي إمكان آلهة غير الله تعالى فمما لا يسبق الأفهام ولا يكاد يوجد كافر يعتقد نفي وجود إله

(26/58)


غيره تعالى مع اعتقاده إمكان وجود إله غيره سبحانه بعد ذلك ومن الناس من أيد تقدير الخبر كذلك بأن الظاهر أن لا نافية للجنس ونفي الماهية نفسها بدون اعتبار الوجود واتصافها به كنفي السواد نقسه لا نفي وجوده عنه بعيد فكما أن جعل الشيء باعتبار الوجود إذ لا معنى لجعل الشيء وتصييره نفسه فكذلك نفيه ورفعه أيضا باعتبار رفع الوجود عنه وتعقب بأن هذا هو الذي يقتضيه النظر الجليل وأما النظر الدقيق فقد يحكم بخلافه لأن نفي الماهية باعتبار الوجود ينتهي بالآخرة إلى نفي ماهية ما باعتبار نفسها وذلك لأن نفي اتصافها بالوجود لا يكون باعتبار اتصاف ذلك الأتصاف به ما لا يتناهى فلا بد من الأنتهاء إلى اتصاف منتصف بنفسه لا باعتبار اتصافه بالوجود دفعا للتسلسل وقيل : الظاهر أن نفي الأعيان كما في الكلمة الطيبة إنما هو باعتبار ذلك وأما غيرها فتارة وتارة فتدبر و إلا على التقدير المذكور للأستثناء ورفع الأسم الجليل على ما سمعت من المشهور وقيل : هي فيه بمعنى غير صفة الاسم لا باعتبار المحل أي لا إله غير الله تعالى موجود
واعترض بأن المقصود من الكلام أمران نفي الألوهية عن غيره تعالى وإثباتها له سبحانه وهو إنما يتم إذا كانت لا فيه للأستثناء إذ يستفاد النفي والإثبات حينئذ بالمنطوق أما إن كانت بمعنى غير فلا يفيد بمنطوقه إلا نفي الألوهية عن غيره تعالى سبحانه وفي كون أثباتها له تعالى بالمفهوم ويكتفي به بحث لأن ذلك إن كان مفهوم لقب فلا عبرة عند القائلين بالمفهوم على الصحيح خلافا للدقاق والصيرفي من الشافعية وابن خويز منداد من المالكية ومنصور بن أحمد من الحنابلة وإن كان مفهوم صفة فمن البين أنه غير مجمع عليه بل أبو حنفية رضي الله تعالى عنه لم يقل بشيء من مفاهيم المخالفة أصلا وأنت تعلم أن ما ذكره من إفادة الكلمة الطيبة إثبات الإلهية لله تعالى ونفيها عما سواه عز و جل على تقدير كون إلا للأستثناء غير مجمع عليه أيضا فإن الأستثناء من النفي ليس بإثبات عند أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وجعل الإثبات في كلمة التوحيد بعرف الشرع وفي المفرغ نحو ما قام إلا زيد بالعرف العام وماله وما عليه في كتب الأصول فلا تغفل وتمام الكلام فيما يتعلق بإعراب هذه الكلمة الطيبة في كتب العربية وقد ذكرنا ذلك في تعليقاتنا على شرح السيوطي للألفية وهي عند السادة الصوفية قدست أسرارهم جامعة لجميع مراتب التوحيد ودالة عليها إما منطوقا أو بالأستلزام ومراتب أربع الأولى توحيد الألوهية الثانية توحيد الأفعال الثالثة توحيد الصفات وإن شئت قلت : توحيد الوجوب الذاتي فإنه يستلزم سائر الصفات الكمالية كما فرعها بعض المحققين الرابعة توحيد الذات وإن شئت قلت : توحيد الوجود الحقيقي فإن المآل واحد عندهم وببيان ذلك أن لا إله إلا الله منطوقه على ما يتبادر إلى الأذهاب وذهب إليه المعظم قصر الألوهية على الله تعالى قصرا حقيقا أي إثباتها له تعالى بالضرورة ونفيها عن كل ما سواه سبحانه كذلك وهو يستلزم توحيد الأفعال وتوحيد الصفات وتوحيد الذات أما الأول الذي هو قصر الحالقية فيه تعالى فلأن مقتضى قصر الألوهية عليه تعالى قصرا حقيقيا هو أن الله عز و جل هو الذي يستحق أن يعبده كل مخلوق فهو النافع الضار على الإطلاق فهو سبحانه وتعالى الخالق لكل شيء فإن كل من لا يكون خالقا لكل شيء لا يكون نافعا ضارا على الإطلاق وكل من لا يكون كذلك لا يستحق أن يعبده كل مخلوق لأن العبادة هي الطاعة والأنقياد والخضوع ومن لا يملك نفعا ولا ضرا بالنسبة إلى بعض المخلوقين لا يستحق أن يعبده ذلك البعض ويطيعه وينقاد له فإن من لا يقدر على إيصال نفع إلى شخص أو دفع ضر عنه لا يرجوه ومن لا يقدر على إيصال ضر إليه لا يخافه وكل من لا يخاف ولا يرجى أصلا لا يستحق أن يعبد وهو ظاهر لكن الذي يقتضيه قصر الألوهية عليه تعالى قصرا حقيقيا هو أن الله تعالى هو الذي يستحق أن يعبده كل مخلوق فهو النافع الضار

(26/59)


على الإطلاق فهو الخالق لكل شيء وهو المطلوب وأما الثاني فلأن الكلمة الطيبة تدل على أن الألوهية ثابتة له تعالى ثبوتا مستمرا ممتنع الأنفكاك ومنتفية عن غيره كذلك وكل ما كان كذلك فهي دالة على أنه عز و جل واجب الوجود وإن كل موجود سواه تعالى ممكن الوجود وكل ما كان كذلك كان وجوب الوجود مقصورا عليه تعالى وهو مستلزم لسائر صفات الكمال وهو المطلوب و أما دلالتها على أنه عز و جل واجب الوجود فلأن الألوهية لا تكون إلا لموجود حقيقة اتفاقا وكل ما لا يكون صفة إلا لموجود إذا دل كلام على أنه ثابت لشيء ثبوتا ممتنع الأنفكاك سرمدا فقد دل على أن الوجود ثابت لذلك الشيء ثبوتا ممتنع الأنفكاك سرمدا ولا يكون كذلك إلا إذا كان موجودا لذاته وهو المعنى بواجب الوجود لذاته وحيث دلت على ثبوت الألوهية ثبوتا مستمرا ممتنع الأنفكاك فقد دلت على وجوب وجوده تعالى وهو مستلزم لسائر صفات الكمال وهو المطلوب
وأما دلالتها على أن كل موجود سواه فهو ممكن الوجود فلأن موجودا ما سواه لو كان واجب الوجود لذاته لكان مستحقا أن يعبد لكنها قد دلت على أنه لا يستحق أن يعبد إلا الله فقد دلت على أنه لا واجبا وجوده لذاته إلا الله تعالى فكل ما سواه فهو ممكن وهو المطلوب أو يقال : إنها قد دلت على أنه تعالى هو النافع الضار على الإطلاق فهو الجامع لصفات الجلال والإكرام فهو سبحانه المتصف بصفات الكمال كلها وهو المطلوب وأما الثالث فقد قال حجة الإسلام الغزالي في باب الصدق من الإحياء : كل ما تقيد العبد به فهو عبد له كما قال عيسى عليه السلام : يا عبيد الدنيا وقال نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم : تعس عبد الدينار نفس عبد الدرهم وعبد الحلة وعبد الخميصة سمي كل من تقيد قلبه بشيء عبدا له وقال في باب الزهد منه : من طلب غير الله تعالى فقد عبده وكل مطلوب معبود وكل طالب عبد بالإضافة إلى مطلبه وقال في الباب الثالث من كتاب العلم منه كل متبع هواه فقد اتخذ هواه معبودا قال تعالى : أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وقال نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم : أبغض إله عبد في الأرض عند الله تعالى هو الهوى انتهى
ومن المعلوم أنه ما في الوجود شيء إلا وهو مطلوب لطالب ما وقد صح بما مر إطلاق الإله عليه ولا إله إلا الله فما في الوجود حقيقة إلا الله : ومنهم من قرر دلالة الكلمة الطيبة على توحيد الذات ونفي وجود أحد سواه عز و جل بوجه آخر وهو أن إلا بمعنى غير بدل من الإله المنفي فيكون النفي في الحقيقة متوجها إلى الغير ونفي الغير توحيد عندهم وإذا تبين لك دلالتها على جميع مراتب التوحيد لاح لك أن الشارع لأمر ما جعلها مفتاح الإسلام وأساس الدين ومهداة الأنام : وفي حديث أخرجه أبو نعيم عن عياض الأشعري أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال : لا إله إلا الله كلمة كريمة ولها عند الله مكان جمعت وسولت من قالها صادقا من قلبه دخل الجنة وفي حديث أخرجه ابن النجار عن دينار عن أنس أنه عليه الصلاة و السلام قال : لا إله إلا الله كلمة عظيمة كريمة على الله تعالى من قالها مخلصا استوجب الجنة وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة وحديث البطاقة أشهر من أن يذكر وكذا الحيث القدسي المروي عن علي الرضا عن آبائه عليهم السلام وجاء من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله

(26/60)


دخل الجنة أي بلا حساب وإلا فما الفرق بين ذلك ومن قالها ولم تكن آخر كلامه من الدنيا وبالجملة إن فضلها لا يحصى وأنها لتوصل قائلها إلى المقام الأقصى وقد ألقت كتب في فضلها وكيفية النطق بها وآداب استعمالها فلا نطيل الكلام في ذلك
بقي ههنا بحث وهو أن المسلمين أجمعوا على وجوب معرفة الله تعالى وإن اختلفوا في كونه شرعيا أو عقليا أما النظر في معرفته تعالى لأجل حصولها بقدر الطاقة البشرية فقد قال العلامة التفتازاني في شرح المقاصد : لا خلاف بين أهل الإسلام في وجوبه لأنه أمر مقدور ويتوقف عليه الواجب المطلق الذي هو المعرفة وكل مقدور يتوقف عليه الواجب المطلق فهو واجب شرعا إن كان وجوب الواجب المطلق شرعيا كما هو رأي الأصحاب وعقلا إن كان عقليا كما هو رأي المعتزلة لئلا يلزم تكليف المحال أما كون النظر مقدورا فظاهر وأما توقف المعرفة عليه فلأنها ليست بضرورية بل نظرية ولا معنى للنظري إلا ما يتوقف على النظر ويتحصل به وظاهر كلام السيد السند في شرح المواقف إجماع المسلمين كافة على ذلك أيضا والحق وقوع الخلاف في وجوب النظر كما يدل عليه كلام ابن الحاجب في مختصره والعضد في شرحه وكلام التاج السبكي في جمع الجوامع والجلال المحلى في شرحه وقول شيخ الإسلام في حاشيته عليه : محل الخلاف في وجوب النظر في أصول الدين وعدم وجوبه في غير معرفة الله تعالى منها أما النظر فيها فواجب إجماعا كما ذكره السعد التفتازاني كغيره اعترضه المحقق ابن قاسم العبادي في حاشيته الآيات البينات بقوله : إن الظاهر أن ما نقله السعد من الإجماع على وجوب النظر في معرفة الله عالى غير مسلم عند الشارح وغيره ألا ترى إلى تمثيل الشارح لمحل الخلاف بقوله : كحدوث العالم ووجود الباري تعالى وما يجب له جل شأنه وما يمتنع عليه سبحانه من الصفات فإن قوله : ووجود الباري تعالى الخ يتعلق بمعرفته عز و جل إلى آخر ما قال نعم قال كثير ورجحه الإمام الرازي والآمدي : إنه يجب لالنظر في مسائل الأعتقاد ومعرفة الله تعالى أسها فيجب فيها بالأولى وقالوا في ذلك لأن المطلوب اليقين لقوله تعالى لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم : فاعلم أنه لا إله إلا الله وقد علم ذلك وقال تعالى للناس : واتبعوه لعلكم تهتدون ويقاس عير الوحدانية عليها ولا يتم الأستدلال إلا بضم توقف حصول السقين على النظر وهؤلاء لم يجوزوا التقليد في الأصول وهو أحد أقوال في المسئلة ثانيها قول العنبري إنه يجوز التقليد فيها بالعقد الجازم ولا يجب النظر لها لأنه عليه الصلاة و السلام كان يكتفي في الإيمان بالعقد الجازم ويقاس غير الإيمان عليه
والمراد أنه عليه الصلاة و السلام كان يكتفي بذلك نظرا إلى ظاهر الحال فإن الخبر كما صرح به المحقق عيسى الصفوي في شرحه للفوائد الغياثية على ما نقله عنه تلميذه ابن قاسم العبادي في الآيات البينات دال وضعا على صورة ذهنية على وجه الأذعان تحكي الحال الواقعية ولا شك أن لا إله إلا الله محمد رسول الله من قسم الخبر فهما دالان وضعا على أن قائلهما ولو تحت ظلال السيف معتقد لموضمونهما على وجه الأذعان وعدم كونه معتقدا في نفس الأمر احتمال عقلي والمطلع على ما في القلوب علام الغيوب وثالث الأقوال أنه يجب التقليد بالعقد الجازم ويحرم النظر لأنه مظنة الوقوع في الشبه والضلال لاختلاف الأذهان بخلاف التقليد وهذا ليس بشيء أصلا والذي أوجب النظر من المحققين لم يرد به النظر على طريق المتكلمين بل صرح كما في الجواب العتيد للكوراني بأن المعتبر هو النظر على طريق العامة والظاهر أنه ليس مظنة الوقوع فيما ذكر وهل القائل بوجوبه من أولئك جاعل له شرطا لصحة الإيمان أم لا ففيه خلاف فيفهم من بعض

(26/61)


عبارات شرح الأربعين لابن حجر أنه جاعل له كذلك فلا يصح إيمان المقلد عنده بل يفهم منها أن النظر المعتبر عند ذلك هو النظر على طريق المتكلمين وكلام الجلال المحلي في شرح جمع الجوامع صريح في أن القائلين بوجوب النظر غير أبي هاشم ليسوا جاعلين النظر شرطا لصحة الإيمان ولا زاعمين بطلان إيمان المقلد بل هو صحيح عندهم مع الإثم بترك النظر الواجب نعم سيأتي إن شاء الله تعالى نقل الإمام حجة الإسلام في كتابه فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة نقل الأشتراط عن طائفة من المتكلمين مع رده
وأما ما نقل عن الشيخ الأشعري من الأشتراط وأنه لا يصح إيمان المقلد فكذب عليه كما قاله الأستاذ أبو القاسم القشيري وقال التاج السبكي : التحقيق أنه إن كان التقليد أخذا بقول الغير بغير حجة مع احتمال شك أو وهم فلا يكفي وإن كان جزما فيكفي خلافا لأبي هاشم والظاهر أن القائل بكفاية التقليد مع الجزم يمنع القول بأن المعرفة لا تحصل إلا بالنظر ويقول : إنها قد تحصل بالإلهام أو التعليم أو التصفية فمن حصل له العقد الجازم بما يجب عليه اعتقاده فقد صح إيمانه من غير إثم لحصول المقصود ومن لم يحصل له ذلك ابتداء أو تقليدا أو ضرورة فالنظر عليه متعين ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها
ويكفي دليلا للصحة اكتفاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم من عوام العجم كأجلاف العرب وإن أسلم أحدهم تحت ظل السيف بمجرد الإقرار بلا إله إلا الله محمد رسول الله الدال بحسب ظاهر حالهم على أنهم يعتقدون مضمون ذلك ويذعنون له ولو كان الأستدلال فرضا لأمروا به بعد النطق بالكلمتين أو علموا الدليل ولقنوه كما لقنوهما وكما عملوا سائر الواجبات ولو وقع ذلك لنقل إلينا فإنه من أهم مهمات الدين ولم ينقل أنهم أمروا أحدا منهم أسلم بترديد نظر ولا سألوه عن دليل تصديقه ولا أرجؤا أمره حتى ينظر فلو كان النظر واجبا على الأعيان ولو إجماليا على طريق العامة لما اكتفى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من أولئك العوام والأجلاف بمجرد الإقرار لأن النبي عليه الصلاة و السلام وأصحابه لا يقرون أحدا على ترك فرض العين من غير عذر فلا يكون تاركه آثما فضلا عن أن يكون بتركه غير صحيح الإيمان ويشهد لذلك ما قاله صلى الله تعالى عليه وسلم لأسامة بن زيد عند اعتذاره عن قتل مرداس بن نهيك من أهل فدك وغيره من الأخبار الكثيرة وما في المواقف والمقاصد وشرح المختصر العضدي وغيرها من كتب الكلام والأصول من أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه كانوا يعلمون أنهم أي العوام وأجلاف العرب يعلمون الأدلة إجمالا كما قال الأعرابي : البعرة تدل على البعير وأثر الأقدام على المسير أفسماء ذات أبرج وأرض ذات فجاج لا تدل على اللطيف الخبير أي فلذلك لم يلزموهم النظر ولا سألوهم عنه ولا أرجؤا أمرهم وكل ما كان كذلك لم يكن اكتفاؤهم بمجرد الإقرار دليلا على أن النظر ليس واجبا على الأعيان ولا على أن تاركه غير آثم دعوى لا دليل عليها وحكاية الأعرابي أن كانت مسوقة للأستدلال لا تدل غاية ما في الباب أن ذلك الأعرابي كان عالما بدليل إجمالي ولا يلزم منه أن جميع الأجلاف والعوام كانوا عالمين بالأدلة الإجمالية في عهد النبوة وغيره وإلا لكانت حجة على أنه لا مقلد في الوجود على أن بعضهم أسند ذلك القول إلى قس بن ساعدة وكان في الفترة والجلال المحلى ذكره لأعرابي قاله في جواب الأصمعي وكان في زمن الرشيد بل قد يقال : إن ظاهر كثير من الآيات والأخبار يدل على أن كثيرا من المشركين في عهده عليه الصلاة و السلام لم يكونوا عالمين بأدلة التوحيد مطلقا وذلك كقوله تعالى حكاية عنهم : اجعل الآلهة

(26/62)


الها واحدا أن هذا لشيء عجاب
إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون وقول بعضهم في بعض الحروب : أعل هبل أعل هبل وما ذكره المحقق العضد في شرح المختصر من الدليل على عدم جواز التقليد حيث قال : إن الأمة أجمعوا على وجوب معرفة الله تعالى وأنها لا تحصل بالتقليد لثلاثة أوجه أحدها أنه يجوز الكذب على المخبر فلا يحصل بقوله العلم ثانيها أنه لو أفاد العلم لأفاده بنحو حدوث العالم من المسائل المختلف فيها فإذا قلد واحد في الحدوث والآخر في القدم كانا عالمين بهما فيلزم حقيقتهما وأنه محال ثالثهما أن التقليد لو حصل العلم فالعلم بأنه صدق فيما أخبر به إما أن يكون ضروريا أو نظريا لا سبيل إلى الأول بالضرورة فلا بد له من دليل والمفروض أنه لا دليل إذ لو علم صدقه بدليله لم يبق تقليدا تعقبه العلامة الكوراني فقال : فيه بحث أما في الوجه الأول فلأن من جوز التقليد مثل المقلد بمن نشأ على شاهق جبل ولم ينظر في ملكوت السماوات والأرض وأخبره غيره بما يلزمه اعتقاده وصدقه بمجرد إخباره من غير تفكر وتدبر وهو صريح في أن الكلام في مقلد أخبره غيره بما يلزمه اعتقاده وما يلزمه اعتقاده لا يكون إلا صدقا فإن الكذب لا يلزم أحدا اعتقاده وأما من أخبر بالأكاذيب فاعتقدها فهو لم يعتقد إلا أكاذيب والأكاذيب ليست من معرفة الله تعالى في شيء فكيف يحكم عليه أحد من العقلاء بأنه مؤمن بالله تعالى عارف به مع أنه لم يعتقد إلا الأكاذيب وهو ظاهر وأما في الوجه الثاني فلمثل ما مر لأنا لا نقول : إن كل تقليد مفيد للعلم ولا أن كل مقلد عالم كيف وليس كل نظر مفيدا للعلم ولا كل ناظر مصيبا فإذا لم يكن موجبا للعلم مطلقا وإنما الموجب النظر الصحيح فكذلك نقول : ليس كل تقليد مفيدا للعلم وإنما المفيد التقليد الصحيح وهو أن يقلد عالما بمسائل معرفة الله تعالى صادقا فيما يخبره به فإن الكلام إنما هو في صحة إيمان مثل هذا المقلد لا مطلقا وأما في الثالث فلأنا نختار أن علمه بأنه صدق فيما أخبر به ضروري قولكم لا سبيل إليه بالضرورة قلنا : ممنوع لقوله تعالى : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للأسلام وقد روي مرفوعا أنه صلى الله عليه و سلم سئل عن شرح الصدر فقال عليه الصلاة و السلام : نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينفسح فصرح صلى الله عليه و سلم بأنه نور لا يحصل من دليل وإنما يقذفه الله تعالى في قلبه فلا يقدر على دفعه من غير فكر ولا روية ولا نظر ولا استدلال وقد صرح بعض أكابر المحققين بأن توحيد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن علم ضروري وجدوه في نفوسهم لم يقدروا على دفعه وبأن من أهل الفترة من وجد كذلك بل قد صرح بأن الإيمان علم ضروري يجده المؤمن في قلبه لا يقدر على دفعه فكم من آمن بلا دليل ومن لم يؤمن مع الدليل وقلما يوثق بإيمان من آمن عن دليل فإنه معرض للشبه القادحة فيه
وفي الباب المائة والأثنين والسبعين والمائة والسبعين والمائتين والسابع والسبعين من الفتوحات المكية ما يؤيد ذلك وقال الإمام حجة الإسلام في فيصل التفرقة : من أشد الناس غلوا وانحرافا طائفة من المتكلمين كفروا عوام المسلمين وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا ولم يعرف الأدلة الشرعية بأدلتنا التي حررناها فهو كافر فهؤلاء ضيقوا رحمة الله تعالى الواسعة على عباده أولا وجعلوا الجنة وقفا على شرذمة يسيرة من المتكلمين ثم جهلوا ما تواترت به السنة ثانيا إذ ظهر من عصر رسول الله صلى الله عليه و سلم وعصر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين حكمهم بإسلام طوائف من أجلاف العرب كانوا مشغولين بعبادة الوثن ولم يشتغلوا بتعليم الدلائل ولو اشتغلوا بها لم يفهموها ومن ظن أن مدرك الإيمان الكلام والأدلة المحررة والتقسيمات المرتبة فقد أبعد لا بل الإيمان نور يقذفه الله تعالى في قلب عبده عطية وهداية من عنده تارة بتنبه في الباطل لا يمكن التعبير

(26/63)


عنه وتارة رؤيا في المنام وتارة بمشاهدة حال رجل متدين وسراية نوره إليه عند صحبته ومجالسته وتارة بقرينة حال فقد جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم جاحدا له منكرا فلما وقع بصره على طلعته البهية وغرته الغريرة السنية فرآها يتلألأ منها نور النبوة قال : والله ما هذا وجه كذاب وسأله أن يعرض عليه الإسلام فأسلم وجاء آخر فقال : أنشدك الله بعثك الله نبيا فقال صلى الله عليه و سلم : بلى إني والله الله بعثني نبيا فصدقه بيمينه وأسلم فهذا وأمثاله أكثر من أن يحصى ولم يشتغل واحد منهم قط بالكلام وتعلم الأدلة بل كان تبدو أنوار الإيمان أولا بمثل هذه القرائن في قلوبهم لمعة بيضاء ثم لا تزال تزداد وضوحا وإشراقا بمشاهدة تلك الأحوال العظيمة وبتلاوة القرآن وتصفية القلوب وليت شعري من نقل عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعن الصحابة إحضاره أعرابيا أسلم وقوله الدليل على أن العالم حادث لأنه لا يخلو عن الإعراض وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وإن الله تعالى عالمبعلم وقادر بقدرة كلاهما زائل عن الذات لا هو ولا غيره إلى غير ذلك من رسوم المتكلمين ولست أقول : لم تجر هذه الألفاظ بل لم يجر أيضا ما معناه معنى هذه الألفاظ بل كان لا تنكشف ملحمة إلا عن جماعة من الأجلاف يسلمون تحت ظلال السيوف وجماعة من الأسارى يسلمون واحدا واحدا بعد طول الزمان أو على القرب وكانوا إذا نطقوا بكلمة الشهادة علموا الصلاة والزكاة وردوا إلى صناعتهم من رعاية الغنم أو غيرها نعم لست أنكر أنه يجوز أن يكون ذكر أدلة المتكلمين أحد أسباب الإيمان في حق بعض الناس ولكن ذلك ليس بمقصور عليه وهو نادر أيضا وساق الكلام إلى أن قال : والحق الصريح أن كل من اعتقد أن ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم واشتمل عليه القرآن حق اعتقادا جزما فهو مؤمن وإن لم يعرف أدلته فالإيمان المستعار من الدلائل الكلامية ضعيف جدا مشرف على التزلزل بكل شبهة بل الإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل في قلوبهم في الصبا بتواتر السماع والحاصل بعد البلوغ بقرائن لا يمكن العبارة عنها أه
وفيه فوائد شتى ولذا نقلناه بطوله ومتى جاز أن يقذف الله تعالى في قلب العبد نور الإيمان فيؤمن بلا نظر واستدلال جاز أن يقذف سبحانه في قلبه صدق المخبر بحيث لا يقدر على دفعه ولا يدري أنه من أين جاء لا سيما إذا كان المخبر هو النبي صلى الله عليه و سلم فإن من لازم قذف نور الإيمان في قلب المؤمن به عليه الصلاة و السلام أن يقذف في قلبه صدقه صلى الله عليه و سلم لأن الإيمان لا يتم إلا بذلك فقد ظهر أن دعوى الضرورة في أنه لا سبيل إلى العلم بصدق المخبر فيما أخبر به علما ضروريا إن لم تكن مكابرة فمنعها ليس مكابرة أيضا لإإن الدليل قد قام على جواز حصول العلم الضروري بصدقه بل على وقوعه فليست تلك الدعوى من المقدمات الضرورية التي يكون منعها مكابرة غير مسموعة وقد اتضح من جميع ما ذكر أن ما قاله السعد في شرح المقاصد من أن الحق أن المعرفة بدليل إجمالي يرفع الناظر من حضيض التقليد فرض عين لا مخرج عنه لأحد من المكلفين وبدليل تفصيلي يتمكن معه من إزاحة الشبه وإلزام المنكرين وإرشاد المسترشدين فرض كفاية لا بد أن يقوم به البعض لا يخلو عن نظر على ما قيل لكن الظاهر عندي أن الحق مع السعد من جهة أن الإيمان بمعنى التصديق مكلف به وشرط المكلف به كونه اختياريا وقد صرحوا أن التكليف بما ليس بإختياري تكليف في الحقيقة بما يتوقف عليه من الأمور الأختيارية وإن التصديق نفسه لكونه غير اختياري كان التكليف به في الحقيقة تكليفا بما يتوقف هو عليه من النظر الأختياري فالأيمان الذي يحصل بقذفه تعالى النور في القلب من غير فكر ولا روية ولا نظر ولا استدلال ليس اختياريا بنفسه ولا باعتبار ما يحصل هو منه فكيف يكون مكلفا به وما مراد السعد ومن

(26/64)


وافقه بالمعرفة إلا المعرفة من حيث إنهامكلف بها كما يشير إليه قوله : ولا مخرج عنه لأحد من المكلفين وكون ذلك مكلفابه باعتبار أمر اختياري غير النظر كتحصيل الأستعداد لأفاضة النور وخلق العلم الضروري في قلب العبد غير ظاهر نعم لست أنكر إن من المعرفة ما لا يتوقف على نظر في دليل إجمالي أو غيره كمعرفة الأنبياء عليهم السلام على ما سمعت عن بعضهم وكمعرفة من شاء الله تعالى من عباده سبحانه غيرهم ولا أسمي نحو هذه المعرفة تقليدية وكذا لا أنكر أن المعرفة الحاصلة من قذف النور فوق المعرفة الحاصلة من النظر في الدليل فإنها يخشى عليها من عواصف الشبه وأذهب إلى أن النظر في الدليل مطلقا واجب على من لم يحصل له العقد الجازم إلا به وأما من حصل له ذلك بأي طريق كان دونه فلا يجب عليه وكذا لا يأثم بتركه وحكاية الإجماع على إثمه به لا يخفى ما فيها وتوجيه ذلك بأن جزم المؤمن حينئذ لا ثقة به إذ لو عرضت له شبهة فات وبقي مترددا بخلاف الجزم الناشيء عن الأستدلال فإنه لا يفوت بذلك غير ظاهر لأنه إذا سلم من تم جزمه من غير نظر فقد أتى بواجب الإيمان فلا وجه لتأثيمه بترك النظر بناء على مجرد احتمال عروض شبهة مشوشة لجزمه لأنه إذا سلم أن الواجب عليه ليس إلا أن يجزم وقد جزم فقد أدى واجب الوقت وما ترك منه شيئا وكل من لم يترك واجبا معينا في وقت معين لا معنى لتأثيمه في ذلك الوقت من جهة ذلك الواجب وكما يحتمل عقلا أن تعرض له شبهة تشوش عليه الجزم لعدم الدليل كذلك يحتمل عقلا أن يحصل له الدليل على ما جزم به قبل عروض شبهة ولعل هذا الأحتمال أقوى وأقرب إلى الوقوع
وإذا أحطت خبرا بجميع ما ذكرنا علمت أن الأستدلال بقوله تعالى : فاعلم أنه لا إله إلا الله على وجوب النظر فيه نظر لتوقفه على صحة قولهم : إن العلم لا يحصل بالنظر وقد سمعت ما فيه ويقوي ذلك إذا قلنا : إن علمه صلى الله تعالى عليه وسلم بالوحدانية ضروري إذ يكون المراد الأمر بالثبات والأستمرار على ما هو صلى الله تعالى عليه وسلم فيه من اجتناب ما يخل بالعلم وقد يقال : يجوز أن يكون الأستدلال نظرا إلى ظاهر اللفظ من حيث أنه أمر بالعلم بالوحدانيةفلا بد أن يكون مقدورا بنفسه أو باعتبار ما يحصل هو منه وحيث انتفى كونه مقدورا بنفسه تعين كونه باعتبار ما يحصل هو منه والظاهر أنه النظر
وأنت تعلم أنه إن كان التقليد سببا من أسباب العلم لم يتم هذا وإن لم يكن سببا تم فتأمل ثم اعلم أن النظر الذي قالوا به في الأصول الأعتقادية أعم من النظر في الأدلة العقلية والنظر في الأدلة السمعية فإن منها ما ثبت بالسمع كالأمور الأخروية ومدخل العقل فيها ليس إلا بأنها أمور ممكنة أخبر الصادق بوقوعها وكل ممكن أخبر الصادق بوقوعه واقع فتلك الأمور واقعة وأما النظر في معرفة الله تعالى أعني التصديق بوجوده تعالى وصفاته العلا فقيل : يتعين أن يكون المراد به النظر في الألة العقلية فقط ولا يجوز أن يكون النظر في الأدلة السمعية طريقا إليها لاستلزامه الدور وفي الجواب العتيد الدور لازم لكن لا مطلقا بل بالنسبة إلى كل مطلوب يتوقف العلم بصدق الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم به وذلك لأن النظر في الأدلة السمعية إنما يكون طريقا إلى المعرفة إذا كانت صادقة عند الناظر فيها وصدقها في علم الناظر موقوف على علمه بأن هذا الذي يدعي أنه رسول الله الذي جاء بها صادقا في دعواه الرسالة وعلمه بذلك

(26/65)


موقوف على العلم بأن الله تعالى قد أظهر المعجزات على يده تصديقا له في دعواه وعلمه بذلك موقوف على العلم بأن ثمت إلها على صفة يمكن بها أن يبعث رسولا ككونه حيا عالما مريدا قادرا وهو من معرفة الإله سبحانه فلو استفدنا العلم بوجود الله تعالى وبتلك الصفات من الدلائل السمعية الموقوفة على صدق الرسول عليه الصلاة و السلام لزم الدور كما ترى نعم إذا قيل : إن المكلف بعد ما آمن بالرسول صلى الله تعالى عليه وسلم واعتقد اعتقادا جازما بصدقه في جميع ما جاء به من عند الله تعالى بأي وجه كان ذلك الجزم بالضرورة أو بالنظر أو بالتقليد فله أن يأخذ عقيدته من القرآن من غير تأويل ولا ميل من غير أن ينظر في دليل عقلي كان ذلك كلاما صحيحا لا غبار عليه ولا يلزم منه تحصيل للحاصل بالنسبة إلى ما حصله أولا من المسائل التي يتوقف عليها صدق الرسول عليه الصلاة و السلام لأن التحصيل من حيث أن الجائي بدلائلها صادق فيها والتحصيل الأول كان بالنظر العقلي من غير اعتبار صدق الرسول عليه الصلاة و السلام فاختلفت الحيثية فليفهم والله تعالى أعلم
والله يعلم متقلبكم في الدنيا ومثواكم
19
- في الآخرة وخص المتقلب بالدنيا والمثوى بالآخرة لأن كل أحد متحرك في الدنيا دائما نحو معاده غير قار وفي الآخرة مقيم لا حركة له نحو دار وراءها والمراد من علمه تعالى بذلك تحذيرهم من جزائه وعقابه سبحانه أو الترغيب في امتثال ما يأمرهم جل شأنه به والترهيب عما ينهاهم عز و جل عنه على طريق الكناية وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : متقلبكم تصرفكم في حياتكم الدنيا ومثواكم في قبوركم وآخرتكم وقال عكرمة : متقلبكم في أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ومثواكم إقامتكم في الأرض وقال الطبري : وغيره : متقلبكم تصرفكم في يقظتكم ومثواكم منامكم وقيل : متقلبكم في معايشكم ومتاجركم ومثواكم حيث تستقرون من منازلكم وقيل : تقلبكم في أعمالكم ومثواكم من الجنة والنار
واختار أبو حيان عمومهما في كل متقلب وفي كل إقامة ونحوه ما قيل : المراد يعلم جميع أحوالكم فلا يخفى عليه سبحانه شيء منها
وقرأ ابن عباس متقلبكم بالنون ويقول الذين آمنوا حرصا على الجهاد لما فيه من الثواب الجزيل فالمراد بهم المؤمنون الصادقون لو لا نزلت سورة أي هلا أنزلت سورة يؤمر فيها بالجهاد فلو لا تحضيضية وعن ابن مالك أن لا زائدة والتقدير لو أنزلت سورة وليس بشيء
فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال أي بطريق الأمر به والمراد بمحكمة مبينة لا تشابه ولا احتمال فيها لوجه آخر سوى وجوب القتال وفسرها الزمخشري بغير منسوخة الأحكام وعن قتادة كل سورة فيها القتال فهي محكمة وهو أشد القرآن على المنافقين وهذا أمر استقرأه قتادة من القرآن لا بخصوصية هذه الآية والمتحقق أن آيات القتال غير منسوخة وحكمها باق إلى يوم القيامة وقيل : محكمة بالحلال والحرام
وقريء نزلت سورة بالبناء للفاعل من نزل الثلاثي المجرد ورفع سورة على الفاعل
وقرأ زيد بن علي نزلت كذلك إلا أنه نصب سورة محكمة وخرج ذلك على كون الفاعل ضمير السورة و سورة محكمة نصب على الحال وقرأ هو وابن عمير وذكر مبنيا للفاعل وهو ضميره تعالى

(26/66)


القتال بالنصب على أنه مفعول به رأيت الذين في قلوبهم مرض أي نفاق وقيل : ضعف في الدين ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت أي نظر المحتضر الذي لا يطرف بصره والمراد تشخص أبصارهم جنبا وهلعا وقيل : يفعلون ذلك من شدة العداوة له عليه الصلاة و السلام وقيل : من خشية الفضيحة فإنهم إن تخلوا عن القتال افتضحوا وبان نفاقهم وقال الزمخشري : كانوا يدعون الحرص على الجهاد ويتمنونه بألسنتهم ويقولون : لو لا أنزلت سورة في معنى الجهاد فإذا أنزلت وأمر فيها بما تمنوا وحرصوا عليه كاعوا وشق عليهم وسقط في أيديهم كقوله تعالى : فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس والظاهر ما ذكرناه أولا من أن القائلين هم الذين أخلصوا في إيمانهم وإنما عرا المنافقين ما عرا عند نزول أمر المؤمنين بالجهاد لدخولهم فيهم بحسب ظاهر حالهم وقد جوز هو أيضا إرادة الخلص من الذين آمنوا لكن كلامه ظاهر في ترجح ما ذكره أولا عنده والظاهر أن في الكلام عليه إقامة الظاهرمقام المضمر وجوز أن يكون المطلوب في قوله تعالى : لو لا أنزلت سورة إنزال سورة مطلقا حيث كانوا يستأنسون بالوحي ويستوحشون إذا أبطأ وروي نحوه عن ابن جريج أخرج ابن المنذر عنه أنه قال في الآية : كان المؤمنون يشتاقون إلى كتاب الله تعالى وإلى بيان ما ينزل عليهم فيه فإذا نزلت السورة يذكر فيها القتال رأيت يا محمد المنافقين ينظرون إليك الخ
فأولى لهم
20
- تهديد ووعيد على ما روي عن غير واحد وعن أبي علي أن أولى فيه علم لعين الويل مبني على زنة أفعل من لفظ الويل على القلب وأصله أوليل وهو غير منصرف للعلمية والوزن فالكلام مبتدأ وخبر
واعترض بأن الويل غير متصرف فيه ومثل يوم أيوم مع أنه غير منقاس لا يفرد عن الموصول البتة وإن القلب خلاف الأصل لا يرتكب إلا بدليل وإن علم الجنس شيء خارج عن القياس مشكل التعقل خاصة فيما نحن فيه ثم قيل : إن الأشتقاق الواضح من الولي بمعنى القرب كما في قوله : تكلفني ليلى وقد شط وليها واعادت عواد بيننا وخطوب يرشد إلى أنه للتفضيل في الأصل غلب في قرب الهلاك ودعاء السوء كأنه قيل : هلاكا أولى لهم بمعنى أهلكهم الله تعالى هلاكا أقرب لهم من كل شر وهلاك وهذا كما غلب بعداا وسحقا في الهلاك وهو على هذا منصوب على أنه صفة في الأصل لمصدر محذوف وقد أقيم مقامه والجار متعلق به وفي الصحاح عن الأصمعي أولى له قاربه ما يهلكه أي نزل به وأنشد
فعادى بين هاديتين منها وأولي أن يزيد على الثلاث أي قارب أن يزيد قال ثعلب : ولم يقل أحد في أولي أحسن مما قاله الأصمعي وعلى هذا هو فعل مستتر فيه ضمير الهلاك بقرينة السياق وقريب منه ما قيل : إنه فعل ماض وفاعله ضميره عز و جل واللام مزيدة أي أولاهم الله تعالى ما يكرهون أو غير مزيدة أي أدنى الله عز و جل الهلاك لهم والظاهر زيادة اللام على ما سمعت عن الأصمعي ومن فسره بقرب جوز الأمرين وقيل : هو اسم فعل والمعنى وليهم شر بعد شر وقيل : هو فعلى من آل بمعنى رجع لا أفعل من الولي فهو في الأصل دعاء عليهم بأن يرجع أمرهم إلى الهلاك والمراد أهلكهم الله تعالى إلا أن التركيب مبتدأ وخبر وقال الرضي : هو علم للوعيد من وليه الشر أي قربه والتركيب مبتدأ وخبر أيضا واستدل بما حكى أبو زيد من قولهم : أولاة بتاء التأنيث على أنه ليس بأفعل تفضيل ولا أفعل

(26/67)


فعلى وأنه علم وليس بفعل ثم قال : بل هو مثل أرمل وأرملة إذا سمي بهما ولذا لم يتصرف وليس اسم فعل أيضا بدليل أولاة في تأنيثه بالرفع يعني أنه معرب ولو كان اسم فعل كان مبنيا مثله وتعقب بأنه لا مانع من كون أولاة لفظا آخر بمعناه فلا يرد من ذلك على قائلي ما تقدم أصلا وجاء أول أفعل تفضيل وظرفا كقبل وسمع فيه أولة كما نقله أبو حيان وقيل : الأحسن كونه أفعل تفضيل بمعنى أحق وأحرى وهو خبر لمبتدأ محذوف يقدر في كل مقام بما يليق به والتقدير ههنا العقاب أولى لهم وروي ذلك عن قتادة ومال إلى هذا القول ابن عطية وعلى جميع هذه الأقوال قوله تعالى : طاعة وقول معروف كلام مستقل محذوف منه أحد الجزأين أما الخبر وتقديره خير لهم أو أمثل وهو قول مجاهد ومذهب سيبويه والخليل وإما لمبتدأ وتقديره الأمر أو أمرنا طاعة أي الأمر المرضي لله تعالى طاعة وقيل : أي أمرهم طاعة معروفة وقول معروف أي معلوم حاله أنه خديعة وقيل : هو حكاية قولهم قبل الأمر بالجهاد أي قالوا أمرنا طاعة ويشهد له قراءة أبي يقولون طاعة وقول معروف وذهب بعض إلى أن أولي أفعل تفضيل مبتدأ و لهم صلته واللام بمعنى الباء وطاعة خبر كأنه قيل فأولى بهم من النظر إليك نظر المغشي عليه من الموت طاعة وقول معروف وعليه لا يكون كلاما مستقلا ولا يوقف على لهم ومما لا ينبغي أن يلتفت إليه ما قيل : إن طاعة صفة لسورة في قوله تعالى فإذا أنزلت سورة والمراد ذات طاعة أو مطاعة وتعقبه أبو حيان بأنه ليس بشيء لحيولة الفصل الكثير بين الصفة والموصوف فإذا عزم الأمر أي جد والجد أي الأجتهاد لأصحاب الأمر إلا أنه أسند إليه مجازا كما في قوله تعالى : إن ذلك من عزم الأمور ومنه قول الشاعر :
قد جدت الحرب بكم فجدوا
والظاهر أن جواب إذا قوله تعالى : فلو صدقوا الله وهو العامل فيها ولا يضر اقترانه بالفاء ولا تمنع من عمل ما بعدها فيما قبلها في مثله كما صرحوا به وهذا نحو إذا جاء الشتاء فلو جئتني لكسوتك وقيل : الجواب محذوف تقديره فإذا عزم الأمر كرهوا أو نحو ذلك قاله قتادة وفي البحر من حمل طاعة وقول معروف علىأنهم يقولون ذلك خديعة قدر فإذا عزم الأمر ناقضوا وتعاصوا ولعل من يجعل القول السابق للمؤمنين في ظاهر الحال وهم المنافقون جوز هذا التقدير أيضا وقدر بعضهم الجواب فأصدق وهو كما ترى وأيا ما كان فالمراد فلو صدقوا الله فيما زعموا من الحرص على الجهاد ولعلهم أظهروا الحرص عليه كالمؤمنين الصادقين وقيل : في قولهم : طاعة وقول معروف وقيل : في إيمانهم لكان أي الصدق خيرا لهم
21
- مما ارتكبوه وهذا مبني على ما في زعمهم من أن فيه خيرا وإلا فهو في نفس الأمر لا خير فيه
فهل عسيتم خطاب لأولئك الذين في قلوبهم مرض بطريق الألتفات لتأكيد التوبيخ وتشديد التقريع وهل للأستفهام والأصل فيه أن يدخل الخبر للسؤال عن مضمونه والإنشاء الموضوع له عسى ما دل عليه بالخبر أي فهل يتوقع منكم وينتظر إن توليتم أمور الناس وتأمرتم عليهم فهو من الولاية والمفعول به محذوف وروي ذلك عن محمد بن كعب وأبي العالية والكلبي أن تفسدوا في الأرض وتطعوا أرحامكم تناحرا على الولاية وتكالبا على جيفة الدنيا والمتوقع كل من يقف على حالهم إلا الله عز و جل إذ لا يصح منه سبحانه ذلك والأستفهام أيضا بالنسبة إلى غيره جل وعلا فالمعنى إنكم لما عهد منكم من الأحوال الدالة على الحرص على

(26/68)


الدنيا حيث أمرتهم بالجهاد الذي هو وسيلة إلى ثواب الله تعالى العظيم فكرهتموه وظهر عليكم ما ظهر أحقاء بأن يقول لكم كل من ذاقكم وعرف حالكم يا هؤلاء ما ترون هل يتوقع منكم أن توليتم أن تفسدوا في الأرض الخ
وفسر بعضهم التولي بالإعراض عن الإسلام لازم أي فهل عسيتم أن أعرضتم عن الإسلام أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض بالتغاور والتناهب وقطع الأرحام بمقاتلة بعض الأقارب بعضا ووأد البنات وتعقب بأن الواقع في حيز الشرط في مثل هذا المقام لا بد أن تكون محذوريته باعتبار ما يتبعه من المفاسد لا باعتبار ذاته ولا ريب في الإعراض عن الإسلام رأس كل شر وفساد فحقه أن يجعل عمدة في التوبيخ لا وسيلة للتوبيخ بما دونه من المفاسد ويؤيد الأول قراءة بعض وليتم مبنيا للمفعول وكذا قراءته عليه الصلاة و السلام على ما ذكر في البحر عن علي كرم الله تعالى وجهه ورويس ويعقوب توليتم بالبناء للمفعول أيضا بناء على أن المعنى تولاكم الناس واجتمعوا على موالاتكم والمراد كنتم فيهم حكاما وقيل : المعنى تولاكم ولاة غشمة خرجتم معهم ومشيتم تحت لوائهم وأفسدتم بإفسادهم واستظهر أبو حيان تفسيره بالإعراض إلا أنه قال : المعنى إن أعرضتم عن امتثال أمر الله تعالى في القتال أن تفسدوا في الأرض بعدم معونة أهل الإسلام على أعدائهم وتقطعوا أرحامكم لأن من أرحامكم كثيرا من المسلمين فإذا لم تعينوهم قطعتم ما بينكم وبينهم من الرحم
وتعقب بأن حمل الإفساد على الإفساد بعدم المعونة فيه خفاء وكذا الإتيان بأن عليه دون إذا من حيث أن الإعراض عن امتضال أمر الله تعالى في القتال كالمحق من أولئك المنافقين فتأمل و أن تفسدوا خبر عسى و أن توليتم اعتراض وجواب أن محذوف يدل عليه ما قبله وزعم بعضهم أن الأظهر جعل إن توليتم حالا مقدرة وفيه أن الشرط بدون الجواب لم يعهد وقوعه حالا في غير أن الوصلية وهي لا تفارق الواو وإلحاق الضمائر بعسى كما في سائر الأفعال المتصرفة لغة أهل الحجاز وبنو تميم لا يلحقونها به ويلتزمون دخوله على أن والفعل فيقولون الزيدان عسى أن يقوما والزيدون عسى أن يقوموا وذكر الإمام هاتين اللغتين ثم قال : وأما قول من قال : عسى أنت تقوم وعسى أنا أقوم فدون ما ذكرنا للتطويل الذي فيه كان مقصوده حكاية لغة ثالثة هي انفصال الضمير فنحن لا نعلم أحدا من نقلة اللسان العربي ذكرها وإن كان غير ذلك فليس فيه كثير جدوى
وقرأ نافع عسيتم بكسر السين المهملة وهو غريب وقرأ أبو عمرو وفي رواية وسلام ويعقوب وأبان وعصمة تقطعوا بالتخفيف مضارع قطع والحسن تقطعوا بفتح التاء والقاف وشد الطاء وأصله تتقطعوا بتاءين حذفت أحدهما ونصبوا أرحامكم على إسقاط الحرف أي في أرحامكم لأن تقطع لازم أولئك إشارة إلى المخاطبين بطريق الألتفات إيذانا بأن ذكر هناتهم أوجب إسقاطهم عن درجة الخطاب ولو على جهة التوبيخ وحكاية أقوالهم الفظيعة لغيرهم وهو مبتدأ خبره قوله تعالى : الذين لعنهم الله أي أبعدهم من رحمته عز و جل فأصمهم عن استماع الحق لتصامهم عنه لسوء اختيارهم وأعمى أبصارهم
23
- لتعاميهم عما يشاهدونه من الآيات المنصوبة في الأنفس والآفاق وجاء التركيب فأصمهم ولم يأت فأصم آذانهم كما جاء وأعمى أبصارهم أو وأعماهم كما جاء فأصمهم قيل : لأن الأذن لو أصيبت بقطع أو قلع لسمع الكلام فلم يحتج إلى ذكر الأذن والبصر وهو العين لو أصيب لامتنع الأبصار فالعين لها مدخل في الرؤية والأذن لا مدخل لها في السمع انتهى وهو كما ترى
وقال الخفاجي : لأنه إذا ذكر الصمم لم يبق حاجة إلى ذكر الآذان وأما العمى فلشيوعه في البصر

(26/69)


والبصيرة حتى قيل : إنه حقيقة فيهما وهو ظاهر ما في القاموس فإذا كان المراد أحدهما حسن تقييده
وقيل في وجه ذلك بناء على كون العمى حقيقة فيما كان في البصر أن نحو أعمى الله أبصارهم بحسب الظاهر من باب أبصرته بعيني وهو يقال في مقام يحتاج إلى التأكيد ولما كان أولئك الذين حكى حالهم في أمر الجهاد غير ظاهر إعماؤهم ظهور إصمامهم كيف وفي الآيات السابقة ما يؤذن بعدم انتفاعهم بالمسموع من القرآن وهو من آثار إصمامهم وليس فيها ما يؤذن بعدم انتفاعهم بالآيات المرئية المنصوبة في الأنفس والآفاق الذي هو من آثار إعمائهم ناسب أن يسلك في كل من الجملتين ما سلك مع ما في سلوكه في الأخير من رعاية الفواصل وهو أدق مما قبل هذا والأرحام جمع رحم بفتح الراء وكسر الحاء وهي على ما في القاموس القرابة أو أصلها وأسبابها وقال الراغب : الرحم رحم المرأة أي بيت منبت ولدها ووعاؤه ومنه استعير الرحم للقرابة لكونهم خارجين من رحم واحدة ويقال للأقارب ذوو رحم كما يقال لهم أرحام وقد صرح ابن الأير بأن ذا الرحم يقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب ويطلق في الفرائض على الأقارب من جهة النساء والمذكور في كتبها تفسيره بكل قريب ليس بذي سهم ولا عصبة وعدوا من ذلك أولاد الأخوات لأبوين أو لأب وعمات الآباء وظاهر كلام الأئمة في قوله عليه الصلاة و السلام من ملك ذا رحم محرم فهو دخول الأبوين والولد في ذي الرحم لغة حيث أجمعوا على أنهم يعتقون على من ملكهم لهذا الخبر وإن اختلفوا في عتق غيرهم وصرح ابن حجر الهيثمي في الزواجر بأن الأولاد في الأرحام وظاهر عطف الأقربين على الوالدين في الآية يقتضي عدم دخولهما في الأقارب فلا يدخلون في الأرحام لأنهم كما قالوا الأقارب وكلام فقهائنا نص في عدم دخول الوالدين والولد في ذلك حيث قالوا : إذا أوصى لأقاربه أو لذوي قرابته أو لأرحامه فهي للأقرب فالأقرب من كل ذي رحم ولا يدخل الوالدان والولد وأما الجد وولد الولد فنقل أبو السعود عن العلامة قاسم عن البدائع أن الصحيح عدم دخولهما واختاره في الأختيار وعلله بأن القريب من يتقرب إلى غيره بواسطة غيره وتكون الجزئية منعدمة وفي شرح الحموي أن دخولهما هو الأصح وفي متن المواهب وأدخل أي محمد الجد والحفدة وهو الظاهر عنهما وذكر أن مثل الجد الجدة وقد يقال : إن عدمدخول الوالدين والولد في ذلك وكذا الجد والحفدة عند من يقول بعدم دخولهم ليس لأن اللفظ لا يصدق عليهم لغة بل لأنه لا يصدق عليهم عرفا وهم اعتبروا العرف كما قال الطحاوي في أكثر مسائل الوصية وفي جامع الفصولين أن مطلق الكلام فيما بين الناس ينصرف إلى المتعارف وما ذكره في المعراج من خبر من سمي والده قريبا عقه لا يدل على أنه ليس قريبا لغة بل هو بيان حكم شرعي مبناه أن ذلك إيذاء للوالد وحطا من قدره عرفا وهذا كما لو ناداه بإسمه وكان يكره ذلك وأمر العطف في الآية الكريمة سهل لجواز عطف العام على الخاص كعطف الخاص على العام فالذي يترجح عندي أن الأرحام كما صرحوا به الأقارب بالقرابة الغير السببية والمراد بهم ما يقابل الأجانب ويدخل فيهم الأصول والفروع والحواشي من قبل الأب أو من قبل الأم وحرمة قطع كل لا شك فيها لأنه على ما قلنا رحم والآية ظاهرة في حرمة قطع الرحم وحكى القرطبي في تفسيره اتفاق الأمة على حرمة قطعها ووجوب صلتها ولاينبغي التوقف في كون القطع كبيرة والعجب من الرافعي عليه الرحمة كيف توقف في قول صاحب الشامل : أنه من الكبائر وكذا تقرير النووي قدس سره على توقفه واختلف في المراد بالقطيعة فقال أبو زرعة : ينبغي أن تختص بالإساءة وقال غيره : هي ترك

(26/70)


الإحسان ولو بدون إساءة لأن الأحاديث آمرة بالصلة ناهية عن القطيعة واسطة بينهما والصلة إيصال نوع من أنواع الإحسان كما فسرها بذلك غير واحد فالقطيعة ضدها فهي ترك الإحسان ونظر فيه الهيثمي بناء على تفسير العقوق بأن يفعل مع أحد أبويه ما لو فعله مع أجنبي كان محرما صغيرة فينتقل بالنسبة إلى أحدهما كبيرة وإن الأبوين أعظم من بقية الأقارب ثم قال : فالذي يتجه ليوافق كلامهم وفرقهم بين العقوق وقطع الرحم أن المراد بالأول أن يفعل مع أحد الأبوين ما يتأذى به فإن كان التأذي ليس بالهين عرفا كان كبيرة وإن لم يكن محرما لو فعله مع الغير وبالثاني قطع ما ألف القريب منه سابق الصلة والإحسان بغير عذر شرعي لأن قطع ذلك يؤدي إلى إيحاش القلوب وتأذيها فلو فرض أن قريبه لم يصل إليه إحسان ولا إساءة قط لم يفسق بذلك لأن الأبوين إذا فرض ذلك في حقهما من غير أن يفعل معهما ما يقتضي التأذي العظيم لغناهما مثلا لم يكن كبيرة فأولى بقية الأقارب ولو فرض أن الإنسان لم يقطع عن قريبه ما ألفه منه من الإحسان لكنه فعل معه محرما صغيرة أو قطب في وجهه أو لم يقم له في ملأ ولا عبأ به لم يكن ذلك فسقا بخلافه مع أحد الأبوين لأن تأكد حقهما اقتضى أن يتميزا على بقية الأقارب بما لا يوجد نظيره فيهم وعلى ضبط الثاني بما ذكرته فلا فرق بين أن يكون الإحسان الذي ألفه منه ريبه مالا أو مكاتبة أو مراسلة أو زيادة أو غير ذلك فقطع ذلك كله بعد فعله لغير عذر كبيرة وينبغي أن يراد بالعذر في المال فقد ما كان يصله به أو تجدد احتياجه إليه أو أن يندبه الشارع إلى تقديم غير القريب عليه لكونه أحوج أو أصلح فعدم الإحسان إلى القريب أو تقديم الأجنبي عليه لهذا العذر يرفع عنه وإن انقطع بسبب ذلك ما ألفه منه القريب لأنه إنما راعى أمر الشارع بتقديم الأجنبي عليه وواضح أن القريب لو ألف مننه قدرا معينا من المال يعطيه إياه كل سنة مثلا فنقصه لا يفسق بذلك بخلاف ما لو قطعه من أصله لغير عذر وأما عذر الزيادة فينبغي ضبطه بعذر الجمعة أن كلا فرض عين وتركه كبيرة وأما عذر ترك المكاتبة والمراسلة فهو أن لا يجد من يثق به في أداء ما يرسله معه والظاهر أنه إذا ترك الزيادة التي ألفت منه في وقت مخصوص لعذر لا يلزمه قضاؤها في غير ذلك الوقت والأولاد والأعمام من الأرحام وكذا الخالة فيأتي فيهم وفيها ما تقرر من الفرق بين قطعهم وعقوق الوالدين وأما قول الزركشي : صح في الحديث أن الخالة بمنزلة الأم وأن عم الرجل صنو أبيه وقضيتهما أنهما مثل الأب والأم حتى في العقوق فبعيد جدا ويكفي مشابهتهما في أمر ما كالحضانة تثبت للخالة كما تثبت للأم وكذا المحرمية وكالأكرام في العم والمحرمية وغيرهما مما ذكر انتهى المراد منه ولو قيل : إن الصغيرة تعد كبيرة لو فعلت مع القريب لكنها دون ما لو فعلت مع أحد الأبوين لم يبعد عندي لتفاوت قبح السيئات بحسب الإضافات بل لا يبعد على هذا أن يكون قبح قطع الرحم متفاوتا باعتبار الشخص القاطع وباعتبار الشخص المقطوع متى سلم التفاوت فليقل به في العقوق ويكون الأم أقبح من عقوق الأب وكذا عقوق الولد الذي يعبأ به أقبح من عقوق الولد الذي لا يعبأ به ويتفرع من ذلك ما يتفرع مما لا يخفى على فقيه واستدل بالآية عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على منع بيع أم الولد روي الحاكم في المستدرك وصححه وابن المنذر عن بريدة قال : كنت جالسا عند عمر إذ سمع صائحا فسأل فقيل : جارية من قريش تباع أمها فأرسل يدعو المهاجرين والأنصار فلم يمض ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فهل تعلمونه كان مما جاء به محمد صلى الله تعالى عليه وسلم القطيعة قالوا : لا قال : فإنها قد أصبحت فيكم فاشية ثم قرأ فهل عسيتم إن توليتم أن

(26/71)


تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ثم قال : وأي قطيعة أقطع من أن اتباع أم امريء فيكم قالوا فاصنع ما بدا لك فكتب في الآفاق أن لاتباع أم حر فإنها قطيعة رحم وأنه لا يحل واستدل بها أيضا على جواز لعن يزيد عليه من الله تعالى ما يستحق نقل البرزنجي في الأشاعة والهيثمي في الصواعق إن الإمام أحمد لما سأله ولده عبد الله عن لعن يزيد قال كيف لا يلعن من لعنه الله تعالى في كتابه فقال عبد الله قد قرأت كتاب الله عز و جل فلم أجد فيه لعن يزيد فقال الإمام أن الله تعالى يقول : فهم عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله الآية وأي فساد وقطيعة أشد مما فعله يزيد انتهى
وهو مبني على جواز لعن العاصي المعين من جماعة لعنوا بالوصف وفي ذلك خلاف فالجمهور على أنه لا يجوز لعن المعين فاسقا كان أو ذميا حيا أو ميتا ولم يعلم موته على الكفر لاحتمال أن يختم له أو ختم له بالإسلام بخلاف من علم موته على الكفر كأبي جهل
وذهب شيخ الإسلام السراج البلقيني إلى جواز لعن العاصي المعين لحديث الصحيحين إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح وفي رواية إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح واحتمال أن يكون لعن الملائكة عليهم السلام إياها ليس بالخصوص بل بالعموم بأن يقولوا : لعن الله من باتت مهاجرة فراش زوجها بعيد وإن بحث به معه ولده الجلال البلقيني
وفي الزواجر لو استدل لذلك يخبر مسلم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم مر بحمار وسم في وجهه فقال : لعن الله من فعل هذا لكان أظهر إذ الإشارة بهذا صريحة في لعن معين إلا أن يؤول بأن المراد الجنس وفيه ما فيه انتهى
وعلى هذا القول لا توقف في لعن يزيد لكثرة أوصافه وارتكابه الكبائر في جميع أيام تكليفه ويكفي ما فعله أيام استيلائه بأهل المدينة ومكة فقد روي الطبراني بسند حسن اللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه وعليه لعنة الله والملائكطة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل والطاقة الكبرى ما فعله بأهل البيت ورضاه بقتل الحسين على جده وE واستبشاره بذلك وإهانته لأهل بيته مما تواتر معناه وإن تفاصيله آحادا وفي الحديث ستة لعنتهم وفي رواية لعنهم الله وكل نبي مجاب الدعوة المحرف لكتاب الله وفي رواية الزائد في كتاب الله والمكذب بقدر الله والمتسلط بالجبروت ليعز من أذل الله ويذل من أعز الله والمستحل من عترتي والتارك لسنتي وقد جزم بكفره وصرح بلعنه وصرح بلعنه جماعة من العلماء منهم الحافظ ناصر السنة ابن الجوزي وسبقه القاضي أبو يعلى وقال العلامة التفتازاني : لا نتوقف في شأنه بل في إيمانه لعنة الله تعالى وعلى أنصاره وأعوانه وممن صرح بلعنه الجلال السيوطي عليه الرحمة وفي تاريخ ابن الوردي وكتاب الوافي بالوافيات أن السبي لما ورد من العراق على يزيد خرج فلقي الأطفال والنساء من ذرية علي والحسين رضي الله تعالى عنهما والرؤس على أطراف الرماح وقد أشرفوا على ثنية جيرون فلما رآهم نعب غراب فأنشأ يقول : لما بدت تلك الحمول وأشرفت تلك الرؤس على شفا جيرون نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل فقد اقتضيت من الرسول ديوني

(26/72)


يعني أنه قتل بمن قتله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم بدر كجدة عتبة وخاله ولد عتبة وغيرهما وهذا كفر صريح فإذا صح عنه فقد كفر به ومثله تمثله بقول عبد الله بن الزبعري قبل إسلامه
ليت أشياخي
الأبيات وأفتى الغزالي عفا الله عنه بحرمة لعنه وتعقب السفاريني من الحنابلة نقل البرزنجي والهيثمي السابق عن أحمد رحمه الله تعالى فقال : المحفوظ عن الإمام أحمد خلاف ما نقلا ففي الفروع ما نصه ومن أصحابنا من أخرج الحجاج عن الإسلام فيتوجه عليه يزيد ونحوه ونص أحمد خلاف ذلك وعليه الأصحاب ولا يجوز التخصيص باللعنة خلافا فالأبي الحسين وابن الجوزي وغيرهما وقال شيخ الإسلام : يعني والله تعالى أعلم ابن تيمية ظاهر كلام أحمد الكراهة قلت : والمختار ما ذهب إليه الجوزي وأبو حسين القاضي ومن وافقهما انتهى كلام السفاريني وأبو بكر بن العربي المالكي عليه من الله تعالى ما يستحق أعظم الفرية فزعم أن الحسين قتل بسيف جده صلى الله تعالى عليه وسلم وله من الجهلة موافقون على ذلك كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا
قال الجوزي : عليه الرحمة في كتابه السر المصون من الأعتقادات العامة التي غلبت على جماعة منتسبين إلى السنة أن يقولوا : إن يزيد كان على الصواب وأن الحسين رضي الله تعالى عنه أخطأ في الخروج عليه ولو نظروا في السير لعلموا كيف عقدت له البيعة وألزم الناس بها ولقد فعل في ذلك كل قبيح ثم لو قدرنا صحة عقد البيعة فقد بدت منه بود كلها توجب فسخ العقد ولا يميل إلى ذلك الأكل جاهل عامي المذهب يظن أنه يغيظ بذلك الرافضة هذا ويعلم من جميع ما ذكره اختلاف الناس في أمره فمنهم من يقول : هو مسلم عاص بما صدر منه مع العترة الطاهرة لكن لا يجوز لعنه ومنهم من يقول : هو كذلك يجوز لعنه مع الكراهة أو بدونها ومنهم من يقول : هو كافر ملعون ومنهم من يقول : إنه لم يعص بذلك ولا يجوز لعنه وقائل هذا ينبغي أن ينظم في سلسلة أنصار يزيد وأنا أقول : الذي يغلب على ظني أن الخبيث لم يكن مصدقا برسالة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأن مجموع ما فعل مع أهل حرم الله تعالى وأهل نبيه عليه الصلاة و السلام وعترته الطيبين الطاهرين في الحياة وبعد الممات وما صدر منه من المخازي ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه من إلقاء ورقة من المصحف الشريف في قذر ولا أظن أن أمره كان خافيا على أجلة المسلمين إذ ذاك ولكن كانوا مغلوبين مقهورين لم يسمعهم إلا الصبر ليقضي الله أمرا كان مفعولا ولو سلم أن الخبيث كان مسلما فهو مسلم جمع من الكبائر ما لا يحيط به نطاق البيان وأنا أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين ولو لم يتصور أن يكون له مثل من الفاسقين والظاهر أنه لم يتب واحتمال توبته أضعف من إيمانه ويلحق به ابن زياد وابن سعد وجماعة فلعنة الله عز و جل عليهم أجمعين وعلى أنصارهم وأعوانهم وشيعتهم ومن مال إليهم إلى يوم الدين ما دمعت عين على أبي عبد الله الحسين ويعجبني قول شاعر العصر ذو الفضل الجلي عبد الباقي أفندي العمري الموصل وقد سئل عن لعن يزيد اللعين : يزيد على لعني عريض جنابه فاغدو به طول المدى ألعن اللعنا ومن كان يخشى القال والقيل من التصريح بلعن ذلك الضليل فليقل : لعن الله عز و جل من رضى رقتل

(26/73)


الحسين ومن آذى عترة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بغير حق من غضبهم حقهم فإنه يكون لاعنا له لدخوله تحت العموم دخولا أوليا في نفس الأمر ولا يخالف أحد في جواز اللعن بهذه الألفاظ ونحوها سوى ابن العربي المار ذكره وموافقيه فإنهم على ظاهر ما نقل عنهم لا يجوزون لعن من رضي بقتل الحسين رضي الله تعالى عنه وذلك لعمري هو الضلال البعيد الذي يكاد يزيد على ضلال يزيد أفلا يتدبرون القرآن أي لا يلاحظونه ولا يتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر حتى لا يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات أم على قلوب أقفالها
24
- تمثيل لعدم وصول الذكر إليها وانكشاف الأمر لها فكأنه قيل : أفلا يتدبرون القرآن إذ وصل إلى قلوبهم أم لم يصل إليها فتكون أم متصلة على مذهب سيبويه وظاهر كلام بعض اختياره
وذهب أبو حيان وجماعة إلى أنها منقطعة وما فيها من معنى بل للأنتقال من التوبيخ بترك التدبر إلى التوبيخ بكون قلوبهم مقفلة لا تقبل التدبر والتفكر والهمزة للتقرير وتنكير القلوب لتهويل حالها وتفظيع شأنها وأمرها في القساوة والجهالة كأنه قيل : على قلوب منكرة لا يعرف حالها ولا يقادر قدرها في القساوة وقيل : لأن المراد قلوب بعض منهم وهم المنافقون فتنكيرها للتبعيض أو للتنويع كما قيل وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أنها أقفال مخصوصة بها مناسبة لها غير مجانسة لسائر الأقفال المعهودة وقريء إقفالها بكسر الهمزة وهو مصدر من الأفعال و أقفلها بالجمع على أفعل
إن الذين ارتدوا على أدبارهم أي رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر قال ابن عباس وغيره : نزلت في منافقين كانوا أسلموا ثم نافقت قلوبهم وفي إرشاد العقل السليم هم المنافقون الذين وصفوا فيما سلف بمرض القلوب وغيره من قبائح الأحوال فإنهم قد كفروا به عليه الصلاة و السلام من بعد ما تبين لهم الهدى بالدلائل الظاهرة والمعجزات الباهرة القاهرة
وأخرج عبد الرزاق وجماعة عن قتادة أنه قال : هم أعداء الله تعالى أهل الكتاب يعرفون بعث النبي صلى الله عليه و سلم ويجدونه مكتوبا في التوراة والإنجيل ثم يكفرون به عليه الصلاة و السلام وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال : إن الذين ارتدوا الخ اليهود ارتدوا عن الهدى بعد أن عرفوا أن محمداصص نبي والمختار ما تقدم وأيا ما كان فالموصول اسم إن وجملة قوله تعالى : الشيطان سول لهم خبرها كقولك : إن زيدا عمرو مر به أي سهل لهم ركوب العظائم من السول بفتحتين وهو الأسترخاء استعير للتسهيل أي لعده سهلا هينا حتى لا يبالي به كأنه شبه بإرخاء ما كان مشدودا وقيل : أي حملهم على الشهوات من السول وهو التمني وأصله حملهم على سؤلهم أي ما يشتهونه ويتمونه فالتفعيل للحمل على المصدر كغربه إذا حمله على الغربة إلا أنهم جعلوا المصدر بمعنى اسم المفعول ونقل ذلك عن ابن السكيت
واعترض بأن السول بمعنى التمني من السؤال فهو مهموز والتسويل واوي ومعناه التزيين فلا مناسبة لا لفظا ولا معنى فالقول باشتقاق سول منه خطا ورد بأن السول من السؤال وله استعمالان فيكون مهموزا وهو المعروف ومعتلا يقال سأليسأل كخاف يخاف وقالوا منه : يتساولان بالواو فيجوز كون التسويل من السول على هذه اللغة أو هو على المشهورة خفف بقلب الهمزة ثم التزم ونظيره تدير من الدار لاستمرار

(26/74)


القلب في ديار وكذلك تحيز لاستمرار القلب في حيز ويكون مآل المعنى على هذا حملهم على الشهوات
وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما سول لهم مبنيا للمفعول وخرج ذلك على تقدير مضاف أي كيد الشيطان سول لهم وجوز تقديره سول كيده لهم فحذف الضمير المجرور مقامه فارتفع واستتر قيل : وهو أولى لأنه تقدير في وقت الحاجة ولا يخفى أن الأول أقل تكلفا
وأملي لهم
25
- ومد لهم الشيطان في الأماني والآمال ومعنى المد فيها توسيعها وجعلها ممدودة بنفسها أو بزمانها بأن يوسوس لهم بأنكم تنالون في الدنيا كذا مما لا أصل له حتى يعوقهم عن العمل وأصل الإملاء الإبقاء ملاومة من الدهر أي برهة ومنه قيل : المعنى وعدهم بالبقاء الطويل وجعل بعضهم فاعل أملي ضميره تعالى والمعنى أمهلهم ولم يعالجهم بالعقوبة وفيه تفكيك لكن أيد بقراءة مجاهد وابن هرمز والأعمش وسلام ويعقوب وأملي بهمزة المتكلم مضارع أملي فإن الفاعل حينئذ ضميره تعالى على الظاهر والأصل توافق القرائتين وجوز أن يكون ماضيا مجهولا من المزيد سكن آخره للتخفيف كما قالوا في بقي بقى بسكون الياء
وعلى الظاهر جوز أن تكون الواو للأستئناف وأن تكون للحال ويقدر مبتدأ بعدها أي وأنا أملي لئلا يكون شاذا كقمت وأصك وجهه وجوزت الحالية في قراءة الجمهور أيضا على جعل الفاعل ضميره تعالى فحينئذ تقدر قد على المشهور وقرأ ابن سيرين والجحدري وأبو عمرو وعيسى وأملي بالبناء للمفعول فلهم نائب الفاعل أي أمهلوا ومد في أعمارهم وجوز أن يكون ضمير الشيطان والمعنى أمهل الشيطان لهم أي جعل من المنظرين إلى يوم القيامة لأجلهم ففيه بيان لاستمرار ضلالهم وتقبيح حالهم ذلك إشارة إلى ما ذكر من ارتدادهم لا إلى الإملاء كما نقل عن الواحدي ولا إلى التسويل كما قيل لأن شيئا منهما ليس مسببا من القول الآتي وهو مبتدأ خبره قوله تعالى : بأنهم أي بسبب لنهم قالوا يعني المنافقين للذين كرهوا ما نزل الله هم بنو قريظة والنضير من اليهود الكارهين لنزول القرآن على النبي عليه الصلاة و السلام مع علمهم بأنه من عند الله تعالى حسدا وطمعا في نزوله على أحد منهم سنعطيكم في بعض الأمر أي في بعض أموركم وأحوالكم وهو ما حكي عنهم في قوله تعالى : ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لأخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصركم وقيل : في بعض ما تأمرون به كالتناصر على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقيل : القائلون اليهود الكافرون به صلى الله تعالى عليه وسلم بعد ما وجدوا نعته الشريف في كتابهم والمقول لهم المنافقون كان اليهود يعدونهم النصرة إذا أعلنوا بعداوة رسول الله عليه الصلاة و السلام وقيل : القائلون أولئك اليهود والمقول لهم المشركون كانوا يعدونهم النصرة أيضا إذا حاربوا وتعقب كلا القولين بأن كفر اليهود به عليه الصلاة و السلام ليس بسبب هذا القول ولو فرض صدوره عنهم رأى القائل بل من حيث إنكارهم بعثه عليه الصلاة و السلام وقد عرفوه كما عرفوا أبناءهم وآباءهم ومنه يعلم ما في قول بعضهم : إن القائلين هم المنافقون واليهود والمقول لهم المشركون وما فسرنا به الآية الكريمة مروي عن الحبر رضي الله تعالى عنه والله يعلم إسرارهم
26
- أي خفاءهم ما يقولونه لليهود أو كل قبيح ويدخل ذلك دخولا أوليا وقرأ الجمهور أسرارهم بفتح الهمزة أي يعلم الأشياء التي يسرونها ومنها قولهم

(26/75)


هذا الذي أظهره سبحانه لتفضيحهم وقال الإمام : الأظهر أن يقال المراد يعلم سبحانه ما في قلوبهم من العلم بصدق رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم وفيه ما لا يخفى والجملة اعتراض مقرر لما قبله متضمن للوعيد والفاء في قوله سبحانه : فكيف إذا توفتهم الملائكة لترتيب ما بعدها على ما قبلها وكيف منصوب بفعل محذوف هو العامل في الظرف كأنه قيل : يفعلون في حياتهم ما يفعلون من الحيل فكيف يفعلون إذا توفتهم الملائكة وقيل : مرفوع على أنه خبر لمبتدأمحذوف أي فكيف حالهم أو حيلتهم إذا توفتهم الخ وزعم الطبري أن التقدير فكيف علمه تعالى بأسرارهم إذا توفتهم الخ وليس بشيء ووقت التوفي هو وقت الموت والملائكة عليهم السلام ملك الموت وأعوانه وقرأ الأعمش توفاهم بالألف بدل التاء فاحتمل أن يكون ماضيا وأن يكون مضارعا حذف منه أحد تاءيه والأصل تتوفاهم يضربون وجوههم وأدبارهم
27
- حال من الملائكة وجوز كونه حالا من ضمير توفتهم وضعفه أبو حيان وهو على ما قيل تصوير لتوفتهم على أهوال الوجوه وأفظعها وإبراز لما يخافون منه ويجبنون عن القتال لأجله فإن ضرب الوجوه والأدبار في القتال والجهاد مما يتقي وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه لا يتوفى أحد على معصية إلا تضرب الملائكة في وجهه وفي دبره والكلام على الحقيقة عنده ولا مانع من ذلك وإن لم يحس بالضرب من حضر وما ذلك إلا كسؤال الملكين وسائر أحوال البرزخ
والمراد بالوجه قيل العضوان المعروفان أخرج ابن المنذر عن مجاهد أنه قال : يضربون وجوههم وأستاههم ولكن الله سبحانه كريم يكنى وقال الراغب وغيره : المراد القدام والخلف وقيل : وقت التوفي وقت سوقهم في القيامة إلى النار والملائكة ملائكة العذاب يومئذ وقيل : هو وقت القتال الملائكة ملائكة النصر تضرب وجوههم أن ثبتوا وأدبارهم إن هربوا نصرة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وكلا القولين كما ترى ذلك التوفي الهائل بأنهم أي بسبب أنهم اتبعوا ما أسخط الله من الكفر والمعاصي وكرهوا رضوانه نا يرضاه عز و جل من الإيمان والطاعات حيث كفروا بعد الإيمان وخرجوا عن الطاعة بما صنعوا من المعاملة مع إخوانهم اليهود : ما أسخط الله كتمان نعت الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ورضوانه ما يرضيه سبحانه من إظهار ذلك وهو مبني على ما تقدم إخبار عن اليهود وقد سمعت ما فيه ولما كان اتباع ما أسخط الله تعالى مقتضيا للتوجه ناسب ضرب الوجه وكراهة رضوانه سبحانه مقتضيا للأعراض ناسب ضرب الدبر ففي الكلام مقابلة بما يشبه اللف والنشر فأحبط لذلك أعمالهم
28
- التي عملوها حال إيمانهم من الطاعات وجوز أن يراد ما كان بعد أعمال البر التي لو عملوها حال الإيمان لانتفعوا يها
أم حسب الذين في قلوبهم مرض هم المنافقون الذين فصلت الشنيعة وصفوا بوصفهم السابق لكونه مدارا لما نعي عليهم بقوله تعالى : أن لن يخرج الله أضغانهم
29
- فأم منقطعة وأن مخففة من أن واسمها ضمير الشأن والجملة بعدها خبرها والأضغان جمع ضغن وهو الحقد وقيده الراغب بالشديد وقد ضغن بالكسر وتضاغن القوم واضطغنوا أبطنوا الأحقاد ويقال : أضطغنت الصبي إذا أخذته تحت حضنك وأنشد الأحمر
كأنه مضطغن صبيا
وفرس ضاغن لا يعطي ما عنده من الجري إلا بالضرب وأصل الكلمة من الضغن وهو الألتواء والأعوجاج في قوائم الدابة والقناة وكل شيء قال بشر : كذت الضغن تمشي في الرقاق وأنشد الليث

(26/76)


إن قناتي من صليب اتالقنا ما زادها التثقيف إلا ضغنا والحقد في القلب يشبه به وقتال الليث وقطرب الضغن العداوة قال الشاعر :
قل لابن هند ما أردت بمنطق ساء الصديق وشيد الأضغانا وهذا لا ينافي الأول لأن الحقد العداوة لأمر يخفيه المرء في قلبه والإخراج مختص بالأجسام والمراد به هنا الإبراز أي بل أحسب الذين في قلوبهم حقد وعداوة للمؤمنين أنه لن يبرز الله تعالى إلى أحقادهم ويظهرها للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم والمؤمنين فتبقى مستورة والمعنى إن ذلك مما لا يكاد يدخل تحت الأحتمال
ولو نشاء إراءتك إياهم لأريناكهم أي لعرفناكهم على أن الرؤية علمية فلعرفتهم بسيماهم تفريع لمعرفته صلى الله تعالى عليه وسلم على تعريف الله عز و جل ويجوز أن تكون الرؤية بصرية على أن المعنى أنه صلى الله تعالى عليه وسلم يعرفهم معرفة متفرعة على إراءته إياهم والإلتفات إلى نون العظمة للإيماء إلى العناية بالإراءة والسيما العلامة والمعنى هنا على الجمع لعمومها بالإضافة لكنها أفردت للإشارة إلى أن علاماتهم متحدة الجنس فكأنها شيء واحد أي فلعرفتهم بعلامات نسمهم بها ولام فلعرفتهم كلام لأريناكهم الواقعة في جواب لو لأن المعطوف على الجواب جواب وكررت في المعطوف للتأكيد وأما التي في قوله تعالى : ولتعرفنهم في لحن القول فواقعة في جواب قسم محذوف والجملة معطوفة على الجملة الشرطية ولحن القول أسلوب من أساليبه مطلقا أو المائلة عن الطريق المعروفة كأن يعدل عن ظاهره من التصريح إلى التعريض والإبهام ولذا سمي خطأ الأعراب به لعدوله عن الصواب وقال الراغب : اللحن صرف الكلام عن سننه الجاري عليه إما بإزالة اراب أو التصحيف وهو المذموم وذلك أكثر استعمالا وأما بإزالته عن التصريح وصرفه بمعناه إلى تعريض وفحوى وهو محمود من حيث البلاغة وإليه أشار بقوله الشاعر عند أكثر الأدباء :
منطق صائب وتلحن أحيانا وخير الحديث ما كان لحنا وإياه قصد بقوله تعالى : ولتعرفهم في لحن القول وفي البحر يقال : لحنت له بفتح الحاء ألحن لحنا قلت له قولا لا يفهمه عنك ويخفى على غيره ولحنه هو بالكسر فهمه والحنته أنا إياه ولاحنت الناس فأطنتهم وقيل : لحن القول الذهاب عن الصواب وعن ابن عباس لحن القول هنا قولهم ما لنا أن أطعنا من الثواب ولا يقولون ما علينا أن عصينا من العقاب وكان هذا الذي ينبغي منهم وقال بعض من فسره بالأسلوب المائل عن الطريق المعروفة : إنهم كانوا يصطلحون فيما بينهم على ألفاظ يخاطبون بها الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم مما ظاهره حسن ويعنون به القبيح وكانوا أيضا يتكلمون بما يشعر بالأتباع وهم بخلاف ذلك كقولهم إذا دعاهم المؤمنون إلى نصرهم : إنا معكم والجملة إنهم كانوا يتكلمون بكلام ذي دسائس وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يعرفهم بذلك وعن أنس رضي الله تعالى عنه ما خفى بعد هذه الآية على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شيء من المنافقين كان عليه الصلاة و السلام يعرفهم بسيماهم ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة من المنافقين يشكوهم الناس فناموا ذات ليلة وأصبحوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب هذا منافق وفي دعواه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يعرفهم بسيماهم أشكال فإن لو ظاهر عدم الوقوع بل المناسب معرفتهم من لحن القول وكأنه حمله على أنه وعد الوقوع دال على الأمتناع فيما سلف ولقد صدق وعده واستشهد عليه بما اتفق في بعض الغزوات ولا تنحصر السيما بالكتابة

(26/77)


بل تكون بغيرها أيضا مما يعرفهم به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما يعرف القائف حال الشخص بعلامات تدل عليه وكثيرا ما يعرف الإنسان محبه ومبغضه من النظر ويكاد النظر ينطق بما في القلب وقد شاهدنا غير واحد يعرف السني والشيعي بسمات في الوجه إن صح أن بعض الأولياء قدست أسرارهم كان يعرف البر والفاجر والمؤمن والكافر ويقول أشم من فلان رائحة الطاعة ومن فلان رائحة المعصية ومن فلان رائحة الإيمان ومن فلان رائحة الكفر ويظهر الأمر حسبما أشار فرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بتلك المعرفة أولى وأولى ولعلها بعلامات وراء طور عقولنا والنور المذكور في خير اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى متفاوت الظهور بحسب القابليات وللنبي صلى الله تعالى عليه وسلم أتمة وذكروا من علامات النفاق بغض علي كرم الله تعالى وجهه
فقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا ببغضهم على بن أبي طالب وأخرج هو وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري ما يؤيده وعندي أن بغضه رضي الله تعالى من أقوى علامات النفاق فإن آمنت بذلك فياليت شعري ماذا تقول في يزيد الطريد أكان يحب عليا كرم الله تعالى وجهه أم كان يبغضه ولا أظنك في مرية من أنه عليه اللعنة كان يبغضه رضي الله تعالى عنه أشد البغض وكذا يبغض ولديه الحسن والحسين على جدهما وأبويهما وعليهما الصلاة والسلام كما تدل على ذلك الآثار المتواترة معنى وحينئذ لا مجال لك من القول بأن اللعين كان منافقا وقد جاء في الأحاديث الصحيحة علامات للنفاق غير ما ذكر كقوله عليه الصلاة و السلام : علامات المنافق ثلاث الحديث لكن قال العلماء هي علامات للنفاق العملي لا الإيماني وقيل : الحديث خارج مخرج التنفير عن اتصاف المؤمن المخلص بشيء منها لما أنها كانت إذ ذاك من علامات المنافقين واستدل بقوله تعالى : ولتعرفنهم في لحن القول من جعل التعريض بالقذف موجب الحد ولا يخفى حاله والله يعلم أعمالكم
30
- فيجازيكم عليها بحسب قصدكم وهذا على ما قيل وعد للمؤمنين وإيذان بأن حالهم بخلاف حال المنافقين وقيل : وعيد للمنافقين وإيذان لهم بأن المجزي عليه ما يقصدونه لا ما يعرضون أو يورون به واستظهر أنه خطاب عام فهو وعد ووعيد وحمل على العموم قوله تعالى : ولنبلونكم بالأمر بالجهاد ونحوه من التكاليف الشاقة حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين على مشاق التكاليف علما فعليا يتعلق به الجزاء وفي معناه ما قيل : أي حتى يظهر علمنا وقال ابن الحاجب في ذلك : العلم يطلق باعتبار الرؤية والشيء لا يرى حتى يقع يعني على المشهور وهو هنا بمعنى ذلك أو بمعنى المجازاة والمعنى حتى نجازي المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم
31
- فيظهر حسنها وقبيحها والكلام كناية عن بلاء أعمالهم فإن الخبر حسنه وقبيحه على حسب المخبر عنه فإذا تميز الحسن عن الخبر القبيح فقد تميز المخبر عنه وهو العمل كذلك وهذا أبلغ من نبلو أعمالكم والظاهر عموم الأخبار وجوز كون المراد بها أخبارهم عن إيمانهم وموالاتهم للمؤمنين على أن إضافتها للعهد ونبلو أخبار إيمانكم وموالاتكم فيظهر صدقها وكذبها وقرأ أبو بكر الأفعال الثلاثة المسندة إلى ضمير العظمة بالياء وقرأ رويس ونبلو بالنون وسكون الواو والأعمش بسكونها وبالياء فالفعل مرفوع بضمة مقدرة بتقدير ونحن نبلو والجملة حالية وجوز أن يكون منصوبا كما في قراءة الجمهور سكن للتخفيف كما في قوله :
أبى الله أن أسمو بام ولام أب
إن الذين كفروا وصدوا الناس عن سبيل الله وشاقوا الرسول صاروا في شق غير شقه والمراد

(26/78)


عادوه من بعد ما تبين لهم الهدى لما شاهدوا من نعته عليه الصلاة و السلام في التوراة أو بما ظهر على يديه صلى الله عليه و سلم من المعجزات ونزل عليه عليه الصلاة و السلام من الآيات وهم بنو قريظة والنظير أو المطعمون يوم بدر وقد تقدم ذكرهم وقيل : أناس نافقوا بعد أن آمنوا لن يضروا الله بكفرهم وصدهم شيئا من الأشياء أو شيئا من الضرر أو لن يضروا رسول الله صلى الله عليه و سلم بمشاقته شيئا وقد حذف المضاف لتعظيمه عليه الصلاة و السلام بجعل مضرته وما يلحقه كالمنسوب إلى الله تعالى وفيه تفظيع مشاقته صلى الله تعالى عليه وسلم
وسيحيط أعمالهم
32
- في مكايدهم التي نصبوها في إبطال دينه تعالى ومشاقة رسوله عليه الصلاة و السلام فلا يصلون بها إلى ما كانوا يبغون من الغوائل ولا تثمر لهم إلا القتل والجلاء عن أوطانهم ونحو ذلك وجوز أن يراد أعمالهم التي عملوها في دينهم يرجون بها الثواب
يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم
33
- قيل : إن بني أسد أسلموا وقالوا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : قد آثرناك وجئناك بنفوسنا وأهلنا كأنهم منوا بذلك فنزلت فيهم هذه وقوله تعالى : يمنون عليم أن أسلموا ومن هنا قيل المعنى لا تبطلوا أعمالكم بالمن وبالأسلام وعن ابن عباس بالرياء والسمعة وعنه أيضا بالشك والنفاق وقيل بالعجب فإنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب وقيل : المراد بالأعمال الصدقات أي تبطلوها بالمن والأذى وقيل : لا تبطلوا طاعاتكم بمعاصيكم أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة أنه في الآية : من استطاع منكم أن لا يبطل عملا صالحا بعمل سوء فليفعل ولا قوة إلا بالله تعالى وأخرج عبد بن حميد ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم فخافوا أن يبطل الذنب العمل ولفظ عبد ابن حميد فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالهم وأخرج ابن نصر وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال كنا معاشر أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبولا حتى نزلت أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم فلما نزلت هذه الآية قلنا : ما هذا الذي يبطل أعمالنا فقلنا : الكبائر الموجبات والفواحش فكما إذا رأينا من أصحاب شيئا منها قلنا : قد هلك حتى نزلت هذه الآية إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك وكنا إذا رأينا أحدا أصاب منها شيئا خفنا عليه وإن لم يصب منها شيئا رجونا له واستدل المعتزلة بالآية على أن الكبائر تحبط الطاعات بل الكبيرة الواحدة تبطل مع الأصرار الأعمال ولو كانت بعدد نجوم السماء وذكروا في ذلك من الأخبار ما ذكروا وفي الكشف لا بد في هذا المقام من تحرير البحث بأن يقال : إن أراد المعتزلة أن نحو الزنا إذا عقب الصلاة يبطل ثوابها مثلا لا دليل عليه نقلا وعقلا بل هما متعادلان على ما دل عليه صحاح الأحاديث وكفى بقوله تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره حجة بالغة وإن أرادوا أن عقابه قد يكبر حتى لا يعاد له صغار الحسنات فهذا صحيح والكلام حينئذ في تسميته أحباطا ولا بأس به لكن عندنا أن هذا الأحباط غير لازم وعندهم لازم وهو مبني على جواز العفو وهي مسئلة

(26/79)


أخرى وأما الكبيرة التي تختص بذلك العمل كالعجب ونحو المن والأذى بعد التصدق فهي محبطة لا محالة اتفاقا وعليه يحمل ما نقل من الآثار ومن لا يسميه إحباطا لأنه يجعله شرطا للقبول والأحباط أن يصير الثواب زائلا وهذا لا يتأتى إذا لم يثبت له ثواب فله ذلك وهو أمر يرجع إلى الأصطلاح انتهى وهو من الحسن بمكان وإعادة الفعل في وأطيعوا الرسول للأهتمام بشأن إطاعته عليه الصلاة و السلام إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله امتنعوا عن الدخول في الأسلام وسلوك طريقه أو صدوا الناس عنه ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم
34
- نزلت في أهل القليب كما قيل وحكمها عام كما قال غير واحد في كل من مات على كفره وهو ظاهر على التفسير الأول لصدوا عن سبيل الله وأما على التفسير الثاني له فقيل عليه : إن العموم مع تخصيص الكفر بصد الناس عن الإسلام محل نظر ويفهم من كلام بعض الأجلة أن العموم لأن مدار عدم المغفرة هو الأستمرار على الكفر حسبما يشعر اعتباره قيدافي الكلام فتدبر واستدل بمفهوم الآية بعض القائلين بالمفهوم على أنه تعالى قد يغفر لمن لم يمت على كفره سائر ذنوبه فلا تهنوا أي إذا علمتم أن الله تعالى مبطل أعمالهم ومعاقبتهم فهو خاذلهم في الدنيا والآخرة فلا تبالوا بهم ولا تظهروا ضعفا فالهاء فصيحة في جواب شرط مفهوم مما قبله وقيل : هي لترتيب النهي على ما سبق من الأمر بالطاعة وتدعوا إلى السلم عطف على تهنوا داخل في حيز النهي أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح خورا وإظهارا للعجز فإن ذلك إعطاء الدنية وجوز أن يكون منصوبا بإضمار أن فيضعف المصدر المسبوك على مصدر متصيد مما قبله كقوله : لا تنه عن خلق وتأتي مثله
واستدل ألكيا بهذا النهي على منع مهادنة الكفار إلا عند الضرورة وعلى تحريم ترك الجهاد إلا عند العجز وقرأ السلمي وتدعوا بتشديد الدال من ادعى بمعنى دعا وفي الكشاف ذكر لا في هذه القراءة ولعلي ذلك رواية أخرى وقرأ الحسن وأبو رجاء والأعمش : وعيسى وطلحة وحمزة وأبو بكر السلم بكسر السين وأنتم الأعلون أي الأغلبون والعلو بمعنى الغلبة مجاز مشهور والجملة حالية مقررة لمعنى النهي مؤكدة لوجوب الأنتهاء وكذا قوله تعالى : والله معكم أي ناصركم فإن كونهم الأغلبين وكونه عز و جل ناصرهم من أقوى موجبات الأجتناب عما يوهم الذل والضراعة
وقال أبو حيان : يجوز أن يكونا جملتين مستأنفتين أخبروا أو لا أنهم الأعلون وهو إخبار بمغيب أبرزه الوجود ثم ارتقى إلى رتبة أعلى من التي قبلها وهي كون الله تعالى معهم ولن يتركم أعمالكم
35
- قال : ولن يظلمكم وقيل : ولن ينقصكم وقيل : ولن يضيعها وهو كما قال أبو عبيد والمبرد من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا من ولد أو أخ أو حميم أو سلبته ماله وذهبت به قال الزمخشري : وحقيقته ألإهمن قريبه أو ماله من الوتر وهو الفرد فشبه إضاعة عمل العامل وتعطيل ثوابه بوتر الواتر وهو من فصيح الكلام وفيه هنا من الدلالة على مزيد لطفالله تعالى ما فيه ومنه قوله صلى الله عليه و سلم : من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله والظاهر على ما ذكره أنه لا بد من تضمين وترته معنى السلب ونحوه ليتعدى إلى المفعول الثاني بنفسه وفي الصحاح أنه من الترة وحمله على نزع الخافض أي جعلته موتورا لم يدرك ثاره في ذلك كأنه نقصه فيه وجعله نظير دخلت البيت أي فيه وهو سديد أيضا
وجوز بعضهم يتر ههنا متعديا لواحدا و أعمالكم بدل من ضمير الخطاب أي لن يتر أعمالكم من ثوابها

(26/80)


والجملة قيل معطوفة على قوله تعالى : معكم وهي وإن تقع حالا استقلالا لتصديرها بحرف الأستقبال المنافي للحال على ما صرح به العلامة التفتازاني وغيره لكنه يغتفر التابع ما لا يغتفر في غيره وقيل : المانع من وقوع المصدرة بحرف الأستقبال حالا مخالفته للسماع وإلا فلا مانع من كونها حالا مقدرة مع أنه يجوز أن تكون لن لمجرد تأكيد النفي والظاهر أن المانعين بنوا المنع على المنافاة وإنها إذا زالت باعتبار أحد الأمرين فلا منع لكن قيل : إن الحال المقصود منها بيان الهيئة على الحال الذي هو أحد الأزمنة والمنافاة إنما هي بين هذا الحال والأستقبال وهذا نظير ما قال مجوزو مجيء الجملة الماضية حالا بدون قد وما لذلك وما عليه في كتب النحو وإذا جعلت الجملة قبل مستأنفة لم يكن إشكال في العطف أصلا
إنما الحياة الدنيا لعب ولهو لا ثبات لها ولا اعتداد بها وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم أي ثواب إيمانكم وتقواكم من الباقيات الصالحات التي يتنافس فيها المتنافسون ولا يسألكم أموالكم
36
- عطف على الجزاء والأضافة للأستغراق والمعنى إن تؤمنوا لا يسألكم جميع أموالكم كما يأخذ من الكافر جميع ما له وفيه مقابلة حسنة لقوله تعالى : يؤتكم أجوركم كأنه قيل : يعطكم كل الأجور ويسألكم بعض المال وهو ما شرعه سبحانه من الزكاة وقول سفيان بن عيينة أي لا يسألكم كثيرا من أموالكم إنما يسألم ربع العشر فطيبوا أنفسكم بيان لحاصل المعنى وقيل : أي لا يسألأكم ما هو ما لكم حقيقة وإنما يسألأكم ما له عز و جل وهو المالك لها حقيقة وهو جل شأنه المنعم عليكم بالأنتفاع بها وقيل : أي لا يسألكم أموالكم لحاجته سبحانه إليها بل ليرجع اتفاقكم إليكم وقيل : أي لا يسألكم الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم شيئا من أموالكم أحرا على تبليغ الرسالة كما قال تعالى : قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ووجه التعليق عليها غير ظاهر وفي بعضها أيضا ما لا يخفى إن يسألكموها أي أموالكم فيحفكم فيجهدكم بطلب الكل فإن الإخفاء والإلحاف المبالغة وبلوغ الغاية في كل شيء يقال : أحفاه في المسئلة إذا لم يترك شيئا من الإلحاق وأحفى شاربه استأصله وأخذه أخذا متناهيا وأصل ذلك على ما قال الراغب : من أحفيت الدابة جعلته حافيا أي منسحج الحافر والبعير جعلته منسج الفرسن من المشي حتى يرق تبخلوا جواب الشرط والمراد بالبخل هنا ترك الأعطاء إذ هو على المعنى المشهور أمر طبيعي لا يترتب على السؤال ويخرج أضغانكم
37
- أي أحقادكم لمزيد حبكم للمال وضمير يخرج لله تعالى ويعضده قراءة يعقوب ورويت أيضا عن ابن عباس ونخرج بالنون مضمومة وجوز أن يكون للسؤال أو للبخل فإنه سبب إخراج الأضغان والأسناد على ذلك مجازي وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو ويخرج بالرفع على الأستئناف وجوز جعل الجملة حالا بتقدير وهو يخرج وحكاها أبو حاتم عن عيسى وفي اللوامح عن عبد الوارث عن أبي عمرو ويخرج بالياء التحتية وفتحها وضم الراء والجيم أضغانكم بالرفع على الفاعلية
وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن سيرين وابن محيصن وأيوب بن المتوكل واليماني وتخرج بتاء التأنيث ورفع أضغانكم وقريء ويخرج بضم الياء التحتية وفتح الراء أضغانكم رفعا على النيابة عن الفاعل وهي

(26/81)


مروية عن عيسى إلا أنه فتح الجيم بإضمار أن فالواو عاطفة على مصدر متصيد أي يكن بخلكم وإخراج أضغانكم
ها أنتم هؤلاء أي أنتم أيها المخاطبون هؤلاء الموصوفون بما تضمنه قوله تعالى : إن يسألكموها الخ والجملة مبتدأ وخبر وكررت ها التنبيهية للتأكيد وقوله سبحانه : تدعون لتنفقوا في سبيل الله الخ استئناف مقرر ومؤكد لذلك لاتحاد محصل معناهما فإن دعوتهم للأنفاق هو سؤل الأموال منهم وبخل ناس منهم هو معنى عدم الأعطاء المذكور مجملا أولا أو أصله لهؤلاء على أنه بمعنى الذين فإن اسم الإشارة يكون موصولا مطلقا عند الموفيين وأما البصريون فلم يثبتوا اسم الإشارة موصولا إلا إذا تقدمه ما الأستفهامية باتفاق أو من الأستفهامية باختلاف والإنفاق في سبيل الله تعالى هو الأنفاق المرضي له تعالى شأنه مطلقا فيشمل النفقة للعيال والأقارب والغزو وإطعام الضيوف والزكاة وغير ذلك وليس مخصوصا بالأنفاق للغزو أو بالزكاة كما قيل
فمنكم من يبخل أي ناس يبخلون ومن يبخل فإنما يبخل على نفسه فلا يتعدى ضرر بخله إلى غيرها يقال : بخلت عليه وبخلت عنه لأنه البخل عنه لأن البخل فيه معنى المنع ومعنى التضييق على من منع عنه المعروف والأضرار فناسب أن يعدي بعن للأول وبعلى للثاني وظاهر أن من منع المعروف عن نفسه فإضراره عليها فلا فرق بين اللفظين في الحاصل وقال الطيبي : يمكن أن يقال يبخل عن نفسه على معنى يصدر البخل عن نفسه لأنها مكان البخل ومنبعه كقوله تعالى : ومن يوق شح نفسه وهو كما ترى والله الغني لا غيره عز و جل وأنتم الفقراء الكاملون في الفقر فيما يأمركم به سبحانه فهو لاحتياجكم إلى ما فيه من المذاق التي لا تقتضي الحكمة أيضا لها بدون ذلك فإن امتثلتم فلكم وإن توليتم فعليكم وقوله تعالى : وإن تتولوا عطف على قوله سبحانه : إن تؤمنوا أي وإن تعرضوا عن الإيمان والتقوى يستبدل قوما غيركم يخلق مكانكم قوما آخرين وهو كقوله تعالى : يأت بخلق جديد ثم لا يكونوا أمثالكم
38
- في التولي عن الإيمان والتقوى بل يكونون راغبين فيهما
وثم للتراخي حقيقة أو لبعد المرتبة عما قبل والمراد بهؤلاء القوم أهل فارس فقد أخرج عبد الرزاق وعبد ابن حميد وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل والترمذي وهو حديث صحيح على شرط مسلم عن أبي هريرة قال : تلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هذه الآية وإن تتولوا الخ فقالوا : يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونون أمثالنا فضرب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على منكب سلمان ثم قال : هذا وقومه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس
وجاء في رواية ابن مردويه عن جابر الدين بدل الإيمان وقيل : هم الأنصار وقيل : أهل اليمن وقيل : كندة والنخع وقيل : العجم وقيل : الروم وقيل : الملائكة وحمل القوم عليهم بعيد في الأستعمال وحيث صح الحديث فهو مذهبي
والخطاب لقريش أو لأهل المدينة قولان والظاهر أنه للمخاطبين قبل والشرطية غير واقعة فعن الكلبي شرط في الأستبدال توليهم لكنهم لم يتولوا فلم يستبدل سبحانه قوما غيرهم والله تعالى أعلم ومما قاله بعض أرباب الأشارة في بعض الآيات يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم نصرة الله تعالى من العبد على وجهين صورة ومعنى أما نصرته تعالى في الصورة فنصرة دينه جل شأنه بإيضاح الدليل وتبيينه وشرح فرائضه وسننه وإظهار معانيه وأسراره وحقائقه بالجهاد عليه وإعلاء كلمته وقمع أعدائه وأما نصرته في المعنى فبا فناء الناسوت

(26/82)


في اللاهوت ونصرة الله سبحانه للعبد على وجهين أيضا صورة ومعنى أما نصرته تعالى للعبد في الصورة فبإرسال الرسل وإنزال الكتب وإظاهر المعجزات والآيات وتبيين السبل إلى النعيم والجحيم ثم بالأمر بالجهاد الأصغر والأكبر وتوفيق السعي فيهما طلبا لرضاه عز و جل وأما نصرته تعالى له في المعنى فبإفناء وجوده في وجوده سبحانه بتجلي صفات جماله وجلاله مثل الجنة التي وعد المتقون يشير إلى جنة قلوب أرباب الحقائق الذين اتقوا عما سواه جل وعلا فيها أنهار من ماء غير آسن هو ماء الحياة الروحانية لم يتغير بطول المكث وأنهار من لبن وهو العلم الحقاني الذي هو غذاء الأرواح أو لبن الفطرة التي فطر الناس عليها لم يتغير طعمه بحموضة الشكوك والأوهام أو الأهواء والبدع وأنهار من خمر لذة للشاربين وهي خمر الشوق والمحبة : يقولون لي صفها فأنت بوصفها خبير أجل عندي بأوصافها علم صفاء ولا ماء ولطف ولا هوى ونور ولا نار وروج ولا جسم وأنهار من عسل وهو عسل الوصال مصقى عن كدر الملال وخوف الزوال ولهم فيها من كل الثمرات اللذائذ الروحانية ومغفرة من ربهم ستر لذنب وجودهم كما قيل
وجودك ذنب لا يقاس به ذنب
كمن هو خالد في النار نار الجفاء وسقوا ماء حميما وهو ماء الخذلان فقطع أمعاءهم من الحرمان ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم وهي ظلمة في وجودهم تدرك بالنظر الألهي قيل : المؤمن ينظر بنور الفراسة والعارف بنور التحقيق والنبي عليه الصلاة و السلام ينظر بالله عز و جل وقيل : كل من رزق قرب النوافل ينظر به تعالى لحديث لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به الحديث وحينئذ يبصر كل شيء ومن هنا كان الأولياء الكاملين يرى على ما حكي عنه أعمال العباد حين يعرج بها وسبحان السميع البصير اللطيف الخبير
سورة الفتح
نزلت بالمدينة على ما روي عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم والأخبار تدل على أنها نزلت في السفر لا قي المدينة نفسها وهو الصحيح أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود والنسائي وجماعة عن ابن مسعود قال : أقبلنا من الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه و سلم عام ست بعد الهجرة وكان قد خرج إليها عليه الصلاة و السلام يوم الأثنين هلال ذي القعدة فأقام بها بضعة عشر يوما وقيل : عشرين يوما ثم قفل عليه الصلاة و السلام فبينما نحن نسير إذ أتاه الوحي وكان إذا أتاه اشتد عليه فسرى عنه وبه من السرور ما شاء الله تعالى فأخبرنا أنه أنزل عليه إنا فتحنا لك فتحا مبينا وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن حبان وابن مرويه عن عمر بن الخطاب قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في سفر فسألته عن شيء ثلاث مرات فلم يرد علي فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل في القرآن فما نشبت إذ سمعت صارخا يصرخ بي فوجفت وأنا أظن أنه نزل في شيء فقال النبي صلى الله عليه و سلم : لقد أنزلت علي الليلة سورة أحب إلي من الدنيا وما فيها إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر وفي حديث صحيح أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما عن مجمع بن جارية الأنصاري ما يدل على أنها نزلت بعد منصرفه صلى الله عليه و سلم من الحديبية أيضا وأن ذلك عند كراع الغميم فقرأها عليه الصلاة و السلام على الناس وهو على راحلته وفي رواية ابن سعد عنه

(26/83)


ما يدل على أنها بضجنان ونقل ذلك عن البقاعي وضجنان بضاد معجمة وجيم ونونين بينهما ألف بزنة سكران كما في القاموس جبل قرب مكة وهذا ونحوه قول بنزولها بين مكة والمدينة ومثل ذلك يعد مدنيا على المشهور وهو أن المدني ما نزل بعد الهجرة سواء نزل بالمدينة أم بمكة أم بسفر من الأسفار والمكي ما نزل قبل الهجرة وأما على القول بأن المكي ما نزل ولو بعد الهجرة بمكة ويدخل فيها كما قال الجلال السيوطي نواحيها كمنى وعرفات والحديبية بل بعضها على ما في الهداية وأكثرها على ما قال المحب الطبري من حرم مكة والمدني ما نزل بالمدينة ويدخل فيها كما قال أيضا نواحيها كأحد وبدر وسلع فلا بل يعد على القول بأنه نزل قرب مكة مكيا فالقول بأن السورة مدنية بلا خلاف فيه نظر ظاهر وهي تسع وعشرون آية بالأجماع ولا يخفى حسن وضعها هنا لأن الفتح بمعنى النصر مرتب على القتال وفي كل من ذكر المؤمنين المخلصين والمنافقين والمشركين ما فيه وقد ذكر أيضا في الأولى الأمر بالأستغفار وذكر هنا وقوع المغفرة وذكرت الكلمة الطيبة هناك بلفظها الشريف وكني عنها بكلمة التقوى بناء على أشهر الأقوال فيها وستعرفها إن شاء الله تعالى إلى غير ذلك وفي البحر وجه مناسبتها لما قبلها أنه لما تقدم وإن تتولوا الآية وهو خطاب لكفار قريش أخبر سبحانه رسوله صلى الله عليه و سلم بالفتح العظيم وأنه بهذا الفتح حصل الأستبدال وأمن كل من كان بمكة وصارت دار إيمان وفيه ما لا يخفى وفي الأخبار السابقة ما يدل على جلالة قدرها وفي حديث مجمع بن جارية الذي أخرجه عنه ابن سعد لما نزل بها جبريل عليه السلام قال : نهنيك يا رسول الله فلما هناه جبريل عليه السلام هناه المسلمون ويحكى أنه من قرأها أول ليلة من رمضان حفظ ذلك العام ولم يثبت ذلك في خبر صحيح والله تعالى أعلم
بسم الله الرحمن الرحيم إنا فتحنا لك إخبار عن صلح الحديبية عند الجمهور وروي ذلك عن ابن عباس وأنس والشعبي والزهري قال ابن عطية : وهو الصحيح وأصل الفتح إزالة الإغلاق وفتح البلد كما في الكشاف الظفر به عنوة أو صلحا بحرب أو بغيره لأنه منغلق ما لم يظفر به فإذا ظفر به وحصل في اليد فقد فتح وسمي ذلك الصلح فتحا لاشتراكهما في الظهور والغلبة على المشركين فإنهم كما قال الكلبي ما سألوا الصلح إلا بعد أن ظهر المسلمون عليهم وعن ابن عباس أن المسلمين رموهم أي بسهام وحجارة كما قيل حتى أدخلوهم ديارهم أو لأن ذلك الصلح صار سببا لفتح مكة قال الزهري : لم يكن أعظم من صلح الحديبية اختلط المشركون بالمسلمين وسمعوا كلامهم وتمكن الإسلام من قلوبهم وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير وكثر بهم سواد الأسلام قال القرطبي : فما مضت تلك السنون إلا والمسلمون قد جاؤا إلى مكة في عشرة الآف ففتحوها والتسمية على الأول من باب الأستعارة التبعية كيفما قررت وعلى الثاني من باب المجاز المرسل سواء قلنا إنه مثل تبعي أم لا حيث سمي السبب باسم المسبب ولا مانع من أن يكون بين شيئين نوعان من العلاقة فيكون استعمال أحدهما في الآخر باعتبار كل نوعا من المجاز كما في المشفر والشفة الغليظة لأنسان وإسناد الفتح المراد به الصلح الذي هو فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم إليه عز و جل مجاز من إسناد ما للقابل للفاعل الموجد وفي ذلك من تعظيم شأن الصلح والرسول عليه الصلاة و السلام ما فيه لا يقال قد تقرر في الكلام أن الأفعال كلها مخلوقة له تعالى فنسبة الصلح إليه سبحانه إسناد إلى ما هو له فلا مجاز لأنا نقول : ما هو له عبارة عما كان الفعل حقه أن يسند إليه في العرف سواء كان مخلوقا له تعالى أو لغيره عز و جل كما صرح به السعد في المطول وكيف لا ولو كان كذلك لكان إسناد جميع الأفعال إلى غيره تعالى مجازا وإليه حقيقة كالصلاة والصيام وغيرهما

(26/84)


وقال المحقق ميرزاجان : يمكن توجيه ما في الآية الكريمة على أنه استعارة مكنية أو على أن يراد خلق الصلح وإيجاده أو على أن يكون المجاز في الهيئة التركيبية الموضوعة للأسناد إلى ما هو له فاستعملت في الأسناد إلى غيره أو على أن يكون من قبيل الأستعارة التمثيلية والأوجه الأربعة جارية في كل ما كان من قبيل المجاز العقلي كأنبت الربيع البقل وقد صرح القوم بالثلاثة الأول منها وزعم بعض أن الصلح مما يسند إليه تعالى حقيقة فلا يحتاج إلى شيء من ذلك وفيه ما فيه ويجوز أن يكون ذلك إخبارا عن جعل المشركين في الحديبية مغلوبين خائفين طالبين للصلح ويكون الفتح مجازا عن ذلك وإسناده إليه تعالى حقيقة وقد خفى كون ما كان في الحديبية فتحا على بعض الصحابة حتى بينه عليه الصلاة و السلام أخرج البيهقي عن عروة قال : أقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم من الحديبية راجعا فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : والله ما هذا بفتح لقد صددنا عن البيت وصد هدينا وعكف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالحديبية ورد رجلين من المسلمين خرجا فبلغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك فقال : بئس الكلام هذا بل هو أعظم الفتح لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألونكم القضية ويرغبون إليكم الأمان وقد كرهوا منكم ما كرهوا وقد أظفركم الله عليهم وردكم سالمين غانمين مأجورين فهذا أعظم الفتح أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلون على أحد وأنا أدعوكم في أخراجكم أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذا زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون قال المسلمون : صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح والله يا نبي الله ما فكرنا فيما ذكرت ولأنت أعلم بالله بالأمور منا وفائدة الخبر بالفتح على الوجهين بالنسبة إلى غيره عليه الصلاة و السلام لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم يعلم ذلك وكذا يعلم لازم الفائدة كذا قيل
وحمل الغير على من لم يحضر الفتح من الصحابة وغيرهم لأن الحاضرين علموا ذلك قبل النزول وقيل : الحاضر إنما علم وقوع الصلح أو كون المشركين بحيث طلبوه ولم يعلم كونه فتحا كما يشعر به الخبر وإن سلم أنه علم ذلك لكنه لم يعلم عظم شأنه على ما يشعر به إسناده إلى نون العظمة والأخبار به بذلك الأعتبار
وقال بعض المحققين : لعل المقصود بالأفادة كون ذلك للمغفرة وما عطف عليها فيجوز أن تكون الفائدة بالنسبة إليه صلى الله تعالى عليه وسلم أيضا وأقول : قد صرحوا بأنه كثيرا ما تورد الجملة الخبرية لأغراض أخر سوى إفادة الحكم أو لازمه نحو رب إني وضعتها أنثى رب وهن العظم مني لا يستوي القاعدون من المؤمنين الآية إلى غير ذلك مما لا يحصى فيجوز أن يكون الغرض من إيرادها ههنا الأمتنان دون إفادة الحكم أو لازمه ولا مجاز في ذلك ونحوه على ما أشار إليه العلامة عبد الحكيم السالكوتي في حواشيه على المطول
وصرح في الرسالة الجندية بأن الهيئة التركيبية الخبرية في نحو ذلك منقولة إلى الإنشائية وإن المجاز في الهيئة فقط لا في الأطراف ولا في المجموع وهو مجاز مفرد عند صاحب الرسالة والكلمة أعظم من اللفظ الحقيقي والحكمي وبعضهم يقول هو مجاز مركب ولا ينحصر في التمثيلية وتحقيقه في موضعه
والتأكيد بأن للأعتناء لا لرد الإنكار وقيل لأن الحكم لعظم شأنه مظنة للأنكار وقيل : لأن بعض السامعين منكر كون ما وقع فتحا ويقال في تكرير الحكم نحو ذلك وقال مجاهد : المراد بالفتح فتح خيبر وهي مدنية كبيرة ذات حصون ومزارع على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام وكان خروج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كما قال ابن إسحاق ورجحه الحافظ ابن حجر في بقية المحرم سنة سبع وأقام بحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها

(26/85)