صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ روح المعاني - الألوسي ]
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : محمود الألوسي أبو الفضل
الناشر : دار إحياء التراث العربي - بيروت
عدد الأجزاء : 30

أبكاني البين حتى رأيت غسلي بعيني وقيل المراد رؤية وقت ذلك وليس بذاك والامر على تقدير كونها بمعنى المعرفة ظاهر لأنهم قد عرفوا ذهاب ملكهم وهلاكهم لما شاهدوه من ظهور أولئك المستضعفين عليهم وطلوع طلائعه من طرق خذلانهم وفسر بعضهم الموصول بظهور موسى عليه السلام وهو خلاف الظاهر المؤيد بالآثار وكأن ذلك منه لخفاء وجه تعلق رؤية فرعون ومن معه بذهاب ملكهم وهلكهم عليه وقد علمت وجهه وقرأ عبد الله وحمزة والكسائي ويرى بالياء مضارع رأى وفرعون بالرفع على الفاعلية وكذأ ما عطف عليه وأوحينا إلى أم موسى قيل هي محيانة بنت يصهر بن لاوي وقيل يوخابذ وقيل يارخا وقيل يارخت وقيل غير ذلك والظاهر أن الايحاء اليها كان بارسال ملك ولا ينافي حكاية أبي حيان الاجماع على عدم نبوتها لما أن الملائكة عليهم السلام قد ترسل إلى غير الأنبياء وتكلمهم والى هذا ذهب قطرب وجماعة وقال مقاتل منهم : إن الملك المرسل اليها هو جبريل عليه السلام وعن ابن عباس وقتادة أنه كان إلهاما ولا يأباه قوله تعالى : إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين نعم هو أوفق بالاول وقال قوم : إنه كان رؤيا منام صادقة قص فيها أمره عليه السلام وأوقع الله تعالى في قلبها اليقين وحكي عن الجبائي أنها رأت في ذلك رؤيا فقصتها على من تثق به من علماء بني إسرائيل فعبرها لها وقيل كان باخبار نبي في عصرها إياها والظاهر أن هذا الايحاء كان بعد الولادة وفي الاخبار ما يشهد له فيكون في الكلام جملة محذوفة وكأن التقدير والله تعالى أعلم : ووضعت موسى أمه في زمن الذبح فلم تدر ما تصنع في أمره وأوحينا اليها أن أرضعيه وقيل : كان قبل الولادة وأن تفسيرية أو مصدرية والمراد أن أرضعيه ما أمكنك إخفاؤه وقرأ عمر بن عبد الواحد وعمر بن عبد العزيز أن أرضعيه بكسر النون بعد حذف الهمزة على غير قياس لأن القياس فيه نقل حركتها وهي الفتحة إلى النون كما في قراءة ورش
فإدا خفت عليه من جواسيس فرعون ونقبائه الذين يقتلون الابناء أو من الجيران ونحوهم أن ينموا عليك فألقيه في اليم أي في البحر والمراد به النيل ويسمى مثله بحرا وإن غلب في غير العذب ولا تخافي عليه ضيعة أو شدة من عدم رضاعه في سن الرضاع ولا تحزني من مفارقتك إياه إنا رادوه إليك عن قريب بحيث تأمنين عليه ويوميء إلى القرب السياق وقيل التعبير باسم الفاعل حقيقة في الحال ويعتبر لذلك في قوله سبحانه : وجاعلوه من المرسلين ولا يضر تفاوت القربين والجملة تعليل للنهي عن الخوف والحزن وإيثار الجملة الاسمية وتصديرها بحرف التحقيق للاعتناء بتحقيق مضمونها أي إنا فاعلون رده وجعله من المرسلين لامحالة واستفصح الاصمعي امرأة من العرب أنشدت شعرا فقالت : أبعد قوله تعالى : وأوحينا إلى أم موسى الآية فصاحة وقد جمع بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين والفاء في قوله تعالى : فالتقطه آل فرعون فصيحة والتقدير ففعلت ما أمرت به من إرضاعه والقائه في اليم لما خافت عليه وحذف ما حذف تعويلا على دلالة الحال وإيذانا بكمال سرعة الامتثال

(20/45)


رويروي أنها لما ضربها الطلق دعت قابلة من الموكلات بحبالى بني إسرائيل فعالجتها فلما وقع موسى عليه السلام على الارض هالها نور بين عينيه وارتعش كل مفصل منها ودخل حبه قلبها بحيث منعها من السعاية فقالت لأمه : احفظيه فلما خرجت جاء عيون فرعون فلفته في خرقة وألقته في تنور مسجور لم تعلم ما تصنع لما طاش من عقلها فطلبوا فلم يجدوا شيئا فخرجوا وهي لاتدري مكانه فسمعت بكاءه من التنور فانطلقت اليه وقد جعل الله تعالى النار عليه بردا وسلاما فأخذته فلما ألح فرعون في طلب الولدان واجتهد العيون في تفحصها أوحى الله تعالى اليها ما أوحى وأرضعته ثلاثة أشهر أو أربعة أو ثمانية على اختلاف الروايات فلما خافت عليه عمدت إلى بردي فصنعت منه تابوتا أي صندوقا فطلته بالقار من داخله وعن السدي أنها دعت نجارا فصنع لها تابوتا وجعلت مفتاحه من داخل ووضعت موسى عليه السلام فيه والقته في النيل بين أحجار عند بيت فرعون فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدنه فأدخلنه اليها وظنن أن فيه مالا فلما فتحنه رأته آسية ووقعت عليه رحمتها فأحبته وأراد فرعون قتله فلم تزل تكلمه حتى تركه لها وروي عن ابن عباس وغيره أنه كان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها وكانت من أكرم الناس اليه وكان بها برص شديد أعيا الأطباء وكان قد ذكر له أنها لاتبرأ إلا من قبل البحر يؤخذ منه شبه الانس يوم كذا من شهر كذا حين تشرق الشمس فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ فلما كان ذلك اليوم غدا فرعون في مجلس له على شفير النيل ومعه امرأته آسية وأقبلت بنته في جواريها حتى جلست على شاطيء النيل فاذا بتابوت تضربه الأمواج فتعلق بشجرة فقال فرعون ائتوني به فابتدروا بالسفن فأحضروه بين يديه فعالجوا فتحه فلم يقدروا عليه وقصدوا كسره فاعياهم فنظرت آسية فكشف لها عن نور في جوفه لم يره غيرها فعالجته ففتحته فاذأ صبي صغير فيه وله نور بين عينيه وهو يمص إبهامه لبنا فألقى الله تعالى محبته عليه السلام في قلبها وقلوب القوم وعمدت بنت فرعون إلى ريقه فلطخت به برصها فبرأت من ساعتها
وقيل : لما نظرت إلى وجهه برأت فقالت الغواة من قوم فرعون أنا نظن أن هذا هو الذي نحذر منه رمي في البحر خوفا منك فاقتله فهم أن يقتله فاستوهبته آسية فتركه كما سيأتي إن شاء الله تعالى والأخبار في هذه القصة كثيرة وقد قدمنا منها ما قدمنا وآل فرعون أتباعه وقولهم : إن الآل لايستعمل إلا فيما فيه شرف مبني على الغالب أو الشرف فيه أعم من الشرف الحقيقي والصوري ومعنى التقاطهم إياه عليه السلام أخذهم إياه عليه السلام أخذ اللقطة أي أخذ اعتناء به وصيانة له عن الضياع ليكون لهم عدوا وحزنا فيه استعارة تهكمية ضرورة أنه لم يدعهم للالتقاط أن يكون لهم عدوا وحزنا وإنما دعاهم شيء آخر كالتبني ونفعه إياهم إذا كبر وفي تحقيق ذلك أقوال الأول أن يشبه كونه كدوا وحزنا بالعلة الغائبة كالتبني والنفع تشبيها مضمرا في النفس ولم يصرح بغير المشبه ويدل على ذلك بذكر ما يخص المشبه به وهو لام التعليل فيكون هناك استعارة مكنية أصلية في المجرور واللام على حقيقتها والثاني أن يشبه أولا ترتب غير العلة الغائية بترتب العلة الغائية أي يعتبر التشبيه بين الترتبين الكليين ليسري في جزئياتهما فيتحقق تبعا تشبيه ترتب كونه عدوا وحزنا أعني الترتب المخصوص على الالتقاط بترتب التبني ونحوه مما هو علة غائبة أعني الترتب المخصوص أيضا عليه ثم

(20/46)


يستعمليستعمل في المشبه اللام الموضوعة للدلالة على ترتب العلة الغائية الذي هو المشبه به فتكون الاستعارة أولا في العلية والغرضية وتبعا في اللام فصار حكم اللام حكم الاسد حيث استعيرت لما يشبه العلة كما استعير الأسد لما يشبه الأسد بيد أن الاستعارة ههنا مكنية تبعية والثالث ما أفاده كلام الخطيب الدمشقي في التلخيص والايضاح وهو أن يقدر التشبيه أولا لكونه عدوا وحزنا بالعلة الغائية ثم يسري ذلك التشبيه إلى تشبيه ترتبه بترتب العلة الغائية فتستعار اللام الموضوعة لترتب العلة الغائية لترتب كونه عدوا وحزنا من غير استعارة في المجرور وهذا التشبيه كتشبيه الربيع بالقادر المختار ثم إسناد الانبات إليه وهو مفاى كلام الكشاف واختار ذلك العلامة عبد الحكيم فقال : وهو الحق عندي لأن اللام لما كان معناها محتاجا إلى ذكر لمجرور كان اللائق أن تكون الاستعارة والتشبيه فيها تابعا لتشبيه المجرور لا تابعا لتشبيه معنى كلي بمعنى كلي معنى الحرف من جزئياته كما ذهب اليه السكاكي وتبعه العلامة التفتازاني أنتهى فتأمل
واستشكل أصل تعليل الالتقاط بأن الالتقاط الوجدان من غير قصد والتعليل يقتضي حقيقة القصد وهو توهم لأن الوجدان من غير قصد أخذ ما وجد لغرض وقد علمت أن المعنى هنا فأخذه أخذ اللقطة أي أخذ اعتناء به آل فرعون ليكون الخ والتعليل فيه إنما هو للاخذ ولا اشكال فيه
وقال بعضهم يحتمل تعلق اللام بمقدار أي قدرنا الالتقاط ليكون الخ وعليه لاتجوز في الكلام إلا عند من يقول : إن افعال الله تعالى لا تعلل وهو أمر غير ما نحن فيه ولا يخفى أن كلام الله سبحانه أجل وأعلى من أن يعتبر فيه مثل هذا الاحتمال وفي جعله عليه السلام نفس الحزن مالا يخفى من المبالغة
وقرأ ابن وثاب والاعمش وحمزة والكسائي وابن سعدان حزنا بضم الحاء وسكون الزاي وقراءة الجمهور بفتحتين لغة قريش إن فرعون وهمن وجنودهما كانوا خاطئين
8
- في كل ما يأتون وما يذرون أو من شأنهم الخطأ فليس ببدع منهم أن قتلوا ألوفا لأجله ثم أخذوه يربونه ليكبر ويفعل بهم ما كانوا يحذرون وروي أنه ذبح في طلبه عليه السلام تسعون ألف وليد و خاطئين على هذا من الخطأ في الرأي ويجوز أن يكون من خطيء بمعنى أذنب وفي الاساس يقال : خطيء خطأ إذا تعمد الذنب والمعنى وكانوا مذنبين فعاقبهم الله تعالى بأن ربى عدوهم على أيديهم والجملة على الأول اعتراض بين المتعاطفين لتأكيد خطئهم المفهوم من قوله تعالى : ليكونلهم عدوا وحزنا فانه كما سمعت استعارة تهكمية وعلى الثاني اعتراض لتأكيد ذنبهم المفهوم من حاصل الكلام وقيل : يتعين عليه أن تكون اعتراضا لبيان الموجب لما ابتلوا به ويحتمل على هذا أن تكون استئنافا بيانيا إن أريد بما ابتلوا به كونه عدوا وحزنا وهو لا ينافي الاعتراض عندهم وقريء خاطئين بغير همز فاحتمل أن يكون أصله الهمز وحذفت وهو الظاهر وقيل : هو من خطا يخطو أي خاطين الصواب إلى ضده فهو مجاز
وقالت امرأت فرعون آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف الصديق عليه السلام وعلى هذا لم تكن من بني إسرائيل وقيل : كانت منهم من سبط موسى عليه السلام وحكى السهيلي أنها كانت عمته عليه السلام وهو قول غريب والمشهور القول الأول
والجملة عطف على جملة فالتقطه آل فرعون أي وقالت امرأة فرعون له حين أخرجته من التابوت
قرت عين لي ولك أي هو قرة عين كائنة لي ولك على أن قرة خبر مبتدأ محذوف والظرف في موضع

(20/47)


الصفة له ويبعد كما في البحر أن يكون مبتدأ خبره جملة قوله تعالى : لا تقتلوه وقالت ذلك لما ألقى الله تعالى من محبته في قلبها أو لما كشف لها فرأته من النور بين عينيه أو لما شاهدته من برء بنت فرعون من البرص بريقه أو بمجرد النظر إلى وجهه ولتفخيم شأن القرة عدلت عن لنا إلى لي ولك وكأنها لما تعلم من مزيد حب فرعون إياها وأن مصلحتها أهم عنده من مصلحة نفسه قدمت نفسها عليه فيكون ذلك أبلغ في ترغيبه بترك قتله فلا يقال لنا الأظهر في الترغيب بذلك العكس وقد يستأنس لكون مصلحتها أهم عنده من مصلحة نفسه ما أخرجه النسائي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها حين قالت له ذلك قال لك لا لي ولو قال لي كما هو لك لهداه الله تعالى كما هداها وهذا أمر فرضي فلا ينافي ما ورد من أنه عليه اللعنة طبع كافرا والخطاب في لا تقتلوه قيل : لفرعون واسناد الفعل اليه مجازي لأنه الآمر والجمع للتعظيم وكونه لايوجد في كلام العرب الموثوق بهم الا في ضمير المتكلم كفعلنا مما تفرد به الرضى وقلده فيه من قلده وهو لا أصل له رواية ودراية قال أبو على الفارسي في فقه اللغة من سنن العرب مخاطبة الواحد بلفظ الجمع فيقال للرجل العظيم انظروا في أمري وهكذا في سر الأدب وخصائص ابن جني وهو مجاز بليغ وفي القرآن الكريم منه ما التزام تأويله سفه وقيل : هو لفرعون وأعوانه الحاضرين ورجح بما روى أن غواة قومه قالوا وقت اخراجه هذا هو الصبي الذي كنا نحذر منه فاذن لنا في قتله وقيل : هو له ولمن يخشى منه القتل وإن لم يحضر على التغليب واختار بعضهم كونه للمأمورين بقتل الصبيان كأنها بعد أن خاطبت فرعون وأخبرته بما يستعطفه على موسى عليه السلام أمنت منه بادرة أمن جديد بقتله فالتفت إلى خطاب المأمورين قبل فنهتهم عن قتله معللة ذلك بقوله تعالى المحكي عنها : عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهو أوفق باختلاف الأسلوب حيث فصلت أولا في قولها : لي ولك وافردت ضمير خطاب فرعون ثم خاطبت وجمعت الضمير في لا تقتلوه ثم تركت التفصيل في عسى أن ينفعنا الخ ولم تأت به على طرز قرة عين لي ولك وبأن تقول : عسى أن ينفعني وينفعك مثلا فتأمل ورجاء نفعه لما رأت فيه من مخايل البركة ودلائل النجابة : في المهد ينطق عن سعادة جده أثر النجابة ساطع البرهان واتخاذ ولدا لأنه لائق لتبني الملوك لما فيه من الأبهة وعطف هذا على ما قبله من عطف الخاص على العام أو تعتبر بينهما المغايرة وهو الأنسب بأو وهم لايشعرون حال من آل فرعون والتقدير فاتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا وقالت أمرأته له كيت وكيت وهم لايشعرون بأنهم على خطأ عظيم فيما صنعوا وقال : قتادة لايشعرون أنه الذي يفسد ملكهم على يده وقال مجاهد أنه عدو لهم قال محمد بن اسحق : أني أفعل ما أريد لاما يريدون والتقدير الأول أجمع وجوز كونه حالا من القائلة والمقول له معا والمراد بالجمع اثنان على احتمال كون الخطاب في لا تقتلوه لفرعون فقط وكونه حالا من القائلة فقط أي قالت امرأة فرعون له ذلك والذين أشاروا بقتله لايشعرون بمقالتها له واستعطاف قلبها عليه لئلا يغروه بقتله وعلى الاحتمالات الثلاثة هو من كلام الله تعالى وجوز كونه حالا من أحد ضميري نتخذه على أن الضمير للناس لا لذي الحال إد يكفي الواو للربط أي نتخذه ولدا والناس لايعلمون أنه لغيرنا وقد تبنيناه فيكون من كلام آسية رضي الله تعالى عنها وأصبح فواد أم موسى فارغا أي صار خاليا من كل شيء غير ذكر موسى عليه السلام أخرجه

(20/48)


الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس وروي ذلك أيضا عن ابن مسعود والحسن ومجاهد ونحوه عن عكرمة وقالت : فرقة فارغا من الصبر وقال ابن زيد : فارغا من وعد الله تعالى ووحيه سبحانه اليها تناست ذلك من الهم وقال أبو عبيدة : فارغا من الهم إد لم يغرق وسمعت أن فرعون عطف عليه وتبناه كما يقال فلان فارغ البال وقال بعضهم : فارغا من العقل لما دهما من الخوف والحيرة حين سمعت بوقوعه في يد عدوه فرعون كقوله تعالى وأفئدتهم هواء اي خلاء لا عقول فيها واعترض على القولين بأن الكلام عليهما لايلائم ما بعده وفيه نظر وقرأ أحمد بن موسى عن أبي عمرو فواد بالواو وقرأ مؤسى بهمزة بدل الواو وقرأ فضالة بن عبيد والحسن ويزيد ابن قطب وأبو زرعة بن عمرو بن جرير فزعا بالزاي والعين المهملة من الفزع وهو الخوف والقلق وابن عباس قرعا بالقاف وكسر الراء إسكانها من قرع رأسه إدا انحسر شعره كأنه خلا من كل شيء إلا من ذكر موسى عليه السلام وقيل : قرعا بالسكون مصدر أي يقرع قرعا من القارعة وهو الهم العظيم وقرأ بعض الصحابة فزعا بفاء مكسورة وزاي ساكنة وغين معجمة ومعناه ذاهبا هدرا والمراد هالكا من شدة الهم كأنه قتيل لاقود ولا دية فيه ومنه قول طليحة الاسدي في أخيه حبال : فان يك قبلي قد أصيبت نفوسهم فلن يذهبوا فزعا بقتل حبال وقرأ الخليل بن أحمد فرغا بضم الفاء والراء إن كادت لتبدي به أي أنها كادت الخ على أن إن هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة أو ما كادت إلا تبدي به على أن إن نافية واللام بمعنى إلا هو قول كوفي والإبداء إظهار الشيء وتعديته بالباء لتضمينه معنى التصريح وقيل : المفعول محذوف والباء سببية أي تبدي حقيقة الحال بسببه أي بسبب ما عراها من فراقه وقيل : هي صلة أي تبديه وكلا القولين كما ترى والظأهر أن الضمير المجرور لموسى عليه السلام والمعنى أنها كادت تصرح به عليه السلام وتقول وا ابناه من شدة الغم والوجد وراه الجماعة عن ابن عباس وروي ذلك أيضا عن قتادة والسدي وعن مقاتل أنها كادت تصيح وا ابناه عند رؤيتها تلاطم الأمواج به شفقة عليه من الغرق وقيل : المعنى أنها كادت تظهر أمره من شدة الفرح بنجاته وتبنى فرعون إياه وقيل : الضمير للوحي إنها كادت تظهر الوحي وهو الوحي الذي كان في شأنه عليه السلام المذكور في قوله تعالى : وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه الآية وهو خلاف الظاهر ولا تساعد عليه الروايات لولا أن ربطنا على قلبها أي بما أنزلنا عليه من السكينة والمراد لولا أن ثبتنا قلبها وصبرناها فالربط على القلب مجاز عن ذلك وجواب لولا محذوف دل عليه إن كادت لتبدي به أي لولا أن ربطنا على قلبها لأبدته وقيل : لكادت تبدي به وقوله تعالى : لتكون من المؤمنين
1
- علة للربط هلى القلب والايمان بمعنى التصديق أي صبرناها وثبتنا قلبها لتكون راسخة في التصديق بوعدنا بأنا رادوه اليها

(20/49)


وجاعلوه من المرسلين ومن جعل الفراغ من الهم والحزن وكيدودة الابداء من الفرح بتبنيه عليه السلام الذي هو فرح مذموم جعل الايمان بمعنى الوثوق كما في قولهم على ما حكى أبو زيد ما آمنت أن أجد صحابة أي ما وثق وحقيقته صرت ذا أمن أي ذا سكون وطمأنينة وقال المعنى لولا أن ربطنا على قلبها وسكنا قلقه الكائن من الابتهاج الفاسد لتكون من الواثقين بوعد الله تعالى المبتهجين بما يحق الابتهاج به وقالت لأخته مريم وقيل : كلثمة وقيل : كلثوم والتعبير عنها بأخوته دون أن يقال لبنتها للتصريح بمدار المحبة للامتثال بالامر قصيه أي اتبعي أثره وتتبعي خبره والظاهر أن هذا القول وقع منها بعد أن أصبح فؤادها فارغا فان كانت لم تعرف مكانه إذ ذاك فظاهر وإن كانت قد عرفته فتتبع الخبر ليعرف هل قتلوه أم لا ولينكشف ما هو عليه من الحال فبصرت به أي أبصرته والفاء فصيحة أي فقصت أثره فبصرت وقرأ قتادة فبصرت بفتح الصاد وعيسى بكسرها عن جنب أي عن بعد وقيل : أي عن شوق اليه حكاه أبو عمرو بن العلاء وقال هي لغة جذام يقولون جنبت اليك أي اشتقت وقال الكرماني جنب صفة لموصوف محذوف أي عن مكان جنب أي بعيد وكأنه من الاضداد فانه يكون بمعنى القريب أيضا كالجار الجنب وقيل : أي عن جانب لأنها كانت تمشي على الشط وقيل : النظر عن جنب أي تنظر إلى الشيء كأنك لا تريده
وقرأ قتادة والحسن وزيد بن علي رضي الله تعالى عنه والاعرج عن جنب بفتح الجيم وسكون النون وعن قتادة أنه قرأ بفتحهما أيضا وعن الحسن أنه قريء بضم الجيم واسكان النون وقرأ النعمان بن سالم عن جانب والكل على ما قيل : بمعنى واحد وفي البحر الجنب والجانب والجنابة والجناب بمعنى وهم لايشعرون
11
- أنها تقصه وتتعرف حاله أو أنها أخته وحرمنا عليه المراضع أي منعناه ذلك فالتحريم مجاز عن المنع فان من حرم عليه شيء فقد منعه ولا يصح ارادة التحريم الشرعي لأن الصبي ليس من أهل التكليف ولا دليل على الخصوصية والمراضع جمع مرضع بضم الميم وكسر الضاد وهي المرأة التي ترضع وترك التاء إما لاختصاصه بالنساء أو لأنه بمعنى شخص مرضع أو جمع مرضع بفتح الميم على أنه مصدر ميمي بمعنى الرضاع وجمع لتعدد مراته أو اسم مكان أي موضع الرضاع وهو الثدي من قبل أي من قبل قصها أو ابصارها أو وروده على من هو عنده أو من قبل ذلك أي من أول أمره وظاهر صنيع أبي حيان اخياره فقالت هل أدلكم أي هل تريدون أن أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم أي يضمنونه ويقومون بتربيته لأجلكم والفاء فصيحة أي فدخلت عليهم فقالت وقولها : على أهل بيت دون أمرأة اشارة إلى أن المراد أمرأة من أهل الشرف تليق بخدمة الملوك وهم له نصحون
21
- لايقصرون في خدمته وتربيته وروي أن هامان لما سمع هذا منها قال انها لتعرفه وأهله فخذوها حتى تخبر بحاله فقالت إنما أردت وهم للملك ناصحون فخلصت بذلك من الشر الذي يجوز لمثله الكذب وأحسنت وليس ببدع لأنها من بيت النبوة فحقيق بها ذلك واحتمال الضمير لأمرين مما لا تختص به اللغة العربية بل يكون في جميع اللغات على أن الفراعنة من بقايا العمالقة وكانوا يتكلمون بالعربية فلعلها كلمت بلسانهم ويسمى هذا الاسلوب من الكلام الموجه
فرددنه إلى أمه الفاء فصيحة أي فقبلوا ذلك منها ودلتهم على أمه وكلموها في ارضاعه فقبلت فرددناه

(20/50)


اليها أو يقدر نحو ذلك وروي أن أخته لما قالت ما قالت أمرها فرعون بأن تأتي بمن يكفله فأتت بأمه وموسى عليه السلام على يد فرعون يبكي وهو يعلله فدفعه اليها فلما وجد ريحها استأنس والتقم ثديها فقال : من أنت منه فقد أبى كل ثدي إلا ثديك فقالت إني أمرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي الا قبلني فقرره في يدها فرجعت به إلى بيتها من يومها وأمر أن يجرى عليها النفقة وليس أخذها ذلك من أخذ الاجرة على ارضاعها إياه ولو سلم فلا نسلم أنه كان حراما فيما تدين وكانت النفقة على ما في البحر دينارا في كل يوم كي تقر عينها بوصول ولدها اليها ولا تحزن لفراقه ولتعلم أن وعد الله أي جميع ما وعده سبحانه من رده وجعله من المرسلين حق لاخلف فيه بمشاهدة بعضه وقياس بعضه عليه وإلا فعلمها بحقية ذلك بالوحي حاصل قبل
واستدل أبو حيان بالآية على ضعف قول من ذهب إلى أن الايحاء كان الهاما أو مناما لأن ذلك يبعد أن يقال فيه وعد وفيه نظر ولكن أكثرهم لا يعلمون
31
- أي لايعرفون وعده تعالى ولا حقيته أو لايجزمون بما وعدهم جل وعلا لتجويزهم تخلفه وهو سبحانه لايخلف الميعاد وقيل : لايعلمون أن الغرض الأصلي من الرد عليها علمها بذلك وما سواه من قرة عينها وذهاب حزنها تبع وفيه أن الذي يفيده الكلام إنما هو كون كل من قرة العين والعلم كالغرض أو غرضا مستقلا وأما تبعية غير العلم له لاسيما مع تقدم الغير فلا وكون المفيد لذلك حذف حرف العلة من الأول لايخفى حاله وفي قوله تعالى : ولكن أكثر الناس الخ قيل : تعريض بما فرط من أمه حين سمعت بوقوعه في يد فرعون من الخوف والحيرة وأنت تعلم أن ما عراها كان من مقتضيات الجبلة البشرية وهو يجامع العلم بعدم وقوع ما يخاف منه ونفي العلم في مثل ذلك إنما يكون بضرب من التأويل كما لا يخفى ثم ان الاسدراك على ما اختاره مما وقع بعد العلم وجوز أن يكون من نفس العلم وذلك إذا كان المعنى لايعلمون أن الغرض الأصلي من الرد عليها علمها بحقية وعد الله تعالى فتأمل
ولما بلغ أشده أي المبلغ الذي لايزيد عليه نشؤه وقوله تعالى : واستوى أي كمل وتم تأكيد وتفسير لما قبله كذا قيل : واختلف في زمان بلوغ الاشد والاستواء فاخرج ابن أبي الدنيا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال الاشد ما بين الثماني عشر إلى الثلاثين والاستواء ما بين الثلاثين إلى الاربعين فاذا زاد على الاربعين أخذ في النقصان وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد أنه قال الاشد ثلاث وثلاثون سنة والاستواء اربعون سنة وهي رواية عن ابن عباس أيضا وروي نحوه عن قتادة وقال الزجاج مرة بلوغ الاشد من نحو سبع عشرة سنة إلى الاربعين واخرى هو ما بين الثلاثين إلى الاربعين واختاره بعضهم هنا وعلل بأن ذلك لموافقته قوله تعالى : حتى إدا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة لأن يشعر بانه منته إلى الاربعين وهي سنة الوقوف فينبغي أن يكون مبدؤه مبدأه ولا يخلو عن شيء والحق أن بلوغ الاشد في الاصل هو الانتهاء إلى حد القوة وذلك وقت انتهاء النمو وغايته وهذا مما يختلف باختلاف الاقاليم والاعصار والاحوال ولذا وقع له تفاسير في كتب اللغة والتفسير ولعل الاول على ما قيل : أن يقال إن بلوغ الأشد عبارة عن بلوغ القدر الذي يتقوى فيه بدنه وقواه الجسمانية وينتهي فيه نموه المعتد به والاستواء اعتدال عقله وكماله ولا ينبغي تعيين وقت لذلك في حق موسى عليه السلام إلا بخبر يعول عليه لما سمعت من أن ذاك مما يختلف باختلاف الاقاليم والاعصار والاحوال نعم اشتهر أن ذلك في الأغلب يكون في سن اربعين وعليه قول الشاعر :

(20/51)


إذا المرء وافي الأربعين ولم يكن له دون ما يهوى حياء ولا ستر فدعه ولا تنفس عليه الذي مضى وان جر أسباب الحياة له العمر وفي قوله تعالى : حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ما يستأنس به لذلك وقد مر طرف من الكلام في الأشد في سورة يوسف فتذكر ولا تغفل ثم إن حاصل المعنى على ما قيل أخيرا : ولما قوي جسمه واعتدل عقله آتيناه حكما أي نبوة على ما وري عن السدي أو علما هو من خواص النبوة على ما تأول به بعضهم كلامه وعلما بالدين والشريعة وفي الكشاف العلم التوراة والحكم السنة وحكمة الانبياء عليهم السلام سنتهم قال الله تعالى : واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة وقيل آتيناه سيرة الحكماء العلماى وسمتهم قبل البعث فكان عليه السلام لايفعل فعلا يستجهل فيه اه ورجح ما قيل بأنه أوفق لنظم القصة مما تقدم لأن استنباءه عليه السلام بعد وكز القبطي والهجرة إلى مدين ورجوعه منها وإيتاؤه التوراة كان بعد إغراق فرعون فهو بعد الوكز بكثير وبأن قوله تعالى : وكذلك أي مثل ذلك الذي فعلناه بموسى وأمه عليهما السلام نجزي المحسنين
41
- على إحسانهم يأبى جمل ما تقدم على النبوة لأنها لا تكون جزاء على العمل ومن ذهب إلدى الأول جعل هذا بيانا اجماليا لانجاز الوعد بجعله من المرسلين بعد رده لأمه وما بعد تفصيل له والعطف بالواو لايقتضي الترتيب وكون ما فعل بموسى وأمه عليهما السلام جزاء على العمل باعتبار التغليب وقد يقال : إن أصل النبوة وإن لم تكن جزاء على العمل إلا أن بعض مراتبها وهو ما فيه ميد قرب من الله تعالى يكون باعتبار مزيد القرب جزاء عليه ويرجع ذلك إلى أن مزيد القرب هو الجزاء وتفاوت الأنبياء عليهم السلام في القرب منه تعالى مما لا ينبغي أن يشك فيه ورجح ما تقدم بكونه أوفق بقوله تعالى : ولتعلم أن وعد الله حق واستلزامه حصول النبوة لكل محسن ليس بشيء أصلا ومن ذهب إلى أن الايتاء كان قبل الهجرة قال : يجوز أن يكون المعنى آتيناه رياسة بين قومه بني إسرائيل بأن جعلناه ممتازا فيما بينهم يرجعون إليه في مهامهم ويمتثلونه إذا أمرهم بشيء أو نهاهم عنه وعلما ينتفع به وينفع به غيره وذلك إما بمحض الإلهام أو بتوفيقه لاستنباط دقائق وأسرار مما نقل اليه من كلمات آبائه الأنبياء عليهم السلام من بني إسرائيل ولا بدع في أن يكون عليه السلام عالما بما كان عليه آباؤه الأنبياء منهم وبما كانوا يدينون به من الشرائع بواسطة الإلهام أو بسماع ما يفيده العلم من الأخبار ولعل هذا أولى مما نقله في الكشاف وفي الكلام على أواخر سورة البقرة ما تنفعك مراجعته فليراجع
ودخل المدينة قال ابن عباس على ما في البحر : هي منف على حين غفلة من أهلها أي في وقت لايعتاد دخولها أو لايتوقعونه فيه وكان على ما روي عن الحبر وقت القائلة وفي رواية أخرى عنه بين العشاء والعتمة وذلك أن فرعون ركب يوما وسار إلى تلك المدينة فعلم موسى عليه السلام بركوبه فلحق ودخل المدينة في ذلك الوقت وقال ابن اسحق : هي مصر كان موسى عليه السلام قد بدت منه مجاهرة لفرعون وقومه بما يكرهون فاختفى وغاب فدخلها متنكرا وقال ابن زيد : كان فرعون قد أخرجه منها فغاب سنين فنسي فجاء ودخلها واهلها في غفلة بنسيانهم له وبعد عهدهم به وقيل : دخل في يوم عيد

(20/52)


وهم مشغولون بلهوهم وقيل : خرج من قصر فرعون ودخل مصر وقت القيلولة أو بين العشائين وقيل : المدينة عين شمس وقيل : قرية على فرسخين من مصر يقال لها : حابين وقيل : هي الاسكندرية والأشهر أنها مصر ولعله هو الأظهر والمتبادر أن على حين متعلق بدخل وعليه فالظاهر أن على بمعنى في مثلها في قوله تعالى : واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان على قول
وقال أبو البقاء : هو في موضع الحال من المدينة ويجوز أن يكون في موضع الحال من الفاعل أي مختلسا اه ولعل الذي دعاه إلى العدول عن المتبادر احتياجه إلى جعل على بمعنى في وخفاء نكتة التعبير بها دونها أو الاكتفاء بالظرف وحده عليه والأمر ظاهر لمن له أدنى تأمل وقيل : إن الداعي إلى ذلك أن دخول المدينة في حين غفلة من أهلها ليس نصا في دخولها غافلا أهلها كما في وجه الحالية من المدينة ولا في دخولها مختلسا كما في وجه الحالية من الضمير فان وقت الغفلة كوقت القائلة وما بين العشائين قد لايغفل فيه وفيه بحث
و من أهلها في موضع الصفة لغفلة وما في النظم الكريم أبلغ من غفلة أهلها بالاضافة لما في التنوين من إفادة التفخيم ولعله عدل عن ذلك إلى ما ذكر لهذا فتدبر وقرأ أبو طالب القاريء على حين بفتح النون ووجه بأنه فتح لمجاورة الغين كما كسر في بعض القراآت الدال في الحمد لله لمجاورة اللام أو بأنه أجري المصدر مجرى الفعل كأنه قيل : على حين غفل أهلها فبني حين كما يبنى إذا أضيف إلى الجملة المصدرة بفعل ماض نحو قوله :
على حين عاتبت المشيب على الصبا
وهو كما ترى فوجد فيها رجلين يقتتلان أي يتحاربان والجملة صفة للرجلين وقال ابن عطية : في موضع الحال وهو مبني على مذهب سيبويه من جواز مجيء الحال من النكرة من غير شرط وقرأ نعيم بن ميسرة يقتلان بادغام التاء في التاء ونقل فتحتها إلى القاف وقوله تعالى : هذا من شيعته أي ممن شايعه وتابعه في أمره ونهيه أو في الدين على ما قاله جماعة وهم بنو إسرائيل قال في الاتقان : هو السامري وهذا من عدوه من مخالفيه فيما يريد أو في الدين على ما قاله الجماعة وهم القبط واسمه كما في الاتقان أيضا قانون صفة بعد صفة لرجلين والاشارة بهذا واقعة على طريق الحكاية لما وقع وقت الوجدان كأن الرائي لهما يقوله لا في المحكي لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
وقال المبرد : العرب تشير بهذا إلى الغائب قال جرير : هذا ابن عمي في دمشق خليفة لو شئت ساقكم إلى قطينا وهذ الاشارة قائمة مقام الضمير في الربط والعطف سابق على الوصفية واختلف في سبب تقاتل هذين الرجلين فقيل : كان أمرا دينيا وقيل : كان أمرا دنيويا روي أن القبطي كلف الاسرائيلي حمل الحطب إلى مطبخ فرعون فأبى فاقتتلا لذلك وكان القبطي على ما أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير خبازا لفرعون
فاستغثه الذي من شيعته أي فطلب غوثه ونصره إياه على الذي من عدوه ولتضمين الفعل معنى النصر عدي بعلى ويؤيده قوله تعالى بعد : استنصره بالأمس ويجوز أن يكون تعديته بعلى لتضمينه معنى الاعانة ويؤيده أنه قريء فاستعانه بالعين المهملة والنون بدل الثاء وقد نقل هذه القراءة ابن خالويه عن

(20/53)


سيبويه وابو القاسم يوسف بن علي بن جبارة عن ابن مقسم والزعفراني وقول ابن عطية أنه ذ : رها الأخفش وهو تصحيف لا قراءة مما لا ثبت له فيه وقد حذف من جملة الصلة صدرها أي الذي هو من شيعته والذي هو من عدوه ولو لم يعتبر حذف ذلك صح فوكزه موسى أي ضرب القبطي بجمع كفه أي بكفه المضمومة أصابعها على ما أخرجه غير واحد عن مجاهد
وقال أبو حيان : الوكز الضرب باليد مجموعة أصابعها كعقد ثلاثة وسبعين وعلى القولين يكون عليه السلام ضربه باليد وأخرج ابن المنذر وجماعة عن قتادة أنه عليه السلام ضربه بعصاه فكأنه يفسر الوكز بالدفع أو الطعن وذلك من جملة معانيه كما في القاموس ولعله أراد بعصاه عصا كانت له فان عصاه المشهورة أعطاه إياها شعيب عليه السلام بعد هذه الحادثة كما هو مشهور وفي كتب التفاسير مسطور
وقرأ عبد الله فلكزه باللام وعنه فنكزه بالنون واللكز على ما في القاموس الوكز والوجء في الصدر والحنك والنكز على ما فيه أيضا الضرب والدفع وقيل : الوكز والنكز واللكز الدفع بأطراف الأصابع وقيل الوكز على القلب واللكز على اللحى روي أنه لما اشتد التناكر قال القبطي لموسى عليه السلام : لقد هممت أن أحمله يعني الحطب عليك فاشتد غضب موسى عليه السلام وكان قد أوتي قوة فوكزه فقضى عليه أي فقتله موسى وأصله أنهى حياته أي جعلها منتهية متقضية وهو بهذا المعنى يتعدى بعلى كما في الاساس فلا حاجة إلى تأويله باوقع القضاء عليه وقد يتعدى الفعل بالى لتضمينه معنى الايحاء كما في قوله تعالى : وقضينا إليه ذلك الأمر وعود ضمير الفاعل في قضى على موسى هو الظاهر وقيل : هو عائد على الله تعالى أي فقضى الله سبحانه عليه بالموت فقضى بمعنى حكم وقيل : يحتمل أن يعود على المصدر المفهوم من وكزه أي فقضى الوكز عليه أي أنهى حياته قال هذا من عمل الشيطن أي من تزيينه
وقيل : من جنس عمله والأول أوفق بقوله تعالى : إنه عدو مضل مبين
51
- أي ظاهر العداوة على أن مبين صفة ثانية لعدو وقيل ظاهر العداوة والاضلال ووجه بأنه صفة لعدو الملاحظ معه وصف الاضلال أو بأنه متنازع فيه لعدو ومضل كل يطلبه صفة له وإيا ما كان فمبين من أبان اللازم قال رب إني ظلمت نفسي بوكز ترتب عليه القتل فاغفر لي ذنب وإنما قال عليه السلام ما قال لأنه فعل ما لم يؤذن له به وليس من سنن آبائه الانبياء عليهم السلام في مثل هذه الحادثة التي شاهدها وقد أفضى إلى قتل نفس لم يشرع في شريعة من الشرائع قتلها ولا يشكل ذلك على القول بأن الأنبياء عليهم السلام معصومون عن الكبائر بعد النبوة وقبلها لأن أصل الوكز من الصغائر وما وقع من القتل كان خطأ كما قاله كعب وغيره والخطأ وإن كان لايخلوا عن الاثم ولذا شرعت فيه الكفارة إلا أنه صغيرة أيضا بل قيل : لايشكل أيضا على القول بعصمتهم عن الكبائر والصغائر مطلقا لجواز أن يكون عليه السلام قد رأى أن في الوكز دفع ظالم عن مظلوم ففعله غير قاصد به القتل وإنما وقع مترتبا عليه لا عن قصد وكون الخطأ لايخلو عن إثم في شرائع الأنبياء المتقدمين عليهم السلام كما في شريعة نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم غير معلوم وكذا مشروعية الكفارة فيه وكأنه عليه السلام بعد أن وقع منه ما وقع تأمل فظهر له إمكان الدفع بغير الوكز وأنه لم يتثبت في رأيه لما

(20/54)


اعتراه من الغضب فعلم أنه فعل خلاف الأولى بالنسبة إلى أمثاله فقال ما قال على عادة المقربين في استعضامهم خلاف الأولى ثم إن هذا الفعل وقع منه عليه السلام قبل النبوة كما هو ظاهر قوله تعالى حكاية عنه في سورة الشعراء : ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين وبذلك قال النقاش وغيره وروي عن كعب أنه عليه السلام كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة ومن فسر الاستواء ببلوغ اربعين سنة وجعل ما ذكر بعد بلوغ الأشد والاستواء وإيتاء الحكم والعلم بالمعنى الذي لا يقتضي النبوة يلزمه أن يقول كان عليه السلام إذ ذاك ابن أربعين سنة أو ما فوقها بقليل
وزعم بعضهم أنه عليه السلام أراد بقوله : ظلمت نفسي اني عرضتها للتلف بقتل هذا الكافر إذ لو عرف فرعون ذلك لقتلني به وأراد بقوله : فاغفر لي فاستر على ذلك وجعله من عمل الشيطان لما فيه من الوقوع في الوسوسة وترقب المحذور ولا يخفى ما فيه ويأبى عنه قوله تعالى : فغفر له إنه الغفور الرحيم
61
- وترتب غفر على ما قبله بالفاء يشعر بأن المراد غفر له استغفاره وجملة إنه الخ كالتعليل للعلية أي أنه تعالى هو المبالغ في مغفرة ذنبو عباده ورحمتهم ولذا كان استغفاره سببا للمغفرة له وتوسيط قال بين كلاميه عليه السلام لما بينهما من المخالفة من حيث إن الثاني مناجاة ودعاء بخلاف الأول وأما توسيط قال في قوله تعالى : قال رب بما أنعمت علي فوجهه ظاهر والباء في بما للقسم وما مصدرية وجواب القسم محذوف أي أقسم بانعامك علي لأمتنعن عن مثل هذا الفعل
وقيل : لأتوبن وقوله تعالى : فلن أكون ظهيرا للمجرمين
71
- عطف على الجواب ولعل المراد بانعامه تعالى عليه حفظه إياه من شر فرعون ورده إلى أمه وتمييزه على سائر بني إسرائيل ونحو ذلك
وقيل المراد به مغفرته له وهو غير بعيد ومعرفته عليه السلام أنه سبحانه غفر له إذا كان هذا القول قبل النبوة بالهام أو رؤيا والظهير المعين والمجرمين جمع مجرم والمراد به من أوقع غيره في الجرم أو من أدت معاونته إلى جرم كالاسرائيلي الذي خاصمه القبطي فأدت معاونته إلى جرم في نظر موسى عليه السلام فيكون في المجرمين مجاز في النسبة للاسناد إلى السبب وجوز أن يراد بذلك الكفار وعني بهم من استغاثه ونحوه بناء على أنه لم يكن أسلم وقيل : أراد بالمجرمين فرعون وقومه والمعنى أقسم بانعامك علي لاتوبن فلن أكون معينا للكفار بأن أصحبهم وأكثر سوادهم وقد كان عليه السلام يصحب فرعون ويركب بركوبه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابن فرعون ولا يخفى أن ما تقدم أنسب بالمقام وجوز أن تكون الباء للقسم الاستعطافي على أنها متعلقة بفعل دعاء محذوف وجملة فلن أكون الخ متفرعة عليه والفاء واقعة في جواب الدعاء أو الشرط المقدر أي بحق انعامك علي اعصمني فلم أكون الخ أو إن عصمتني فلن أكون الخ والقسم الاستعطافي ما أكد به جملة طلبية نحو قولك بالله تعالى زرني وغير الاستعطافي ما أكد به جملة خبرية نحو والله تعالى لأقومن وإلى هذا ذهب ابن الحاجب وقيل : القسم الاستعطافي ما مان المقسم به مشعرا بعطف وحنو نحو بكرمك الشامل أنعم علي وهو صادق على ما هنا وغير الاستعطافي ما كان المقسم به أعم من ذلك وعلى القولين هما قسمان من مطلق القسم وظاهر كلام الزمخشري أن المتبادر من القسم ما يؤكد به الكلام الخبري وينعقد منه يمين فما يكون المراد به الاستعطاف

(20/55)


قسيمقسيم له وجعل بعضهم إطلاق القسم على الاستعطافي تجوزا ويبعد ارادة الاستعطاف هنا ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن موسى عليه السلام لم يستثن أي لم يقل إن شاء الله تعالى فابتلي به أي بالكون ظهيرا للمجرمين مرة أخرى وهو ما قوله تعالى : فاذا الذي استنصره الخ لأن الاستثناء لايناسب الاستعطاف لكون النفي معلقا بعصمة الله عز و جل وجوز أن تكون الباء سببية متعلقة بفعل مقدر يعطف عليه لن أكون الخ ما موصولة والمعنى بسبب الذي أنعمته علي من القوة أشكرك فلن أستعملها إلا في مظاهرة أوليائك ولا أدع قبطيا يغلب اسرائيليا وهو الزام لنفسه بنصرة أوليائه عز و جل كالنذر وليس هناك قسم بوجه خلافا لمن توهم ذلك ولا يخفى أن هذا وأن لم يبعده الأثر لا يخلو عن بعد نظرا إلى السباق و لن على اوجه المذكورة للنفي وفي البحر قيل : إنها للدعاء وحكى ابن هشام رده بأن فعل الدعاء لايسند إلى المتكلم بل إلى المخاطب أو الغائب نحو يارب لا عذبت فلانا ويجوز لا عذب الله تعالى عمرا ثم قال ويرده قوله : ثم لا زلت لكم خالدا خلود الجبال ولا يخفى عليك أن كونها للدعاء على الوجه الأخير في الآية غير ظاهر وعلى الوجه الأول لايخلو عن خفاء فلعل من جعلها للدعاء حما بما أنعمت علي على الاستعطاف وعلق الجار والمجرور بنحو اعصمني وجعل الفاء تفسيرية ولن أكون الخ تفسيرا لذلك المحذوف كما قيل : في قوله تعالى : استجبنا له فكشفنا فليتدبر واحتج أهل العلم بهذه الآية على المنع من معونة الظلمة وخدمتهم
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبيد لاله بن الوليد الرصافي أنه سأل عطاء بن أبي رباح عن أخ له كاتب فقال له : إن أخي ليس له من أمور السلطان شيء إلا أنه يكتب له قلم ما يدخل وما يخرج فان ترك قلمه صار عليه دين واحتاج وإن أخذ به كان له فيه غنى قال : لمن يكتب قال : لخالد بن عبد الله القسري قال : ألم تسمع إلى ما قال العبد الصالح رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين فلا يهتم أخوك بشيء وليرم بقلمه فان الله تعالى سيأتيه برزق وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي حنظلة جابر بن حنظلة الضبي الكاتب قال : قال رجل لعامر يا أبا عمرو إني رجل كاتب أكتب ما يدخل وما يخرج آخذا رزقا استغني به أنا وعيالي قال : فلعلك تكتب في دم يسفك قال : لا قال : فلعلك تكتب في مال يؤخذ قال : لا قال : فلعلك تكتب في دار تهدم قال : لا قال : أسمعت بما قال موسى عليه السلام رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين قال : أبلغت إلى يا أبا عمرو والله عز و جل لا أخظ لهم بقلم أبدا قال والله تعالى لا يدعك الله سبحانه بغير رزق أبدا وقد كان السلف يجتنبون كل الاجتناب عن خدمتهم أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سلمة بن نبيط قال بعد عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك فقال : اذهب بعطاء أهل بخارى فأعطهم فقال أعفني فلم يرل يستعفيه حتى أعفاه فقال له بعض أصحابه : ما عليك أن تذهب فتعطيهم وأنت لا ترزؤهم شيئا فقال لا أحب أن أعين الظلمة في شيء من أمرهم وإذا صح حديث ينادي مناد يوم القيامة أي الظلمة وأشباه الظلمة حتى من لاق لهم دواة أو برى لهم قلما فيجمعون في تابوت من حديد فيرمى بهم في جهنم فليبك من علم أنه من أعوانهم على نفسه وليقلع عما هو عليه قبل حلول رمسه ومما يقصم الظهر ما روي عن بعض الأكابر أن خياطا سأله فقال : أنا ممن يخيط للظلمة فهل أعد من أعوانهم فقال : لا أنت منهم والذي يبيعك الابرة من أعوانهم فلا حول ولا قوة إلا بالله تعالى العلي العظيم وياحسرتا على من باع

(20/56)


دينه بدنياه واشترى رضا الظلمة بغضب مولاه هذا وقد بلغ السيل الزبى وجرى الوادي فطم على القرى
فأصبح في المدينة خائفا وقوع المكروه به يترقب يترصد ذلك أو الاخبار هل وقفوا على ما كان منه وكان عليه السلام فيما يروي قد دفن القبطي بعد أن مات في الرمل وقيل : خائفا وقوع المروه من فرعون يترقب نصرة ربه عز و جل وقيل : يترقب أن يسلمه قومه وقيل : يترقب هداية قومه وقيل : خائفا من ربه عز و جل يترقب المغفرة والكل كما ترى والمتبادر على ما قيل : أن في المدينة متعلق بأصبح واسم أصبح ضمير موسى عليه السلام وخائفا خبرها وجملة يترقب خبر بعد خبر أو حال من الضمير في خائفا وقال أبو البقاء : يترقب حال مبدلة من الحال الأولى أو تأكيد لها أو حال من الضمير في خائفا اه وفيه احتمال كون أصبح تامة واحتمال كونها ناقصة والخبر في المدينة ولا يخفى عليك ما هو الأولى من ذلك فاذا الذي استنصره بالأمس وهو الاسرائيلي الذي قتل عليه السلام القبطي بسببه يستصرخه أي يستغيثه من قبطي آخر برفع الصوت من الصراخ وهو في الأصل الصياح ثم تجوز به عن الاستغاثة لعدم خلوها منه غالبا وشاع حتى صار حقيقة عرفية وقيل : معنى يستصرخه يطلب ازالة صراخه وإذا للمفاجأة وما بعدها مبتدأ وجملة يستصرخه الخبر
وجوز أبو البقاء كون الجملة حالا والخبر إذا والمراد بالأمس اليوم الذي قبل يوم الاستصراخ وفي الحواشي الشهابية إن كان دخوله عليه السلام المدينة بين العشائين فالأمس مجاز عن قرب الزمان وهو معرب لدخول أل عليه وذلك الشائع فيه عند دخولها وقد بني معها على سبيل الندرة كما في قوله : وإني حبست اليوم والامس قبله إلى الشمس حتى كادت الشمس تغرب قال أي موسى عليه السلام له موسى أي للاسرائيلي الذي يستصرخه إنك لغوي ضال مبين
81
- بين الغواية لأنك تسببت لقتل رجل وتقاتل آخر أو لأن عادتك الجدال وأختار هذا بعض الأجلة وقال : إن الأول لا يناسب قوله تعالى : فلما أن أراد الخ لأن تذكر تسببه لما ذكر باعث الاحجام لا الاقدام ورد بأن التذكر أمر محقق لقوله تعالى : خائفا يترقب والباعث له على ما ذكر شفقته على من ظلم من قومه وغيرته لنصرة الحق وقيل : إن الضمير في له والخطاب في إنك للقبطي ودل عليه قوله يستصرخه وهو خلاف الظاهر ويبعده الاظهار في قوله تعالى : فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما فان الظاهر على ذاك به بدل الذي والبطش الاخذ بصولة وسطوة والتنوين في عدو للتفخيم أي عدو عظيم العداوة ولإرادة ذلك لم يضفه والمراد بالذي هو عدو لهما القبطي وقد كان القبط أعظم الناس عداوة لبني اسرائيل وقيل : عدواته لهما لأنه لم يكن على دينهما وقرأ الحسن وأبو جعفر يبطش بضم الطاء
قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس قاله الاسرائيلي الذي يستصرخه على ما روي عن ابن عباس وأكثر المفسرين وكأنه توهم ارادة البطش به دون القبطي من تسمية موسى عليه السلام إياه غويا وقال الحسن : قاله القبطي الذي هو عدو لهما كأنه توهم من قوله للاسرائيلي إنك لغوي أنه الذي قتل القبطي بالامس له ولا بعد فيه لأن ما ذكر إما اجمال لكلام يفهم منه ذلك أو لأن قوله ذلك لمظلوم انتصر به خلاف الظاهر فلا بعد للانتقال منه لذلك والذي

(20/57)


الرجلين كانا من بني اسرائيل وأما الرجلان اللذان رآهما بالأمس فأحدهما اسرائيلي والآخر مصري ووجه أمر العداوة على ذلك بأن هذا الذي أراد عليه السلام أن يبطش به كان ظالما لمن استصرخه فيكون عدوا له وعاصيا لله تعالى فيكون عدوا لموسى عليه السلام ويحتمل أن تكون عداوته لهما لكونه مخالفا لما هما عليه من الدين وإن كان إسرائيليا وفيها أيضا ما هو صريح في أن الظالم هو قائل ذلك
وأنت تعلم أن هذ التوراة لا يلتفت اليها فيما يكذب القرآن أو السنة الصحيحة وهي فيما عدا ذلك كسائر أخبار بني إسرائيل لا تصدق ولا تكذب نعم قد يستأنس بها لبعض الأمور ثم إن ما فيها من قصة موسى عليه السلام مخالف لما قصه الله تعالى منها هنا وفي سائر المواضيع زيادة ونقصا وهو ظاهر لمن وقف عليها ولا يخفى الحكم في ذلك وقد خلت هنا عن ذكر مجيء مؤمن آل فرعون ونصحه لموسى عليه السلام وكذا عن ذكر ما يدل على قوله : إن تريد أي ما تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وهو الذي يفعل كل ما يريد من الضرب والقتل ولا ينظر في العواقب وقيل : المتعظم الذي لايتواضع لأمر الله تعالى وأصله على ما قيل : النخلة الطويلة فاستعير لما ذكر إما باعتبار تعاليه المعنوي أو تعظمه
وأخرج ابن المنذر عن الشعبي أنه قال : من قتل رجلين أي بغير حق فهو جبار ثم تلا هذه الآية وأخرج ابن أبي حاتم نحوه عن عكرمة وما تريد أن تكون من المصلحين
91
- بين الناس فتدفع التخاصم بالتي هي أحسن ولما قال هذا انتشر الحديث وارتقى الى فرعون وملائه فهموا بقتل موسى عليه السلام فخرج مؤمن من آل فرعون هو ابن عم فرعون ليخبره بذلك وينصحه كما قال عز و جل : وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى الآية واسمه قيل : شمعان وقيل : شمعون بن إسحق وقيل : حزقيل وقيل : غير ذلك وكون هذا الرجل الجائي مؤمن آل فرعون هو المشهور وقيل هو غيره ويسعى بمعنى يسرع في المشي وإنما أسرع لبعد محله ومزيد اهتمامه باخبار موسى عليه السلام ونصحه وقيل : يسعى بمعنى يقصد وجه الله تعالى كما في قوله سبحانه : وسعى لها سعيها وهو وإن كان مجازا يجوز الحمل عليه لشهرته والظاهر أن من أقصى صلة جاء وجملة يسعى صفة رجل وجوز أن يكون من أقصى في موضع الصفة لرجل وجملة يسعى صفة بعد صفة
وجوز أن تكون الجملة في موضع الحال من رجل أما إذا جعل الجار والمجرور في موضع الصفة منه فظاهر لأنه وإن كان نكرة ملحق بالمعارف فيسوغ أن يكون ذا حال وأما إذا كان متعلقا بجاء فمنع ذلك الجمهور وأجازه سيبويه وجوز أن يعلق الجار والمجرور بيسعى وهو كما ترى قال يموسى إن الملأ وهم وجوه أهل دولة فرعون يأتمرون بك أي يتشاورون بسببك وإنما سمي التشاور ائتمار لأن كلا من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر ليقتلوك فاخرج من المدينة قبل أن يظفروا بك إني لك من النصحين
2
- اللام للبيان كما في سقيا لك فيتعلق بمحذوف أعني أعني ولم يجوز الجمهور تعلقه بالناصحين لأن أل فيه اسم موصول ومعمول الصلة لايتقدم الموصول ولا بمحذوف مقدم يفسره المذكور لأن ما لايعمل لا يفسر عاملا وعند من جوز تقدم معمول الصلة إذا كان الموصول أل خاصة لكونها على صورة الحرف أو إذا كان المتقدم

(20/58)


ظرفا للتوسع فيه أو قال إن أل هنا حرف تعريف لإرادة الثبوت سجوز أن يكون لك متعلقا بالناصحين أو بمحذوف يفسره ذلك
واستدل القرطبي وغيره بالآية على جواز النميمة لمصلحة دينية فخرج منها أي من المدينة ممتثلا خائفا يترقب لحوق الطالبين قال رب نجني من القوم الظالمين
12
- ولما توجه أي صرف وجهه تلقاء مدين أي ما يقابل جانبها وتلقاء في الأصل مصدر انتصب على الظرفية ومدين قرية شعيب سميت باسم مدين بن ابراهيم عليه السلام ولم يكن في سلطان فرعون ولذا توجه لقريته وقيل توجه اليها لمعرفته به وقيل لقرابته منه عليهما السلام وكان بينها وبين مصر مسيرة ثمان
قال عسى ربي أن يهديني سوآء السبيل
22
- أي وسط الطريق المؤدي إلى النجاة وإنما قال عليه السلام ذلك توكلا على الله تعالى وثقة بحسن توفيقه عز و جل وكان عليه السلام لايعرف الطرق فعن ثلاث طرائق فاخذ الوسطى وأخذ طالبوه في الأخريين وقالوا : المريب لا يأخذ في أعظ الطرق ولا يسلك إلا بنياتها فبقي ثمان ليال وهو حاف لايطعم إلا ورق الشجر وعن سعيد بن جبير أنه عليه السلام لم يصل حتى سقط خف قدميه وروي أن ه عليه السلام أخذ يمشي من غير معرفة فهداه جبريل عليه السلام إلى مدين وعن السدي أنه عليه السلام أخذ في بنيات الطريق فجاء ملك على فرس بيده عنزة فلما رآه موسى عليه السلام سجد له أي خضع من الفرق فقال : لاتسجد لي ولكن اتبعني وانطلق حتى انتهى به إلى مدين
ولما ورد ماء مدين أي وصل اليه وورد والورود بمعنى الدخول وبمعنى الشرب وليس شيء منهما مرادا والمراد بماء مدين بئر كانوا يسقون منها فهو مجاز من إطلاق الحال وإرادة المحل وجد عليه أي فوق شفيره ومستقاه أمة من الناس أي جماعة كثيرة مختلفي الأصناف ويشعر بالقيد الأول التنوين وبالثاني من الناس لشموله للاصناف المختلفة وهي فائدة ذكره وقيل فائدته تحقير أولئك الجماعة وأنهم لئام لا يعرفون بغير جنسهم أو محتاجون إلى بيان أنهم من البشر يسقون الظاهر أنهم كانوا يسقون مواشي مختلفة الأنواع بمعنى أن منهم من كان يسقي إبلا ومنهم من كان يسقي غنما وهكذا وتخصص سقيهم بنوع يحتاج إلى توقيف ووجد من دونهم أي في مكان أسفل من مكانهم وقيل : من قربهم أو من سواهم أو مما يلي جهته إدا قدم عليهم وإلى هذا الأخير ذهب ابن عطية حيث قال : المعنى ووجد من الجهة التي وصل اليها قبل أن يصل إلى الأمة امرأتين اسم إحداهما قيل ليا وقيل عبرا وقيل شرفا واسم الأخرى قيل صفوريا وقيل صفوراء وقيل صفيراء وفي الكشاف صفيراء اسم الصغرى واسم الكبرى صفراء تذودان كانتا تمنعان غنمهما عن الماء خوفا من السقاة الأقوياء قال ابن عباس وغيره وقيل تمنعان غنمهما عن التقدم إلى البئر لئلا تختلط بغيرها وحكي ذلك عن الزجاج وقال قتادة : تمنعان الناس عن غنمهما وقال الفراء : تحبسان غنمهما عن أن تتفرق وفي جميع هذه الأقوال تصريح بأن المذود كان غنما والظاهر أن ذلك عن توقيف وقيل تذودان عن وجوههما نظر الناظرين لتسترهما وهذأ كما ترى قال ما خطبكما
أي ما مخطوبكما

(20/59)


ومطلوبكما مما أنتما عليهما من التأخر والذود ولم تباشران السقي كغيركما وأصل الخطب مصدر خطب بمعنى طلب ثم استعمل بمعنى المفعول وفي سؤاله عليه السلام إياهما دليل على جواز مكالمة الأجنبية فيما يعني
وقرأ شمر ما خطبكما بكسر الخاء قال في البحر : أي من زوجكما ولم لا يسقي هو وهذه قراءة شاذة نادرة اه ولايخفى ما فيه وإباء الجواب عنه وقال بعضهم : الخطب فيها بمعنى المخطوب والمطلوب كما في القراءة المتواترة ونظيره الحب بكسر الحاء المهملة بمعنى المحبوب
قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء
أي عادتنا أن لانسقي حتى يصرف الرعاة مواشيهم بعد ريها عن الماء عجزا عن مساجلتهم لا أنا لا نسقي اليوم إلى تلك الغاية وقرأ ابن مصرف لانسقي نضم النون من الاسقاء وقرأ أبو جعفر وشيبة والحسن وقتادة والعربيان : ابن عامر وأبو عمرو يصدر بفتح الياء وضم الدال أي حتى يصدر الرعاة بأغنامهم وسأل بعض الملوك عن الفرق بين القراءتين من حيث المعنى فأجيب بأن قراءة يصدر بفتح الياء تدل على فرط حيائها وتواريهما من الاختلاط بالاجانب وقراءة يصدر بضم الياء تدل على إصدار الرعاة المواشي ولم يفهم منها صدورهم عن الماء وقريء بزاي خالصة وبحرف بين الصاد والزاي وقريء الرعاء بضم الراء والمعروف في صيغ الجمع فعال بكسر الفاء كما في قراءة الجمهور وأما فعال بالضم فعلى خلاف القياس لأنه من أبنية المصادر والمفردات كنباح وصراخ وإذا استعمل في معنى الجمع كما في القراءة الشاذة فقيل هو أسم جمع لا جمع وقيل إنه جمع أصلي وقيل إنه جمع ولكن الأصل في الكسر والضم فيه بدل من الكسر كما أنه بدل من الفتح في نحو سكارى والوارد منه في كلام العرب ألفاظ محصورة ذكرها الخفاجي في شرح درة الغواص والمشهور منها على ما قال ثمانية وقد نظمها صدر الأفاضل لا الزمخشري على الأصح بقوله : ما سمعنا كلما غير ثمان
هي جمع وهي في الوزن فعال فرباب وفرار وتؤام
وعرام وعراق ورخال وظؤار جمع ظئر وبساط جمع بسط هكذا فيما يقال وذهب أبو حيان إلى أن الرعاء في قراءة الجمهور ليس بقياس أيضا قال : لأنه جمع راع وقياس فاعل الصفة التي للعاقل أن تكسر على فعلة كقاض وقضاة وما سوى جمعه هذا فليس بقياس وقرأ عياش عن أبي عمرو الرعاء بفتح الراء وهو مصدر أقيم مقام الصفة فاستوى لفظ الواحد والجماعة فيه وجوز أن يكون مما حذف منه المضاف أي أهل الرعاء وأبونا شيخ كبير
32
- ابداء منهما للعذر له عليه السلام في توليهما للسقي بأنفسهما كأنهما قالتا : إنا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مساجلةالرجال ومزاحمتهم ومالنا رجل يقوم بذلك وأبونا شيخ كبير السن قد أضعفه الكبر فلابد لنا من تأخير السقي إلى أن يقضي الناس أوطارهم من الماء وذكر بعضهم أنه عليه السلام اخرج السؤال على ما يقتضيه كرمه ورحمته بالضعفاء حيث سألهما عن مطلوبهما من التأخر والذود قصدا لأن الايجاب بطلب المعونة إلا أنهما لجلالة قدرهما حملتا قوله على ما يجاب عنه بالسبب

(20/60)


وفي ضمنه طلب المعونة لأن إظهارهما العجز ليس إلا لذلك وقيل : ليس في الكلام ما يدل على ضعفهما بل فيه أمارات على حيائهما وسترهما ولو أرادتا إظهار العجز لقالتا لا نقدر على السقي ومعنى وأبونا شيخ كبير أنا مع حيائنا إنما تصدينا لهذا الأمر لكبره وضعفه وإلا كان عليه أن يتولاه ولعل الأولى أن يقال : إنهما أرادتا إظهار العجز عن المساجلة للضعف ولما جبلا عليه من الحياء والكلام وإن لم يكن فيه ما يدل على ضعفهما فيه ما يشير اليه لمن له قلب ويفهم من بيان معنى جوابهما المار آنفا أن جملة أبونا شيخ كبير عطف على مقدر وجوز أن تكون حالا أي نترك السقي حتى يصدر الرعاء والحال أبونا شيخ كبير وأبوهما عند أكثر المفسرين شعيب عليه السلام
فان قيل كيف ساغ لنبي الله تعالى أن يرضى لابنتيه بسقي الغنم فالجواب : أن الأمر في نفسه ليس بمحظور فالدين لا يأباه وأما المروءة فالناس مختلفون في ذلك والعادات متباينة فيه وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر خصوصا إذا كانت الحال حال ضرورة وذهب جماعة إلى أنه ليس بشعيب عليه السلام فأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبيدة أنه قال كان صاحب موسى عليه السلام أثرون بن أخي شعيب النبي عليه السلام وحكى هذا القول عنه أبو حيان أيضا إلا أنه ذكر هرون بدل أثرون وحكاه أيضا عن الحسن إلا أنه ذكر بدله مروان وحكى الطبرسي عن وهب وسعيد بن جبير نحو ما حكاه أبو حيان عن أبي عبيدة وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال بلغني أن أبا الامرأتين ابن أخي شعيب وأسمه رعاويل وقد أخبرني من أصدق ان اسمه في الكتاب يثرون كاهن مدين والكاهن حبر وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال الذي استأجر موسى عليه السلام يثرب صاحب مدين وجاء في رواية أخرى عنه أن اسمه يثرون وهو موافق لما نقل عن الكتاب من الاسم ولم يذكر في هاتين الروايتين نسبته إلى شعيب عليه السلام فيحتمل أن المسمى بما فيها ابن اخيه ويحتمل أنه رجل أجنبي عنه فقد قيل : ان أباهما ليس ذا قرابة من شعيب عليه السلام وإنما هو رجل صالح وحكى الطبرسي عن بعضهم أن يثرون اسم شعيب وقد أخبرني بعض أهل الكتاب بذلك أيضا إلا أنه قال هو عندنا يثرو بدون نون في آخره والذي رأيته أنا في الفصل الثاني من السفر الثاني من توراتهم ما ترجمته ولما سمع فرعون بهذا الخبر أي خبر القتل طلب أن يقتل موسى فهرب موسى من بين يديه وصار إلى بلد مدين وجلس على بئر ماء وكان لامام مدين سبع بنات فجاءت ودلت وملأت الاحواض لسقي غنم أبيهن فلما جاء الرعاة فطردوهن قام موسى فأغاثهن وسقى غنمهن فلما جئن رعوايل أبيهن قال ما بالكن أسرعتن المجيء اليوم الخ وفي أول الفصل الثالث منه ما ترجمته وكان موسى يرعى غنم يثرو حميه أمام مدين الخ فلا تغفل وفي البحر عند الكلام في تفسير إن أبي يدعوك قيل : كان عمها صاحب الغنم وهو المزوج عبرت عنه بالأب إذ كان بمثابته والظاهر أن هذا القائل يقول : إنهما عنتا بالاب هنا العم وأنت تعلم أن هذا وأمثاله مما تقدم مما لا يقال من قبل الرأي فالمدار في قبول شيء من ذلك خبر يعول عليه والاخبار التي وقفنا عليها في هذا المطلب مختلفة ولم يتميز عندنا ما هو الارجح فيما بينها و : اني بك تعول على المشهور الذي عليه أكثر المفسرين وهو أن أباهما على الحقيقة شعيب عليه السلام إلى أن يظهر لك ما يوجب العدول عنه والظاهر من قوله تعالى : فسقى لهما أنه عليه السلام

(20/61)


سارع إلى السقي لهما رحمة عليهما ومنشأ الترحم كونهما على الذود وكون الامة من الناس على السقي ولهذا ذهب الشيخ عبد القاهر وصاحب الكشاف إلى أن حذف المفعول في يسقون وتذودان للقصد إلى نفس الفعل وتنزيله منزلة اللازم أي يصدر منهم السقي ومنهما الذود وقال : إن كون المسقي والمذود إبلا أو غنما خارج عن المقصود بل يوهم خلافه إد لو قيل : أوقدر يسقون إبلهم وتذودان غنمهما لتوهم أن الترحم عليهما ليس من جهة أنهما على الذود والناس على السقي بل من جهة أن مذودهما غنم ومسقيهم إبل بناء على أن محط الفائدة في الكلام البليغ هو القيد الاخير وخالفهما في ذلك السكاكي فذهب إلى أن حذف المفعول من يسقون وتذودان لمجرد الاختصار والمراد يسقون مواشيهم وتذودان غنمهما وكذا سائر الافعال المذكورة في هذه الآية واختاره العلامة الثاني فقال : إن هذا أقرب إلى التحقيق لأن الترحم لم يكن من جهة صدور الذود عنهما وصدور السقي من الناس بل من جهة ذودهما غنمهما وسقي الناس مواشيهم حتى لو كانتا تذودان غير غنمهما بل مواشيهم وكان الناس يسقون غير مواشيهم بل غنمهما مثلا لم يصح الترحم ووافقه في ذلك السيد السند وقال في تحقيق المذهبين : إن الشيخين اعتبرا المفعول الذي نزل الفعلان بالنسبة اليه هو الابل والغنم مثلا أي النوعين من المواشي بدون الاضافة كما يدل عليه قولهما إن كون المسقي والمذود ابلا أو غنما الخ وكل منهما مقابل للآخر في نفسه وجعلا ما يضاف اليه كل في القول أو التقدير المفروض خارجا عن المفعول من حيث إنه مفعول غير ملحوظ معه فالمفعول عندهما ليس الا مطلق الابل والغنم فلو قدر المفعول لأدى الى فساد المعنى فانهما لو كانتا تذودان ابلا لهما على سبيل الفرض لكان الترحم باقيا بحاله لأنه إنما كان لعدم قدرتهما على السقي والسكاكي نظر إلى أن المفعول هو الغنم المضافة اليهما والمواشي المضافة اليهم وكل واحد منهما يقابل الآخر من حيث إنه مضاف فلو لم يقدر المفعول يفسد المعنى وهذا أدق نظرا وأصح معنى انتهى وتعقبه المولى عبد الحكيم السالكوتي بقوله : وفيه بحث لأن عدم التقدير ان قصد به التعميم أي يسقون مواشيهم وغير مواشيهم وتذودان غنمهما وغير غنمهما يلزم الفساد أما إذا قصد به مجرد السقي والذود من غير ملاحظة التعلق بالمفعول كما في قوله تعالى : هل يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون فلا لأن كون طبيعة السقي والذود منشأ الترحم لا يقتضي أن يكون عند تعلقه بمفعول مخصوص كذلك حتى يلزم أن يكون سقي غير مواشيهم وذود غير غنمهم محلا للترحم فتدبر فان منشأ ما ذكره السكاكي عدم الفرق بين الاطلاق والعموم انتهى ولا يخفى أنه ينبغي أن يضم إلى طبيعة السقي والذود بعض الحيثيات كحيثية تحقق طبيعة السقي من أقوياء متغلبين وتحقق طبيعة الذود من أمرأتين ضعيفتين مستورتين في موضع هو مجتمع الناس للسقي وإلا فالظاهر أن مجرد طبيعة السقي والذود لا تصلح منشأ الترحم
وقال بعض الأجلة : ترك المفعول في يسقون ويذودان لأن الغرض هو الفعل لا المفعول إد هو يكفي في البعث على سؤال موسى عليه السلام ومازاد على المقصود لكنه وفضول وأما البعث على المرحمة فليس هذا موضعه فان له قولهما : لا نسقي حتى يصدر الرعاء وابونا شيخ كبير ومن لم يفرق بين البعثين قال ما قال ورد بأن منشأ السؤال هو المرحمة لحالهما كما صرحوا به فسؤاله عليه السلام للتوسل إلى إعانتهما وبرهما لتفرس ضعفهما وعجزهما ولولاه لم يكن للتكلم مع الأجنبية داع وقولهما : لا نسقي الخ باعث لمزيد المرحمة لقبولها للزيادة والنقص وتعقب بأنه إنما يتم لو سلم أنه عليه السلام تفرس ضعفهما وعجزهما لأمور شاهدها

(20/62)


وإلا فالذود لا يدل على ذلك إذ يتحقق للضعف ولغيره وقد نقل الخفاجي كلام جمع من الفضلاء في هذا المقام منه ما ذكرنا عن بعض الأجلة ورده واعترض بما اعترض ثم قال : وأما ما اعترض به على المرحمة فخيال فاسد ومحط كلامه عليه الرحمة الانتصار لما ذهب اليه الشيخان وقد أنتصر لهما وقال بقولهما غير واحد
واعترض بعضهم على تقدير المفعول مضافا بأن الاضافة تشعر بالملك ولا ملك لأحد من الأمة والامرأتين فان الظاهر في الامة أنهم كانوا رعاء والأغلب أن الرعاء لايملكون والظاهر أن ما في يد الامرأتين كان ملكا لأبيهما ولا يخفى أن هذا الاعتراض على طرف الثمام والله تعالى أعلم هذا والظاهر أنه عليه السلام سقى لهما من البئر التي عليها الناس ويدل عليه ما روي أنه عليه السلام دفعهم عن الماء إلى أن سقى لهما وكذا ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : إن موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين وجد عليها أمة من الناس يسقون فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال فاذا هو بامرأتين قال ما خطبكما فحدثتاه فأتى الصخرة فرفعها وحده ثم استسقى فلم يستسق إلا دلوا واحدا حتى رويت الغنم لكن هذا مخالف لما يقتضيه ظاهر الآية من أنه عليه السلام حين ورد ماء مدين وجد الأمة يسقون ووجد الامرأتين تذودان وهذا ظاهر في مقارنة وجدانهما لوجدانهم وذودهما لسقيهم يفهم منه أن وجدانهما بعد فراغهم من السقي كما يقتضيه الخبر فلعل الخبر غير صحيح وتصحيح الحاكم محكوم عليه بعدم الاعتبار وكأن من يقول بصحته يمنع اقتضاء الآية كون وجدان الأمة يسقون ووجدان الامرأتين تذودان في أول وقت الورد فانه يقال : لما ورد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة وجب الصيام ووجبت الزكاة مثلا مع أن وجوب كل ليس في أول وقت الورود فيجوز أن يكون عليه السلام قد وجد أمة يسقون في أول وقت الورود فيجوز أن يكون عليه السلام قد وجد أمة يسقون أول وقت وروده وبعد أن فرغوا من السقي ووضعوا الصخرة على البئر وجد أمرأتين تذودان فخاطبهما بما خطبكما فكان ما كان ويحمل ذودهما على منع غنمهما عن التقدم إلى البئر لعلمهما أنها قد أطبق عليها صخرة لا يقدرون على رفعها ويتكلف في توجيه الجواب ما يتكلف أو يقول الآية على ظاهرها ويسلم اقتضاءه اتحاد الوجدانين والذوي والسقي بالزمان ويمنع أن يكون في الخبر ما ينافي في ذلك الجواز أن يكون المعنى لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان فلما فرغوا أعادوا الصخرة فاذا بالامرأتين حاضرتان عنده بين يديه فسألهما فحدثتاه الخ فما بعد الفراغ من السقي ليس وجدان الامرأتين تذودان وإنما هو حضورهما بين يديه والكل كما ترى وكأني بك تعتمد عدم صحة الخبر
وقيل : إنه عليه السلام سقى لهما من بئر أخرى فقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في خبر طويل أنه عليه السلام لما سأل الامرأتين وأجابتا قال : فهل قربكما ماء قالتا : لا إلا بئر عليها صخرة قد غطيت بها لايطيقها نفر قال فانطلقا فأريانيها فاطلقا معه فقال : بالصخرة بيده فنحاها ثم استسقى لهما سجلا واحدا فسقى الغنم ثم أعاد الصخرة إلى مكانها ثم تولى إلى الظل الذي كان هناك وهو على ما روي عن ابن مسعود ظل شجرة قيل : كانت سمرة وقيل : هو ظل جدار لا سقف له
وقيل : إنه عليه السلام جعل ظهره يلي ما كان يلي وجهه من الشمس وهو المراد بقوله تعالى : ثم تولى

(20/63)


إلى الظل وهو كما ترى فقال رب إني لما أنزلت إلي أي لأي شيء تنزله من خزائن كرمك إلي
من خير جل أو قل فقير
42
- أي محتاج وهو خبر إن وبه يتعلق لما ولما أشرنا إليه من تضمنه معنى الاحتياج عدي باللام وجوز أن يكون مضمنا معنى الطلب واللام للتقوية وقيل : يجوز أن تكون للبيان فتتعلق بأعني محذوفا و ما على جميع الأوجه نكرة موصوفة والجملة بعدها صفتها والرابط محذوف ومن خير بيان لها والتنوين في للشيوع والكلام تعريض لما يطعمه لما ناله من شدة الجوع والتعبير بالماضي بدل المضارع في أنزلت للاستعطاف كالافتتاح برب وتأكيد الجملة للاعتناء ويدل على كون الكلام تعريضا لذلك ما أخرجه ابن مردويه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ملا سقى موسى عليه السلام للجاريتين ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير إنه يومئذ فقير إلى كف من تمر
وأخرج سيعد بن منصور وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والضياء في المختارة عن ابن عباس قال : لقد قال موسى عليه السلام رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير وهو أكرم خلقه عليه ولقد أفتقر إلى شق تمرة ولقد لصق بطنه بظهره من شدة الجوع وفي رواية أخر عنه أنه عليه السلام سأل فلقا من الخبز يشد بها صلبه من الجوع وكان عليه السلام قد ورد ماء مدين وأنه كما روى أحمد في الزهد وغيره عن الحبر ليتراءى خضرة البقل من بطنه من الهزال وإلى مون الكلام تعريضا لذلك وذهب مجاهد وابن جبير وأكثر المفسرين وكان علي كرم الله تعالى وجهه يقول : والله ما سأل إلا خبزا يأكله وجوز أن تكون اللام للتعليل وما موصولة ومن للبيان والتنكير في خير لافادة النوع والتعظيم وصلة فقير مقدرة أي إني فقير إلى الطعام أو من الدنيا لأجل الذي أنزلته إلى من خير الدين وهو النجاة من الظالمين فقد كان عليه السلام عند فرعون في ملك وثروة وليس الغرض عليه التعريض لما يطعمه ولا التشكي والتضجر بل إظهار التبجح والشكر على ذلك ووجه التعبير بالماضي عليه ظاهر
وأنت تعلم أن هذا خلاف المأثور الذي عليه الجمهور ومثله في ذلك ما روي عن الحسن أنه عليه السلام سأل الزيادة في العلم والحكمة ولا يخلو أيضا عن بعد وجاء عن ابن عباس أن الامرأتين سمعتا ما قال فرجعتا إلى أبيهما فاستنكر سرعة مجيئهما فسألهما فأخبرتاه فقال لأحداهما : إنطلقي فادعيه فجاءته إحديهماقيل هي الكبرى منهما وقيل الصغرى وكانتا على ما في بعض الروايات توأمتين ولدت إحداهما قبل الأخرى بنصف نهار وقرأ ابن محيصن حداهما بحذف الهمزة تخفيفا على غير قياس مثل ويلمه في ويل أمه تمشي حال من فاعل جاءت وقوله تعالى : على استحياء متعلق بمحذوف هو حال من ضمير تمشي أي جاءته ماشية كائنة على استحياء فمعناه أنها كانت على استحياء حالتي المشي والمجيء معا لا عند المجيء فقط وتنكير استحياء للتفخيم ومن هنا قيل جاءت متخفرة أي شديدة الحياء وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق عبد الله ابن أبي الهذيل عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال جاءت مستترة بكم درعها على وجهها وأخرجه ابن المنذر عن أبي الهذيل موقوفا عليه وفي رفعه إلى عمر رواية أخرى صححها الحاكم بلفظ واضعة ثوبها على وجهها قالت استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية مجيئها إياه عليه السلام كأنه قيل : فماذا قالت له عليه السلام

(20/64)


فقيل قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا أي جزاء سقيك على أن ما مصدرية ولا يجوز أن تكون موصولة لأن ما يستحق عليه الأجر فعله لا ما سقاه إذ هو الماء المباح واسندت الدعوة إلى أبيها وعللتها بالجزاء لئلا يوهم كلامها ريبة وفيه من الدلالة على كمال العقل والحياء والعفة ما لا يخفى روي انه عليه السلام أجابها فقام معها فقال لها امشي خلفي وانتعتي لي الطريق فاني أكره أن تصيب الريح ثيابك فتصف لي جسدك ففعلت وفي رواية أنه قال لها كوني ورائي فاني رجل لا أنظر إلى أدبار النساء ودليني على الطريق يمينا أو يسارا وروي عن ابن عباس وقتادة وابن زيد وغيرهم أنها مشت أولا أمامه فالزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته فقال لها : أمشي خلفي وانتعتي لي الطريق ففعلت حتى أتيا دار سعيب عليه السلام
فلما جاء وقص عليه القصص أي ما جرى عليه من الخبر المقصوص فانه مصدر سمي به المفعول كالعلل قال لا تخف نجوت من القوم الظلمين
52
- يريد فرعون وقومه وقال ذلك لما أنه لا سلطان لفرعون بارضه ويحتمل أنه قاله عن إلهام أو نحوه واختلف في الداعي له عليه السلام إلى الاجابة فقيل الذي يلوح من ظاهر النظم الكريم أن موسى عليه السلام إنما أجاب المستدعية من غير تلعثم ليتبرك برؤية الشيخ ويستظهر برأيه لا طمعا بما صرحت به من الأجر ألا ترى إلى ما أخرج ابن عساكر عن أبي حازم قال : لما دخل موسى على شعيب عليهما السلام إدا هو بالعشاء فقال له شعيب : كل قال موسى : أعوذ بالله تعالى قال : ولم ألست بجائع قال : بلى ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما وإنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من عمل الآخرة بملء الأرض ذهبا قال : لا والله ولكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام فجلس موسى عليه السلام فأكل وقيل : الداعي له ما به من الحاجة وليس بمستنكر منه عليه السلام أن يقبل الأجر لإضرار الفقر والفاقة
فقد أخرج الامام أحمد عن مطرف بن الشخير قال أما والله لو كان عند نبي الله تعالى شيء ما تبع مذقتها ولكن حمله على ذلك الجهد واستدل بعضهم على أن ذهابه عليه السلام رغبة بالجزاء بما روي عن عطاء بن السائب أنه عليه السلام رفع صوته بقوله رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ليسمعهما ولذلك قيل : له ليجزيك الخ وأجيب بأنه ليس بنص لاحتمال أنه إنما فعله ليكون ذريعة إلى استدعائه لا إلى استيفاء الأجر ولا ضير فيما أرى أن يكون عليه السلام قد ذهب رغبة قد ذهب رغبة في سد جوعته وفي الاستظهار برأي الشيخ ومعرفته ولا أقول أن الرغبة في سد الجوعة رغبة في استيفاء الاجر على عمل اةخرة أو مستلزمة لها ودعوى أن الذي يلوح من ظاهر النظم الكريم أنه عليه السلام إنما أجاب للتبرك والاستظهار بالرأي لا تخلو عن خفاء وعمله عليه السلام بقول امرأة لأنه من باب الرواية ويعمل بقول الواحد حرا كان أو عبدا ذكرا كان أو انثى إذا كان كذلك ومماشاته امرأة أجنبية مما لا بأس به في نظائر تلك الحال مع ذلك الاحتياط والتورع قالت إحداهما وهي التي استدعته إلى أبيها وهي التي زوجها من موسى عليهما السلام يا أبت استئجره أي لرعي الأغنام والقيام بأمرها وأصل الاستئجار كما قال الراغب طلب الشيء بالاجرة ثم عبر به عن تناوله بها وهو المراد هنا وكذأ في قوله سبحانه : إن خير من استئجرت القوي الأمين وهو تعليل جار مجرى الدليل على أنه عليه

(20/65)


السلام حقيق بالاستئجار المفهوم من طلب استئجاره وبعضهم رتب من الآية قياسا من الشكل الأول هكذا هو قوي أمين وكل قوي أمين لائق بالاستئجار ينتج هو لائق بالاستئجار وهو المدعى المفهوم من الطلب وتعقب بأن هذا ظاهر لو كان خير خبرا وليس هو كذلك وأجيب بأن المعنى على ذلك إلا أنه جعل أسما للاهتمام بأمر الخيرية لأنها أم الكمال المبني عليها غيرها وفي الكشاف فان قيل : كيف جعل خير من استأجرت اسما لإن والقوي الأمين خبرا قلت : هو مثل قوله : ألا إن خير الناس حيا وهالكا أسير ثقيف عندهم في السلاسل في أن العناية هي سبب التقديم وقد صدقت حتى جعل لها ما هو أحق أن يكون خبرا أسما وأراد بذلك على ما قيل : أحقية كون خير خبرا من حيث الصناعة ووجه بأن خيرا مضاف إلى من وهي نكرة فكذا هو والإخبار عن النكرة بالمعرفة خلاف الظاهر وإن جوزوه في اسمي التفضيل والاستفهام ولو جعلت موصولة فاضافة أفعل التفضيل لفظية لا تفيد تعريفا كما هو أحد قولين للنحاة فيها وعلى القول بافادتها التعريف يقال : المعرف باللام أعرف من الموصول وما أضيف اليه وتعقب بأن تعريف القوي الامين للجنس وما فيه تعريف الجنس قد ينزل منزلة النكرة وأجيب بأن الموصول إذا أريد به الجنس كذلك وهنا تصح هذه الارادة ليجيء التعدد الذي يقتضيه خير وحيث كان المضاف إلى شيء دونه يكون القوي الأمين أحق بالاسمية وخير أحق بالخبرية وإذا قلت بأن أحقية الخبرية لأن سوق التعليل يقتضيها إلا أنه عدل إلى الاسمية للاهتمام خلصت من كثير من المناقشات وقال لي الشيخ خليل أفندي الآمدي يوم اجتمعت به وأنا شاب عند وروده إلى بغداد فجرى بحث هذه الآية الكريمة : إن القياس المأخوذ منها من الشكل الثاني هكذا موسى القوي الأمين وخير من استأجرت القوي الأمين ينتج موسى خير من استأجرت فقلت : أظهر ما يرد على هذا أن شرط انتاج الشكل الثاني بحسب الكيفية اختلاف مقدمتيه بالايجاب والسلب بأن تكون إحداهما موجبة والأخرى سالبة وهو منتف فيما ذكرت فسكت وأعرض عن البحث حذرا من الفضيحة
وأنت تعلم أن أدلة القرآن لا يلزم فيها الترتيب الذي وضعه المنطقيون فذلك صناعة أغنى الله تعالى العرب عنها وما ذكر من أن جعل خير اسما للاهتمام هو ما اختاره غير واحد وجوز الطيبي أن يكون تقديمه وجعله اسما من باب القلب للمبالغة والظاهر أن أل في القوي الأمين للجنس فيندرج موسى عليه السلام وهو وجه الاستدلال وذكر الاستئجار بلفظ الماضي مع أن الظاهر ذكره بلفظ المضارع للدلالة على أنه أمر قد جرب وعرف وجوز الطيبي أن يكون المراد بالقوي الأمين موسى عليه السلام فكأنها قالت : إن خير من استأجرت موسى والاول أولى ثم إن كلامها هذا كلام حكيم جامع لايزاد عليه لأنه إدا اجتمعت الخصلتان أعني الكفاية والامانة في القائم بأمرك فقد فرغ بالك وتم مرادك وقد استغنت بارسال هذأ الكلام الذي سياقه سياق المثل والحكمة أن تقول : استأجره لقوته وأمانته ولعمري أن مثل هذا المدح من المرأة للرجل أجمل من المدح الخاص وأبقى للحشمة وخصوصا إن كانت فهمت أن غرض أبيها أن يزوجها منه ومعرفتها قوته عليه السلام لما رأت من دفعه الناس عن الماء وحده حتى سقى لهما ومعرفتها أمانته من عدم تعرضه لها بقبيح ما مع وحدتها وضعفها وروي أنها لما قالت ما قالت قال لها أبوها : ما اعلمك بقوته

(20/66)


فذكرتفذكرت له أنه عليه السلام أقل صخرة على البئر لا يقلها كذا وكذا وقد مر في حديث عمر رضي الله تعالى عنه أنه لا يطيق رفعها إلا عشرة رجال والنقل في عدد من يقلها مضطرب فأقل ما قالوا فيه سبعة وأكثر مائه وقد مر ما يعلم منه حال الخبر في أصل الإقلال وذ : رت أنه لا نزع وحده بدلو لا ينزع بها إلأ اربعون وقال : ما أعلمك بأمانته فذكرت ما كان من أمره إياها بالمشي وراءه وأنه صوب رأسه حتى بلغته الرسالة وقدمت وصف القوة مع أن أمانة الأجير لحفظ المال أهم في نظر المستأجر لتقدم علمها بقوته عليه السلام على علمها بأمانته أو ليكون ذكر وصف الامانة بعده من باب الترقي من المهم إلى الأهم واستدل بقولها استأجره على مشروعيتة الاجارة عندهم وكذا كانت في كل ملة وهي من ضروريات الناس ومصلحة الخلطة خلافا لابن علية والاصم حيث كانا لا يجيزانها وهذا مما انعقد عليه الاجماع وخلافهما خرق له فلا يلتفت اليه وهذا لعمري غريب منهما إن كانا لايجيزان الاجارة مطلقا ورأيت في الاكليل أن في قوله تعالى : أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني الخ ردا على من منع الاجارة المتعلقة بالحيوان عشرة سنين لأنه يتغير غالبا فلعل الاجارة التي لا يجيزانها نحو هذه الاجارة والامر في ذلك أهون من عدم اجازة الاجارة مطلقا كما لا يخفى
قال إني أريد أن انكحك إحدى ابنتي هتين استئناف بياني كأنه قيل : فما قال أبوها بعد أن سمع كلامها فقيل : قال إني وفي تأكيد الجملة اظهار لمزيد الرغبة فيما تضمنته الجملة وفي قوله هاتين إيماء إلى أنه كانت له بنات أخر غيرهما وقد أخرج ابن المنذر عن مجاهد أن لهما أربع أخوات صغار وقال البقاعي : إن له سبع بنات كما في التوراة وقد قدمنا نقل ذلك وفي الكشاف فيه دليل على ذلك
واعترض بأنه لا دلالة فيه على ما ذكر إذ يكفي في الحاجة إلى الاشارة عدم علم المخاطب بانه ما كنت له غيرهما وتعقب بأنه على هذا تكفي الاضافة العهدية ولا يحتاج إلى الاشارة فهذا يقتضي أن يكون للمخاطب علم بغيرهما معهود عنده أيضا وإنما الاشارة لدفع إرادة غيرهما من ابنتيه الأخريين المعلومتين له من بينهن ونعم ما قال الخفاجي لا وجه للمشاحة في ذلك فان مثله زهرة لا يحتمل الفرك
وقرأ ورش وأحمد بن موسى عن أبي عمرو أنكحك إحدى بحذف الهمزة وقوله تعالى : على أن تأجرني في موضع الحال من مفعول أنكحك أي مشروطا عليه أو واجبا أو نحو ذلك ويجوز أن يكون حالا من فاعله قاله أبو البقاء وتأجرني من أجرته كنت له أجيرا كقولك أبوته كنت له أبا وهو بهذا المعنى يتعدى إلى مفعول واحد وقوله تعالى : ثماني حجج ظرف له ويجوز أن يكون تأجرني بمعنى تثيبني من أجره تعالى على ما فعل أي أثابه فيتعدى إلى إثنين ثانيهما هنا ثماني حجج والكلام على حذف المضاف وإقامة المضاف اليه مقامه أي تثيبني رعية ثماني حجج أي تجعلها ثوابي وأجري على الانكاح ويعني بذلك المهر
وجوز على هذا المعنى أن يكون ظرفا لتأجرني أيضا بحذف المفعول أي تعوضني خدمتك أو عملك في ثماني حجج ونقل عن المبرد أنه يقال : أجرت داري ومملوكي غير مدود وآجرت ممدودا والاول أكثر فعلى هذا يتعدى إلى مفعولين والمفعول الثاني محذوف والمعنى على أن تأجرني نفسك وقد يتعدى إلى واحد بنفسه والثاني بمن فيقال : أجرت الدار من عمرو وظاهر كلام الأكثرين أنه لا فرق بين آجر بالمد

(20/67)


وأجر بدونه وقال الراغب : يقال أجرت زيدا إذا اعتبر فعل أحدهما ويقال : آجرته إذا اعتبر فعلاهما وكلاهما يرجعان إلى معنى ويقال كما في القاموس أجرته أجرا وآجرته إيجارا ومؤاجرة
وفي تحفة المحتاج آجره بالمد إيجارا وبالقصر يأجره بكسر الجيم وضمها أجرا وفيها أن الاجارة بتثليث الهمزة والكسر أفصح لغة اسم للاجرة ثم اشتهرت في العقد والحجج جمع حجة بالكسر السنة فان أتممت عشرا في الخدمة والعمل فمن عندك أي فهو من عندك من طريق التفضل لا من عندي بطريق الالزام وما أريد أن أشق عليك بالزام إتمام العشر والمناقشة في مراعاة الأوقات واستيفاء الأعمال واشتقاق المشقة وهي ما يصعب تحمله من الشق بفتح الشين وهو فصل الشيء إلى شقين فان ما يصعب عليه يشق عليك رأيك في أمره لتردده في تحمله وعدمه ستجدني إنشاء الله من الصلحين في حسن المعاملة ولين الجانب والوفاء بالعهد ومراد شعيب عليه السلام بالاستثناء التبرك به وتفويض أمره إلى توفيقه تعالى لا تعليق صلاحه بمشيئته سبحانه بمعنى أنه إن شاء الله تعالى استعمل الصلاح وإن شاء عز و جل استعمل خلافه لأن لايناسب المقام
وقيل : لأن صلاحه عليه السلام متحقق فلا معنى للتعليق ونحوه قول الشافعي : أنا مؤمن إن شاء الله تعالى قال ذلك بيني وبينك مبتدأ وخبر أي ذلك الذي قلت وعاهدتني فيه وشارطتني عليه قائم وثابت بيننا جميعا لا يخرج عنه واحد منا لا أنا عما شرطت علي ولا أنت عما شرطت على نفسك وقوله سبحانه : أيما الأجلين أي اطولهما أو أقصرهما قضيت أو وفيتك بأداء الخدمة فيه فلا عدوان علي تصريح بالمراد وتقرير لأمر الخيار أي لا عدوان كائن علي بطلب الزيادة على ما قضيته من الأجلين وتعميم انتفاء العدوان بكلا الأجلين بصدد المشارطة مع تحقق عدم العدوان في اطولهما رأسا للقصد إلى التسوية بينهما في الانتفاء أي كما لا أطلب بالزيادة على العشر لا أطالب بالزيادة على الثمان أو أيما الأجلين قضيت فلا إثم كائن علي كما لا إثم علىي في قضاء الأطول لا إثم علي في قضاء الأقصر فقط
وقرأ عبد الله أي الأجلين ما قضيت فما مزيدة لتأكيد القضاء أي أي الأجلين صممت على قضائه وجردت عزيمتي له كما أنها في القراءة الأولى مزيدة لتأكيد ابهام أي وشياعها وجعلها نافية لا يخفى ما فيه وقرأ الحسن والعباس عن أبي عمرو أيما بتسكين الياء من غير تشديد كما في قول الفرزدق : تنظرت نصرا والسماكين أيهما على الغيث استهلت مواطره وأصلها المشددة وحذفت الياء تخفيفا وهي مما عينه واو ولامه ياء ونص ابن جني على أنها من باب أويت قياسا واشتقاقا وقد نقل كلامه في بيان ذلك العلامة الطيبي في شرح الكشاف فليرجع اليه من شاء
وقرأ أبو حيوة وابن قطيب فلا عدوان بكسر العين والله على ما نقول من الشروط الجارية بيننا وكيل
82
- أي شهيد على ما روي عن ابن عباس وقال قتادة : حفيظ وفي البحر الوكيل الذي وكل اليه الأمر ولما ضمن معنى شاهد ونحوه عدي بعلى ومن هنا قيل : أي شاهد حفيظ والمراد توثيق العهد وأنه لا سبيل لأحد منهما إلى الخروج عنه أصلا وهذا بيان لما عزما عليه واتفقا على إيقاعه اجمالا من غير تعرض

(20/68)


لبيانلبيان مواجب عقدي النكاح والاجارة في تلك الشريعة تفصيلا وقول شعيب عليه السلام : إني أريد أن أنكحك الخ ظاهر في أنه عرض لرأيه على موسى عليه السلام واستدعاء منه للعقد وتحقيق له بالفعل ولم يجزم القائلون باتفاق الشريعتين في ذلك بكيفية ما وقع فقيل لعل النكاح جرى على معينة بمهر غير الخدمة المذكورة وهي إنما ذكرت على طريق المعاهدة لا المعاقدة فكأنه قال : أريد أن أنكحك احدى ابنتي بمهر معين إذا أجرتني ثمان حجج بأجرة معلومة فما تقول في ذلك فرضي فعقد له على معينة منهما فلا يرد الابهام في المرأة المزوجة غير صحيح وعلى الخدمة ومنافع الحر عندنا أيضا خصوصا إذا قيل : إن مدتها غير معينة وهي أيضا ليست للزوجة بل لأبيها فكيف صح كونها مهرا وقيل : يجوز أن يكون جرى على معينة بمهر الخدمة المذكورة ولا فساد في جعل الرعية مهرا افنه جائز عند الشافعي عليه الرحمة وكذا عند الحنفية كما يفهم من الهداية ونقل عن صاحب المدارك أنه قال : التزوج على رعي الغنم جائز بالاجماع لأنه قيام بأمر الزوجية لا خدمة صرفة وفي دعوى الاجماع ان أريد به اجماع الأئمة مطلقا بحث ففي المحيط البرهاني لو تزوجها على أن يرعى غنمها سنة لم يجز على رواية الأصل وروى ابن سماعة عن محمد أنه يجوز في الرعي وفي الانتصاف مذهب مالك في ذلك على ثلاثة أقوال المنع والكراهة والجواز ويقال على الجواز كانت الغنم للمزوجة لا لأبيها وليس في المدة إبهام إذ هي الحجج الثمان والزائدة قد وعد موسى عليه السلام والوفاء به إن تيسر له على أن الابهام في المهر يجوز كما هو مبين في الفروع وقال بعضهم : يجوز أن تكون الشرائع مختلفة في أمر الانكاح فلعل إنكاح المبهمة جائز في شريعة شعيب عليه السلام ويكون التعيين للولي أو للزوج وكذا جعل خدمة الولي صداقا ونحو ذلك مما لا يجوز في شريعتنا
ولا يرد أن ما قص من الشرائع السالفة من غير إنكار فهو شرع لنا لأنه على الاطلاق غير مسلم وفي الاكليل عن مكي أنه قال : في الآية خصائص في النكاح منها أنه لم يعين الزوجة ولا حد أول المدة وجعل المهر إجارة ودخل ولم ينفذ شيئا والذي يميل اليه القلب اختلاف الشرائع في مواجب النكاح وربما يستأنس له بما في الفصل التاسع والعشرين من السفر الاول من التوراة أن يعقوب عليه السلام مضى إلى بلد أهل الشرق فاذا بئر في الصحراء على فمها صخرة عظيمة وعندها ثلاث قطعان من الغنم لرعاتها : من أين أنتم يا أخوة قالوا : من حران فقال لهم : أتعرفون لابان بن ناحور فقالوا : نعم فقال : أحي هو قالوا : نعم وهذه راحيل ابنته مع الغنم ثم قال : ليس هذا وقت انضمام الماشية فاسقوا الغنم وامضوا بها فرعوها قالوا : لا نطيق ذلك إلى أن تجتمع الرعاة ويدحرجوا الصخرة عن فم البئر فبينما هو يخاطبهم جاءت راحيل مع غنم أبيها فلما رأى ذلك تقدم ودحرج الصخرة وسقى غنم خاله لابان ثم قبل راحيل وبكى وأخبرها أنه ابن عمتها ربقا فأخبرت أباها فخرج للقائه فعانقه وقبله وأدخله إلى منزله ثم قال لابان له : أما أنت فعظمي ولحمي ومكث عنده شهرا فقال له لابان : أنت وإن كنت ذا قرابة مني لا استحسن أن تخدمني مجانا فاخبرني بما تريد من الأجرة وكان له ابنتان اسم الكبرى ليا واسم الصغرى راحيل وعينا ليا حسنتان وراحيل حسنة الحلية والمنظر فأحبها يعقوب فقال : أخدمك سبع سنين براحيل فقال : لابان : اعطائي اياها لك أصلح من إعطائي إياها لرجل آخر فأقم عندي فخدمه براحيل سبع سنين ثم قال : اعطني زوجتي فقد كملت أيامي فجمع

(20/69)


لا بان أهل الموضع وصنع لهم مجلسا فلما كان العشاء أخذ ليا بنته فزفها اليه ودخل عليها فأعطاها لابان أمته زلفا لتكون لها أمة فلما كانت الغداة فاذ ا هي ليا فقال للابان : ماذا صنعت بي اليس براحيل خدمتك : قال نعم لكن لا تزوج الصغرى قبل الكبرى في بلدنا فأكمل اسبوع هذه وأعطيك اختها راحيل أيضا بالخدمة التي تخدمها عندي سبع سنين أخر فكمل يعقوب اسبوع ليا ثم أعطاه ابنته راحيل زوجة وأعطاها أمته بلها لتكون لها أمة فلما دخل عليها يعقوب أحبها أكثر من حبه ليا ثم خدمه سبع سنين أخر اه
وأخبرني بعض أهل الكتاب أنه يجوز أن تكون خدمة الأب مهرا لابنته ويلزم الأب إرضاؤها بشيء إذا كانت كبيرة وان ما التزم من الخدمة لا يجب فعله قبل الدخول ويكفي الالترام والتعهد وأن المهر عندهم كل شيء له قيمة أو ما في حكمها وأن تسليم المراة نفسها للروج راضية بما يحصل لها منه من قضاء الوطر والانتفاع بدلا عن المهر قد يقوم مقام المهر وان حل الجمع بين الاختين كان ليعقوب عليه السلام خاصة وهدا الأخير مما دكره علماء الاسلام والله تعالى أعلم بصحة غيره مما ذكر من الكلام وهذا وللعلماى في الآية استدلالات قال في الأكليل : فيها استحباب عرض الرجل موليته على أهل الخير والفضل أن ينكحوها واعتبار الولي في النكاح وان العمى لا يقدح في الولاية فانه عليه السلام كان أعمى واعتبار الايجاب والقبول في النكاح وقال ابن الغرس : استدلال مالك بهذه الآية على إنكاح الاب البكر البالغة بغير استثمار لانه لم يذكر فيها استثمار قال ك واحتج بعضهم على جواز أن يكتب في الصداق انكحه إياها خلافا لمن اختار انكحها إياه قائلا لانه إنما يملك النكاح عليها لا عليه وقال ابن العربي : استدل بها أصحاب الشافعي على أن النكاح موقوف على لفظ الانكاح والتزويج قال : واستدل بها قوم على جواز الجمع بين نكاح وإجارة في صفقة واحدة فعدوه إلى كل صفقة تجمع عقدين وقالوا بصحتها قال : واستدل بها علماونا على أن اليسار لا يعتبر في الكفاءة فان موسى عليه السلام لم يكن حينئذ موسرا قال : وفي قوله : والله على ما نقول وكيل اكتفاى بشهادة الله عز و جل إذ لم يشهد أحدا من الخلق فيدل على عدم اشتراط الاشهاد في النكاح اه واستدل بها الأوزاعية على صحة البيع فيما إذا قال بعتك بالف نقدا أو ألفين نسيئة اه ما في الاكليل من حذف قليل
ولا يخفى ما في هذه الاستدلالات من المقالات والمنازعات ثم ان ما تقدم عن مكي من أنه عليه السلام دخل ولم ينفذ شيئا مما قاله غيره أيضا وقد روي أيضا من طريق الامامية عن ابي عبد الله رضي الله تعالى عنه وقيل : إنه عليه السلام لم يدخل حتى أتم الأجل وجاى في بعض الآثار أنهما لما أتما العقد قال شعيب لموسى عليهما السلام : ادخل ذلك البيت فخذ عصى من العصي التي فيه وكان عنده عصي الانبياء عليهم السلام فدخل واخذ العصا التي هبط بها آدم من الجنة ولم تزل الانبياء عليهم السلام يتوارثونها حتى وقعت على شعيب فقال له شعيب : خذ غير هذه فما وقع في يده الا هي سبع مرات فعلم أنه له شأنا وعن عكرمة أنه قال خرج آدم عليه السلام بالعصا من الجنة فأخذها جبرائيل عليه السلام بعد موته وكانت معه حتى لقي بها موسى ليلا فدفعها اليه وفي مجمع البيان عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه قال : كانت عصا موسى قضيب آس من الجنة أتاه بها جبرائيل عليه السلام لما توجه تلقاء مدين وقال السدي : كانت تلك العصا قد أودعها شعيبا ملك في صورة رجل فأمر ابنته أن تأتي بعصا فدخلت وأخذت العصا فأتته بها فلما رآها الشيخ قال ائتيه بغيرها فردها سبع مرات فلم يقع في

(20/70)


يدها غيرها فدفعها اليه ثم ندم لأنها وديعه فتبعه فاختصما فيها ورضيا أن يحكم بينهما أول طالع : فأتاهما الملك فقال اليقياها فمن بفعها فهي له فعالجها الشيخ فلم يطقها ورفعها موسى عليه السلام وعن الحسن ما كانت إلا عصا من الشجر اعترضها اعتراضا وعن الكلبي التي نودي منها شجرة العوسج ومنها كانت عصاه
وروي أنه لما شرع عليه السلام بالخدمة والرعي قال له شعيب : إذا بلغت مفرق الطريق فلا تأخذ على يمينك فان الكلأ وإن كان بها أكثر إلا أن فيها تنينا اخشاه عليك وعلى الغنم فلما بلغ مفرق الطريق أخذت الغنم ذات اليمين ولم يقدر على كفها ومشى على أثرها فاذا عشب وريف لم ير مثله فنام فاذا بالتنين قد اقبل فحاربته العصا حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى عليه السلام دامية فلما أبصرها دامية والتنين مقتولا ارتاح لذلك ولما رجع إلى شعيب وجد الغنم ملأى البطون فأخبره موسى عليه السلام بما كان ففرح وعلم أن لموسى والعصا شأنا وقال له : إني وهبت لك من نتاج غنمي هذا العام كل أدرع ودرعاء فاوحى الله تعالى اليه في المنام أن اضرب بعصاك مستقى الغنم ففعل ثم سقى فما أخطأت واحدة إلا وضعت أدرع أو درعاء فوفى له شعيب بما قال
وحكى يحيى بن سلام أنه جعل له له كل سخلة تولد على خلاف شية أمها فأوحى الله تعالى الى موسى عليه السلام في المنام أن الق عصاك في الماء الذي تسقي منه الغنم ففعل فولدت كلها على خلاف شيتها وأخر ابن ماجة والبزار وابن المنذر والطبراني وغيرهم من حديث عتبة السلمي مرفوعا أنه عليه السلام لما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به فاعطاها ما ولدت غنمه من قالب لون من ذلك العام وكانت غنمه سوداء حسناء فانطلق موسى إلى عصاه فسماها من طرفها ثم وضعها في أدنى الحوض ثم أوردها فسقاها ووقف بإزاء الحوض فلم يصدر منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة فأنمت وانثنت ووضعت كلها قوالب الوان إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش أي واسعة الشخب ولا ضبوب أي طويلة الضرع تجره ولا غرور أي ضيقة الشخب ولا ثعول أي لا ضرع لها إلا كهيئة حلمتين ولا كمشة تفوت الكف أي صغيرة الضرع لايدرك الكف وظاهر هذا الخبر أن الهبة كانت لزوجته عليه السلام وأنه كان ذلك لما أراد فراق شعيب عليهما السلام وهو خلاف ما يقتضيه ظاهر ما تقدم فلما قضى موسى الأجل أي أتم المدة المضروبة لما أراد شعيب منه والمراد به الأجل الآخر كما أخرجه ابن مردويه عن مقسم عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما وأخرج البخاري وجماعة عن ابن عباس أنه سئل أي الأجلين قضى موسى عليه السلام فقال : قضى أكثرهما وأطيبهما إن رسول الله إذا قال فعل وأخرج ابن مردويه من طريق علي بن عاصم عن أبي هرون عن أبي سعيد الخدري أن رجلا سأله أي الأجلين قضى موسى فقال : لا أدري حتى أسأل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فسأل رسول الله عليه الصلاة و السلام فقال : لا أدري حتى أسأل جبريل عليه السلام فسأل جبريل فقال : لا أدري حتى أسأل ميكائيل عليه السلام فسأل ميكائيل فقال : لا أدري حتى أسأل الرفيع فسأل الرفيع فقال : لا أدري حتى اسأل اسرافيل عليه السلام فسأل اسرافيل فقال : لا أدري حتى أسأل ذا العزة جل جلاله فنادى إسرافيل بصوته الاشد ياذا العزة أي الأجلين قضى موسى قال : أتم الاجلين واطيبهما عشر سنين قال علي بن عاصم : فكان أبو هرون إذا حدث بهذا الحديث يقول : حدثني أبو سعيد عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن جبريل عن ميكائيل عن

(20/71)


الرفيعالرفيع عن اسرافيل عن ذي العزة تبارك وتعالى أن موسى قضى أتم الأجلين وأطيبهما عشر سنين والفاى قيل : فصيحة أي فعقد العقدين وباشر موسى ما أريد منه فلما أتم الاجل وسار بأهله قيل : نحو مصر باذن من شعيب عليه السلام لزيارة والدته وأخيه وأخته وذوي قرابته وكأنه عليه السلام اقدمه على ذلك طول مدة الجناية وغلبة ظنه خفاء أمره وقيل : سار نحو بيت المقدس وهذا أبعد عن القيل والقال
ءانس من جانب الطور أي أبصر من الجهة التي تلي الطور لامن بعضه كما هو المتبادر واصل الايناس على ما قيل الاحساس فيكون أعم من الابصار وقال الزمخشري : هو الابصار البين الذي لاشبهة فيه ومنه انسان العين لأنه يبين به الشيء والانس لظهورهم كما قيل : الجن لاستتارهم وقيل : هو ابصار ما يؤنس به نارا استظهر بعضهم أن المبصر كان نورا حقيقيا إلا أنه عبر عنه بالنار اعتبارا لاعتقاد موسى عليه السلام وقال بعض العارفين : كان المبصر في صورة النار الحقيقية وأما حقيقته فوراء طور العقل إلا أن موسى عليه السلام ظنه النار المعروفة قال لأهله امكثوا أي أقيموا مكانكم وكان معه عليه السلام على قول امرأته وخادم ويخاطب الاثنان بصيغة الجمع وعلى قول آخر كان معه ولدان له أيضا اسم الاكبر جيرشوم واسم الاصغر اليعازر ولدا له زمان إقامته عند شعيب وهذا مما يتسنى على القول بانه عليه السلام دخل على زوجته قبل الشروع فيما أريد منه واما على القول بأنه لم يدخل عليها حتى أتم الأجل فلا يتسنى الا بالتزام أنه عليه السلام مكث بعد ذلك سنين ثم مكث بعد ذلك عشرا أخرى وعن وهب أنه عليه السلام ولد له ولد في الطريق ليلة إيناس النار وفي البحر أنه عليه السلام خرج بأهله وماله في فصل الشتاء وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام وامرأته حامل لايدري أليلا تضع أم نهارا فسار في البرية لايعرف طرقها فاجأه السير إلى جانب الطور الغربي الايمن في ليلة مظلمة مثلجة شديدة البرد وقيل : كان لغيرته على حرمه يصحب الرفقة ليلا ويفارقهم نهارا فأضل الطريق يوما حتى أدركه الليل فأخذ امرأته الطلق فقدح زنده فأصلد فنظر فاذا نارا تلوح من بعد فقال امكثوا إني ءانست نارا لعلي ءاتيكم منها بخبر أي بخبر الطريق بأن أجد عندها من يخبرني به وقد كانوا كما سمعت ضلوا الطريق والجملة استئناف في معنى التعليل للأمر أو جذوة أي عود غليظ سواء كان في رأسه نار كما في قوله : وألقي على قيس من النار جذوة شديدا عليها حرها والتهابها أو لم تكن كما في قوله : باتت حواطب ليلى يلتمسن لها جزل الجذا غير خوار ولا دعر ولذا بينت كما قال بعض المحققين بقوله تعالى : من النار وجعلها نفس النار للمبالغة كأنها لتشبث النار بها استحالت نارا وقال الراغب : الجذوة ما يبقى من الحطب بعد الالتهاب وفي معناه قول ابي حيان : عود فيه نار بلا لهب وأخرج ابن أبي حاتم عن أبن زيد قال : هي عود من حطب فيه النار

(20/72)


وأخرجوأخرج هو وجماعة عن قتادة أنها أصل شجرة في طرفها النار قيل : فتكون من على هذا للابتداء والمراد بالنار هي التي آنسها
وقرأ الأكثر جذوة بكسر الجيم والاعمش وطلحة وأبو حيوة وحمزة بضمها لعلكم تصطلون تستدفئون وتتسخنون بها وفيه دليل على أنهم أصابهم برد فلما أتيها أي النار التي آنسها
نودي من شاطيء الوادي الايمن أي أتاه النداء من الجانب الايمن بالنسبة إلى موسى عليه السلام في مسيره فالأيمن صفة الشاطيء وهو ضد الايسر وجوز أن يكون الايمن بمعنى المتصف باليمن والبركة ضد الاشأم وعليه فيجوز كونه صفة للشاطيء أو الوادي و من على ما اختاره جمع لابتداء الغاية متعلقة بما عندها وجوز أن تتعلق بمحذوف وقع حالا من ضمير موسى عليه السلام المستتر في نودي أي نودي قريبا من شاطيء الوادي وجوز على الحالية أن تكون من بمعنى في كما في قوله تعالى : ماذا خلقوا من الارض أي نودي كائنا في شاطيء الوادي وقوله تعالى في البقة المباركة في موضع الحال من الشاطيء أو صله لنودي والبقعة القطعة من الأرض على غير هيئة التي إلى جنبها وتفتح باؤها كما في القاموس وبدلك قرأ الأشهب العقيلي ومسلمة ووصفت بالبركة لما خصت به من آيات الله عز و جل وأنواره
وقيل : لما حوت من الارراق والثمار الطيبة وليس بذاك وقوله تعالى : من الشجرة بدل من قوله تعالى : من شاطيء أو الشجرة فيه بدل من شاطيء وأعيد الجار لأن البدل على تكرار العامل وهو بدل اشتمال فان الشاطيء كان مشتملا على الشجرة إذ كانت نابتة فيه و من هنا لا تحتمل أن تكون بمعنى في كما سمعت في من الأولى نعم جوز فيها أن تكون للتعليل كما في قوله تعالى : مما خطيئاتهم أغرقوا متعلقة بالمباركة أي البقعة المباركة لأجل الشجرة وقيل : يجوز تعلقها بالمباركة مع بقائها للابتداء على معنى أن ابتداء بركتها من الشجرة وكانت الشجرة على ما روي عن ابن عباس عنابا وعلى ما روي عن ابن مسعود سمرة وعلى ما روي عن ابن جريج والكلبي ووهب عوسجة وعلى ما روي عن قتادة ومقاتل عليقة وهو المذكور في التوراة اليوم وأن في قوله تعالى : أن يموسى تحتمل أن تكون تفسيرية وأن تكون مخففة من الثقيلة والأصل بأنه والجار متعلق بنودي والنداى قد يوصل بحرف الجر أنشد أبو علي : ناديت باسم ربيعة بن مكدم أن المنوه باسمه الموثوق والضمير للشأن وفسر الشان بقوله تعالى : إني أنا الله رب العلمين
3
- وقرأت فرقة أني بفتح الهمز واستشكل بأن أن إن كانت تفسيرية ينبغي كسر إن وهو ظاهر وإن كانت مصدرية واسمها ضمير الشأن فكذلك إذ على الفتح تسبك مع ما بعدها بمفرد وهو لايكون خبرا عن ضمير الشأن وخرجت على أن أن تفسيرية وأني الخ في تأويل مصدر معمول لفعل محذوف والتقدير أي ياموسى أعلم أني أنا الله الخ وجاء في سورة طه نودي يا موسى إني أنا ربك وفي سورة النمل نودي أن بورك من في النار وما هنا غير ذلك بل ما في كل غير ما في الآخر فاستشكل ذلك

(20/73)


وأجيب بان المغايرة إنما هي في اللفظ واما في المعنى المراد فلا مغايرة وذهب الامام إلى أنه تعالى حكى في كل من هذه السور بعض ما اشتمل عليه النداء لما أن المطابقة بين ما في المواضيع الثلاثة تحتاج إلى تكلف ما والظاهر أن النداء منه عز و جل من غير توسط ملك وقد سمع موسى عليه السلام على ما تدل عليه الآثار كلاما لفظيا قيل : خلقه الله تعالى في الشجرة بلا اتحاد وحلول وقيل : خلقه في الهواء كذلك وسمعه موسى عليه السلام من جهة الجانب الأيمن أو من جميع الجهات وأنا وإن كان كل أحد يشير به إلى نفسه فليس المعني به محل لفظه
وذهب الشيخ الاشعري والامام الغزالي إلى أنه عليه السلام سمع كلامه تعالى النفسي القديم بلا صوت ولا حرف وهذا كما ترى ذاته عز و جل بلا كيف ولا كم وذكر بعض العارفين أنه إنما سمع كلامه تعالى اللفظي بصوت وكان ذلك بعد ظهوره عز و جل بما شاء من المظاهر التي تقتضيها الحكمة وهو سبحانه مع ظهوره تعالى كذلك باق على إطلاقه حتى عن قيد الاطلاق وقد جاء في الصحيح أنه تعالى يتجلى لعباده يوم القيامة في صورة فيقول : أنا ربكم فينكرونه ثم يتجلى لهم بأخرى فيعرفونه والله تعالى وصفاته من وراء حجب العزة والعظمة والجلال فلا يحدثن الفكر نفسه بأن يكون له وقوف على الحقيقة بحال من الأحوال
مرام شط مرمي العقل فيه ودون مداه بيد لا تبيد وذكر بعض السلفيين أنه عليه السلام إنما سمع كلامه تعالى بصوت منكر الظهور في المظاهر عادا القول به من أعظم المناكر ولابن القيم كلام طويل في تحقيق ذلك وقد قدمنا لك في المقدمات ما يتعلق بهذا المقام فتذكر والله تعالى ولي الافهام وقال الحسن : إنه سبحانه نادى موسى عليه السلام نداء الوحي لا نداء الكلام ولم يرتض ذلك العلماء الأعلام لما فيه من مخالفة الظاهر وأنه لا يظهر عليه وجه اختصاصه باسم الكليم من بين الأنبياء عليهم السلام ووجه الاختصاص على القول بانه سمع كلامه تعالى الأزلي بلا حرف ولا صوت ظاهر وكذا على القول بأنه عليه السلام سمع صوتا دالا على كلامه تعالى بلا واسطة ملك أو كتاب سواء كان من جانب واحد لكن بصوت غير مكتسب للعباد على ما هو شأن سماعنا أو من جميع الجهات لما في كل من خرق العادة وأما وجهه عند القائلين بان السماع كان بعد التجلي في المظهر فكذلك أيضا أن قالوا بأن هذا التجلي لم يقع لأحد من الأنبياء عليهم السلام سوى موسى ثم ان علمه عليه السلام بأن الذي ناداه هو الله تعالى حصل له بالضرورة خلقا منه سبحانه فيه وقيل : بالمعجزة وأوجب المعتزلة أن يكون حصوله بها فمنهم من عينها ومنهم من لم يعينها زعما منهم أن حصول العلم الضروري ينافي التكليف وفيه بحث
وأن ألق عصاك عطف على أن يا موسى والفاء في قوله تعالى : فلما رءاها تهتز فصيحة مفصحة عن جمل حذفت تعويلا على دلالة الحال عليها واشعارا بغاية سرعة تحقق مدلولاتها أي فالقاها فصارت حية فاهتزت فلما رآها تهتز وتتحرك كأنها جان هي حية كحلاء العين لا تؤذي كثيرة في الدور والتشبيه بها باعتبار سرعة حركتها وخفتها لا في هيئتها وجثتها فلا يقال : إنه عليه السلام لما ألقاها صارت ثعبانا عظيما فكيف يصح تشبيهها بالجان وقال بعضهم : يجوز أن يكون المراد تشبيهها بها في الهيئة والجثة ولا ضير في ذلك لأن

(20/74)


لها أحوالا مختلفة تدق فيها وتغلظ وقيل : الجان يطلق على ما عظم من الحيات فيراد عند تشبيهها بها في ذلك والاولى ما ذكر أولا ولي مدبرا منهزما من الخوف ولم يعقب أي ولم يرجع يموسى أي نودي أو قيل : ياموسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين
13
- من المخاوف فانه لا يخاف لدي المرسلون : اسلك يدك أي أدخلها في جيبك هو فتح الجبة من حيث يخرج الراإ تخرج بيضاء من غير سوء أي عيب واضمم اليك جناحك من الرهب أي من أجل المخافة قال مجاهد وابن زيد أمره سبحانه بضم عضده وذراعه وهو الجناح إلى جنبه ليخف بذلك فزعه ومن شأن الانسان إذا فعل ذلك في وقت فزعه أن يقوى قلبه وقال الثوري : خاف موسى عليه السلام أن يكون حدث به سوء فأمره سبحانه أن يعيد يده إلى جنبه لتعود إلى حالتها الأولى فيعلم أنه لم يكن ذلك سوءا بل آية من الله عز و جل وقريب منه ما قيل : المعنى إذا هالك أمر لما يغلب من شعاعها فاضممها اليك يسكن خوفك وفي الكشاف فيه معنيان : أحدهما أن موسى عليه السلام لما قلب الله تعالى العصا حية فزع واضطرب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء فقيل له : إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الاعداء فاذا ألقيتها فكما تنقلب حية فادخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ثم أخرجها بيضاء ليحصل الامران : اجتناب ما هو غضاضة عليك وإظهار معجزة أخرى والمراد بالجناح اليد لأن يدي الانسان بمنزلة جناحي الطائر وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضده اليسرى فقد ضم جناحه اليه والثاني أن يراد بضم جناحه اليه تجلده وضبطه نفسه وتشدده عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب استعارة من فعل الطائر لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما وإلا فجناحاه مضمومان اليه مشمران ومعنى من الرهب من أجل الرهب أي إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم اليك جناحك وجعل الرهب الذي يصيبه سببا وعلة فيما أمر به من ضم جناحه اليه ومعنى واضمم اليك جناحك وقوله تعالى : اسلك يدك في جيبك على أحد التفسيرين واحد ولكن خولف بين العبارتين وإنما كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء وفي الثاني اخفاء الرعب اه وضم الجناح على الثاني كناية عن التجلد والضبط نحو قوله : اشدد حيازيمك للموت فان الموت لاقيك وهو مأخوذ من فعل الطائر عند الأمن بعد الخوف وهو في الاصل مستعار من فعل الطائر عند هذه الحالة ثم كثر استعماله في التجلد وضبط النفس حتى صار مثلا فيه وكناية عنه وعليه يكون تتميما لمعنى إنك من الآمنين وهذا مأخوذ من كلام أبي على الفارسي فانه قال : هذا أمر منه سبحانه بالعزم على ما أراده منه وحض على الجد فيه لئلا يمنعه الذي يغشاه في عبض الاحوال عما أمر بالمضي فيه وليس المراد بالضم الضم المزيل للفرجة بين الشيئين وهو أبعد عن المناقشة مما ذكره الزمخشري ومثله في البعد عن المناقشة ما قاله البقاعي : من أنه أريد بضم جناحه اليه تجلده وضبطه نفسه عند خروج يده بيضاء حتى لا يحذر ولا يضطرب من الخوف وأراد بأحد التفسيرين الوجه الاول لأن المعنى عليه أدخل يدك اليمنى تحت عضدك اليسرى وقال بعضهم : إن المعنى اضمم يديك المبسوطتين بادخال اليمنى تحت العضد الايسر واليسرى تحت الايمن أو بادخالهما في

(20/75)


الجيب وظاهره أنه أريد بالجناح الجناحان وقد صرح الطبرسي بذلك في نحو ما ذكر وقال : إنه قد جاء بالمفرد مرادا به التثنية كما في قوله : يداك يد احداهما الجود كله وراحتك اليسرى طعان تغامره فان المعنى يداك يدان بدلالة قوله احداهما وفي الكشاف أيضا من بدع التفاسير أن الرهب الكم بلغة حمير وأنهم يقولون : اعطني ما في رهبك وليت شعري كيف صحته في اللغة وهل سمع من الاثبات الثقات التي ترضي عربيتهم ثم ليت شعري كيف موقعه في الآية وكيف تطبيقه المفصل كسائر كلمات التنزيل على أن موسى عليه السلام ما كان عليه ليلة المناجاة إلا زرمانقة من صوف لا كمين لها اه وما أشار اليه من أن ذاك لا يطابق بلاغة التنزيل مما لا ريب فيه فان الذاهبين اليه قالوا : المعنى عليه واضمم اليك يدك مخرجة من الكم لأن يده وهو معنى كما ترى ولفظه أقصر منه في الافادة وأما أمر سماعه عن الاثبات فقد تعقبه في البحر بأنه مروي عن الاصمعي وهو ثقة ثبت وقال الطيبي : قال محيي السنة : قال الاصمعي : سمعت بعض الاعراب يقول اعطني ما في رهبك أي ما فيكمك وزعم بعضهم أن استعمال الرهب في الكم لغة بني حنيفة أيضا وهو عندهم وكذا حمير بفتح الراء والهاء والحزم عندي عدم الجزم بثبوت هذه اللغة وعلى تقدير الثبوت لا ينبغي حمل ما في التنزيل الكريم عليها والظاهر أن من الرهب متعلق باضمم وقال أبو البقاء : هو متعلق بولى وقيل بمدبرا وقيل بمحذوف : أي تسكن من الرهب وقيل باضمم ولا يخفى ما في تعلقه بسوى اضمم وإن اشار إلى تعلقه بولى مدبرا كلام ابن جريج على ما أخرجه عنه ابن المنذر حيث جعل الآية من التقديم والتأخير والمراد ولى مدبرا من الرهب وقرأ الحرميان : من الرهب بفتح الراء والهاء وأكثر السبعة بضم الراء واسكان الهاء وقرأ قتادة والحسن وعيسى والجحدري بضمهما والكل لغات فذانك أي العصا واليد والتذكير لمراعاة الخبر وهو قوله تعالى : برهانان وقيل : الاشارة إلى إنقلاب العصا حية بعد إلقائها وخروج اليد بيضاء بعد إدخالها في الجيب فأمر التذكير ظاهر والبرهان الحجة النيرة وهو فعلان لقولهم : ابره الرجل إذا جاء بالبرهان من بره الرجل إذا ابيض ويقال للمرأة بيضاء : برهاء وبرهرهة
وقال بعضهم : هو فعلان من البره بمعنى القطع فيفسر بالحجة القاطعة وقيل : هو فعلال لقولهم برهن ونقل عن الأكثر أن برهن مولد بنوه من لفظ البرهان وقرأ أبو عمرو وابن كثير فذانك بتشديد النون وهي لغة فيه فقيل : إنه عوض من الألف المحذوفة من ذا حال التثنية لألفها نون وادغمت وقال المبرد : إنه بدل من لام ذلك كأنهم أدخلوها بعد نون التثنية وقرأ ابن مسعود وعيسى وأبو نوفل وابن هرمز وشبل فذانيك بياء بعد النون المكسورة وهي لغة هذيل وقيل : بل لغة تميم ورواها شبل عن ابن كثير وعنه أيضا فذانيك بفتح النون قبل الياء على لغة من فتح نون التثنية نحو قوله : على أحوذيين استقلت عشية فما هي إلا لمحة وتغيب

(20/76)


وعن ابن مسعود أنه قرأ بتشديد النون مكسورة بعدها ياء قيل وهي لغة هذيل وقال المهدوي بل لغتهم تخفيفها و من في قوله تعالى : من ربك متعلق بمحذوف هو صفة لبرهانان أي كائنان من ربك و إلى في قوله سبحانه : إلى فرعون وملائه متعلق بمحذوف أيضا هو على ما يقتضيه ظاهر كلام بعضهم صفة بعد صفة له أي واصلان اليهم وعلى ما يقتضيه ظاهر كلام آخرين حال منه أي مرسلا أنت بهم اليهم
وفي البحر أنه متعلق بمحذوف دل عليه المعنى تقديره أذهب إلى فرعون إنهم أي فرعون وملأه كانوا قوما فسقين أي خارجين عن حدود الظلم والعدوان فكانوا أحقاء بأن نرسلك بهاتين المعجزتين الباهرتين اليهم والكلام في كانوا يعلم مما تقدم في نظائره قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف لذلك أن يقتلون بمقابلتها والمراد بهذا الخبر طلب الحفظ والتأييد لابلاغ الرسالة على أكمل وجه لا الاستعفاء من الارسال وزعمت اليهود أنه عليه السلام استعفى ربه سبحانه من ذلك وفي التوراة التي بأيديهم اليوم أنه قال يا رب ابعث من أنت باعثه وأكد طلب التأييد بقوله : وأخي هرون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا أي عونا كما روي عن قتادة واليه ذهب أبو عبيدة وقال : يقال ردأته على عدوه أعنته وقال أبو حيان : الردء المعين الذي يشتد به الأمر فعل بمعنى مفعول فهو اسم لما يعان به كما أن الدفء اسم لما يتدفأ به قال سلامة بن جندل : وردئي كل أبيض مشرف شديد الحد عضب ذي فلول ويقال : ردأت الحائط أردؤه إذا دعمته بخشبة لئلا يسقط وفي قوله : أفصح مني دلالة على أن فيه عليه السلام فصاحة ولكن فصاحة أخيه أزيد من فصاحته وقرأ أبو جعفر ونافع والمدنيان ردأ بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى الدال والمشهور عن أبي جعفر أنه قرأ بالنقل ولا همز ولا تنوين ووجه أنه أجرى الوصل مجرى الوقف وجوز في ردا على قراءة التخفيف كونه منقوصا بمعنى زيادة من رديت عليه إذا زدت يصدقني أي يخلص بلسانه الحق ويبسط القول فيه ويجادل به الكفار فالتصديق مجاز عن التلخيص المذكور الجالب للتصديق لأنه كالشاهد لقوله وإسناده إلى هرون حقيقة ويرشد إلى ذلك وأخي هرون الخ لأن فضل الفصاحة إنما يحتاج اليه لمثل ما ذكر لأن لقوله صدقت أو أخي موسى صادق فان سحبان وباقلا فيه سواء أو يصل جناح كلامي بالبيان حتى يصدقني القوم الذين أخاف تكذيبهم فالتصديق على حقيقته وإنما أسند إلى هرون عليه السلام لأنه ببيانه جلب تصديق القوم ويؤيد هذا قوله : إني أخاف أن يكذبون لدلالته على أن التصديق على الحقيقة وقيل : تصديق الغير بمعنى إظهار صدقه وهو كما يكون بقول هو صادق يكون بتأييده بالحجج ونحوها كتصديق الله تعالى للأنبياء عليهم السلام بالمعجزات والمراد به هنا ما يكون بالتأييد بالحجج فالمعنى يظهر صدقي بتقرير الحجج وتزييف الشبه إني أخاف أن يكذبون ولساني لا يطاوعني عند المحاجة وعليه لا حاجة إلى ادعاء التجوز في الطرف أو في الاسناد وتعقب بأنه لا يخفى أن صدقه معناه إما قال : إنه صادق أو قال له : صدقت فاطلاقه على غيره الظاهر أنه مجاز وجملة

(20/77)


يصدقنييصدقني تحتمل أن تكون صفة لردءا وأن تكون حالا وأن تكون استئنافا وقرأ أكثر السبعة يصدقني بالجزم على أنه جواب الأمر
وزعم بعضهم ان الجواب على قراءة الرفع محذوف ويرد عليه أن الأمر لا يلزم أن يكون له جواب فلا حاجة إلى دعوى الحذف وقرأ أبي وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهم يصدقني بضمير الجمع وهو عائد على فرعون وملئه لا على هرون والجمع للتعظيم كما قيل والفعل على ما نقل عن أبن خالويه مجزوم فقد جعل هذه القراءة شاهدا لمن جزم من السبعة يصدقني وقال لأنه لو كان رفعا لقيل يصدقونني وذكر أبو حيان أن الجزم على جواب الأمر والمعني في يصدقون أرج تصديقهم أياي فتأمل قال سنشد عضدك بأخيك اجابة لمطلوبه وهو على ما قيل راجع لقوله أرسله معي الخ والمعنى سنقويك به ونعينك على أن شد عضده كناية تلويحية عن تقويته لأن اليد تشتد بشدة العضد وهو ما بين المرفق إلى الكتف والجملة تشتد بشدة اليد ولا مانع من الحقيقة لعدم دخول بأخيك فيما جعل كناية أو على أن ذلك خارج مخرج الاستعارة التمثيلية شبه حال موسى عليه السلام في تقويته بأخيه بحال اليد في تقويتها بعضد شديد وجوز أن يكون هناك مجاز مرسل من باب اطلاق السبب على المسبب بمرتبتين بأن يكون الاصل سنقويك به ثم سنؤيدك ثم سنشد عضدك به وقرأ زيد بن علي والحسن عضدك بضمتين وعن الحسن أنه قرأ بضم العين واسكان الضاد وقرأ عيسى بفتحهما وبعضهم بفتح العين وكسر الضاد ويقال فيه عضد بفتح العين وسكون الضاد ولم أعلم أحدا قرأ بذلك وقوله تعالى : ونجعل لكما سلطانا أي تسلطا عظيما وغلبة راجع على ما قيل أيضا لقوله إني أخاف أن يكذبون وقوله سبحانه : فلا يصلون اليكما تفريع على ما حصل من مراده أي لا يصلون اليكما باستيلاء أو محاجة بأياتنا متعلق بمحذوف قد صرح به في مواضع أخرى أي إذهبا بآياتنا أو بنجعل أي نسلطكما بآياتنا أو بسلطانا لما فيه من معنى التسلط والغلبة أو بمعنى لا يصلون أي تمتنعون منهم بها أو بحرف النفي على قول بعضهم بجواز تعلق الجار به وقال الزمخشري : يجوز أن يكون قسما جوابه لا يصلون مقدما عليه أو هو من القسم الذي يتوسط الكلام ويقحم فيه لمجرد التاكيد فلا يحتاج إلى جواب أصلا ويرد على الاول أن جواب القسم لا يتقدمه ولا يقترن بالفاء أيضا فلعله أراد أن ذلك دال على الجواب وأما هو فمحذوف إلا أنه تساهل في التعبير وجوز أن يكون صلة لمحذوف يفسره الغالبون في قوله سبحانه : أنتما ومن اتبعكما الغالبون
53
- أو صلة واللام فيه للتعريف لا بمعنى الذي أو بمعناه على رأي من يجوز تقديم ما في حيز الصلة على الموصول إما مطلقا أو إذا كان المقدم ظرفا وتقديمه إما للفاصلة أو للحصر فلما جاءهم موسى بأياتنا بينات أي واضحات الدلالة على صحة رسالته عليه السلام منه عز و جل والظاهر أن المراد بالآيات العصا واليد إذ هما اللتان أظهرهما موسى عليه السلام إذ ذاك وقد تقدم في سورة طه سر التعبير عنهما بصيغة الجمع قالوا ما هذا الذي جئت به إلا سحر مفترى أي سحر تختلقه لم يفعل قبله مثله فالافتراء بمعنى الاختلاق لا بمعنى الكذب أو سحر تتعلمه من غيرك ثم تنسبه إلى الله تعالى كذبا فالافتراء بمعنى الكذب لا بمعنى الاختلاق والصفة على هذين الوجهين مخصصة وقيل : المراد بالافتراء

(20/78)


اتمويه أي هو سحر مموه لا حقيقة له كسائر أنواع السحر وعليه تكون الصفة مؤكدة والافتراء ليس على حقيقته كما في الوجه الاول والحق أن من أنواع السحر ماله حقيقة فتكون الصفة مخصصة أيضا وما سمعنا بهذا أي نوع السحر أو ماصدر من موسى عليه السلام على أن الكلام على تقدير مضاف أي بمثل هذا أو الاشارة إلى إدعاء النبوة ونفيهم السماع بذلك تعمد للكذب فقد جاءهم يوسف عليه السلام من قبل بالبينات وما بالعهد من قدم ويحتمل أنهم أرادوا نفي سماع ادعاء النبوة على وجه الصدق عندهم وكانوا ينكرون أصل النبوات ولا يقولون بصحة شيء منها كالبراهمة وككثير من الافرنج ومن لحس من فضلاتهم اليوم والباء كما في مجمع البيان إما على أصلها أو زائدة أي ما سمعنا هذا في ءابائنا الأولين
63
- أي واقعا في أيامهم فالجار والمجرور في موضع الحال من هذا بتقدير مضاف والعامل فيه سمعنا
وجوز أن يكون بهذا على تقدير بوقوع هذا ويكون الجار متعلقا بذلك المقدر وأشاروا بوصف آبائهم بالأولين إلى انتفاء ذلك منذ زمان طويل وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده يريد عليه السلام بالموصول نفسه وقرأ ابن كثير قال بغير واو لأنه جواب لقولهم : إنه سحر والجواب لا يعطف بواو ولا غيرها ووجه العطف في قراءة باقي السبعة أن المراد حكاية القولين ليوازن الناظر المحكي له بينهما فيميز صحيحهما من الفاسد ومن تكون له عاقبة الدار 9 أي العاقبة المحمودة في الدار وهي الدنيا وعاقبتها أن يختم للانسان بها بما يفضي به إلى الجنة بفضل الله تعالى وكرمه ووجه إرادة العاقبة المحمودة من مطلق العاقبة إنها هي التي دعا الله تعالى اليها عباده وركب فيهم عقولا ترشدهم اليها ومكنهم منها وأزاح عللهم ووفر دواعيهم وحضهم عليها فكأنها لذلك هي المرادة من جميع العباد والغرض من خلقهم وهذا ما اختاره ابن المنير موافقا لما عليه الجماعة وحكي أن بعضهم قال له : ما يمنعك أن تقول فهم عاقبة الخير من إضافة العاقبة إلى ذويها باللام كما في هذه الآية وقوله تعالى : وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار وقوله سبحانه : والعاقبة للمتقين إذ عاقبة الخير هي التي تكون لهم وأما عاقبة السوء فعليهم لا لهم فقال له : لقد كان لي في ذلك مقال لولا وروده مثل اولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ولم يقل وعليهم فاستعمال اللام مكان على دليل على الغاء الاستدلال باللام على إرادة عاقبة الخير وقد يقال : إن اللام ظاهرة في النفع ويكفي ذلك في انفهام كون المراد بالعاقبة عاقبة الخير ويلتزم في نحو الآية التي اوردها ابن المنير كونها من باب التهكم وهذا نظير ما قالوا : إن البشارة في الخير وبشرهم بعذاب أليم من باب التهكم
وقال الطيبي انتصارا أيضا : قلت : الآية غير مانعة عن ذلك فان قرينة اللعنة والسوء ما نعة عن إرادة الخير وإنما أتي بلهم ليؤذن بأنهما حقان ثابتان لهم لازمان إياهم ويعضده التقديم المفيد للاختصاص فتدبر وقرأ حمزة والكسائي يكون بالياء التحتية لأن المرفوع مجازي التأنيث ومفصول عن رافعه
إنه لا يفلح الظالمون
73 - أي لا يفوزون بمطلوب ولا ينجون عن محذور وحاصل كلام موسى عليه السلام ربي أعلم منكم بحال من أهله سبحانه للفلاح الأعظم حيث جعله نبيا وبعثه بالهدى ووعده حسن العقبى ولو كان كما تزعمون كاذبا ساحرا مفتريا لما أهله لذلك لأنه غني حكيم لا يرسل الكاذبين ولا ينبيء الساحرين

(20/79)


ولاولا يفلح عنده الظالمون وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري قاله اللعين بعدما جمع السحرة وتصدى للمعارضة والظاهر أنه أراد حقيقة ما يدل عليه كلامه وهو نفي علمه باله غيره دون وجوده فان عدم العلم بالشيء لا يدل على عدمه ولم يجزم بالعدم بأن يقول : ليس لكم إله غيري مع أن كلا من هذا وما قاله كذب لأن ظاهر قول موسى عليه السلام له لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر يقتضي أنه كان عالما بأن إلههم غيره وما تركه أوفق ظاهرا بما قصده من تبعيد قومه عن اتباع موسى عليه السلام اختيارا لدسيسة شيطانية وهو إظهار أنه منصف في الجملة ليتوصل بذلك إلى قبولهم ما يقوله لهم بعد في امر الإله وتسليمهم إياه له اعتمادا على ما رأوا من إنصافه فكأنه قال ما علمت في الأزمنة الماضية لكم إلها غيري كما يقول موسى والأمر محتمل وسأحقق لكم ذلك
فأوقد لي يا هامان على الطين أي اصنع لي آجرا فاجعل لي منه صرحا أي بناء مكشوفا عاليا من صرح الشيء إذا ظهر لعلي أطلع أي اطلع وأصعد فافتعل بمعنى الفعل المجرد كما في البحر وغيره إلى إله موسى الذي يذكر أنه إلهه وإله العالمين كأنه يوهم قومه أنه تعالى لو كان كما يقول موسى لكان جسما في السماء كون الاجسام فيها يمكن الرقي اليه ثم قال : وإني لأظنه من الكاذبين فيما يذكر تأكيدا لما أراد وإعلاما بأن ترجيه الصعود إلى إله موسى عليه السلام ليس لأنه جازم بأنه هناك والأمر بجعل الصرح وبنائه لا يدل على أنه بني وقد اختلف في ذلك فقيل بناه وذكر من وصفه ما الله عز و جل أعلم به وقيل لم يبن وعلى هذا يكون قوله ذلك وأمره للتلبيس على قومه وإيهامه إياهم أنه بصدد تحقيق الأمر ويكون ما ذكر ذكرا لأحد طرق التحقق فيتمكن من أن يقول بعده حققت الامر بطريق آخر فعلمت أن ليس لكم إله غيري وأن موسى كاذب فيما يقول وعلى الاول يحتمل أن يكون صعد الصرح وحده أو مع من يأمنه على سره وبقي ما بقي ثم نزل اليهم فقال لهم : صعدت إلى إله موسى وحققت إن ليس الامر كما يقول وعلمت أن ليس لكم اله غيري وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : لما بني له الصرح ارتقى فوقه فأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء فردت اليه وهي متلطخة دما فقال قتلت إله موسى وهذا إن صح من باب التهكم بالفعل ولا أظنه يصح وأيا ما كان فالقوم كانوا في غاية الغباوة والجهل وإفراط العماية والبلادة وإلا لما نفق عليهم مثل هذا الهذيان ولله تعالى خواص في الأزمنة والامكنة والاشخاص ولا يبعد أن يقال كان فيهم من ذوي العقول من يعلم تمويهه وتلبيسه ويعتقد هذيانه فيما يقول إلا أنه نظم نفسه في سلك الجهال ولم يظهر خلافا لما عليه اللعين بحال من الاحوال وذلك إما للرغبة فيما لديه أو للرهبة من سطوته واعتدائه عليه وكم رأينا عاقلا وعالما فاضلا يوافق لذلك الظلمة الجبابرة ويصدقهم فيما يقولون وإن كان مستحيلا أو كفرا بالآخرة
وكان قول اللعين لموسى عليه السلام لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين بعد هذا القول المحكي ههنا بأن يكون قاله وأردفه باخبارهم على البت أن لا إله لهم غيره ثم هدد موسى بالسجن إن بدا منه ما يشعر بخلافه وهذا وجه في الآية لا يخلو عن لطف وإن كان فيه نوع خفاء وفيها أوجه أخر الأول أنه أراد بقوله : ما علمت لكم من إله غيري نفي العلم دون الوجود كما في ذلك الوجه إلا أنه لم ينف الوجود لأنه لم

(20/80)


يكن عنده ما يقتضي الجزم بالعدم وأراد بقوله إني لأظنه من الكاذبين إن لأظنه كاذبا في دعوى الرسالة من الله تعالى وأراد بقوله : يا هامان أوقد لي على الطين الخ إعلام للناس بفساد دعواه تلك بناء على توهمه أنه تعالى ان كان كان في السماء بأنه لو كان رسولا منه تعالى فهو ممن يصل اليه وذلك بالصعود اليه وهو مما لا يقوى عليه الانسان فيكون من نوع المحال بالنسبة اليه فما بني عليه وهي الرسالة منه تعالى مثله فقوله : فاجعل لي صرحا لاظهار عدم امكان الصعود الموقوف عليه صحة دعوى الرسالة في زعمه ولعل للتهكم
الثاني أنه اراد أيضا نفي العلم بالوجود دون الوجود نفسه لكنه كان في نفي العلم ملبسا على قومه كاذبا فيه حيث كان يعلم أن لهم إلها غيره هو إله الخلق أجمعين وهو الله عز و جل وأراد بقوله : وإني الخ اني لأظنه كاذبا في دعوى الرسالة كما في سابقه وأراد بقوله يا هامان الخ طلب أن يجعل له ما يزيل به شكه في الرسالة وذلك بأن يبني له رصدا في موضع عال يرصد منه أحوال الكواكب الدالة على الحوادث الكونية بزعمه فيرى هل فيها ما يدل على ارسال الله تعالى إياه
وتعقب بأنه لا يناسب قوله فأطلع إلى إله موسى إلا أن يراد فأطلع على حكم إله موسى باوضاع الكواكب والنظر فيها هل أرسل موسى كما يقول أم لا فيكون الكلام على تقدير مضاف و إلى فيه بمعنى على وجوز على هذا الوجه أن يكون قد أراد باله موسى الكواكب فكأنه قال لعلي أصعد إلى الكواكب التي هي إله موسى فانظر هل فيها ما يدل على إرسالها إياه أو لعلي أطلع على حكم الكواكب التي هي إله موسى في أمر رسالته وهو كما ترى وبالجملة هذا الوجه مما لا ينبغي أن يلتفت اليه الثالث أنه أراد بنفي علمه باله غيره نفي وجوده وبظنه كاذبا ظنه كاذبا في إثباته الها غيره ويفسر الظن باليقين كما في قول دريد بن الصمة : فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسرد فاثبات الظن المذكور لا يدفع إرادة ذلك النفي وجوز بعضهم إبقاءه على ظاهره وقال في دفع المنافاة : يمكن أن يقال : الظاهر أن كلامه الأول كان تمويها وتلبيسا على القوم والثاني كان مواضعة مع صاحب سره هامان فاثبات الظن في الثاني لا يدفع أن يكون العلم في الأول لنفي المعلوم وفيه أنه يأبى ذلك سوق الآية والفاء في فأوقد لي وطلبه بناء الصرح راجيا الصعود إلى إله موسى عليه السلام اراد به التهكم كأنه نسب إلى موسى عليه السلام القول بأن إلهه في السماء فقال : يا هامان اجعل لي صرحا لأصعد إلى إله موسى متهكما به وهذا نظير ما إذا أخبرك شخص بحياة زيد وأنه في داره وأنت تعلم خلاف ذلك فتقول لغلامك بعد أن تذكر علمك بما يخالف قوله متهكما به يا غلام اسرج لي الدابة لعلي أذهب إلى فلان واستأنس به بل ما قاله فرعون أظهر في التهكم مما ذكر فطلبه بناء الصرح بناء على هذا لا يكون منافيا لما ادعاه أولا وآخرا من العلم واليقين
وقال بعضهم في دفع ما قيل : من المنافاة : إنها إنما تكون لو لم يكن قوله : لعلي أطلع الخ على طريق التسليم والتنزل : إن اللعين كان مشركا يعتقد أن من ملك قطرا كان إلهه ومعبود أهله فما أثبته في قوله : لعلى أطلع الخ الإله لغير مملكته وما نفاه الهها كما يشير اليه قوله لكم ولا يخلو عن بحث
وفي الكشاف القول بالمناقضة بين بناء الصرح وما ادعاه من العلم واليقين إلا أنه قال قد خفيت على قومه

(20/81)