صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ روح المعاني - الألوسي ]
الكتاب : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني
المؤلف : محمود الألوسي أبو الفضل
الناشر : دار إحياء التراث العربي - بيروت
عدد الأجزاء : 30

فلا يجمعان أبدا وثبتت بينهما حرمة كحرمة الرضاع وبه قالت الآئمة الثلاثة وأدلة هذه الأقوال وما لها وما عليها تطلب من كتب الفقه المبسوطة واستدل بمشروعية اللعان على جواز الدعاء باللعن على كاذب معين فإن قوله : لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين دعاء على نفسه باللعن على تقدير كذبه وتعليقه على ذلك لا يخرجه عن التعيين نعم يقال إن مشروعيته إن كان صادقا فلو كان كاذبا فلا يحل له واستدل الخوارج على أن الكذب كفر لاستحقاق من يتصف به اللعن وكذا الزنا كفر لاستحقاق فاعله الغضب فإن كلا من اللعن والغضب لا يستحقه إلا الكافر لأن اللعن الطرد عن الرحمة وهو لا يكون إلا لكافر والغضب أعظم منه وفيه أنه لا يسلم أن اللعن في أي موضع وقع بمعنى الطرد عن الرحمة فإنه قد يكون بمعنى الإسقاط عن درجة الأبرار وقد يقصد به إظهار خساسة الملعون وكذا لا يسلم اختصاص الغضب بالكافر وإن كان أشد من اللعن والله تعالى أعلم
ولو لا فضل الله عليكم ورحمته وإن الله تواب حكيم
10
- التفات إلى خطاب الرامين والمرميات بطريق التغليب لتوفيه مقام الإمتنان حقه وجواب لو لا محذوف لتهويله حتى كأنه لا توجد عبارة تحيط ببيانه وهذا الحذف شائع في كلامهم
قال جرير : كذب العواذل لو رأين مناخنا بحزيز رامة والمطي سوام ومن أمثالهم لو ذات سوار لطمتني فكأنه قيل : لو لا تفضله تعالى عليكم ورحمته سبحانه وأنه تعالى مبالغ في قبول التوبة حكيم في جميع أفعاله وأحكامه التي من جملتها ما شرع لكم من حكم اللعان لكان مما لا يحيط به نطاق البيان ومن جملته أنه تعالى لو لم يشرع لهم ذلك لوجب على الزوج حد القذف مع أن الظاهر صدقه لأنه أعرف بحال زوجته وأنه لا يفتري عليها لاشتراكهما في الفضاحة وبعد ما شرع لهم لو جعل شهاداته موجبة لحد الزنا عليها لفات النظر إليها ولو جعل شهاداتها موجبة لحد القذف عليه لفات النظر له ولا ريب في خروج الكل عن سنن الحكمة والفضل والرحمة فجعل شهادات كل منهما مع الجزم بكذب أحدهما حتما دارئة لما توجه إليه من الغائلة الدنيوية وقد ابتلى الكاذب منهما في تضاعيف شهاداته من العذاب بما هو أتم مما درأته عنه وأطم وفي ذلك من أحكام الحكم البالغة وآثار التفضل والرحمة ما لا يخفى أما على الصادق فظاهر وأما على الكاذب فهو إمهاله والستر عليه في الدنيا ودرء الحد عنه وتعريضه للتوبة حسبما ينبيء عنه التعرض لعنوان توابيته تعالى فسبحانه ما أعظم شأنه وأوسع رحمته وأدق حكمته قاله شيخ الإسلام وعن ابن سلام تفسير الفضل بالإسلام ولا يخفى أنه مما لا يقتضيه المقام وعن أبي مسلم أنه أدخل في الفضل النهي عن الزنا ويحسن ذلك لو جعلت الجملة تذييلا لجميع ما تقدم من الآيات من البعد ما فيه إن الذين جاءوا بالإفك أي بأبلغ ما يكون من الكذب والإفتراء وكثيرا ما يفسر بالكذب مطلقا وقيل : هو البهتان لا تشعر به حتى يفجأك وجوز فيه فتح الهمزة والفاء وأصله من الأفك بفتح فسكون وهو القلب والصرف لأن الكذب مصروف عن الوجه الذي يحق والمراد به ما أفك به الصديقة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها على أن اللام فيه للعهد وجوز حمله على الجنس قيل فيفيد القصر كأنه لا إفك إلا ذلك الإفك وفي لفظ المجيء إشارة إلى أنهم أظهروه من عند أنفسهم من غير أن يكون له أصل وتفصيل القصة ما أخرجه البخاري وغيره عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله

(18/111)


صلى الله عليه و سلم معه قالت عائشة فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم بعد ما نزل الحجاب فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع فالتمست عقدي وحسبني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذي كانوا يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت ركبت وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهن اللحم إنما نأكل العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فأممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان ابن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلته فوطيء على يديها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك في من هلك وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لاأعرف من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي إنما يدخل على رسول الله صلى الله عليه و سلم فيسلم ثم يقول : كيف تيكم ثم ينصرف فذاك الذي يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح وهي ابنة أبي رهم بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي قد فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت : تعس مسطح فقلت لها : بئس ما قلت أتسبين رجلا شهد بدرا قالت : أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال قالت وما قال فأخبرتني بقول أهل الإفك فأزددت مرضا على مرضي فلما رجعت إلى بيتي ودخل علي رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال : كيف تيكم فقلت أتأذن لي أن آتي أبوي قالت : وأنا حينئذ أريد أن أستيقن من قبلهما قالت : فأذن لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فجئت أبوي فقلت لأمي : يا أمتاه ما يتحدث الناس قالت : يا بنية هوني عليك فو الله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل ولها ضرائر إلا كثرن عليها قالت : فقلت سبحان الله ولقد تحدت الناس بهذا قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ دمع ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي فدعا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على ابن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله قالت : فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه و سلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال : يا رسول الله أهلك وما نعلم إلا خيرا وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثيرون وإن تسأل

(18/112)


الجارية تصدقك قالت : فدعا رسول الله صلى الله عليه و سلم بريرة فقال : أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك قالت بريرة : لا والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الدواجن فتأكله فقام رسول الله صلى الله عليه و سلم فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبي سلول قالت : فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو على المنبر : يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي فو الله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا أن رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت : فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد : كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن خضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد با عبادة : كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الحيان من الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قائم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه و سلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت قالت : فمكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم قالت : فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوما لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع يظناني أن البكاء فالق كبدي قالت : فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت على امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي قالت : فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم فسلم ثم جلس قالت : ولم يجلس عندي منذ قيل في ما قيل قبلها وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني قالت : فتشهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين جلس ثم قال : أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه قالت : فلما قضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة فقلت : لأبي أجب رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما قال قال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله فقلت لأمي : : أجيبي رسول الله قالت : ما أدري ما أقول لرسول الله قالت : فقلت أنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن : إني والله لقد علمت أنكم سمعتم هذا الحديث حين استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم : إني برية والله يعلم إني برية لا تصدقوني ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه برية لتصدقني والله لا أجد لي ولكم مثلا إلا قول أبي يوسف فصبر جميل والله المستعان عما تصفون فاضطجعت على فراشي وأنا حينئذ أعلم أني برية وأن الله مبرئني ببراءتي ولكن ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلي ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه و سلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها قالت : فو الله ما رام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو يوم شات من ثقل القول الذي ينزل عليه قالت : فلما سرى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم سرى عنه وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها : يا عائشة أما الله فقد برأك فقالت أمي : قومي إليه فقلت : والله لا أقوم ولا أحمد إلا الله وأنزل الله إن الذين جاؤا بالإفك العشر الآيات كلها والظاهر أن قوله تعالى :

(18/113)


عصبة منكم خبر إن وإليه ذهب الحوفي وأبو البقاء وقال ابن عطية : هو بدل من ضمير جاءوا والخبر جملة قوله تعالى : لا تحسبوه شرا لكم والتقدير إن فعل الذين وهذا أنسق في المعنى وأكثر فائدة من أن يكون عصبة الخبر انتهى ولا يخفى أنه تكلف والفائدة في الأخبار على الأول قيل : التسلية بأن الجائين بذلك الإفك فرقة متعصبة متعاونة وذلك من أمارات كونه إفكا لا أصل له وقيل : الأولى أن تكون التسلية بأن ذلك مما لم يجمع عليه بل جاء به شرذمة منكم وزعم أبو البقاء بوصف العصبة بكونها منهم أفاد الخبر وفيه نظر
والخطاب في منكم على ما أميل إليه لمن ساءه ذلك من المؤمنين ويدخل فيه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأبو بكر وأم رومان وعائشة وصفوان دخولا أوليا وأصل العصبة الفرقة المتعصبة قلت أو كثرت وكثر إطلاقها على العشرة فما فوقها إلى الأربعين وعليه اقتصر في الصحاح وتطلق على أقل من ذلك ففي مصحف حفصة عصبة أربعة وقد صح أن عائشة رضي الله تعالى عنها عدت المنافق عبد الله ابن أبي سلول وحمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب رضي الله تعالى عنها وزوجة طلحة بن عبيد الله ومسطح ابن أثاثة وحسان بن ثابت ومن الناس من برأ حسان وهو خلاف ما في صحيح البخاري وغيره
نعم الظاهر أنه رضي الله تعالى عنه لم يتكلم به عن صميم قلب وإنما نقله عن ابن أبي لعنه الله تعالى وقد جاء أنه رضي الله تعالى عنه اعتذر عما نسب إليه في شأن عائشة رضي الله تعالى عنها فقال : حصان رزان ماتزن بريبة وتصبح غرئى من لحوم الغوافل حليلة خير الناس دينا ومنصبا نبي الهدى ذي المكرمات الفواضل عقيلة حي من لؤي بن غالب كرام المساعي مجدهم غير زائل مهذبة قد طيب الله خيمها وطهرها من كل سوء وباطل فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتمو فلا رفعت سوطي إلى أناملي زكيف وودي ما حييت ونصرتي لآل رسول الله زين المحافل له رتب عال على الناس كلهم تقاصر عنه سورة المتطاول فإن الذي قد قيل ليس بلائط ولكنه قول أمريء بي ما حل وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تكرمه بعد ذلك وتذكره بخير وإن صح أنها قالت له حين أنشدها أول هذه الأبيات : لكنك لست كذلك فقد أخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين أن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تأذن لحسان وتدعوا له بالوسادة وتقول : لا تؤذوا حسنا فإنه كان ينصر رسول الله صلى الله عليه و سلم بلسانه
وأخرج ابن جرير من طريق الشعبي عنها أنها قالت : ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسان وما تمثلت به إلا رجوت له الجنة قوله لأبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب : هجوت محمدا وأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء فإن أبي ووالدتي وعرض لعرض محمد منكم وقاء أتشتمه ولست له بكفؤ فشركما لخيركما الفداء

(18/114)


لساني صارم لا عيب فيه وبحري لاتدركه الدلاء وعد بعضهم مع الأربعة المذكورين زيد بن رفاعة ولم نر فيه نقلا صحيحا وقيل إنه خطأ ومعنى منكم من أهل ملتكم وممن ينتمي إلى الإسلام سواء كان كذلك في نفس الأمر أم لا فيشمل ابن أبي لأنه ممن ينتمي إلى الإسلام ظاهرا وإن كان كافرا في نفس الأمر : وقيل إن قوله تعالى منكم خارج مخرج الأغلب وأغلب أولئك العصبة مؤمنون مخلصون وكذا الخطاب في لا تحسبوه شرا لكم وقيل : الخطاب في الأول للمسلمين وفي هذا لسيد المخاطبين رسول الله صلى الله عليه و سلم ولأبي بكر وعائشة وصفوان رضي الله تعالى عنهم والكلام مسوق لتسليتهم
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن سعيد بن جبير أن الخطاب في الثاني لعائشة وصفوان وأبعد عن الحق من زعم أنه للذين جاؤا بالإفك وتكلف للخيرية ما تكلف ولعل نسبته إلى الحسن لا تصح والظاهر أن ضمير الغائب في لا تحسبوه عائد على الإفك
وجوز أن يعود على القذف وعلى المصدر المفهوم من جاؤا وعلى ما نال المسلمين من الغم والكل كما ترى وعلى ما ذهب إليه ابن عطية يعود على المحذوف إلى اسم إن الذي هو الاسم في الحقيقة ونهوا عن حسبان ذلك شرا لهم إراحة لبالهم بإزاحة ما يوجب استمرار بلبالهم وأردف سبحانه النهي عن ذلك بالإضراب بقوله عز و جل بل هو خير لكم اعتناء بأمر التسلية والمراد بل هو خير عظيم لكم لنيلكم بالصبر عليه الثواب العظيم وظهور كرامتكم على الله عز و جل بإنزال ما فيه تعظيم شأنهم وتشديد الوعيد فيمن تكلم بما أحزنكم والآيات المنزلة في ذلك على ما سمعت آنفا عن عائشة رضي الله تعالى عنها عشرة
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنه قال : نزلت ثماني عشرة آية متواليات بتكذيب من قذف عائشة وبراءتها وأخرج الطبراني عن الحكم بن عتيبة قال : إنه سبحانه أنزل فيها خمس عشرة آية من سورة النور ثم قرأ حتى بلغ الخبيثات للخبيثين وكأن الخلاف مبني على الخلاف في رؤس الآي وفي كتاب العدد للداني ما يوافق المروي عن ابن جبير
لكل امريء منهم أي من الذين جاؤا بالإفك ما اكتسب من الإثم أي جزاء ما اكتسب وذلك بقدر ما خاض فيه فإن بعضهم تكلم وبعضهم ضحك كالمعجب الراضي بما سمع وبعضهم أكثر وبعضهم أقل
والذي تولى كبره بكسر الكاف وقرأ الحسن والزهري وأبو رجاء ومجاهد والأعمش وأبو البرهسم وحميد وابن أبي عبلة وسفيان الثوري ويزيد بن قطيب ويعقوب والزعفراني وابن مقسم وعمرة بنت عبد الرحمن وسورة عن الكسائي ومحبوب عن أبي عمرو كبره بضم الكاف وهو مكسورها مصدران لكبر الشيء عظم ومعناها واحد وقيل : الكبر بالضم المعظم وبالكسر البداءة بالشيء وقيل : الإثم والجمهور على الأول أي والذي تحمل معظمه منهم أي من الجائين به له عذاب عظيم
11
- في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فقط وفي التعبير بالموصول وتكرير الإسناد وتنكير العذاب ووصفه بالعظم من تهويل الخطب ما لا يخفى والمراد بالذي تولى كبره كما في صحيح البخاري عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها عبد الله بن أبي عليه اللعنة وعلى ذلك أكثر المحدثين

(18/115)


وكان لعنه الله تعالى يجمع الناس عنده ويذكر لهم ما يذكر من الإفك وهو أول من اختللقه وأشاعه لا معانه في عداوة رسول الله صلى الله عليه و سلم وعذابه في الآخرة بعد جعله في الدرك الأسفل من النار لا يقدر قدره إلا الله عز و جل وأما في الدنيا فوسمه بميسم الذل وإظهار نفاقه على رؤس الأشهاد وحده حدين على ما أخرج الطبراني وابن مردوية عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من أنه صلى الله عليه و سلم بعد أن نزلت الآيات خرج إلى المسجد فدعا أبا عبيدة ابن الجراح فجمع الناس ثم تلا عليهم ما أنزل الله تعالى من البراءة لعائشة وبعث إلى عبد الله بن أبي فجيء به فضربه عليه الصلاة و السلام حدين وبعث إلى حسان ومسطح وحمنة فضربوا ضربا وجيعا ووجئوا في رقابهم وقيل : حد حدا واحدا فقد أخرج الطبراني عن ابن عباس أنه فسر العذاب في الدنيا بجلد رسول الله صلى الله عليه و سلم إياه ثمانين جلدة وعذابه في الآخرة بمصيره في النار وقيل : إنه لم يحد أصلا لأنه لم يقر ولم يلتزم إقامة البينة عليه تأخيرا لجزائه إلى يوم القيامة كما أنه لم يلتزم إقامة البينة على نفاقه وصدور ما يوجب قتله لذلك وفيه نظر
وزعم بعضهم أنه لم يحد مسطح وآخرون أنه لم يحد أحد ممن جاء بالإفك إذ لم يكن إقرار ولم يلتزم إقامة بينة وفي البحر أن المشهور حد حسان ومسطح وحمنة وقد أخرجه البزاز زابن مردوية بسند حسن عن أبي هريرة وقد جاء ذلك في أبيات ذكرها ابن هشام في ملخص السيرة لأبن إسحاق وهي : لقد ذاق حسان الذي كان أهله وحمنة إذ قالوا هجيرا ومسطح تعاطوا برجم الغيب أمر نبيهم وسخطه ذي العرش الكريم فأنزحوا وآذوا رسول الله فيها فجللوا مخازي بغي يمموها وفضحوا وصب عليهم محصدات كأنها شابيب قطر من ذرى المزن تسفح وقيل : الذي تولى كبره حسان واستدل بما في صحيح البخاري أيضا عن مسروق قال : دخل حسان على عائشة فشبب وقال حصان البيت قالت : لكنك لست كذلك قلت : تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله تعالى والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم : وأي عذاب أشد من العمى وجاء في بعض الأخبار أنها قيل لها : أليس الله تعالى يقول والذي تولى كبره الآية فقالت : أليس أصابه عذاب عظيم أليس قد ذهب بصره وكسع بالسيف تعني الضربة التي ضربها إياه صفوان حين بلغه عنه أنه يتكلم في ذلك فإنه يروى أنه ضربه بالسيف على رأسه لذلك ولأبيات عرض فيها به وبمن أسلم من العرب من مضر وأنشد : تلق ذباب السيف مني فإنني غلام إذا هوجيت لست بشاعر ولكنني أحمى حماي وأتقي من الباهت الرأي البريء الظواهر وكاد يقتله بتلك الضربة فقد روي ابن إسحاق أنه لما ضربه وثب عليه وثابت بن قيس بن شماس فجمع يديه إلى عنقه بحبل ثم انطلق به إلى دار بني الحرث بن الخزرج فلقيه عبد الله بن رواحة فقال : ما هذا قال : أما أعجبك ضرب حسان بالسيف والله ما أراه إلا قد قتله فقال له عبد الله : هل علم رسول الله صلى الله عليه و سلم بذلك وبما صنعت قال : لا والله قال : لقد اجترأت أطلق الرجل فأطلقه فأتوا رسول الله عليه الصلاة و السلام فذكروا ذلك له فدعا حسان وصفوان فقال صفوان : يا رسول الله آذاني وهجاني فاحتملني الغضب فضربته فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : يا حسان أتشوهت على قومي بعد أن هداهم الله تعالى للإسلام

(18/116)


ثم قال : أحسن في الذي أصابك فقال : هي لك يا رسول الله فعوضه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم منها بيرحاء وكان طلحة بن سهل أعطاها إباه عليه الصلاة و السلام ووهبه أيضا سيرين أمة قبطية فولدت له عبد الرحمن بن حسان
وفي رواية في صحيح البخاري عن عائشة أيضا رضي الله تعالى عنها أنها قالت في الذي تولى كبره منهم هو أي المنافق ابن أبي وحمنة وقيل : هو وحسان ومسطح وعذاب المنافق الطرد وظهور نفاقه وعذاب الأخيرين بذهاب البصر ولا يأبى إرادة المتعدد إفراد الموصول لما في الكشف من أن الذي يكون جمعا وإفراد ضميره جائز باعتبار إرادة الجمع أو الفوج أو الفريق أو نظر إلى أن صورته صورة المفرد وقد جاء إفراده في قوله تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به وجمعه في قوله سبحانه وخضتم كالذي خاضوا والمشهور جواز استعمال الذي جمعا مطلقا واشتراط ابن مالك في التسهيا أن يراد به الجنس لا جمع مخصوص فإن أريد الخصوص قصر على الضرورة هذا ولا يخفى أن إرادة الجمع هنا لا تخلو عن بعد والذي اختاره إرادة الواحد وأن ذلك الواحد هو عدو الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم والمؤمنين ابن أبي وقد روى ذلك الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبد الله بن عتبة وكلهم سمع عائشة تقول الذي تولى كبره عبد الله بن أبي وقد تظافرت روايات كثيرة على ذلك والذاهبون إليه من المفسرين أكثر من الذاهبين منهم إلى غيره ومن الإفك الناشيء من النصب قول هشام بن عبد الملك عليه من الله تعالى ما يستحق حين سئل الزهري عن الذي تولى كبره فقال له : هو ابن أبي كذبت هو علي يعني به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه وقد روي ذلك عن هشام البخاري والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل ولا بدع من أموي الإفتراء على أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه ورضي عنه وأنت تعلم أن قصارى ما روي عن الأمير رضي الله تعالى عنه أنه قال لأخيه وابن عمه رسول الله صلى الله عليه و سلم حين استشاره يا رسول الله لم يضيق الله تعالى عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك
وفي رواية أنه قال : يا رسول الله قد قال الناس وقد حل لك طلاقها وفي رواية أنه رضي الله تعالى عنه ضرب بريرة وقال : أصدقي رسول الله صلى الله عليه و سلم وليس في ذلك شيء مما يصلح مستندا لذلك الأموي الناصبي وجل غرض الأمير مما ذكر أن يسري عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ما هو فيه من الغم غاية ما في الباب أنه لم يسلك في ذلك مسلك أسامة وهو أمر غير متعين ومن دقق النظر عرف مغزى الأمير كرم الله تعالى وجهه وأنه بعيد عما يزعمه النواصب بعد ما بين المشرق والمغرب فليتدبر لو لا إذ سمعتموه التفات إلى خطاب الخائضين ما عدا من تولى كبره منهم واستظر أبو حيان كون الخطاب للمؤمنين دونه واختير الخطاب لتشديد ما في لو لا التحضيضية من التوبيخ ولتأكيد التوبيخ عدل إلى الغيبة في قوله تعالى : ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا لكن لا بطريق الإعراض عن المخاطبين وحكاية جناياتهم لغيرهم بل بالتوسل بذلك إلى وصفهم بما يوجب الإتيان بالمحض عليه ويقتضيه اقتضاء تاما ويزجرهم عن ضده زجرا بليغا وهو الإيمان وكونه يحملهم على إحسان الظن ويكفهم عن إساءته بأنفسهم أي بأنباء جنسهم وأهل ملتهم النازلين منزلة أنفسهم كقوله تعالى ولا تلمزوا أنفسكم وقوله سبحانه ثم أنتم هؤلاء تقتلون

(18/117)


أنفسكم ولا حاجة إلى تقدير مضاف أي ظن بعض المؤمنين والمؤمنات بأنفس بعضهم الآخر وإن قيل بجوازه مما لا ريب فيه فإخلالهم بموجب ذلك الوصف أقبح وأشنع والتوبيخ عليه أدخل مع ما فيه من التوسل به إلى توبيخ الخائضات والمشهور منهن حمنة ثم إن كان المراد بالإيمان الحقيقي فإيجابه لما ذكر واضح والتوبيخ خاص بالمتصفين به وإن كان مطلق الإيمان الشامل لما يظهره المنافقون أيضا فإيجابه له من حيث أنهم كانوا يحترزون عن إظهار ما ينافي مدعاهم فالتوبيخ حينئذ متوجه إلى الكل والنكته في توسيط معمول الفعل المحضض عليه بينه وبين أداة التحضيض وإن جاز ذلك مطلقا أي سواء كان المعمول الموسط ظرفا أو غيره تخصيص التحضيض بأول وقت السماع وقصر التوبيخ واللوم على تأخير الإتيان بالمحضض عليه عن ذلك الآن والتردد فيه ليفيد عدم الإتيان به رأسا في غاية ما يكون من القباحة والشناعة أي كان الواجب على المؤمنين والمؤمنات أن يظنوا أول ما سمعوا ذلك ممن اخترعه بالذات أو بالواسطة من غير تلعثم وتردد بأهل ملتهم من آحاد المؤمنين والمؤمنات خيرا وقالوا في ذلك الآن هذا إفك مبين
12
- أي ظاهر مكشوف كونه إفكا فكيف بأم المؤمنين حليلة رسول الله صلى الله عليه و سلم بنت المهاجرين رضي الله تعالى عنهما
ويجوز أن يكون المعنى هلا ظن المؤمنين والمؤمنات أول ما سمعوا ذلك خيرا بأهل ملتهم عائشة وصفوان وقالوا الخ لو لا جاؤا عليه بأربعة شهداء إما من تمام القول المحضض عليه مسوقف لتوبيخ السامعين على ترك إلزام الخائضين أي هلا جاء الخائضون بأربعة شهداء يشهدون على ثبوت ما قالوا فإذا لم يأتوا يالشهداء الأربعة وكان الظاهر فإذ لم يأتوا بهم إلا أنه عدل إلى ما في النظم الجليل لزيادة التقرير فأولئك إشارة إلى الخائضين وما فيها من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفساد أي فأولئك المفسدون عند الله أي في حكمه وشريعته هم الكاذبون
13
- أي المحكوم عليهم بالكذب شرعا أي بأن خبرهم لم يطابق في الشرع الواقع وقيل : المعنى فأولئك في علم الله تعالى هم الكاذبون الذين لم يطابق خبرهم الواقع في نفس الأمر لأن الآية في خصوص عائشة رضي الله تعالى عنها وخبر أهل الأفك فيها غير مطابق للواقع في نفس الأمر في علمه عز و جل
وتعقب بأن خصوص السبب لا ينافي عموم الحكم مع أن ظاهر التقييد بالظرف يأبى ذلك وجعله من قبيل قوله تعالى الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا خلاف الظاهر وأيا ما كان فالحصر للمبالغة وإما كلام مبتدأ مسوق من جهته سبحانه وتعالى تقريرا لكون ذلك إفكا ولو لا فضل الله أي تفضله سبحانه عليكم ورحمته إياكم في الدنيا بفنون النعم التي من جملتها الإمهال للتوبة و في الآخرة بضروب الآلاء التي من جملتها العفو والمغفرة بعد التوبة وفي الكلام نشر على ترتيب اللف وجوز أن يتعلق في الدنيا والآخرة بكل من فضل الله تعالى ورحمته والمعنى لو لا الفضل العام والرحمة العامة في كلا الدارين لمسكم عاجلا في ما أفضتم فيه أي بسبب ما خضتم فيه من حديث الإفك
والإبهام لتهويل أمره واستهجان ذكره يقال أفاض في الحديث وخاض وهضب واندفع بمعنى والإفاضة في ذلك مستعارة من إفاضة الماء في الإناء و لو لا امتناعية وجوابها لمسكم عذاب عظيم
14

(18/118)


يستحقر دونه التوبيخ والجلد والخطاب لغير ابن أبي من الخائضين وجوز أن يكون لهم جميعا
وتعقب بأن ابن أبي رأس المنافقين لاحظ له من رحمة الله تعالى في الآخرة لأنه مخلد في الدرك الأسفل من النار إذ تلقونه بألسنتكم بحذف إحدى التاءين و إذ ظرف للمس وجوز أن يكون ظرفا لأفضتم وليس بذلك والضمير المنصوب لما أي لمسكم ذلك العذاب العظيم وقت تلقيكم ما أفضتم فيه من الأفك وأخذ بعضكم إياه من بعض بالسؤال عنه والتلقي والتلقف والتلقن متقاربة المعاني إلا أن في التلقي معنى الإستقبال وفي التلقف معنى الخطف والأخذ بسرعة وفي التلقن معنى الحذق والمهارة وقرأ أبي رضي الله تعالى عنه تتلقونه على الأصل وشد التاء البزي وأدغم الذال في التاء النحويان وحمزة
وقرأ ابن السمقيع تلقونه بضم التاء والقاف وسكون اللام مضارع ألقى وعنه تلقونه بفتح التاء والقاف وسكون اللام مضارع لقي وقرأت عائشة وابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعيسى وابن يعمر وزيد بن علي بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف من ولق الكلام كذبه حكاه السرقسطي وفيه رد على من زعم أن ولق إذا كان بمعنى كذب لا يكون متعديا وهو ظاهر كلام ابن سيده وارتضاء أبو حيان ولذا جعل ذلك من باب الحذف والإيصال والأصل تلقون فيه وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تقرأ ذلك وتقول : الولق الكذب وقال ابن أبي مليكة : وكانت أعلم بذلك من غيرها لأنه نزل فيها
وقال ابن الأنباري : من ولق الحديث أنشأه واخترعه وقيل : من ولق الكلام دبره وحكى الطبري وغيره أن هذه اللفظة مأخوذة من الولق الذي هو الإسراع بالشيء كعدد في أثر عدد وكلام في أثر كلام ويقال : ناقة ولقي سريعة ومنه الأولق للمجنون لأن العقل باب من السكون والتماسك والجنون باب من السرعة والتهافت
وعن ابن جني أنه إذا فسر ما في الآية بما ذكر يكون ذلك من باب الحذف والإيصال والأصل تسرعون فيه أو إليه وقرأ زيد بن أسلم وأبو جعفر تألقونه بفتح التاء وهمزة ساكنة بعدها لام ساكنة من الألق وهو الكذب وقرأ يعقوب في رواية المازني تيلقونه بتاء فوقانية مكسورة بعدها ياء ولام مفتوحة كأنه مضارع ولق بكسر اللام كما قالوا تيجل مضارع وجل وعن سفيان بن عيينة سمعت أمي تقرأ إذ تثقفونه من ثقفت الشيء إذا طلبته فأدركته جاء مثقلا ومخففا أي تتصيدون الكلام في الإفك من ههنا ومن ههنا
وقريء تثقفونه من قفاه إذا تبعه أي تتبعونه
وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم أي تقولون قولا مختصا بالأفواه من غير أن يكون له مصداق ومنشأ في القلوب لأنه ليس تعبيرا عن علم به في قلوبكم فهذا كقوله تعالى يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم
وقال ابن المنير : يجوز أن يكون قوله سبحانه تقولون بأفواهكم توبيخا كقولكم : أتقول ذلك بملء فيك فإن القائل ربما رمز وعرض وربما تشدق جازما كالعالم وقد قيل هذا في قوله سبحانه بدت البغضاء من أفواههم وقال صاحب الفرائد : يمكن أن يقال فائدة ذكر بأفواهكم أن لا يظن أنهم قالوا ذلك بالقلب لأن القول يطلق على غير الصادر من الأفواه كما في قوله تعالى قالتا أتينا طائعين وقول الشاعر : امتلأ الحوض وقال قطني مهلا رويدا قد ملأت بطني

(18/119)


فهو تأكيد لدفع المجار وأنت تعلم أن السياق يقتضي الأول وإليه ذهب الزمخشري وكان الظاهر تقولونه بأفواهكم إلا أنه عدل عنه إلى ما في النظم الجليل لما لا يخفى وتحسبونه هينا سهلا لا تبعة له : وهو عند الله عظيم
15
- أي والحال أنه عند الله عز و جل أمر عظيم لا يقادر قدره في الوزر واستجرار العذاب والجملتان الفعليتان معطوفتان على جملة تلقونه داخلتان معها في حيز إذ فيكون قد علق مس العذاب العظيم بتلقي الإفك بألسنتهم والتحدث به من غير روية وفكر وحسبانهم ذلك مما لا يعبأ به وهو عند الله عز و جل عظيم
ولو لا إذ سمعتموه ممن اخترعه أو المتابع له قلتم تكذيبا له وتهويلا لما ارتكبه ما يكون لنا ن نتكلم أي ما يمكننا وما يصدر عنا بوجه التكلم بهذا إشارة إلى القول الذي سمعوه باعتبار شخصه
وجوز أن يكون إشارة إلى نوعه فإن قذف آحاد الناس المتصفين بافحصان محرم شرعا وجاء عن حذيفة مرفوعا أنه يهدم عمل مائة سنة فضلا عن تعرض الصديقة حرمة رسول الله صلى الله عليه و سلم والكلام في توسيط الظرف على نحو ما مر سبحانك تعجب ممن تفوه به وأصله أن يذكر عند معاينة العجيب من صنائعه تعالى شأنه تنزيها له سبحانه من أن يصعب عليه أمثاله ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه واستعماله فيما ذكر متفرع على الكناية ومثله في استعماله للتعجب لا إله إلا الله والعوام يستعملون الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك المقام أيضا ولم يسمع في لسان الشرع بل قد صرح بعض الفقهاء بالمنع منه
وجوز أن يكون سبحانك هنا مستعملا في حقيقته والمراد تنزيه الله تعالى شأنه من أن يصم نبيه عليه الصلاة و السلام ويشينه فإن فجور الزوجة وصمة في الزوج تنفر عنه القلوب وتمنع عن اتباعه النفوس ولذا صان الله تعالى أزواج الأنبياء عليهم السلام عن ذلك وهذا بخلاف الكفر فإن كفر الزوجة ليس وصمة في الزوج وقد ثبت كفر زوجتي نوح ولوط عليهما السلام كذا قيل وسيأتي إن شاء الله تعالى قريبا ما يتعلق به وعلى هذا يكون سبحانك تقريرا لما قبله وتمهيدا لقوله سبحانه هذا بهتان أي كذب يبهت ويحير سامعه لفظاعته عظيم
16
- لايقدر قدره لعظمة المبهوت عليه فإن حقارة الذنوب وعظمها كثيرا ما يكونان باعتبار متعلقاتها والظاهر أن التوبيخ للسامعين الخائضين لا للسامعين مطلقا فقد روي عن سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ لما سمع ما قيل في أمر عائشة رضي الله تعالى عنها قال : سبحانك هذا بهتان عظيم وعن سعيد بن المسيب أنه قال : كان رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم إذا سمعا شيئا من ذلك قالا ما ذكر أسامة بن زيد بن حارثة وأبو أيوب رضي الله تعالى عنهما وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : إن امرأة أبي أيوب الأنصاري قالت له : يا أبا أيوب ألا تسمع ما يتحدث به الناس فقال : ما يكون لنا أن نكلم بهذا سبحانك هذا بهتان هظيم ومنشأ هذا الجزم على ما قاله الإمام الرازي العلم بأن زوجة الرسول عليه الصلاة و السلام لا يجوز أن تكون فاجرة وعلل بأن ذلك ينفر عن الإتباع فيخل بحكمة البعث كدناءة الآباء وعهر الأمهات وقد نص العلامة الثاني على أن من شروط النبوة السلامة عن ذلك بل

(18/120)


عن كل ما ينفر عن الإتباع واستشكل ذلك بأنه إذا كان ما ذكر شرطا فكيف علمه من سمعت حتى قالوا ما قالوا وخفى الأمر على رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى قال كما في صحيح البخاري وغيره : يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله تعالى وتوبي إليه
وجاء في بعض الروايات يا عائشة إن كنت فعلت هذا الأمر فقولي لي حتى أستغفر الله تعالى لك وكذا خفى على صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه فقد أخرج البزاز بسند صحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه لما نزل عذرها قبل أبو بكر رضي الله تعالى عنه رأسها فقالت : ألا عذرتني فقال : أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت ما لا أعلم
وأجيب بأن ذلك ليس من الشروط العقلية للنبوة كالأمانة والصدق بل هو من الشروط الشرعية والعادية كما قال اللقاني فيجوز أن يقال : إنه لم يكن معلوما قبل وإنما علم بعد نزول آيات براءة عائشة رضي الله تعالى عنها وعدم العلم بمثل ذلك لا يقدح في منصب النبوة وأما دعوى علم من ذكر به فلا دليل عليها وقولهم وذلك يجوز أن يكون ناشئا عن حسن الظن لا عن علم بكون السلامة من المنفر عن الإتباع من شروط النبوة ويشهد لهذا إلى بعض القائلين والظاهر تساويهم ما أخرجه ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن بعض الأنصار أن امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا : ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله تعالى عنها قال : بل وذلك الكذب أكنت أنت فاعلة ياأم أيوب قالت : لا والله فقال : فعائشة رضي الله تعالى عنها واختير منك وأطيب إنما هذا كذب وإفك باطل وروي قريبا منه الحاكم وابن عساكر أيضا عن أفلح مولى أبي أيوب ولعله المعنى ببعض الأنصار في الخبر السابق ولم يقل صلى الله عليه و سلم نحو ذلك لحسن الظن لشدة غيرته عليه الصلاة و السلام والغيور لا يكاد يعول في مثل ذلك على حسن الظن ويمكن أن يكون قولهم ذلك ناشئا عن العلم بكون السلامة من المنفر عن الإتباع من شروط النبوة بأن يكونوا قد تفطنوا لكون حكمة البعثة تقتضي تلك السلامة وقد يتفطن العالم لما لا يتفطن له من هو أعلم منه
وجوز أن يدعي أن النبي صلى الله عليه و سلم كان عالما بعدم جواز فجور نساء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لما فيه من النفرة المخلة بحكمة البعثة لكن أراد عليه الصلاة و السلام أن يظهر أمر براءة الصديقة رضي الله تعالى عنها ظهور الشمس في رابعة النهار بحيث لا يبقى فيه خفاء عند أحد من الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وما عراه من الهم إنما هو أمر طبيعي حصل بسبب خوض المنافقين ومن تبعهم وشيوع ما لا أصل له من الباطل بين الناس ويحتمل أنه صلى الله عليه و سلم كان عالما بأن السلامة من المنفر من شروط النبوة لكن خشي من الله عز و جل الذي لا يجب عليه شيء أن لا يجعل ما خاض المنافقون وأتباعهم فيه من المنفر بأن لا يرتب سبحانه خلق النفرة في القلوب عليه ليمنع من الإتباع فتختل حكمة البعثة فداخلة عليه الصلاة و السلام من الهم ما داخله وجعل يتتبع الأمر على أتم وجه وما ذلك إلا من مزيد العلم ونهاية الحزم ونظيره من وجه خوفه عليه الصلاة و السلام من قيام الساعة عند اشتداد الريح لا يستطيع أن ينام ما دام الأمر كذلك حتى تمطر السماء
وقيل : يجوز أن لا يمد فجور الزوجة منفرا إلا إذا أمسكت بعد العلم به فلم يجوز أن يقع فيجب طلاقها

(18/121)


وإذا طلقت لا يتحقق المنفر المخل بالحكمة هذا ولا يخفى عليك ما في بعض الإحتمالات من البحث بل بعضها في غاية البعد عن ساحة القبول ولعل الحق أنه عليه الصلاة و السلام قد أخفى عليه أمر الشرطية إلى أن اتضح أمر البراءة ونزلت الآيات فيها لحكمة الإبتلاء وغيره مما الله تعالى أعلم به وأن قول أولئك الأصحاب رضي الله تعالى عنهم : سبحانك هذا بهتان عظيم لم يكن ناشئا إلا عن حسن الظن ولم يتمسك به صلى الله عليه و سلم لأنه لا يحسم القال والقيل ولا يرد به شيء من الأباطيل ولا ينبغي لمن يؤمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم أن يخالج قلبه بعد الوقوف على الآيات والأخبار شك في طهارة نساء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الفجور في حياة أزواجهن وبعد وفاتهم عنهن ونسب للشيعة قذف عائشة رضي الله تعالى عنها بما برأها الله تعالى منه وهم ينكرون ذلك أشد الإنكار وليس في كتبهم المعول عليها عندهم عين منه ولا أثر أصلا وكذلك ينكرون ما نسب إليهم من القول بوقوع ذلك منها بعد وفاته صلى الله عليه و سلم وليس له أيضا في كتبهم عين ولا أثر
والظاهر أنه ليس في الفرق الإسلامية من يختلج في قلبه ذلك فضلا عن الإفك الذي برأها الله عز و جل منه
يعظكم الله أي ينصحكم أن تعودوا لمثله أبدا أي كراهة أن تعودوا أو لئلا تعودوا أو يعظكم في العود أي في شأنه وما فيه من الإثم والمضار كما يقال وعظته في الخمر وما فيها من المعار أو يزجركم عن العود على تضمين الوعظ معنى الزجر ويقال عاده وعاد إليه وعاد له وعاد فيه بمعنى والمراد بأبدأ مدة الحياة
إن كنتم مؤمنين
17
- من باب إن كنت أبا لك فلم لا تحسن إلي يتضمن تذكيرهم بالإيمان الذي هو العلة في الترك والتهييج لإبرازه في معرض الشك وفيه طرف من التوبيخ
ويبين الله لكم الآيات أي ينزلها مبينة ظاهرة الدلالة على معانيها والمراد بها الآيات الدالة على الشرائع ومحاسن آداب معاملة المسلمين وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لتفخيم شأن البيان
والله عليم بأحوال جميع مخلوقاته جلها ودقها حكيم
18
- في جميع أفعاله فأنى يمكن صدق ما قيل في حق حرم من اصطفاه لرسالته وبعثه إلى كافة الخلق ليرشدهم إلى الحق ويزكيهم ويطهرهم تطهيرا وإظهار الاسم الجليل ههنا لتأكيد استقلال الإعتراض التذييلي والإشعار بعلية الألوهية للعلم والحكمة إن الذين يحبون أي يريدون ويقصدون أن تشيع أن تنتشر الفاحشة أي الخصلة المفرطة في القبح وهي الفرية والرمي بالزنا أو نفس الزنا كما روي عن قتادة والمراد بشيوعها شيوع خبرها في الذين آمنوا متعلق بتشيع أي تشيع فيها بين الناس
وذكر المؤمنين لأنهم العمدة فيهم أو بمضمر هو حال من الفاحشة أي كائنة في حق المؤمنين وفي شأنهم والمراد بهم المحصنون والمحصنات كما روي عن ابن عباس لهم بسبب ذلك عذاب أليم في الدنيا مما يصيبه من البلاء كالشلل والعمى و في الآخرة من عذاب النار ونحوه وترتب ذلك على المحبة ظاهر على ما نقل عن الكرماني من أن أعمال القلب السيئة كالحقد والحسد ومحبة شيوع الفاحشة يؤاخذ العبد إذا وطن نفسه عليها ويعلم من الآية على أتم وجه سوء حال من نزلت الآية فيهم كابن أبي ومن وافقه قلبا وقالبا وأن لهم الحظ

(18/122)


الأوفر من العذابين حيث أحبوا الشيوع وأشاعوا
وقال بعضهم : المراد من محبة الشيوع الإشاعة بقرينة ترتب العذاب عليها فإنه لا يترتب إلا على الإشاعة دون المحبة التي لا اختيار فيها وإن سلم أن المراد بها محبة تدخل تحت الإختيار وهي مما يترتب عليها العذاب قلنا : إن ذلك هو العذاب الأخروي دون العذاب الدنيوي مثل الحد وقد فسر ابن عباس وابن جبير العذاب الأليم في الدنيا هنا بالحد وهو لا يترتب على المحبة مطلقا بالإتفاق ومن هنا قيل أيضا : إن ذكر المحبة من قبيل الإكتفاء عن ذكر الشيء وهو الإشاعة بذكر مقتضيه تنبيها على قوة المقتضى وقيل : إن الكلام على التضمين أي يشيعون الفاحشة محبين شيوعها لأن كلا معنى المحبة والإشاعة مقصودان
واستشكل تفسير العذاب الأليم في الدنيا بالحد بأنه لا يضم إليه العذاب الأليم في الآخرة لأن الحدود مكفرة وأجيب بأن حكم الآية مخصوص بمن أشاع ذلك في حق أم المؤمنين وقيل : الحد لمن نقل الإفك من المسلمين والعذاب الأخروي لأبي عذرته ابن أبي والموصول عام لهما على أن في كون لحدود مطلقا مكفرة خلافا فبعضهم قال به فيما عدا الردة وبعضهم أنكره وبعضهم توقف فيه لحديث أبي هريرة أنه عليه الصلاة و السلام قال : لا أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا ولعل الأنسب بمسلق النظم الكريم من تقبيح الخاطئين في الإفك المشيعين له هو ما ذكرناه أولا والمراد بالموصول إما هم على أن يكون للعهد الخارجي كما روي عن مجاهد وابن زيد والتعبير بالمضارع في الصلة للإشارة إلى زيادة تقبيحهم بأنه قد صارت محبتهم لشيوع الفاحشة عادة مستمرة وأما ما يعمهم وغيرهم من كل من يتصف بمضمون الصلة على إرادة الجنس ويدخل أولئك المشيعون دخولا أوليا كما قيل والله يعلم جميع الأمور التي من جملتها ما في الضمائر من المحبة المذكورة وكذا وجه الحكمة في تغليظ الوعيد وأنتم لا تعلمون
19
- ما يعلمه سبحانه وتعالى
والجملة اعتراض تذييلي جيء به تقريرا لثبوت العذاب لهم وتعليلا له قيل : المعنى والله يعلم ما في ضمائرهم فيعاقبهم عليه في الآخرة وأنتم لا تعلمون ذلك بل تعلمون ما يظهر لكم من أقوالهم فعاقبوا عليه في الدنيا
ولو لا فضل الله عليكم ورحمته الخطاب على ما أخرج الطبراني عن ابن عباس لمسطح وحسان وحمنة أو لمن عدا ابن أبي وأضرا به من المنافقين الخائضين وهذا تكرير للمنة بترك المعالجة بالعقاب للتنبيه على كمال عظم الجريرة وقوله سبحانه وتعالى وأن الله رءوف رحيم
20
- عطف على فضل الله وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة والإشعار باستتباع صفة الألوهية للرأفة والرحمة وتغيير سبكه وتصديره بحرف التحقيق لما أن المراد بيان اتصافه تعالى في ذاته بهاتين الصفتين الجليلتين على الدوام والإستمرار لإبيان حدوث تعلقهما بهم كما أنه المراد بالمعطوف عليه وجواب لو لا محذوف كما مر
وهذا نظير الآية المارة في آخر حديث اللعان إلا أن في التعقيب بالرؤف الرحيم بدل الثواب الحكيم هنا ما يؤذن بأن الذنب في هذا أعظم وكأنه لا يرتفع إلا بمحض رأفته تعالى وهو أعظم من أن يرتفع بالتوبة كما روي عن ابن عباس من خاض في الحديث الإفك وتاب ولم تقبل توبته والغرض التغليظ فلا تغفل
يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان أي لا تسلكوا مسالكه في كل ما تأتون وما تذرون

(18/123)


والكلام كناية عن اتباع الشيطان وامتثال وساوسه فكأنه قيل : لا تتبعوا الشيطان في شيء من الأفاعيل التي من جملتها إشاعة الفاحشة وحبها
وقرأ نافع والبزي في رواية ابن ربيعة عنه وأبو عمرو وأبو بكر وحمزة خطوات بسكون الطاء وقريء بفتحها وهو في جميع ذلك جمع خطوة بضم الخاء وسكون الطاء اسم لما بين القدمين وأما الخطوة بفتح الخاء فهو مصدر خطأ والأصل في الأسم إذا جمع أن تحرك عينه فرقا بينه وبين الصفة فيضم اتباعا للقاء أو بفتح تخفيفا وقد يسكن ومن يتبع خطوات الشيطان وضع الظاهر أن موضع ضميري الخطوات والشيطان حيث لم يقل ومن يتبعها أو من يتبع خطواته لزيادة التقرير والمبالغة فإنه يأمر بالفحشاء هو ما أفرط قبحه كالفاحشة والمنكر هو ما ينكره الشرع وضمير إنه للشيطان وقيل للشأن وجواب الشرط مقدر سد ما بعد الفاء مسده وهو في الأصل تعليل للجملة الشرطية وبيان لعلة النهي كأنه قيل : من يتبع الشيطان ارتكب الفحشاء والمنكر فإنه لا يأمر إلا بهما ومن كان كذلك لا يجوز اتباعه وطاعته وقد قرر ذلك النسفي وابن هشام في الباب الخامس من المغنى وتعقب بأنه يأباه ما نص عليه النحاة من أن الجواب لا يحذف إلا إذا كان الشرط ماضيا حتى عدوا من الضرورة قوله : لئن تك قد ضاقت علي بيوتكم ليعلم ربي أن بيتي أوسع وأجيب بأن الآية ليست من قبيل ما ذكروه في البيت فإنه مما حذف فيه الجواب رأسا وهذا مما أقيم مقامه ما يصح جعله جوابا بحسب الظاهر وقال أبو حيان : الضمير عائد على الشرطية ولم يعتبر في الكلام حذفا أصلا والمعنى على ذلك من يتبع الشيطان فإنه يصير رأسا في الضلال بحيث يكون آمرا بالفحشاء والمنكر وهو مبني على اشتراط ضمير في جواب الشرط الإسمي يعود إليه وسيأتي إن شاء الله تعالى ما فيه
ولو لا فضل الله عليكم ورحمته بما من جملته إنزال هاتيك الآيات البينات والتوفيق للتوبة الممحصة من الذنوب وكذا شرع الحدود المكفر لما عدا الردة منها على ما ذهب إليه جمع وأجابوا عن حديث أبي هريرة السابق آنفا بأنه كان قبل أن يوحى إليه صلى الله عليه و سلم بذلك ما زكى أي ما طهر من دنس الذنوب
وقرأ روح والأعمش ما زكى بالتشديد والإمالة وكتب زكى المخفف بالياء مع أنه من ذوات الواو وحقها أن تكتب بالألف قال أبو حيان : لأنه قد يمال أو حملا على المشدد ومن في قوله تعالى : منكم بيانية وفي قوله سبحانه : من أحد سيف خطيب و أحد في حيز الرفع على الفاعلية على القراءة الأولى وفي محل النصب على المفعولية على القراءة الثانية والفاعل عليها ضميره تعالى أي ما زكى الله تعالى منكم أحدا أبدا لا إلى غاية ولكن الله يزكي يطهر من يشاء من عباده بإفاضة فضله ورحمته عليه وحمله على التوبة وقبولها منه كما فعل سبحانه بمن سلم عن داء النفاق ممن وقع في شرك الإفك منكم
والله سميع مبالغ في سمعه الأقوال التي من جملتها ما أظهروه من التوبة عليم
21
- بجميع المعلومات التي من جملتها نياتهم وفيه حث لهم على الإخلاص في التوبة وإظهار الإسم الجليل للإيذان باستدعاء

(18/124)


الألوهية للسمع والعلم مع ما فيه من تأكيد الإستقلال التذييلي ولا يأكل أي لا يحلف افتعال من الآلية
وقال أبو عبيدة واختاره أبو مسلم : أي لا يقصر من الألو بوزن الدلو والألو بوزن العتو قيل : والأول أوفق بسبب النزول وذلك أنه صح عن عائشة وغيرها أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه حلف لما رأى براءة ابنته أن لا ينفق على مسطح شيئا أبدا وكان من فقراء المهاجرين الأولين الذين شهدوا بدرا وكان ابن خالته وقيل : ابن أخته رضي الله تعالى عنه فنزلت ولا يأتل الخ وهذا هو المشهور
وعن محمد بن سيرين أن أبا بكر حلف لا ينفق على رجلين كانا يتيمين في حجره حيث خاضا في أمر عائشة أحدهما مسطح فنزلت وعن ابن عباس والضحاك أنه قطع جماعة من المؤمنين منهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه منافعهم عمن قال في الإفك وقالوا : والله لا نصل من تكلم فيه فنزلت وقرأ عبد الله بن عباس بن ربيعة وأبو جعفر مولاه وزيد بن أسلم يتال مضارع تالي بمعنى حلف قال الشاعر : تالي ابن أوس حلفة ليردني إلى نسوة لي كأنهن مقائد وهذه القراءة تؤيد المعنى الأول ليأتل أولوا الفضل منكم أي الزيادة في الدين والسعة أي في المال أن يؤتوا أي على أن لا يؤتوا أو كراهة أن يؤتوا أولا يقصروا في أن يؤتوا
وقرأ أبو حيوة وابن قطيب وابن البرهسم تؤتوا بتاء الخطاب على الإلتفات
أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله صفات لموصوف واحد بناء على ما علمت من أن الآية نزلت على الصحيح بسبب حلف أبي بكر أن لا ينفق على مسطح وهو متصف كما سمعت بها فالعطف لتنزيل تغاير الصفات منزلة تغاير الموصوفات والجمع وإن كان السبب خاصا لقصد العموم وعدم الإكتفاء بصفة للمبالغة في إثبات استحقاق مسطح ونحوه الإيتاء فإن من اتصف بواحدة من هذه الصفات إذا استحقه فمن جمعها بالطريق الأولى وقيل : هي لموصوفات أقيمت هي مقامها وحذف المفعول الثاني لغاية ظهوره أي أن يؤتوهم شيئا وليعفوا ما فرط منهم وليفصحوا بالإغضاء عنه وقرأ عبد الله والحسن وسفيان بن الحسن وأسماء بنت يزيد ولتعفوا ولتفصحوا بتاء الخطاب على وفق قوله تعالى : ألا تحبون أن يغفر الله لكم أي بمقابلة عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم والله غفور رحيم
22
- مبالغ في المغفرة والرحمة مع كمال قدرته سبحانه على المؤاخذة وكثرة ذنوب العباد الداعية إليها وفيه ترغيب عظيم في الغفور ووعد كريم بمقابلته كأنه قيل : ألا تحبون أن يغفر الله لكم فهذا من موجباته وصح أن أبا بكر لما سمع الآية قال : بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا وأعاد له نفقته وفي رواية أنه صار يعطيه ضعفي ما كان يعطيه أولا ونزلت هذه الآية على ما أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بعد أن أقبل مسطح إلى أبي بكر معتذرا فقال جعلني الله تعالى فداك والله الذي أنزل على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ما قذفتها وما تكلمت بشيء مما قيل لها أي خال فقال أبو بكر ولكن قد ضحكت وأعجبك الذي قيل فيها فقال مسطح لعله يكون قد كان بعض ذلك وفي الآية من الحث على مكارم الأخلاق ما فيها واستدل بها على فضل الصديق رضي الله تعالى عنه لأنه داخل في أولي الفضل قطعا لأنه وحده أو مع جماعة سبب النزول ولا يضر في ذلك عموم

(18/125)


الحكم لجميع المؤمنين كما هو الظاهر ولا حاجة إلى دعوى أنها فيه خاصة والجميع للتعظيم وكونه مخصوصا بضمير المتكلم مردود على أن فيها من ارتكاب خلاف الظاهر ما فيها وأجاب الرافضة بأن المراد بالفضل الزيادة في المال ويرد عليه أنه حينئذ يتكرر مع قوله سبحانه والسعة وادعى الإمام أنها تدل على أن الصديق رضي الله تعالى عنه أفضل جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وبين ذلك بما هو بعيد عن فضله وذكر أيضا دلالتها على وجوه من مدحه رضي الله تعالى عنه وأكثرها للبحث فيها مجال واستدل بها على أن ما لا يكون ردة من المعاصي لا يحبط العمل وإلا لما سمى الله تعالى مسطحا مهاجرا مع أنه صدر منه ما صدر وعلى أن الحلف على ترك الطاعة غير جائز لأنه تعالى نهى عنه بقوله سبحانه : لا يأتل ومعناه على ما يقتضيه سبب الغزول لا يحلف وظاهر هذا حمل النهي على التحريم وقيل : هو للكرامة وقيل : الحق أن الحلف على ترك الطاعة قد يكون حراما وقد يكون مكروها فالنهي هنا لطلب الترك مطلقا وفيه بحث
وذكر جمهور الفقهاء أنه إذا حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفرن عن يمينه كما جاء في الحديث وقال بعضهم إذا حلف فليأت الذي هو خير وذلك كفارته كما جاء في حديث آخر
وتعقب بأن المراد من الكفارة في ذلك الحديث تكفير الذنب لا الكفارة الشرعية التي هي بإحدى الخصال
إن الذين يرمون المحصنات قد تقدم تفسيرها الغافلات عما يرمين به بمعنى أنه لم يخطر لهن ببال أصلا لكونهن مطبوعات على الخير مخلوقات من عنصر الطهارة ففي هذا الوصف من الدلالة على كمال النزاهة ما ليس في المحصنات المؤمنات أي المتصفات بالإيمان بكل ما يحب أن يؤمن به من الواجبات والمحظورات وغيرها إيمانا حقيقيا تفصيليا كما ينبيء عنه تأخير المؤمنات عما قبلها مع أصالة وصف الإيمان فإنه للإيذان بأن المراد بها المعنى الوصفي المعرب عما ذكر لا المعنى الإسمي المصحح لإطلاق الاسم في الجملة كما هو المتبادر على تقدير التقديم كذا في إرشاد العقل السليم
وفرع عليه كون المراد بذلك عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها وروي ما ظاهره ذلك عن ابن عباس وابن جبير والجمع على هذا باعتبار أن رميها رمي لسائر أمهات المؤمنين لاشتراك الكل في النزاهة والإنتساب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ونظير ذلك جمع المرسلين في قوله سبحانه وتعالى كذبت قوم نوح المرسلين وقيل : المراد أمهات المؤمنين فيدخل فيهن الصديقة دخولا أوليا وروي ما يؤيده عن أبي الجوزاء والضحاك وجاء أيضا عن ابن عباس ما يقتضيه فقد أخرج عند سعيد بن منصور وابن جرير والطبراني وابن مردويه أنه رضي الله تعالى عنه قرأ سورة النور ففسرها فلما أتى على هذه الآية إن الذين الخ قال هذه في عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه و سلم ولم يجعل لمن فعل ذلك توبة وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير أزواج النبي صلى الله عليه و سلم التوبة ثم قرأ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء إلى قوله تعالى إلا الذين تابوا الخبر وظاهره أنه لا تقبل توبة من قذف إحدى الأزواج الطاهرات رضي الله تعالى عنهن
وقد جاء عنه في بعض الروايات التصريح بعدم قبول توبة من خاض في أمر عائشة رضي الله تعالى عنها ولعل ذلك منه خارج مخرج المبالغة في تعظيم أمر الأفك كما ذكرنا أولا وإلا فظاهر الآيات قبول توبته وقد تاب من تاب من الخائضين كمسطح وحسان وحمنة ولو عملوا أن توبتهم لا تقبل لم يتوبوا نعم ظاهر

(18/126)


هذه الآية على ما سمعت من المراد من الموصوف بتلك الصفات كفر قاذف أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن لأن الله عز و جل رتب رميهن عقوبات مختصة بالكفار والمنافقين فقال سبحانه لعتوا أي بسبب رميهم إياهن في الدنيا والآخرة حيف يعلنهم اللاعنون والملائكة في الدارين ولهم مع ما ذكر من اللعن عذاب عظيم
23
- هائل لا يقادر قدره لغاية عظم ما اقترفوه من الجناية
وكذا ذكر سبحانه أحوالا مختصة بأولئك فقال عز و جل : يوم تشهد عليهم الخ ودليل الإختصاص قوله سبحانه ويوم يحشر أعداء الله إلى آخر الآيات الثلاث ومن هنا قيل : إنه لا يجوز أن يراد بالمحصنات الخ المتصفات بالصفات المذكورة أمهات المؤمنين وغيرهن من نساء الأمة لا ريب في أن رمي غير أمهات المؤمنين ليس بكفر والذي ينبغي أن يعول الحكم عليه بكفر من رمي إحدى أمهات المؤمنين بعد نزول الآيات وتبين أنهن طيبات سواء استباح الرمي أم قصد الطعن برسول الله صلى الله عليه و سلم أم لم يستبح ولم يقصد وأما من رمى قبل فالحكم بكفره مطلقا غير ظاهر
والظاهر أنه يحكم بكفره إن كان مستبيحا أو قاصدا الطعن به عليه الصلاة و السلام كابن أبي لعنه الله تعالى فإن ذلك مما يقتضيه إمعان في عداوة رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا يحكم بكفره إن لم يكن كذلك كحسان ومسطح وحمنة فإن الظاهر أنهم لم يكونوا مستحلين ولا قاصدين الطعن بسيد المرسلين صلى الله تعالى عليه وعلى آله أجمعين وإنما قالوا ما قالوا تقليدا فوبخوا على ذلك توبيخا شديدا ومما يدل دلالة واضحة على عدم كفر الرامين قبل الرمي أنه عليه الصلاة و السلام لم يعاملهم معاملة المرتدين بالإجماع وإنما أقام عليهم حد القذف على ما جاء في بعضص الروايات فالآية بناء على القول بخصوص المحصنات وهو الذي تعضده أكثر الروايات إن كانت لبيان حكم من يرمي عائشة أو إحدى أمهات المؤمنين مطلقا بعد تلك القصة كما هو ظاهر الفعل المضارع الواقع صلة الموصول فأمر الوعيد المذكور فيها على القول بأنه مختص بالكفار والمنافقين ظاهر لما سمعت من القول بكفر الرامي لأحدى أمهات المؤمنين بعد مطلقا وإن كانت لبيان حكم من رمى قبل احتاج أمر الوعيد إلى القول بأن المراد بالموصول أناس مخصوصون رموا عائشة رضي الله تعالى عنها استباحة لعرضها وقصدا إلى الطعن برسول الله صلى الله عليه و سلم كابن أبي وإخوانه المنافقين عليهم اللعنة وعلى هذا يكون التعبير بالمضارع لاستحضار الصورة التي هي من أغرب الغرائب أو للإشارة كما قيل إلى أن شأنهم الرمي وأنه يتجدد منهم آنا فآنا وعلى هذا يمكن أن يقال المراد بيان حكم من لم يتب من الرمي فإن التائب من فعل قلما يقال فيه إن شأنه ذلك الفعل فيكون الوعيد مخصوصا بمن لم يتب
والذي تقتضيه الأبار أن كل من وقع في تلك المعصية تاب سوى اللعين ابن أبي وأشياعه من المنافقين وعن ابن عباس أنها نزلت فيه خاصة ولا يخفى وجه الجمع عليه وقيل المراد بيان حكم من رمى والوعيد مشروط بعدم التوبة ولم يذكر للعلم به من القواعد المستقرة إذ الذنب كيفما كان يغفر بالتوبة فلا حاجة إلى أن يقال : المراد إن الذين شأنهم الرمي ليشعر بعدم التوبة والظاهر أن من لم يتب بعد نزول هذه الآيات كافر وليس هو إلا اللعين واختار جمع وقال النحال : هو أحسن ما قيل أن الحكم عام فيمن يرمي الموصوفات بالصفات المذكورة من نساء الأمة ورميهن إن كان مع استحلال فهو كفر فيستحق الوعيد المذكور إن لم يتب على ما علم من القواعد وإن كان بدون استحلال فهو كبيرة وليس بكفر ويحتاج في هذا إلى منع اختصاص تلك العقوبات والأحوال بالكفار والمنافقين أو التزام القول بأن ذلك ثابت للجنس ويكفي فيه ثبوته لبعض أفراده ولا شك أن فيها من يموت كافرا وفي البحر يناسب أن تكون هذه الآية كما قيل نزلت في مشركي مكة كانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفوها وقالوا : خرجت لتفجر قاله أبو حمزة اليماني ويؤيده قوله تعالى يوم تشهد الخ أه
وأنت تعلم أن الأوفق بالسياق والسباق ما عليه الأكثر من نزولها في شأن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وحكم رمي سائر أمهاتهم حكم رميها وكذا حكم رمي سائر أزواج الأنبياء عليهم السلام وكذا أمهاتهم وعندي أن حكم رمي بنات النبي عليه الصلاة و السلام كذلك لا سيما بضعته الطاهرة الكريمة فاطمة الزهراء صلى الله تعالى على أبيها وعليها وسلم ولم أر من تعرض لذلك فتدبر وعلم أنه لا خلاف في جواز لعن كافر معين موته على الكفر إن لم يتضمن إيذاء مسلم أو ذمي إذ قلنا باستوائه مع المسلم في حرمة الإيذاء أما إن تضمن ذلك حرم
ومن الحرم لعن أبي طالب على القول بموته كافرا بل هو من أعظم ما يتضمن ما فيه إيذاء من يحرم إيذاؤه ثم أن لعن من يجوز لعنه أنه يعد عبادة إلا إذا تضمن مصلحة شرعية وأما لعن كافر معين حي فالمشهور أنه حرام ومقتضى كلام حجة الإسلام الغزالي أنه كفر لما فيه من سؤال تثبيته على الكفر الذي هو سبب اللعنة وسؤال ذلك كفر ونص الزركشي على ارتضائه حيث قال عقبه : فتفطن لهذه المسئلة فإنها غريبة وحكمها متجه وقد زل فيه جماعة وقال العلامة ابن حجر في ذلك : ينبغي أن يقال إن أراد بلعنه الدعاء عليه بتشديد الأمر أو أطاق لم يكفر وإن أراد سؤال بقائه على الكفر أو الرضا ببقائه عليه كفر : ثم قال : فتدبر ذلك حق التدبر فإنه تفصيل متجه قضت به كلماتهم أه
وكلعن الكافر المعين بالشخص في الحرمة لعن الفاسق كذلك وقال السراج المفيني : بجواز لعن العاصي المعين واحتج على ذلك بحديث الصحيحين إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح وهو ظاهر فيما يدعيه وقول ولده الجلال البلقيني في بحثه معه : يحتمل أن يكون لعن الملائكة لها ليس بالخصوص بل بأن يقولوا : لعن الله من دعاها زوجها إلى فراشه فبات غضبان بعيد جدا ووما يؤيد قول السراج خبر مسلم أنه صلى الله عليه و سلم مر بحمار وسم في وجهه فقال لعن الله من فعل هذا وهو أبعد عن الإحتمال الذي ذكره ولده وقد صح أنه صلى الله عليه و سلم لعن قبائل من العرب بأعيانهم فقال : اللهم العن رعلا وذكوان وعصية عصوا الله تعالى ورسوله وفيه نوع تأييد لذلك أيضا لكن قيل : إنه يجوز أن يكون قد علم عليه الصلاة و السلام موتهم أو موت أكثرهم على الكفر فلم يلعن صلى الله عليه و سلم إلا من علم موته عليه ولا يخفى عليك الأحوط في هذا الباب فقد صح من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه وأرى الدعاء للعاصي المعين بالصلاح أحب من لعنه على القول بجوازه وأرى لعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه و سلم بالوصف

(18/127)


أو بالشخص عبادة من حيث أن فيه اقتداء برسول الله عليه الصلاة و السلام وكذا لعن من لعنه الله تعالى على الوجه الذي لعنه سبحانه به هذا وقوله عز و جل يوم تشهد الخ إما متصل بما قبله مسوق لتقرير العذاب العظيم بتعيين وقت حلوله وتهويله ببيان ظهور جناية الرامين المستتبعة لعقوباتها على كيفية هائلة وهيئة خارقة للعادات فيوم ظرف لما في لهم من معنى الإستقرار لا لعذاب كما ذهب إليه الحوفي لما في جواز أعمال المصدر الموصوف من الخلاف وقيل لإخلاله بجزالة المعنى وفيه نظر وأما منقطع عنه على أنه ظرف لا ذكر محذوفا أو ليوفيهم الآتي كما قيل بكل واختير أنه ظرف لفعل مؤخر وقد ضرب عنه الذكر صفحا للإيذان بأن العبارة لا تكاد تحيط بتفصيل ما يقع فيه من العظائم والكلام مسوق لتهويل اليوم بتهويل ما يحويه كأنه قيل : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون
24
- يظهر من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به نطاق المقال على أن الموصول المذكور عبارة عن جميع أعمالهم السيئة وجناياتهم القبيحة لا عن جناياتهم المعهودة فقط
ومعنى شهادة الجوارح المذكورة بها أنه عز و جل ينطقها بقدرته فتخبر كل جارحة منها بما صدر عنها من أفاعيل صاحبها لا أن كلا منها بجنايتهم المعهودة فحسب والموصول المحذوف عبارة عنها وعن فنون العقوبات المترتبة عليها كافة لا عن أحدهما خاصة ففيه من ضروب التهويل بالإجمال والتفصيل ما لا مزيد عليه قاله شيخ الإسلام ثم قال : وجعل الموصول المذكور عبارة عن جنايتهم المعهودة وحمل شهادة الجوارح على أخبار الكل بها فقط تحجير للواسع وتهوين للأمر الرادع والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على استمرارهم على هاتيك الأعمال في الدنيا وتجددها منهم آنا فآنا وتقديم عليهم على الفاعل للمسارعة إلى كون الشهادة ضارة لهم مع ما فيه من التشويق إلى المؤخر أه ولا يخلو عن حسن
وجوز أن تكون الشهادة بما ذكر مجازا عن ظهور آثاره على هاتيك الأعضاء بحيث يعلم من يشاهدهم ما علموه وذلك بكيفية يعلمها الله تعالى واعترض بأنه معارض بقوله تعالى انطقنا الله الذي أنطق كل شيء
وأجيب بأن مجوز ما ذكر يجعل النطق مجازا عن الدلالة الواضحة كما قيل به في قولهم نطقت الحال أو يقول : هذا في حال وذاك في حال أو كل منهما في قوم
ولا يخفى أن الظاهر بقاء الشهادة على حقيقتها إلا أنه استشكل ذلك بأنه حينئذ يلزم التعارض بين ما هنا وقوله تعالى في سورة يس اليوم نختم على أفواههم الآية لأن الختم على الأفواه ينافي شهادة الألسن
وأجيب بأن المراد من الختم على الأفواه منعهم عن التكلم بالألسنة التي فيها ذلك لا ينافي نطق الألسنة نفسها الذي هو المراد من الشهادة كما أشرنا إليه فإن الألسنة في الأول آلة للفعل وفي الثاني فاعلة له فيجتمع الختم على الأفواه وشهادة الألسن بأن يمنعوا عن التكلم بالألسنة وتجعل الألسنة نفسها ناطقة متكلمة كما جعل سبحانه الذراع المسموم ناطقا متكلما حتى أخبر النبي صلى الله عليه و سلم بأنه مسموم وللمعتزلة في ذلك كلام وقيل في التوفيق يجوز أن يكون كل من الختم والشهادة في موطن وحال وأن يكون الشهادة في حق الرامين والختم في حق الكفرة وكأنه لما كانت هذه الآية في حق القاذف بلسانه وهو مطالب معه بأربعة شهداء ذكر فيها خمسة أيضا وصرح باللسان الذي به عمله ليفضحه جزاء له من جنس عمله قاله الخفاجي وقال : إنها نكتة

(18/129)


سرية والله تعالى أعلم بأسرار كتابه فتدبر
وقرأ الإخوان والزعفراني وابن مقسم وابن سعدان يشهد بالياء آخر الحروف ووجه ظاهر
وقوله تعالى : يومئذ ظرف لقوله سبحانه : يوفيهم الله دينهم الحق والتنوين عوض عن الجملة المضافة إليها والتوفية إعطاء الشيء وافيا والدين هنا الجزاء ومنه كما تدين تدان والحق الموجد بحسب مقتضى الحكمة وقريب منه تفسيره بالثابت الذي يحق أن يثبت لهم لا محالة أي يوم تشهد عليهم أعضاؤهم المذكورة بأعمالهم القبيحة يعطيهم الله تعالى جزاءهم المطابق لمقتضى الحكمة وافيا تاما والكلام استئناف مسوق لبيان ترتيب حكم الشهادة عليها متضمن لبيان ذلك المبهم المحذوف فيما سبق على وجه الإجمال وجوز أن يكون يومئذ بدلا من يوم تشهد من جوز تعلق ذاك بيوفيهم وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما يوفيهم مخففا وقرأ عبد الله ومجاهد وأبو روق وأبو حيوة الحق بالرفع على أنه صفة للاسم الجليل ويجوز الفصل بالمفعول بين الموصوف وصفته ومعنى الحق على هذه القراءة على ما قال الراغب الموجد للشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة وفسره بعضهم بالعادل والأكثرون على تفسيره بالواجب لذاته وكذا في قوله سبحانه ويعلمون أن الله هو الحق المبين
25
- والمبين إما من أبان اللازم أي الظاهر حقيته على تقدير جعله نعتا للحق أو الظاهر ألوهيته عز و جل على تقدير جعله خبرا ثانيا أو من أبان المتعدي أي المظهر للأشياء كما في أنفسها وجملة يعملون معطوفة على جملة يوفيهم الله فإن كانت مقيدة بما قيدت به الأولى فالمعنى يوم إذ تشهد عليهم أعضاؤهم المذكورة بأعمالهم القبيحة يعلمون أن الله الخ وإن لم تكن مقيدة بذلك جاز أن يكون المعنى ويعلمون عند معاينتهم الأهوال والخطوب أن الله الخ والظاهر أن للشهادة على الأول وللمعاينة على الثاني دخلا في صحول العلم بمضمون ما في حيز يعلمون فتأمل لتعرف كيفية الإستدلال على ذلك فإن فيه خفاء لا سيما مع ملاحظة الحصر المأخوذ من تعريف الطرفين وضمير الفصل وقيل : إن علم الخلق بصفاته تعالى يوم القيامة ضروري : وإن تفاوتوا في ذلك من بعض الوجوه فيعلمون ما ذكر من غير مدخلية أحد الأمرين ولعل فائدة هذا العلم يأسهم من إنقاذ أحد إياهم مما هم فيه أو انسداد باب الإعتراض المروح للقلب في الجملة عليهم أو تبين خطئهم فر رميهم حرم رسول الله صلى الله عليه و سلم بالباطل لما أن حقيته تأبى كونه عز و جل حقا أي موجدا للأشياء بحسب ما تقتضيه الحكمة لما قدمنا من أن فجور زوجات الأنبياء عليهم السلام مخل بحكمة البعثة وكذا تأبى كونه عز و جل حقا أي واجبا لذاته بناء على أن الوجوب الذاتي يستتبع الإتصاف بالحكمة بل بجميع الصفات الكاملة وهذه الجملة ظاهرة جدا في أن الآية في ابن أبي وأضرابه من المنافقين الرامين حرم الرسول صلى الله عليه و سلم لأن المؤمن عالم أن الله تعالى هو الحق المبين منذ كان في الدنيا لا أنه يحدث له علم ذلك يوم القيامة ومن ذهب إلى أنها في الرامين من المؤمنين أو فيهم وفي غيرهم من المنافقين قال : يحتمل أن يكون المراد من العلم بذلك التفات الذهن وتوجهه إليه ولا يأبى ذلك كونه حاصل قبل وقد حمل السيد السند قدس سره في حواشي المطالع العلم في قولهم في تعريف الدلالة كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر على ذلك لئلا يرد أنه يلزم على الظاهر أن لا يكون اللفظ دلالة عند التكرار لامتناع علم المعلوم
ويحتمل أن يكون قد نزل علمهم الحاصل قبل منزلة غير الحاصل لعدم ترتب ما يقتضيه من الكف عن الرمي

(18/130)


عليه ومثل هذا التنزيل شائع في الكتاب الجليل ويحتمل أن يكون المراد يعلمون عيانا مقتضى أن الله هو الحق المبين أعني الإنتقام من الظالم للمظلوم ويحتمل غير ذلك
وأنت تعلم أن الكل خلاف الظاهر فتدبر وقوله تعالى : الخبيثات الخ كلام مستأنف مؤسس على السنة الجارية فيما بين الخلق على موجب أن الله تعالى ملكا يسوق الأهل إلى الأهل وقول القائل :
إن الطيور على أشباهها تقع
أي الخبيثات من النساء للخبيثين ومن الرجال أي مختصات بهم لا يتجاوزنهم إلى غيرهم على أن اللام للإختصاص والخبيثون أيضا للخبيثات لأن المجانسة من دواعي الإنضمام والطيبات منهن للطيبين منهم والطيبون أيضا للطيبات منهن بحيث لا يتجاوزونهن إلى من عداهن وحيث كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أطيب الأطيبين وخيرة الأولين والآخرين تبين كون الصديقة رضي الله تعالى عنها من أطيب الطيبات بالضرورة واتضح بطلان ما قيل فيها من الخرافات حسبما نطق به قوله سبحانه : أولئك مبرءون مما يقولون على أن الإشارة إلى أهل البيت النبوي رجالا ونساء ويدخل في ذلك الصديقة رضي الله تعالى عنها دخولا أوليا وقيل : إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم والصديقة وصفوان وقال الفراء : إشارة إلى الصديقة وصفوان والجمع يطلق على ما زاد على الواحد
وفي الآية على جميع الأقوال تغليب أي تغليب أولئك منزهون مما يقوله أهل الإفك في حقهم من الأكاذيب الباطلة وجعل الموصوف للصفات المذكورة النساء والرجال حسبما سمعت رواه الطبراني عن ابن عباس ضمن خبر طويل ورواه الإمامية عن أبي جعفر وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهما واختاره أبو مسلم والجبائي وجماعة وهو الأظهر عندي وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس أخرجها الطبراني أيضا وابن مردوية وغيرهما أن الخبيثات والطيبات صفتان للكلم والخبيثون والطيبون صفتان للخبيثين من الناس وروي ذلك عن الضحاك والحسن و الخبيثون عليه شامل للرجال والنساء على سبيل التغليب وكذا الطيبون و أولئك إشارة إلى الطيبين وضمير يقولون للخبيثين وقيل للآفكين أي الخبيثات من الكلم للخبيثين من الرجال والنساء أي مختصة ولائقة بهم لا ينبغي أن تقال في حق غيرهم وكذا الخبيثون من الفريقين أحقاء بأن يقال في حقهم خبائث الكلم والطيبات من الكلم للطيبين من الفريقين مختصة وحقيقة بهم وهم أحقاء بأن يقال في شأنهم طيبات الكلم أولئك الطيبون مبرؤن عن الإتصاف مما يقول الخبيثون وقيل الآفكون في حقهم فمآله تنزيه الصديقة رضي الله تعالى عنها أيضا
وقيل : المراد الخبيثات من القول مختصة بالخبيثين من فريقي الرجال والنساء لا تصدر عن غيرهم والخبيثون من الفريقين مختصون بالخبيثات من القول متعرضون لها والطيبات من القول للطيبين من الفريقين أي مختصة بهم لا تصدر عن غيرهم والطيبون من الفريقين مختصون بالطيبات من القول لا يصدر عنهم غيرها أولئك الطيبون مبرؤن مما يقول الخبيثون أي لا يصدر عنهم مثل ذلك وروي ذلك عن مجاهد والكلام عليه على حذف مضاف إلى ما ومآله الحط على الآفكين وتنزيه القائلين سبحانك هذا بهتان عظيم لهم مغفرة عظيمة لما لا يخلو البشر عنه من الذنب وحسنات الأبرار سيئات المقربين ورزق كريم
26
- هو الجنة كما

(18/131)


قاله أكثر المفسرين ويشهد له قوله تعالى في سورة الأحزاب في أمهات المؤمنين واعتدنا لها رزقا كريما فإن المراد ثمت الجنة بقرينة أعتدنا والقرآن يفسر بعضه بعضا وفي هذه الآيات من الدلالة على فضل الصديقة ما فيها ولو قلبت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة لم تر الله عز و جل قد غلظ في شيء اغليظه في الإفك وهو دال على فضلها أيضا وكانت رضي الله تعالى عنها تتحدث بنعمة الله تعالى عليها بنزول ذلك في شأنها
فقد أخرج ابن أبي شيبة عنها أنها قالت : خلال في لم تكن في أحد من الناس إلا ما آتى الله تعالى مريم ابنة عمران والله ما أقول هذا أني أفتخر على صواحباتي قيل : وما هن قالت : نزل الملك بصورتي وتزوجني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لسبع سنين وأهديت له لتسع سنين وتزوجني بكرا لم يشركه في أحد من الناس وأتاه الوحي وأنا وإياه في لحاف واحد وكنت من أحب الناس إليه ونزل في آيات من القرآن كادت الأمة تهلك فيهن ورأيت جبريل عليه السلام ولم يره أحد من نسائه غيري وقبض في بيتي لم يله أحد غير الملك وأنا
وأخرج ابن مردوية عنها أنها قالت : لقد نزل عذري من السماء ولقد خلقت طيبة عند طيب ولقد وعدت مغفرة وأجرا عظيما وفي قوله سبحانه : لهم مغفرة ورزق كريم بناء على شموله عائشة رضي الله تعالى عنها رد على الرافضة القائلين بكفرها وموتها على ذلك وحاشاها لقصة وقعة الجمل مع أشياء افتروها ونسبوها إليها ومما يرد زعم ذلك أيضا قول عمار بن ياسر في خطبته حين بعثه الأمير كرم الله تعالى وجهه مع الحسن رضي الله تعالى عنه يستنفران أهل المدينة وأهل الكوفة : إني لأعلم أنها زوجة نبيكم عليه الصلاة و السلام في الدنيا والآخرة ولكن الله تعالى ابتلاكم ليعلم أتطيعونه أم تطيعونها ومما يقضي منه العجب ما رأيته في بعض كتب الشيعة من أنها خرجت من أمهات المؤمنين بعد تلك الوقعة لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال للأمير علي كرم الله تعالى وجهه : قد أذنت لك أن تخرج بعد وفاتي من الزوجية من شئت من أزواجي فأخرجها كرم الله تعالى وجهه من ذلك لما صدر منها معه ما صدر ولعمري إن هذا مما يكاد يضحك الثكلى وفي حسن معاملة الأمير كرم الله تعالى وجهه إياها رضي الله تعالى عنها بعد استيلائه على العسكر الذي صحبها الثابت عند الفريقين ما يكذب ذلك ونحن لا نشك في فضلها رضي الله تعالى عنها لهذه الآيات ولما جاء في مدحها عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولو لم يكن من ذلك سوى ما أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام لكني معى هذا لا أقول بأنها أفضل من بضعته صلى الله عليه و سلم الكريمة فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها والوجه لا يخفى وفي هذا المقام أبحاث تطلب من محلها ثم أن الذي أراه أن إنزال هذه الآيات في أمرها لمزيد الإعتناء بشأن الرسول عليه الصلاة و السلام ولجبر قلب صاحبه الصديق رضي الله تعالى عنه وكذا قلب زوجته أم رومان فقد اعتراهما من ذلك الإفك ما الله تعالى أعلم به ولمزيد انقطاع عائشة رضي الله تعالى عنها إليه عز و جل مع فضلها وطهارتها في نفسها وقد جاء في خبر غريب ذكره ابن النجار في تاريخ بغداد بسنده عن أنس ابن مالك رضي الله تعالى عنه : كنت جالسا عند أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها لأقر عينها بالبراءة وهي تبكي فقالت : هجرني القريب والبعيد حتى هجرتني

(18/132)


الهرة وما عرض علي طعام ولا شراب فكنت أرقد وأنا جائعة ظامئة فرأيت في منامي فتى فقال لي : ما لك فقلت : حزينة مما ذكر الناس فقال : ادعي بهذه الدعوات يفرج الله تعالى عنك فقلت : وما هي فقال : قولي يا سابغ النعم ويا دافع النقم ويا فارج الغمم ويا كاشف الظلم يا أعدل من حكم يا حسب من ظلم يا ولي من ظلم يا أول بلا بداية ويا آخر بلا نهاية يا من له اسم بلا كنية اللهم اجعل لي من أمري فرجا ومخرجا قالت : فانتبهت وأنا ريانة شبعانة وقد أنزل الله تعالى فرجي ويسمى هذا الدعاء دعاء الفرج فليحفظ وليستعمل ثم إنه عز و جل إثر ما فصل الزواجر عن الزنا وعن رمي العفائف عنه شرع في تفصيل الزواجر عما عسى يؤدي إلى أحدهما من مخالطة الرجال بالنساء ودخولهم عليهن في أوقات الخلوات وتعليم الآداب الجميلة والأفاعيا المرضية المستتبعة لسعادة الدارين فقال سبحانه : يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم الخ وسبب النزول على ما أخرج الفريابي وغيره من طريق عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار أن امرأة قالت : يا رسول الله إني أكون في بيتي على الحالة التي لا أحب أن يراني عليها أحد لا ولد ولا والد فيأتيني آت فيدخل علي فكيف أصنع فنزلت يا أيها الذين آمنوا اله وإضافة البيوت إلى ضمير المخاطبين لامية اختصاصية والمراد عند بعض الإختصاص الملكي ووصف البيوت بمغايرة بيوتهم بهذا المعنى خارج مخرج العادة التي هي سكني كل أحد في ملكه وإلا فالآجر والمعير أيضا منهيان عن الدخول بغير إذن
وقال بعضهم : المراد : اختصاص السكنى أي غير بيوتكم التي تسكنونها لأن الآجر والمعير منهيين كغيرهما عن الدخول بغير إذن دليل على عدم إرادة الإختصاص الملكي فيحمل ذلك على الإختصاص المذكور فلا حاجة إلى القول بأن ذاك خارج مخرج العادة وقريء بيوتا غير بيوتكم بكسر الباء لأجل الياء حتى تستأنسوا أي تستأذنوا من يملك الإذن من أصحابها وتفسيره بذلك أخرجه ابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ويخالفه ما روي الحاكم وصححه والضياء في المختارة والبيهقي في شعب الإيمان وناس آخرون عنه أنه قال في حتى تستأنسوا أخطأ الكتاب وإنما هي حتى تستأذنوا لكن قال أبو حيان : من روي عن ابن عباس إنه قال ذلك فهو طاعن في الإسلام ملحد في الدين وابن عباس بريء من ذلك القول انتهى
وأنت تعلم أن تصحيح الحاكم لا يعول عليه عند أئمة الحديث لكن للخبر المذكور طرق كثيرة وكتاب الأحاديث المختارة للضياء كتاب معتبر فقد قال السخاوي في فتح المغيث في تقسيم أهل المسانيد ومنهم من يقتصر على الصالح للحجة كالضياء في مختارته والسيوطي يعد ما عد في ديباجة جمع الجوامع الكتب الخمسة وهي صحيح البخاري وصحيح مسلم وصحيح ابن حيان والمستدرك والمختارة للضياء قال وجميع ما في هذه الكتب الخمسة صحيح
ونقل الحافظ ابن رجب في طبقات الحنابلة عن بعض الأئمة أنه قال : كتاب المختارة خير من صحيح الحاكم فوجود هذا الخبر هناك مع ما ذكر من تعدد طرقه يبعد ما قاله أبو حيان وابن الأنباري أجاب عن هذا الخبر ونحوه من الأخبار الطاعنة بحسب الظاهر في تواتر القرآن المروية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وسيأتي في تفسير هذه السورة إن شاء الله تعالى بعضها أيضا بان الروايات ضعيفة ومعارضة بروايات

(18/133)


أخر عن ابن عباس أيضا وغيره وهذا دون طعن أبي حيان وأجاب ابن أشته عن جميع ذلك بأن المراد الخطأ في الإختيار وترك ما هو الأولى بحسب ظنه رضي الله تعالى عنه لجميع الناس عليه من الأحرف السبعة لأن الذي كتب خطأ خارج عن القرآن
واختار الجلال السيوطي هذا الجواب وقال : هو أولى وأقعد من جواب ابن الأنباري ولا يخفى عليك أن حمل كلام ابن عباس على ذلك لا يخلو عن بعد لما أن ما ذكر خلاف ظاهر كلامه وأيضا ظن ابن عباس أولوية ما أجمع سائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم على خلافه مما سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم في العرضة الأخيرة بعيد وكأنهم رأوا أن التزام ذلك أهون من إنكار ثبوت الخبر عن ابن عباس مع تعدد طرقه وإخراج الضياء إياه في مختارته ويشجع على هذا الإنكار اعتقاد جلالة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وثبوت الإجماع على تواتر خلاف ما يقتضيه ظاهر كلامه فتأمل
واستعمال الإستثناء بمعنى الإستئذان بناء على أنه استفعال من آنس الشيء بالمد علمه أو أبصره وإبصاره طريق إلى العلم فالإستئناس استعلام والمستأذن طالب العلم بالحال مستكشف أنه هل يراد دخوله أولا
وقيل الإستئناس خلاف الإستيحاش فهو من الإنس بالضم خلاف الوحشة والمراد به المأذونية فكأنه قيل : حتى يؤذن لكم فإن من يطرق بيت غيره لا يدري أيؤذن له أم لا فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه فإذا أذن له استأنس وهو في ذلك كناية أو مجاز وقيل : الإسنئناس من الإنس بالكسر بمعنى الناس أي تطلبوا معرفة في البيوت من الإنس وضعف بأن فيه اشتقاقا من جامد كما في المسرج أنه مشتق من السراج وبأن معرفة من في البيت لا تكفي بدون الإذن فيوهم جواز الدخول بلا إذن ومن الناس من رجحه بمناسبته لقوله تعالى فإن لم تجدوا فيها أحدا ولا يكافيء التضعيف بما سمعت
وذهب الطبري إلى أن المعنى حتى تؤنسوا أهل البيت من أنفسكم بالإستئذان ونحوه وتؤنسوا أنفسكم بان تعلموا أن قد شعر بكم ولا يخفى ما فيه وقيل : المعنى حتى تطلبوا علم أهل البيت والمراد حتى تعلموهم على أتم وجه ويرشد إلى ذلك ما روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال : يا رسول الله ما الإستئناس فقال : يتكلم الرجل بالتسبيحة والتكبيرة والتحميدة يتنحنح يؤذن أهل البيت وما أخرجه ابن المنذر وجماعة عن مجاهد أنه قال تستأنسوا تنحنحوا وتنخموا وقيل المراد حتى تؤنسوا أهل البيت بإعلامهم بالتسبيح أو نحوه والخبران المذكوران لا يأبيانه وكلا القولين كما ترى وفي دلالة ما ذكر من تفسير الإستئناس في الخبر على ما سبق له بحث سنشير إليه إن شاء الله تعالى وتسلموا على أهلها أي الساكنين فيها وظاهر الآية أم الإستئذان قيل التسليم وبه قال بعضهم
وقال النووي : الصحيح المختار تقديم التسليم على الإستئذان فقد أخرج الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم السلام قبل الكلام وابن أبي شيبة والبخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة فيمن يستأذن قبل أن يسلم قال : لا يؤذن له حتى يسلم وأخرج ابن أبي شيبة وابن وهب في كتاب المجالس عن زيد بن أسلم قال : أرسلني أبي إلى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فجئته فقلت : أألج فقال : ادخل فلما دخلت قال : مرحبا يا ابن أخي لا تقل أألج ولكن قل : السلام عليكم فإذا قيل : وعليك فقل :

(18/134)


أأدخل فإذا قالوا : ادخل فادخل
وأخرج قاسم بن أصبغ وابن عبد البر في التمهيد عن ابن عباس قال : استأذن عمر رضي الله تعالى عنه : على النبي صلى الله عليه و سلم فقال : السلام على رسول الله السلام عليكم أيدخل عمر واختار الماوردي التفصيل وهو أنه إن وقعت عين المستأذن على من في البيت قبل دخوله قدم السلام وإلا قدم الإستئذان والظاهر أن الإستئذان بما يدل على طلب الإذن صريحا والمأثور المشهور في ذلك أأدخل كما سمعت وجوز أن يكون بما يفهم منه ذلك مطلقا وجعلوا منه التسبيح والتكبير ونحوهما مما يحصل به إيذان أهل البيت بالجائي فإن إيذانهم دلالة ما على طلب الأذن منهم وحملوا ما تقدم من حديث أبي أيوب وكلام مجاهد على ذلك وهو على ما لاوي عن عطاء واجب على كل محتلم ويكفي فيه المرأة الواحدة على ما يقتضيه ظاهر الآية وأخرج البيهقي في الشعب وابن أبي حاتم عن قتادة أنه قال : كان يقال الإستئذان ثلاثا فمن لم يؤذن له فيهن فليرجع أما الأول فيسمع الحي وأما الثانية فيأخذوا حذرهم وأما الثالثة فإن شاؤا أذنوا وإن شاؤا ردوا وفي الأمر بالرجوع بعد الثلاث حديث مرفوع أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدري
وذكر أبو حيان أنه لا يزيد على الثلاث إلا إن تحقق أن في البيت لم يسمع وظاهر الآية مشروعية الإستئذان إذا أريد الدخول على المحارم وقد أخرج مالك في الموطأ عن عطاء بن يسار أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه و سلم : أأستأذن على أمي قال : نعم قال : ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها كلما دخلت قال : أتحب أن تراها عريانة قال الرجل : لا قال : فاستأذن عليها : وأخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن مسعود عليكم أن تستأذنوا أمهاتكم وأخواتكم وهو أيضا على ما يقتضيه بعض الآثار مشروع للنساء إذ أردن دخول بيوت غير بيوتهن : فقد أخرج ابن أبي حاتم عن أم إياس قالت : كنت في أربع نسوة نستأذن على عائشة رضي الله تعالى عنها فقلت : ندخل فقالت : لا فقال واحد : السلام عليكم أندخل قالت : ادخلوا ثم قالت يا أيها الذين آمنوا لاتدخلوا بيوتا غير بيوتكم الخ وإذا صح ذلك ففي الآية نوع تغليب ووجه مشروعية الإستئذان لهن نحو وجه مشروعيته للرجال فإن أهل البيت قد يكونون على حال لا يحبون اطلاع النساء كما لا يحبون اطلاع الرجال
وصح من حديث أخرجه الشيخان وغيرهما إنما جعل الإستئذان من أجل النظر ومن هنا لا ينبغي النظر في قعر البيت قبل الإستئذان وقد أخرج الطبراني عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال من كان يشهد أني رسول الله فلا يدخل على أهل بيت حتى يستأذن ويسلم فإذا نظر في قعر البيت فقد دخل وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم كما أخرج أبو داود والبخاري في الأدب المفرد عن عبد الله بن بشر إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول السلام عليكم وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستورا فاستقبال الباب ربما يفضي إلى النظر وظاهر الآية أيضا مشروعية الإستئذان للأعمى لدخوله في عموم الموصول ووجهها كراهة اطلاعه بواسطة السمع على ما لا يحب أهل البيت اطلاعه عليه من الكلام مثلا
وفي الكشاف إنما شرع الإستئذان لئلا يوقف على الأحوال التي يطويها الناس في العادة عن غيرهم

(18/135)


ويتحفظون من اطلاع أحد عليها ولم يشرع لئلا يطلع الدامر على عورة أحد ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه فقط وهو تعليل حسن إلا أنه يحتاج القول بذلك إلى القول بأن قوله عليه الصلاة و السلام إنما جعل الإستئذان من أجل النظر خارج مخرج الغالب
وجيء لمزيد افعتناء لا للحصر وقد صرحوا بمجيء إنما لذلك فلا تغفل ثم أعلم أن الإستئذان والتسليم متغايران لكن ظاهر بعض الأخبار يقتضي أن الإستئذان داخل في التسليم كما أن بعضها يقتضي مغايرته له وعدم دخوله فيه ووجه جعله من التسليم أنه بدونه كالعدم لما أن السنة فيه أن يقرن بالتسليم هذا وفي مصحف عبد الله كما أخرج ابن جرير وغيره عن إبراهيم حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا ذلكم إشارة على ما قيل إلى الدخول بالإستئذان والتسليم المفهوم من الكلام وقيل : إشارة إلى المذكور في ضمن الفعلين المغيابهما أي الإستئذان والتسليم خير لكم من الدخول بغتة والدخول على تحية الجاهلية فقد كان الرجل منهم إذا أراد أن يدخل بيتا غير بيته يقول : حييتم صباحا حييتم مساء فيدخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف وخيرية المفضل عليه قيل على زعمهم لما في الأنتظار من المذلة ولعدم تحية الجاهلية حسنة كما هو عادة اليوم في قولهم : صباح الخير ومساء الخير ولعل الأولى أن يقال : إن ذلك من قبيل الخل أحلى من العسل
وجوز أن يكون خير صفة فلا تقدير وقوله تعالى لعلكم تذكرون
27
- تعليل على ما اختاره جمع لمحذوف أي أرشدتم إلى ذلك أو قيل لكم هذا كي تتذكروا وتتعظوا وتعملوا بموجبه فإن لم تجدوا فيها أحدا بأن كانت خالية من الأهل فلا تدخلوها واصبروا حتى يؤذن لكم من جهة من يملك الأذن عند وجدانكم إياه ووجه ذلك أن الدخول في البيت الخالية من غير إذن سبب للقيل والقال وفيه تصرف بملك الغير بغير رضاه وهو يشبه الغضب وهذه الآية لبيان حكم البيوت الخالية على أهلها كما أن الآية الأولى لبيان حكم البيوت التي فيها أهلها
وجوز أن تكون هذه تأكيدا لأمر الإستئناس وأنه لا بد منه والأمر دائر عليه والمعنى فإن لم تجدوا فيها أحدا من الآذنين أي ممن يملك الإذن فلا تدخلوها الخ ويفيد هذا حرمة دخول ما فيه من لا يملك الإذن كعبد وصبي من دون إذن من يملكه ومن اختار الأول قال : إن حرمة ما ذكر ثابتة بدلالة النص فتأمل
وقال سبحانه فإن لم تجدوا إلى آخره دون فإن لم يكن فيها أحد لأن المعتبر وجد أنها خالية من الأهل مطلقا أو ممن يملك الإذن سواء كان فيها أحد في الواقع أم لم يكن كذا قيل : وعليه فالمراد من قولهم في تفسير ذلك بأن كانت خالية كونها خالية بحسب الإعتقاد وكذا يقال في نظيره فلا تغفل ثم أن ما أفادته الآيتان من الحكم قد خصه الشرع فيجوز الدخول لإزالة منكر توقفت على الدخول من غير إذن أهل البيت والدخول في البيت الخالي لإصفاء حريق فيه أو نحو ذلك
وقد ذكر الفقهاء الصور التي فيها الدخول من غير إذن ممن يملك الإذن فلتراجع وقيل : المراد بالإذن في قوله سبحانه حتى يؤذن لكم ما يعم الإذن دلالة وشرعا ولذا وقع بصيغة المجهول وحينئذ لا حاجة إلى

(18/136)


القول بالتخصيص وفيه خفاء وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا أي إن أمرتم من جهة أهل البيت بالرجوع سواء كان الآمر من يملك الإذن أم لا فارجعوا ولا تلحوا هو أي الرجوع أزكى لكم أي أطهر مما لا يخلو عنه اللج والعناد والوقوف على الأبواب بعد المذكور من دنس الدناءة والرذالة أو أنفع لدينكم ودنياكم على أن أزكى من الزكاة بمعنى النمو
والظاهر أن صيغة أفعل في الوجهين للمبالغة وقيدنا الوقوف على الأبواب بما سمعت لأن ليس فيه دناءة مطلقا فقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان يأتي دور الأنصار لطلب الحديث فيقعد على الباب ولا يستأذن حتى يخرج إليه الرجل فإذا خرج ورآه قال : يا ابن عم رسول الله لو أخبرتني بمكانك فيقول : هكذا أمرنا أن نطلب العلم وكأنه رضي الله تعالى عنه عد ذلك من التواضع وهو من أقوى أسباب الفتوح لطالب العلم وقد أعطاني الله عز و جل نصيبا وافيا منه فكنت أكثر التلامذة تواضعا وخدمة للمشايخ والحمد لله تعالى على ذلك والله بما تعملون عليم
28
- فيعلم ما تأتون وما تذرون مما كلمتموه فيجازيكم عليه
ليس عليكم جناح أن تدخلوا أي بغير استئذان بيوتا غير مسكونة أي موضوعة لسكنى طائفة مخصوصة فقط بل ليتمتع بها من يحتاج إليها كائنا من كان من غير أن يتخذها سكنا كالربط والخانات والحوانيت والحمامات وغيرها فإنها معدة لمصالح الناس كافة كما ينبيء عنه قوله تعالى فيها متاع لكم فإنه صفة للبيوت أو استئناف جار مجرى التعليل لنفي الجناح أي فيها حق تمتع لكم كالإستكنان من الحر والبرد وإيواء الأمتعة والرحال والشراء والبيع والإغتسال وغيرها مما يليق بحال البيوت وداخليها فلا بأس بدخولها بغير استئذان من داخليها من قبل ولا ممن يتولى أمرها ويقوم بتدبيرها
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل أنه لما نزل قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا الخ قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : يا رسول الله فكيف بتجار قريش الذين يختلفون من مكة والمدينة والشام وبيت المقدس ولهم بيوت معلومة على الطريق فكيف يستأذنون ويسلمون وليس فيها سكان فرخص سبحانه في ذلك فأنزل قوله تعالى ليس عليكم الخ وعنى الصديق رضي الله تعالى عنه بالبيوت المعلومة الخانات التي في الطرق وهي في الآية أعم من ذلك ولا عبرة بخصوص السبب فما روي عن ابن جبير ومحمد بن الحنفية والضحاك وغيرهم من تفسيرها فيها بذلك من باب التمثيل وكذا ما أخرجه جماعة عن عطاء وعبد بن حميد وإبراهيم النخعي أنها البيوت الخربة التي تدخل للتبرز وأما ما روي عن ابن الحنفية من أنها دور مكة فهو من باب التمثيل أيضا لكن صحة ذلك مبنية على القول بأن دور مكة غير مملوكة والناس فيها شركاء وقد علمت ما في المسئلة من الخلاف
وأخرج أبو داود في الناسخ وابن جرير عن ابن عباس أن قوله سبحانه يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها قد نسخ بقوله تعالى ليس عليكم جناح الخ واستثنى منه البيوت الغير المسكونة وروي حديث الإستثناء عن عكرمة والحسن وهو الذي يقتضيه ظاهر خبر

(18/137)


مقاتل وإليه دهب الزمخشري وتعقبه أبو حيان بأنه لا يظهر ذلك لأن الآية الأولى في البيوت المملوكة والمسكونة وهذه الآية في البيوت المباحة التي لا اختصاص لها بواحد دون واحد والذي يقتضيه النظر الجليل أن البيوت فيما تقدم أعم من هذه البيوت فيكون ما ذكر تخصيصا لذلك هو المعنى بالإستثناء فتدبر ولا تغفل
والله يعلم ما تبدون وما تكتمون
29
- وعيد لمن يدخل مدخلا من هذه المداخل لفساد أو اطلاع على عورات قل للمؤمنين شروع في بيان أحكام كلية شاملة للمؤمنين كافة يندرج فيها حكم المستأذنين عند دخولهم البيوت اندراجا أوليا وتلوين الخطاب وتوجيهه إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وتفويض ما في حيزه من الأوامر والنواهي إليه عليه الصلاة و السلام قيل لأنها تكاليف متعلقة بامور جزئية كثيرة الوقوع حرية بان يكون الآمر بها الومتصدي لتدبيرها حافظا ومهيمنا عليهم وقيل : إن ذلك لما أن بعض المؤمنين جاء إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كالمستدعي لأن يقول له ما في حيز القول
فقد أخرج ابن مردويه عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : مر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم في طريق من طرقات المدينة فنظر إلى امرأة ونظرت إليه فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما على الآخر إلا إعجابا به فبينما الرجل يمشي إلى جنب حائط وهو ينظر إليها إذ استقبله الحائط فشق أنفه فقال : والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبره أمري فأتاه فقص عليه قصته فقال النبي صلى الله عليه و سلم : هذا عقوبة ذنبك وأنزل الله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ومفعول القول مقدر و يغضوا جواب لقل لتضمنه معنى الشرط كأنه قيل : إن تقل لهم غضوا يغضوا وفيه إيذان بأنهم لفرط مطاوعتهم لا ينفك فعلهم عن أمره عليه الصلاة و السلام وأنه كالسبب الموجب له وهذا هو المشهور
وجوز أن يكون يغضوا جوابا للأمر المقدر المقول للقول وتعقب بأن الجواب لا بد أن يخالف المجاب إما في الفعل والفاعل نحو ائتني أكرمك أو في الفعل نحو تدخل الجنة أو في الفاعل نحو قم أقم ولا يجوز أن يتوافقا فيه وأيضا الأمر للمواجهة و يغضوا غائب ومثله لا يجوز وقيل عليه : إنه لم لا يجوز أن يكون من قبيل من كانت هجرته الحديث ولا نسلم أنه لا يجاب الأمر بلفظ الغيبة إذا كان محكيا بالقول لجواز التلوين حينئذ وفيه بحث ومن أنصف لا يرى هذا الوجه وجيها وهو على ما فيه خلاف الظاهر جدا وجوز الطبرسي وغيره أن يكون يغضوا مجزوما بلام أمر مقدرة لدلالة قل أي قل لهم ليغضوا والجملة نصب على المفعولية المقول وغض البصر إطباق الجفن على الجفن و من قيل صلة وسيبويه يأبى ذلك في مثل هذا الكلام والجواز مذهب الأخفش وقال ابن عطية : يصح أن تكون من لبيان الجنس ويصح أن تكون لابتداء الغاية وتعقبه بأنه لم يتقدم مبهم لتكون من لبيان الجنس على أن الصحيح أنها ليس من موضوعاتها أن تكون لبيان الجنس انتهى والجل على أنها هنا تبعيضية والمراد غض البصر عما يحرم والإقتصار به على ما يحل وجعل الغض عن بعض المبصر غض بعض البصر وفيه كما في الكشف كناية حسنة ثم أن غض البصر عما يحرم النظر إليه واجب ونظرة الفجأة التي لا تعمد فيها معفو عنها فقد أخرج أبو داود والترمذي وغيرهما عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم

(18/138)


لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة وبدأ سبحانه بالإرشاد إلى غض البصر لما في ذلك من سد باب الشر فإن النظر باب إلى كثير من الشرور وهو بريد الزنا ورائد الفجور وقال بعضهم : كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر والمرء ما دام ذا عين يقلبها في أعين العين موقوف على الخطر كم نظرة فعلت في قلب فاعلها فعل السهام بلا قوس ولا وتر يسر ناظره ما ضر خاطره لا مرحبا بسرور عاد بالضرر والظاهر أن الإرشاد لكل واحد من المؤمنين ولفظ الجمع لا يأبى ذلك والظاهر أيضا أن المؤمنين أعم من العباد وغيرهم وزعم بعضهم جواز أن يكون المراد بهم العياد والمؤمنين المخلصين على أن يكون المعنى قل للمؤمنين الكاملين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم أي عما لا يحل لهم من الزنا واللواطة ولم يؤت هنا بمن التبعيضية كما أتى بها فيما تقدم لماأنه ليس فيه حسن كناية كما في ذلك وفي الكشاف دخلت من في غض البصر دون الفرج دلالة على أن أمر النظر أوسع ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن ووصدورهن وثديهن وأعضادهن وسوقهن وأقدامهن وكذلك الجواري المستعرضات للبيع والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها وقدميها في إحدى الروايتين وأما أمر الفرج فمضيق وكفاك فرقا أن أبيح النظر إلا ما إستثنى منه وحظر الجماع إلا ما استثنى منه انتهى وقال صاحب الفرائد : يمكن أن يقال : المراد غض البصر عن الأجنبية والأجنبية يحل النظر إلى بعضها وأما الفرج فلا طريق إلى الحل فيه أصلا بالنسبة إلى الأجنبية فلا وجه لدخول من فيه وفيه تأمل وقيل : لم يؤت بمن هنا لأن المراد من حفظ الفروج سترها
فقد أخرج ابن المنذر وجماعة عن أبي العالية أنه قال : كل آية يذكر فيها حفظ الفرج فهو من الزنا إلا هذه الآية في النور ويحفظوا فروجهم ويحفظن فروجهن فهو أن لا يراها أحد وروي نحوه عن أبي زيد والستر مأمور به مطلقا
وتعقب بأنه يجوز الكشف في مواضع فلو جيء بمن لكان فيه إشارة إلى ذلك وتفسير حفظ الفروج هنا خاصة بسترها قيل لا يخلو عن بعد لمخالته لما وقع في القرآن الكريم كما اعترف به من فسره بما ذكر
واختار بعض المدققين أن المراد من ذلك حفظ الفروج عن الإفضاء إلى ما لا يحل وحفظها عن الإبداء لأن الحفظ لعدم ذكر صلته يتناول القسمين وذكر أن الحفظ عن الإبداء يستلزم الآخر من وجهين عدم خلوه عن الإبداء عادة وكون الحفظ عن الإبداء بل الأمر بالتستر مطلقا للحفظ عن الإفضاء ومن هنا تعلم أن من ضعف ما روي عن أبي العالية وابن زيد بعدم تعرض الآية عليه بحفظ الفرج عن الزنا لم يصب المحز
ذلك أي ما ذكر من الغض والحفظ أزكى لهم أي أطهر من دنس الريبة أو أنفع من حيث الدين والدنيا فإن النظر بريد الزنا وفيه من المضار الدينية أو الدنيوية ما لا يخفى وافعل للمبالغة دون التفضيل
وجوز أن يكون للتفضيل على معنى أزكى من كل شيء نافع أو مبعد عن الريبة وقيل على معنى أنه أنفع من الزنا والنظر الحرام فإنهم يتوهمون لذة ذلك نفعا إن الله خبير بما يصنعون
30
- لا يخفى عليه شيء مما يصدر عنهم من الأفاعيل التي من جملتها إجالة النظر واستعمال سائر الحواس وتحريك الجوارح وما يقصدون بذلك

(18/139)


فليكونوا على حذر منه عز و جل في كل ما يأتون وما يذرون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن فلا ينظرن إلى ما لا يحل لهن النظر إليه كالعورات من الرجال والنساء وهي ما بين السرة والركبة وفي الزواجر لابن حجر المكي يحرم نظر الرجل للمرأة يحرم نظرها إليه ولو بلا شهوة ولا خوف فتنة نعم إن كان بينهما محرمية نسب أو رضاع أو مصاهرة نظر كل إلى ما عدا ما بين سرة الآخر وركبته والمذكور في بعض كتب الأصحاب إن كان نظرها إلى ما عدا ما بين السرة والركبة بشهوة حرم وإن بدونها لا يحرك نعم غضها بصرها من الأجانب أصلا أولى بها وأحسن فقد أخرج أبو داود والترمذي وصححه النسائي والبيهقي في سننه عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه و سلم وميمونة قالت : فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه عليه الصلاة و السلام فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : احتجبا منه فقلت : يا رسول الله هو أعمى لا يبصر قال : أفعميا وإن أنتما ألستما تبصرانه واستدل به من قال بحرمة نظر المرأة إلى شيء من الرجل الأجنبي مطلقا ولا يبعد القول بحرمة نظر المرأة المرأة إلى ما عدا ما بين السرة والركبة إذا كان بشهوة ولا تستبعد وقوع هذا النظر فإنه كثير ممن يستعملن السحاق من النساء والعياذ بالله تعالى ويحفظن فروجهن أي عما لا يحل لهن من الزنا والسحاق أو من الإبداء أو مما يعم ذلك والإبداء ولا يبدين زينتهن أي ما يتزين به من الحلي ونحوه إلا ما ظهر منها أي إلا ما جرت العادة والجبلة على ظهوره والأصل فيه الظهور كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب فلا مؤاخذة في إبدائه للأجانب وإنما المؤاخذة في إبداء ما خفي من الزينة كالسوار الخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط
وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتستر لأن هذه الزين واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لمن استثنى في الآية بعد وهي الذراع والساق والعضد والعنق والرأس والصدر والأذن فنهي عن إبداء الزين نفسها ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها كالنظر إلى سوار امرأة يباع في السوق لا مقال في حله كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنا في الحظر ثابت القدم في الحرمة شاهدا على أن الساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين الله تعالى في الكشف عنها كذا في الكشاف وهو على ما قال الطيبي مشعر بأن ما ذكر من باب الكناية على نحو قولهم : فلان طاهر الجيب طاهر الذيل
وقال صاحب الفرائد : هو من باب إطلاق اسم الحال على المحل فالمراد بالزينة مواقعها فيكون حرمة النظر إلى المواقع بعبارة النص بدلالته وهي أقوى وفيه بحث
وقيل : الكلام على تقدير مضاف أي لا يبدين مواقع زينتهن وقال ابن المنير : الزينة على حقيقتها وما يأتي إن شاء الله تعالى من قوله عز و جل : ولا يضربن بأرجلهن الآية يحقق أن إبداء الزينة مقصود بالنهي وأيضا لو كان المراد من الزينة موقعها للزم أن يحل للأجانب النظر إلى ما ظهر من مواقع الزين الظاهرة وهذا باطل لأن كل بدن عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة وأنت تعلم أن ابن المنير مالكي وما ذكره مبني على مذهبه وما ذكره الزمخشري مبني على المشهور من مذهب الإمام أبي حنيفة من أن مواقع الزين الظاهرة من الوجه والكفين والقدمين ليست بعورة

(18/140)


مطلقا فلا يحرم النظر إليها وقد أخرج أبو داود وابن مردوية والبيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال يااسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وإشار إلى وجهه وكفه صلى الله تعالى عليه وسلم وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى : إلا ما ظهر منها رقعة الوجه وباطن الكف وأخرجا عن ابن عمر أنه قال : الوجه والكفان ولعل القدمين عندهما كالكفين إلا أنهما لم يذكراهما اكتفاء بالعلم بالمقايسة فإن الحرج في سترهما أشد من ستر الكفين لا سيما بالنسبة إلى أكثر نساء العرب الفقيرات اللاتي يمشين لقضاء مصالحهن في الطرقات ومذهب الشافعي عليه الرحمة كما في الزواجر أن الوجه والكفين ظهرهما وبطنهما إلى الكوعين عورة في النظر من المرأة ولو أمة على الأصح وإن كانا ليسا عورة من الحرة في الصلاة وفي المنهاج وشرحه لابن حجر في باب شروط الصلاة عورة الأمة ولو مبعضة ومكاتبة وأم ولد كعورة الرجل ما بين السرة والركبة في الأصح وعورة الحرة ولو غير مميزة والخنثى الحر ما سوى الوجه والكفين وإنما حرم نظرهما كالزائد على عورة الأمة لأن ذلك مظنة الفتنة ويجب في الخلوة ستر سوأة الأمة كالرجل وما بين سرة وركبة الحرة فقط إلا لأدنى غرض كتبريد وخشية غبار على ثوب تجمل انتهى
وذكر في الزواجر حرمة نظر سائر ما انفصل من المرأة لأن رؤية البعض ربما جر إلى رؤية الكل فكان اللائق حرمة نظره أيضا بل قال : حرم أئمتنا النظر لقلامة ظغر المرأة المنفصلة ولو من يدها وذهب بعض الشافعية إلى حل النظر إلى الوجه والكف إن أمنت الفتنة وليس بمعول عليه عندهم وفسر بعض أجلتهم ما ظهر بالوجه والكفين بعد أن ساق الآية دليلا على أن عورة الحرة ما سواهما وعلل حرمة نظرهما بمظنة الفتنة فدل ذلك على أنه ليس كل ما يحرم نظره عورة وأنت تعلم أن إباحة إبداء الوجه والكفين حسبما تقتضيه الآية عندهم مع القول بحرمة النظر إليهما مطلقا في غاية البعد فتأمل واعلم أنه إذا كان المراد النهي عن إبداء مواقع الزينة وقيل : بعمومها الوجه والكفين والتزم القول بكونهما عورة وحرمة إبدائهما لغير من استثنى بعد أن يجور أن يكون الإستثناء في قوله تعالى : إلا ما ظهر منها من الحكم الثابت بطريق الإشارة وهو المؤاخذة في دار الجزاء ويكون المعنى أن ما ظهر منها من غير إظهار كان كشفته الريح مثلا فهن غير مؤاخذات به في دار الجزاء وفي حكم ذلك ما لزم إظهاره لنحو تحمل شهادة شهادة ومعالجة طبيب وروري الطبراني والحاكم وصححه وابن المنذر وجمع آخرون عن ابن مسعود أن ما ظهر الثياب والجلباب وفي رواية الإقتصار على الثياب وعليها اقتصر أيضا الإمام أحمد وقد جاء إطلاق الزينة عليها في قوله تعالى : خذوا زينتكم عند كل مسجد على ما في البحر وجاء في بعض الروايات عن ابن عباس أن ما ظهر الكحل والخاتم والقرط والقرادة
وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة أنه الكف وثغرة النحر وعن الحسن أنه الخاتم والسوار وروي غير ذلك ولا يخفى أن بعض الأخبار ظاهر في حمل الزينة على المعنى المتبادر منها وبعضها ظاهر في حملها على مواقعها وقال ابن بحر : الزينة تقع على محاسن الخلق التي فعلها الله تعالى وعلى ما يتزين به من فضل لباس والمراد في الآية عن إبداء ذلك لمن ليس بمحرم واستثنى ما لا يمكن إخفاؤه في بعض الأوقات كالوجه والأطراف وأنكر بعضهم إطلاق الزينة على الخلقة قال في البحر : والأقرب دخولها

(18/141)


في الزينة وأي زينة أحسن من الخلقة المعتدلة وليضربن بخمرهن على جيوبهن إرشاد إلى كيفية إخفاء بعض مواقع الزينة بعد النهي عن إبدائها والخمر جمع خمار ويجمع في القلة على أخمرة وكلا الجمعين مقيس وهو المقنعة التي تلقيها المرأة على رأسها من الخمر وهو الستر والجيوب جمع جيب وهو فتح في أعلى القميص يبدو منه بعض الجسد وأصله على ما قيل من الجيب بمعنى القطع وفي الصحاح تقول : جيب القميص أجوبه وأجيبه إذا قورت جيبه قال الراجز : باتت تجيب أدعج الظلام جيب البيطر مدرع الهمام وإطلاقه على ما ذكر هو المعروف لغة وأما إطلاقه على ما يكون في الجنب لوضع الدراهم ونحوها كما هو الشائع بيننا اليوم فليس من كلام العرب كما ذكره ابن تيمية لكنه ليس بخطأ بحسب المعنى والمراد من الآية كما روي ابن أبي حاتم عن ابن جبير أمرهن بستر نحورهن وصدورهن بخمرهن لئلا يرى منها شيء وكان النساء يغطين رؤسهن بالخمر ويسدلنها كعادة الجاهلية من وراء الظهر فيبدو نحورهن وبعض صدورهن وصح أنه لما نزلت هذه الآية سارع نساء المهاجرين إلى امتثال ما فيها فشقق مروطهن فاختمرن بها تصديقا وإيمانا بما أنزل الله تعالى من كتابه وعدي يضرب بعلي على ما قال أبو حيان لتضمينه معنى الوضع والإلقاء وقيل : معنى الشد وظاهر كلام الراغب أنه يتعدى بعلى بدون تضمين وقرأ عباس عن أبي عمرو وليضربن بكسر اللام وطلحة بخمرهن بسكون الميم وقرأ غير واحد من السبعة جيوبهن بكسر الجيم والضم هو الأصل لأن فعلا يجمع على فعول في الصحيح والمعتل كفلوس وبيوت والكسر لمناسبة الياء وزعم الزجاج أنها لغة رديئة
ولا يبدين زينتهن كرر النهي لاستثناء بعض مواد الرخصة عنه باعتبار الناظر بعد ما استثنى عنه بعض مواد الضرورة باعتبار المنظور إلا لبعولتهن أي أزواجهن فإنهم المقصودون بالزينة والمأمورات نساؤهم بها لهم حتى أن لهم ضربهن على تركها ولهم النظر إلى جميع بدنهن حتى المحل المعهود كما في إرشاد العقل السليم
وكره النظر إلى ذلك أكثر الشافعية وحرمه بعضهم وقيل : إنه خلاف الأولى وهو على ما قاله الخفاجي : مذهب الحنفية وتفصيله في الهداية وفيما ذكرنا إشارة إلى وجه تقديم بعولتهن
أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن لكثرة المخالطة الضرورية بينهم وبينهن وقلة توقيع الفتنة من قبلهم ولهم أن ينظروا منهن ما يبدو عند المهنة والخدمة وهذا الحكم ليس خاصا بالآباء الأقربين بل آباء الآباء وإن علوا كذلك ومثلهن آباء الأمهات وكذا ليس خاصا بالأبناء والبنين الصلبيين بل يعمهم وأبناء الأبناء وبني البنين وإن سفلوا والمراد بالإخوان ما يشمل الأعيان وهم الأخوة لأب واحد وأم واحدة وبني العلات وهم أولاد الرجل من نسوة شتى والأخياف وهم أولاد المرأة من آباء شتى ونظير ذلك يقال في الأخوات واستعمل بني معهم دون أبناء لأنه أوفق بالعموم وأكثر استعمالا في الجماعة ينتمون إلى شخص مع عدم اتحاد صنف قرابتهم فيما بينهم ألا ترى أنك كثيرا ما تسمع بني آدم وبني تميم وقلما تسمع أبناء آدم وأبناء تميم وفيما نحن فيه قد يجتمع للمرأة ابن أخ شقيق وابن أخ لأب وابن أخ لأم بل قد يجتمع لها أبناء أخ شقيق أو إخوة أشقاء أعيان وبنو علات وأبناء أخ

(18/142)


أو إخوة لأب وأبناء أخ أو إخوة لأم ويتأتى مثل ذلك في ابن الأخت لكن لا يتصور هنا بنو العلات كما لا يتصور في أبناء الأخ الأخياف والإجتماع في أبنائهن وأبناء بعولتهن وإن اتفق لكونه ليس بتلك المثابة
وقيل اختير في الأخيرين بني لأنه لو جيء بأبناء تلاقت همزتان أحدهما همزة أبناء والثالثة همزة إخوان أو أخوات وهو على ما فيه لا يحسم مادة السؤال إذ للسائل أن يقول بعد : لم اختبر في الأولين أبناء دون بني ويحتاج إلى نحو أن يقال اختير ذلك لأنه أوفق بآباء وقيل اختير أبناء في الأولين لهذا واختير بني في بني أخواتهن ليكون المضاف والمضاف إليه من نوع واحد وفي بني إخوانهن المشاكلة وفيه ما فيه ولم يذكر سبحانه الأعمام والأخوال مع أنهم كما قال الحسن وابن جبير كسائر المحارم في جواز إبداء الزينة لهم قيل لأنهم في معنى الإخوان من حيث كون الجد سواء كان أب الأب أو أب الأم في معنى الأب فيكون ابنه في معنى الأخ وفيل لم يذكرهم سبحانه لما أن الأحوط أن يستترن عنهم حذارا من أن يصفوهن لأبنائهم فيؤدي ذلك إلى نظر الأبناء إليهن
وأخرج ذلك ابن المنذر وابن أبي شيبة عن الشعبي وفيه من الدلالة على وجوب التستر من الأجانب ما فيه
وضعف بأنه يجري في آباء البعولة إذ لو رأوا زينتهن لربما وصفوهن لأبنائهم وهم ليسوا محارم فيؤدي إلى نظرهم إليهن لا سيما إذا كن خليات وقيل لم يذكروا اكتفاء بذكر الآباء فإنهم عند الناس بمنزلتهم لا سيما الأعمام وكثيرا ما يطلق الأب على العم ومنه قوله تعالى وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ثم أن المحرمية المبيحة للإبداء كما تكون من جهة النسب تكون من جهة الرضاع فيجوز أن يبدين زينتهن لآبائهن وأبنائهن مثلا من الرضاع أو نسائهن المختصات بهن بالصحبة من حرائر المؤمنات فإن الكوافر لا يتحرجن أن يصفنهن للرجال فهن في إبداء الزينة لهن كالرجال الأجانب ولا فرق في ذلك بين الذمية وغيرها وإلى هذا ذهب أكثر السلف
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه أما بعد فإنه بلغني أن نساء المسلمين يدخلن الحمامات مع نساء أهل الشرك فإنه من قبلك عن ذلك فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تنظر إلى عورتها إلا من كانت من أهل ملتها وفي روضة النووي في نظر الذمية إلى المسلمة وجهان أصحهما ما عند الغزالي أنها كالمسلمة وأصحهما عند البغوي المنع وفي المنهاج له الأصح تحريم نظر ذمية إلى مسلمة ومقتضاه أنها معها كالأجنبي واعتمده جمع من الشافعية وقال ابن حجر : الأصح تحريم نظرها إلى ما لا يبدو في المهنة من مسلمة غير سيدتها ومحرمها ودخول الذميات على أمهات المؤمنين الوارد في الأحاديث الصحيحة دليل لحل نظرها منها ما يبدو في المهنة وقال الإمام الرازي : المذهب أنها كالمسلمة والمراد بنسائهن جميع النساء وقول السلف محمول على الإستحباب وهذا القول أرفق بالناس اليوم فإنه لا يكاد يمكن احتجاب المسلمات عن الذميات
أو ما ملكت أيمانهن أي من الإماء ولو كوافر وأما العبيد فهم كالأجانب وهذا مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وأحد قولين في مذهب الشافعي عليه الرحمة وصححه كثير من الشافعية والقول الآخر أنهم كالمحارم وصحح أيضا ففي المنهاج وشرحه لابن حجر والأصح أن نظر العبد العدل ولا يكفي العفة عن

(18/143)


الزنا فقط غير المشترك والمبعض وغير المكاتب كما في الروضة عن القاضي وأقره وإن أطالوا في رده إلى سيدته المتصفة بالعدالة كالنظر إلى محرم فينظر منها ما عدا ما بين السرة والركبة وتنظر منه ذلك ويلحق بالمحرم أيضا في الخلوة والسفر أه بتخليص وإلى كون العبد كالأمة ذهب ابن المسيب ثم رجع عنه وقال : لا يغرنكم آية النور فإنها في الإناث دون الذكور وعلل بأنهم فحول ليسوا أزواجا ولا محارم والشهوة متحققة فيهم لجواز النكاح في الجملة كما في البداية
وروي عن ابن مسعود والحسن وابن سيرين أنهم قالوا : لا ينظر العبد إلى شعر مولاته وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن طاوس أنه سئل هل يرى غلام المرأة رأسها وقدمها قال : ما أحب ذلك إلا أن يكون غلاما يسيرا فأما رجل ذو لحية فلا ومذهب عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما وروي عن بعض أئمة أهل البيت رضي الله تعالى عنهما أنه يجوز للعبد أن ينظر من سيدته ما ينظر أولئك المستثنون : وروي عن عائشة أنها كانت تمتشط وعبدها ينظر إليها وإنها قالت لذكوان : إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حر وعن مجاهد كانت أمهات المؤمنين لا تحتجبن عن مكاتبهن ما بقي عليه درهم
وأخرج أحمد في مسنده وأبو داود وابن مردويه والبيهقي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم أتى فاطمة رضي الله تعالى عنها بعبد قد وهبه لها وعلى فاطمة رضي الله تعالى عنها ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت رجليها لم يبلغ رأسها فلما رأى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ما تلقى قال : إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك
والذي يقتضيه ظاهر الآية عدم الفرق بين الذكر والأنثى لعموم ما ولأنه لو كان المراد الإناث خاصة لقيل أو إمائهن فإنه أخصر ونص في المقصود وإذا ضم الخبر المذكور إلى ذلك قوي القول بعدم الفرق والتفصي عن ذلك صعب وأحسن ما قيل في الجواب عن الخبر أن الغلام فيه كان صبيا إذ الغلام يختص حقيقة به فتأمل وخرج بإضافة الملك إليهن عبد الزوج فهو والأجنبي سواء قيل : وجعله بعضهم كالمحرم لقراءة أو ما ملكت أيمانكم أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أي الذين يتبعون ليصيبوا من فضل الطعام غير أصحاب الحاجة إلى النساء وهم الشيوخ الطاعنون في السن الذين فنت شهواتهم والممسوحون الذين قطعت ذكورهم وخصاهم وفي المجبوب وهو الذي قطع ذكره والخصي وهو من قطع خصاه خلاف واختير أنهما في حرمة النظر كغيرهما من الأجانب وكان معاوية يرى جواز نظر الخصي ولا يعتد برأيه وهو على ما قيل أول من اتخذ الخصيان وعن ميسون الكلابية أن معاوية دخل ومعه خصي فتقنعت منه فقال : هو خصي فقالت : يا معاوية أترى أن المثلة به تحلل ما حرم الله تعالى وليس له أن يستدل بما روي أن المقوقس أهدى للنبي صلى الله عليه و سلم خصيا فقبله إذ لا دلالة فيه على جواز إدخاله على النساء
وأخرج ابن جرير وجماعة عن مجاهد أن غير أولى الأربة الأبله الذي لا يعرف أمر النساء وروي ذلك عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه وعن ابن جبير أنه المعتوه ومثله المجنون كما قال ابن عطية
وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه المخنث الذي لا يقوم زبه لكن أخرج مسلم وأبو داود والنسائي وغيرهم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : كان رجل يدخل على أزواج

(18/144)


النبي صلى الله عليه و سلم مخنث فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة فدخل النبي عليه الصلاة و السلام يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة قال : إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان فقال النبي صلى الله عليه و سلم : ألا ترى هذا يعرف ما ههنا لا يدخل عليكن فحجبوه وجاء أنه عليه الصلاة و السلام أخرجه فكان بالبيداء يدخل كل جمعة يستطعم ولعل الأولى حمل غير أولي الأربة على الذين لا حاجة لهم بالنساء ولا يعرفون شيئا من أمورهن بحيث لا تحدثهم أنفسهم بفاحشة ولا يصفوهن للأجانب ولا أرى الإكتفاء في غير أولي الأربة بعدم الحاجة إلى النساء إذ لا تنتفي به مفسدة الإبداء بالكلية كما لا يخفى
ولعل فيب الخبر نوع إيماء إلى هذا وفي المنهاج وشرحه لابن حجر عليه الرحمة والأصح أن نظر الممسوح ذكره كله وأنثياه بشرط أن لا يبقى فيه ميل للنساء أصلا وإسلامه في المسلمة ولو أجنبيا لأجنبية متصفة بالعدالة كالنظر إلى محرم فينظر منها ما عدا ما بين السرة والركبة وتنظر منه ذلك ويلحق بالمحرم أيضا في الخلوة والسفر ويعلم منه أن التمثيل بالممسوح فيما سبق ليس على إطلاقه وأما الشيخ ألهم والمخنث فهما عند الشافعية في النظر إلى الأجنبيات ليس كالممسوح وصححوا أيضا أن المجنون يجب الإحتجاب منه فلا تغفل وجر غير قيل على البدلية لا الوصفية لاحتياجها إلى تكلف جعل التابعين لعدم تعينهم كالنكرة كما قاله الزجاج أو جعل غير متعرفا بالإضافة هنا مثلها في الفاحشة وفيه نظر وقرأ ابن عامر وأبو بكر غير بالنصب على الحال والإستثناء
أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء أي الأطفال الذين لم يعرفوا ما العورة ولم يميزوا بينها وبين غيرها على أن لم يظهروا الخ من قولهم ظهر على الشيء إذا اطلع عليه فجعل كناية عن ذلك أو الذين لم يبلغوا حد الشهوة والقدرة على الجماع على أنه من ظهر على فلان إذا قوى عليه ومنه قوله تعالى فأصبحوا ظاهرين ويشمل الطفل الموصوف بالصفة المذكورة بهذا المعنى المراهق الذي لم يظهر منه تشوق للنساء وقد ذكر بعض أئمة الشافعية أنه كالبالغ فيلزم الإحتجاب منه على الأصح كالمراهق الذي ظهر منه ذلك ويشمل أيضا من دون المراهق لكنه بحيث يحكي ما يراه على وجهه وذكروا في غير المراهق أنه إن كان بهذه الحيثية فكالمحرم وإلا فكالعدم فيباح بحضوره ما يباح في الخلوة فلا تغفل
والظاهر أن الطفل عطف على قوله تعالى لبعولتهن أو على ما بعده من نظائره لا على الرجال وكلام أبي حيان ظاهر في أنه عطف عليه وليس بشيء ثم هو مفرد محلى بأل الجمسية فيعم ولهذا كما قال في البحر : وصف بالجمع فكأنه قيل أو الأطفال كما هو المروي عن مصحف حفصة ومثل ذلك قولهم : أهلك الناس الدينار الصفر والدهم البيض وقيل مفرد وضع موضع الجمع ونحوه قوله تعالى ثم يخرجكم طفلا
وتعقب بأن وضع المفرد موضع الجمع لا ينقاس عند سيبويه وما هنا عنده من باب المفرد المعرف بلام الجنس وهو يعم بدليل صحة الإستثناء منه والآية المذكورة يحتمل أن تكون عنده على مبني ثم يخرج كل واحد منكم طفلا كما قيل في قوله تعالى وأعتدت لهن متكأ أنه على معنى وأعتدت لكل واحدة منهن متكأ فلا يتعين كون طفلا فيها مما لا ينقاس عنده وقال الراغب : إن طفلا يقع على الجمع كما يقع على المفرد ونص على

(18/145)


ذلك الجوهري وكذا قال بعض النحاة : إنه في الأصل مصدر فيقع على القليل والكثير والأمر على هذا ظاهر جدا والعورات جمع عورة وهي في الأصل ما يحترز من الإطلاع عليه وغلبت في سوأة الرجل والمرأة ولغة أكثر العرب تسكين الواو في الجمع وهي قراءة الجمهور
وروي عن ابن عامر أنه قرأ عورات بفتح الواو والمشهور أن تحريك الواو وكذا الياء في مثل هذا الجمع لغة هذيل بن مدركة ونقل ابن خالويه في كتاب شواذ القراآت أن ابن أبي إسحاق والأعمش قرأا عورات بالفتح ثم قال : وسمعنا ابن مجاهد يقول : هو لحن وإنما جعله لحنا وحظا من قبل الرواية وإلا فله مذهب في العربية فإن بني تميم يقولون : روضات وجوزات وعورات بالفتح فيها وسائر العرب بالإسكان وقال الفراء : العرب على تخفيف ذلك إلا هذيلا فتثقل ما كان من هذا النوع من ذوات الياء والواو وأنشدني بعضهم : أبو بيضات رائح متأدب رفيع بمسح المنكبين سبوح ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين أي ما يسترنه عن الرؤية من زينتهن أي لا يضربن بأرجلهن الأرض ليتقعقع خلاخلهن فيلعم أن هن ذوات خلاخل فإن ذلك ما يورث الرجال ميلا إليهن ويوهم أن لهن ميلا إليهم أخرج ابن جرير عن حضرمي أن امرأة اتخذت خلخالا من فضة واتخذت جزعا فمرت على قوم فضربت برجلها فوقع الخلخال على الجزع فصوت فأنزل الله تعالى ولا يضربن إلخ والنساء اليوم على جعل الخرز ونحوها في جوف الخلخال فإذا مشين به ولو هونا صوت ولهن من أنواع الحلي غير الخلخال ما يصوت عند المشي أيضا لا سيما إذا كان مع ضرب الرجل وشدة الوطء ومن الناس من يحرك شهوته وسوسة الحلي أكثر من رؤيته وفي النهي عن إبداء صوت الحلي بعد النهي عن إبداء عينه من النهي عن إبداء مواضعه ما لا يخفى وربما يستدل بهذا النهي على النهي عن استماع صوتهن
والمذكور في معتبرات كتب الشافعية وإليه أميل أن صوتهن ليس بعورة فلا يحرم سماعه إلا إن خشي منه فتنة وكذا إن التذبه كما بحثه الزركشي وأما عند الحنفية فقال الإمام ابن الهمام : صرح في النوازل أن نغمة المرأة عورة ولذا قال النبي صلى الله عليه و سلم التكبير للرجال والتصفيق للنساء فلا يحسن أن يسمعها الرجل أه
ثم أعلم أن عندي مما يلحق بالزينة المنهي عن إبدائها ما يلبسه أكثر مترفات النساء في زماننا فوق ضيابهن ويتسترن به إذا خرجن من بيوتهن وهو غطاء منسوج من حرير ذي عدة ألوان وفيه من النقوش الذهبية أو الفضية ما يبهر العيون وأرى أن تمكين أزواجهن ونحوهم لهن من الخروج بذلك ومشيهن به بين الأجانب من قلة الغيرة وقد عمت البلوى بذلك ومثله ما عمت به البلوى أيضا من عدم احتجاب أكثر النساء من إخوان بعولتهن وعدم مبالاة بعولتهن بذلك وكثيرا ما يأمرونهن به
وقد تحتجب المرأة منهم بعد الدخول أياما إلى أن يعطوها شيئا من الحلي ونحوه فتبدو لهم ولا تحتجب منهم بعد وكل ذلك مما لم يأذن به الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم وأمثال ذلك كثير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وتوبوا إلى الله جميعا تلوين للخطاب وصرف له عن رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الكل بطريق التغليب لإبراز كمال العناية بما في حيزه من أمر التوبة وأنها من معظمات المهمات الحقيقية بأن يكون سبحانه وتعالى الآمر

(18/146)


بها لما أنه لا يكاد يخلو أحد من المكلفين عن نوع تفريط في إقامة مواجب التكاليف كما ينبغي لا سيما في الكف عن الشهوات
وقد أخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد ومسلم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن الأغر رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه كل يوم مائة مرة والمراد بالتوبة على هذا التوبة عما في الحال وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد التوبة عما كانوا يفعلونه قبل من إرسال النظر وغير ذلك وهو وإن جب بالإسلام لكنه يلزم الندم عليه والعزم على الكف عنه كلما يتذكر وقد قالوا : إن هذا يلزم كل تائب عن خطيئة إذا تذكرها ومنه يعلم أن ما يفعله كثير ممن يزعمون التوبة من نقل ما فعلوه من الذنوب على وجه التبجح والإستلذاذ عن عدم صدق توبتهم
وفي تكيري الخطاب بقوله تعالى أيه المؤمنون تأكيد للإيجاب وإيذان بأن وصف الإيمان موجب للإمتثال حتما وفي هذا دليل على أن المعاصي لا تخرج عن الإيمان وقرأ ابن عامر أيه المؤمنون بضم الهاء ووجه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين أتبعت حركتها حركة ما قبلها وضم ها التي للتنبيه بعد أي لغة لبني مالك رهط شقيق بن مسلمة ووقف بعضهم بسكون الهاء لأنها كتبت في المصحف بلا ألف بعدها ووقف أبو عمرو والكسائي ويعقوب كما في النشر بالألف على خلاف الرسم لعلكم تفلحون
31
- أي لكي تفوزوا بذلك بسعادة الدارين أو مرجوا فلاحكم
وأنكحوا الأيامي منكم بعد ما زجر سبحانه عن السفاح ومباديه القريبة والبعيدة أمر بالنكاح فإنه مع كونه مقصودا بالذات من حيث كونه مناطا لبقاء النوع على وجه سالم مع اختلاف الأنساب مزجرة من ذلك
و الأيامي كما نقل في التحرير عن أبي عمرو وإليه ذهب الزمخشري مقلوب أيايم جمع أيم لأن فيعل لا يجمع على فعالي أي إن أصله ذلك فقدمت الميم وفتحت للتخفيف فقلبت الياء ألفاء لحركتها وانفتاح ما قبلها وذهب ابن مالك ومن تبعه إلى أنه جمع شاذ لا قلب فيه ووزنه فعالى وهو ظاهر كلام سيبويه والأيم قال النظر بن شميل : كل ذكر لاأنثى معه وكل أنثى لاذكر معها بكرا أو ثيبا ويقال : آم وآمت إذا لم يتزوجا بكرين كأنا أو ثيبين قال : فأن تنكحي أنكح وأن تتأيمي وإن كنت أفتى منكم أتأيم وقال التبريزي في شرح ديوان أبي تمام : قد كثر استعمال هذه الكلمة في الرجل إذا ماتت امرأته وفي المرأة إذا مات زوجها وفي الشعر القديم ما يدل على أن ذلك بالموت وبترك الزوج من غير موت قال الشماخ : يقر لعيني أن أحدث أنها وإن لم أنلها أيم لم تزوج انتهى وفي شرح كتاب سيبويه لأبي بكر الخفاف الأيم التي لا زوج لها وأصله هي التي كانت متزوجة فقعدت زوجها برزء طرأ عليها ثم قيل في البكر مجازا لأنها لا زوج لها وعن محمد أنها الثيب واستدل له بما روي أنه صلى الله عليه و سلم قال : الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وأذنها صماتها حيث قابلها بالبكر وفيه أنه يجوز أن تكون مشتركة لكن أريد منها ذلك لقرينة المقابلة والأكثرون على ما قاله النضر

(18/147)