صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
المؤلف : ينسب لابن عباس رضي الله عنهما
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31)

{ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله } فيما بينهم وبين ربهم ولم يتكلموا به لكن أخبر الله عن صدق قلوبهم فقال إنما نطعمكم لوجه الله لثواب الله وكرامته { لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً } مكافأة تجازوننا به { وَلاَ شُكُوراً } محمدة تحمدوننا به { إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا } من عذاب ربنا { يَوْماً عَبُوساً } كلوحاً { قَمْطَرِيراً } شديداً يقول شديد عذاب ذلك اليوم وهوله ويقال هو تعيس الوجه { فَوَقَاهُمُ الله } دفع عنهم { شَرَّ ذلك اليوم } عذاب ذلك اليوم { وَلَقَّاهُمْ } أعطاهم { نَضْرَةً } حسن الوجوه والبهاء { وَسُرُوراً } فرحاً في القلب { وَجَزَاهُمْ } أعطاهم { بِمَا صَبَرُواْ } في الدنيا على الفقر والمرازي { جَنَّةً وَحَرِيراً مُّتَّكِئِينَ فِيهَا } جالسين ناعمين في الجنة { على الأرائك } على السرر في الحجال فلا تكون أريكة إلا إذا اجتمعا فإذا تفرقا فليس بأريكة { لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً } يقول لا يصيبهم حر الشمس ولا برد الزمهرير { وَدَانِيَةً } قريبة { عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا } ظلال الشجر { وَذُلِّلَتْ } سخرت وقربت { قُطُوفُهَا } ثمرها { تَذْلِيلاً } تسخيراً { وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ } في الخدمة { بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ } كيزان بلا آذان ولا عرا { كَانَتْ قَوَارِيرَاْ قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا } على أكف الغلمان { تَقْدِيراً } ويقال قدروا الشراب فيها تقديراً لا يفضل ولا يعجز { وَيُسْقَوْنَ فِيهَا } في الجنة { كَأْساً } خمراً { كَانَ مِزَاجُهَا } خلطها { زَنجَبِيلاً عَيْناً فِيهَا } في الجنة { تسمى } تلك العين { سَلْسَبِيلاً } ويقال سل الله إليها سبيلاً { وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ } في الخدمة { وِلْدَانٌ } وصفاء { مُّخَلَّدُونَ } في الجنة لا يموتون ولا يخرجون ويقال محلون { إِذَا رَأَيْتَهُمْ } لو رأيتهم يا محمد { حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً } في الصفاء ويقال كثيراً قد نثر عليهم { وَإِذَا رَأَيْتَ } يا محمد { ثَمَّ } في الجنة { رَأَيْتَ } لأهلها { نَعِيماً } دائماً { وَمُلْكاً كَبِيراً } لا يدخل عليهم أحد إلا بالسلام والاستئذان { عَالِيَهُمْ } على أكتافهم إن قرأت بالألف { ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ } ما لطف من الديباج { وَإِسْتَبْرَقٌ } ما ثخن من الديباج { وحلوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ } ألبسوا أقبية من فضة { وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } من الدنس ويقال يطهرهم من الغل والغش والعداوة { إِنَّ هذا } الذي وصفت من الطعام والشراب واللباس { كَانَ لَكُمْ جَزَآءً } ثواباً من الله { وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً } عملكم مقبولاً في الزيادة { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ القرآن } جبريل بالقرآن { تَنزِيلاً } متفرقاً آية وآيتين وسورة { فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ } على قضاء ربك ويقال على تبليغ رسالة ربك { وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ } من كفار قريش { آثِماً } فاجراً كذاباً يعني الوليد ابن المغيرة { أَوْ كَفُوراً } كافراً بالله وهو عتبة بن ربيعة { واذكر اسم رَبِّكَ } صل بأمر ربك { بُكْرَةً وَأَصِيلاً } غدوة وعشياً يعني صلاة الفجر والظهر والعصر { وَمِنَ الليل فاسجد لَهُ } فصل صلاة المغرب والعشاء { وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً } صل له في الليل وهو التطوع ويقال كان خاصة عليه دون أصحابه صلاة الليل { إِنَّ هؤلاء } أهل مكة { يُحِبُّونَ العاجلة } العمل للدنيا { وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ } يتركون العمل لما أمامهم { يَوْماً ثَقِيلاً } شديداً هوله وعذابه { نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ } يعني أهل مكة { وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ } قوينا خلقهم { وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ } يعني أهلكناهم { تَبْدِيلاً } إهلاكاً يقول لو شئنا لأهلكنا هؤلاء الكفرة الفجرة وبدلنا خيراً منهم وأطوع لله { إِنَّ هذه } السورة { تَذْكِرَةٌ } عظة من الله { فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ } فمن شاء وحد واتخذ بذلك إلى ربه { سَبِيلاً } مرجعاً { وَمَا تَشَآءُونَ } من الخير والشر والكفر والإيمان { إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله } لكم أن تشاؤوا ذلك { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً } بما تشاؤون من الخير والشر { حَكِيماً } حكم أن لا تشاؤوا من الخير والشر إلا ما يشاء { يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ } يكرم من يشاء بدين الإسلام من كان أهلاً لذلك { والظالمين } الكافرين المشركين { أَعَدَّ لَهُمْ } عذاباً قريباً في الآخرة { عَذَاباً أَلِيماً } وجيعاً يخلص وجعه إلى قلوبهم .

(2/120)


وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (9) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10)

وبإسناده عن ابن عباس قوله تعالى { والمرسلات عُرْفاً } يقول أقسم الله بالملائكة كثيراً كعرف الفرس ويقال هم الملائكة الذين أرسلوا بالمعروف يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل { فالعاصفات عَصْفاً } وأقسم بالرياح العواصف الشديدة والعصف ما ذرت من منازل القوم { والناشرات نَشْراً } بالمطر يعني وأقسم بالمطر ويقال بالسحاب الناشرات بالمطر ويقال هم الملائكة الذين ينشرون الكتاب { فالفارقات فَرْقاً } وأقسم بالملائكة الذين يفرقون بين الحق والباطل ويقال هي آيات القرآن التي تفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام ويقال هؤلاء الثلاث هن الرياح { فالملقيات ذِكْراً } وأقسم بالمنزلات وحياً { عُذْراً } لله من جوره وظلمه { أَوْ نُذْراً } لخلقه من عذابه ويقال عذراً حلالاً أو نذراً حراماً ويقال عذراً أمراً أو نذراً نهياً ويقال عذراً وعداً أو نذراً وعيداً أقسم بهذه الأشياء { إِنَّمَا تُوعَدُونَ } من الثواب والعقاب في الآخرة { لَوَاقِعٌ } لكائن نازل بكم ثم بيَّن متى يكون فقال { فَإِذَا النجوم طُمِسَتْ } ذهب ضوؤها { وَإِذَا السمآء فُرِجَتْ } انشقت { وَإِذَا الجبال نُسِفَتْ } قلعت من أماكنها .

(2/121)


وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (19) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (24) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (27) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (28) انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (29) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ (33) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (34) هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (37) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39)

{ وَإِذَا الرسل أُقِّتَتْ } جمعت { لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ } هذه الأشياء يقول لأي يوم أجلها صاحبها ثم بين فقال عز وجل { لِيَوْمِ الفصل } من الخلائق { وَمَآ أَدْرَاكَ } يا محمد { مَا يَوْمُ الفصل } ما أعلمك بيوم الفصل { وَيْلٌ } واد في جهنم من قيح ودم ويقال جب في النار ويقال ويل شدة عذاب { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { لِّلْمُكَذِّبِينَ } بالله والكتاب والرسول والبعث بعد الموت { أَلَمْ نُهْلِكِ الأولين } بالعذاب والموت { ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخرين } ثم نلحق بالأولين الآخرين الباقين بعدهم بالموت والعذاب { كذلك نَفْعَلُ بالمجرمين } بالمشركين من قومك { وَيْلٌ } شدة عذاب { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { لِّلْمُكَذِّبِينَ } من قومك بالإيمان والبعث { أَلَمْ نَخْلُقكُّم } يا معشر المكذبين { مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ } من نطفة ضعيفة { فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ } في مكان حريز رحم المرأة { إلى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ } إلى وقت خروجه تسعة أشهر أو أقل أو أكثر { فَقَدَرْنَا } خلقه ويقال ملكنا على خلقه ويقال فصورنا خلقه في رحم المرأة { فَنِعْمَ القادرون } فنعم ما قدرنا وصورنا خلقه { وَيْلٌ } شدة عذاب { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { لِّلْمُكَذِّبِينَ } بالإيمان والبعث ثم ذكر منته على عباده فقال { أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً } تكفتهم { أَحْيَآءً } على ظهرها { وَأَمْواتاً } في بطنها ويقال أوعية للأحياء والأموات { وَجَعَلْنَا فِيهَا } في الأرض { رَوَاسِيَ } جبالاً ثوابت في مكانها أوتاداً لها { شَامِخَاتٍ } طوالاً { وَأَسْقَيْنَاكُم } يا معشر المكذبين { مَّآءً فُرَاتاً } عذباً حلواً ويقال ليناً { وَيْلٌ } شدة عذاب { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { لِّلْمُكَذِّبِينَ } بالإيمان والبعث { انطلقوا } يا معشر المكذبين { إلى مَا كُنتُم بِهِ } في الدنيا { تُكَذِّبُونَ } أنه لا يكون وهو عذاب النار تقول لهم الزبانية بعد الفراغ من الحساب { انطلقوا } يا معشر المكذبين { إلى ظِلٍّ } من دخان النار { ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ } فرق { لاَّ ظَلِيلٍ } لا كنين من حر النار { وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللهب } من لهب النار { إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ } تقذف بالشرر { كالقصر } كأسافل الشجر العظام { كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ } سود { وَيْلٌ } شدة عذاب { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { لِّلْمُكَذِّبِينَ } بالإيمان والبعث { هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ } في بعض المواطن وينطقون في بعض المواطن { وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ } بالكلام { فَيَعْتَذِرُونَ وَيْلٌ } شدة عذاب { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { لِّلْمُكَذِّبِينَ } بالإيمان والبعث { هذا يَوْمُ الفصل } بين الخلائق { جَمَعْنَاكُمْ } يا معشر المكذبين { والأولين } قبلكم والآخرين بعدكم { فَإِن كَانَ لَكمُ } يا معشر المكذبين { كَيْدٌ } مقدرة أن تصنعوا بي شيئاً { فَكِيدُونِ } فاصنعوا بي ويقال فإن كان لكم كيد حيلة فكيدوني فاحتالوا بي .

(2/122)


وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (40) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (45) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (46) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (47) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)

{ وَيْلٌ } شدة عذاب { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { لِّلْمُكَذِّبِينَ } بالإيمان والبعث . ثم بيَّن مستقر المؤمنين فقال { إِنَّ المتقين } الكفر والشرك والفواحش { فِي ظِلاَلٍ } ظلال الشجرة { وَعُيُونٍ } ماء ظاهر جار { وَفَوَاكِهَ } وألوان الفواكه { مِمَّا يَشْتَهُونَ } يتمنون { كُلُواْ } فيقول الله تبارك وتعالى لهم كلوا من الثمار { واشربوا } من الأنهار { هنيائا } سائغاً بلا داء ولا موت { بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } وتقولون من الخيرات في الدنيا { إِنَّا كذلك } هكذا { نَجْزِي المحسنين } بالقول والفعل { وَيْلٌ } شدة عذاب { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { لِّلْمُكَذِّبِينَ } بالإيمان والبعث { كُلُواْ } يا معشر المكذبين { وَتَمَتَّعُواْ } عيشوا { قَلِيلاً } يسيراً في الدنيا { إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ } مشركون مصيركم النار في الآخرة وهذا وعيد من الله لهم { وَيْلٌ } شدة عذاب { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { لِّلْمُكَذِّبِينَ } بالإيمان والبعث { وَإذَا قِيلَ لَهُمُ } للمكذبين إذا كانوا في الدنيا { اركعوا } اخضعوا لله بالتوحيد { لاَ يَرْكَعُونَ } لا يخضعون لله بالتوحيد ويقال هذا في الآخرة حين يقول الله تبارك وتعالى لهم اسجدوا إن كنتم مصدقين بما تقولون { والله ربنا ما كنا مشركين } فلم يقدروا على السجود وبقيت أصلابهم كالصياصي ويقال نزلت هذه الآية في ثقيف حيث قالوا لا نحني ظهورنا بالركوع والسجود { وَيْلٌ } شدة عذاب { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { لِّلْمُكَذِّبِينَ } بالله والرسول والكتاب والبعث { فَبِأَيِّ حَدِيثٍ } كتاب { بَعْدَهُ } بعد كتاب الله { يُؤْمِنُونَ } إن لم يؤمنوا بهذا النبأ .

(2/123)


عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ } يقول عماذا يتحدثون يعني قريشاً { عَنِ النبإ العظيم } عن خبر القرآن العظيم الكريم الشريف { الذي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ } مكذبون بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ومصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وذلك إذا نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من القرآن فقرأه عليه النبي صلى الله عليه وسلم فيتحدثون فيما بينهم عن ذلك فمنهم من صدق به ومنهم من كذب به { كَلاَّ } وهو رد على المكذبين { سَيَعْلَمُونَ } سوف يعلمون عند نزول الموت ماذا يفعل بهم { ثُمَّ كَلاَّ } حقاً { سَيَعْلَمُونَ } سوف يعلمون في القبر ماذا يفعل بهم وهذا وعيد من الله للمكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ثم ذكر منته عليهم فقال { أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مِهَاداً } فراشاً ومناماً { والجبال أَوْتَاداً } لها لكي لا تميد بهم { وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً } ذكر وأنثى { وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً } استراحة لأبدانكم ويقال حسناً جميلاً { وَجَعَلْنَا الليل لِبَاساً } مسكناً ويقال ملبساً .

(2/124)


وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا (39) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (40)

{ وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً } مطلباً { وَبَنَيْنَا } خلقنا { فَوْقَكُمْ } فوق رؤوسكم { سَبْعاً } سبع سموات { شِدَاداً } غلاظاً { وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً } شمساً مضيئة لبني آدم { وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات } بالرياح من السحاب { مَآءً ثَجَّاجاً } مطراً كثيراً متتابعاً { لِّنُخْرِجَ بِهِ } لننبت به { حَبّاً وَنَبَاتاً } بالمطر المحبوب كلها ونباتاً وسائر النبات { وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً } بساتين ملتفة ويقال ألواناً { إِنَّ يَوْمَ الفصل كَانَ مِيقَاتاً } معاداً للأولين والآخرين أن يجتمعوا فيه { يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور } نفخة البعث { فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً } فوجاً فوجاً جماعة جماعة { وَفُتِحَتِ السمآء } أبواب السماء { فَكَانَتْ أَبْوَاباً } فصارت طرقاً { وَسُيِّرَتِ الجبال } عن وجه الأرض { فَكَانَتْ سَرَاباً } فكانت كالسراب { إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً } محبساً أو مسجناً { لِّلطَّاغِينَ } للكافرين { مَآباً } مرجعاً { لاَّبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَاباً } مقيمين في جهنم أحقاباً حقباً بعد حقب والحقب الواحد ثمانون سنة والسنة ثلاثمائة وستون يوماً واليوم الواحد ألف سنة مما تعد أهل الدنيا ويقال لا يعلم عدد تلك الأحقاب إلا الله فلا ينقطع عنهم { لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا } في النار { بَرْداً } ماء بارداً ويقال نوماً { وَلاَ شَرَاباً } بارداً { إِلاَّ حَمِيماً } ماء حاراً قد انتهى حره { وَغَسَّاقاً } زمهريراً ويقال ماء منتناً { جَزَآءً وِفَاقاً } موافقة أعمالهم { إِنَّهُمْ كَانُواْ } في الدنيا { لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً } لا يخافون عذاباً في الآخرة ولا يؤمنون به { وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا } بكتابنا ورسولنا { كِذَّاباً } تكذيباً { وَكُلَّ شَيْءٍ } من أعمال بني آدم { أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً } كتبناه في اللوح المحفوظ { فَذُوقُواْ } العذاب في النار { فَلَن نَّزِيدَكُمْ } في النار { إِلاَّ عَذَاباً } لوناً بعد لون ثم بيَّن كرامة المؤمنين فقال { إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ } الكفر والشرك والفواحش { مَفَازاً } نجاة من النار وقربى إلى الله { حَدَآئِقَ } وهي ما أحيط عليها من الشجر والنخل { وَأَعْنَاباً } كروماً { وَكَوَاعِبَ } جواري مفلكات الثديين { أَتْرَاباً } مستويات في السن والميلاد على ثلاث وثلاثين سنة { وَكَأْساً دِهَاقاً } ملأى متتابعة { لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا } أهل الجنة في الجنة { لَغْواً } حلفاً وباطلاً { وَلاَ كِذَّاباً } لا يكذب بعضهم على بعض { جَزَآءً } ثواباً { مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً } أعطاهم في الجنة { حِسَاباً } بواحد عشرة ويقال موافقة أعمالهم { رَّبِّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا } من الخلق والعجائب { الرحمن } هو الرحمن { لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ } عنده يعني الملائكة وغيرهم { خِطَاباً } كلاماً في الشفاعة حتى يأذن الله لهم { يَوْمَ يَقُومُ الروح } يعني جبريل ويقال هو خلق لا يعلم عظمته إلا الله وقال ابن مسعود الروح ملك أعظم من كل شيء غير العرش يسبح الله في كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة فيخلق الله من كل تسبيحة ملكاً يستغفر للمؤمنين إلى يوم القيامة فيجيء يوم القيامة وهو صف واحد ويقال هم خلق من الملائكة لهم أرجل وأيد مثل بني آدم { والملائكة } ويوم يقوم الملائكة { صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ } بالشفاعة يعني الملائكة { إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن } في الشفاعة { وَقَالَ صَوَاباً } حقاً لا إله إلا الله { ذلك اليوم الحق } الكائن يكون فيه ما وصفت { فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ } وحده واتخذ بذلك التوحيد إلى ربه { مَآباً } مرجعاً { إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ } خوفناكم يا أهل مكة { عَذَاباً قَرِيباً } كائناً { يَوْمَ يَنظُرُ المرء } يبصر المؤمن ويقال الكافر { مَا قَدَّمَتْ } ما عملت { يَدَاهُ } من خير أو شر { وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَاباً } مع البهائم من الهول والشدة والعذاب يتمنى الكافر أن يكون تراباً مع البهائم وذلك يوم ترجف الراجفة .

(2/125)


وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { والنازعات } يقول أقسم الله بالملائكة الذين ينزعون نفوس الكافرين { غَرْقاً } غرقت نفسه في صدره وهي أرواح الكافرين { والناشطات } وأقسم بالملائكة الذين ينشطون نفوس الكافرين بالكرب والغم { نَشْطاً } كنشط السفود كثير الشعب من الصوف ويقال هي أرواح المؤمنين تنشط بالخروج إلى الجنة { والسابحات سَبْحاً } وأقسم بالملائكة الذين ينزعون نفوس الصالحين يسلونها سلاً رفيقاً رويداً ثم يتركونها حتى تستريح ويقال هي أرواح المؤمنين { فالسابقات سَبْقاً } وأقسم بالملائكة الذين يسبقون بأرواح المؤمنين إلى الجنة وأرواح الكافرين إلى النار ويقال هي أرواح المؤمنين تسبق إلى الجنة { فالمدبرات أَمْراً } وأقسم بالملائكة الذين يدبرون أمور العباد يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ويقال والنازعات غرقاً والناشطات نشطاً والسابحات سبحاً فالسابقات سبقاً كل هؤلاء النجوم فالمدبرات أمراً هم الملائكة ويقال والنازعات غرقاً هي قسي الغزاة والناشطات نشطاً هي أوهاق الغزاة والسابحات سبحاً هي سفن غزاة البحر والسابقات سبقاً هي خيول الغزاة فالمدبرات أمراً هم قواد الغزاة ويقال والسابحات سبحاً هي الشمس والقمر والليل والنهار أقسم الله بهؤلاء الأشياء أن النفختين لكائنتان بينهما أربعون سنة ثم بيَّنهما فقال { يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة } وهي النفخة الأولى يتزلزل كل شيء { تَتْبَعُهَا الرادفة } وهي النفخة الأخيرة { قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { وَاجِفَةٌ } خائفة { أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ } ذليلة { يَقُولُونَ } كفار مكة النضر بن الحارث وأصحابه { أَءِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة } إلى الدنيا ويقال من القبور .

(2/126)


أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)

{ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً } ناخرة بالية ويقال ميتة إن قرأت بالأنف كيف يبعثنا فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم بلى يبعثكم { قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ } رجعة خائبة لا تكون فقال الله { فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ } نفخة واحدة لا تثنى وهي نفخة البعث { فَإِذَا هُم بالساهرة } على وجه الأرض ويقال بأرض المحشر { هَلْ أَتَاكَ } يا محمد استفهاماً منه يعني قد أتاك ويقال ما أتاك ثم أتاك { حَدِيثُ موسى } خبر موسى { إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ } دعاه ربه { بالواد المقدس } المطهر { طُوًى } اسم الوادي وإنما سمي طوى لكثرة ما مشت عليه الأنبياء ويقال قد طوي ويقال طأ يا موسى هذا الوادي بقدميك لخيره وبركته { اذهب } يا موسى { إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى } علا وتكبر وكفر بالله { فَقُلْ هَل لَّكَ } يا فرعون { إلى أَن تزكى } تصلح وتسلم فتوحد بالله { وَأَهْدِيَكَ } وأدعوك { إلى رَبِّكَ فتخشى } منه فتسلم { فَأَرَاهُ } موسى { الآية الكبرى } العلامة العظمى اليد والعصا { فَكَذَّبَ } وقال ليس هذا من الله { وعصى } لم يقبل { ثُمَّ أَدْبَرَ } أعرض عن الإيمان ويقال عن موسى { يسعى } يعمل في أمر موسى ويقال أسرع إلى أهله { فَحَشَرَ } قومه بالشرط { فنادى } فخطبهم { فَقَالَ } لهم { أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى } أنا ربكم ورب أصنامكم الأعلى فلا تتركوا عبادتها { فَأَخَذَهُ الله } فعاقبة الله { نَكَالَ الآخرة والأولى } عقوبة الدنيا بالغرق وعقوبة الآخرة بالنار ويقال عاقبه الله بكلمته الأولى والأخرى وكلمته الأولى قوله { ما علمت لكم من إله غيري } وكلمته الأخرى قوله { أنا ربكم الأعلى } وكان بينهما أربعون سنة { إِنَّ فِي ذلك } فيما فعلنا بهم بفرعون وقومه { لَعِبْرَةً } لعظة { لِّمَن يخشى } لمن يخاف ما صنع بهم { ءَأَنتُمْ } يا أهل مكة { أَشَدُّ خَلْقاً } بعثاً وأحكم صنعة { أَمِ السمآء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا } سقفها { فَسَوَّاهَا } على الأرض { وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا } أظلم ليلها { وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا } أبرز نهارها وشمسها { والأرض بَعْدَ ذلك دَحَاهَا } مع ذلك بسطها على الماء ويقال بعد ذلك بسطها على الماء بألفي سنة { أَخْرَجَ مِنْهَا } من الأرض { مَآءَهَا } الجاري والغائر { وَمَرْعَاهَا } كلأها { والجبال أَرْسَاهَا } أوتدها { مَتَاعاً لَّكُمْ } منفعة لكم { وَلأَنْعَامِكُمْ } الماء والكلأ { فَإِذَا جَآءَتِ الطآمة الكبرى } وهي قيام الساعة طمت وعلت على كل شيء فليس فوقها شيء { يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنسان } يتعظ ويعلم الكافر النضر وأصحابه { مَا سعى } الذي عمل في كفره { وَبُرِّزَتِ الجحيم } أظهرت الجحيم { لِمَن يرى } لمن يجب له دخولها { فَأَمَّا مَن طغى } علا وتكبر وكفر بالله هو النضر بن الحارث بن علقمة { وَآثَرَ الحياة الدنيا } اختار الدنيا على الآخرة والكفر على الإيمان { فَإِنَّ الجحيم هِيَ المأوى } مأوى من كان هكذا { وَأَمَّا مَنْ خَافَ } عند المعصية { مَقَامَ رَبِّهِ } مقامه بين يدي ربه فانتهى عن المعصية { وَنَهَى النفس عَنِ الهوى } عن الحرام الذي يشتهيه وهو مصعب بن عمير { فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى } مأوى من كان هكذا { يَسْئَلُونَكَ } يا محمد كفار مكة { عَنِ الساعة } عن قيام الساعة { أَيَّانَ مُرْسَاهَا } متى قيامها إنكار منهم لها { فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا } ما أنت وذاك أن تذكرها لهم { إلى رَبِّكَ مُنتَهَاهَآ } منتهى علم قيامها { إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ } رسول مخوف بالقرآن { مَن يَخْشَاهَا } من يخاف قيامها { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا } يعني الساعة { لَمْ يلبثوا } في القبور في الدنيا { إِلاَّ عَشِيَّةً } قدر عشية { أَوْ ضُحَاهَا } أو قدر غدوة من أول النهار .

(2/127)


عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { عَبَسَ } يقول كلح محمد عليه الصلاة والسلام وجهه { وتولى } أعرض بوجهه { أَن جَآءَهُ الأعمى } إذ جاءه عبد الله بن أم مكتوم وهو عبد الله بن شريح وأم مكتوم كانت أم أبيه وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً مع ثلاثة نفر من أشراف قريش منهم العباس بن عبد المطلب عمه وأمية بن خلف الجمحي وصفوان بن أمية وكانوا كفاراً فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعظهم ويدعوهم إلى الإسلام فجاء ابن أم مكتوم فقال يا رسول الله علمني مما علمك الله فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم بوجهه عنه اشتغالاً بهؤلاء النفر فنزل فيه عبس كلح محمد عليه الصلاة والسلام بوجهه وتولى أعرض بوجهه عن عبد الله أن جاءه الأعمى ابن أم مكتوم { وَمَا يُدْرِيكَ } يا محمد { لَعَلَّهُ } أي الأعمى { يزكى } يصلح بالقرآن { أَوْ يَذَّكَّرُ } يتعظ بالقرآن { فَتَنفَعَهُ الذكرى } أي العظة بالقرآن ويقال وما يدريك يا محمد لعله يزكى أن لا يصلح أو يذكر أو لا يتعظ فتنفعه الذكرى أو لا تنفعه أي العظة { أَمَّا مَنِ استغنى } عن الله في نفسه وهم هؤلاء الثلاثة { فَأَنتَ لَهُ تصدى } تقبل عليه بوجهك { وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يزكى } ألا يوحد هؤلاء الثلاثة { وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يسعى } يسرع في الخير { وَهُوَ يخشى } من الله وهو مسلم وكان قد أسلم قبل ذلك ابن أم مكتوم { فَأَنتَ عَنْهُ } يا محمد { تلهى } تعرض مشتغلاً بهؤلاء الثلاثة { كَلاَّ } لا تفعل هكذا يقول لا تقبل على الذي استغنى عن الله في نفسه وتعرض عمن يخشى الله فكان النبي صلى الله عليه وسلم بكرم ابن أم مكتوم بعد ذلك ويحسن إليه كلا حقاً { إِنَّهَا } يعني هذه السورة { تَذْكِرَةٌ } عظة من الله للغني والفقير { فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ } فمن شاء الله له أن يتعظ اتعظ { فَي صُحُفٍ } يقول القرآن مكتوب في كتب من أدم { مُّكَرَّمَةٍ } كريمة على الله { مَّرْفُوعَةٍ } مرتفعة في السماء { مُّطَهَّرَةٍ } من الأدناس والشرك { بِأَيْدِي سَفَرَةٍ } كتبة { كِرَامٍ } هم كرام على الله مسلمون { بَرَرَةٍ } صدقة وهم الحفظة أهل السماء الدنيا .

(2/128)


قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)

{ قُتِلَ الإنسان } لعن الكافر عتبة بن أبي لهب { مَآ أَكْفَرَهُ } ما الذي أكفره بالله وبنجوم القرآن يعني وبالنجم إذا هوى ويقال ما أشد كفره { مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ } يقول فليتفكر في نفسه من أي شيء خلقه نسمة . ثم بيَّن له فقال { مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ } نسمة { فَقَدَّرَهُ } قدر خلقه باليدين والرجلين والعينين والأذنين وسائر الأعضاء { ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ } طريق الخير والشر بينه ويقال سبيل الرحم يسره بالخروج { ثُمَّ أَمَاتَهُ } بعد ذلك { فَأَقْبَرَهُ } فأمر به فقبر { ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ } بعثه من القبر { كَلاَّ } حقاً يا محمد { لَمَّا } لم { يَقْضِ } والألف ها هنا صلة لم يؤد { مَآ أَمَرَهُ } الذي أمره الله من التوحيد وغيره { فَلْيَنظُرِ الإنسان } فليتفكر الكافر عتبة بن أبي لهب { إلى طَعَامِهِ } في رزقه الذي يأكله كيف يحول من حال إلى حال حتى يأكله ثم بيَّن له تحويله فقال { أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً } يعني المطر على الأرض صبا { ثُمَّ شَقَقْنَا } صدعنا { الأرض شَقّاً } صدعاً بالنبات { فَأَنبَتْنَا فِيهَا } في الأرض { حَبّاً } الحبوب كلها { وَعِنَباً } يعني الكروم { وَقَضْباً } قتاً ويقال هو الرطبة { وَزَيْتُوناً } شجرة الزيتون { وَنَخْلاً } يعني النخيل { وَحَدَآئِقَ } ما أحيط عليها من الشجر والنخيل { غُلْباً } غلاظاً طوالاً { وَفَاكِهَةً } وألوان الفاكهة { وَأَبّاً } يعني الكلأ ويقال هو التبن { مَّتَاعاً لَّكُمْ } منفعة الحبوب وغيرها { وَلأَنْعَامِكُمْ } الكلأ { فَإِذَا جَآءَتِ الصآخة } وهو قيام الساعة صاح وخضع وانقاد وأجاب لها كل شيء وتذل الخلائق ويعلمون أنها كائنة ثم بيَّن متى تكون فقال { يَوْمَ يَفِرُّ المرء } المؤمن { مِنْ أَخِيهِ } الكافر { وَأُمِّهِ } ويفر من أمه { وَأَبِيهِ } ويفر من أبيه { وَصَاحِبَتِهِ } ويفر من زوجته { وَبَنِيهِ } ويفر من بنيه ويقال يفر هابيل من قابيل ومحمد عليه الصلاة السلام من أمه آمنة وإبراهيم من أبيه ولوطاً من زوجته واعلة ونوح من ابنه كنعان { لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { شَأْنٌ يُغْنِيهِ } عمل يشغله عن غيره { وُجُوهٌ } وجوه المؤمنين المصدقين في إيمانهم { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { مُّسْفِرَةٌ } مشرقة برضا الله عنها { ضَاحِكَةٌ } معجبة بكرامة الله لها { مُّسْتَبْشِرَةٌ } مسرورة بثواب الله { وَوُجُوهٌ } وجوه المنافقين والكفار { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { عَلَيْهَا غَبَرَةٌ } غبار { تَرْهَقُهَا } تعلوها وتغشاها { قَتَرَةٌ } كآبة وكسوف { أولئك } أهل هذه الصفة { هُمُ الكفرة } بالله { الفجرة } الكذبة على الله .

(2/129)


إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14) فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { إِذَا الشمس كُوِّرَتْ } يقول تكور كما تكور العمامة ويرمى بها في حجاب النور ويقال دهورت ويقال ذهب ضوؤها { وَإِذَا النجوم انكدرت } تساقطت على وجه الأرض { وَإِذَا الجبال سُيِّرَتْ } ذهبت عن وجه الأرض { وَإِذَا العشار } النوق الحوامل { عُطِّلَتْ } عطلها أربابها اشتغالاً بأنفسهم { وَإِذَا الوحوش حُشِرَتْ } البهائم للقصاص ويقال حشرها موتها { وَإِذَا البحار سُجِّرَتْ } فتحت بعضها في بعض المالح في العذب فصارت بحراً واحداً ويقال صيرت ناراً { وَإِذَا النفوس زُوِّجَتْ } قرنت بالأزواج ويقال قرنت بقرينها المؤمن بحور العين والكافر بالشيطان والصالح بالصالح والفاجر بالفاجر { وَإِذَا الموءودة } المقتولة المدفونة { سُئِلَتْ } أي سألت أباها { بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ } بأي ذنب قتلتني ويقال وإذا الوائد يعني القاتل سئل بأي ذنب قتلتها { وَإِذَا الصحف } ديوان الحسنات والسيئات { نُشِرَتْ } للحساب ويقال تطايرت في الأكف { وَإِذَا السمآء كُشِطَتْ } نزعت من أماكنها وطويت { وَإِذَا الجحيم سُعِّرَتْ } أوقدت للكافرين { وَإِذَا الجنة أُزْلِفَتْ } قربت للمتقين { عَلِمَتْ نَفْسٌ } علمت كل نفس برة أو فاجرة عند ذلك { مَّآ أَحْضَرَتْ } ما قدمت من خير أو شر { فَلاَ أُقْسِمُ } يقول أقسم { بالخنس } وهي النجوم التي يخنسن بالنهار ويظهرن بالليل { الجوار الكنس } ويجرين بالليل إلى المجرة يكنسن بالنهار ثم يرجعن إلى أماكنهن ويغبن وكنوسهن غيبوبتهن وسقوطهن رجوعهن إلى أماكنهن وهي هذه الأنجم الخمسة زهرة وزحل ومريخ ومشتري وعطارد { والليل إِذَا عَسْعَسَ } إذا أدبر وذهب { والصبح إِذَا تَنَفَّسَ } إذا أقبل واستضاء أقسم الله بهذه الأشياء { إِنَّهُ } يعني القرآن { لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } يقول الله نزل به جبريل على رسول كريم على الله يعني محمداً عليه الصلاة والسلام { ذِي قُوَّةٍ } على أعدائه يعني به جبريل { عِندَ ذِي العرش مَكِينٍ } عند الله له القدر والمنزلة { مُّطَاعٍ } يعني جبريل مطاع { ثَمَّ } في السماء يطيعه الملائكة { أَمِينٍ } على الرسالة إلى أنبيائه { وَمَا صَاحِبُكُمْ } نبيكم محمد يا معشر قريش { بِمَجْنُونٍ } يختنق كما تقولون { وَلَقَدْ رَآهُ } رأى محمد عليه الصلاة والسلام جبريل { بالأفق المبين } بمطلع الشمس المرتفع { وَمَا هُوَ } يعني محمداً صلى الله عليه وسلم { عَلَى الغيب } على الوحي { بِضَنِينٍ } بمتهم ويقال ببخيل إن قرأت بالضاد { وَمَا هُوَ } يعني القرآن { بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ } متمرد لعين واسمه المرمي { فَأيْنَ تَذْهَبُونَ } من عذاب الله يا معشر الكفار وأمره ونهيه ويقال فاين تذهبون من أين تكذبون ويقال فأين تميلون عن القرآن فلا تؤمنون به { إِنْ هُوَ } ما هو يعني القرآن { إِلاَّ ذِكْرٌ } عظة من الله { لِّلْعَالَمِينَ } الجن والإنس { لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ } على ما أمره الله من التوحيد وغيره { وَمَا تَشَآءُونَ } من الاستقامة والتوحيد { إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله } لكم ذلك { رَبُّ العالمين } رب كل ذي روح دب على وجه الأرض من أهل السماء والأرض .

(2/130)


إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { إِذَا السمآء انفطرت } انشقت بنزول الرب بلا كيف والملائكة وما يشاء من أمره { وَإِذَا الكواكب انتثرت } تساقطت على وجه الأرض { وَإِذَا البحار فُجِّرَتْ } فتحت بعضها في بعض عذبها في مالحها ومالحها في عذبها فصارت بحراً واحداً { وَإِذَا القبور بُعْثِرَتْ } بحثت وأخرج ما فيها من الأموات { عَلِمَتْ نَفْسٌ } كل نفس عند ذلك { مَّا قَدَّمَتْ } من خير أو شر { وَأَخَّرَتْ } ما أثرت من سنة صالحة أو سنة سيئة ويقال ما قدمت أي أدت من طاعة وما أخرت أي ضيعت { ياأيها الإنسان } يعني الكافر كلدة بن أسيد { مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ } حين كفرت بربك { الكريم } المتجاوز { الذي خَلَقَكَ } نسمة من نطفة { فَسَوَّاكَ } في بطن أمك { فَعَدَلَكَ } فجعلك معتدل القامة { في أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ } إن شاء شبهك في صورة الأعمام أو صورة الأخوال وإن شاء حسناً وإن شاء دميماً وإن شاء صورك في صورة القردة والخنازير وأشباه ذلك { كَلاَّ } حقاً { بَلْ تُكَذِّبُونَ } يا معشر قريش { بالدين } بالحساب والقضاء { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ } من الملائكة يحفظونكم ويحفظون أعمالكم { كِرَاماً } هم كرام على الله مسلمون { كَاتِبِينَ } يكتبون أعمالكم { يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } وما تقولون من الخير والشر ويكتبون ذلك كله { إِنَّ الأبرار } الصادقين في إيمانهم أبا بكر وأصحابه { لَفِي نَعِيمٍ } في جنة دائم نعيمها { وَإِنَّ الفجار } الكفار كلدة وأصحابه { لَفِي جَحِيمٍ } في نار { يَصْلَوْنَهَا } يدخلونها { يَوْمَ الدين } يوم الحساب والقضاء فيه بين الخلائق { وَمَا هُمَ } يعني الكفار { عَنْهَا } عن النار { بِغَآئِبِينَ } إذا دخلوا فيها { وَمَآ أَدْرَاكَ } يا محمد { مَا يَوْمُ الدين } ما يوم الحساب { ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ } يا محمد { مَا يَوْمُ الدين } ما يوم الحساب يعجبه بذلك تعظيماً له ثم بيَّن له فقال { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ } لا تقدر { نَفْسٌ } مؤمنة { لِنَفْسٍ } كافرة { شَيْئاً } من النجاة والشفاعة { والأمر } الحكم والقضاء بين العباد { يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } بيد الله لا يملكه يومئذ غيره ولا ينازعه أحد .

(2/131)


وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { وَيْلٌ } شدة العذاب { لِّلْمُطَفِّفِينَ } بالكيل والوزن وهم أهل المدينة كانوا مسيئين بالكيل والوزن قبل مجيء محمد عليه السلام إليهم فنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في مسيره بالهجرة إلى المدينة هذه السورة ويل شدة العذاب للمطففين المسيئين بالكيل والوزن ثم بيَّنهم فقال { الذين إِذَا اكتالوا عَلَى الناس } إذا اشتروا من الناس وكالوا لأنفسهم أو وزنوا لأنفسهم { يَسْتَوْفُونَ } يتمون الكيل والوزن جداً { وَإِذَا كَالُوهُمْ } كالوا لغيرهم { أَوْ وَّزَنُوهُمْ } أو وزنوا لغيرهم { يُخْسِرُونَ } ينقصون في الكيل والوزن ويسيئون جداً ويقال ويل شدة العذاب يومئذ للمطففين من الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك من العبادات { أَلا يَظُنُّ } ألا يعلم ويستيقن { أولئك } المطففون بالكيل والوزن { أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ } محيون { لِيَوْمٍ عَظِيمٍ } شديد هوله وهو يوم القيامة { يَوْمَ يَقُومُ الناس } من القبور { لِرَبِّ العالمين } رب كل ذي روح دب على وجه الأرض ومن أهل السماء فلما قرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه السورة تابوا ورجعوا إلى وفاء الكيل والوزن { كَلاَّ } حقاً يا محمد { إِنَّ كِتَابَ الفجار } أعمال الكفار { لَفِي سِجِّينٍ وَمَآ أَدْرَاكَ } يا محمد { مَا سِجِّينٌ } ما في السجين تعظيماً لها { كِتَابٌ مَّرْقُومٌ } يقول أعمال بني آدم مكتوب في صخرة خضراء تحت الأرض السابعة السفلى وهي سجين { وَيْلٌ } شدة العذاب { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { لِّلْمُكَذِّبِينَ } بالإيمان والبعث { الذين يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدين } بيوم الحساب والقضاء فيه { وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ } بيوم الدين { إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ } عن الحق غشوم ظلوم { أَثِيمٍ } فاجر مثل الوليد بن المغيرة المخزومي { إِذَا تتلى } تقرأ { عَلَيْهِ } على الوليد بن المغيرة { آيَاتُنَا } القرآن بالأمر والنهي { قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين } هذه أحاديث الأولين في دهرهم وكذبهم { كَلاَّ } حقاً يا محمد { بَلْ رَانَ } بل طبع الله { على قُلُوبِهِمْ } على قلوب المكذبين بيوم الدين ويقال الذنب على الذنب حتى يسود القلب وهو رين القلب { مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } بما كانوا يقولون ويعملون في الشرك .

(2/132)


كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)

{ كَلاَّ } حقاً يا محمد { إِنَّهُمْ } يعني المكذبين بيوم الدين { عَن رَّبِّهِمْ } عن النظر إلى ربهم { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { لَّمَحْجُوبُونَ } لممنوعون والمؤمنون لا يحجبون عن النظر إلى ربهم { ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ الجحيم } لداخلو النار { ثُمَّ يُقَالُ } يقول لهم الزبانية إذا دخلوا فيها { هذا الذي كُنتُم بِهِ } هذا العذاب هو الذي كنتم به في الدنيا { تُكَذِّبُونَ } أنه لا يكون { كَلاَّ } حقاً يا محمد { إِنَّ كِتَابَ الأبرار } أعمال الصادقين في إيمانهم { لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَآ أَدْرَاكَ } يا محمد { مَا عِلِّيُّونَ } ما في عليين { كِتَابٌ مَّرْقُومٌ } يقول أعمال الأبرار مكتوبة في لوح من زبرجدة خضراء فوق السماء السابعة تحت عرش الرحمن وهو عليون { يَشْهَدُهُ المقربون } مقربو أهل كل سماء أعمال الأبرار { إِنَّ الأبرار } الصادقين في إيمانهم وهم الذين لا يؤذون الذر { لَفِي نَعِيمٍ } في جنة دائم نعيمها { عَلَى الأرآئك } على السرر في الحجال { يَنظُرُونَ } إلى أهل النار { تَعْرِفُ } يا محمد { فِي وُجُوهِهِمْ } وجوه أهل الجنة { نَضْرَةَ النعيم } حسن النعيم { يُسْقَوْنَ } في الجنة { مِن رَّحِيقٍ } من خمر { مَّخْتُومٍ } ممزوج { خِتَامُهُ } عاقبته { مِسْكٌ وَفِي ذلك } فيما ذكرت في الجنة { فَلْيَتَنَافَسِ المتنافسون } فليعمل العاملون وليجتهد المجتهدون وليبادر المبادرون وليباذل المباذلون { وَمِزَاجُهُ } خلطه { مِن تَسْنِيمٍ عَيْناً } يصب عليهم من جنة عدن { يَشْرَبُ بِهَا } منها من عين التسنيم { المقربون } إلى جنة عدن صرفاً بلا خلط { إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ } أشركوا أبو جهل وأصحابه { كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ } على الذين آمنوا علي وأصحابه { يَضْحَكُونَ } يهزؤون ويسخرون { وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ } بالكفار يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم { يَتَغَامَزُونَ } يطعنون { وَإِذَا انقلبوا } وإذا رجع الكفار { إلى أَهْلِهِمْ انقلبوا } رجعوا { فَكِهِينَ } معجبين بشركهم واستهزائهم على المؤمنين { وَإِذَا رَأَوْهُمْ } رأوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم { قالوا } يعني الكفار { إِنَّ هؤلاء } أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام { لَضَالُّونَ } عن الهدى { وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ } ما سلطوا على المؤمنين { حَافِظِينَ } لهم ولأعمالهم { فاليوم } وهو يقوم القيامة { الذين آمَنُواْ } بمحمد عليه الصلاة والسلام والقرآن وهو علي وأصحابه { مِنَ الكفار } على الكفار { يَضْحَكُونَ عَلَى الأرآئك } على السرر في الحجال { يَنظُرُونَ } إلى أهل النار يسحبون في النار { هَلْ ثُوِّبَ الكفار } هل جوزي الكفار في الآخرة { مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } إلا بما كانوا يعملون ويقولون في الدنيا .

(2/133)


إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15) فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (19) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ (21) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { إِذَا السمآء انشقت } يقول انشقت بالغمام والغمام مثل السحاب الأبيض لنزول الرب بلا كيف والملائكة وما يشاء من أمره { وَأَذِنَتْ } سمعت وأطاعت { لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ } حق لها أن تفعل { وَإِذَا الأرض مُدَّتْ } مد الأديم العكاظي وبسطت ويقال نزعت من أماكنها وسويت { وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا } من الأموات والكنوز { وَتَخَلَّتْ } عن ذلك فصارت خالية من ذلك { وَأَذِنَتْ } سمعت وأطاعت { لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ } وحق لها ذلك { ياأيها الإنسان } وهو الكافر أبو الأسود بن كلدة بن أسيد بن خلف { إِنَّكَ كَادِحٌ } يقول عامل عملاً في كفرك فترجع بذلك { إلى رَبِّكَ كَدْحاً } في الآخرة ويقال ساع سعياً { فَمُلاَقِيهِ } عملك من خير أو شر { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ } أعطي { كِتَابَهُ } كتاب حسناته { بِيَمِينِهِ } وهو أبو سلمة بن عبد الأسد { فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً } هيناً وهو العرض { وَيَنقَلِبُ } يرجع في الآخرة { إلى أَهْلِهِ } الذي أعد الله له في الجنة { مَسْرُوراً } بهم { وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ } أعطي كتاب سيئاته { وَرَآءَ ظَهْرِهِ } خلف ظهره بشماله وهو الأسود بن عبد الأسد أخو أبي سلمة { فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً } يقول واويلاه واثبوراه { ويصلى سَعِيراً } يدخل ناراً وقوداً { إِنَّهُ كَانَ في أَهْلِهِ مَسْرُوراً } بهم { إِنَّهُ ظَنَّ } حسب { أَن لَّن يَحُورَ } يعني أن لن يرجع إلى ربه في الآخرة وهو بلسان الحبشة يحور يرجع { بلى } ليحورن إلى ربه في الآخرة { إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ } من يوم خلقه { بَصِيراً } عالماً بأن يبعثه بعد الموت { فَلاَ أُقْسِمُ } يقول أقسم { بالشفق } وهو حمرة المغرب بعد غروب الشمس { والليل وَمَا وَسَقَ } وأقسم بالليل وما وسق جمع ورجع إلى وطنه إذا جن الليل { والقمر إِذَا اتسق } وأقسم بالقمر إذا اجتمع وتكامل ثلاث ليال ليلة ثلاث عشرة وليلة أربع عشرة وليلة خمس عشرة { لَتَرْكَبُنَّ } لتحولن جملة الخلق { طَبَقاً عَن طَبقٍ } حالاً بعد حال من حين خلقهم إلى أن يموتوا ومن حين موتهم إلى أن يدخلوا الجنة أو النار يحولهم الله من حال إلى حال ويقال لتركبن يا محمد لتصعدن طبقاً عن طبق يقول من سماء إلى سماء ليلة المعراج إن قرأت بنصب الباء ويقال ليركبن هذا المكذب طبقاً عن طبق حالاً بعد حال من حين يموت إلى أن يدخل النار إن قرأت بالياء ونصبت الياء { فَمَا لَهُمْ } لكفار مكة ويقال لبني عبد يا ليل الثقفي وكانوا ثلاثة مسعود وحبيب وربيعة فاسلم منهم حبيب وربيعة بعد ذلك { لاَ يُؤْمِنُونَ } بمحمد عليه الصلاة والسلام والقرآن { وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ } وإذا قرأ عليهم محمد عليه الصلاة والسلام { القرآن } بالأمر والنهي { لاَ يَسْجُدُونَ } لا يخضعون لله بالتوحيد { بَلِ الذين كَفَرُواْ } كفار مكة ومن لم يؤمن من بني عبد ياليل { يُكَذِّبُونَ } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { والله أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ } بما يقولون ويعملون ويقال بما يسمعون ويضمرون في قلوبهم { فَبَشِّرْهُمْ } يا محمد لمن لا يؤمن به { بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم يوم بدر وفي الآخرة ثم استثنى الذين آمنوا فقال { إِلاَّ الذين آمَنُواْ } بمحمد عليه الصلاة والسلام والقرآن { وَعَمِلُواْ الصالحات } والطاعات فيما بينهم وبين ربهم { لَهُمْ أَجْرٌ } ثواب في الجنة { غَيْرُ مَمْنُونٍ } غير منقوص ولا مكدر ويقال لا يمنون بذلك ويقال لا ينقص من حسناتهم بعد الهرم والموت .

(2/134)


وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { والسمآء ذَاتِ البروج } يقول أقسم الله بالسماء ذات البروج ويقال ذات القصور اثنا عشر قصراً بين السماء والأرض يعلم الله ذلك { واليوم الموعود } وهو يوم القيامة { وَشَاهِدٍ } وهو يوم الجمعة { وَمَشْهُودٍ } وهو يوم عرفة ويقال يوم النحر ويقال شاهد بنو آدم ومشهود هو يوم القيامة ويقال شاهد محمد عليه الصلاة والسلام ومشهود أمته أقسم الله بهؤلاء الأشياء إن بطش ربك عذاب ربك لشديد لمن لا يؤمن به { قُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود النار ذَاتِ الوقود } بالنفط والزفت والحطب ويقال لعنوا ويقال هم قوم من المؤمنين قتلهم الكفار بالنار ذات الوقود بالنفط والزفت والحطب { إِذْ هُمْ } يعني الكفار { عَلَيْهَا } على الخندق ويقال على الكراسي { قُعُودٌ } جلوس حين أحرقهم الله بالنار { وَهُمْ على مَا يَفْعَلُونَ بالمؤمنين شُهُودٌ } حضور ويقال كانوا يشهدون على المؤمنين أن هؤلاء قوم ضلال { وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ } من المؤمنين ولا طعنوا عليهم { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله } إلا لقبل إيمانهم بالله { العزيز } بالنقمة لمن لا يؤمن به { الحميد } لمن آمن به { الذي لَهُ مُلْكُ السماوات } خزائن السموات المطر { والأرض } النبات { والله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ } من أعمالهم { شَهِيدٌ إِنَّ الذين فَتَنُواْ } أحرقوا وعذبوا { المؤمنين } بالنار يعني المصدقين من الرجال بالإيمان { والمؤمنات } المصدقات من النساء بالإيمان { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ } من كفرهم وشركهم { فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ } في الآخرة { وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق } الشديد في النار ويقال في الدنيا حيث أحرقهم الله بالنار وكان هؤلاء قوماً من نجران ويقال من أهل الموصل أخذوا قوماً من المؤمنين فعذبوهم وقتلوهم بالنار لكي يرجعوا إلى دينهم وكان ملكهم يسمى يوسف ويقال ذا النواس . ثم ذكر المؤمنين الذين لم يرجعوا عن الإيمان لقبل عذابهم فقال { إِنَّ الذين آمَنُواْ } بالله { وَعَمِلُواْ الصالحات } فيما بينهم وبين ربهم { لَهُمْ جَنَّاتٌ } بساتين { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا } من تحت شجرها ومساكنها { الأنهار } أنهار الخمر والماء والعسل واللبن { ذلك الفوز الكبير } النجاة الوافرة فازوا بالجنة ونجوا من النار { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ } أخذ ربك لمن لا يؤمن به { لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ } الخلق من النطفة { وَيُعِيدُ } بعد الموت خلقاً جديداً { وَهُوَ الغفور } المتجاوز لمن تاب من الكفر وآمن بالله { الودود } المتردد لأوليائه ويقال المحب لأهل طاعته ويقال المتحبب إلى أهل طاعته { ذُو العرش } ذو السرير { المجيد } الحسن الجيد ويقال الكريم إن قرأت بضم الدال فهو الله { فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } كما يريد يحيي ويميت { هَلُ أَتَاكَ } يا محمد استفهم نبيه بذلك ولم يأته قبل ذلك فأتاه بعد ذلك { حَدِيثُ الجنود } يقول خبر جموع { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } والذين من قبلهم ومن بعدهم كيف فعلنا بهم عند التكذيب { بَلِ الذين كَفَرُواْ } كفار مكة { فِي تَكْذِيبٍ } بمحمد عليه الصلاة والسلام والقرآن { والله مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } يقول عالم بهم وبأعمالهم { بَلْ هُوَ } يعني القرآن الذي يقرأ عليكم محمد صلى الله عليه وسلم { قُرْآنٌ مَّجِيدٌ } كريم شريف { فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } يقول مكتوب في لوح محفوظ من الشياطين .

(2/135)


وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { والسمآء والطارق } يقول أقسم الله بالسماء والطارق { وَمَآ أَدْرَاكَ } يا محمد { مَا الطارق } يعجبه بذلك ، ثم بيَّن فقال { النجم الثاقب } المضيء النافذ وهو زحل يطرق بالليل ويخنس بالنهار { إِن كُلُّ نَفْسٍ } ولهذا كان القسم يقول كل نفس برة أو فاجرة { لَّمَّا عَلَيْهَا } يعني لعليها الميم والألف ها هنا صلة ويقال إن كل نفس ما كل نفس لما عليها إلا عليها إن قرأت الميم بالشد { حَافِظٌ } يحفظ قولها وعملها حتى يدفعها إلى المقابر { فَلْيَنظُرِ الإنسان } أبو طالب { مِمَّ خُلِقَ } نفسه ثم بيَّن فقال { خُلِقَ } نفسه { مِن مَّآءٍ دَافِقٍ } مدفوق ومهراق في رحم المرأة { يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب } صلب الرجل { والترآئب } ترائب المرأة { إِنَّهُ } يعني الله { على رَجْعِهِ } على رد ذلك الماء إلى الإحليل { لَقَادِرٌ } ويقال على إعادته بعد الموت وإحيائه لقادر { يَوْمَ تبلى السرآئر } تظهر السرائر وهو على كل شيء وكل إلى الرجل لا يعلمه غيره { فَمَا لَهُ } لأبي طالب { مِن قُوَّةٍ } من منعة بنفسه { وَلاَ نَاصِرٍ } لا مانع له من عذاب الله { والسمآء ذَاتِ الرجع } وأقسم بالسماء ذات المطر بعد المطر والسحاب بعد السحاب عاماً بعد عام { والأرض ذَاتِ الصدع } بالنبات والزروع ويقال ذات الأوتاد { إِنَّهُ } يعني القرآن ولهذا كان القسم { لَقَوْلٌ فَصْلٌ } بيان حق ويقال حكم من الله { وَمَا هوَ بالهزل } بالباطل { إِنَّهُمْ } يعني أهل مكة { يَكِيدُونَ كَيْداً } يصنعون صنعاً في كفرهم وهو صدهم الناس عن محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ويقال يريدون قتلك وهلاكك في دار الندوة يا محمد { وَأَكِيدُ كَيْداً } وأريد قتلهم يا محمد يوم بدر { فَمَهِّلِ الكافرين } فأجل الكافرين { أَمْهِلْهُمْ } أجلهم { رُوَيْداً } قليلاً إلى بدر .

(2/136)


سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (13) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى } يقول صل يا محمد بأمر ربك الأعلى أعلى كل شيء ويقال اذكر يا محمد توحيد ربك ويقال قل يا محمد سبحان ربي الأعلى في السجود { الذي خَلَقَ } كل ذي روح { فسوى } خلقه باليدين والرجلين والعينين والأذنين وسائر الأعضاء { والذي قَدَّرَ } جعل كل ذكر وأنثى { فهدى } فعرف وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى ويقال قدر خلقه حسناً أو دميماُ أو طويلاً أو قصيراً ويقال قدر السعادة والشقاوة لخلقه فهدى فبيَّن الكفر والإيمان والخير والشرك { والذي أَخْرَجَ } أنبت بالمطر { المرعى } الكلأ الأخضر { فَجَعَلَهُ } بعد خضرته { غُثَآءً } يابساً { أحوى } أسود إذا حال عليه الحول { سَنُقْرِئُكَ } سنعلمك يا محمد القرآن ويقال سيقرأ عليك جبريل القرآن { فَلاَ تنسى إِلاَّ مَا شَآءَ الله } وقد شاء الله لا تنسى فلم ينس النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك شيئاً من القرآن { إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر } العلانية من القول والفعل { وَمَا يخفى } ما أخفي من السر مما لم تحدث به نفسك بعد { وَنُيَسِّرُكَ لليسرى } سنهون عليك تبليغ الرسالة وسائر الطاعات { فَذَكِّرْ } عظ بالقرآن وبالله { إِن نَّفَعَتِ الذكرى } العظة بالقرآن وبالله إلا من يخشى من الله وهو المؤمن { سَيَذَّكَّرُ } سيتعظ بالقرآن وبالله { مَن يخشى } الله وهو المسلم { وَيَتَجَنَّبُهَا } يتباعد ويتزحزح عن العظة بالقرآن وبالله { الأشقى } الشقي في علم الله { الذى يَصْلَى النار } يدخل النار في الآخرة { الكبرى } العظمى وليس شيء من العذاب أكبر من النار { ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا } في النار فيستريح { وَلاَ يَحْيَا } حياة تنفعه { قَدْ أَفْلَحَ } قد فاز ونجا { مَن تزكى } من اتعظ بالقرآن ووحد الله { وَذَكَرَ اسم } أمر { رَبِّهِ } بالصلوات الخمس وغيرها { فصلى } الصلوات الخمس في الجماعة ولها وجه آخر قد أفلح فاز ونجا من تزكى من تصدق بصدقة الفطر قبل خروجه إلى المصلى وذكر اسم ربه هلله وكبره في الذهاب والمجيء فصلى صلاة العيد مع الإمام { بَلْ تُؤْثِرُونَ الحياة الدنيا } تختارون العمل للدنيا وثواب الدنيا على ثواب الآخرة { والآخرة } عمل الآخرة وثواب الآخرة { خَيْرٌ } أفضل من ثواب الدنيا وعمل الدنيا { وأبقى } أدوم { إِنَّ هذا } من قوله قد أفلح إلى ها هنا { لَفِي الصحف الأولى } في كتب الأولين { صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وموسى } كتاب موسى التوراة وكتاب إبراهيم يعلم الله ذلك .

(2/137)


هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { هَلْ أَتَاكَ } يقول ما أتاك يا محمد ثم أتاك ويقال قد أتاك { حَدِيثُ الغاشية } خبر قيام الساعة ويقال الغاشية هي غاشية النار على أهلها { وُجُوهٌ } وجوه المنافقين والكفار { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { خَاشِعَةٌ } ذليلة بالعذاب { عَامِلَةٌ } تجر في النار { نَّاصِبَةٌ } في تعب وعناء ويقال عاملة في الدنيا ناصبة في الآخرة وهم الرهبان وأصحاب الصوامع ويقال هم الخوارج { تصلى } تدخل { نَاراً حَامِيَةً } حارة قد انتهى حرها { تسقى } في النار { مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ } حارة { لَّيْسَ لَهُمْ } في تلك الدرك { طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ } وهو الشبرق نبت يكون بطريق مكة إذا كان رطباً تأكل منه الإبل وإذا يبس صار كأظفار الهرة { لاَّ يُسْمِنُ } من أكله { وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ } من أكله { وُجُوهٌ } وجوه المؤمنين المخلصين { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { نَّاعِمَةٌ } حسنة جميلة { لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ } يقول لثواب عملها راضية { فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ } في درجة مرتفعة { لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا } في الجنة { لاَغِيَةً } حلفاً باطلاً ولا غير باطل { فِيهَا } في الجنة { عَيْنٌ جَارِيَةٌ } تجري عليهم بالخير والبركة والرحمة { فِيهَا } في الجنة { سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ } في الهواء ما لم يجيء إليها أهلها ويقال مرتفعة لأهلها .

(2/138)


وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16) أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)

{ وَأَكْوَابٌ } كيزان بلا آذان ولا عرا ولا خراطيم مدورة الرؤوس { مَّوْضُوعَةٌ } في منازلهم { وَنَمَارِقُ } وسائد { مَصْفُوفَةٌ } قد صف بعضها إلى بعض ويقال قد نضد بعضها إلى بعض { وَزَرَابِيُّ } وهي شبه الطنافس { مَبْثُوثَةٌ } مبسوطة لأهلها فلما أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قال كفار مكة ائتنا بآية بأن الله أرسلك إلينا رسولاً فقال الله تعالى { أَفَلاَ يَنظُرُونَ } كفار مكة { إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ } بقوتها وشدتها تقوم بحملها ولا يقوم غيرها { وَإِلَى السمآء كَيْفَ رُفِعَتْ } فوق الخلق لا ينالها شيء { وإلى الجبال كَيْفَ نُصِبَتْ } على الأرض لا يحركها شيء { وَإِلَى الأرض كَيْفَ سُطِحَتْ } بسطت على الماء كل هذا آية لهم { فَذَكِّرْ } عظ { إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ } مخوف بالقرآن ويقال واعظ متعظ بالقرآن وبالله { لَّسْتَ عَلَيْهِم } يا محمد { بِمُصَيْطِرٍ } بمسلط أن تجبرهم على الإيمان ثم أمره بعد ذلك بالقتال فقال { إِلاَّ مَن تولى وَكَفَرَ } ويقال إلا من تولى بنصب الألف عن الإيمان وكفر بالله { فَيُعَذِّبُهُ الله } في الآخرة { العذاب الأكبر } يعني عذاب النار { إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ } مرجعهم في الآخرة { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ } ثباتهم في الدنيا وثوابهم وعقابهم في الآخرة .

(2/139)


وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { والفجر } يقول أقسم الله بالفجر وهو صبح النهار ويقال هو النهار كله ويقال الفجر فجر السنة { وَلَيالٍ عَشْرٍ } من أول ذي الحجة { والشفع } يوم عرفة ويوم النحر { والوتر } ثلاثة أيام بعد يوم النحر ويقال الشفع كل صلاة تصلى ركعتين أو أربعة من صلاة الغداة والظهر والعصر والعشاء والوتر وهي كل صلاة تصلى ثلاثة وهي صلاة المغرب والوتر ويقال الشفع السماء والأرض والدنيا والآخرة والجنة والنار والعرش والكرسي والشمس والقمر كل هذا شفع والوتر ما يكون فرداً ويقال الشفع الذكر والأنثى والكافر والمؤمن والمخلص والمنافق والصالح والطالح والوترهو الله { والليل إِذَا يَسْرِ } يذهب وهي ليلة المزدلفة ويقال يذهب ويجيء فيه الناس أقسم الله بهؤلاء الأشياء إن ربك يا محمد لبالمرصاد يقول على الطريق والطريق عليه { هَلْ فِي ذلك } يقول فيما ذكرت { قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ } لذي عقل .

(2/140)


أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)

{ أَلَمْ تَرَ } ألم تخبر يا محمد في القرآن { كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ } صنع ربك { بِعَادٍ } قوم هود كيف أهلكهم الله تعالى عند التكذيب { إِرَمَ } ابن إرم وإرم هو سام بن نوح وكان ابن سام شيم وابن شيم هام وابن هام عاد { ذَاتِ العماد } عماد السارية ويقال ذات القوة { التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد } بالقوة والطول ويقال إرم هو اسم المدينة التي بناها شديد وشداد ذات العماد عماد الذهب والفضة التي لم يخلق مثلها في البلاد بالحسن والجمال { وَثَمُودَ } يقول كيف أهلك ثمود قوم صالح { الذين جَابُواْ الصخر بالواد } نقبوا الصخر بوادي القرى { وَفِرْعَوْنَ } وكيف أهلك فرعون { ذِى الأوتاد } وإنما سمي ذي الأوتاد لأنه جعل أربعة أوتاد فإذا غضب على أحد مده بين الأوتاد فيعذبه حتى يموت كما عذب امرأته آسية بنت مزاحم { الذين طَغَوْاْ فِي البلاد } عصوا وكفروا في أرض مصر ويقال طغيانهم حملهم على ذلك { فَأَكْثَرُواْ فِيهَا } في أرض مصر { الفساد } بالقتل وعبادة الأوثان { فَصَبَّ } فأنزل { عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ } عذاباً شديداً { إِنَّ رَبَّكَ } يا محمد { لبالمرصاد } يقول عليه ممرهم وممر سائر الخلق ويقال إن ملائكة ربك على الصراط يحبسون العباد في سبع مواطن ويسألونهم عن سبع خصال { فَأَمَّا الإنسان } وهو الكافر أبي بن خلف ويقال أمية بن خلف { إِذَا مَا ابتلاه } إذا اختبره { رَبُّهُ } بالمال والغنى والعيش { فَأَكْرَمَهُ } كثر ماله { وَنَعَّمَهُ } وسع عليه معيشته { فَيَقُولُ ربي أَكْرَمَنِ } بالمال والمعيشة { وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه } اختبره بالفقر { فَقَدَرَ عَلَيْهِ } فقتر عليه { رِزْقَهُ } معيشته { فَيَقُولُ ربي أَهَانَنِ } بالفقر وضيق المعيشة { كَلاَّ } وهو رد عليه ليس إكرامي بالمال والغنى وإهانتي بالفقر وقلة المال ولكن إكرامي بالمعرفة والتوفيق وإهانتي بالنكرة والخذلان { بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم } لا تعرفون حق اليتيم كان في حجره يتيم لم يعرف حقه ولم يحسن إليه { وَلاَ تَحَاضُّونَ } ولا تحثون أنفسكم وغيرها { على طَعَامِ المسكين } على صدقة المساكين { وَتَأْكُلُونَ التراث } الميراث { أَكْلاً لَّمّاً } شديداً { وَتُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً } كثيراً { كَلاَّ } وهو رد عليه { إِذَا دُكَّتِ الأرض دَكّاً دَكّاً } يقول إذا زلزلت الأرض زلزلة بعد زلزلة { وَجَآءَ رَبُّكَ } ويجيء ربك بلا كيف { والملك } ويجيء الملائكة { صَفّاً صَفّاً } كصف أهل الدنيا في الصلاة { وجياء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ } مع سبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودونها إلى المحشر ويكشف عنها { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { يَتَذَكَّرُ الإنسان } يتعظ الكافر أبي بن خلف وأمية بن خلف { وأنى لَهُ الذكرى } من أين له العظة وقد فاتته العظة { يَقُولُ ياليتني } يتمنى { قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي } الباقية من حياتي الفانية يقول يا ليتني عملت في حياتي الفانية لحياتي الباقية { فَيَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ } كعذابه { أَحَدٌ وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ } كوثاقه وله وجه آخر إن قرأت بكسر الذال والثاء يقول لا يعذب عذابه كعذاب الله أحد ولا يوثق وثاقه كوثاق الله أحد أي لا يبلغ أحد في العذاب كما يبلغ الله في عذاب الخلق { ياأيتها النفس المطمئنة } الآمنة من عذاب الله الصادقة بتوحيد الله الشاكرة بنعماء الله الصابرة ببلاء الله الراضية بقضاء الله القانعة بعطاء الله الصابرة ببلاء الله الراضية بقضاء الله القانعة بعطاء الله { ارجعي إلى رَبِّكِ } إلى ما أعد الله لك في الجنة ويقال إلى سيدك يعني الجسد { رَاضِيَةً } بثواب الله { مَّرْضِيَّةً } عنك بالتوحيد { فادخلي فِي عِبَادِي } في زمرة أوليائي { وادخلي جَنَّتِي } التي أعدت لك .

(2/141)


لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { لاَ أُقْسِمُ } يقول أقسم { بهذا البلد } مكة { وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد } يقول قد أحل الله لك في هذا البلد ما لا يحل لأحد قبلك ولا بعدك ويقال وأنت حل نازل بهذا البلد ويقال وأنت في حل مما صنعت في هذا البلد { وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } فالوالد آدم وما ولد بنوه ويقال الوالد الذي يلد من الرجال والنساء وما ولد الذي لا يلد من الرجال والنساء أقسم الله بهؤلاء الأشياء { لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان } يعني كلدة بن أسيد { فِي كَبَدٍ } معتدل القامة ويقال يكابد أمر الدنيا والآخرة ويقال في كبد في قوة وشدة { أَيَحْسَبُ } أيظن الكافر في قوته وشدته { أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ } يعني على أخذه وعقوبته أحد يعني الله { يَقُولُ } يعني كلدة بن أسيد ويقال الوليد بن المغيرة { أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً } أنفقت مالاً كثيراً في عداوة محمد عليه الصلاة والسلام فلم ينفعني ذلك شيئاً { أَيَحْسَبُ } أيظن الكافر { أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ } لم ير الله صنيعه أنفق أم لا ثم ذكر منته عليه فقال { أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ } ينظر بهما { وَلِسَاناً } ينطق به { وَشَفَتَيْنِ } يضم ويرفع بهما { وَهَدَيْنَاهُ النجدين } بيَّنا له الطريقين طريق الخير والشر ويقال طريق الثديين { فَلاَ اقتحم العقبة } يقول هل جاوز تلك العقبة الذي يدعي القوة وهي الصراط { وَمَآ أَدْرَاكَ } يا محمد { مَا العقبة } هي عقبة ملساء بين الجنة والنار يعجبه بذلك { فَكُّ رَقَبَةٍ } يقول اقتحامها فك رقبة ويقال لا يتجاوز تلك العقبة إلا من قد فك رقبة أعتق نسمة إذا قرأت بنصب الكاف والتاء { أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ } ذي مجاعة وشدة { يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ } ذا قربة { أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } لاصق بالتراب من الجهد والمسكين الذي لا شيء له { ثُمَّ كَانَ } مع ذلك { مِنَ الذين آمَنُواْ } فيما بينهم بين ربهم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { وَتَوَاصَوْاْ } تحاثوا { بالصبر } على أداء فرائض الله والمرازي { وَتَوَاصَوْاْ } تحاثوا { بالمرحمة } بالترحم على الفقراء والمساكين { أولئك } أهل هذه الصفة { أَصْحَابُ الميمنة } أهل الجنة الذين يعطون كتابهم بيمينهم { والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن كلدة وأصحابه { هُمْ أَصْحَابُ المشئمة } أهل النار الذين يعطون كتابهم بشمالهم { عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةُ } مطبقة بلغة طي .

(2/142)


وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { والشمس وَضُحَاهَا } أقسم الله بالشمس وضوئها { والقمر إِذَا تَلاَهَا } تبعها يقول تبع الشمس أول ليلة رئي الهلال { والنهار إِذَا جَلاَّهَا والليل إِذَا يَغْشَاهَا } مقدم ومؤخر يقول والليل إذا يغشاها يغشى ضوء النهار والنهار إذا جلاها جلى ظلمة الليل { والسمآء وَمَا بَنَاهَا } والذي خلقها وهو الله أقسم بنفسه { والأرض وَمَا طَحَاهَا } والذي بسطها على الماء { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } والذي سوى خلقها باليدين والرجلين والعينين والأذنين وسائر الأعضاء { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } فعرفها وبيَّن لها ما تأتي وما تتقي أقسم الله بنفسه وبهؤلاء الأشياء { قَدْ أَفْلَحَ } قد فاز نفس { مَن زَكَّاهَا } من أصلحها الله وعرفها ووفقها { وَقَدْ خَابَ } خسر نفس { مَن دَسَّاهَا } من أغواها الله وأضلها وخذلها { كَذَّبَتْ ثَمُودُ } قوم صالح { بِطَغْوَاهَآ } يقول طغيانهم حملهم على ذلك { إِذِ انبعث أَشْقَاهَا } قام أشقى القوم قدار بن سالف ومصدع بن دهو فعقرا الناقة { فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله } صالح قبل أن يعقروا الناقة { نَاقَةَ الله } ذروا ناقة الله { وَسُقْيَاهَا } أي وشربها { فَكَذَّبُوهُ } صالحاً بالرسالة { فَعَقَرُوهَا } فعقروا الناقة { فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ } أهلكهم ربهم بذنبهم بقتلهم الناقة وتكذيبهم صالحاً { فَسَوَّاهَا } فسواهم بالعذاب الصغير والكبير { وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا } ثائرها ويقال فعقروها ولا يخاف عقباها تبعتها مقدم ومؤخر .

(2/143)


وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى (13) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { والليل } يقول أقسم الله بالليل { إِذَا يغشى } ضوء النهار { والنهار إِذَا تجلى } ظلمة الليل { وَمَا خَلَقَ } والذي خلق { الذكر والأنثى إِنَّ سَعْيَكُمْ } عملكم { لشتى } مختلف مكذب بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ومصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وعامل للجنة وعامل للنار ولهذا كان القسم { فَأَمَّا مَنْ أعطى } تصدق بماله في سبيل الله واشترى تسعة نفر من المؤمنين كانوا في أيدي الكافرين يعذبونهم على دينهم فاشتراهم منهم وأعتقهم { واتقى } الكفر والشرك والفواحش { وَصَدَّقَ بالحسنى } بعدة الله ويقال بالجنة بلا إله إلا الله { فَسَنُيَسِّرُهُ لليسرى } فسنهون عليه الطاعة ونستوقفه بالطاعة مرة بعد مرة ويقال الصدقة في سبيل الله مرة بعد مرة وهو أبو بكر الصديق { وَأَمَّا مَن بَخِلَ } بماله عن سبيل الله وهو الوليد بن المغيرة ويقال أبو سفيان بن حرب فلم يكن مؤمناً حينئذ { واستغنى } في نفسه عن الله { وَكَذَّبَ بالحسنى } بعدة الله ويقال بالجنة ويقال بلا إله إلا الله { فَسَنُيَسِّرُهُ للعسرى } فسنهون عليه المعصية مرة بعد مرة والإمساك عن الصدقة في سبيل الله { وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ } الذي جمع في الدنيا { إِذَا تردى } إذا مات ويقال إذا تردى في النار { إِنَّ عَلَيْنَا للهدى } للبيان بيان الخير والشر { وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأولى } ثواب الدنيا والآخرة ويقال لنا للآخرة والأولى الآخرة بالثواب والكرامة والأولى بالمعرفة والتوفيق { فَأَنذَرْتُكُمْ } خوفتكم يا أهل مكة بالقرآن { نَاراً تلظى } تغيظ وتتلهب { لاَ يَصْلاَهَآ } لا يدخلها يعني النار { إِلاَّ الأشقى } في علم الله { الذي كَذَّبَ } بالتوحيد ويقال قصر عن طاعة الله { وتولى } عن الإيمان ويقال عن التوبة { وَسَيُجَنَّبُهَا } يباعد ويزحزح عن النار { الأتقى } التقي { الذى يُؤْتِي مَالَهُ } يعطي ماله في سبيل الله وهو أبو بكر الصديق { يتزكى } يريد بذلك وجه الله { وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تجزى } ولم يعمل ذلك مجازاة لأحد { إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ الأعلى } إلا طلب رضا ربه الأعلى أعلى كل شيء { وَلَسَوْفَ يرضى } يعطى من الثواب والكرامة حتى يرضى وهو أبو بكر الصديق وأصحابه .

(2/144)


وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { والضحى } يقول أقسم الله بالنهار كله { والليل إِذَا سجى } إذا أظلم واسود { مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ } ما تركك ربك منذ أوحى إليك { وَمَا قلى } ما أبغضك منذ أحبك ولهذا كان القسم وهذا بعدما حبس الله عنه الوحي خمس عشرة ليلة لتركه الاستثناء فقال المشركون ودعه ربه وقلاه { وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى } يقول ثواب الآخرة خير لك من ثواب الدنيا { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ } في الآخرة من الشفاعة { فترضى } حتى ترضى ثم ذكر منته عليه فقال { أَلَمْ يَجِدْكَ } يا محمد { يَتِيماً } بلا أب ولا أم { فآوى } آواك إلى عمك أبي طالب وكفى مؤنتك فقال النبي صلى الله عليه وسلم نعم يا جبريل فقال جبريل أيضاً { وَوَجَدَكَ } يا محمد { ضَآلاًّ } بين قوم ضلال { فهدى } فهداك بالنبوة فقال صلى الله عليه وسلم نعم يا جبريل فقال أيضاً { وَوَجَدَكَ } يا محمد { عَآئِلاً } فقيراً { فأغنى } فأغناك بمال خديجة ويقال أرضاك بما أعطاك فقال النبي عليه الصلاة والسلام نعم يا جبريل فقال أيضاً { فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ } فلا تظلمه ولا تحتقره { وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ } فلا ترده خائباً ولا تزجره { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ } بالنبوة والإسلام { فَحَدِّثْ } الناس بذلك وأخبرهم وأعلمهم بذلك .

(2/145)


أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } وهذا معطوف على قوله ووجدك عائلاً فأغنى فقال ألم نشرح لك صدرك يا محمد قلبك للإسلام يقول ألم نلين قلبك يوم الميثاق بالمعرفة والفهم والنصرة والعقل واليقين وغير ذلك ويقال ألم نوسع قلبك بالنبوة فقال النبي عليه السلام نعم فقال أيضاً { وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ } حططنا عنك إثمك { الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ } أثقل ظهرك به يعني الإثم ويقال أثقل ظهرك بالنبوة فقال النبي عليه الصلاة والسلام نعم فقال أيضاً { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } صوتك بالأذان والدعاء والشهادة أن تذكر كما أذكر فقال عليه الصلاة والسلام نعم فقال الله تعالى تعزية لنبيه بالفقر والشدة { فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً } مع الشدة الرخاء { إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً } مع الشدة الرخاء فذكر عسراً بين يسرين { فَإِذَا فَرَغْتَ } من الغزو والجهاد والقتال { فانصب } في العبادة ويقال إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب في الدعاء { وإلى رَبِّكَ فارغب } وحوائجك إلى ربك فارفع .

(2/146)


وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { والتين والزيتون } يقول أقسم الله بالتين تينكم هذا والزيتون زيتونكم هذا ويقال هما مسجدان بالشام ويقال هما جبلان بالشام ويقال التين هو الجبل الذي عليه بيت المقدس والزيتون هو الجبل الذي عليه دمشق { وَطُورِ سِينِينَ } وأقسم بجبل ثبير وهو جبل بمدين الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام وكل جبل هو الطور بلسان النبط وسينين هو الجبل الحسن الشجر { وهذا البلد الأمين } وأقسم بهذا البلد بلد مكة الأمين من أن يهاج فيه على من دخل فيه { لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان } هو الكافر الوليد بن المغيرة ويقال كلدة بن أسيد { في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } يقول في أعدل الخلق ولهذا كان القسم { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ } في الآخرة { أَسْفَلَ سَافِلِينَ } يعني النار ويقال لقد خلقنا الإنسان يعني ولد آدم في أحسن تقويم في أحسن صورة إذا تكامل شبابه ثم ردناه أسفل سافلين إلى أرذل العمر فلا يكتب له بعد ذلك حسنة إلا ما قد عمل في شبابه وقوته { إِلاَّ الذين آمَنُواْ } بمحمد عليه الصلاة والسلام والقرآن { وَعَمِلُواْ الصالحات } الطاعات فيما بينهم وبين ربهم { فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } غير منقوص ولا مكدر تجري لهم الحسنات بعد الهرم والموت { فَمَا يُكَذِّبُكَ } يا وليد بن المغيرة ويقال يا كلدة بن أسيد ويقال فمن ذا الذي يكذبك يا محمد { بَعْدُ } بعد هذا الذي ذكرت لك من تحويل الخلق يعني الشباب والهرم والبعث والموت ويقال فمن ذا الذي حملك على التكذيب يا كلدة بن أسيد ويا وليد بن المغيرة { بالدين } بحساب يوم القيامة { أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين } بأعدل العادلين بأفضل الفاضلين أن يحييك بعد الموت يا وليد .

(2/147)


اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { اقرأ } يقول اقرأ يا محمد القرآن وهذا أول ما نزل به جبريل { باسم رَبِّكَ } بأمر ربك { الذي خَلَقَ } الخلائق { خَلَقَ الإنسان } يعني ولد آدم { مِنْ عَلَقٍ } من دم عبيط فقال النبي عليه الصلاة والسلام ما أقرأ يا جبريل فقرأ عليه جبريل أربع آيات من أول هذه السورة فقال له { اقرأ } القرآن يا محمد { وَرَبُّكَ الأكرم } المتجاوز الحليم عن جهل العباد { الذى عَلَّمَ بالقلم } الخط بالقلم { عَلَّمَ الإنسان } يعني الخط بالقلم { مَا لَمْ يَعْلَمْ } قبل ذلك ويقال علم الإنسان يعني آدم أسماء كل شيء ما لم يعلمه قبل ذلك { كَلاَّ } حقاً يا محمد { إِنَّ الإنسان } يعني الكافر { ليطغى } ليبطر فيرتفع من منزلة إلى منزلة في المطعم والمشرب والملبس والمركب { أَن رَّآهُ استغنى } إذا رأى نفسه مستغنياً عن الله بالمال { إِنَّ إلى رَبِّكَ } يا محمد { الرجعى } مرجع الخلائق في الآخرة ثم نزل في شأن أبي جهل بن هشام حيث أراد أن يطأ عنق النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة فقال { أَرَأَيْتَ } يا محمد { الذي ينهى عَبْداً } يعني محمداً عليه الصلاة والسلام { إِذَا صلى } لله { أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى } وهو على الهدى يعني النبوة والإسلام { أَوْ أَمَرَ بالتقوى } وأمر بالتوحيد { أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ } وهو كذب بالتوحيد يعني أبا جهل { وتولى } عن الإيمان { أَلَمْ يَعْلَم } أبو جهل { بِأَنَّ الله يرى } صنيعه بالنبي صلى الله عليه وسلم { كَلاَّ } حقاً يا محمد { لَئِن لَّمْ يَنتَهِ } لم يتب أبو جهل عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم { لَنَسْفَعاً بالناصية } لنأخذن ناصيته وهو مقدم رأسه { نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ } على الله { خَاطِئَةٍ } مشركة بالله { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ } قومه وأهل مجلسه { سَنَدْعُ الزبانية } يعني زبانية النار { كَلاَّ } حقاً يا محمد { لاَ تُطِعْهُ } يعني أبا جهل فيما يأمرك أن لا تصلي لربك { واسجد } لربك { واقترب } إليه بالسجود .

(2/148)


إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ } يقول أنزلنا جبريل بالقرآن جملة واحدة على كتبة ملائكة سماء الدنيا { فِي لَيْلَةِ القدر } في ليلة الحكم والقضاء ويقال في ليلة مباركة بالمغفرة والرحمة ثم نزل بعد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم نجوماً { وَمَآ أَدْرَاكَ } يا محمد تعظيماً لها { مَا لَيْلَةُ القدر } ما فضل ليلة القدر ثم بين فضلها فقال { لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } يقول العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر { تَنَزَّلُ الملائكة والروح } جبريل معهم { فِيهَا } في أول ليلة القدر { بِإِذْنِ رَبِّهِم } بأمر ربهم { مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلاَمٌ } يقول يسلمون على أهل الصوم والصلاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ويقال من كل أمر سلام يقول من كل آفة سلامة تلك الليلة { هِيَ } يقول فضلها وبركتها { حتى مَطْلَعِ الفجر } يعني إلى الصبح .

(2/149)


لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب } يعني اليهود والنصارى { والمشركين } مشركي العرب { مُنفَكِّينَ } مقيمين على الجحود بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن والإسلام { حتى تَأْتِيَهُمُ البينة } بيان ما في كتابهم في كتاب اليهود والنصارى { رَسُولٌ مِّنَ الله } يعني محمداً عليه الصلاة والسلام ولها وجه آخر يقول لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب قبل مجيء محمد عليه الصلاة والسلام مثل عبد الله بن سلام وأصحابه والمشركين بالله قبل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم مثل أبي بكر وأصحابه منفكين منتهين عن الكفر والشرك حتى تأتيهم البينة يعني جاءهم البينات رسول من الله يعني محمداً عليه الصلاة والسلام { يَتْلُو صُحُفاً } يقرأ عليهم كتباً { مُّطَهَّرَةً } من الشرك { فِيهَا } في كتب محمد عليه السلام { كُتُبٌ قَيِّمَةٌ } دين وطريق مستقيمة عادلة لا عوج فيها { وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب } ما اختلف الذين أعطوا الكتاب التوراة يعني كعب بن الأشرف وأصحابه في محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن والإسلام { إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينة } بيان ما في كتبهم من صفة محمد عليه الصلاة والسلام ونعته { وَمَآ أمروا } في جملة الكتب { إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله } ليوحدوا الله { مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } بالتوحيد { حُنَفَآءَ } مسلمين { وَيُقِيمُواْ الصلاة } يتموا الصلوات الخمس بعد التوحيد { وَيُؤْتُواْ الزكاة } يعطوا زكاة أموالهم بعد ذلك ثم ذكر التوحيد أيضاً فقال { وذلك } يعني التوحيد { دِينُ القيمة } دين الحق المستقيم لا عوج فيه والهاء ها هنا قافية السورة ويقال ذلك يعني التوحيد دين القيمة دين الملائكة ويقال دين الحنيفية ويقال ملة إبراهيم { إِنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب } بمحمد عليه الصلاة والسلام والقرآن { والمشركين } بالله يعني مشركي أهل مكة { فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ } مقيمين في النار لا يموتون ولا يخرجون منها { أولئك } أهل هذه الصفة { هُمْ شَرُّ البرية } شر الخليقة { إِنَّ الذين آمَنُواْ } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن مثل عبد الله بن سلام وأصحابه وأبي بكر وأصحابه { وَعَمِلُواْ الصالحات } الطاعات فيما بينهم وبين ربهم { أولئك } أهل هذه الصفة { هُمْ خَيْرُ البرية } خير الخليقة { جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ } ثوابهم عند ربهم { جَنَّاتُ عَدْنٍ } مقصورة الرحمن معدن النبيين والمقربين { تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا } من تحت شجرها ومساكنها وغرفها { الأنهار } أنهار الخمر والماء والعسل واللبن { خَالِدِينَ فِيهَآ } مقيمين في الجنة لا يموتون ولا يخرجون منها { أَبَداً رِّضِىَ الله عَنْهُمْ } بإيمانهم وبأعمالهم { وَرَضُواْ عَنْهُ } بالثواب والكرامة { ذلك } الجنان والرضوان { لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ } لمن وحد ربه مثل أبي بكر الصديق وأصحابه وعبد الله بن سلام وأصحابه .

(2/150)


إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا } يقول تزلزلت الأرض زلزلة واضطربت الأرض اضطرابة فانكسر ما عليها من الشجر والجبال والبنيان { وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا } أموالها وكنوزها { وَقَالَ الإنسان } يعني الكافر { مَا لَهَا } تعجباً منها مما يرى من الهول { يَوْمَئِذٍ } يوم تزلزلت الأرض { تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا } تخبر الأرض بما عمل عليها من الخير والشر { بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا } أذن لها في الكلام { يَوْمَئِذٍ } يوم تتكلم الأرض { يَصْدُرُ } يرجع { الناس أَشْتَاتاً } فرقاً فرقاً فريق إلى الجنة وهم المؤمنون وفريق إلى النار وهم الكافرون { لِّيُرَوْاْ } لكي يروا { أَعْمَالَهُمْ } ما عملوا عليها من الخير والشر ثم نزل في قوم كانوا يرون أنهم لا يؤجرون على قليل من الخير ولا يأثمون على قليل من الشر فحثهم على القليل من الخير وحذرهم على القليل من الشر فقال { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } وزن نملة صغيرة أصغر ما يكون من النمل { خَيْراً يَرَهُ } في كتابه فيسره ويقال المؤمن يرى عمله في الآخرة والكافر يرى عمله في الدنيا { وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } وزن نملة صغيرة { شَرّاً يَرَهُ } يجده في كتابه فيسوء ويقال يرى المؤمن في الدنيا والكافر في الآخرة .

(2/151)


وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { والعاديات ضَبْحاً } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى بني كنانة فأبطأ عليه خبرهم فاغتم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأخبر الله نبيه عن ذلك على وجه القسم فقال العاديات ضبحا يقول أقسم الله بخيول الغزاة ضبحت أنفاسهن من العدو { فالموريات قَدْحاً } يورين النار بحوافرهن قدحاً كالقادح لا ينتفع بنارها كما لا ينتفع بنار أبي حباحب وكان أبو حباحب رجلاً من العرب أبخل الناس ممن يكون في العساكر لا يوقد ناراً أبداً للخبز ولا لغيره حتى ينام كل ذي عين ثم يوقدها فإذا أيقظ أحد أطفأها لكي لا ينتفع بها { فالمغيرات صُبْحاً } فأغرن عند الصباح { فَأَثَرْنَ بِهِ } هيجن بحوافرهن ويقال بعدوهن { نَقْعاً } غباراً تراباً { فَوَسَطْنَ بِهِ } بعدوهن { جَمْعاً } جمع العدو ولها وجه آخر والعاديات يقول أقسم الله بخيول الحجاج وإبلهم وإذا رجعن من عرفة إلى مزدلفة ضبحا ضبحت أنفاسهن فالموريات قدحاً يورين النار بالمزدلفة فهن الموريات ويقال فالموريات قدحاً فالمنجيات عملاً وهو الحج فالمغيرات صبحاً إذا رجعن من المزدلفة إلى منى غدوة فهن المغيرات فأثرن به بالمكان نعقاً تراباً فوسطن به بعدوهن جمعاً أقسم الله بهؤلاء الأشياء { إِنَّ الإنسان } يعني الكافر وهو قرط بن عبد الله بن عمرو ويقال أبو حباحب { لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ } يقول بنعمة ربه لكفور بلسان كندة ويقال بربه عاص بلسان حضرموت ويقال بخيل بلسان بني مالك بن كنانة ويقال الكنود الذي يمنع رفده ويجيع عبده ويأكل وحده ولا يعطي النائية في قومه { وَإِنَّهُ على ذلك لَشَهِيدٌ } والله على صنعه لحافظ { وَإِنَّهُ } يعني قرطاً { لِحُبِّ الخير لَشَدِيدٌ } يقول يحب المال الكثير حباً شديداً { أَفَلاَ يَعْلَمُ } قرط ويقال أبو حباحب { إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القبور } أخرج ما في القبور من الأموات { وَحُصِّلَ مَا فِي الصدور } بين ما في القلوب من الخير والشر والبخل والسخاوة { إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ } وبأعمالهم { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { لَّخَبِيرٌ } لعالم .

(2/152)


الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { القارعة مَا القارعة } يقول الساعة ما الساعة يعجبه بذلك وإنما سميت القارعة لأنها تقرع القلوب { وَمَآ أَدْرَاكَ } يا محمد { مَا القارعة } تعظيماً لها ثم بينها فقال { يَوْمَ يَكُونُ الناس } يجول الناس بعضهم في بعض { كالفراش المبثوث } المبسوط يجول بعضه في بعض والفراش هو شيء يطير بين السماء والأرض مثل الجراد { وَتَكُونُ } تصير { الجبال كالعهن المنفوش } كالصوف المندوف الملون { فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ } حسناته في ميزانه وهو المؤمن { فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } في جنة مرضية قد رضيها لنفسه { وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ } وهو الكافر { فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ } جعل أمه مأواه ومصيره الهاوية ويقال يهوي في النار على هامته { وَمَآ أَدْرَاكَ } يا محمد { مَا هِيَهْ } تعظيماً لها ثم بينها فقال { نَارٌ حَامِيَةٌ } حارة قد انتهى حرها .

(2/153)


أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { أَلْهَاكُمُ التكاثر } يقول شغلكم التفاخر بالحسب والنسب { حتى زُرْتُمُ المقابر } وذلك أن بني سهم وبني عبد مناف تفاخروا أيهم أكثر عدداً فكثرتهم بنو عبد مناف فقالت بنو سهم أهلكنا البغي في الجاهلية فعدوا أحياءنا وأحياءكم وأمواتنا وأمواتكم ففعلوا فكثرهم بنو سهم فنزلت فيهم ألهاكم التكاثر وشغلكم التفاخر في الحسب والنسب حتى زرتم المقابر حتى ذكرتم الأموات في العدد ويقال شغلكم التكاثر بالمال والولد حتى تموتوا وتدفنوا في القبور { كَلاَّ } وهو رد عليهم ووعيد لهم { سَوْفَ تَعْلَمُونَ } ماذا يفعل بكم في القبور { ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ } ماذا يفعل بكم عند الموت { كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ } ماذا يفعل بكم يوم القيامة { عِلْمَ اليقين } علماً يقيناً ما تفاخرتم في الدنيا { لَتَرَوُنَّ الجحيم } يوم القيامة { ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين } عيناً يقيناً لستم عنها بغائبين يوم القيامة { ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { عَنِ النعيم } عن شكر النعيم ما تأكلون وما تشربون وما تلبسون وغير ذلك .

(2/154)


وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)

وبإسنادعن ابن عباس في قوله تعالى { والعصر } أقسم الله بنواجذ الدهر يعني شدائده ويقال بصلاة العصر { إِنَّ الإنسان } يعني الكافر { لَفِى خُسْرٍ } لفي غبن وفي عقوبة عن ذهاب أهله ومنزله في الجنة ويقال في نقصان عمله بعد الهرم والموت { إِلاَّ الذين آمَنُواْ } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { وَعَمِلُواْ الصالحات } الطاعات فيما بينهم وبين ربهم { وَتَوَاصَوْاْ بالحق } تحاثوا بالتوحيد ويقال بالقرآن { وَتَوَاصَوْاْ بالصبر } تحاثوا بالصبر على أداء فرائض الله واجتناب معاصيه والصبر على المرازي والمصيبات فإنهم ليسوا كذلك .

(2/155)


وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { ويْلٌ } شدة عذاب ويقال ويل واد في جهنم من قيح ودم ويقال جب في النار { لِّكُلِّ هُمَزَةٍ } مغتاب للناس من خلفهم { لُّمَزَةٍ } طعان لعان فحاش في وجوههم . نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق ويقال في الوليد بن المغيرة المخزومي وكان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم من خلفه ويطعن في وجهه { الذى جَمَعَ مَالاً } في الدنيا { وَعَدَّدَهُ } عدد ماله ويقال عدد جماله { يَحْسَبُ } يظن الكافر { أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ } يخلده في الدنيا { كَلاَّ } وهو رد عليه لا يخلده { لَيُنبَذَنَّ } ليطرحن { فِي الحطمة وَمَآ أَدْرَاكَ } يا محمد { مَا الحطمة } تعظيماً لها ثم بينها له فقال { نَارُ الله الموقدة } المستعرة على الكفار { التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة } تأكل كل شيء حتى تبلغ إلى القلب { إِنَّهَا } يعني النار { عَلَيْهِم } على الكفار { مُّؤْصَدَةٌ } مطبقة { فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ } يقول طباقها ممدودة إلى العمد ويقال قعرها بعيد .

(2/156)


أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { أَلَمْ تَرَ } يعني ألم تخبر في القرآن يا محمد { كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ } كيف عذب ربك وأهلك ربك { بِأَصْحَابِ الفيل } قوم النجاشي الذين أرادوا خراب بيت الله { أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ } صنيعهم { فِي تَضْلِيلٍ } في أباطيل وتخسير { وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ } سلط عليهم { طَيْراً أَبَابِيلَ } متتابعة { تَرْمِيهِم } ترمي عليهم { بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ } من سبخ وحل مطبوخ مثل الآجر ويقال سجيل من سماء الدنيا { فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ } كورق الزرع المدود إذا أكله الدود .

(2/157)


لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ } يقول مر قريشاً ليألفوا على التوحيد ويقال اذكر نعمتي على قريش ليألفوا على التوحيد { إِيلاَفِهِمْ } كإيلافهم { رِحْلَةَ الشتآء والصيف } على رحلة الشتاء إلى اليمن والصيف إلى الشام ويقال لا يشق التوحيد على قريش كما لا يشق عليهم رحلة الشتاء والصيف { فَلْيَعْبُدُواْ } فليوحد قريش { رَبَّ هذا البيت } رب هذه الكعبة { الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ } أشبعهم من جوع سبع سنين ويقال دفع عنهم مؤنة الجوع ومؤنة الرحلتين الشتاء والصيف وكانوا يرتحلون في كل سننة رحلتين رحلة إلى اليمن بالشتاء ورحلة إلى الشام بالصيف فدفع عنهم مؤنة ذلك { وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ } من خوف العدو بأن يدخل عليهم ويقال من خوف النجاشي وأصحابه الذين أرادوا خراب البيت وهذه معطوفة على السورة الأولى .

(2/158)


أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { أَرَأَيْتَ الذي يُكَذِّبُ بالدين } ويقال يكذب بحساب يوم القيامة وهو العاص بن وائل السهمي { فذلك الذي يَدُعُّ اليتيم } يقول يدفع اليتيم عن حقه ويقال يمنع حقه { وَلاَ يَحُضُّ } لا يحث ولا يحافظ { على طَعَامِ المسكين } على صدقة المساكين { فَوَيْلٌ } شدة عذاب في النار { لِّلْمُصَلِّينَ } للمنافقين ثم بينهم فقال { الذين هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ } لاهون تاركون لها { الذين هُمْ يُرَآءُونَ } بصلاتهم إذا رأوا الناس صلوا وإذا لم يروا لم يصلوا { وَيَمْنَعُونَ الماعون } المعروف ويقال الزكاة ويقال العواري بين الناس مثل القدر والأواني مما ينتفع به الناس وغير ذلك .

(2/159)


إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر } يقول أعطيناك يا محمد الخير الكثير والقرآن منه ويقال الكوثر نهر في الجنة أعطاه الله محمداً صلى الله عليه وسلم { فَصَلِّ لِرَبِّكَ } شكراً لذلك { وانحر } استقبل بنحرك إلى القبلة ويقال ضع يمينك على شمالك في الصلاة ويقال استوف الركوع والسجود حتى يبدو نحرك ويقال فصل لربك صلاة يوم النحر وانحر البدن { إِنَّ شَانِئَكَ } يقول مبغضك { هُوَ الأبتر } أبتر عن أهله وولده وماله وعن كل خير لا يذكر بعد موته بخير وهو العاص بن وائل السهمي وأنت تذكر بكل خير كلما أذكر وذلك أنهم قالوا إن محمداً صلى الله عليه وسلم هو الأبتر بعدما مات ابنه عبد الله .

(2/160)


قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { قُلْ ياأيها الكافرون } وذلك أن المستهزئين هم العاص بن وائل السهمي والوليد بن المغيرة وأصحابهما قالوا استسلم لآلهتنا يا محمد حتى نعبد إلهك الذي تعبد فقال الله { قل } يا محمد لهؤلاء المستهزئين يا أيها الكافرون المستهزئون بالله والقرآن { لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } من دون الله من الأوثان { وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ } تعبدون { مَآ أَعْبُدُ } وهذان في المستقبل { وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ } من دون الله { وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ } وهذان في الماضي ويقال لا أعبد ولا أوحد ما تعبدون ما توحدون من دون الله ولا أنتم عابدون موحدون ما أعبد وما أوحد ولا أنا عابد موحد ما عبدتم ما وحدتم من دون الله ولا أنتم عابدون موحدون ما أعبد ما أوحد { لَكُمْ دِينُكُمْ } عليكم دينكم الكفر والشرك بالله { وَلِيَ دِينِ } الإسلام والإيمان بالله ثم نسختها آية القتال وقاتلهم بعد ذلك .

(2/161)


إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله } يقول إذا جاء نصر الله على أعدائه قريش وغيرهم { والفتح } فتح مكة { وَرَأَيْتَ الناس } أهل اليمن وغيرهم { يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله } الإسلام { أَفْوَاجاً } جماعات القبيلة بأسرها فاعلم أنك ميت { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } فصل بأمر ربك شكراً لذلك { واستغفره } من الذنوب { إِنَّهُ كَانَ تَوَّابَا } متجاوزاً رحيماً فنعى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه السورة بالموت .

(2/162)


تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ } وذلك أنه لما قال الله لنبيه عليه السلام وأنذر عشيرتك الأقربين فقال لهم بعدما دعاهم قولوا لا إله إلا الله فقال له عمه أخو أبيه من أمه واسمه عبد العزى كنيته أبو لهب تبا لك يا محمد ألهذا دعوتنا فأنزل الله فيه { تبت يدا أبي لهب } يقول خسرت يدا أبي لهب من كل خير { وَتَبَّ } خسر نفسه عن التوحيد { مَآ أغنى عَنْهُ } في الآخرة { مَالُهُ } كثرة ماله في الدنيا { وَمَا كَسَبَ } يعني كثرة الأولاد { سيصلى } سيدخل في الآخرة { نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ } تشعل تغيظ { وامرأته } معه أم جميلة بنت حرب بن أمية { حَمَّالَةَ الحطب } نقالة النميمة كانت تمشي بالنميمة بين المسلمين والكافرين ويقال كانت تأتي بالشوك فتطرحه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد وطريق المسلمين { فِي جِيدِهَا } في عنقها في النار { حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ } سلسلة من حديد ويقال في عنقها رسن من ليف الذي اختنقت به وماتت .

(2/163)


قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)

وبإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } وذلك أن قريشاً قالوا يا محمد صف لنا ربك من أي شيء هو من ذهب أم من فضة فأنزل الله في بيان صفته ونعته فقال { قل } يا محمد لقريش هو الله أحد لا شريك له ولا ولد له { الله الصمد } السيد الذي قد انتهى سؤدده واحتاج إليه الخلائق ويقال الصمد الذي لا يأكل ولا يشرب ويقال الصمد الذي ليس بأجوف ويقال الصمد الصافي بلا عيب ويقال الصمد الدائم ويقال الصمد الباقي ويقال الصمد الكافي ويقال الصمد الذي ليس له مدخل ولا مخرج ويقال الصمد الذي { لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } يقول لم يرث ولم يورث ويقال لم يلد ليس له ولد فيرث ملكه ولم يولد وليس له والد فورث عنه الملك { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } يقول لم يكن له كفواً أحد ليس له صد ولا ند ولا شبه ولا عدل ولا أحد يشاكله ويقال لم يكن له كفواً أحد فيعاذه في الملك والسلطان .

(2/164)


قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)

بإسناده عن ابن عباس في قوله تعالى { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق } يقول قل يا محمد امتنع ويقال أستعيذ برب الفلق برب الخلق ويقال الفلق هو الصبح ويقال جب في النار ويقال هو واد في النار { مِن شَرِّ مَا خَلَقَ } من شر كل ذي شر خلق { وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ } من شر الليل إذا دخل وأدبر { وَمِن شَرِّ النفاثات } المهيجات الآخذات الساحرات النافخات { فِي العقد وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } لبيد بن الأعصم اليهودي إذ حسد النبي صلى الله عليه وسلم فسحره وأخذه عن عائشة .

(2/165)