صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : تفسير حقي
المؤلف : حقي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

« نية المؤمن ابلغ من عمله » فالقربة لا تقبل الا على حقيقة الايمان وهو شرط اقامة الطاعات المالية والبدنية وفى الحديث « ان اعطاء هذا المال فتنة وامساكه فتنة » وذلك لان انفاقه على طريق الرياء او بالمنة والاذى فتنة وكذا امساكه اذ فى الامساك ملامة وذلالة بل ضلالة وفى الحديث « ان لكل امة فتنة وان فتنة امتى بالمال » [ حقيقت فتنه آنست كه هرجيزى كه آن مرورا از دين ورشد مشغول دارد آنراكه از توفيق محرومست وآنراكه موافقيست اكر بادشاه دنيا شود آن بادشاهى اورا ازدين مشغول ندارد ] : وفى المثنوى
جيست دنيا از خدا غافل بدن ... نى قماش ونقره وميزان وزن
مال راكز بهر دين باشى حمول ... نعم مال صالح خواندش رسول
آب در كشتى هلاك كشتى است ... آب اندر زير كشتى بستى است
جونكه مال وملك را ازدل براند ... زان سليمان خويش مسكين نخواند
[ ومعاويه زنى را برسيدكه على را ديده كفت بلى كفت جه كونه كردى بود على كفت لم يبطره الملك ولم تعجبه النعمة وعمر بن الخطاب رضى الله عنه كويدكه هركه مال اورا نفريبد هيج جادويى وديوى اورا نفريبد ومردى بيغمبررا صلى الله عليه وسلم كفت مرا جاره بياموز كه ديومر انفريبد كفت دوستى مال دردل مدار وبا هيج زن ن محرم خالى مباش ] كذا فى شرح الشهاب
مكن تكيه برملك وجاء وحشم ... كه بيش ازتو بودست وبعد ازتوهم

(5/78)


وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56)

{ ويحلفون } اى المنافقون { بالله } يحتمل ان يتعلق بيحلفون ويحتمل ان يكون من كلامهم { انهم لمنكم } اى يخافون منكم ان تفعلوا بهم ما تفعبون بالمشركين فيظهرون الاسلام تقية ويؤكدونه بالايمان الفاجرة يقال فرق كفرح اى فزع والفرق بفتحتين الفزع

(5/79)


لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57)

{ لو يجدون } [ اكربيابيد ] وايثار صيغة الاستقبال فى الشرط وان كان المعنى على المضى لافادة استمرار عدم الوجدان { ملجأ } اى مكانا حصينا يلجأون اليه من رأس جبل او قلعة او جزيرة مفعل من لجأ اليه يلجأ اى انضم اليه ليتحصن به { او مغارات } هى الكهوف الكائنة فى الجبال الرفيعة اى غيرانا وكهوفا يخفون فيها انفسهم جمع مغارة وهى مفعلة اسم للموضع الذى يغور فيه الانسان اى يغيب ويستتر { او مدخلا } هو السرب الكائن تحت الارض كالبئر اى نفقا يندسون فيه وينحجرون او قوما يمكنهم الدخول فيما بينهم يحفطونكم منكم كا فى الحدادى وهو مفتعل من الدخول اصله مدتخل
قال ابن الشيخ عطف المغارات والمدخل على الملجأ من قبيل عطف الخاص على العام لتحقيق عجزهم عن الظفر بما يتحصنون فيه فان لملجأ هو المهرب الذى يلتجئ اليه الانسان ويتحصن به من أى نوع كان { لولوا } اى لصرفوا وجوههم واقبلوا { اليه } اى الى احد ما ذكر { وهم يجمحون } اى يسرعون اسراعا لا يردهم شيء كالفرس الجموح لئلا يجتمعون معكم ويبتعدوا عنكم والجموح النفور باسراع يقال فرس جموح اذا لم يرده لجام . والمعنى انهم وان كانوا يحلفون لكم انهم منكم الا انهم كاذبون فى ذلك وانما يحلفون خوفا من القتل لتعذر خروجهم من بلاهم ولو استطاعوا ترك دورهم واموالهم والالتجاء الى بعض الحصون او الغيران التى فى الجبال واو السروب الى تحت الارض لفعلوه تسترا عنكم واستكراها لرؤيتكم ولقائكم وفيه بيان لكمال عتوهم وطغيانهم واشارة الى ان المنافق يصعب عليه صحبة المخلص فان الجنس الى الجنس يميل لا الى خلافه : قال السعدى فى كتاب الكلستان [ طوطى رابازاغى همقفس كردند از قبح مشاهده او مجاهده برده مى كفت اين جه طلعت مكروهشت وهيأت ممقوت ومنظر ملعون وشمائل ناموزون ياغراب البين يا ليت بينى وبينك المشرقين
على الصباح بروى ترهوكه برخيزد ... صباح روز سلامت برومسا باشد
بداخترى جوتو در صحبت توبايستى ... ولى جنانكه تودر جهان كجاباشد
عجبترانكه غراب هم از محاورت طوطى بجان آمده بود لا حول كنان از كردش كيتى همى ناليد ودستهاى تعا بن يكديكر همى ماليد وكيكفت اين جه بخت نكونست وطالع دون وايام برقلمون لايق قدر من آنستى كه بازاغى در ديوار باغى حرامان همى رفتمى
بارسارا بس اين قدر زندان ... كه بود هم طويله رندان
تاجه كنه كرده ام روز كارم بعقويت آن در سلك صحبت ابلهى خود رأى وناجنس ويافه دراى بجنين بند بلا كرده است
كس نيايد بباى ديوارى ... كه بران صورتت نكار كنند
كرترادر بهشت باشد جاى ... ديكران دوزخ اختيار كنند
اين مثل براى ان آوردم تابدانى كه صد جندانكه دانارا زنادان نفرتست نادانرا اودانا وحشتست ] قيل اضيق السجون معاشرة الاضداد

(5/80)


وقال الاصمعى دخلت على الخليل وهو جالس على الحصير الصغير فاشار الى بالجلوس فقلت اضيق عليك فقال مه ان الدنيا باسرها لا تسع متباغضين وان شبرا بشبر يسع المتحابين
قال بعضهم الصديق الموافق خير من الشقيق المخالف
فعلى العاق ان يراعى جانب الآفاق والانفس بقدر الامكان وجتهد فى اصلاح الظاهر والباطن فى كل زمان ويجانب الاعداء وان ادعوا انهم من جملة الاخوان ومن الاعداء النفس وصفاتها وهى تدعى انها على سيرة الروح والقلب والسر وسجيتها وليست كذلك لان منشأ هذه عالم الامر والارواح ومنشأ تلك عالم الحلق والاشباح فلا بد من اصلاحها وازالة اخلاقها الرديئة لتكون لائقة بصحبة الروح ويحصل بسببها انواع الذوق والفتوح

(5/81)


وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58)

{ ومنهم } اى من المنافقين { من يلمزك } ان يعيبك فان اللمز والهمز العيب واللامز كالهامز واللماز واللمزة كالهماز والهمزة بمعنى العياب وقيل اللامز هو من يعيبك فى وجهك والهامز من يعيبك بالغيب { فى الصدقات } اى فى شأن الزكاة ويطعن عليك فى قسمتها جمع صدقة من الصدق يسمى بها عطية يراد بها المثوبة لا التكرمة لان بها يظهر صدقه فى العبودية كما فى الكرامانى
والآية نزلت فى ابى الجواحظ المنافق حيث قال ألا ترون الى صاحبكم يقسم صدقاتكم فى رعاة الغنم ويزعم انه يعدل { فان اعطوا منها } بيان لفساد لمزهم وانه لا منشأ له سوى حرصهم على حطام الدنيا اى ان اعطوا من تلك الصدقات قدر ما يريدون { رضوا } بما اعطوه وما وقع من القسمة واستحسنوها { وان لم يعطوا منها } ذلك المقدار بل اقل مما طمعوا { اذا هم يسخطون } اى يفاجئون السخط دلت اذا الفجائية على انهم اذا لم يعطوا فاجأ سخطهم ولم يكن تأخره لما جبلوا عليه امن محبة الدنيا والشره فى تحصيلها
وفى التأويلات النجمية النفاق تزيين الظاهر باركان الاسلام وتعطيل البتطن على انوار الايمان والقلب المعطل عن نور الايمان يكون مزينا بظلمة الكفر بحب الدنيا ولا يرضى الا بوجدان الدنيا ويسخط بفقدها : قال السعدى
نكند دوست زينهار از دوست ... دل نهادم برآنجه خاطر اوست
كر بلطفم بنزد خود خواند ... ور بقهرم براند او داند

(5/82)


وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59)

{ ولو انهم رضوا ما آتيهم الله ورسوله } اى ما اعطاهم الرسول من الصدقات طيبى النفوس به وان قل وذكر الله تعالى للتعظيم والتنبيه على ان ما فعله الرسول عليه السلام كان بامره سبحانه فلا اعتراض عليه لكون المأمور به موافقا للحكمة والصواب { وقالوا حسبنا الله } اى كفانا فضله وصنعه بنا وما قسمه لنا فان جميع ما اصابنا انما هو تفضل منه سواء كان لكسبنا مدخل فيه او لم يكن { سيؤتينا الله من فضله } صدقة اخرى { ورسوله } فيعطينا منها اكثر مما اعطانا اليوم { انا الى الله راغبون } ان يغنينا من فضله والاية باسرها فى حيز الشرط والجواب محذوف بناء على ظهوره ولتذهب فيه النفس كل مذهب ممكن اى لكان خيرا لهم [ زيراكه رضا بقسمت سبب بهجت است وجزع دران موجب محنت . سلمى از ابراهيم ادهم نقل ميكندكه هركه بمقادير خرسند شدازغم وملال بازرست ]
رضا بداده بده وزجبين كره بكشا ... كه برمن وتو در اختيار نكشادست
ودرين معنى فرموده است
بشنواين نكته كه خودرا زغم آزاده كنى ... خون خورى كر طلب روزئ ننهاده كنى
يقال اذا كان القدر حقا كان السخط حمقا
ولما قدم سعد بن ابى وقاص رضى الله عنه مكة بعدما كف بصره قيل له انت مجاب الدعوة لم لا تسأل رد بصرك فقال قضاء الله تعالى احب الى من بصرى
قيل لحكيم ما السبب فى قبض الكف عند الولادة وفتحه عند الموت فانشد
ومقبوض كف المرء عند ولادة ... دليل على الحرص المركب فى الحى
ومبسوط كف المرء عند وفاته ... يقول انظروا انى خرجت بلا شيء
-حكى- ان نباشا تاب على يد ابى يزيد البسطامى قدس سره فسأله ابو يزيد مساكين اولئك نهمة الرزق حولت وجوههم عن القبلة
فعلى العاقل التوكل على الله والاعتماد بوعده فان الله كاف لعبده ومن وجد الله فقد ما دونه لان فقدان الله فى وجدان ما سواه ووجدانه فى فقدان ما سواه ومن وجده يرضى به ويقول سيؤتينا الله من فضله ما نحتاج اليه فى كمال الدين ونظام الدنيا انا الى الله راغبون لا الى الدنيا والعقبى وما فيهما غير المولى -روى- ان عيسى عليه السلام مر بقوم يذكرون الله تعالى فقال لهم ما الذى حملكم عليه قالوا الرغبة فى ثواب الله فقال اصبتم ومر على قوم آخرين يذكرون الله تعالى فقال لهم ما الذى حملكم عليه قالوا الخوف من عقاب الله تعالى فقال اصبتم ومر على قوم ثالث مشتغلين بذكر الله فسألهم عن سببه فقالوا لا نذكره للخوف من العقاب ولا للرغبة فى الثواب بل لاظهار ذلة العبودية وعزة الربوبية وتشريف القلب بمعرفته وتشريف اللسان بالالفاظ الدالة على صفات قدسه وعزته فقال أنتم المتحققون وفى هذا المعنى : قال الحافظ
بدرم روضه جنت بدو كندم بفروخت ... ن خلف باشم اكر من بجوى نفروشم

(5/83)


إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)

{ انما الصدقات } اى جنس الزكوات المشتملة على الانواع المختلفة من النقدين وغيرهما سميت الزكاة صدقة لدلالتها على صدق العبد فى العبودية كما فى الكافى
وذكر فى الازاهير ان تركيبها يدل على قوة فى الشيء قولا وفعلا وسمى بها ما يتصدق به لان بقوته يرد البلاء وقيل لان اول عامل بعثه صلى الله عليه وسلم لجمع الزكاة رجل من بنى صدق بكسر الدال وهم قوم من كندة والنسبة اليهم صدقى بالفتح فاشتقت الصدقة من اسمهم { للفقراء والمساكين } اى مخوصة بهؤلاء الاصناف الثمانية الآتية لا تتجاوزهم الى غيرهم من المنافقين والفقير من لهم شيء دون نصاب والمسكين من لا شيء له وهو المروى عن ابى حنيفة وقيل بالعكس وفائدة الخلاف تظهر فى الوصية او المسكين { والعاملين عليها } الساعى فى جمعها وتحصيلها فيعطى العامل مما فى يده من مال الزكاة بقدر عمله فقيرا كان او غنيا او هاشميا فلو ضاع ذلك المال لم يعط شيأ وكذا لو اعطى المالك بنفسه زكاته الى الامام لا يستحق العامل شيأ
وفى التبيين لو استغرقت كفاية الزكاة لا يزاد على النصف لان التنصيف عين الانصاف { والمؤلفة قلوبهم } وهم طائفة مخصوصة من العرب لهم قوة واتباع كثير منهم مسلم ومنهم كافر قد اعطوا من الصدقة تقريرا على الاسلام او تحريضا عليه او خوفا من شرهم { وفى الرقاب } اى وللصرف فى فك الرقاب اى فى تخليصها من الرق بان يعان المكاتبون بشيء منها على اداء بدل كتابتهم لا للرقاب فان المكاتب لا يستحق المال ولا يملكه بل يملكه مولاه وكذا مال المديون يملكه الدائن فالعدول عن اللام للدلالة على ان استحقاق الاربعة الاخيرة ليس لذواتهم اى لكونهم مكاتبا ومديونا ومجاهدا ومسافرا حتى يتصرفوا فى الصدقة كيف شاؤا كالاربعة الاول بل لجهة استحقاقهم كفك الرقبة من الرق وتخليص الذمة من مطالبة من له الحق والاحتياج الى ما يتمكن به من الجهاد وقطع المسافة ووجه الدلالة ان فى قد تستعمل لبيان السبب كما يقال عذب فلان فى سرقة لقمة اى بسببها والمراد مكاتب غيره ولو غنيا فيعطى ما عجز عنه فيؤدى الى عنقه . والرقاب جمع رقبة وهى يعبر بها عن الجملة وتجعل اسما للمملوكة { والغارمين } اى الذين تدينوا لانفسهم فى غير معصية اذا لم يكن لهم نصاب فاضل عن ديونهم والغارم والغريم وان كان يطلق كل واحد منهما على من له الدين الا ان المراد بالغارم فى الآية الذى عليه الدين وان المديون قسمان . الاول من ادّان لنفسه فى غير معصية فيعطى له من الزكاة ما يفى بدينه بشرط ان لا يكون له من المال ما يفى بدينه وان كان له فلا يعطى .

(5/84)


والثانى من اد ان فى المعروف واصلاح ذات البين فانه يعطى من مال الزكاة ما يقضى به دينه وان كان غنيا واما من ادّ ان فى معصية او فساد فانه لا يعطى له شيء منها
وعن مجاهد ان الغارم من احترق بيته او ذهب السيل بماله او ادّ ان على عياله { وفى سبيل الله } اى فقراء الغزاة عند ابى يوسف وهم الذين عجزروا عن اللحوق بحيش الاسلام لفقرهم اى لهلاك النفقة او الدالة او غيرهما فتحل اهم الصدقة وان كانوا كاسبين اذ الكسب يقعدهم عن الجهاد فى سبيل الله . وسبيل وان عم كل طاعة الا انه خص بالغزو اذا اطلق وعند محمد هو الحجيج المنقطع بهم { وابن السبيل } اى المسافر الكثير السير المنقطع عن ماله سمى به لملازمة الطريق فكل من يريد سفرا مباحا ولم يكن له ما يقطع به المسافة يعطى من الصدقة قدر ما يقطع به تلك المسافة سواء كان فى ذلك البلد المنتقل اليه مال او لم يكن وهو متناول للمقيم الذى له مال فى غير وطنه فينبغى ان يكون بمنزلة ابن السبيل وللدائن الذى مديونه مقر لكنه معسر فهو كابن السبيل كما فى المحيط { فريضة من الله } مصدر لما دل عليه صدر الآية لان قوله تعالى { انما الصدقات للفقراء } فى قوة ان يقال فرض الله لهم الصدقات فريضة
قال الكاشفى [ حق سبحانه وتعالى براى اين جماعت فرض كرده است زكاترا فريضه فرض كردنى من الله ثابت از نزديك خداى تعالى ] { والله عليم } باحوال الناس ومراتب استحقاقهم { حكيم } لا يفعل الا ما تقتضيه الحكمة من الامور الحسنة التى من جملتها سوق الحقوق الى مستحقيها
حق تعالى جون درقسمت كشاد ... هركسى را هرجه مى بايست داد
نيست واقع اندران قسمت غلط ... بنده راخواهى رضا خواهى سخط
واعلم ان سهم المؤلفة قلوبهم ساقط باجماع الصحابة لما ان ذلك كان لتكثير سواد الاسلام فلما اعزه الله واعلى كلمته ايتغنى عن ذلك كما قال عمر رضى الله عنه فى زمن خلافة ابى بكر رضى الله عنه الاسلام اعز من ان يرشى عليه فان ثبتم على الاسلام بغير رشوة فيها والا فبيننا وبينكم السيف فبقيت المصارف السبعة على حالها فللمتصدق ان يدفع صدقته الى كل واحد منهم وان يتقصر على صنف منهم بل لو صرف الى شخص واحد منهم جاز فان اللام فى للفقراء لبيان انهم مصارف لا يخرج عنهم كما يقال الخلافة لبنى العباس وميراث فلان لقرابته فى للفقراء لبيان انهم مصارف لا يخرج عنهم كما يقال الخلافة لبنى العباس وميراث فلان لقرابته اى ليست الخلافة لغيرهم لا أنها بينهم بالسوية فاللام لام الاختصاص لا التمليك لعدم جواز التمليك للمجهول
قال مشايخنا من اراد ان يتصدق بدرهم يبتغى فقيرا واحدا ويعطيه ولا يشترى به فلوسا ويفرقها على المساكين كما فى المحيط وكذلك الافضل فى الفطر ان يؤدى صدقة نفسه وعياله الى واحد كما فعله ابن مسعود كما فى التمرتاشى وكره دفع نصاب او اكثر الى فقير غير مديون اما اذا كان مديونا او صاحب عيال او اذا فرق عليهم لم يخص كلا منهم نصاب فلا يكره كما فى الاشباه .

(5/85)


وقوله كره اى جاز مع الكراهة اما الجواز فلان الاداء يلاقى الفقر لان الزكاة انما تتم بالتمليك وحالة التمليك المدفوع اليه فقير وانما يصير غنيا بعد تمام التمليك فيتأخر الغنى عن التمليك ضرورة فيجوز واما الكراهة فلان الانتفاع به صادف حال الغنى ولو صادف حال الفقراء لكان اكمل وندب دفع ما يغنى عن السؤال يومه لقوله عليه السلام « اغنوهم عن المسألة » والسؤال ذل فكان فيه صيانة المسلم عن الوقوع فيه ولا يسأل من له قوت يومه لان فى السؤال ذلا ولا يحل للمسلم ان يذل نفسه بغير الاحتياج نكد والنكدى حرام
ثم اعلم ان الاوصاف التى عبر بها عن الاوصاف المذكورة وان كانت تعم المسلم والكافر الا ان الاحاديث خصتها بالمسلم منهم
وقال ابو حفص لا يصرف الى من لا يصلى الا احيانا . والتصدق على الفقير العالم أفضل من الجاهل . وصدقة التطوع يجوز صرفها الى المذكورين وغيرهم من المسلم والذمى والى بناء المساجد والقناطر وتكفين الميت وقضاء دينه ونحوها لعدم اشتراط التمليك فى التطوع وان اريد صرف الفرض الى هذه الوجوه صرف الى الفقير ثم يؤمر بالصرف اليها فيثاب المزكى والفقير ولو قضى دين حمى اى من مال الزكاة وان كان بأمره جاز كأنه تصدق على المديون فيكون القابض كالوكيل له فى قبض الصدقة وان كان بغير امره يكون متبرعا فلا يجوز من زكاة ماله ولا تصرف الزكاة الى مجنون وصبى غير مراهق الا اذا قبض لهما من يجوز له قبضها كالال والوصى وغيرهما وتصرف الى مراهق يعقل الاخذ كما فى المحيط
قال فى مجمع الفتاوى جملة ما فى بيت المال اربعة اقسام الاول الصدقات وما ينضم اليها تصرف الى ما قال الله تعالى { انما الصدقات للفقراء والمساكين } الآية . والثانى الغنائم تصرف الى اليتامى والمساكين وابن السبيل . والثالث الجزية والخراج تصرف الى ما فيه صلاح دار الاسلام والمسلمين نحو سد الثغور والمقاتلة وعطاتهم وسلاحهك وكراعهم ويصرف الى امن الطريق والى اصلاح القناطر وكرى الانهار والى ارزاق الولاة والقضاة والائمة والمؤذنين والقراء والمحتسبين والمفتين والمعلمين . والرابع ما اخذ من تركة الميت اذا مات بلا وارث او الباقى من فرض الزوج او الزوجة اذا لم يترك سواه يصرف الى نفقة المرضى وادويتهم وعلاجهم ان كانوا فقراء والى نفقة من هو عاجز عن الكسب انتهى
والاشارة انما الصدقات اى صدقات الله كما قال عليه السلام

(5/86)


« ما من يوم ولا ليلة ولا ساعة الا لله فيها صدقة يتصدق بها على من يشاء من عباده » والفقراء هم الاغنياء بالله الفانون عن غيره الباقون به وهذا حقيقة قوله عليه الصلاة والسلام « الفقراء الصبر هم جلساء الله يوم القيامة » وهو سر ما قال الواسطى الفقير لا يحتاج الى الله وذلك لنه غنى به والغنى بالشئ لا يحتاج اليه والمساكين وهم الذى لهم بقية اوصاف الوجود لهم سفينة القلب فى بحر الطلب وقد خرقها خضر المحبة وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا { والعاملين عليها } وهم ارباب الاعمال كما كان الفقراء والمساكين اصحاب الاحوال { والمؤلفة قلوبهم } وهم الذين تتألف قلوبهم بذكر الله الى الله المتقربون اليه بالتباعد عما سواه { وفى الرقاب } وهم المكاتبون قلوبهم عن رق الموجودات تحريا لعبودية موجدها والمكاتب عبد ما بقى عليه درهم { والغارمين } وهم الذين استقرضوا من مراتب المكونات اوصافها وطبائعها وخواصها وهم محبوسون فى سجن الوجود بقروضهم وانهم فى استخلاص ذممهم عن القروض بردها فهم معاونون بتلك الصدقات للخلاص من حبس الوجود { وفى سبيل الله } وهم الغزاة المجاهدون فى الجهاد الاكبر وهو الجهاد مع كفار النفوس والهوى والشيطان والدنيا { وابن السبيل } وهم المسافرون عن اوطان الطبيعة والبشرية السائرون الى الله على اقدام الشريعة والطريقة بسفارة الانبياء والاولياء { فريضة من الله } اى هذا السير والجهاد ورد القرض والحرية عن رق الموجودات وتألف القلوب الى الله واستعمال آمال الشريعة والتمسكن والافتقار الى الله طلبا للاستغناء به امر واجب على العباد من الله وهذه الصدقات من المواهب الربانية والالطاف الالهية للطالبين الصداقين امر اوجبه الله تعالى فى ذمة كرمه لهم كما قال تعالى « ألا من طلبنى وجدنى » { والله عليم } بطالبيه { حكيم } فيما يعادونهم على الطلب للوجدان كما قال تعالى { من تقرب الى شبرا تقربت اليه ذراعا } كذا فى التأويلات النجمية
فعلى السالك الفناء عن اوصاف الموجودات والحرية عن رق الكائنات وعرض الافتقار الى هذه النفحات والصدقات

(5/87)


وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62)

{ ومنهم } اى من المنافقين كالجلاس بن سويد واحزابه { الذين يؤذون النبى } بان يقولوا فى حقه ما يتأذى به الانسان { ويقولون } اذا قيل لهم من قبل بعضهم لا تفعلوا هذا الفعل فانا نخاف ان يبلغه ما تقولون فتفضحوا { هو } اى النبى عليه السلام { اذن } يسمع كل ما قيل له يعنى انا نقول ما شئنا ثم نأتيه فننكر ما قلنا ونحلف فيدصقنا بما نقول انما محمد اذن سامعة اى صاحبها وانما سموه اذنا مبالغة فى وصفه باستماعه كل ما يقال وتصديقه اياه حتى صار بذلك كأنه نفس الاذن السامعة يريدون بذلك انه ليس له ذكاء ولا بعد غور بل هو سليم القلب سريع الاغترار بكل ما يسمع فيسمع كلام المبلغ اولا فيتأذى منه ثم اذا وقع الانكار والحلف والاعتذار يقبله ايضا صدقا كان او كذبا وانما قالوه لانه عليه السلام انما يفعله لقلة فطنته وقصور شهامته { قل } هو { اذن خير لكم } من اضافة الموصوف الى صفته كرجل صدق والمعنى نعم انه اذن لكنه نعم الاذن فان من يسمع العذر ويقبله خير ممن لا يقبله لانه انما ينشأ من الكرم وحسن الخلق سلم الله تعالى قول المنافقين فى حقه عليه السلام انه اذن الا انه حمل ذلك القول على ما هو مدح له وثناء عليه وان كانوا قصدوا به المذمة { يؤمن بالله } تفسير لكونه اذن خير لهم اى يقربه لما قام عنده من الادلة الموجبة له فيسمع جميع ما جاء من عنده ويقبله وكون ذلك خيرا للمخاطبين كما انه خير للعالمين مما لا يخفى { ويؤمن للمؤمنين } اى يسلم قولهم ويصدقهم فيما اخبروا به لما علم من خلوصهم وصدقهم ولا شك ان ما اخبر به المؤمنون المخلص يكون حقا فمن استمعه وقبله يكون اذن خير . واللام مزيدة للتفرقة بين الايمان المشهور وهو ايمان الامان من الخلود فى النار الذى هو نقيض الكفر بالله فانه يعدى بالباء حملا للنقيض على النقيض فيقال آمن بالله ويؤمنون بالغيب وبين الايمان بمعنى التصديق والتسليم والقبول فانه يعدى باللام مثل وما انت بمؤمن لنا اى بمصدق { ورحمة } عطف على اذن خير وهو رحمة بطريق اطلاق المصدر على الفاعل للمبالغة { للذين آمنوا منكم } اى للذين اظهروا الايمان منكم وهم المناقفون حيث يقبله منهم لكن لا تصديقا لهم فى ذلك بل رفقا بهم وترحما عليهم ولا يكشف اسرارهم ولا يهتك استارهم
قال الكاشفى : يعنى [ نه آنست كه بقول شمادانا نيست صدق وكذب شمارا ميداند اما برده ازروى كارشما برنميدارد وازروى رحمت باشما رفق مينمايد ] فالواجل على المؤمن الاقتداء بالرسول المختار فى التحفظ عن كسف الاسرار والتحقق بالاسم الستار { والذين يؤذون رسول الله } بالقول او الفعل { لهم عذاب اليم } [ عذابى دردناك در آخرت بسبب ايذائه ] فانه قد تبين انه عليه السلام خير ورحمة لهم فاذاه مقابلة لاحسانه بالاساءة فيكون كستوجبا للعذاب الشديد وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن ثم يأتون المؤمنين فيعتذرون اليهم ويؤكدون معاذيرهم بالايمان ليعذروهم ويرضوا عنهم فقال تعالى { يحلفون بالله لكم } ايها المؤمنون انهم ما قالوا ما نقل اليكم مما يورث اذية النبى عليه السلام { ليرضوكم } بذلك { والله ورسوله احق ان يرضوه } بالتوبة وترك الطعن والعيب والمبالغة فى باب الاجلال والاعظام مشهدا ومغيبا واما قبول عذرهم وعدم تكذيبهم فهو ستر عيوبهم لا عن رضى بما فعلوا .

(5/88)


وضمير يرضوه الى الله فافراده للايذان بان رضاه عليه السلام مندرج تحت رضاه سبحانه وهما متلازمان فاكتفى بذكر احدهما عن الآخر لعدم انفكاك الآخر او الى الرسول فان الكلام فى اذاه وارضاه وذكر الله للتعظيم وللتنبيه على ان ارضاء الرسول ارضاء الله فاكتفى بذكر ارضائه عليه السلام عن ذكر ارضائه تعالى كما فى قوله تعالى { واذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم بينهم } اكتفى بذكر حكم الرسول للتنبيه على ان حكم الله او الى الله والرسول باستعارته لاسم الاشارة الذى يشار به الى الواحد والمتعدد بتأويل المذكور لا يقال اى حاجة الى الاستعارة بعد التأويل لانا نقول لولا الاستعارة لم يتسن التأويل لما ان الضمير لا يتعرض الا لذات ما يرجع اليه من غير تعرض لوصف من اوصافه التى من جملتها المذكورية وانما المتعرض لها اسم الاشارة
قال الحدادى لم يقل يرضوهما لانه يكره الجمع بين ذكر اسم الله وذكر اسم رسول له فى كناية واحدة كما روى ان رجلا قام خطيبا عند النبى عليه السلام فقال من يطعن الله ورسوله فقد رشد ومن يعصمهما فقد غوى فقال عليه السلام « بئس الخطيب انت هلا قلت ومن يعص الله ورسوله »
قال فى ابكار الافكار انما اراد بذلك تعليم الادب فى المنطق وكراهة الجمع بين اسم الله اسم غيره تحت حرفى الكناية لانه يتضمن نوعا من التسوية : قال الصعدى قدس سره
متكلم را تاكسى عيب نكيرد ... سخنش صلاح نبذيرد
مشوغره برحسن كفتار خويش ... بتحسين نادان وبندار خويش
وفى الحديث « لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان » قال الخطابى وهذا ارشاد الى الادب لان الواو للجمع والتشريك وثم للعطف مع الترتيب والتراخى فارشدهم عليه السلام الى تقديم مشيئة الله على مشيئة من سواه . ومن هذا قال النخعى يكره ان يقول الرجل اعوذ بالله وبك ويجوز اعوذ بالله ثم بك ويقال لولا الله ثم فلان لفعلت كذا ولا يقال لولا الله وفلان وانما يقال من يطع الله ورسوله لان الله تعبد العباد بان فرض عليهم طاعة رسول الله رسول الله فاذا اطيع رسول الله اطيع الله بطاعة الله بطاعة رسوله { ان كانوا مؤمنين } اى صادقين فيما اظهروه من الايمان فليرضوا الله ورسوله بالطاعة واخلاص الايمان فانهما احق بالارضاء

(5/89)


أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63)

{ ألم يعلموا } اى اولئك المنافقون والاستفهام للتوبيخ على ما اقدموا عليه من العظمة مع علمهم بسوء عاقبتهم { انه } اى الشان { من } شرطية معناها بالفارسية [ هركس كه ] { يحادد الله ورسوله } [ خلاف كند باخداى تعالى وبارسول او وازحد دركذراند . والمحادة باكسى حرب يا خلاف كردن ] كما فى تاج المصادر مفاعلة من الحد وهو الطرف والنهاية وكل واحد من المتخالفين والمتعاندين فى حد غير حد غير حد صاحبه { فان له } بالفتح على انه مبتدأ حذف خبره اى فحق ان له { نار جهنم خالدا فيها ذلك } العذاب الخالد { الخزى العظيم } الخزى الذل والهوان المقارن للفضيحة والندامة وهى ثمرات نفاقهم حيث يفتضحون على على رؤوس الاشهاد بظهورها ولحوق العذاب الخاص بهم
واعلم ان كل نبى اوذى بما لا يحيط به نطاق البيان وكان النبى عليه السلام اشدهم فى ذلك كما قال « ما اوذى نبى مثل ما اوذيت » ولما كانت الاذية سبب التصفية كان المعنى ما صفى نبى مثل ما صفيت واما قوله عليه السلام حين قسم غنائم الطائف فقال بعض المنافقين بعدم العدل « من يعدل اذا لم يعدل الله ورسوله رحمة الله الى اخى موسى لقد اوذى باكثر من هذا فصبر » فيحتمل ان يكون بالنسبة الى ذلك الوقت وقد زاد اذاه الى آخر العمر كمية واشتد كيفية هذا هو اللائح بالبال فاذا كان الانبياء عليهم السلام مبتلين بالاذية والنفى من البلد والقتل فما ظنك بالاولياء الكرام وهم احوج منهم الى التصفية لان قدس الانبياء اغلب وبواطنهم انور وسرائرهم اصفى
قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره وانما كان الحسن مسموما والحسين مذبوحا رضى الله عنهما بسبب ان كمال تعينهما كان بالشهادة وكان النبى عليه السلام قادرا على تخليصهما بالشفاعة من الله تعالى ولكنه رأى كمالهما فى مرتبتهما راجحا على الخلاص حتى انه عليه السلام دفع قارورتين لواحدة من الازواج المطهرة وقال « اذا أصفر ما فى احداهما يكون الحسن شهيد بالسم واذا احمر ما فى الاخرى يكون الحسين شهيدا بالذبح » فكان كذلك
فعلى العاقل الاطاعة والتسليم وتحمل الاذى من كل منافق لئيم فان الله تعالى مع المؤمن المتقى اينما كان فاذا كان الله معه وكاشف عن ذلك هان عليه الابتلاء لمشاهدته المبتلى على كل حال فى فرح وترح : وفى المثنوى
هر كجا باشد شه مارا بساط ... هست صحرا كربود سم الخياط
هركجا يوسف رضى باشد جوماه ... جنست اوكرجه باشد قعر جاه

(5/90)


يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64)

{ يحذر المنافقون ان تنزل عليهم } اى على المؤمنين { سورة تنبئهم } اى تخبر تلك السورة المؤمنين { بما فى قلوبهم } اى قلوب المنافقين من الشرك والنفاق فتفضحهم وتهتك عليهم استارهم فالضميران الاولان للمؤمنين . والثالث للمنافقين ولا يبالى بالتفكك عند ظهور الامر ويجوز ان تكون الضمائر ملها للمنافقين . فالمعنى يحذر المنافقون ان تنزل عليهم اى فى شأنهم فان ما نزل فى حقهم نازل عليهم سورة تنبئهم بما فى قلوبهم من الاسرار الخفية فضلا عما كانوا يظهرونه فيما بينهم من اقاويل الكفر والنفاق ومعنى تنبيئها اياهم مع انها معلومة لهم وان المحذور عندهم اطلاع المؤمنين على اسرارهم لا اطلاع انفسهم عليها انها تذيع ما كانوا يجفونه من اسرارهم فتنتشر فيما بين الناس فيسمعونها من افواه الرجال
فان قلت كيف يحذر المنافقون نزول الوحى الكاشف عن نفاقهم مع انهم ينكرون نبوته عليه السلام فكيف يجوزون نزول الوحى
قلت ان بعض المنافقين كانوا يعلمون النبوة لكنهم كانوا يكفرون عند اهل الشرك عنادا وحسدا وبعضهم كانوا شاكين مترددين فى امره صلى الله تعالى عليه وسلم الشاك يجوز نزول الوحى فيخاف ان ينزل عليه ما يفضحه
وقال ابو مسلم كان اظهار الحذر منهم بطريق الاستهزاء فانهم كانوا اذا سمعوا رسول الله يذكر كل شئ ويقول انه بطريق الوحى يكذبونه ويستهزئون به بان يقولوا فيما بينهم على وجه الاستهزاء به عليه السلام انا نحذر ونخاف ان ينزل عليه ما يفصحنا ولذلك قيل { قل استهزئوا } اى افعلوا الاستهزاء وهو امر تهديد : يعنى [ استهزا مكنيد كه جزا خواهيد يافت وجزا آنست كه براى تفضيح سما ] { ان الله مخرج } اى من القوة الى الفعل او من الكمون الى البروز { ما تحذرون } اى ما تحذرونه من انزال السورة او ما تحذرون اظهاره من مساويكم ومن هذا سميت هذه السورة الفاضحة لانها فضحت المنافقين وتسمى ايضا الحافرة لانها حفرت عن قلوب المنافقين

(5/91)


وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65)

{ ولئن سألتهم } عما قالوا بطريق الاستهزاء { ليقولن انما كنا نخوض } فى الكلام ونتحدث كما يفعل الركب لقطع الطريق بالحديث { ونلعب } كما يلعب الصبيان -روى- انه عليه الصلاة والسلام كان يسير فى غزوة تبوك وبين يديه ركب من المنافقين يستهزئون بالقرآن وبالرسول عليه السلام ويقولون انظروا الى هذا الرجل يريج ان يفتتح حصون الشام وقصوره وهيهات هيهات يحسب محمد أن قتال بنى الاصفر معه اللعب والله لكأنهم يعنى الصحابة غدا مفرقون فى الجبال فاطلع الله نبيه على ذلك فقال « اجلسوا على الركب » فاتاهم فقال « قلتم كذا وكذا » فقالوا يا نبى الله لا والله ما كنا فى شئ من امرك ولا من امر اصحابك انما كنا نخوض ونلعب فلما انكروا ما هم فيه من الاستهزاء والتخفيف امر الله تعالى رسوله فقال { قل } يا محمد على طريق التوبيخ غير ملتفت الى اعتذارهم { أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون } عقب حرف التقرير بالمستهزئ به اشارة الى تحقق الاستهزاء وثبوته فانه فرق بين ان يقال تستهزئ بالله وبين ان يقال ابا الله تستهزئ فان الاول يقتضى الانكار على ملابسة الاستهزاء والثانى يقتضى الانكار على ايقاع الاستهزاء فى الله

(5/92)


لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66)

{ لا تعتذروا } لا تشتغلوا بالاعتذار فانه معلوم الكذب بين البطلان والاعتذار عبارة عن محو اثر الذنب
قال فى التبيان اصل الاعتذار القطع يقال اعتذرت اليه اى قطعت ما فى قلبه من الموجدة { قد كفرتم } الكفر باذى الرسول والطعن فيه { بعد ايمانكم } اى بعد اظهاركم له فانهم قط لم يكونوا مؤمنين ولكن كانوا منافقين { ان نعف } [ اكر عفو كنيم ] { عن كائفة منكم } لتوبتهم واخلاصهم او لتجنبهم عن الاذية والاستهزاء { نعذب طائفة بانهم } اى بسبب انهم { كانوا مجرمين } مصرين على الاجرام وهم غير التائبين او مباشرين وهم غير المجتنبين واعتذر النبى عليه السلام لمن قال ألا تقتلهم لظهور كفرهم بقوله اكره ان تقول العرب قاتل اصحابه بل يكفينا هم بالله بالدبيلة او بالداهية
وفى الآيات اشارات
الاولى ان المنافقين وان اعتقدوا نزول الوحى على النبى عليه السلام واعتقدوا نبوته لكن لم ينفعهم مجرد الاعتقاد والاقرار باللسان فى ثبوزت الايمان مع ادنى شك داخلهم ولم ينفعهم الحذر من القدر وهذا تحقيق قوله « ولا ينفع ذا الجد منك الجد » وفى هدية المهديين قال آمنت بجميع الانبياء ولا اعلم آدم نبى أم لا يكفر ومن لم يعرف ان سيدنا محمدا عليه السلام خاتم الرسل لا نسخ لدينه الى يوم القيامة لا يكون مؤمنا
والثانية ان اظهار اللطف والرحمة بلا سبب محتمل ولكن اظهار القهر والفرق لا يكون الا بسبب جرم من المجرمين كما قال { بانهم كانوا مجرمين } وفى المثنوى
جونكه بد كردى بترس ايمن مباش ... زانكه تخمست وبروياند خداش
جند كاهى او بيوشاند كه تا ... آيدت زان بد بشيمان وحيا
بارها بوشد بى اظهار فضل ... باز كيرد ازبى اظهار عدل
تاكه اين هردوصفت ظاهر شود ... آن مبشر كردد اين منذر شود
والثالثة ان الاستهزاء بالله ورسوله وبالآيات القرآنية كفر والاستهزاء استحقار الغير بذكر عيوبه على وجه يضحك قولا او فعلا وقد لا يكون الاستهزاء بالاشارة والايمان وبالضحك على كلامه اذا تخبط فيه او غلظ او على صنعته ونحو ذلك وهو حرام بالاجماع معدود من الكبائر عند البعض كما قال علاء الدين التركسانى فى منظومته العادّة لكبائر الذنوب وهى سبعون
ويل لمن من الانام يسخر ... مقامه يوم الجزاء سقر
وفى الحديث « ان المستهزئين بالناس يفتح لاحدهم فى الآخرة باب من الجنة فيقال له هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فاذا جاء اغلق دونه ثم يفتح له باب آخر فيقال له هلم هلم فيجيء بغمه وكربه فاذا جاء اغلق دونه فما يزال كذلك حتى ان احدهم ليفتح له الباب من ابواب الجنة فيقال له هلم فما يأتيه من الاياس » وفى الحديث « ثلاثة لا يستخف بهم الا منافق ذة الشيبة فى الاسلام وذو العلم وامام مقسط »

(5/93)


كما فى الترغيب والترهيب للامام المنذرى وانما خص هذه الثلاثة لان اوصافهم راجعة الى اوصاف الله تعالى فذو الشيبة حصل له كبر السن والبارى له الكبرياء والعالم اتصف بصفة اعلم والامام المقسط اتصف بصفة العدل وهما من صفات الله تعالى ايضا فمن اجلال الله تعالى واكرامه اجلال هذه الثلاثة واكرامهم ومن استخفافه استخفافهم وفى الحديث « ارحموا عزيز قوم ذل وغنى قوم افتقر وعالما بين الاقوام الجهال لا يعرفون حقه »
كفت بيغمبركه با اين سه كروه ... رحم آريد ارنه سنكيدونه كوه
آنكه او بعد از عزيزيى خوارشد ... وان توانكرهم بى دينار شد
وان سوم آن عاملى كاندرجهان ... مبتلا كردد ميان ابلهان
زانكه از عزت بخوارى آمدن ... همجو قطع عضو باشد ازبدن
عضو كردد مرده كزتن وابريد ... كو بريده جنبد اما نى مديد
ومن تعظيم الرسول تعظيم اولاده -قيل- ركب زيد بن ثابت رضى الله عنه فدنا ابن عباس رضى الله عنه ليأخذ ركابه فقال لا يا ابن عم رسول الله فقال هكذا امرنا ان نفعل بكبرائنا فقال زيد ارنى يدك فاخرجها اليه فقبلها فقال هكذا امرنا ان نفعل ببيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن اولاده المعنوية من اقتدى به قولا وفعلا وحالا فتعظيمه تعظيم الرسول وتحقيره تحقيره فعليك التعظيم والتبجيل

(5/94)


الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67)

{ المنافقون } [ مردان منافق مه سيصد نفر بودند ] { والمنافقات } [ وزنان منافقه كه صدو هفتاد بودند ] { بعضهم من بعض } اى متشابهون فى النفاق والبعد عن الايمان كابعاض الشيء الواحد بالشخص { يأمرون بالمنكر } اى بالكفر والمعاصى { وينهون عن المعروف } اى عن الايمان والطاعة استئناف مقرر لمضمون ما سبق ومفصح عن مضادة حالهم لحال المؤمنين { ويقبضون ايديهم } اى عن الاتفاق فى سبيل الله وعن الصدقة وعن كل خير فان قبض اليد كناية عن الشح او عن رفعها للدعاء والمناجاة كما فى الكاشفى { نسوا الله } صاروا غافلين عن ذكره وتركوا امره حتى صار كالمنسى عندهم ذكر الملزوم وهو النسيان واريد اللازم وهو الترك لان النسيان ليس من الافعال الاختيارية فلا يذم عليه { فنسيهم } فتركهم من لطفه وفضله لا من قهره وتعذيبه وفسر النسيان ايضا بالمعنى المجازى الذى هو الترك لانه محال فى حقه تعالى { ان المنافقين هم الفاسقون } الكاملون فى التمرد والفسق الذى هو الخروج عن الطاعة والانسلاخ عن كل خير

(5/95)


وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68)

{ وعد الله المنافقين والمنافقات } الوعد يستعمل فى الخير بمعنى الاخبار بايصال المنفعة قبل وقوعها وفى الشر بمعنى الاخبار بايصال المضرة قبل وقوعها يقال وعدته خيرا ووعدته شرا فاذا سقط الخير والشر قالوا فى الخير الوعد والعدة وفى الشر الايعاد والوعيد وقد اوعده ويوعده اى وعد العقاب { والكفار } الا المجاهرين { نار جهنم } وهى من اسماء النار تقول العرب للبئر البعيدة القعر جهنام فيجوز ان يكون جهنم مأخوذة من هذا اللفظ لبعد قعرها -روى- ان رسول الله صلى اله عليه وسلم سمع صوتا هاله فاتاه جبريل فقال عليه السلام « ما هذا الصوت يا جبرائيل » قال هذه صخرة هوت من شفير جهنم منذ سبعين عاما فهذا حين بلغت قعرها فاحبّ الله ان يسمعك صوتها فما رؤى رسول الله ضاحكا ملئ فيه حتى قبضه الله { خالدين فيها } اى مقدرا خلودهم فيها { هى حسبهم } عقابا وجزاء ولا شئ ابلغ من تلك العقوبة ولا يمكن الزيادة عليها { ولعنهم الله } اى ابعدهم من رحمته واهانهم وهو بيان لبعض ما تضمنه الخلود فى النار فان النار المخلد فيها مع كونها كافية فى الايلام تتضمن شدائد آخر من اللعن والاهانة وغيرهما { ولهم عذاب مقيم } لا ينقطع والمراد به ما وعدوه وهو الخلود فى نار جهنم ذكر بعده تأكيدا له لان الخلود والدوام بمعنى واحد

(5/96)


كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69)

{ كالذين من قبلكم } اى انتم ايها المنافقون مثل الذين من قبلكم من الامم المهلكة { كانوا اشد منكم قوة } [ يعنى بتن ازشما قوى تربودند ] { واكثر اموالا واولادا فاستمتعوا بخلاقهم } اى تمتعوا بنصيبهم من ملاذ الدنيا سمى النصيب خلاقا لانه مشتق من الخلق بمعنى التقدير ونصيب كل واحد هو الخير المقدر له { فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم } الكاف فى محل النصب على انه نعت لمصدر محذوف اى استمتاعا كاستمتاعهم وليس فى الآية تكرار لان قوله فاستمتعوا بخلاقهم ذم للاولين بالاشتغال بالحظوظ الفانية وذمهم بذلك تمهيد لذم المخاطبين بسلوكهم سبيل الاولين وتشبيه حالهم بحالهم { وخضتم } اى دخلتم فى الباطل وشرعتم فيه { كالذى } اى كالفوج الذى { خاضوا } ويجوز ان يكون اصله الذين حذفت النون تخفيفا { اولئك } الموصوفون بما ذكر من الافعال الذميمة من المشبهين والمشبه بهم والخطاب لرسول الله او لكل من يصلح للخطاب { حبطت اعمالهم } التى كانوا يستحقون بها الاجور لو قارنت الايكان مثل الانفاق فى وجوه الخير وصلة الرحم وغير ذلك اى ضاعت وبطلت بالكلية ولم يترتب عليها اثر { فى الدنيا والآخرة } . اما فى الآخرة فظاهر . واما فى الدنيا فلأن ما يترتب على اعمالهم فيها من الصحة والسعة وغير ذلك حسبما يبنى عنه قوله تعالى { من كان يرجو الحيوة الدنيا وزينتها نوف اليهم اعمالهم فيها وهم لا يبخسون } ليس ترتيبه عليها على طريق المثوبة والكرامة بل بطريق الاستدارج { واولئك } الموصوفون بحبوط الاعمال فى الدارين { هم الخاسرون } الكاملون فى الخسران فى الدارين الجامعون لمباديه واسبابه طرا فانه قد ذهبت رؤوس اموالهم فيما ضرهم ولم ينفعهم قط ولو انها ذهبت فيما لا يضرهم ولا ينفعهم لكفى به خسرانا : قال السعدى قدس سره
قيامت كه بازار مينو نهند ... منازل باعمال نيكو نهند
بضاعت بجند انكه آرى برى ... اكر مفلسى شر مسارى برى
كه بازار جند انكه آكنده تر ... تهى دست را دل برا كنده تر

(5/97)


أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70)

{ ألم يأتهم } اى المنافقين { نبأ الذين من قبلهم } اى خبرهم الذى له شأن وهو ما فعلوه وما فعل بهم والاستفهام للتقرير والتحذير اى قد اتاهم خبر الامم السالفة وسمعوه فليحذروا من الوقوع فيما وقعوا { قوم نوح } اغرقوا بالطوفان وهو بدل من الذين { وعاد } اهلكوا بريح صرصر { وثمود } اهلكوا بالرجفة والصيحة { وقوم ابراهيم } اهلك نمرود ببعوضة واهلك اصحابه بالهدم { واصحاب مدين } اى واهل مدين وهم قوم شعيب اهلكوا بالنار يوم الظلة ومدين هو مدين بن ابراهيم نسبت القربة اليه { والمؤتفكات } الظاهر انه عطف على مدين وهى قربات قوم لوط ائتفكت بهم اى انقلبت بهم فصار عاليها سافلها وامطروا حجارة من سجيل { اتتهم } اى جميع من تقدم من المهلكين { رسلهم بالبينات } اى بالحجج والبراهين فكذبوهم فاهلكهم الله { فما كان الله ليظلمهم } اى لم يكن من عادته ما يشابه ظلم الناس كالعقوبة بلا جرم { ولكن كانوا انفسهم يظلمون } حيث عرضوها للعقاب بالكفر والتكذيب : قال الصائب
جرا زغير شكايت كنم كه همجو حباب ... هميشه خانه خراب هواى خويشتنم
فعلى العاقل اى لا يغتر بالقوة والاولاد والاموال فان كلها فى معرض الزوال : قال الحافظ
ببال وبر مرو ازره كه تير برتانى ... هوا كرفت زمانى ولى بخاك نشست
يعنى لا تغتر بقدرتك وقوتك البدنية والدنيوية ولا تخرج بسببها عن الصراط المستقيم فان حالك مشابه لحال السهم فانه وان علا على الهواء زمانا لكنه يسقط على الارض فآخر كا علو هو السفل وآخر كل قدرة هو العجز فلا بد من تدارك الامر بالتوبة والاستغفار قبل نزول ما نزل بالقوم الاشرار
قال بعض الصالحين خرجت الى السوق ومعى جارية حبشية فاجلستها فى مكان وقلت لها لا تبرحى حتى اعود اليك فذهبت ثم عدت الى المكان فلم اجدها فيه فانصرفت الى منزلى وانا شديد الغضب عليها فجاءتنى وقالت لى يا مولاى لا تعجل على فانك اجلستنى بين قوم لا يذكرون الله تعالى فخشيت ان ينزل بهم خسف وانا معهم فقلت ان هذه امة قد رفع عنها الخسف اكراما لنبيها محمد صلى الله عليه وسلم فقالت ان رفع عنها خسف المكان فما رفع عنها خسف القلوب يا من خسف بمعرفته وقلبه وهو فى غفلته من بلائه وكربه بادر الى حميتك ودوائك قبل موتك وفنائك
وعن عائشة رضى الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والناس حوله « ايها الناس استحيوا من الله حق الحياء » فقال رجل يا رسول الله انا نستحيى من الله فقال « من كان منكم مستحييا فلا يتبين ليلة الا واجله عينيه وليحفظ البطن وما وعى والرأس وما حوى وليذكر الموت والبلى وليترك زينة الدنيا » قال الله تعالى لموسى وهارون علهيما السلام ولو اشاء ان ازينكما بزينة علم فرعون حين يراها ان مقدرته تعجز عنها لفعلت ولكنى ازوى عنكما وكذلك افعل باوليائى وليس ذلك لهو انهم على ولكن ليستكملوا حظهم من كرامتى
مكو جاهى از سلطت بيش نيست ... كه ايمن تر ازملك درويش نيست
فقد تقرر رجال اهل الدنيا وحال اهل الآخرة فالعاقل يعتبر ويتبصر الى ان يموت ويقبر

(5/98)


وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)

{ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض } اى بعضهم على دين بعض فى الحق اىى متفقون فى التوحيد وبعضهم معين بعض فى امر دينهم ودنياهم وبعضهم موصل بعض الى الدرجات العالية بسبب التربية وتزكية النفس وهم المرشدون فى طريق الله تعالى { يأمرون بالمعروف } اى جنس المعروف الشامل لكل خير ومنه الايمان والطاعة ويهيج بعضهم بعضا فى طلب الله وهو المعروف الحقيقى كما قال ( فاحببت ان اعرف ) { وينهون عن المنكر } اى جنس المنكر المنتظم لكل شر ومنه الكفر والمعاصى التى تقطع العبد عن الله من الدنيا وغيرها { ويقيمون الصلاة } فلا يزالون يذكرون الله تعالى ويديمون مراقبة القلب وحضوره مع الله بحيث لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وهم ارباب المكاشفة واصحاب القلوب وهذا بمقابلة ما سبق قوله نسوا الله { ويوتون الزكوة } بمقابلة قوله تعالى { ويقبضون ايديهم } فهم يؤدون الزكاة الواجبة بل ينفقون ما فضل عن كفافهم الضرورى ويطهرون انفسهم عن محبة الدنيا بالانفاق { ويطيعون الله ورسوله } اى فى كل امر ونهى وهو بمقابلة وصف المنافقين بكمال الفسق والخروج عن الطاعة
قال فى التأويلات النجمية يشير الى الاخلاص فى معاملتهم فان المنافقين يقيمون الصلاة ويوتون الزكاة ولكن لا يطيعون الله ورسوله فى ذلك وانما يطيعون النفس والهوى رعاية لمصالح دنياهم { اولئك } الموصوف بهذه الاوصاف الكريمة { سيرحمهم الله } اى يفيض عليهم آثار رحمته من التأييد والنصرة البتة وينجيهم من العذاب الاليم سواء كان عذاب النار او عذاب البعد من الملك الجبار بالادخال الى الجنة والايصال الى القرية والوصلة
وعن بعض اهل الاشارة { سيرحمهم الله } فى خمسة مواضع عند الموت وسكراته يهون عيهم سكرات الموت ويحفظ ايمانهم من الشيطان وفى القبر وظلماته ينور قبورهم ويحفظهم من العذاب وعند قراءة الكتاب وحسراته يؤتيهم كتابهم بيمينهم ويمحو سيآتهم من كتابهم كيلا يتحسروا على سيآتهم وعند الميزان وندماته يثقل موازينهم وعند الوقوف بين يدى الله وسؤالاته يسهل عليهم جوابهم ولا يؤاخذهم بعيوبهم وفى الحديث « من صلى صلاة الفجر هان عليه الموت وغصته ومن صلى صلاة الظهر هان عليه القبر وضمته ومن صلى صلاة العصر هان عليه سؤال منكر ونكير وهيبته ومن صلى صلاة المغرب هان عليه الميزان وخفته ومن صلى صلاة العشاء هان عليه الصراط ودقته » { ان الله عزيز } تعليل الوعد اى قوى قادر اعزاز اوليائه وقهر اعدائه ذو النعمة لمن يطيعه { حكيم } بنى احكامه على اساس الحكمة الداعية الى ايصال الحقوق من النعمة والنقمة الى مستحقيها من اهل الطاعة واهل المعصية حكم للمؤمنين بالجنة فى مقابلة تصديقهم واقرارهم وللمحسنين بالوصلة فى مقابلة طلبهم فى جميع الحال رضى الله وتركهم ما سواه وحكم للكافرين والمنافقين بالنار لانطارهم وتكذيبهم الانبياء وعبادتهم للاوثان والاصنام

(5/99)


وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)

{ وعد الله المؤمنين والمؤمنات } اى وعدهم وعدا شاملا لكا واحد منهم على اختلاف طبقاتهم فى مراتب الفضل كيفما وكما والوعد عبارة عن الاخبار بايصال المتفعة قبل وقوعها { جنات } جمع جنة وهى الحديقة ذات النخل والشجر { تجرى من تحتها } اى اشجارها وغرفها { الانهار } انهار الماء والعسل والخمر واللبن { خالدين فيها } اى مقدرا خلودهم ودوامهم فيها فكل واحد من المؤمنين فائز بهذه الجنات لا محالة { وماسكن طيبة } اى وعد بعض الخواص الكمل منهم منازل تستطيبها او يطيب فيها العيش وفى الخبر انها صور من اللؤلؤ والزبرجد والياقوت الاحمر { فى جنات عدن } هلى ابهى اماكن الجنات واسناها
عن النبى عليه السلام « عدن دار الله لم ترها عين ولم يخطر على قلب بشر لا يسكنها غير ثلاث النبيون والصديقون والشهداء طوبى لمن ادخلها » -روى- ان الله تعالى خلق جنة عدن بيده من غير واسطة وجعلها له كالقلعة للملك وجعل فيها الكثيب مقام تجلى الحق سبحانه وفيها مقام الوسيلة مقام المصطفى صلى الله عليه وسلم وغرس شجرة طوبى بيده فى جنة عدن واطالها حتى علت فروعها سور جنة عدن ونزلت مظللة على سائر الجنات كلها وليس فى اكمامها ثمر الا الحلى والحلل لباس اهل الجنة وزينتهم زائدة فى الحسن والبهاء لها اختصاص فضل لكونها خلقها الله بيده وهى اجمع الحقائق الجنانية نعمة واتمها بركة فانها اصل لجميع اشجار الجنة كآدم عليه السلام لما ظهر منه من البنين وما فى الجنة نهر الا وهو يجرى من اصل تلك الشجرة وهى محمدية المقام وهى فى الدار النبى عليه السلام يقال عدن بالمكان اذا اقام به ومنه المعدن لمستقر الجواهر { ورضوان من الله } اى وشئ يسير من رضوانه تعالى { اكبر } واعظم من الجنان ونعيمها لانه مبدأ جميع السعادات ومنشأ تمام الكمالات [ محققان راه وعارفان آكاه را دركاه وبيكاه جز رضاى حضرت الله مطلوبى نيست ]
يكى مى خواهد از توجنت وحور ... يكى خواهد ازدوزخ شود دور
وليكن مانخواهيم اين وآن جست ... مراد ما همين خشنودى تست
جوتو خشنود كردى در دوعالم ... همين مقصود بس والله اعلم
قال الحافظ
صحبت حورنخواهم كه بود عين قصور ... يا خيال تو اكر با دكرى بردازم
-روى- انه تعالى يقول لاهل الجنة « هل رضيتم فيقولون ما لنا لا نرضى وقد اعطيتنا ما لم تعط احدا من خلقك فيقول انا اعطيكم افضل من ذلك فيقولون وأى شئ افضل من ذلك فيقول احل عليكم رضوانى فلا اسخط عليكم ابدا » { ذلك } المذكور من النعيم والرضى { هو الفوز العظيم } دون ما يعده الناس فوزا من حظوظ الدنيا فانها مع قطع النظر عن فنائها وتغيرها وتنغصها وتكدرها ليست بالنسبة الى ادنى شئ من نعيم الآخرة الا بمثابة جناح البعوض قال عليه السلام

(5/100)


« لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء » قال يحيى بن معاذ الدنيا دار خراب واخرب منها قلب من يعمرها والآخرة دار عمران واعمر منها قلب من يطلبها
وقال ايضا فى الدنيا جنة من دخلها لم يشتق الى الجنة قيل وما هى قال معرفة الله تعالى وهى الجنة المعنوية
قال ابو يزيد البسطامى حلاوة المعرفة الالهية خير من جنة الفردوس واعلى عليين لو فتحوا لى ابواب الجنان الثمانى واعطونى الدينا والاخرة لم تعدل انينا وقت السحر
فعلى العاقل الاجتهاد والتوجه الى الحضرة العليا والاعراض عن الدنيا والفوز بالمطلب الاعلى والمقصد الاسنى نسأل الله الدخول الى حرم الوصول

(5/101)


يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73)

{ يا ايها النبى } اعلم ان الله تعالى خاطب الانبياء عليهم السلام باسمائهم الشريفة مثل يا آدم ويا نوح ويا موسى ويا عيسى وخاطب نبينا صلى الله تعالى وسلم بالالقاب الشريفة مثل يا ايها النبى ويا ايها الرسول وذلك يدل على علو جنابه عليه السلام مع ان كثرة الالقاب والاسماء تدل على شرف المسمى ايضا
قال ابو الليث فى آخر سورة النور عند قوله تعالى { لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا } اى لا تدعوا محمدا صلى الله عليه وسلم باسمه ولكن وقروه وعظموه فقولوا يا رسول الله ويا نبى الله ويا ابا القاسم
وفى الآية بيان توقير معلم الخير فامر الله تعالى بتوقيره وتعظيمه . وفيه معرفة حق الاستاذ . وفيه معرفة حق اهل الفضل ا ه
اقول ولذا يطلق على اهل الارشاد عند ذكرهم الفاظ دالة على تعظيمهم على أى لغة كانت لانه اذا ورد النهى عن التصريح باسماء الآبا الصورية لكونه سوء ادب فما ظنك بتصريح اسماء الآباء المعنوية : والمعنى يا ايها المبلغ عن الله والمخبر أو يا صاحب علو المكانة والزلفى لان لفظ النبى ينبئ عن الانباء والارتفاع { جاهد الكفار } اى المجاهرين منهم بالسيف والجهاد عبارة عن بذل الجهد فى صرف المبطلين عن المنكر وارشادهم الموجبة للحدود ولا تجوز المحاربة معهم بالسيف لان شريعتنا تحكم بالظاهر وهم يظهرون الاسلام وينكرون الكفر { واغلظ عليهم } اى على الفريقين جميعا فى ذلك واعنف بهم ولا ترفق
هست نرمى آفت جان سمور ... وزدرشتى ميبردجان خاربشت
قال عطاء نسخت هذه الآية كل شيء من العفو والصفح لان كل وقت حكما { ومأويهم جهنم } جملة مستأنفة لبيان آجر امرهم اثر بيان عاجله { وبئس المصير } اى بئس الموضع موضعهم الذى يصيرون اليه ويرجعون . والفرق بين المرجع والمصير ان المصير يجب ان يخالف الحالة الاولى ولا كذلك المرجع فى الحديث « اوصيك بتقوى الله فانها رأس امرك » يعنى اصل الطاعة وهو الخوف من الله تعالى فان المرء لا يميل الى الطاعة ولا يرغب عن المعصية الا بالتقوى فاذا غرس شجرة التقوى فى القلب تميل اطراف الانسان الى جانب الحسنات ولا يقدم على ارتكاب السيآت « وعليك بالجهاد فانه رهبانية امتى » الرهبانية الخصال المنسوبة الى الرهبان من التعبد فى الصوامع والغيران وترك اكل اللحم والطيبات ولبس الخلل المنسوبة الى الرهبان من التعبد فى الصوامع والغيران وترك اكل اللحم والطيبات ولبس الخلل من الثياب فقد افاد النبى عليه السلام ان الثواب الذى يحصل للامم السالفة بالرهبانية يحصل لهذه الامة المرحومة بالغزو وان لم يترهبوا بل رب آكل ما يشتهيه خير من صائم نبت حب الدنيا فيه : قال السعدى قدس سره

(5/102)


خوردنه كه خيرى برآيد زدست ... به از صائم الدهر دنيا برست
قال الاوزاعى خمس كان عليها اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لزوم الجماعة وابتاع السنة وعمارة المسجد وتلاوة القرآن والجهاد فى سبيل الله وفى الحديث « افضل رجال امتى الذين يجاهدون فى سبيل الله وافضل نساء امتى اللاتى لا يخرجن من البيوت الا لامر لا بد لهن منه » وفى الحديث « اتقوا اذى المجاهدين فى سبيل الله فان الله تعالى يغضب لهم كما يغصب للرسل ويستجيب لهم كما يستجيب للرسل » وفى الحديث « اذا اخذتم اذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا الى دينكم » دل هذا على ان ترك الجهاد والاعراض عنه والسكون الى الدنيا خروج من الدين وكفى بهذا اثما وذنبا مبينا
وفى الآية اشارة الى القلب الذى نبأ من مقام الانبياء يأمره بالجهاد مع كفار النفس وصفاتها وهذا مقام المشايخ يجاهدون مع نفوسهم او نفوس مريدهم كما قال عليه السلام « الشيخ فى قومه كالنبى فى امته » قال فى المثنوى
كفت بيغمبركه شيخى رفته ببش ... جون نبى باشدميان قوم خويش
فامر بالجهاد مع كافر النفس وصفاتها بسيف الصدق فجهاد النفوس يمنعها عن شهواتها واستعمالها فى عمل الشريعة على خلاف الطبيعة والنفوس بعضها كفار لم يسلموا اى لم يستسلموا للمشايخ فى تربيتها فجهادها بالدعوة الى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة وبعضها منافقون وهم الذين ادعوا الارادة والاستسلام للمشايخ فى الظاهر ولم يعرفوا بما عاهدوا عليه فجهادها بالزامها مقاساة شدائد الرياضات فى التزكية على قانونها ممتثلة اوامر الشيخ ونواهيه ولو يرى عليها الاباء والامتناع فلا ينفعها الا التشديد والغلظة كما قال تعالى { واغلظ عليهم } فالواجب ان يبالغ فى خالفتها ومؤاخذتها فى احكام الطريقة فان فاءت الى امر الله فهو المراد والا استوجبت لما خلقت له } ومأواهم جهنم { اى مرجعهم جهنم البعد ونار القطيعة وبئس البصير مرجعهم كذا فى التأويلات النجمية
فعلى السالك ان يجاهد مع هواه اولا فان السلطان يلزم عليه ان يحارب البغاة الذين فى مملكته ثم الذين وراءهم من الكفار نسأل الله تعالى ان يقوينا وينصرنا على القوم الكافرين اياما كانوا

(5/103)


يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (74)

{ يحلفون بالله ما قالوا } -روى- ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اقام فى غزوة تبويك شهرين ينزل عليه القرآن ويعيب المنافقين المتخلفين فيسمعه من كان منهم معه عليه السلام فقال الجلاس ابن سويد منهم لئن كان ما يقول محمد حقا لاخواننا الذين خلفناهم وهم ساداتنا واشرافنا فنحن شر من الحمير فقال عامر بن قيس الانصارى للجلاس اجل والله والله ان محمدا لصادق وانت شر من الحمير فبلغ ذلك رسول الله فاستحضره فحلف بالله ما قال فرفع عامر يده فقال اللهم انزل على عبدك ونبيك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب فقال رسول الله صلى اله عليه وسلم والمؤمنون { آمين } فنزل جبريل قبل ان يتفرقوا بهذه الاية وصيغة الجمع فى قالوا مع ان القائل هو الجلاس للايذان بان بقيتهم لرضاهم بقوله صاروا بمنزلة القائل { ولقد قالوا كلمة الكفر } هى ما حكى آنفا { وكفروا بعد اسلامهم } اى واظهروا ما فى قلوبهم من الكفر بعد اظهارهم الاسلام { وهموا بمالهم ينالوا } الهم بالشيء فى اللغة مقارنته دون الوقوع فيه اى قصدوا الى ما لم يصلوا الى ذلك من قتل الرسول وذلك ان عشر منهم توافقوا عند مرجعه عليه السلام من تبوك على ان يفتكوا به فى العقبة التى هى بين تبوك والمدينة فقالوا اذا اخذ فى العقبة دفعناه عن راحلته الى الوادى فاخبر الله تعالى رسوله بذلك فلما وصل الجيش الى العقبة نادى منادى رسول الله ان رسول يريدان يسلك العقبة فلا يسلكها احد واسلكوا بطن الوادى فانه اسهل لكم واوسع فسلك الناس بطن الوادى وسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة فلما سمعوا بذلك استعدوا وتلثموا وسلكوا العقبة وامر عليه السلام عمار بن ياسر رضى الله عنه ان يأخذ بزمام الناقة يقودها وامر حذيفة بن اليمان رضى الله عنه ان يسوقها من خلفها فبينما هما كذلك اذ سمع حذيفة بوقع اخفاف الابل وبقعقعة السلاح فرجع اليهم ومعه محجن فجعل يضرب به وجوه رواحلهم وقال إليكم إليكم يا اعداء الله اى تمنعوا عن رسول الله وتنحوا فهربوا وفى رواية انه عليه السلام خرج بهم فولوا مدبرين فعلموا انه عليه السلام اطلع على مكرهم فانحطوا من العقبة مسرعين الى بطن الوادى واختلطوا بالناس فرجع حذيفة يضرب الناقة فقال عليه السلام « هل عرفت احد من الركب الذين رددتهم » قال لا كان القوم ملثمين والليلة مظلمة فلما صبح رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء اليه اسيد بن حفير رضى الله عنه فقال يا رسول الله ما منعك البارحة من سلوك الوادى فقد كان اسهل من سلوك العقبة فقال « أتدرى ما اراد المنافقون »

(5/104)


وذكر له القصة فقال يا رسول الله قد نزل الناس واجتمعوا فمر كل بطن ان يقتل الرجل الذى هم بهذا فان احببت بين باسائهم والذى بعثك بالحق لا ابرح حتى آتيك برؤسهم فقال « انى اكره ان يقول الناس ان محمدا قالتل بقوم حتى اذا اظهره الله بهم اقبل عليهم يقتلهم » فقال يا رسول الله هؤلاء ليسوا باصحاب فقال عليه السلام « أليس يظهرون الشهادة » ودعا عليهم رسول الله فقال « اللهم ارمهم بالدبيلة » وهى سراج من نار يظهر بين اكتافهم حتى ينجم من صدورهم . وفى لفظ شهاب من نار يقع على نياط قلب احدهم فيهلكه { وما نقموا } قال فى القاموس نقمك الامر كرهه اى وما كرهوا وما عابوا وما انكروا شيأ من الاشياء { الا ان اغناهم الله ورسوله من فضله } سبحانه وتعالى وذلك انهم كانوا حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فى غاية ما يكون من شدة العيش لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة فآثروا بالغنائم اى استغنوا وكثرت اموالهم وقتل للجلاس مولى فامر رسول الله بديته اثنى عشر الف درهم فاستغنى
قال سعدى جلبى يجوز ان يكون زيادة الالفين شنقا اى تكرما لانهم كانوا يعطون الدية ويتكرمون بزيادة عليها ويسمونها شنقا انتهى
وهذا الكلام من قبيل قولهم مالى عندك ذنب الا احسانى اليك اى ان كان ثمة ذنب فهذا هو تهكم بهم وتوبيخ وقيل الضمير فى اغناهم للمؤمنين اى غاظهم اغناؤه للمؤمنين كذا قال ابن عبد السلام { فان يتوبوا } عماهم عليه من الكفرة والنفاق { يك } ذلك التوب { خيرا لهم } فى الدارين قيل لما تلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جلاس يا رسول الله لقد عرض الله على التوبة والله لقد قبلت وصدق عامر بن قيس فتاب جلاس وحسنت توبته { وان يتولوا } اى استمروا على ما كانوا عليه من التولى والاعراض عن الدين { يعذبهم الله عذابا اليما فى الدنيا } بالقتل والاسر والنهب وغير ذلك من فنون العقوبات { والآخرة } بالنار وغيرها من افانين العقاب { وما لهم فى الارض } مع سعتها وتباعد اقطارها وكثرة اهلها المصححة لوجدان ما نفى بقوله تعالى { من ولى } [ دوستى كه دست كيرد ] { ولا نصير } [ ونه يارى كه عذاب ايسان باز دارد ] اى ينقذهم من العذاب بالشفاعة والمدافعة فاعاصى لا ينجو من الذعاب وان كان سلطانا ذا منعة الا بالاستغفار من الذنوب واخلاص التوحيد والتوجه0 الى علام الغيوب -حكى- عن محمد بن جعفر انه قال كنت مع الخليفة فى زورق فقال الخليفة انا واحد وربى واحد فقلت له اسكت يا امير المؤمنين لو قلت ما قلت مرة اخرى لنغرق جميعا قال لم قلت لانك لست بواحد انما انت اثنان الروح والجسد من الاثنين الاب والام فى الاثنين والنهار بالاثنين الطعام والشراب مع الاثنين الفقر والعجز والواحد هو الله الذى لا اله الا هو
وقال حكيم لاصحاب الجنة ثلاثة اشياء يدخلون بها الجنة قوله لا اله الا الله محمد رسول الله والاستغفار من الذنوب والندم عليها وتحميد الله تعالى فى الدنيا وان اول ما يقولون اذا دخلوا الجنة الحمد لله الذى اذهب عنا الحزن الى حزن القبر والكتاب والنيران ان ربنا لغفور للذنوب والمعصية شكور لقليل العمل والطاعة وفى الحديث

(5/105)


« امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله » قال المولى الجامى قدس سره
دلت آيينه خداى نماست ... روى آيينه توتيره جراست
صيقلى زار صيقلى ميزن ... باشد آيينه آت شود روشن
صيقل آن اركنه آكاه ... نيست جز لا اله الا الله
وفى قوله { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد اسلامهم } اشارة الى ان بعض المريدين عند استيلاء النفوس وغلبة هواها وظفر الشيطان بهم شأنهم ان ينكروا على مشايخهم ويقولا فى حقهم كلمة الكفر اى كلمة الانكار والاعتراض ويعرضوا عنهم بقلوبهم بعد الارادة والاستسلام فاذا وقف المشايخ على احوال ضمائرهم وخلل الارادة فى سرائرهم { يحلفون بالله } انهم { قالوا } وما انكروا { وهموا بما لم ينالوا } يعنى وهم بعضهم ان يثبت لنفسه مرتبة الشيخوخة قبل اوانها ويظهر الدعوة الى نفسه وان لم ينلها { وما نقموا الا ان اعنيهم الله ورسوله من فضله } اى وما انكروا على الشيخ وخرجوا من امره الا كون الشيخ غنى بلبان فضل الله عن حلمة الولاية ليروا آثار الرشد على انفسهم فلم يحتلموا لضيق حوصلة الهمة فزين لهم الشيطان سوء اعمالهم فاصمهم بذلك واعمى ابصارهم { فان يتوبوا } يرجعوا الى ولاية الشيخ بطريق الالتجاء { يك خيرا لهم } بان يتخلصوا من غير الولاية وردها فانها مهلكة ويتمسكوا بحبل الارادة فانها منجية { وان يتولوا } اى يعرضوا عن ولاية الشيخ { يعذبهم الله عذابا اليما فى الدنيا والآخرة } بعد الولاية فان مرتد الطريقة اعظم ذنبا من مرتد الشريعة
قال الجنيد لو اقبل صديق على الله الف سنة ثم اعرض عنه لحظة فان ما فاته اكثر مما ناله فاما عذابه فى الدنيا فبسلب الصدق والرد على باب الطلب وارخاء الحجاب وذله وتقوية الهوى وتبديل الاخلاص بالرياء والحرص على الدنيا وطلب الرفعة والجاه واما عذابه فى الآخرة فباشتعال نيران الحسرة والندامة على قلبه المعذب بنار القطيعة وهى نار الله الموقدة التى تطلع على الافئدة روما لهم فى الارض من ولى ولا نصير } يشير الى ان من ابتلى برد ولاية شيخ كامل ولو امتلأت الارض بالمشايخ وارباب الولاية وهو يتمسك بذيل ارادتهم غير ان شيخه رده لا يمكن لاحدهم اعانته واخراجه من ورطة الرد الا ما شاء الله كما فى التأويلات النجمية

(5/106)


وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76)

{ ومنهم } اى من المنافقين { من عاهد الله } المعاهدة المعاقدة واليمين { لئن آتينا } اى الله تعالى { من فضله } [ از فضل خود مالى ] { لنصدقن } اى لنؤتين الزكاة وغيرها من الصدقات واصله لنتصدقن ادغمت التاء فى الصاد والمتصدق معطى الصدقة وسميت صدقة لدلالتها على صدق العبد فى العبودية { ولنكونن من الصالحين } قال ابن عباس رضى الله عنهما يريد الحج نزلت فى ثعلبة بن حاطب الانصارى كان ملازما لمسجد رسول الله ليلا ونهارا وكان يلقب لذلك حمامة المسجد وكانت جبهته كركبة البعير من كثرة السجود على الارض والحجارة المحماة بالشمس ثم جعل يخرج من المسجد كلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفجر بالجماعة من غير لبث واشتغال بالدعاء فقال له عليه السلام يوما « مالك صرت تعمل عمل المنافقين بتعجيل الخروج » فقال يا رسول الله انى فى غاية الفقر بحيث لى ولامرأتى ثوب واحد وهو الذى على وانا اصلى فيه وهى عريانة فى البيت ثم اعود اليها فانزعه وهى تلبسه فتصلى فيه فادع الله ان يرزقنى مالا فقال عليه السلام « ويحك يا ثعلبة » وهى كلمة عذاب وقيل كلمة شفقة « قيل تؤدى شكره خير من كثير لا تطيقه » فراجعه فقال عليه السلام « اما ترضى ان تكون مثل نبى الله فوالذى نفسى بيده لو شئت ان تسير معى الجبال ذهبا وفضة لسارت » واشار الى علم الكيمياء « ولكن اعرف ان الدنيا حظ من لا حظ له وبها يغتر من لا عقل له » فراجعه وقال يا رسول الله والذى بعثك بالحق نبيا لو دعوت الله ان يرزقنى مالا لاؤدين كل ذى حق حقه فقال عليه السلام « اللهم ارزق ثعلبا مالا » ثلاث مرات فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت بها ازقة المدينة فنزل واديا حتى فاتته الجماعة لا يصلى بالجماعة الا الظهر والعصر فنمت وكثرت فتنحى مكانا بعيد حتى انقطع عن الجماعة والجمعة فسأل عنه رسول الله فقيل كثر ماله حتى لا يسعه وادٍ اى وادٍ واحد بل يسعه اودية وصحارى فخرج بعيدا فقال عليه السلام « يا ويح ثعلبة » فلما نزل قوله تعالى { خذ من اموالهم صدقة } استعمل النبى عليه السلام رجلين على الصدقات رجلا من الانصار ورجلا من بنى سليم وكتب له الصدقة واسنانها وامرهما ان يأخذاها من الناس فاستقبلهما بصدقاتهم ومرا بثعلبة فسألاه الصدقة وارآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الفرائض فقال ما هذه الا جزية ما هذه الا جزية ما هذه الا اخت الجزية وقال ارجعا حتى أرى رأيى وذلك قوله تعالى { فلما آتيهم } الله تعالى المال { من فضله } وكرمه { بخلوا به } اى منعوا حق الله منه { وتولوا } اى اعرضوا عن طاعة الله والعهد معه { وهم معرضون } وهو قوم عادتهم الاعراض فلما رجعا قال لهما رسول الله قبل ان يكلماه

(5/107)


« يا ويح ثعلبة » مرتين فنزلت فركب عمر رضى الله عنه راحلته ومضى الى ثعلبة وقال ويحك يا ثعلبة هلكت قد انزل الله فيك كذا وكذا فجاء ثعلبة بالصدقة فقال عليه السلام « ان الله منعنى ان اقبل منك » فجعل يحثو التراب على رأسه لا لانه تاب عن النفاق بل للحوق العار من عدم قبول زكاته مع المسلمين فقال عليه السلام « هذا » اى عدم قبول صدقتك « عملك » اى جزاء عملك اراد قوه هذه جزية امرتك فلم تطعنى فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بها الى ابى بكر رضى الله عنه فلم يقبلها ثم جاء بها الى عمر رضى الله عنه فى خلافته فلم يقبلها وهلك فى خلافة عثمان رضى الله عنه
قال الحدادى لم يقبل منه عثمان صدقته انتهى

(5/108)


فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77)

{ فاعقبهم } اى جعل الله عاقبة فعلهم ذلك فالمعنى على تقدير المضاف اى اعقب فعلهم { نفاقا } راسخا { فى قلوبهم } وسوء اعتقاد يقال اعقبه الله خيرا اى صير عاقبة امره ذلك خيرا ويقال اكلت سمكة واعقبتنى سقما اى صيرت تلك الاكلة او السمكة عاقبة امرها سقما { الى يوم يلقونه } اى الى يوم موتهم الذى يلقون الله عنده دل على تأييد نفاقهم وان البخل ومنع حق الله تعالى مما اعطاه اياه يؤدى الى ان يكون وهو منافق ولا يثبت له حكم الاسلام أبدا نعوذ بالله كابليس ترك امرا واحدا فطرده عن بابه وضرب وجهه بعبادته ثمانين الف سنة ولعنه الى يوم الدين واعدله عذابا اليما أبدا الآبدين : قال الحافظ
زاهد أيمن مشو ازبازئ غيرت زنهار ... كه ره از صو معه تادير مغان اين همه نيست
{ ربما اخلفوا الله ما وعدوه } بسبب اخلافهم ما وعدوه من التصدق والصلاح { وربما كانوا يكذبون } اى لكونهم مستمرين على الكذب فى جميع المقالات التى من جملتها وعدهم المذكور

(5/109)


أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78)

{ ألم يعلموا } اى من عاهدوا الله الاستفهام للتقرير اى قد علموا { ان الله يعلم سرهم } اى ما اسروه فى انفسهم من العزم على الاهلاف ولم يتكلموا به سرا ولا جهرا { ونجواهم } وما يتناجون به فيما بينهم من تسمية الزكاة جزية وغير ذلك ممالا خير فيه . والتتاجى [ بايكديكر راز كردن ] يقال نجاه نجوى وناجاه مناجاة ساره والنجوى السر كالنجى { وان الله علام الغيوب } فلا يخفى عليه شيء من الاشياء فكيف يجترئون على ما هم عليه من النفاق والعزم على الاخلاف
مكن انديشه عصيان جو ميدانى كه ميداند ... مبين در روى اين وآن جوميدانى كه مى بيند
وفى الآيات اشارات
منها ان من نذر نذرا فيه قربة نحو ان يقول ان رزقنى الله الف درهم فعلى ان تصدق بخمسائة لزمه الوفاء به ومن نذر ما ليس بقربة او بمعصية كقوله نذرت ان ادخل الدار او قال لله ان اقتل فلانا اليوم فحنث يلزمه الكفارة وهى عتق رقبة او اطعام عشرة مساكين او كسوتهم فالواجب واحد من هذه الثلاثة والعبد مخير فيه فان عجز عن احد هذه الاشياء الثلاثة صام ثلاثة ايام متتابعات وان علق النذر بشرط يريد وجوده نحو ان يقول ان قدم فلان او ان قدمت من سفرى او ان شفى الله من مريضى او قضى دينى فلله على صيام او صدقة او ان ملكت عبدا او هذا العبد فعلى ان اعتقه يلزمه الوفاء بما نذر لانه نذر بصيغة وليس فيه معنى اليمين وان علقه بشرط لا يريد وجوده كقوله ان كلمت فلانا او دخلت الدار فعلى صوم سنة يجزئه كفارة يمين والمنذور اذا كان له اصل فى الفروض اى واجب من جنسه لزم الناذر كالصوم والصلاة والصدقة والاعتكاف وما لا اصل له فى الفروض فلا يلزم الناذر كعيادة المريض وتشييع الجنازة ودخول المسجد وبناء القنطرة والرباط والسقاية وقرآة القرآن ونحوها والاصل فيه ان ايجاب العبد معتبر بايجاب الله تعالى تحصيلا للمصلحة المعلقة بالنذر والنذر المعلق لا يختص بزمان ومكان ودرهم وفقير بخلاف النعلق فلو قال الناذر على ان اتصدق فى هذا اليوم بهذا الدرهم على هذا الفقير فتصدق غدا بدرهم آخر على غيره اجزأه عندنا ولا يجزئه عند زفر
واعلم ان المساجد الثلاثة المسجد الحرام ومسجد الرسول والمسجد الاقصى لكونها ابنية الانبياء عليهم السلام لها فضيلة تامة ولهذا اقل الفقهاء لو نذر ان يصلى فى احد هذه الثلاثة تعين بخلاف سائر المساجد فان من نذر ان يصلى فى احدهما له ان يصلى فى الآخر
ومنها ان النفاق عبادة عن التكذب وخلف الوعد والخيانة الى ما ائتمن كما ان الايمان عبارة عن الصدق وملازمة الطاعة لان الله تعالى خلق الصدق فظهر من ظله الايمان وخلق الكذب فظهر من ظله الكفر والنفاق وفى الحديث

(5/110)


« ثلاثة من كن فيه فهو منافق وان صام وصلى وزعم انه مسلم اذا حدث كذب واذا وعد اخلف واذا ائتمن خان » يعنى من يحدث عالما بانه كذب وتعهد عازما على عدم الوفاء وينتظر الامانة للخيانة ولعل هذا يكون فى حق من اعتاد بهذه الخصال لا فى حق من ندرت منه كما هو مذهب البخارى وبعض العلما ومذهب الجمهور على ان هذه الخصال خصال المنافقين وصاحبها شبيه لهم فاطلاق اسم المنافق عليه على سبيل التجوز تغليظا كما ان الله تعالى قال ومن كفر مكان ومن لم يحج لكمال قبحه
قال صاحب التحفة ليس الغرض ان آية المافق محصورة فى الثلاث بل من ابطن خلاف ما اظهر فهو من المنافقين
واعلم ان المنافقين صنفان صنف معلنوا الاسلام ومسروه فى بدء الامر وذلك لغلبة صفات النفاق وقوتها فى النفس معلنوا الاسلام ومسروه فى بدء الامر الى ان استعملوا هذه الصفات المستكنة فى النفس فيظهر بالفعل كما كان بالقوة وذلك لضعفها فى النفس فيعقبهم النفاق الى الابد بالشكوك الواقعة فى قلوبهم وهم عن هذا النوع من النفاق غافلون وهم يصومون ويصلون ويزعمون انهم مسلمون
قال عمر بن عبد العزيز لو جاءت كل امة بمنافقيها وجئنا بالحجاج فضلناهم
يقول الفقير سامه الله القدير هذا الكلام بالنسبة الى ذلك الوقت ولو انه رأى وزراء آل عثمان ووكلاءهم فى هذا الزمان لوجدهم ارجح من كل منافق لانه بلغ نفاقهم الى حيث اخذوا الرشوة من الكفار ليسامحوهم فى مقاتلتهم ومحاربتهم خذلهم الله ومردهم
ومنها ذم البخل والحرص على الدنيا وفى الحديث « ثلاثة لا يحبهم الله ورسوله وهم فى لعنة الله والملائكة والناس اجمعين البخيل والمتكبر والاكول » وفى الحديث « ويل للاغنياء من الفقراء يوم القيامة يقولون ربنا ظلمونا حقوقنا التى فرضت لنا عليهم فيقول الله تعالى بعزتى وجلالى لأبعدنهم ولأقربنكم » قال الحافظ
كنج قارون كه فروميرود از قهر هنوز ... خوانده باشى كه هم ازغيرت درويشانست
وفى الحديث « ما جبل ولى لله الا على السخاء » واجود الاجواد هو الله تعالى ألا ترى انه كيف خلع خلعة الوجود على عامة الكائنات مجانا وانعم عليهم انواع النعم الظاهرة والباطنة اى حيث منع الخلق عن المهالك كالشهوات لا بخلا بل شوقا الى اللذات الباقية

(5/111)


الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)

{ الذين } رفع على الذم اى المنافقون هم الذين { يلمزون } قال فى القاموس اللمز العيب والاشارة بالعين ونحوها اى يعيبون ويغتابون { المطوعين } اى المتطوعين المتنقلين { من المؤمنين } حال من المطوعين { فى الصدقات } متعلق بيلمزون -روى- ان النبى صلى الله عليه وسلم فى تجهيز العسكر فكان اول من جاء بالصدقة ابو بكر الصديق رضى الله عنه جاء بجميع ماله اربعة آلاف درهم فقال له رسول الله « هل ابقيت لاهلك شيأ » قال أبقيت لهم الله ورسوله وجاء عمر بن الخطاب رضى الله عنه بنصف مالع فقال عليه السلام « هل ابقيت لاهلك شيأ » قال النصف الثانى فقال « ما بينكما ما بين كلاميكما » ومنه يعرف فضل ابى بكر على عمر رضى عنه وانفق عثمان بن عفان رضى الله عنه نفقة عظيمة لم ينفق احد مثلها فانه جهز عشرة آلاف وانفق عليها عشرة آلاف دينار وصب فى حجر النبى عليه السلام الف دينار واعطى ثلاثمائة بعير باحلاسها واقتابها وخمسين فرسا وعند ذلك قال صلى الله عليه وسلم « اللهم ارض عن عثمان فانى عنه راض » وفى الحديث « سألت ربى ان لا يدخل النار من صاهرته او صاهرنى » وقد كان عليه السلام زوج بنته رقية من عثمان فماتت بعد ما خرج رسول الله الى بدر فلما رجع من بدر زوجه تم كلثوم ولذا سمى عثمان بذى النورين ولما ماتت ام كلثو قال عليه السلام « لو كان عندى ثالثة لزوجتكما » وجاء عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه باربعة آلاف درهم فقال عليه السلام « بارك الله لك فيما امسكت وفيما اعطيت » فبارك الله له حتى بلغ ماله حين مات وصولحت احدى نسائه الاربع عن ربع ثمنها على ثمانين الف درهم ونيف فكان ثمن ماله اكث رمن ثلاثمائة الف وعشرين الفا وفى رواية جاء باربعين اوقية من ذهب ومن ثمة قيل عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف كانا خزانتين من خزئان الله فى الارض ينفقان فى طاعة الله تعالى وجاء العباس بمال كثير وكذا طلحة وتصدق عاصم بن عدى بمائة وسق من تمر والوسق ستون صاعا بصاع النبى عليه السلام وهو اربعة امداد وكل مد رطل وثلث رطل بالبغدادى عند ابى يوسف والشافعى والرطل مائة وثلاثون درهما وعند ابى حنيفة كل مد رطلا وبعثت النساء بكل ما يقدرون عليه من حليهن وجاء ابو عقيل الانصارى بصاع من تمر وقال يا رسول الله بت ليلتى كلها اجر بالجرير على صاعين اما احدهما فامسكته لعيالى واما الآخر فاقرضته ربى فامره رسول الله ان ينثره فى الصدقات فطعن فيهم المنافقون وقالوا ما اعطى عبد الرحمن وعاصم الارياء وسمعة وان ابا عقيل جاء ليذكر بنفسه ويعطى من الصدقة باكثر مما جاء به وان الله لغنى عن صاع ابى عقيل فانزل الله هذه الآية { والذين لا يجدون الا جهدهم } عطف على المطوعين اى ويلمزون الذين لا يجدون الا طاقتهم من الصدقة

(5/112)


قال الحدادى عابوا المكثر بالرياء والمقل بالاقلال يقال الجهد بالفتح المشقة والجهد بالضم الطاقة وقيل الجهد فى العمل والجهد فى القوة { فيسخرون منهم } عطف على يلمزون اى يستهزئون بهم والمراد بهم الفريق الاخير كابى عقيل { سخر الله منهم } اى جازاهم على سخريتهم فيكون تسمية جزاء السخرية سخرية من قبيل المشاكلة لوقوعه فى صحبة قوله فيسخرون منهم { ولهم } اى ثابت لهم { عذاب اليم } على كفرهم ونفاقهم
اى كه دارد نفاق اندر دل ... خاز بادش خليده اندر حلق
هركه سازد نفاق بيشه خويش ... خوار كرددبنزد خالق وخلق
قال الحدادى ولما نزلت هذه الآية اتى المنافقون الى رسول الله وقالوا يا رسول الله استغفر لنا فكان عليه السلام يستغفر لقوم منهم على ظاهر الاسلام من غير علم منه بنفاقهم وكان اذا مات احد منهم يسألون رسول الله الدعاء والاستغفار لميتهم فكان يستغفر لهم على انهم مسلمون فاعلمه الله انهم منافقون واخبر ان استغفاره لا ينفعهم فذلك قوله تعالى { استغفر لهم او لا تستغفر لهم } خرج الكلام مخرج الامر ومعناه الشرط اى ان شئت استغفر لهم وان شئت لا تستغفر فالامران متساويان فى عدم النفع الذى هو المغفرة والرحمة { ان تستغفر لهم سبعين مرة } قوله مرة انتصب على المصدر اى سبعين استغفارة او على الظرف اى سبعين وقتا وتخصيص السبعين بالذكر لتأكيد نفى المغفرة لان الشئ اذا بولغ فى وصفع اكد بالسبع والسبعين وهذا كما يقول القائل لو سألتنى حاجتك سبعين مرة لم اقضها لا يريد انه اذا امتناع المغفرة لهم ولو بعد المبالغة فى الاستغفار ليس لعدم الاعتداد باستغفارك بل { بانهم } اى بسبب انهم { كفروا بالله ورسوله } اى كفرا متجاوزا عن الحد كما يلوح وصفهم بالفسق فى قوله تعالى { والله لا يهدى القوم الفاسقين } فان الفسق فى كل شئ عبارة عن التمرد والتجاوز عن حدوده اى لا يهديهم هداية موصلة الى المقصد البتة لمخالفة ذلك للحكمة التى عليها يدور فلك التكوين والتشريع . واما الهداية بمعنى الدلالة على ما يوصل اليه فهى متحققة لا محالة ولكنهم بسوء اختيارهم لم يقبلوها فوقعوا فيما وقعوا
وفيه اشارة الى ان استغفار النبى عليه السلام لاحد من غير استغفاره لنفسه لا ينفعه فاليأس من المغفرة وعدم قبول استغفاره ليس لبخل من الله ولا لقصور فى النبى عليه الصلاة والسلام بل لعدم قابليتهم بسبب الكفر الصارف عنها كما قال المولى جلال الدين فى شرح الهياكل المحال لا يدخل تحت قدرة قادر ولا يلزم من ذلك النقص فى القادر بل النقص فى المحال حيث لا يصلح لتعلق القدرة انتهى ومنه يعرف معنى قول العرفى الشيرازى

(5/113)


ذات تو قادرست بايجاد هرمحال ... الا بآفريدن جون تو يكانه
وفى عبارته سوء ادب كما لا يخفى
واعلم ان من كفرهم وفسقهم سخريتهم فى امر الصدقات ولو كان لهم ايمان واصلاح لبالغوا فى الانفاق وجدوا فى البذل كالمخلصين
وفى التاويلات النجمية قلب المؤمن منور بالايمان وروحه متوجه الى الحق تعالى فالحق يؤيد ؤوحه بتأييد نظر العناية وتوفيق العبودية فيسطع من الروح نور روحانى مؤيد بنور ربانى فتنبعث منه الخواطر الرحمانية الداعية الى الله تعالى باعمال موجبة للقربة من الفرائض والنوافل فتارة تكون الاعمال بدنية كالصوم والصلاة وتارة تكون تلك الاعمال مالية كالزكاة والصدقة فيتطوع بالصدقة فضلا عن الزكاة وفى الحديث « ان النافلة هدية المؤمن الى ربه فليحسن احدكم هديته وليطيبها » وقلب المنافق مظلم بظلمات صفات النفس لعدم نور الايمان وروحه متوجه الى الدنيا وزخارفها بتبعية النفس الامارة بالسوء مطرود بالخذلان لان قرينه الشيطان فبتأثير الخذلان ومقارنة الشيطان يصعد من النفس ظلمة نفسانية تمنع القلب من قبول الدعوة واجابة الرسل واتباع الاوامر واجتناب النواهى بالصدق وتنبعث منه الخواطر الظلمانية النفسانية وبذلك يمتنع عن اداء الفرائض فضلا عن النوافل والتطوعات ويهزأ بمن يفعل ذلك -روى- ان داود عليه السلام سأل ربه ان يريه الميزان فاراه الله فى المنام فلما رأى عظمته غشى عليه فلما افاق قال الهى من الذى يقدر ان يملأ كفته من الحسنات فقال يا داود انى اذا رضيت عن عبدى املأها بتمرة -وروى- ان الحسن مر به نخاس ومعه جارية جميلة فقال للنخاس أترضى فى ثمنها بدرهم او درهمين قال لا قال فاذهب فان الله يرضى فى الحور العين بالفلس والفلسين : قال السعدى قدس سره
بدنيا توانى كع عقبى خرى ... بخرجان من ورنه حسرت خورى
واعلم ان النوافل مقبولة بعد اداء الفرائض والا فهى من علامات اهل الهوى

(5/114)


فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81)

{ فرح المخلفون } المخلف ما يتركه الانسان خلفه والمتخلف الذىىتأخر بنفسه والمراد المنافقون الذين خلفهم النبى عليه السلام بالمدينة حين الخروج الى غزوة تبوك بالاذن لهم فى القعود عند استئذانهم { بمقعدهم } مصدر ميمى بمعنى القعود متعلق بفرح اى بقعودهم وتخلفهم عن الغزو { خلاف رسول الله } ظرف للمصدر اى خلفه وبعد خروجه حيث خرج ولم يخرجوا فالخرف بمعنى خلف كما فى قوله تعالى { واذا لا يلبثون خلافك الا قليلا } يقال اقام زيد خلاف القوم اى تخلف عنهم بعد ذهابهم ظعن لو لم يظعن ويجوز ان يكون بمعنى المخالفة فيكون انتصابه على العلة اى فرحوا لاجل مخالفتهم اياه عليه السلام بان مضى هو للجهاد وتخلفوا عنه { وكرهوا ان يجاهدوا باموالهم وانفسهم فى سبيل الله } ايثارا للدعة والخفض اى الراحة وسعة العيش على طاعة الله مع ما فى قلوبهم من الكفر والنفاق . وفى ذكر الكراهة بعد الفرح الدال عليها تعريض بالمؤمنين الذين بذلوا اموالهم وانفسهم فى سبيل الله وآثروا تحصيل رضاه تعالى وفى قوله كرهوا مقابلة معنوية مع فرح لان الفرح من ثمرات المحبة { وقالوا } اى قال بعضهم لبعض تثبيتا لهم التخلف والقعود وتواصيا فيما بينهم بالشر والفساد او قالوا للمؤمنين تثبيطا لهم عن الجهاد ونهيا لهم عن المعروف فقد جمعوا ثلاث خصال من خصال الكفر والضلال الفرح بالقعود وكراهة الجهاد ونهى الغير عن ذلك { لا تنفروا } اى لا تخرجوا { فى الحر } فانه لا تستطاع شدته وكانوا دعوا الى غزوة تبوك فى وقت نضج الرطب وهو اشد ما يكون من الحر وقول عروة بن الزبير ان خروجه عليه السلام لتبوك كان فى زمن الخريف لا ينافى وجود الحر فى ذلك الزمن لان اوائل الخريف وهو الميزان يكون فيه الحر
وكان ممن تخلف عن مسيره معه صلى الله عليه وسلم ابو خثيمة ولما سار عليه السلام اياما دخل ابو خثيمة على اهله فى يوم حار فوجد امرأتين فى عريشتين لهما فى حائط قد رشت كل منهما عريشتها وبردت فيها ماء وهيأت طعاما فلما دخل تظر الى امرأتيه وما صنعتا فقال رضى الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحر وابو خثيمة فى ظل وماء بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء ما هذا بالنصف ثم قال والله لا ادخل عريشة واحدة منكما حتى ألحق برسول الله حتى ادركه : قال الحافظ
ملوم از همر هان بودن طريق ماردانى نيست ... بكش دشوارى منزل بياد عهد آسانى
وقال
مقام عيش ميسر نميشود بى رنج ... بلى بحكم بلابسته اند حكم الست
وقال
من ازديار حبيبم نه ازديار غريب ... مهيمنا بعزيزان خودرسان باشم
{ قل } ردا عليهم وتجهيلا { نار جهنم اشد حرا } من هذا الحر وقد آثرتمونا بهذه المخالفة فما لكم لا تحذرونها { لو كانوا يفقهون } اى يعلمون انها كذلك لما خالفوا وفى الحديث

(5/115)


« ان ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من اجزاء نار جهنم » وبيانه انه لو جمع حطب الدنيا فاوقد كله حتى صار نارا لكان الجزء الواحد من اجزاء نار جهنم الذى هو من سبعين جزأ اشد من حر نار الدنيا
وفى الخبر لما اهبط آدم عليه السلام مضى جبرائيل الى مالك واخذ منه جمرة لآدم فلما تناولها احرقت كفة فقال ما هذه يا جبرائيل قال جمرة من جهنم غسلتها سبعين مرة ثم آتيتها اليك فالق عليها الحطب واخبز وكل ثم بكى آدم وقال كيف « تقوى اولادى على حرها فقال له جبرائيل ليس لها على اولادك المطيعين من سبيل كما ورد فى الحديث تقول جهنم للمؤمن جز يا مؤمن فقد اطفأ نورك لهبى » ومن كان مع الله لا يحرقه شئ ألا ترى الى حال النبى عليه السلام ليلة المعراج كيف تجاوز عن كرة الاثير ولم يحترق منه شعر وكانت النار بردا وسلاما على ابراهيم عليه السلام

(5/116)


فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82)

{ فليضحكوا } ضحكا { قليلا } فى الدنيا وهو اشارة الى مدة العمر وعمر الدنيا قليل فكيف عمر من فى الدنيا فانه اقل من القليل { وليبكوا } بكاء { كثيرا } فى الآخرة فى النار { جزاء } مفعول له للفعل الثانى اى ليبكوا جزاء { بما كانوا يكسبون } من فنون المعاصى وهذا لفظ امر ومعناه خبر اى يضحكون قليلا ويبكون دائما وانما اخرج فى صورة الامر للدلالة على تختم وقوع المخبر به فان امر الآمر المطاع مما لا يكاد يتخلف عند المأمور به -يروى- ان اهل النفاق يبكون فى النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم وفى الحديث « يرسل الله البكاء على اهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع ثم يبكون الدم حتى ترى وجوههم كهيئة الاخدود » ويجوز ان يكون الضحك كناية عن الفرح والبكاء عن الغم وان تكون القلة عبارة عن العدم والكثرة عن الدوام : يعنى [ فردا ايشانرا غمى باشد بى فرح واندوهى بى سرور ] فيكون وقت الضحك والبكاء فى الآخرة . ويجوز ان يكون وقتهما فى الدنيا اى هم لما هم عليه من الخطر مع رسول الله وسوء الحال بحيث ينبغى ان يكون ضحكهم قليلا وبكاؤهم من اجل ذلك كثيرا نحو قوله عليه السلام لامته « لو تعلمون ما اعلم لبكيتم كثيرا وضحكتم قليلا » قال ابن عمر رضى الله عنهما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فاذا قوم يتحدثون ويضحكون فوقف وسلم عليهم فقال « اكثروا ذكرها ذم اللذات » قلنا وماها ذم اللذات قال « الموت » قال الصائب
برغفلت سياه دلان خنده ميزند ... غافل مشوز خنده داندن نماى صبح
ومر الحسن البصرى بشاب وهو يضحك فقال له يا بنى هل مررت على الصراط فقال لا فقال هل تدرى الى الجنة تصير ام الى النار فقال لا فقال ففيم هذا الضحك فما رؤى الفتى بعد ذلك يضحك -قيل- لما فارق موسى الخضر عليهما السلام قال اياك واللجاجة ولا تكن مشاء الا لحاجة ولا ضحاكا من غير ععجب كان وابك على خطيئتك يا ابن عمران
قال محمد بن واسع اذا رأيت رجلا فى الجنة يبكى ألست تنعجب من بكائه قال بلى قال فالذى يضحك فى الدنيا ولا يدرى الى م يصير هو اعجب منه
وعن وهيب بن منبه انه قال ان زكريا عليهه السلام فقد ابنه يحيى عليه السلام فوجده مضطجعا على قبر يبكى فقال يا بننى ما هذا البكاء قال اخبرتنى امى ان جبرل اخبرك ان بين الجنة والنار مفازة ذات لهب لا يطفئ حرها الا الدمع فقال زكريا ابك يا بنى ابك
وعن كعب الاحبار انه قال ان العبد لا يبكى حتى يبعث الله اليه ملكا فيمسح كبده بجناحه فاذا فعل ذلك بكى

(5/117)


وعن انس قال ثلاثة اعين لا تمسها النار عين فقئت قى سبيل الله وعين باتى تحرس فى سبيل الله وعين دمعت من خشية الله
وفى الحديث « لان ادمع دمعة من خشية الله احب الى من ان تصدق بالف دينار » وفى التوراة يا ابن آدم اذا دمعت عيناك فلا تمسح الدموع بثوبك ولكن امسحها بكفك فانها رحمة
قال العلماء البكاء على عشرة انواع . بكاء فرح . وبكاء حزن . وبكاء رحمة . وبكاء خوف مما يحصل . وبكاء كذب كبكاء النائحة لانها تبكى لشجو غيرها وجاء « تخرج النائحة من قبرها يوم القيامة شعثاء غبراء عليها جلباب من لعنة من ودرع من جرب وضعت يدها على رأسها تقول واويلاه وتنبح كما ينبح الكلب » وبكاء موافقة بان يرى جماعة يبكون فيبكى مع عدم علمه بالسبب . وبكاء المحبة والشوق . وبكاء الجزع من حصول ألم لا يحتمله . وبكاء الجور والضعف . وبكاء النفاق وهو ان تدمع العين والقلب قاس
واما التباكى فهو تكلف البكاء وهو نوعان محمود ومذمة . والاول ما يكون لاستجلاب رقة القلب . والثانى ما يكون لاجل الرياء والسمعة كما فى انسان العيون
والحاصل ان طالب الآخرة ينبغى له تقليل الضحك وتكثير البكاء ولا يغفل عن الموت ولقاء الجزاء فلنه كم ضاحك وكفنه عند القصار : قال الحافظ
ديد آن قهقهه كبك خرامان حافظ ... كه زسر نيجه شاهين قضا غافل بود

(5/118)


فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83)

{ فان رجعك الله } من الرجع المتعدى دون الرجوع اللازم يقول رجع رجوعا اى انصرف ورجع الشئ عن الشئ اى صرفه ورده كارجعه . والمعنى ردك الله من غزوة تبوك { الى طائفة منهم } الطائفة من الشئ القطعة منه وضمير منهم الى المنافقين المتخلفين فى المدينة دون المتخلفين مطلقا منافقا كان او مخلصا فان تخلف بعضهم انما كان لعذر عائق مع الاسلام او الى من بقى من المنافقين لان منهم من مات ومنهم من غاب عن البلد ومنهم من تاب ومن لم يستأذن وعن قتادة انهم كانوا اثنى عشر رجلا قيل فهم ما قيل { فاستأذنوك للخروج } معك الى غزوة اخرى بعد غزوتك هذه وهى تبوك { فقل لن تخرجوا معى ابدا } اى لا تأذن لهم بحال وهو اخبار فى معنى النهى للمبالغة وكذا قوله { ولن تقاتلوا معى عدوا } من الاعداء { انكم } تعليل لما سلف اى لانكم { رضيتم بالقعود } اى من الغزو وفرحتم بذلك { اول مرة } هى الخرجة الى غزوة تبوك وتذكير اسم التفضيل المصاف الى المؤنث هو الاكثر الدائر على الالسنة فانك لا تكاد تسمع قائلا يقول هى كبرى امرأة او اولى مرة { فاقعدوا } من بعد { مع الخالفين } اى المتخلفين الذين ديدنهم القعود والتخلف دائما لعدم لياقتهم للجهاد كالنساء والصبيان ففى الخالفين تغليب الذكور على الاناث
فان قيل كانت اعمال المنافقين من الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد مقبولة عند النبى عليه السلام وان لم تكن مقبولة عند الله تعالى فكان النبى عليه السلام يقول نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر فما الحكمة فى ان الله تعالى امر النبى عليه السلام بان لا يقبل من المتخلفين اعمالهم من الخروج معه والقتال مع العدو وغير ذلك
قلنا ان الحكمة فى ذلك والله اعلم ان المنافقين لما كانوا يظهرون الاسلام والائتمار باوامر النبى عليه السلام مع كانوا يضمرون من الكفر والنفاق ورجوعهم من النفاق الى الوفاق فلما اظهروا ما اضمروا ردت اليهم اعمالهم فكان الحكم بالظاهر ايضا فافهم
قال العلماء اخرجهم الله تعالى من ديوان الغزاة ومحا اساميهم من دفتر المجاهدين وابعد محلهم من محفل صحبة النبى صلى الله عليه وسلم عقوبة لهم على تخلفهم لما فيه من الاهانة واظهار نفاقهم وبيان انهم لبسوا ممن يتقوى به الدين ويعز الاسلام كالمؤمنين الخلص نسأل الله تعلاى صحبة الدين وصحبة اهل الدين الى يوم الدين -روى- ان زيد بن حارثة كان لخديجة اشترى لها بسوق عكاظ فوهبته لرسول الله فجاء ابوه يريد شراءه منه فقال عليه السلام « ان رضى بذلك فعلت » فسئل زيد فقال ذل الرقبة مع صحبة احب الخلق الى الحق احب الى من الحرية مع مفارقته فقال عليه السلام

(5/119)


« اذا اختارنا اخترناه » فأعتقه وزوجه ام ايمن وبعدها زينب بنت جحش : قال الحافظ
كدايى درجانان بسلطنت مفروش ... كسى زسائه اين در بافتاب رود
والمنافقون لما لم يكن لهم استعداد لهذه الصحبة الشريفة فارقوه عليه السلام فى السفر والحضر لان كل امرئ يصبو الى من يجانس وقدم ناس الى مكة وقالوا قدمنا الى بلدكم فعرفنا خياركم من شراركم فى يومين قيل كيف قالوا لحق خيارنا بخياركم وشرارنا بشراركم فالف كل شكله : قيل
واذا الرجال توسلوا بوسيلة ... فوسيلتى حبى لآل محمد
قال الكاشفى [ جهاد كار مردان مردو مبارزان ميدان نبرد است تزهر تردامنى اين كار نيايد ونامرد بى درد مبارزت معركه مجاهدت نشايد ]
يابرو همجون زنان رنكى وبويى يبش كير ... ياجو مردان اندر آى وكوى درميدان فكن
قال السعدى قدس سره
ندهد هوشمند روشن رأى ... بفرومايه كارهاى خطير
بوريا باف اكرجه بافندست ... نبرندش بكار كاه حرير
ومن بلاغات الزمخشرى لا تصلح الامور الا باولى الالباب والارحاء لا تدور الا على الاقطاب جمع قطب وهو وتد الرحى

(5/120)


وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84)

{ ولا تصل } يا محمد { على احد منهم } اى من المنافقين وهو صفة لاحد { مات } صفى اخرى ويجوز ان يكون منهم حالا من الضمير فى مات كذا فى تفسير ابى البقاء { ابدا } ظرف للنهى اى لا تدع ولا تستغفر لهم ابدا وهو الاظهر . وقيل منصوب بمات على ان يكون المعنى لا تصل على احد منهم ميت مات ابدا بان مات على الكفر فان من مات على الكفر ميت ابدا وان احياءه للتعذيب دون التمتع فكأنه لم يحى وكان حذيفة رضى الله عنه صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له « يوما انى مسرا اليك سرا فلا تذكرنه انى نهيت ان اصلى على فلان وفلان » وعد جماعة من المنافقين ولما توفى رسول الله كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه خلافته اذا مات الرجل ممن يظن انه من اولك اخذ بيد حذيفة فناداه الى الصلاة عليه فان مشى معه حذيفة صلى عليه عمر وان انتزع يده من يده ترك الصلاة عليه { ولا تقم على قبره } اى ولا تقف عند قبره للدفن او للزيارة والدعاء وكان النبى عليه السلام اذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له { انهم كفروا بالله ورسوله } تعليل للنهى على ان الاستغفار للميت والوقوف على قبره ودعا له { انهم كفروا بالله ورسوله } تعليل للنهى على ان الاستغفار للميت والوقوف على قبره انما يكون لاستصرحه وذلك مستحيل فى حقهم لانهم استمروا على الكفر بالله وبرسوله مدة حياتهم قال الحافظ قدس سره
بآب زمزم وكوثر سفيدنتوان كرد ... كليم بخت كسى راكه بافنند سياه
وقال السعدى قدس سره
توان باك كردن ززنك آينه ... وليكن نيايد زسنك آينه
{ وماتوا وهم فاسقون } اى متمردون فى الكفر خارجون عن حدوده -روى- عن ابن عباس ان رئيس المنافقين عبد الله بن ابى سلول دعا رسول الله صلى الله عليه السلام فى مرضه فلما دخل عليه سأله ان يستغفر له ويصلى عليه اذا مات ويقوم على قبره ثم انه ارسل اليه عليه السلام يطلب منه قميصه ليكفن فيه فارسل اليه القميص الفوقانى فرده فطلب الذى يلى جاده فقال عمر رضى الله عنه تعطى قميصك لرجس القميص الفوقانى فرده فطلب الذى يلى جلده فقال عمر رضى الله عنه تعطى قميصك لرجس النجس فقال عليه السلام « ان قميصى لا يغنى عنه من الله شيأ من الله تعالى ان يدخل به الف فى الاسلام » وذلك ان المنافقين كانوا لا يفارقون ابن ابى فلما رأوه يطلب منه عليه السلام قميصه يتبرك به ويرجو ان ينفعه القميص فى دفع عذاب الله وجلب رحمته وفضله اسلم الف من الخروج وانما قال عليه السلام ان قميصى لا يغنى لعدم الاساس الذى هو الايمان ومثله انما يؤثر عند صلاح المحل ويدل عليه قوله عليه السلام

(5/121)


« ادفنوا امواتكم وسط قوم صالحين فان الميت يتأذى بجار السوء كما يتأذى الحى بجار السوء » وما يروى الارض المقدسة لا تقدس احدا انما يقدس المرء عمله وقد ثبت ان عبد الله بن انيس رضى الله عنه لما قتل سفيان بن خالد الهذلى ووضع بين يديه عليه السلام دفع اليه عصا كانت بيده وقال تحضر بهذه الجنة أى توكأ عليها فكانت تلك العصا عنده فلما حضرته الوفاة اوصى اهله ان يجعلوها فاعطى نصف شعر رأسه لابى طلحة وفرق النصف الآخر بين الاصحاب شعره وشعرتين فكانوا يتبركون بها وينصرون ما داموا حاملين لها ولذا قال فى الاسرار المحمدية لو وضع شعر رسول الله او عصاه او سوطه على قبر عاص لنجا ذلك العاصى ببركات وان لم يشعروا به ومن هذا القبيل ماء زمزم والكفن المبلول وبطانة استار الكعبة والتكفن بها وكتابة القرآن على القراطيس والوضع فى ايدى الموتى انتهى
اقول ان قلت قد ثبت ان فى خزانة السلاطين خصوصا فى خزانة آل عثمان شيأ مما يتبرك به من خرقة النبى عليه السلام وغيرها ورأيناهم قد لا ينصرون ومعهم شئ من لوائه عليه السلام وبصبب بلدتهم آفات كثيرة قلت لذلك لهتكم الحرمة ألا ترى ان مكة والمدينة كان لا يدخلهما طاعون فلما هتك السكان حرمتهما دخلهما واللع الغفور فلما مات ابن ابى انطلق ابنه وكان مؤمنا صالحا الى النبى عليه السلام ودعاه الى جنازة ابيه فقال عليه السلام « ما اسمك » قال الحباب بن عبد الله فقال عليه السلام « أنت عبد الله بن عبد الله ان الحباب هو الشيطان » اى اسمه كما فى القاموس ثم قال « صل عليه وادفنه » فقال ان لم تصل عليه يا رسول الله لا يصلى عليه مسلم أنشدك الله ان لا تشمت بى الاعداء فاجابه عليه السلام تسلية له ومراعاة لجانبه فقام ليصلى عليه فجاء عمر رضى الله عنه فقام بين رسول الله وبين القبلة لئلا يصلى عليه وقال أتصلى على عدو الله القائل كذا يوم كذا وكذا وكذا وعد ايامه الخبيثة فنزلت الآية واخذ جبرائيل عليه السلام بثوبه وقال لا تصلى على احد منهم مات ابدا فاعرض عن الصلاة عليه وهذا يدل على منقبة عظيمة من مناقب عمر رضى الله عنه فان الوحى كان ينزل على وفق قوله فى آيات كثيرة منها هذه الآية وهو منصب عال ودرجة رفيعة له فى الدين فلذا قال عليه السلام فى حقه « لو لم ابعث لبعثت نبيا يا عمر » وقال « انه كان فيما مضى قبلكم من الامم محدثون فانه ان كان فى امتى هذه فانه عمر بن الخطاب »

(5/122)


رضى الله عنه . والمحدث بفتح الدلال المشددة هو الذى يلقى فى نفسه الشيء فيخبر به فراسة وهى الاصابة فى النظر ويكون كما قال وكأنه حدثه الملأ الاعلى وهذه منزلة جليلة من منازل الاولياء ولم يرد النبى عليه السلام بقوله ان كان فى امتى التردد فى ذلك لانه امته افضل الامم واذا وحد فى غيرها محدثون ففيها اولى بل اراد به التأكيد لفضل عمر كما قيل فى فضيلة رضى الله عنه
له فضائل لا تخفى على احد ... الا على احد لا يعرف القمرا
كذا فى شرح المشارق لابن ملك
فان قيل كيف يجوز ان يقال انه عليه السلام رغب فى ان يصلى عليه بعد ان علم انه كافر مات على الكفر وان صلاته عليه دعاء له بالمغفرة وقد منعه الله من ان يستغفر للمشركين واعلمه انه لا يغفر للكفار وايضا الصلاة عليه ودفعه قميصه اليه توجب اعزازه وهو مأمور باهانة الكفار
فالجواب ان الخبيث لما طلب منه ان يرسل اليه قميصه الذى يمس جلده الشريف ليدفن فيه غلب على ظنه انه قد تاب عن نفاقه وآمن لان ذلك الوقت وقت توبة الفاجر وايمان الكافر فلما رأى منه اظهار الاسلام وشاهد منه هذه الامارة الدالة على اسلامه غلب على ظنه انه صار مسلما فرغب فى ان يصلى عليه فلما أتى جبريل واخبره بانه مات على كفره ونفاقه امتنع من الصلاة عليه . وقيل نزلت الاية بعدما صلى ولبث يسيرا فما صلى بعد ذلك على منافق ولاقام على قبره
واما دفع القميص اليه فذكروا فيه وجوها
منها ان العباس عم النبى عليه السلام لما اخذ اسيرا يوم بدر ولم يجدوا له قميصا يساوى قده وكان رجلا طويلا كساه عبد الله قميصه فهو عليه السلام انما دفع اليه قميصه مكافأة لاحسانه ذلك لا اعزاز له
ومنها انه تعالى امره ان لا يرد سائلا من حيث قال
واما السائل فلا تنهر ... فالضنة بالقميص وعدمارساله سيما وقد سئل فيه مخل بالكرم
ومنها انه لعله اوحى اليك انك ان دفعت اليه قميصكصار ذلك حاملا لدخول الف نفر من المنافقين فى الاسلام ففعل ذلك بنا عليه والله اعلم بحقيقة الحال وما علينا الالقبول وطى المقال وهو الهادى الى طريق التحقيق

(5/123)


وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85)

{ ولا تعجبك } الاعجاب [ شكفتى نمودن وخوش آمدن خطاب بآن حضرتست ومرادامت اند يعنى در عجب ندارد شمارا ] { اموالهم واولادهم } الضمير للمنافقين
قال الكاشفى [ مالهاى منافقان اكرجه بسيارست وفرزندان ايشان كه قوى وبا اقتدارند ] وتقديم الاموال فى امثال هذه المواقع على الاولاد مع كونهم اعز منها لعموم مساس الحاجة اليها بحسب الذات وبحسب الافراد والاوقات فانها مما لا بد منه لكل احد من الآباء والامهات والاولاد فى كل وقت وحين حتى ان من له اولاده ولا مال له فهو واولاده فى ضيق ونكال واما الاولاد فانما يرغب فيهم من بلغ مبلغ الابوة واما لان المال مناط لبقاء النفس والاولاد لبقاء النوع واما لانها اقدم فى الوجود من الاولاد لان الاجزاء المنوية انما تحصل من الاغذية { انما يريد الله } بما متعهم به من الاموال والاولاد { ان يعذبهم بها فى الدنيا } [ بسبب جمع مال ومحافظت آن بيوسته دررنج باشند وبراى رونق احوال اولاد وتهيه اسباب ايشان همواره محنت ومشقت كشند ] { وتزهق انفسهم } الزهوق [ برآمدن جان ] اى تخرج ويموتوا { وهم كافرون } اى كافرون بسبب اشتغالهم بالتمتع بها والالهاء عن النظر والتدبر فى العواقب [ درويشى ميكفت اغنيا اشقى الاشقيا اند مال دنيا جمع ميكنند بانواع بريشايى وزحمت ونكاه ميدارد باصناف بليت ومشقت وميكذارند بصد هزار حسرت ]
در اول جو خواهى كنى جمع مال ... بسى رنج بر خويش بايد كماشت
بس از بهر آن تا بماند بجاى ... شب وروز مى بايدت باس داشت
وزين جمله ىن حال مشكلترست ... كه آخر بحسرت ببايد كذشت
واعلم ان هذه الآية مرت فى هذه السورة الكريمة مع التغاير فى بعض الالفاظ فالتكرير لتأكيد النصيحة مما لا ينبغى ان يذهل السامع عنها وان الناصح لا بد له ان يرجع اليها فى اثناء كلامه دائما ولا سيما اذا تباعد احد الكلامين عن الآخر بناء على ان الابصار طامحة اى مرتفعة ناظرة الى الاموال والاولاد وان النفوس مغتبطة اى متمنية لهما حريصة عليهما والاموال والاولاد وان كانت نعمة فى حق من الحجاب ومن عذاب بالحجاب فقد حرم من الايمان كما قال تعالى { وتزهق انفسهم وهم كافرون } اى مستوروا القلوب بجاب حب الاموال والاولاد كما فى التأويلات النجمية وفى الحديث « الدنيا محفوفة بالذات والشهوات فلا تلهينكم شهوات الدنيا ولذاتها عن الآخرة فانه لا دنيا لمن لا آخرة له ولا آخرة لمن لا دنيا له يعمل فيها بطاعة الله تعالى » يعنى ان المؤمن يتزود لآخرته بالعبادات المالية

(5/124)


وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86)

{ واذا انزلت سورة } من القرآن { ان آمنوا بالله } ان مصدرية حذف منها الجار اى بان آمنوا بالله { وجاهدوا مع رسوله } لاعزاز دينه واعلاء كلمته { استأذنك اولوا الطول منهم } اى ذووا الطول فى الحقيقة هو الفضل الذي يتمكن به من مطاولة الاعداء
قال الرازى فى سورة النساء اصل هذه الكلمة من الطول الذى هو خلاف القصر لانه اذا كان طويلا ففيه كمال وزيادة كما انه اذا كان قصيرا ففيه قصور ونقصان وسمى الغنى ايضا طولا لانه ينال به من المرادات ما لا ينال عند الفقر كما انه ينال بالطول ما لا ينال بالقصر انتهى
{ وقالوا ذرناظ } دعنا { نكن من القاعدين } اى الذين قعدوا عن الغزو لما بهم من عذر

(5/125)


رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87)

{ رضوا } اى المنافقون { بان يكونوا مع الخوالف } اى مع النساء المتخلفات فى البيوت والحى بعد ازواجهن حمع خالفة فالتاء للتانيث وقد يقال الخالفة الذى لا خير فيه فالتاء للنقل من الوصفية الى الاسمية لا للتأنيث ولعل الوجه فى تسمية من لا خير فيه من الرجال خالفه كونه غير مجيب الى ما دعى اليه من المهمات { وطبع على قلوبهم } [ ومهر طبع للدينار والدرهم قال فى المصادر والتركيب يدل على نهاية ينتهى اليها الشيء حتى يختم عندها ويقاس على هذا طبع الانسان وطبيعته زطباعه اى سجيته التى جبل عليها وخص القلب بالختم لانه محل الفهم ولذا قال { فهم لا يفقهون } ما فى الايمان بالله وطاعته فى اوامره ونواهيه وموافقة الرسول والجهاد من السعادة وما فى اضداد ذلك من الشقاوة

(5/126)


لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88)

{ لكن الرسول والذين آمنوا معه } بالله وبما جاء من عنده تعالى اى آمنوا كما آمن هو عليه السلام اذ لا شك ان زمان ايمان المؤمنين ما كان مقارنا لزمان ايمان الرسول فهو كقوله تعالى { واسلمت مع سليمان } اى اسلام سليمان اى اسلمت كما اسلم سليمان { جاهدوا باموالهم وانفسهم } لكن لم يختل امر الجهاد بتخلفهم لانه قد جاهد من هو خير منهم واخلص نية ومعتقدا { واولئك } [ وآن كروه } { لهم بواسطة نعوتهم المذكورة { الخيرات } اى منافع الدارين النصر والغنيمة فى الدنيا والجنة والكرامة فى العقبى . ويجوز ان يكون معناه الزروجات الحسان فى الجنة وهن الحور لقوله تعالى { فيهن خيرات حسان } وهى جمع خيرة تخفيف خيرة وخيرات العابدين هى الحسنات فهى متعلقة باعمالهم وخيرات العارفين مواهب الحق تعالى فهى متعلقة باحوالهم { واولئك هم المفلحون } اى الفائزون بالمطلوب لا من حار بعضا من الحظوظ الفانية عما قريب

(5/127)


أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89)

{ اعد الله لهم } اى هيأ لهم فى الآخرة { جنات } جمع جنة وهى البستان الذى فيه اشجار مثمرة { تجرى من تحتها } اى من اسافل ارضها او من تحت اشجارها او من تحت القصور والغرف لا تحت الارض { الانهار } جمع نهر وهو مسيل الماء سمى به لسعته وضيائه وفى الحديث « فى الجنة بحر اللبن وبحر الماء والعسل واللبن لا يخالط بعضها بعضا وقال بعضهم الجارى واحد ويختلف باختلاف الامنية { خالدين فيها } اى مقدرا خلودهم فى تلك الجنات الموصوفة { ذلك } اشارة الى ما فهم من اعداد الله سبحانه لهم الجناة المذكورة من نيل الكرامة العظمى { الفوز العظيم } الذى لا فوز وراءه فازوا بالجنة ونعيمها ونجوا من النار وجحيمها وفى الحديث » من شهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله حرم الله عليه النار « وفى الخبر » من قال لا اله الا الله مخلصا دخل الجنة « فقد اشترط فى هذا القول الاخلاص ولا يكون الاخلاص الا بمنعه من الذنوب والا فليس من صفات القلب وتحليته بالاوصاف الحميدة انما هى بعد تزكية النفس عن الرذائل
قال فى التأويلات النجمية الخلاص من حجب النفس وصفاتها هو الفوز العظيم لان عظم الفز على قدر عظم الحجب ولا حجاب اعظم من حجاب النفس والفوز منها يكن فوزا عظيما انتهى : وفى المثنوى
جمله قرآن شرح خبث نفسهاست ... بنكر اندر مصحف آن جشمت كجاست
هين مرواندر بى نفس جوزاغ ... كوبكورستان برد نى سوى باغ
نفس اكرجه زير كست وخرده دان ... قبله اش دنياست اورا مرده دان
وفى الحديث » ان فى الجنة مائة درجة « المراد بالمائة هنا الكثرة وبالدرجة المرقاة » اعدها الله للمجاهدين فى سبيله « وهم الغزاة او الحجاج او الذين جاهدوا انفسهم لمرضاة ربهم » كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والارض « وهذا التفاوت يجوز ان يكون صوريا وان يكون معنويا فيكون المراد من الدرجة المرتبة فالاقرب الى الله تعالى يكون ارفع درجة ممن دونه » فان سألتم الله فاسألوه الفردوس « وهو بستان فى الجنة جامع لانواع الثمر » فانه اوسط الجنة « يعنى اشرفها » واعلى الجنة « قيل فيه دلالة على ان السموات كرية فان الاوسط لا يكون اعلى الا اذا كان كريا وان الجنة فوق السموات تحت العرش
قال الامام الطيبى النكت فى الجمع بين الاوسط ةالا على انه اراد باحدهما الحسى وبالآخر المعنوى
واقول يحتمل ان يكونا حسيين لان كونهما احسن وازين مما يحس » وفوقه عرش الرحمن « هذا يدل على انه فوق جميع الجنان » ومنه تفجر « اصله تنفجر فحذف احدى التاءين » انهار الجنة « وهى اربعة مذكورة فى قوله تعالى { فيها انهار من ماء غير آسن وانهار من لبن لم يتغير طعمه وانهار من خمر لذة للشاربين وانهار من عسل مصفى } المراد منها اصول انهار الجنة كذا فى شرح المشارق لابن ملك نسأل الله سبحانه الرفيق الاعلى والنظر الى وجه الابهى وجماله الاسنى

(5/128)


وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91)

{ وجاء المعذورون من الاعراب ليؤذن لهم } من عذر فى الامر اذا قصر فيه وتوانى ولم يجدوا حقيقته ان يوهم ان له عذرا فيما يفعل ولا عذر له . فالمعذر اسم فاعل من باب التفعيل او من اعتذر اذا مهد العذر بادغام التاء فى الذال ونقل حركتها الى العين فيكون اسم فاعل من باب الافتعال والاعتذار قد يكون بالكذب وقد يكون بالصدق وذلم لان الاعتذار عبارة عن الاتيان بما هو فى صورة العذر سواء كان للمعتذر عذر حقيقة او لم يكن . والاعراب سكان البوادى من العرب لا واحد له والعرب خلاف العجم وهم سكان الامصار او عام والعربة ناحية قرب المدينة واقامت قريش بعربة فنسبت العرب اليها وهى باحة العرب وباحة دار ابى الفصاحة اسماعيل عليه السلام كما فى القاموس . والمراد بالمعذرين اسد واغطفان واستأذنوا او رهط عامر بن الطفيل قالوا ان غزونا معك اغارت اعراب طى على اهالينا ومواشينا فقال عليه السلام « سيغنينى الله عنكم » واختلفوا فى انهم كانوا معتذرين بالتصنع او بالصحة والظاهر الثانى ويدل عليه كلام القاموس حيث قال قوله تعالى { وجاء المعذرون } بتشديد الذال المكسورة هم المعتذرون الذين لهم عذر وقد يكون المعذر غير محق فالمعنى المقصرون بغير عذر انتهى
اقول وعلى كل حال لا يثبت النفاق اذ المقصر وهو المعتذر للفتور والكسل لا يكون كافرا وان كان مذموما وقد اضطرب كلام المفسرين هناك فعليك بضبط المبنى واخذ المعنى { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله } وهم منافقوا الاعراب الين لم يجيبوا ولم يعتذروا ولم يستأذنوا فى القعود فظهر انهم كذبوا الله ورسوله فى ادعاء الايمان والطاعة
قال فى انسان العيون وجاء المعذرون وهم الضعفاء والمقلون من الاعراب ليؤذن هم فى التخلف فاذن لهم وكانوا اثنين وثمانين رجلا وقعد آخرون من المنافقين بغير عذر واظهار علة وجراءة على الله ورسوله وقد عناهم الله بقوله { وقد الذين كذبوا الله ورسوله } انتهى
{ سيصيب الذين كفروا منهم } اى من الاعراب او من المعذرين وعلى كل تقدير فمن تبعيضية لا بيانية اذ ليس كلهم كفرة وقد علم الله تعالى ان بعض الاعراب سيؤمن وان بعض المعذرين لكسله لا لكفره { عذاب اليم } بالقتل والاسر فى الدنيا والنار فى الآخرة
قال فى التأويلات النجمية الخلق ثلاث طبقات . الاولى المعذرون وهم المقصرون المعترفون بتقصيرهم وذنوبهم التائبون عن ذنوبهم المتداركون بالرحمة والمغفرة . والثانية القاعدون وهم الكاذبون الكذابون الذين لم يؤمنوا بالله ورسوله من الكافرين والمنافقين المتداركون بالخذلان والعذاب الاليم كما قال { وقعد الذين } الآية . والثالثة المؤمنون المخلصون الصادقون الناصحون ولكن فيهم اهل العذر واليه الاشارة بقوله تعالى { ليس على الضعفاء بنيست برناتوانان وعاجزان ] كالهرمى والزمنى جمع هرم بكسر الراء وهو كبير السن وجمع زمن وهو المقعد { ولا على المرضى } [ ونه بربيماران ومعلول ] جمع مريض { ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون } لفقرهم كمزينة وجهينة وبنى عذرة { حرج } اثم فى التخلف والتأخر عن الغزو ثم انه تعالى شرط فى انتفاء الحرج عنهم شرطا معينا فقال { اذا نصحوا لله ورسوله } قال ابو البقاء العامل فيه معنى الكلام اى لا يخرجون حينئذ .

(5/129)


والنصح اخلاص العمل من الغش يقال نصح الشيء اذا خلص ونصح فى القول اذا كلمه بما هو خير محض له والناصح الخالص وفى الحديث « الدين النصيحة الدين النصيحة » ذكرها ثلاث مرات قيل هذا الكلام مدار الاسلام لان النصيحة هى ارادة الخير معناه عماد الدين النصيحة كما يقال الحج عرفة اى عماده « قالوا لمن يا رسول الله قال لله » معنى نصيحته تعالى الايمان به واخلاص العمل فيما امر به « ولرسوله » نصيحته تصديقه بكل ما علم مجيئهه به واحياء طريقه « ولكتابه » نصيحته الاعتقاد بانه كلام الله والعمل بمحكمه . والتسليم لمتشابهه وفى الحقيقة هذه النصائح راجعة الى العبد « ولائمة المسلمين » نصيحتهم اطاعتهم فى المعروف وتنبيههم عند الغفلة « وعامتهم » نصيحة عامة المسلمين دفع المضار عنهم وجلب المنافع اليهم بقدر الوسع كذا فى شرح المشارق لابن ملك . فمعنى الآية ان المتخلفين من اصحاب الاعذار لا اثم عليهم فى تخلفهم اذا اخلصوا الايمان لله ولرسوله وامتثلوا امرهما فى جميع الامور ومعظمها ان لا يفشوا ما سمعوه من الاراجيف فى حق الغزاة وان لا يثيروا الفتن وان يسعوا فى ايصال الخير الى المجاهدين ويقوموا باصلاح مهمات بيوتهم ويسعوا فى ايصال الاخبار السارة من بيوتهم اليهم { ما على المحسنين من سبيل } استئناف مقرر لمضمون ما سبق اى ليس عليهم جناح ولا الى معاتبتهم سبيل ومن زائدة لعموم النفى ووضع المحسنين موضع الضمير للدلالة على انتظامهم بنصحهم لله ورسوله فى سلك المحسنين وقد اشتهر ان تعليق الحكم على الوصف المناسب يشعر بعلية الوصف له { والله غفور رحيم } يشير الى ان بهم حاجة الى المغفرة وان كان تخلفهم بعذر فان الانسان محل التقصير والعجز فلا يسعه الا العفو : وفى المثنوى
شمس هم معده زمين را كرم كرد ... تا زمين باقى حدثهارى بخورد
جزؤخاكى كشت ورست ازوى نبات ... هكذا يمحو الاله السيآت
اى كه من زشت وخصالم نيز زشت ... جون شوم كل جون مرا اوخار كشت
نوبهارا حسن كل ده خاررا ... زينت طاوس ده آن ماررا

(5/130)


وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92)

{ ولا على الذين اذا ما اتوك لتحملهم } عطف على المحسنين اى ليس شيء ثابتا على المحسنين ولا على الذين اذا ما اتوك [ جون بيامدند بسوى تو ودرخواست كردند { لتحملهم } تايشانرا دستورى دهى وياخود بحرب برى ] وهم البكاؤن سبعة من الانصار معقل بن يسار وصخر بن الخنساء وعبد الله بن كعب وسالم بن عميرة وثعلبة بن غنمة وعبد الله بن مغفل وعليه بن زيد اتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا نذرنا الخروج فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة فنغزو معك فقال عليه السلام « لا اجد » فتولوا وهم يبكون وقيل هم بنوا مقرن كمحدث وكانوا سبعة اخوة كلهم صحبوا النبى عليه السلام وليس فى الصحابة سبعة اخوة غيرهم كذا فى تفسير القرطبى { قلت لا اجد ما احملكم عليه } حال من الكاف فى اتوك باضمار قد ادى اذا ما اتوك قائلا لا اجد وما عامة لما سالوه عليه السلام وغيره مما يحمل عليه عادة من النفقة والظهر وفى ايثار لا اجد على ليس عندى من تلطيف الكلام وتطييب قلوب السائلين ما لا يخفى كانه عليه السلام يطلب ما يسألونه على الاستمرار فلا يجده { تولوا } جواب اذا [ از اشك يعنى اشك از ديدهاى ايشان ميريخت ] واسناد الفيض الى العين مجازى كسال الميزاب والاصل يفيض دمعها عدل الى هذه الصور للدلالة على المبالغة فى فيضان الدمع كان العين كلها دمع فياض { حزنا } نصب على العلية والعامل تفيض لا يقال فاعل الفيض مغاير لفاعل الحزن فكيف نصب لانا نقول ان الحزن يجوز اسناده الى العين مجازا فيقال عين حزينة وعين مسرورة { ان لا يجدوا } ان مصدرية بتقدير لام متعلقة بحزنا اى لئلا يجدوا { ما ينفقون } فى شراء ما يحتاجون اليه اذ لم يجدوه عندك
قال الكاشفى [ عمر وعباس وعثمان رضى الله عنهم ايشانرا زاد وتوشه ومركب داده همراه بردند بس حق تعالى ميفرمايدكه بدين نوع مردم اكر تخلف كنند حرجى وعنابى نيست

(5/131)