صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22)
مستطيرا : منتشرا ، فاشيا . عبوسا : تعبس فيه الوجوه . قمطريرا : شديد الشر مظلما . والفعل اقمطرّ الشر : اشتد وتجمع . لقّاهم : اعطاهم . نضرة : حسنا وبهاء . الأرائك : واحدتها أريكة : السرير ، والمقعد الوثير المنجد . الزمهرير : أشدُّ البرد . دانية : قريبة منهم مظللة لهم . وذُللت قطوفها تذليلا : سخرت لهم ثمارها بحيث تكون في تناول أيديهم . القطوف : واحدها قِطف بكسر القاف وهو ما قطف من الثمر ، والعنقود . بآنية من فضة : واحدها إناء بكسر الهمزة وهو كل ما يوضع فيه الشراب . والأكواب : واحدها كوب وهو الكوز الذي لا عروة له . والقوارير : واحدها قارورة : اناء رقيق من الزجاج . قدّروها تقديرا : قدرها الساقون بأحجام تناسِب الذوق والحاجة مما يحقق المتعة والجمال . مزاجها زنجبيلا : الزنجبيل نوع من النبات طيب الرائحة . السلسبيل : الشراب السائغ اللذيذ ، واسم عينٍ في الجنة . وِلدان مخلدون : دائمون في بهائهم وحسنهم . السندس : نوع من الحرير الرقيق . الاستبرق : نوع من الحرير الغليظ . (3/391)
في هذه الآيات الكريمة عرضٌ وتفصيل لصور النعيم الذي أفاضه الله تعالى على عباده الأبرار في جنة الخلد ، وهذا العرض من أطولِ ما وردَ في القرآن الكريم لصُورِ النعيم ومشاهده . وقد بدأ ببيان أعمالهم وما قدّموا من خير للناس فقال :
{ يُوفُونَ بالنذر وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً } .
هؤلاء الابرارُ يوفون بما أوجبوه على انفسهم من نَذْرٍ في طاعة الله ، ويخافون من هولِ يوم القيامة ، ذلك اليوم المخيفِ الذي يعمّ شرُّه ويستطير بين الناس إلا من رحمَ الله . وهم يُطعِمون الطعام رغم حاجتهم إليه الى المسكين واليتيم والفقير . . والمرادُ من اطعام الطعام الاحسانُ الى المحتاجين ومواساتهم بأي وجه .
وبعد ان ذكر ان الأبرار يحسِنون الى المحتاجين بين ان لهم في ذلك غرضَين : طلبَ رضا الله عنهم ، وخوفَ يوم القيامة :
{ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً }
لا نريد عن عملنا هذا عِوَضاً ولا نريد منكم ثناء .
{ إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً } .
إنا نفعل ذلك ليرحمنا ربُّنا يوم القيامة ، ويتلقّانا بلطفه في ذلك اليوم الشديد الهولِ والشر .
ثم بين الله تعالى انه أمَّنَ لهم مَطلبهم فقال :
{ فَوَقَاهُمُ الله شَرَّ ذَلِكَ اليوم وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً }
فحماهم اللهُ من شر ذلك اليوم وشدائده ، وأعطاهم نضرةً وحُسناً في وجوههم وسروراً في قلوبهم .
ثم زاد من كرمه وإحسانه فقال :
{ وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيراً } ،
أعطاهم على صبرهم ، واحسانهم للناس ، وإيمانهم الصادق - هذا النعيمَ في الجنة والخلودَ فيها ، ولباسَ الحرير الذي كان ممنوعا في الدنيا .
ثم وصف شرابَهم وأوانيه والسقاةَ الذين يطوفون عليهم به ، وما هم فيه من سعادةٍ أبدية فقال :
{ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا على الأرائك لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً } .
يجلسون على أفخرِ الأسرّة والمقاعد متكئين عليها يتحدّثون ويتسامرون ، لا يجِدون في الجنة حَرّاً ولا بردا .
وهم في جنةٍ وارفة الظلال ، ثمارُها قريبة من متناول أيديهم ، تغمرهم السعادةُ . (3/392)
{ وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَاْ قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً }
ويطوف عليهم الولدانُ من خَدَمهم بأوعية شرابٍ م نفضة ، وبأكواب من زجاجٍ شفاف عليها غشاءٌ من فضة ، قدّرها لهم السقاةُ الذين يطوفون عليهم على قَدْرِ كفايتهم وحاجاتهم وحسب ما يشتهون .
ثم وصف مشروبهم بأنه شرابٌ لذيذ منعش ممزوج بالزنجبيل ، ويُسْقَون من عين في الجنة اسمها السلسبيل ، لسلاسَتها وسهولةِ مساغها . . وهذا كله ما هو الا أسماء لما هو شبيهٌ بما في الدنيا . وهناك ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ، وكل ما في الآخرة مغاير لما في حياتنا الدنيا .
ثم بين أوصافَ السقاةِ الذين يطوفون عليهم بذلك الشراب فقال :
{ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً } .
ويطوف على هؤلاء الأبرار من أهل الجنة ولدان يظلّون على ما هم عليه/ من الشباب والنضارة والحُسن ، منظرُهم مبهج مفرح ، وإذا رأيتَ جماعةً منهم حسبتَهم لحُسنِ ألوانهم ونضارة وجوههم ورشاقتهم في الخدمة كأنهم لؤلؤ منثور .
وبعد ان ذكَر اللهُ تعالى نعيم أهل الجنة بما تقدَّم - بين أن هناك امورا أعلى وأعظم من كل ما ذُكر فقال :
{ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً }
واذا رأيتَ ما في الجنة من النعيم وما تفضّل الله به على عباده الابرار من مظاهر الأنس والسرور ، رأيت نعيماً لا يكاد يوصف ، ومُلكاً كبيرا واسعا لا غاية له ، يختلف كل الاختلاف عما نراه في هذه الدنيا الفانية .
وفي الحديث القدسي : « أعددتُ لعبادي الصالحين ، ما لا عين رأتْ ، ولا أُذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر » .
{ عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وحلوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً }
في هذه الآية الكريمة يصف الله تعالى ملبسَهم أنه من حريرٍ ناعم رقيقِ هو السندس ، وحريرٍ غليظ هو الديباج ، ويلبسون الحليةَ من فضة وذهب كما جاء في آية اخرى في سورة فاطر : { يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ } [ الكهف : 31 ] .
ثم ذكر شرابا آخر يُسقَونه يفوق النوعَين السابقين اللذَين مر أنهما يمزجان بالكافور والزنجبيل . فقال هنا : { وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } يطهُر شاربه ، ويتلذّذ به فيصبح في منتهى السعادة والسرور .
ثم بين الله تعالى ان هذا كله جزاءٌ لهم على ما قدموا من صالح الأعمال ، وما زكَّوا به أنفسَهم من صفات الكمال فقال :
{ إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَآءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً } .
ان هذا الذي أعطيناكم من الكرامة جاءَ ثواباً لكم على ما كنتم تعملون ، وكان عملكم مشكورا ، رضيَه ربُّكم وحَمِدَكم عليه ، فأثابكم بما اثابكم به من الكرامة . { كُلُواْ واشربوا هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي الأيام الخالية }
[ الحاقة : 24 ] . كل هذا يتلقَّونه من الله العليّ القدير ، وهذا يعدِلُ كل ما تقدّم من أصناف النعيم ، ويمنحها قيمة اخرى فوق قيمتها ، ويزيد في سرورهم وحبورهم . (3/393)
قراءات
قرأ حفص وابو عمرو وابن ذكوان { قَوَارِيرَاْ ، قَوَارِيرَاْ } بالألف من غير تنوين وقرأ ابن كثير : قواريراً بتنوين الاول وقوارير الثانية من غير تنوين . وقرأ نافع والكسائي وابو بكر : { قَوَارِيرَاْ ، قَوَارِيرَاْ } بالتنوين لهما . وقرأ حمزة : قوارير قوارير بعدم التنوين فيهما . وقرأ نافع وحمزة وابن محيصن : عليهم بإسكان الياء وكسر الهاء . وقرأ الباقون عاليهم بنصب الياء وضم الهاء . وقرأ ابن كثير وابو بكر وابن محيصن ثياب سندس خضر بجر خضرٍ نعتاً لسندس ، ورفع استبرق عطفا على ثياب . وقرأ نافع وحفص برفع خضر واستبرق . وقرأ حمزة والكسائي بجر خضر واستبرق .
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31)
آثما : فاجرا مجاهرا بالمعاصي . كفورا : مشركا . بكرة وأصيلا : صباحا ومساء . فاسجد له : صلّ له . وسبّحه : تهجّد له . ويذرون وراءهم : لا يهتمون به . يوماً ثقيلا : يوم القيامة . شددنا أسرهم : أَحكمنا خَلقهم . (3/394)
إنا نحن انزلنا عليك يا محمد القرآن من عندنا ، وهو حقٌّ لا ريب فيه لِتذكِّرَ الناسَ بما فيه من الوعد والوعيد ، وتعلّمهم وتهذّبهم ، { فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ } من مقاساة الشدائد في تبليغ الرسالة ، فان العاقبة والنصر لك .
{ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً }
أي من المشركين ، مهما أغْرَوْكَ به من متاع الدنيا ، ودُم على ذكر ربك ، فصلّ الصلواتِ في الصباح والمساء ، وأكثِر السجودَ في الليل وتهجّد به وسبّحه ليلاً طويلا مستغرقا في صلواتك ومناجاة ربك .
ثم أنكر الله تعالى على الكفار حُبَّ الدنيا والإقبال عليها ، وإهمالَهم الآخرةَ ونسيانها فقال :
{ إِنَّ هؤلاء يُحِبُّونَ العاجلة وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً } .
إن هؤلاء المشركين يحبون الدنيا وتُعجِبُهم زينَتُها فهم يؤثرونها على الآخرة ، وينسَون ان أمامهم يوماً شديدا فيه الحساب والجزاء .
ثم نعى عليهم شِركهم ، وغفلتهم عن طاعة الله فقال :
{ نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَآ أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً } .
نحن خلقناهم وأحكمنا خَلقهم في أحسنِ تقويم ، واذا شئنا اهلكناهم وأتينا بخير منهم بدلاً منهم .
ثم ارشد الله تعالى الى ان هذا الذِكر تذكرةٌ وموعظة للناس ، لمن أراد ان يتعظ ويُقبلَ على الله فقال :
{ إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً } .
ان هذه الآيات بما فيها من ترتيب بديع ، ومعنى لطيف -لهي تذكرة للعقلاء المتبصرين ، فمن شاء اتخذ بالإيمان والتقوى الى ربه طريقا يوصله الى مغفرته وجنّته ، فبابُه مفتوح دائما ، ومغفرته وسعت كل شيء .
{ وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله } .
وما تشاؤون ان تتخذوا الى الله سبيلا الا ان يشاء الله ، فالأمرُ اليه سبحانه ، والخير والشر بيده ، لا مانع لما أعطى ولا معطيَ لما منع . . ان الله عليم بأحوالكم ، حكيم فيما يشاء ويختار ، يُدخل من يشاء في جنته ، فدخولُها بفضله ورحمته .
{ والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } في الآخرة هو عذاب دهنم وبئس المصير .
قراءات
قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر : وما تشاؤون بالياء ، والباقون وما تشاؤون بالتاء .
انتهى سورة الانسان نسأل الله تعالى ان يجعلنا من الأبرار ، والمقربين الأخيار ويجعل سعينا لديه مشكورا .
وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (9) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (19) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (24) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (27) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (28)
المرسَلات : الملائكة . عُرفا : للعرف والخير . العاصفات : الرياح الشديدة ، عصفت الريح عصفا وعصوفا اشتد هبوبها . الناشرات : تنشر الرياح السحب في الفضاء . فالفارقات : بين الحق والباطل . فالملقيات ذِكرا : الملقيات العلم والحكمة الى الأنبياء . عُذراً او نُذرا : للإعذار والانذار . طمست : محيت وذهب نورها . فُرجت : شقت . نسفت : اقتلعت من اماكنها . أُقتت : عين لها وقت . أُجلت : اخِّرت . ليوم الفصل : يوم القيامة الذي يفصل فيه بين العباد . ماء مهين : نطفة صغيرة . في قرار مكين : في الرحم . الى قدر معلوم : مدة الحمل . فقدرنا : على كل شيء . كفاتا : جامعة للأحياء والأموات . كَفَتَ الشيءَ : ضمه وجمعه . رواسي : جبالا ثوابت . شامخات : مرتفعات . فراتا : عذبا . (3/395)
أقسم اللهُ تعالى بطوائف من الملائكة ، منهم المرسَلون الى الأنبياء بالإحسان و المعروف والخير ليبلغوها للناس ، ومنهم الذين يعصِفون ما سوى الحق ويُبعدونه كما تُبعِد العواصف التراب وغيره ، ومنهم الذين ينشرون آثار رحمة الله في النفوس الحية ، ومنهم الذين يفرقون بين الحق والباطل ، ومنهم الملقونَ العلمَ والحكمة لينذروا الناس . اقسم بكل ما تقدم بأنّ يوم القيامة الذي توعدون به لواقعٌ آتٍ لا ريب فيه . وذلك حين تُمحقُ النجوم ويذهب نورها ، وتتشقق السماءُ ، وتُنسف الجبال ، ويُعيَّن للرسُل الوقت الذي يشهدون فيه على أُممهم .
{ وَإِذَا الرسل أُقِّتَتْ لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ الفصل }
ليوم القيامة ، اليوم الذي يكون فيه الفصل بين الخلائق .
{ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الفصل } .
ما أعلَمك يا محمد بيوم الفصل وشدّته وهوله ، ما الذي تعرفه عن ذلك اليوم العظيم؟
{ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } .
الهلاك والويل في ذلك اليوم للذين كفروا وكذّبوا رسُلَهم .
وبعد ان حذّر الكافرين وخوّفهم وأنذَرهم بأن يوم الفصل آتٍ لا ريب فيه ، اردف ذلك بإعلامهم بانه أهلكَ الكفارَ من الأمم الأولين المكذبين . { أَلَمْ نُهْلِكِ الأولين }
{ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخرين } .
ثم نحن نفعل ذلك بأمثالهم من الآخرين . . فاذا سلكتم سبيلهم فستكون عاقبتكم كعاقبتهم ، وستُعذَّبون في الدنيا والآخرة .
{ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين } .
الذين كذّبوا محمدا صلى الله عليه وسلم ، وبكل مجرم كذّب وكفر بالله واليوم الآخر .
{ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } .
هلاك لكل مكذّب وجاحد في ذلك اليوم الشديد .
ثم ذكّرهم بجزيل نعمه عليهم في خَلقهم وايجادهم بهذه الصورة الحسنة في أحسن تقويم .
{ أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ إلى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القادرون } .
الم نخلقكم أيها الناس من ماءٍ حقير من تلك النطفة ، فجعلنا هذا الماءَ المهينَ في مكان حريز في الرحم ، الى زمنٍ معلوم محدّد ، فقد!رنا على خلْقِه وتصويره في احسن تقويم ، فنعم القادرون والخالقون .
{ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } بنعمة الله تعالى وبقدرته على كل شيء .
وبعد ان ذكّرهم بالنِعم التي أنعم بها عليهم في الأنفس ذكّرهم بما أنعم عليهم في الآفاق فقال :
{ أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً أَحْيَآءً وَأَمْواتاً وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً } .
ألم نجعل الأرضَ ضامَّةً على ظهرها أحياءً لا يُعدّون ، وفي بطنها امواتا لا يحصرون ، وجعلنا فيها جبالا ثوابت شامخاتٍ عاليات ، وأسقيناكم ماء عذباً سائغا تشربون منه ، وتسقون دوابكم وزروعكم!؟ { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } .
قراءات :
قرأ الجمهور : عُذرا ونُذرا بإسكان الذال فيهما . وقرأ الحرميان وابن عامر وابو بكر : عذرا باسكان الذال ، ونُذُرا بضمها .
انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (29) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ (33) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (34) هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (37) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (40) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (45) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (46) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (47) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)
لا ظليل : لا يقي من الحر . ولا يغني من اللهب : لا يقي الانسان من لهب النار . بشررٍ كالقصر : ان جهنم ترمي بشرر من النار كل واحدة كالقصر الكبير . جمالة : جمال . صفر : لونها أصفر . ظلال : واحدها ظل ، وهي ظلال الاشجار ، والبيوت وغير ذلك ، ويعبر بالظلال عن الرفاهية والنعيم . وعيون : مياه جارية عذبة تسر الناظرين . اركعوا : صلوا . (3/396)
يبين الله تعالى في الآيات من رقم 29 { انطلقوا إلى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } الى رقم 40 ، نوعَ ذلك العذاب الشديد الهائل ، فأخبر تعالى بأنهم يقال لهم : انطلقوا الى ما كنتم به تكذّبون في الدنيا ، الى ظلٍ من دخانِ جهنم ، المتشعبِ لكثرته وتفرقه الى ثلاثِ شعب عظيمة . وهو مع ذلك لا يُظلُّهم ، ولا يمنع عنهم حرَّ اللهب الذي تقذف به جهنم ، حيث ترمي بشررٍ عظيم كل واحدة كالقصر الكبير ، وكأنه جمالٌ صفر تنطلق وتتفرق في أعداد غير محصورة . ثم أتبع ذلك بأن الويلَ للمكذبين بذلك اليوم الذي اقسَم الله تعالى بأنه وقاع لا محالة . وهم في ذلك اليوم لا ينطِقون من شدة الدهشة و الخوف والحيرة ، ولا يُسمح لهم بالاعتذار فيعتذرون . وكرر أن لهم الويل والهلاك يومئذٍ ، حيث يتم الفصل بين المُحقِّ والمبطِل ويجازَى كل واحد بما يستحق .
ثم بين كيف يكون الفصل في ذلك اليوم فقال :
{ هذا يَوْمُ الفصل جَمَعْنَاكُمْ والأولين فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ }
لقد جمعنا بينكم وبين من تقدَّمكم من الأمم ، فان كان لكم حيلة في دفع العذاب عنكم فاحتالوا لتخلِّصوا أنفسكم منه ، ولكن هيهات { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } بوعيد الله .
ثم بين ما يكون للمؤمنين من السعادة والنعيم والكرامة في ذلك اليوم ، فانهم يكونون في ترفٍ ونعيم ، ويأكلون فواكه مما يشتهون ، فيقال لهم : { كُلُواْ واشربوا هنيائا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا من الصالحات { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين } وكما جزينا هؤلاء المتقين ، نجزي أهل الاحسان لطاعتهم وعبادتهم لنا ، فلا نضيع لهم اجرا . { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } .
وفي كل هذا تهديد ووعيد . . كلوا من لذائذ الدنيا ، واستمتعوا بشهواتها الفانية فان البقاء فيها قليل ، وأنتم مجرمون لا تستحقون التكريم . وهلاكٌ يومئذ للمكذبين ، فهم اذا قيل لهم صلّوا لله واخشَعوا ، لا يُصلّون ولا يخشعون ، بل يصرّون على كفرهم واستكبارهم فالهلاك لهم في ذلك اليوم .
ثم ختم السورة بالتعجب من هؤلاء الجاحدين الذين لم يؤمنوا ولم يستجيبوا لنصح الداعي ولم يتبعوا المرسلين ، فقال :
{ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ }
اذا لم يؤمنوا بهذه الدلائل والمعجزات ، ولم يستمعوا لهذا القرآن العظيم ، فبأي كلامٍ بعده يصدّقون .
قراءات
قرأ الجمهور : فقدرنا بفتح الدال من غير تشديد . وقرأ نافع والكسائي : فقدّرنا بتشديد الدال المفتوحة . وقرأ الجمهور : جمالات بكسر الجيم والجمع ، وقرأ حفص وحمزة والكسائي : جمالة . وقرأ الدمهور : فبأيّ حديث بعده يؤمنون بالياء . وقرأ ابن عامر ويعقوب : تؤمنون بالتاء .
عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)
عم ، أصلها عن ما : عن أي شيء يتساءلون . النبَأ : الخبر ، نبأ الشيء نبْئاً ونبوءاً ارتفع ، وظهر . وعلى القومِ ، طلع عليهم . ونبأ الرجل نبئا : أخبر . والنبوءة : النبوَّة . والنبيءُ ، النبيّ المخبر عن الله عز وجل . كلا : للردع ونفي الزعم الباطل . مهادا : فراشا ممهدا للناس ، وقد جعل الله الأرض موطئا للناس وجميع المخلوقات يقيمون عليها ، فهي فراش لهم . أوتادا : جمع وتد ، والجبال كالأوتاد المغروزة في الارض تحفظ توازنها ، وتمنعها من الاضطراب والميلان . ازواجا : ذكرا وأنثى ليتم الائتناس والتعاون على هذه الحياة وحفظ النسل وتكميله بالتربية . سباتا : راحة ، سَبَتَ سَبْتا : نام واستراح وسكن . لباسا : سترا ، لباس الجسم ما يستره . والليل شبيه باللباس لأنه يستر الاشخاص بظلمته . معاشا : وقتا لتحصيل اسباب المعاش . سبعا شدادا : سموات قوية محكَمة . سراجا وهاجا : وهذا السراج العظيم هو الشمس . المعصِرات : السحب التي تجيء بالمطر الذي يحيي الأرض ويغيث الناس . ثجّاجا : منصبّا بكثرة ، وهو المطر الغزير . حَبا : وهو ما يقتات به الناس من جميع انواع الحبوب . ونباتا : جميع انواع الخضار . جنات : واحدها جنة ، وهي الحدائق والبساتين ، الفافا : ملتفة الاغصان ، كثيرة الشجر . (3/397)
كان الناس في مكة وغيرها في أول بعثة النبي صلى الله عليه وسلم يسأل بعضُهم بعضا عن رسالة النبي ، ويسألون غيرهم ممن عنده عِلم فيقولون : هل هو رسول من عند الله؟ وما هذا الخبر الذي جاء به ويدعي أنه مرسَل من قِبل الله ، ويدعو الى توحيده والى الاعتقاد بالبعث واليوم الآخر؟ وكان هذا شيئا جديدا عليهم ، فردّ الله عليهم بقوله تعالى :
{ عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ النبإ العظيم الذي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ }
عن أي شيء يتساءلون؟ عن هذا الخبر العظيم الذي اختلفوا فيه ، بعضهم ينكره ، وبعضهم يتردد في صحته . إنهم لم يسمعوا به من قبل ، لذلك استغربوا خبرَ البعث والحياة بعد الموت . وقالوا : هذا مستحيل ، { وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر } [ الجاثية : 24 ] ؟
ثم ردّ الله عليهم الإنكارَ والترددَ بقوله :
{ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ }
ليس الأمرُ كما يزعم هؤلاء المنكِرون للبعث بعد الموت ، ستنكشِفُ لهم الحقيقةُ وسيعلمون حقيقةَ الأمرِ حين يُبعثون ويَرَون صحةَ الخبر ، يومَ تقومُ الساعة ويفصِل الله بينهم في كل ما اختلفوا فيه .
ثم شرع يبيّن لهم عظيمَ قُدرته ، وآياتِ رحمته التي غَفَل عنها أولئك المنكِرون مع أنها أمامهم وبين أعينِهم في كل حِين . فذكر من مظاهرِ قدرته تسعةَ أمور يشاهِدونها فقال :
{ أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مِهَاداً }
1- الم نبسُط لهم هذه الأرضَ التي يعيشون عليها ، ونمهّدها لهم لِيسيرَ الناسُ عليها والحيوان ، ويستقروا بها .
2- { والجبال أَوْتَاداً } فالجبالُ جعلها الله مثلَ الأوتاد ، تحفظ توازنَ الأرض ، اذ يبلغ سُمكُ الجزء الصلب من القشرة الارضية نحو ستين كيلومتراً ، وتكثر فيه التجاعيد فيرتفع حيث تتكون الجبالُ ، وينخفض لتكونَ بطونُ البحار وقيعان المحيطات والأودية .
وهو في حالة التوازن بسبب الضغوط الناتجة من الجبال . . فقشرةُ الأرض اليابسة تُرسيها الجبال ، فهي كالأوتاد التي تحفظ الخيمةَ من السقوط . ولولا الجبالُ لكانت الارض دائمةَ الاضطراب بما في جوفها من المواد الشديدة الغليان ، الدائمة الجَيَشان ، والتي نشاهد بعضاً منها عندما تنفجر البراكين . (3/398)
3- { وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً } جعلناكم ذكراً وأنثى لحِفظ النسل ، وليتمَّ التعاون على سعادةِ هذه الحياة ، وتربية النسل .
4- { وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً } وجعلنا النومَ راحةً لكم من عَناءِ الأعمال التي تزاولونها في النهار ، وانقطاعاً عن السعي . وفيه نعمةٌ كبيرة على الانسان ، ففيه يتوقف نشاط الجزء المدرِك الواعي من المخّ ، ويحصل هبوط كبير في نشاط كافة أعضاء الجسم وأنسجته مما يترتب عليه انخفاضٌ في توليد طاقة الجسم وحرارته . وهكذا يأخذ الجسم أثناءَ النوم نصيباً من الهدوء والراحة بعد عناء المجهودات العضلية والعصبية ، فتهبط جميع وظائف الجسم الحيويّة ، ما عدا عمليات الهضم وإفراز البول من الكليتين ، والعَرق من الجلد . . . أما التنفس فيبطئ ويصير أكثر عمقا ، كما ينخفض ضغطُ الدم ، وتبطئ سرعة النبض ، ويقل مقدار الدم الذي يدفعه من القلب . وكل هذا يسبّب الراحةَ للإنسان في مدة نومه ، ويحدّد نشاطه حين يفيق .
5- { وَجَعَلْنَا الليل لِبَاساً } وجعلْنا الليلَ بظلامه ساتراً لكم ، كاللّباس الذي يغطي الجسمَ ويستُره ، اللّيل شبيه باللّباس لأنه يستر الأشخاصَ بظُلمته . وللناسِ في هذا السَّتر فوائدُ اللباس .
6- { وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً } وجعلنا النهارَ وقتَ سعيٍ لكم ، تسعون فيه لتحصيل ما به تعيشون وتتصرّفون . فكما كان النومُ انقطاعاً عن الحياة ، كانت اليقظةُ حياة . والنهارُ زمنُ هذه الحياة ، فيه يستيقظ الناس ويتقلبون في حوائجهم ومكاسبهم .
7- { وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً } وأقمنا فوقكم سبعَ طرائق للكواكبِ السيّارة التي تشاهدونها . . وقد خصّها بالذِكر لظُهورها ومعرفةِ العامة لها ، ولم يفصِّل ما في هذا الكونِ العجيب الواسع من عوالمَ ومجررّاتٍ لا حصرَ لها لأنهم لا خبرة لهم فيها ، ولا علم . فاكتفى بما يرون ويشاهدون من إحكام الصنعة ودقة نظام دورانها وسَبْحها في هذا الفضاء .
8- { وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً } وخلقنا لكم في نظامِكم هذا شمساً منيرةً ساطعة الوهج ، دائمة الحرارة . والشمسُ كما ثبت علمياً تبلغ درجةُ حرارتها على سطحها الوهج ، دائمة الحرارة . والشمسُ كما ثبت علمياً تبلغ درجةُ حرارتها على سطحها المشِعّ ستةَ آلاف درجة مطلقة ، اما المركز فتزيدُ فيه درجة الحرارة على ثلاثين مليون درجة ، بسبب الضغوطِ العالية في الموادّ التي فيه ، فهي سِراج وهّاجٌ حقيقةً لما فيها من الحرارة .
9- { وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات مَآءً ثَجَّاجاً } وانزلنا من السُحب والغبوم ماءً دافقاً منهمِراً بشدة .
ثم بيّن عظيم نفع الماء وجليل فائدته فقال :
{ لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً } لنخرِجَ لكم بهذا الماءِ العظيمِ حَبّاً ونباتا ، غذاءً لكم وللحيوان ، وحدائقَ وبساتينَ ذاتَ أشجارٍ ملتفة ، وأغصانٍ متشابكة .
والمطرُ هو المصدر الوحيد للماءِ العذْب على الأرض . والأصل فيه تكاثُف أبخِرةِ الماء المتصاعدة من المحيطات والبحار وتشكُّله في صورة سحب ، تتحولُ الى نقط من الماء او قطع من الثلج ، وتتساقط على الأرض بقدرة الله تعالى على هيئة مطر او ثلج او بَرَد .
قراءات
قرأ الجمهور : كلا سيعلمون بالياء ، وقرأ ابن عامر : ستعلمون بالتاء .
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30)
يوم الفصل : يوم القيامة لأن الله تعالى يفصل فيه بين الناس . ميقاتا : وقتاً للحساب والجزاء . أفواجا : جماعات ، واحده فوج . وسُيرت الجبال : زالت عن أماكنها . سرابا : السراب ما يرى في نصف النهار كأنه ماء وهو خيال ليس بشيء ، وكذلك تسير الجبال . مرصادا : مكان الارتقاب والانتظار . للطاغين : للمعتدين الظالمين . مآبا : مرجعاً . لابثين : مقيمين . أحقابا : واحدها : حُقب وحِقب ، وهو المدة الطويلة من الدهر . حميما : ماء حارا . غسّاقا : صديدا وعرقا دائم السيلان من اجسادهم . وِفاقا : وفق أعمالهم السيئة . كِذّابا : تكذيبا . كتابا : كتابة . (3/399)
بعد ان نبّه الله عبادَه الى هذه الظواهر الباهرة ، ووجه انظارهم الى آياته في هذا الكون العجيب - أخذ يبيّن ما اختلفوا فيه ونازعوا في إمكان حصوله وهو يومُ الفصل ، ويذكُر لهم بعضَ ما يكون فيه ، تخويفاً لهم من الاستمرار على التكذيب بعد ما وضَحت الأدلةُ واستبانَ الحق .
{ إِنَّ يَوْمَ الفصل كَانَ مِيقَاتاً } إن يوم القيامة هو يومُ الفصلِ بين الخلائق ، وهو ميعاد مقدَّر للبعث .
ثم بيّن هذا اليومَ وزاد في تهويله فقال :
{ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً }
في ذلك اليومِ يُنفخ في البوق فتُبعثون من قبورِكم وتأتون الى المَحْشَرِ جماعاتٍ جماعاتٍ . { وَفُتِحَتِ السمآء فَكَانَتْ أَبْوَاباً } وانشقّت السماءُ من كل جانب وتصدّعت فصارت أبوابا ، وذلك هو خرابُ العالم ونهايتُه . وعلينا أن نؤمن بما ورد من النفخ في الصور وليس علينا ان نَعلم ما في حقيقة ذلك الصور ، لأن الحياةَ الآخرة وجميعَ ما فيها تختلف عن حياتنا الدنيا .
{ وَسُيِّرَتِ الجبال فَكَانَتْ سَرَاباً }
وزالت الجبالُ عن أماكنها وتفتَّتَتْ صخورُها وذهبت هَباءً كالسراب . فالآخرةُ عالم آخر غير عالم الدنيا التي نحن فيها ، فنؤمن بما ورد به الخبر عنها ولا نبحث . فالنشأةُ الاخرى قد تكون غير هذه الحياة فتكون السماء بالنسبة إلينا أبوابا ندخُل من أيها شئنا بإذن الله . وقد يكون معنى تفتُّح السماء ما عنى بقوله : إذا السماءُ انشقّت . . اذا السماءُ انفطرت . . يوم تَشَقَّقُ السماءُ بالغمام . . يعني يومَ يقعُ الاضطراب في نظام الكواكب ، فيذهب التماسُك بينها ولا يكون فيها ما يسمّى سماء الا مسالكَ وأبواب لا يلتقي فيها شيء بشيء ، وذلك هو خرابُ الكون .
وقد ذُكر زوالُ الجبال في القرآن في عدة آيات منها قوله تعالى { وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً } [ الحاقة : 14 ] .
وقوله : { وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش } [ القارعة : 5 ] ، وقوله { وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً } [ الواقعة : 5 ، 6 ] .
وبعد ان عدّد الله تعالى وُجوهَ إحسانه ، ودلائلَ قدرته على إرسال رسوله الكريم ، وذكَرَ يومَ الفصل وما فيه من أهوال وشدائد - ذكر هُنا وعيدَ المكذّبين وبيانَ ما يلاقونه فقال :
{ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً . . . }
ان جهنّم تترصَّد وتنتظر الجاحدين ، وهي منزلُهم ، ومرجعُهم إليها ، حيث يستقرّون دهوراً متلاحقة كلّما انقضى زمن تجدَّد لهم زمن آخر .
أما أحوالهم فيها وما يذوقونه من عذاب فقد بيّنه بقوله : (3/400)
{ لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً . . . . . }
إنهم لا يذوقون في جهنّم نَسيماً يُنَفِّسُ عنهم حَرَّها ، ولا شراباً يسكِّن عطشهم فيها ، بل يجدون ماء بالغاً الغاية من الحرارة ، وصديداً مُنِتنا يزيد في عذابهم ، وهو جزاء موافق لأعمالهم السيئة . والسببُ في ذلك كله : إنهم لم يؤمنوا بالله ولا بالبعثِ والحساب والجزاء . كما أنهم :
{ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كِذَّاباً }
أي بالغوا في التكذيب بآياتنا وما فيها من براهينَ وبيّنات .
ثم بين الله تعالى أن كل شيء من أعمالهم مكتوبٌ يُنْشَر يومَ القيامة .
{ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً }
أي أحصيناه مكتوباً في كتابٍ { لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } [ الكهف : 49 ] .
{ فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً }
فذوقوا ما أنتم فيه من العذابِ الأليم ، فلنْ يكون لكم منا إلا عذابٌ أشدّ وأقوى . وكما جاء في قوله تعالى : { هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ } [ ص : 57 ، 58 ] .
قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : لم ينزِل على أهل النار آيةٌ أشدّ من هذه الآية { فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً } .
قراءات
قرأ أهل الكوفة : وفتحت السماء : بالتخفيف ، وقرأ الباقون : وفتّحت بتشديد التاء . وقرأ حمزة وروح : لَبِثينَ بكسر الباء من غير الف بعد اللام ، وقرأ الباقون : لابثين بالف بعد اللام . وقرأ حفص وحمزة والكسائي : غسّاقا بالتشديد ، والباقون غَسَاقا بفتح الغين والسين من غير تشديد .
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا (39) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (40)
مفازا : فوزا عظيما بالجنة . كواعب : جواري صغيرات السّن ، واحدها كاعب . أترابا : متقاربات في السن واحدها تِرب . دهاقا : ممتلئة ، مترعة . لغواً : اللغو هو الباطل وكل ما لا فائدة فيه . كِذّابا : تكذيبا . عطاءٌ : تفضلا منه واحسانا . حسابا : كافيا وافيا . خطابا : مخاطبة . الروح : جبريل . مآبا : مرجعا . ما قدّمت يداه : ما عمل من خير أو شر . (3/401)
بعد أن بيّن حالَ المكذّبين الجاحدين وما يلاقونه من عذاب أليم ، ذكر هنا ما يفوز به التقاةُ من الجنات ، ووصفها ووصف ما فيها . ثم ذكر أن ذلك عطاء لهم من مالِكِ السموات والأرض ، عظيم الرحمة والإنعام ، الذي لا يملك أحد من أهل السموات والأرض ان يخاطبَه في شأنِ الثواب والعقاب ، بل هو المتصرِّفُ فيه وحدَه يومَ يقوم الروحُ والخَلق المقدَّس من عالَم الغيب والملائكة صفاً ، ولا يمكن لأحدٍ ان يتكلّم الا من أذِن له الرحمنُ ونطق بالصواب ، فقال :
{ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً }
ان للمؤمنين الذين اتقَوا وعملوا الصالحاتِ فوزاً كبيرا ونجاةً من العذاب ، وظَفَراً بالجنة ، التي تشتمل على الحدائق والأعناب وجميع ما لذَّ وطابَ من الثمرات ، { وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً } من جواري الجنة ، عذارى متقاربات في السن . وهناك يشربون بكؤوس مملوءة من الذّ شرابِ الجنة ، ولا يسمعون شيئاً من الباطل واللغو ، ولا كذبا من القول .
وكل هذا الفضل والاحسان والنعيم :
{ جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً }
ينالونه تفضلاً منه وإحساناً جزاءَ اعمالهم الخيرة . فالله الّذي رضي عنهم هو ربُّ السموات والأرض الذي وسِعت رحمتُه كلَّ شيء ولا يملك أحد مخاطبتَه تعالى بالشفاعة إلا بإذنِه ، يوم يقوم جبريلُ والملائكة مصطفّين خاشِعين لا يتكلّم أحدٌ منهم الا من أذِن له الرحمنُ بالكلام ، ونطق بالصواب .
ثم بيّن الله تعالى أن ذلك اليومَ حقٌّ لا ريبَ فيه ، { ذَلِكَ اليوم الحق } ، حيث الناس فريقان : فريق بعيد من الله ومآله الى النار ، وفريق مآبُه القُرب من الله .
{ فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ مَآباً } .
بن يعملَ عملاً صالحا يقرّبه منه ويُحِلّه دارَ النعيم .
ثم عاد الى تهديدِ المعانِدين وتحذيرِهم من عاقبة عنادهم . . بأنهم سَيَعلمون غداً ما قدّمت أيديهِم ويندمون حيثُ لا ينفع الندم . فقال في خاتمة هذه السورة الكريمة :
{ إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ المرء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَاباً } .
قراءات
قرأ الجمهور : كذابا بتشديد الذال ، وقرأ الكسائي : كذابا بتخفيفها . وقرأ ابو عمرو : ربُّ السموات والأرض الرحمن ، برفع رب والرحمن ، والباقون بالكسر . وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب : الرحمن بالجر . وقرأ حمزة والكسائي بجر رب السموات ، ورفع الرحمن .
نسأل الله تعالى ان يثبّتنا بالقول الثابت ، ويجعلَنا من الذين ينطقون بالصواب ، ويهديَنا إلى العملِ بكتابه وسًنة نبيه ، وان يجمع كلمتنا ويوحّد صفوفنا لنحميَ أنفسَنا ونصون أوطاننا مما يهدّدنا من الأعداء . . .
وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14)
النازعات : الملائكة ، أو الكواكب . غرقاً : بشدة . الناشطات : التي تنشط في اجابة أمر ربها . السابحات : الطائرات في هذا الكون الفسيح كأنها تسبح سبحا . السابقات : المسرعات في أداء ما وكل اليها . المدبّرات : التي تدبر الأمور بإذن الله . ترجُفُ : تضطرب . الراجفة : الارض . الرادفة : السماء . واجفة : خائفة . خاشعة : ذليلة . الحافرة : الحياة الاولى ، يقال رجع الى حافرته : رجع الى طريقته الأولى . النخِرة : البالية . كرّة خاسرة : رجعة يخسَر أصحابها . زجرة واحدة : صيحة واحدة . الساهرة : أرض المحشَر . (3/402)
لقد جاء في القرآن الكريم ضروبٌ من القسَم بالأزمنة والأمكنة وبعض الاشياء ، ولو استعرضْنا جميع ما أقسم الله به لوجدناه إما شيئاً أنكره بعضُ الناس ، أو احتقره لغفْلتِه عن فائدته ، أو ذُهل من موضع العبرة فيه ، ولم ينتبه الى حكمة الله في خَلْقه أو اعتقدَ فيه غيرَ الحق . فاللهُ سبحانه يقسِم به إما لتقرير وجودهِ في عقلِ من يُنكره ، أو تعظيمِ شأنِه في نفسِ من يحتقرُه .
فالقسَم بالنجوم ، جاء لأن قوماً يحقّرونها لأنها من جُملة عالَم المادّة ويغفلون عن حكمة الله فيها وما ناطَ بها من المصالح ، وآخرين يعتقدونها آلهة تتصرّف في هذه الأكوان ، فأقسَمَ اللهُ بها على أنها من المهلوقات التي تعرفُها القدرة الإلهية ، وليس فيها شيء من صفات الألوهية .
ولقد بدأ اللهُ سبحانه هذه السورة بالحَلْف بأصنافٍ من مخلوقاته ، إظهاراً لإتقان صُنعها وغزارة فوائدها بأن البعثَ حق ، وأن من قَدر على صُنعِ هذا الكونِ وما فيه لهو قادرٌ على إحياء الموتى .
فأقسَم بالنازعاتِ ، وهي الملائكةُ التي تنزع أرواح الكافرين بشدّة؛ والناشطات ، وهي الملائكةُ التي تأخذ أرواحَ المؤمنين بسهولة ويسر؛ وبالسابحات التي تسبحُ في أجواء هذا الكون الفسيح ، والسابقات وهي التي تسبقُ في أداء ما وُكِلَ إليها وتؤدّيه على أحسن وجه ، والمدبّراتِ أي التي تدبّر الأمورَ بإذن الله وتصرفها بما أودع فيها من خصائص . ويقول بعض المفسّرين إن النازعات والناشطات والسابحات والسابقات والمدبّرات هي الكواكب . ونحن لا نستطيع أن نجزم بشيء من هذه الأقوال لأنها لا تستند الى دليل .
{ يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة . . . . } يومَ تقوم القيامةُ تضطربُ الأرض بمن فيها وترجفُ الأرضُ والجبال . . وتتبعها الرادِفةُ ، وهي النَّفخة الثانية ، فتنشقّ السماء وتَنتثِر الكواكب ويقوم الناسُ لربّ العالمين . كما قال تعالى : { وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } [ الزمر : 68 ] . ويكون الناس في ذلكَ اليومِ في ذهولٍ عظيم ، وخوفٍ وهلع ، كما صوّرهم الله بقوله : { يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ } [ الحج : 2 ] .
يومئذٍ يرى المرءُ قلوباً مضطربةً قلِقة خائفة { أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ } ذليلةً من الهلعَ والخوف .
ثم يتساءل المجرمون وهم يظنّون أنهم رُدّوا الى حياتهم الأولى : (3/403)
{ يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الحافرة أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً؟ }
أنحنُ مردودون الى الحياةِ ، عائدون في طريقنا الأُولى؟! وهذا من شدّة ذهولهم ودَهشتهم كيف يرجعون بعد ان كانوا عظاماً بالية! ثم يعودون إلى رُشدهم فيقولون ( بعد أن يعلموا أنها حياة اخرى ويشعروا بالخسارة ) { قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ } لم يحسِبوا حسابها ، ولم يقدّموا لها .
ثم يأتي الرد الشديد من الله تعالى :
{ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُم بالساهرة }
لا تستبعِدوا ذلك وتظنّوه عَسيرا علينا ، فإنما هي صَيْحة واحدةٌ ، وهي النفخة الثانية التي يبعثُ الله بها الموتَى ، فإذا الناسُ كلّهم حضورٌ بأرض المحشر .
قراءات :
قرأ الجمهور : عظاما نخرة بفتح النون وكسر الخاء ، وقرأ حمزة والكسائي وابو بكر : ناخرة بألف بعد النون .
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33)
الواد المقدس : الوادي المبارك ، طوى : اسم ذلك الوادي ، وهو بين العقبة ومصر . طغى : تجاوز الحد فتكبر وكفر . تزكّى : اصلها تتزكى بتاءين : تتطهر من الشرك . أهديك : أدلّك . الآية الكبرى : العلامة الدالة على صدق موسى ، وهي انقلاب العصا حية . أدبر يسعى : ذهب يدبّر المكايد لموسى . فحشر : فجمع السحرة . النكال : العذاب . رفع سَمكها فسوّاها : خلقها بأحسن نظام . أغطشَ ليلها : جعله مظلما . أخرجَ ضحاها : اظهر نورها وضياء شمسها . دحاها : مهّدها وجعلها قابلة للسكنى . مرعاها : نباتها . ارساها : أثبتها . متاعا : متعة ومنفعة لكم ولأنعامكم . (3/404)
يذكر الله تعالى قصةَ موسى وفرعون تسليةً للرسول الكريم على ما يلاقيه من قومه ، بحكْمِ تكذيبهم له وإنكارهم للبعث ، وتماديهم في العُتُوِّ والطغيان . وذلك أن فرعون مع أنه كان أقوى من كفار قريشٍ وأشدَّ منهم شوكةً وأعظمَ سلطانا فإن الله أخَذه حينَ تمرد على ربه ولم يؤمن بموسى ، فاحذَروا أن يصيبَكم ما أصابه . وقصة موسى وفرعون من أكثر القصص التي ترِدُ في القرآن في اساليب متنوعة . وهنا جاءت مختصرة سريعة في اسلوب استفهام رشيق مشوّق لتناسب طبيعة السورة .
{ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى . . . . الآيات }
هل أتاك - يا محمد - حديث موسى مع فرعون ، حين ناداه ربُّه في وادي طوى المقدّس في سيناء ، حيث أمره أن يذهب الى فرعون وقومه ليهديهم الى الطريق المستقيم ، بعد أن طغى واستكبر واستعبد الناس!
ثم طلب الله تعالى الى موسى ان يُلينَ له القولَ فذلك أنجحُ للرسالة .
{ فَقُلْ هَل لَّكَ إلى أَن تزكى وَأَهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فتخشى }
هذا كلام جميل في غاية الرقة واللطف . قل له يا موسى : هل ترغبُ أن تطهِّر نفسَك من الآثام التي انغمستَ فيها ، وتعملَ بما أدلُّك عليه من طُرُق الخير ، فترجعَ الى ربك وتؤمن به ، وتخشى عاقبة مخالفته .
ثم أراه الدليلَ الحسّيَّ على صدق نبوته { فَأَرَاهُ الآية الكبرى } وتلك هي قلبُ العصا التي معه حيّةً تسعى . فلم يقنع فرعون بما رأى وقال إنّ هذا سِحرٌ { ثُمَّ أَدْبَرَ يسعى } في تدبير سحرٍ مثله ، { فَحَشَرَ فنادى فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى } حيث جَمَعَ السحرةَ وخطب فيهم قائلا إنه هو الربّ الأعلى ، لا سلطانَ يعلو سلطانه .
{ فَأَخَذَهُ الله نَكَالَ الآخرة والأولى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يخشى } . فعذّبه الله تعالى بالغَرَقِ في الدنيا ، وبعذاب جهنم في الاخرة . . وفي هذا عبرة وموعظة لمن يخاف الله وله عقل يَتدبر وينظر في عواقب الأمور .
إن الله سينصرك يا محمد على قومك كما نَصَرَ موسى على فرعون ، وكان أشدَّ بأساً وأكثر جنداً من قومك هؤلاء . فاتبع يا محمد نهج موسى ، ولِنْ لهم في الحديث ، واصبر فإن الفوز لك .
وبعد أن أورد قصص موسى وفرعون هذه عاد الى مخاطبة الجاحدين المنكرين من قريش بأن من خَلَقَ هذا الكونَ العجيب الكبير وما فيه - لا يُعجِزه بعثهم من جديد بعد موتهم .
فإن كانوا قد غفلوا عن أنه خالقُهم ، فلْينظروا الى السماءِ والى الأرضِ ليعلموا من خَلَقَهما وانسأهما . (3/405)
{ أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السمآء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا } .
أيّهما أعظم : اعادةٌ الناس كما بدأهم أولَ مرة أم إنشاء السماء في هذا النظام البديع الذي لا يختلف ولا يختلّ بل يسير فيه كل جرم في مداره! لقد رفع صانعُها أجرامها فوق رؤوسنا ووضعَ كل جرمٍ في وضعه .
{ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا } .
لقد جعل ليلها مظلماً عندما تغيبُ الشمس ، وأضاءها بشروق الشمس وارتفاعها وقت الضحى ، وهو أشرفُ اوقاتها وأطيبها .
{ والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا } .
ثم بسط الأرضَ ومهّدها للسكنى وسيّر الناسَ والأنعام عليها . فلفظةُ دحاها تعني التكويرَ والبسطَ في ذات الوقت ، فتكون أدلَّ الالفاظ على الأرض المبسوطة في الظاهر المكوّرة في الحقيقة . . وهذا منتهى الإحكام في اختيار اللفظ المناسب .
ثم بيّن ما لا بدّ منه في تأتّي سكناها من أمرِ المآكل والمشارِب وإمكان القرار عليها فقال :
{ أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا }
فجّر منها العيون والينابيع والانهار لأن الماء أساس الحياة ، { وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ } [ الأنبياء : 30 ] . وأنبت فيها النبات الذي يأكله الناسُ والحيوان . ثم بعد ذلك ثبَّتَ الجبالَ في أماكنها وجعلَها كالأوتاد ، حتى تحفظَ توازن الأرض . وهذا كله جعله الله { مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ } أي لخيرِ الإنسان يتمتع به . فهل الذي أوجده وأنشأه أولَ مرة يعجز عن إعادته وإنشائه مرة أخرى؟ { وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم : 27 ] .
قراءات :
قرأ الجمهور : تزكّى بفتح الزاي من غير تشديد ، وقرأ نافع وابن كثير : تزكى بتشديد الزاي ، وقرأ أهل الحجاز والبصرة : طُوى بغير تنوين . والباقون بالتنوين .
فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)
الطامة الكبرى : يوم القيامة لشدة اهوالها ولأنها تطمّ على كل أمر هائل . وبُرّزت الجحيم : ظهرت للعيان . آثر : فضّل . المأوى : المستقر . مقام ربه : جلاله وعظمته . نهى النفسَ عن الهوى : استقام وكفّها عن هواها . الساعة : يوم القيامة . أيّان مرساها : متى تقوم وتحصل . إلى ربك منتهاها : عِلمُ حصولها عند الله . لم يلبثوا الا عشية أو ضحاها : عندما يرون يوم القيامة يظنون انهم لم يقيموا إلا عشيةً من النهار أو وقت ضحاه . (3/406)
بعد ان ذكر الله تعالى خَلْقَ السموات والأرض وما في هذا الكونِ من إبداعِ عجائب الخلق والتكوين ، وبيّن انه قادرٌ على نشر الأموات كما قَدر على خلْقِ هذا الكون العجيب - بيّن هنا صدق ما أوحى به الى نبيّه الكريم من أن ذلك اليوم آت لا ريب فيه . فاذا جاءت الطامّةُ الكبرى في هولها العظيم ، تُعرَضُ الأعمالُ على الناس ، فيتذكر كل امرئ ما عمل . ويُظهِر الله الجحيمَ للعِيان فيراها كل إنسان . ومن ثم يوزَّع الجزاء على العاملين { فَأَمَّا مَن طغى وَآثَرَ الحياة الدنيا } وفضّل متاعها ولذائذَها على ثواب الآخرة ، { فَإِنَّ الجحيم هِيَ المأوى } حيث يجد مستَقرَّه ومأواه ، { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النفس عَنِ الهوى } ، فآمنَ واستقامَ ونهى نفسَه عن هواها { فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى } ، حيث يجد النعيم الدائم .
{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا } .
يسألك قومك يا محمد متى وقت الساعة ، ومتى وقوعها؟ إن هذا ليس من اختصاصِك ، لا احدَ يعلم عنها شيئاً الا الله ، فلا تشغل نفسَك بهذا الأمر ولا تكلّفْها عناءَ البحث عنه .
{ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا }
إنما أنت رسولٌ مبعوث للانذار والتعليم فدعْ علم ما لم تكلَّف به ، واعمل ما أُمرت به . { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة } [ لقمان : 34 ] ، { إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ } [ الأعراف : 187 ] .
{ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يلبثوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا }
ان يوم القيامة آت لا ريب فيه ، ويوم يراه هؤلاء المكذبون يحسبون أنهم لم يلبثوا في الدنيا الا مقدارَ عشية يوم أو ضحاه ، فما أقصرَ هذه الحياة التي يتقاتل عليها الناس ويلهثون وراءها!
عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16)
عبس : قطّب وجهه من ضيق الصدر . تولّى : أعرض : أن جاءه الأعمى : لأن الأعمى جاء عنده ، يزكّى : يتطهر بما يتعلم من الدين . تصدّى : أصله تتصدّى بتاءين ومعناه تقبل عليه ، وتتعرض له . تلهّى : تتغافل عنه . تذكِرة : موعظة . فمن شاء ذكَره : فمن شاء اتعظ به . في صحف مكرّمة : كتب شريفة في موضع التكريم والتعظيم . مرفوعة : عالية القدر والشأن . مطهَّرة : منزهة عن العبث والنقص . سَفَرة : الملائكة لأنهم السفراءُ بين الله تعالى ورسله الكرام . بررة : جمع بارّ وهم الأطهار . (3/407)
نزلت هذه السورةُ الكريمة في عبدِ الله بن أُم مكتوم ابن خالِ خديجة بنتِ خويلد رضي الله عنها ، وكان رجلاً أعمى ، ومن أول الناس إسلاما . وكان من المهاجرين الأولين والمؤذِّنَ الثاني لرسول الله ، وقد استخلفه الرسولُ الكريم على المدينة ، وكان يصلّي بالناس مرارا . وقد جاء هذا الرجل الى النبي صلى الله عليه وسلم ، وعنده جماعة من زعماءِ قريش منهم : عتبة وشَيبة ابنا ربيعة ، وأبو جهلٍ عمرو بن هشام ، والعباسُ بن عبد المطلب ، وأُميةُ بن خلف ، والوليدُ بن المغيرة . وكان النبي الكريم محتفياً بهم يدعوهم الى الإسلام ويرغّبهم فيه رجاءَ أن يُسلموا ، لأنه يعلم أنهم إذا أسلموا تَبِعَهم خَلْقٌ كثير .
فجاء ابنُ أُم مكتوم وقال : يا رسولَ الله ، أرشِدني ، وعلِّمني مما علمك الله . . وكرر ذلك وهو لا يعلم من عنده . فكره الرسولُ قَطْعَه لكلامه ، وظهر ذلك على وجهه ، إذ عَبَسَ وأعرض عنه .
وقد عاتب الله نبيَّه الكريمَ بأنّ ضَعْفَ ذلك الأعمى وفقره لا ينبغي ان يكون باعثاً على كراهةِ كلامه والإعراضِ عنه ، فإنه حيُّ القلب ذكيُّ الفؤاد ، اذا سمع الحكمةَ وعاها ، فيتطهَّرُ بها من أوضارِ الشِرك .
{ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزكى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذكرى } .
ما يدريك يا محمد لعلّ هذا الأعمى يتطهّر بما يسمعه منك ، وما يتلقاه من العِلم والمعرفة ، او يتذكر بها ويتّعظُ فتنفعُه الذِكرى .
وبعد نزول هذه الآيات جَعل الرسولُ يكرِم عبد الله هذا ويُقبِل عليه ويقول له إذا رآه : أهلاً بمن عاتَبَني فيه ربّي ، ويساله هل لك حاجةٌ .
ثم ذكَر اللهُ بعد ذلك أَمْرَ النبيّ الكريم مع زعماءِ قريش فقال :
{ أَمَّا مَنِ استغنى فَأَنتَ لَهُ تصدى وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يزكى } .
أما من استغنى عن الله بمالِه وقوَّتِه ، فأنت تُقبل عليه حِرصاً على إسلامه ، وتهتمّ بتبليغه دعوتَك ، ولا حَرَجَ عليك أن لا يتطهّر من الشِرك والوثنية ، ولستَ بمطالَبٍ بهدايته . هذا بخلاف من جاءك مسرعاً في طلب الهداية والعلم ، فأنتَ تتلهّى عنه وتتشاغل بهؤلاء الزعماءِ الّذين لا يؤمنون ولا فائدةَ منهم ، لأنّ اكثَرهم جحدةٌ منصرفون الى المادة . لقد ألْهَتْهُم هذه الحياة الدنيا ، فلا ينبغي الانصرافُ إليهم ، والتصدّي لهم لمجرد الطمع في إسلامهم حتى يتبعَهم غيرُهم .
إنّ قوة الانسان في حياةِ قلبه وذكاء لبّه ، والإذعانِ للحق إذا ظهر ، أما المالُ والعصبة والنَسب والأعوان والمراكز والتيجان - فهي كلها عوارٍ تغدو وترتحل ، ولا يدوز ويبقى الا العملُ الصالح . (3/408)
وفي هذا تأذيبٌ من اللهِ تعالى لأمةِ محمد صلى الله عليه وسلم . ولو تأدّبوا به لكانوا اليوم أرشدَ الأمم .
{ كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ } .
إن الله لا ينصر دِينه بأمثالِ هؤلاء المتكبرين الجاحدين ، فلا تهتمَّ يا محمد بهم . انما يُنصَر الحقُّ بالمؤمنين الصادقين أمثالِ ذلك الأعمى . وما هذه الآيات إلا موعظة ، وهذا القرآن كافٍ في الهداية لمن طَلَبها ، وما عليك الا البلاغُ والتذكير ، فمن شاء اتّعظ بالقرآن الذي هو { فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ } عاليةِ القدر والمكانة بتعاليمها وحِكَمها البالغة { بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ } من الملائكة الذين جعلهم الله سفراء بينه وبين رسُله . وهم { لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [ التحريم : 6 ] .
قراءات :
قرأ الجمهور : فتنفعه بضم العين ، وقرأ عاصم : فتنفعه بنصب العين ، وقرأ الجمهور : تصدى بفتح الصاد من غير تشديد ، وقرأ نافع وابن محيصن : تصدّى بفتح الصاد المشددة .
قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)
قُتل الانسان : كلمة تقال للدعاء عليه بالعذاب . فقدّره : أنشأه في اطوار مختلفة . ثم السبيلَ يسّره : ثم سهّل له طريقه . فأقبره : فأماته وذهب به الى القبر . وأنشره : بعثه بعد الموت . وقَضْبا : كل ما يؤكل من النبات والخضار والبقول غضاً طريا . غلبا : ضخمة ، عظيمة . وأبّا : ما ترعاه الدواب . الصاخّة : القيامة ، لأنها تصرع الآذان . شأنٌ يغنيه : شغل يصرفه عن مساعدة غيره . مسفرة : مشرقة ، مضيئة . مستبشرة : فرحة بما نالت من البشرى . عليها غَبرة : ما يصيب الانسان من الغبار والارهاق . ترهقها : تغشاها . قَتَرة : سواد كالدخان . (3/409)
بعد أن ذكر القرآن الكريم على أنه كتابُ موعظةٍ وذكرى وهدى للناس ، يبين الله تعالى هنا جحودَ الإنسان وكفرَه الفاحشَ ولا سيّما أولئك الذين أُوتوا سَعةً من الرزق . ثم يذكّره بمصدر حياته ووجودِه ، وأصلِ نشْأتِه ، وكيف يسَّر له السبيلَ في حياته ثم تولى موتَه وبعثَه . ثم بعد ذلك ينعى على الانسان تقصيره في أمره ، وأنه لا يؤدي ما عليه لخالِقِه ، فيقول :
{ قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ . . . . } .
هذه جملةُ دعاءٍ على كل جاحِد ، والمرادُ بيانُ قُبحِ حالِه وتمرُّده وتكبُّره ، فما أشدَّ كفره مع إحسان الله اليه! والحقُّ أن الانسانَ قد بلغ في كفره بالنعمة الإلهية مبلغاً يقضي بالعجب ، فانه بعد ما رأى في نفسِه من آيات الله ، وبعد ان مضى عليه تلك السّنون الطوال في الأرض ، والتي شاهد فيها ما في هذا الكون الواسع العجيب من شواهدَ وادلّة ونظام بديع - لا يزال يجحَدُ أنعم الله عليه ولا يشكرها . ان الله تعالى لم يدَعِ الانسان سُدى ، فقد أرسل إليه الهداةَ إثر الهداة ، غير ان الانسان ظلّ سادراً في ضلاله ، مغروراً بهذه الحياة الدنيا وما فيها من نعيم زائل .
لذا شرع اللهُ يفصّل ما أجمَلَه ويبيّن ما افاض عليه من النِعم فقال :
{ مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ }
إنه من أصلٍ متواضع جدا .
{ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ }
لقد خلقه اللهُ من نطفةٍ من ماء حقير ، وقدّره أطوارا وأحوالا ، وأتم خَلْقَه ، وأودع فيه من القوى ما يمكّنَه من استعمال أعضائه ، وصوَّره بأجملِ صورةٍ وأحسنِ تقويم .
{ ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ }
ثم مهّد له سبيل الهداية ، وسبيلَ الحياة ، وأودع فيه أعظمَ خصائص الاستعدادِ ليعيشَ في هذه الحياة .
حتى اذا انتهت الرحلة ، صار الى النهاية الّتي يصير إليها كل حيٍّ بلا اختيار .
{ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ }
ثم قبض روحَه وأماته وكرّمه بأن يُقبر .
{ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ }
حتى اذا حان الموعدُ الذي قدّره الله ليوم البعث اعادَه الى الحياةِ للحساب والجزاء . وهذا موعدٌ لا يعرفه إلا الله . إذن فإن الانسانَ ليس متروكا سُدى ، ولا ذاهباً بغير حساب ولا جزاء . فهل قام بواجبه تجاه خالقه؟
{ كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ }
كلا ، إنه مقصّر لم يؤدِ واجبَه ولم يشكر خالقه ، ولم يقضِ هذه الرحلةَ على الأرض في الاستعداد ليومِ الحساب والجزاء .
ثم أردف سبحانه بذكر الآياتِ المنبثّةَ في الآفاق ، الناطقةَ ببديع صُنعِه والتي يراها الانسان أمامه ماثلةً للعيان فقال : (3/410)
{ فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ }
عليه أن يتدبّر شأن نفسه ، وينظر الى طعامه وطعام أنعامه في هذه الحياة : كيف يسذرناه له ودبّرناه! إنا أنزلنا الماءَ من السماء وجعلْنا منه كل شيء حي ، وشققنا الأرضَ بالنبات كما تشاهدونه أمامكم ، فأنبتْنا فيها حَباً يقتاتُ به الناسُ ، وعنباً ونباتاً يؤكل رَطبا ، وزيتونا طيِّبا ونخلاً مثمِرا غذاء جيدا ، وحدائقَ ملتفة الأغصانِ جميلة . { وَفَاكِهَةً وَأَبّاً مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ } .
وبعد ان عدّد الله تعال ىنعمه على عباده ، وذكّرهم بإحسانه اليهم في هذه الحياة ، بحيث لا ينبغي للعاقل ان يتمرد - أردفَ هنا بتفصيلِ بعضِ أحوال يوم القيامة وأهوالِها فقال :
{ فَإِذَا جَآءَتِ الصآخة . . . . }
إذا قامت القيامة التي بصيحتها تَصُكُّ الآذان وتصمّها ، فإن المرء يهرب من أخيه ومن أُمه وأبيه ، وزوجتِه وبنيه . . وهؤلاء هم أعزُّ الناس عنده . إن كل انسان في ذلك اليوم له شأنٌ يَشْغَله عن غيره .
والناس في ذلك اليوم فريقان : فريقٌ ضاحك مستبشر بما سيلقاه من حُسن الاستقبال والنعيم المقيم ، وفريق تعلو وجوهَهم قَتَرةٌ من سوادِ الحزن وكآبته . وهؤلاء هم الذين تمرّدوا على الله ورسوله { أولئك هُمُ الكفرة الفجرة } فمصيرهم الى جهنم .
إن من طلبَ الحق لوجه الحق وعَمِل به بإيمان وإخلاص فهو الذي يضحك ويستبشر يوم القيامة ، ومن اتبع هواه وشغل نفسه بتبرير الأهواء ، واحتقر عقله ، ورضي جهلَه ، وشغل نفسه بالجَدَل والمِراء والتماس الحِيَل لتقرير الباطل وترويج الفاسد ( كما كان يفعلُ أعداء الأنبياء ، ولا يزال يأتيه السفهاء لينصروا به إصرار الاغبياء ) ثم يُتْبع ذلك بأعمالٍ تطابق ما يهوى وتخالف ما يقول . . فهو الى جهنّم . وان المرء لَيجد الواحد من هذه الفئة يزعم الغيرة على الدين ولا تجدُ عملاً من أعماله ينطبق على ما قرره الدين .
فالدِّين ينهى عن المعاصي وهو يقترفها ، والدين يأمر بصيانة مصالح العامة وهو يفتِكُ بها ويبذّرها لمصلحته الخاصة . والدين يطالب أهله ببذلِ المال في سبيل الخير ، وهو يسلب المالَ ليكنزه ، فإن أنفق منه شيئا صرفه في سبيل الشر . والدينُ يأمر بالعدل وهو أظلمُ الظالمين ، والدين يأمر بالصِدق وهو يكذب ويحبّ الكاذبين .
فمن كان هذا شأنه فماذا يكون حاله يوم يتجلى الجبار ، ويرتفع الستار! إنه سوف يجد كل شيء على خلاف ما كان يعرفه ، يجد الحقَّ غير ما كان يعتقد ، والباطلَ هو ما كان يعمل . عندئذٍ يتحقق أن ما كان يظنه من العمل خيراً لنفسه صار وبالاً عليها .
فهذا النوع من الناس سوف تخيب آمالهم يوم القيامة ، ويحاسَبون حسابا عسيرا ، ويصدق فيهم قوله تعالى : { وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أولئك هُمُ الكفرة الفجرة } ، أعاذنا الله من هول ذلك اليوم ، وهدانا برحمته الى العمل الصالح .
قراءات :
قرأ أهل الكوفة أنَّا ، والباقون بكسر الهمزة .
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14)
كوّرتْ : لفَّت ومحي ضَوْؤهَا . انكدرت : تناثرت وتساقطت وانطمس ضوؤها . واذا الجبال سُيرت : زالت عن اماكنها . العشار : النوق الحوامل واحدها عشراء بضم العين وفتح الشين . عُطّلت : أُهملت بدون راع يرعاها ولا طالب . سُجّرت : تأججت نارا ، واختلط بعضها ببعض . زُوجت : قرنت الأرواح بأجسادها . الموءودة : البنت التي دفنت وهي حية . الصحف : هي التي فيها اعمال البشر ، تنشر للحساب والجزاء . كشطت : أزيلت . سعِّرت : أوقدت وأضرمت ، أُزلفت : ادنيت وقرّبت . ما أحضرت : ما قدمته من خير أو شرّ . (3/411)
في هذه الآيات الكريمة تصويرٌ رائع لما يحدثُ يومَ القيامة من أهوالٍ تُشيبُ الأطفالَ . فاذا طُويت الشمسُ واختفت ، وتناثرت النجومُ - وزالت الجبالُ عن أماكنِها ، وأُهملت النوقُ الحوامل ( وقد خصّها الله بالذِكر لأنها أكرم الأموالِ عند العرب ) ، وجمعت الوحوش من أوكارِها ذاهلةً من شدّة الفزع . وإذا تأجّجت البحار وغدَتْ نيرانا ملتهبة ( وتسجيرُ البحار يكون بتشقق الأرض وتفجر النيران من باطنها فيظهر ما فيه من نيران متأجّجة كما نشاهد من ثورات البراكين ) - يذهب الماء عند ذلك بخارا ، ولا يبقى في البحار الا النار . وهذا معنى قوله تعالى { وَإِذَا البحار سُجِّرَتْ } .
واذا قرنت الأنفس بأجسادها وعادت كل نفس الى الجسم الذي فارقتْه عند الموت ، فَزُوِّدت النفوس بأبدانها ، وهي النشأةُ الآخرة ، ( وفي الآية ما يشعر بان النفوس باقية لم تمت ، وانما تزوَّج بالبَدَن بعد انفصالها عنه ) .
واذا أُتي بالموءودةِ وسُئِلت عن السبب الذي لأجْله قُتلت . . ( وكانت هذه العادة عند العربِ من أسوأ العادات ، وكانت فاشيةً عندهم في الجاهلية ، فكان بعضهم يدفنون البناتِ وهن أحياء ، وبعضُهم يقتلونهنّ بشتى الوسائل : إما للغِيرة والحميّة ، وإما من الخوف من الفقر والإملاق ) . فجاء الاسلامُ وأبطلَ هذه العادةَ السيئة ، وأكرم الأنثى ، وأعطاها حقوقها واحترمَها غاية الاحترام ، وحلّت الرحمةُ محلّ الفظاظة ، والرأفةُ محل الغِلظة بفضل هذا الدين القويم . فما أعظمَ نعمةَ الإسلام على الانسانية بأسرها!
{ وَإِذَا الصحف نُشِرَتْ وَإِذَا السمآء كُشِطَتْ وَإِذَا الجحيم سُعِّرَتْ وَإِذَا الجنة أُزْلِفَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ } .
بعد أن تزول السماء ، وتُنشَر الصحف ، ويحاسَب كل انسان على عمله ، وتُبرز الجحيمُ بنيرانها المتأججة ، وتقرَّب الجنةُ للمؤمنين - عند ذلك تعلم كلُّ نفس ما قدّمت من أعمال ، فيذهب أهلُ النار الى جهنم والمؤمنون إلى الجنةِ عند ربهم ، { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ } [ القمر : 55 ] .
والذي يجب علينا أن تعتقدَه أن أعمال العباد تظهر لهم ثابتةً مبيَّنة لا يرتابون فيها يومَ القيامة . وبعد ان اخترع الانسان الكمبيوتر والآلات الحاسبة لم يعدْ هناك شيء مستغرَب في نشر الصحف يوم القيامة ، وفيها حسابُ كل انسان على أدقِّ وجه { وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً } [ الكهف : 49 ] .
قراءات :
قرأ الجمهور : سجّرتْ بتشديد الجيم المكسورة ، وقرأ ابن كثير وابو عمرو : سجرت بتخفيف الجيم ، وقرأ نافع وحفص عن عاصم وابن عامر وابو عمرو : نشرت بكسر الشين من غير تشديد ، والباقون : نشرت بتشديد الشين . وقرأ الجمهور : سعرت بكسر العين المخففة ، وقرأ نافع وحفص وابن ذكوان : سعّرت بتشديد العين .
فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)
الخنّس : جمع خانس وخانسة ، وهي التي تختفي . الجوارِ الكنّس : جمعُ جارية ، والكنس جمع كانس وكانسة ، وهي التي تستتر ، والمراد بالخنّس والكنس النجوم . اذا عسعس : اذا اقبل بظلامه . اذا تنفّس : اذا اسفر وظهر ضياؤه . رسول كريم : جبريل . عند ذي العرش : عند الله . مكين : صاحب مكانة وجاهٍ عند ربه . ثَمّ : بفتح الثاء ، هناك . صاحبكم : محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم . بالأفق المبين : الأفق الأعلى الواضح ، الجهة العليا . ضنين : بخيل . رجيم : مرجوم مطرود من رحمة الله . (3/412)
بعد ان ذكر الله تعالى بعض اهوال يوم القيامة ، وكلَّ ما سبق - أقسم هنا بأيمان مؤكدة بالنجوم الخُنّس ، والكنَّس ، وبالليلِ اذا أقبل ظلامُه ، وبالصبحِ اذا أسفَرَ وظهر نورُه . وما أجملَ قوله تعالى { والصبح إِذَا تَنَفَّسَ } ! ولا يعرف هذه الحقيقة الا الذي يقوم مبكّرا ، ويرى جمالَ إسفارِ الصباح ويشمُّ النسيم العليلَ الذي يُنعش النفوس .
لقد اقسم الله تعالى بهذه الأشياء العظيمة ، أن القرآنَ الكريم ليس من كلام محمد عليه الصلاة والسلام ، وإنما هو كلامُ الله جاء به جبريلُ ، وهو رسولٌ كريم وصاحبُ قوةٍ في أداءِ مهمته ، { عِندَ ذِي العرش مَكِينٍ } وذو جاهٍ ومنزلة عند ربه العليّ العظيم ، كما أنه مطاع بين الملائكة المقربين .
ثم وصف الرسولَ الكريمَ مخاطباً قومه فقال { وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ } فهو محمد الذي عرفتموه وخبرتموه وكنتم تنعتونه « بالأمين »! لماذا بعد ان جاءته الرسالة قلتم عنه انه مجنون؟
{ وَلَقَدْ رَآهُ بالأفق المبين }
كيف تقولون هذه الأقوال الكاذبة عنه ، وهو الذي رأى جبريلَ بالأفق المبين الواضح ، كما جاء في سورة النجم : { مَا كَذَبَ الفؤاد مَا رأى أَفَتُمَارُونَهُ على مَا يرى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أخرى عِندَ سِدْرَةِ المنتهى } [ النجم : 11-14 ] .
{ وَمَا هُوَ عَلَى الغيب بِضَنِينٍ }
ليس محمّد بالمتهَم على القرآن وما فيه ، ولا ببخيلٍ يقصّر في تبليغه وتعليمه ، بل هو ثقةٌ أمين .
{ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ }
ما هذا القرآن الذي يتكلم به النبيّ قولَ شيطانٍ مرجوم مطرودٍ من رحمة الله .
ثم بين لهم انهم قومٌ قد ضلّوا طريقَ الهدى ، وجهِلوا سبيل الحكمة فقال :
{ فَأيْنَ تَذْهَبُونَ؟ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } .
أي طريقٍ أهدَى من هذا الطريق تسلكون!!
ليس هذا القرآن العظيم الا تذكرةً للناس جميعا ، يأمرهم بالخير ، ويزجرُهم عن الشر ، وهو هدايةٌ وتذكِرة { لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ } . أما من يصرّ على الضلال فلا ينتفع بذِكر ، ولا تؤثّر فيه موعظة { وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّ العالمين } وكلٌّ اليه راجعون .
قراءات :
قرأ ابن كثير وابو عمرو والكسائي : بظنين بالظاء ، وقرأ الباقون بضنين ، بالضاد .
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)
انفطرت : انشقت . انتثرت : تبعثرت ، وتفرقت . فُجرت : فتحت على بعضها وزالت الحواجز التي بينها . بُعثرت : فُرقت وأزيل التراب عن الموتى ، واخرجوا منها . ما قدّمت : من اعمال الخير ، وما أخرته ولم تعمله . فسوّاك : جعل اعضاءك سوية متناسبة . فعدَلَك : جعلك معتدلا متناسب الخَلق . في أي صورةٍ ما شاء ركّبك : في صورة حسنة هي من أعجب الصور وأحكمها . الدّين : الجزاء يوم القيامة . حافظين : يحصون أعمالكم . يَصْلونها : يدخلونها . (3/413)
تبدأ السورة بعرض اربعة مشاهد من أهوال يوم القيامة : إذا السماءُ انشقّت وتساقطت كواكبُها متبعثرة ، واذا فُجّرت البحارُ وزال ما بينها من حواجز ، واذا القبورُ فُتحتت وبُعثرت وخَرج من فيها من الناس أشتاتاً ليُرَوا أعمالهم - عند ذلك تَعلَم كلُّ نفسٍ ما عملتْ وما لم تعمَل .
ثم ينتقل الخطاب الى الانسان في صورة عتاب : يا أيها الانسان ، أيُّ شيءٍ خدعَكَ بربك الكريم حتى تجرّأتَ على عصيانه؟ هو الذي أوجدَك من العدَم ، وخلقك في هذه الصورةِ المتناسبة الأعضاء مع اعتدال القامة في أحسن تقويم! وبعد كل هذا نجدكم يا بني آدمَ مكذبين بيوم الدين :
{ كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بالدين } ! ارتَدِعوا عن الاغترار بكرمي لكم ، فإنكم محاسَبون ومسئولون .
ثم بين لهم ان أعمالَهم مكتوبةٌ يُحصيها عليهم ملائكةٌ كِرام كاتبون { يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } من خيرٍ أو شرّ . كما جاء في سورة الزخرف 80 { أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بلى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ } اما كيفية حفظِهم وكتابتهم ، وهل عندَهم أوراق وأقلام ، او هناك ألواح تُرسَم فيها الأعمال - فلا نعلم عن ذلك شيئا ، وإنما نقول : إن قدرة الله كفيلة بأن يخلق من الطرق ما لا يَظلم به عبادَه .
ثم ذكر نتيجة الحساب ، والثواب والعقاب ، وبيّن ان العاملين في ذلك اليوم فريقان : وبيّن مآل كل منهما فقال :
{ إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدين }
ان المؤمنين الأبرار ، الصادقين في إيمانهم - سينالون جناتِ النعيم؛ أما الذين جحدوا وانشقّوا عن أمر الله وهم الفجار - ففي النار ، يدخلونها بعد الحساب .
{ وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ }
ذلك أن وعْدَ الله حقٌّ ، فهم في جهنم لا محالة .
ثم بين الله اهوال ذلك اليوم وشدائده فقال :
{ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين } .
إنك أيها الانسان تجهل ذلكَ اليومَ العظيم ، فهو فوق ما تتصور بشدائده وأهواله .
{ يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } .
لا أحد يملك نفعا ولا ضرا لنفسه ولا لغيره في ذلك اليوم . . وكلّ إنسانٍ مشغولٌ بنفسه . . والأمر في ذلك اليوم لله وحده ، فهو المتفرد بالأمر والنهي ، فلا شفيع ولا نصير ، واليه المرجع والمآب .
قراءات :
قرأ الجمهور : فعدَّلك بتشديد الدال ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي : فعَدَلك بفتح الدال من غير تشديد . وقرأ ابن كثير وابو عمرو يومُ لا تملكُ برفع يوم ، والباقون يومَ لا تملِكُ بالنصب .
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17)
ويل للمطففين : هلاك عظيم للذين يبخسون المكيال وينقصونه ، طفّف المكيالَ : نَقَصَه . اذا اكتالوا على الناس يستوفون . . . . : عندما يكتالون لأنفسِهم من الناس - يأخذون حقهم وافيا ، اما اذا كالوهم أو وزنوهم فإنهم يُنقِصون حقوق الغير . سجِّين : اسمُ الكتاب الذي تُكتب فيه اعمالهم . مرقوم : له رقم وعلامة . أساطير الأولين : أخبار الماضين . ران على قلبِه : غطى عليه . لَمحجوبون : لمطرودون عن أبواب الكرامة . لَصالو الجحيم : داخلون فيها . (3/414)
تبدأ السورة بحربٍ يعلنها الله على أناسٍ يمتهنون سرقة الناس ، سماهم الله « المطفِّفين » ، لأن الشيء الذي يأخذونه من حقوق الناس شيءٌ طفيف ، ولكنه سرقةٌ وغشّ . أما مَن هم ، فهم أولئك الذين يتقاضَون بضاعتهم وافية عند الشراء ويعطونها للناس ناقصةً عند البيع .
ثم جار بصيغة التعجب من عمل هؤلاء المجرمين فقال تعالى :
{ أَلا يَظُنُّ أولئك أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبِّ العالمين؟ }
ألا يخطر ببال هؤلاء المطفّفين أنهم سيُبْعثون ليوم عظيم الهول ، حيث يقف فيه الناس للعرض والحساب!
ولا يخفَى ما في الوصفّ « لربّ العالمين » من الدلالة على عِظَم الذنب في أكلِ أموال الناس بالباطل . فالميزان هو قانونُ العدل الذي قامت به السموات والأرض .
وبعد ان ذكر اللهُ تعالى أنه لا يزاول التطفيفَ ونقصَ الميزان الا من ينكر يومَ القيامة والبعثَ والجزاء - أمر هنا بالكفّ عما هم فيه ، وذكر ان الفجّارَ ، كما سمّاهم ، قد أُعدّ لهم كتابٌ أُحصيتْ فيه جميع أعمالهم ليحاسَبوا عليهاز
{ كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفجار لَفِي سِجِّينٍ ، كِتَابٌ مَّرْقُومٌ }
كفّوا عما أنتم عليه ، فهناك سِجِلٌ لاعمال الفجّار فيه جميعُ أعمالهم اسمه سِجّين ، { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ؟ } إنه شيء عظيم ليس مما كنتَ تعلمه يا محمد أنتَ ولا قومك . ان الأمر اكبرُ وأضخم من أن يُحيط به عِلم ، فهو { كِتَابٌ مَّرْقُومٌ } ، مسطور له علامة واضحة ، لا يُزاد فيه ولا يُنقَص منه ، { لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } [ الكهف : 21 ] .
ثم يأتي بالتهديدِ والوعيد لمن يكذّب باليوم الآخِر فيقول :
{ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ الذين يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدين }
الهلاكُ للجاحدين الذين لا يؤمنون بالآخرة { وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ } يظلُّ يعتدي على الحق ويُصرّ على الكفر ، لأنه من المجرمين الآثمين ، حتى إنه : { إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين } منكراً أن القرآن قد نزل من عند الله وزاعماً انه مجرد خرافات وأباطيل عند الأمم السابقة ، جاء بها محمد ، كما جاء في قوله تعالى : { وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين اكتتبها فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } [ الفرقان : 5 ] .
ثم بيّن الله تعالى ان الذي جرّأَهم على الجحود والتمادي في الإصرار على الإنكار والكفر هي افعالهم القبيحة التي مَرَنوا عليها حتى صاروا لا يميزون بين الخُرافة والحجّة الدامغة فقال : { كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } .
ليس القرآنُ والبعثُ والجزاء من الأساطيرِ والخرافات ، بل عَمِيَتْ قلوبُهم وغطّت عليها أفعالُهم وتماديهم في الباطل ، فطُمسَ على بصائرهم ، والتبست عليهم الأمورُ ولم يدركوا الفرقَ بين الصحيح والباطل . (3/415)
بعد ذلك ردت عليهم السورة ناقضةً ما كانوا يقولون من أن لهم المنزلة والكرامة يوم القيامة .
{ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } .
أما ما تدّعون من انكم تكونون مقرّبين الى الله يوم القيامة ، فهو وهمٌ باطل ، فأنتم مطرودون من رحمة الله ، ومحجوبون عنه بسبب معاصيكم وجحودكم . وكما قال تعالى : { وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ آل عمران : 77 ] .
ثم بين الله مآلهم ومصيرهم فقال :
{ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الجحيم ثُمَّ يُقَالُ هذا الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } .
لقد حُجبوا عن القرب من الله ، وخابَ ظنُّهم الأثيم ، بل إنهم لَذاهبون الى النار حيث يقال لهم تبكيتا : إن هذا العذاب الذي حلّ بكم هو جزاؤكم بما كنتم تكذّبون في الدنيا أخبار الرسولِ الصادق الأمين .
قراءات :
قرأ حفص : بل ران باظهار لام بل ، وقرأ الباقون : بل رّان بادغام اللام بالراء ، وقرأ اهل الكوفة : رِين بالإمالة .
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)
عِليّين : المكان العالي الرفيع القدر ، وهو مقابل : سِجّين . الأرائك : جمع أريكة ، وهي المقعد الوثير المنجّد . نضرة النعيم : بهجته ورونقه . رحيق : شراب خاص . مختوم : ختمت أوانيه . ختامه مسك : مختوم بأطيب انواع الطيب . فلْيتنافس المتنافسون : فليتسابق المتسابقون في عمل الخير ليلحقوا بهم . مزاجه : ما يخلط به . من تَسنيم : من عين يقال لها تسنيم . (3/416)
بعد أن بين اللهُ تعالى حالَ الفجّار وأعمالَهم ومآلهم يوم القيامة - يعرض هنا حالَ الأبرارِ الذين آمنوا بربِّهم وصدّقوا رسولَهم . . وهذه طريقةُ القرآن الكريم في عَرض المتقابلَين ، وفي ذلك ترغيبٌ في الطاعة ، وتنفيرٌ من المعصية .
{ كَلاَّ } ليس الأمر كما توهَّمَه أولئك الفجّارُ من إنكار البعث ، ومن أن كتابَ الله أساطيرُ الأولين { إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ } فهو مودَع في أشرفِ الأمكنة بحيث يشهدُه المقرَّبون من الملائكة ، { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ } ؟ إنه أمرٌ فوق العِلم والادراك لبني البشر ، وكل ما في الآخرة مختلفٌ عن حياتنا ومفهومنا . فهو :
{ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ المقربون } فهو مسطور علامتُه واضحة يشهدُه ويحفظُه المقرّبون من الملائكة تكريماً للأبرار ، وتقديراً لجهودِهم وأعمالهم الصالحة .
بعد هذا بين منزلة الأبرار الرفيعة ، وأخذت السورةُ تفصل حالضهم وما ينالون من الجزاء والنعيم .
{ إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ . . . . }
وهذا في مقابلة الفجّار الذين هم في الجحيم . فالله تعالى يكرم المؤمنين الأبرار ويدخلُهم جناتِ النعيم ، حيث يجلسون على الأرائك وينظرون الى ما أَولاهم ربهم من النعمة والكرامة ، حتى إذا نظرتَ إليهم تعرفُ في وجوههم بهجةَ النعيم ونضارته .
وهم يُسقَون من شراب أهل الجنة الّذي هو الرحيقُ الخالص ، الذي خُتمت أوانيه بختام من مِسْكٍ ، تكريما لها وصوناً عن الابتذال ، { وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المتنافسون } ويتسابقوا .
والشرابُ السابق ممزوجٌ من عين في الجنة اسمُها « تَسْنِيم » .
{ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا المقربون } الأبرارُ عند الله تعالى . وكل ذلك تكريم لهم وفضلُ ضيافة . ولقد فصّل الله تعالى ما أعدّ للأبرار ووصفَ النعيمَ الذي سيلاقونه في دارِ كرامتِه حضّاً للذين يعملون الصالحاتِ على الاستزادة منها ، وحثّاً للمقصِّرين واستنهاضاً لعزائمهم ان لا يقصّروا في ذلك .
بعد ذلك انتقل الحديثُ في السورة الى ما كان الكفار يقابلون به المؤمنين في الحياة الدنيا وكيف كانوا يستهزئون منهم ويَسْخَرون ، وان هذا ما سيقابلُ به المؤمنون الكفار يوم القيامة ويضحكون منهم .
فقد روي أن صناديد قريشٍ مثلَ أبي جهلٍ ، والوليدِ بن المغيرة ، والعاصي بن وائل السُّهمي ، وشَيبة بن ربيعة ، وعتبة بن ربيعة ، وأميةَ بن خلف ، وغيرهم كانوا يؤذون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويستهزئون بهم ويحرّضون عليهم سفَهاءَهم وغلمانهم . وفي ذلك كله يقول تعالى :
{ إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ .
. . . } . (3/417)
ان المجرِمين الجاحدين ، كانوا في الحياة الدنيا يضحكون من المؤمنين ، { وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ } عليهم بأعينِهم وأيديهم ، ويَذكُرونهم بالسوء ، ويشيرون إليهم مستهزئين ، { وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمْ انقلبوا فَكِهِينَ } نفوسُهم راضية بعد ما اشبعوا تلك النفوسَ الصغيرة من السخرية بالمؤمنين وإيذائهم .
{ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قالوا إِنَّ هؤلاء لَضَالُّونَ } .
واذا رأى المجرمون المؤمنين قالوا عنهم : ان هؤلاء لَضالُّون ، فقد آمنوا بمحمَّد وتركوا ما كان عليه الآباء والأجداد من عبادة .
ثم يردّ الله عليهم بكل أدب ووقار بقوله : { وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ }
ان الله لم يرسِل الكفارَ رقباءَ على المؤمنين ، ولم يُؤتهم سلطةَ محاسَبتهم على أفعالهم .
ثم طمأنَ المؤمنين بذِكر معاملتهم للمجرمين يوم القيامة ، تسليةً لهم عمّا نالَهم من أذى ، وشدّاً لعزائمهم على التذرّع بالصبر فقال : { فاليوم الذين آمَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الكفار مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }
الآن يومُ القيامة ، يوم الجزاء والحساب ، يجلس المؤمنون على الأسرَّة في نَعيم مقيم ، ويتناولون الرحيقَ المختوم بالمِسكِ وهم يضحكون من الكفّار وما يُعانونه من العذاب والطَّرد من رحمة رب العالمين .
قراءات :
قرأ الجمهور : ختامه مسك ، وقرأ الكسائي وحده : خاتمه مسك ، وقرأ الجمهور : تعرف بكسر الراء ، وقرأ يعقوب : تعرف بضم التاء وفتح الراء ، وقرأ الجمهور : فاكهين ، وقرأ حفص : فكِهين .
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15)
انشقت السماء : تصدعت . أَذِنت لربها : استمعت اليه ، أذِنَ للشيء : استمع اليه ، وأذِنَ بالشيء : عَلِمَه . حُقت : أطاعت ، وقع عليها الحق واعترفت بأنها محقوقة لربها . واذا الأرض مُدت : تغيرت جميع ملامحها وأصبحت قاعا صفصفا ، بإزالة جبالها وتغيير معالمها . وألقت ما فيها وتخلّت : أخرجت جميع ما فيها من الخلائق والكنوز التي طوتها في أجيالها العديدة . كادح : عامل بجد ومشقة ، كدح في العمل كَدحا : سعى ، وأجهد نفسَه ، وعملَ خيراً أو شرّا ، وكدحَ لِعياله : كسبَ لهم بمشقة . فملاقيه : فسوف تجدُ عملَك امامك مسجلاً في سِجلٍّ دقيق ، لا ينسى شيئا . ينقلب الى أهله : يرجع الى عشيرته فرحا مسرورا . من أُوتي كتابه وراء ظهره : صورةٌ عجيبة من الاحتقار والازدراء . الثبور : الهلاك ، يدعو ثُبورا : يدعو على نفسه بالهلاك . يصلَى سعيرا : يدخل جهنم . إنه ظن انه لن يحُور : انه كان لا يؤمن بالبعث ، و الرجوع الى الله ، حار يحون حورا وحئورا : رجَعَ . بلى : سيرجع الى الله ويحاسَب . (3/418)
بين الله تعالى في مطلع هذه السورة الكريمة أهوالَ يوم القيامة ، في آيات موجَزة هي من عجائب إيجازِ القرآن وبلاغته ، وذَكَر أن ما يقع بين يدي الساعة من كوارث وأهوالٍ تُشِيبُ الوِلدان ، ويفزع لها الانسان . فمنها :
إذا تشقّقت السماءُ وتصدّعت ، واختلَّ نظامُ العالم ، واستمعت السماءُ لأمرِ ربّها وانقادت لحُكمه ، { وَإِذَا الأرض مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ } أي انبسطت بنسفِ ما فيها من جبال ، وأصبحت لا بناءَ فيها ولا وِهاد ، كما قذفت ما في جوفها من الخلائق والكنوز . { وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ } واستمعت لأمرِ ربّها وأطاعت . . . إذا حصل كل هذا - لَقِيَ الانسانُ من الأهوال ما لا يحيط به الخيالُ في ذلك اليوم العصيب .
بعد هذه المقدمة الهائلة أخبرَ اللهُ تعالى عن كدِّ الإنسانِ ، وتعبه في هذه الحياة .
{ ياأيها الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ } .
يا أيها الإنسانَ الغافل عن مصيره ، لا تظنَّ أنك خالد ، كلاّ انك مُجِدٌّ في السيرِ إلى ربك ، وراجع إليه يومَ القيامة ، وان كلَّ عملٍ عملتَه ، خيراً أو شراً ، سوف تُلاقيه أمامك في سجلٍّ دقيق ، وسَيُجازيك ربُّك على كَدْحِك من ثوابٍ وعقاب .
في ذلك اليوم ينقسم الناسُ فريقين : فريقَ الصالحين البررة ، وهؤلاء يحاسَبون حسابا يسيرا ، وينقلبون الى أهلهم فرحين مسرورين كما قال تعالى ، { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنقَلِبُ إلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً } إذ يتجاوز الله عن سيئاته . وقد روى البخاري ومسلم عن عائشة ، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من نُوقش الحسابَ عُذِّب . فقالت عائشة : أوليسَ الله يقول { فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً } فقال : إنما ذلكَ العَرضُ ، ولكنّ من نوقش الحسابَ عُذِّب » .
وفي الحديث : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
« ان الله يُدني العبدَ يوم القيامة حتى يضعَ كَنَفَهُ عليه ، فيقول له : فعلتَ كذا وكذا ، ويعدِّدُ عليه ذنوبَه ثم يقول له : سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرُها لك اليوم » ، فهذا هو المرادُ من الحساب اليسير . الكنف : الرحمة والستر . (3/419)
والفريق الثاني فريق العصاة الجاحدين ، وهؤلاء يحاسبون حساباً عسيرا ويَلْقَون من العذاب ما لا يتصوره الانسان . . .
{ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً ويصلى سَعِيراً إِنَّهُ كَانَ في أَهْلِهِ مَسْرُوراً إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ بلى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً } .
هذه صورةٌ عجيبة جديدة ، تأتي لأول مرة في القرآن الكريم ، وهي إعطاء الكتاب للمجرمِ من وراءِ ظهره ، وما هي الا نوعٌ من الاحتقار وازدراء به . وهو حين يتناوله على هذه الصورة يدعو على نفسه بالهلاك والموت ، ولكن لا يجاب ، ويكون مصيره النار وبئس القرار ويقول :
{ ياليتني لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ياليتها كَانَتِ القاضية مَآ أغنى عَنِّي مَالِيَهْ هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ } [ الحاقة : 25-29 ] .
لماذا؟ انه كان في الدنيا ساهياً لاهيا ، سادراً وراء شهواته يُنكر البعثَ والحسابَ والجزاء ، وقد ظنَّ أن لن يرجعَ إلى الله ، ولن يبعثَه بعدَ الموت .
{ بلى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً }
بلى إن الله سيعيدُه بعد موته ويحاسِبُه على عمله ، وهو لا تخفى عليه خافية .
قراءات
قرأ نافع وابن عامر وابن كثير و الكسائي : يُصلى بضم الياء وفتح الصاد واللام المشددة ، والباقون : يصلى بفتح الياء واسكان الصاد وفتح اللام من غير تشديد .
فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (19) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ (21) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25)
الشفق : الحمرة التي تشاهَد في الأفق الغربي بعد الغروب ، ويستمر الى قبيل العشاء ، والشفقُ : الشفقة . وسَقَ الليل الأشياء : جلّلها وجمعها ، وسقت النخلة : حملت . اتّسَق : اكتمل وتم نوؤه وصار بدرا . لتركبنّ طبقا عن طبق : لَتُلاَقُنَّ حالاً بعد حال ، بعضها أشدّ من بعض وهي الحياة ، و الموت ، والبعث ، وأهوال القيامة . بما يوعون : بما يُضمِرون في نفوسهم من الإعراض والجحود والحسد والبغي . غير ممنون : غير مقطوع . (3/420)
بعد هذه الجولة العميقة الأثر بمشاهدِها ، لتأكيد أن الانسانَ راجع الى ربه يوم القيامة ، حيث يحاسَب حساباً يَسيرا أو عسيرا حسب أعماله - يُقسِم الله تعالى بآياتٍ له في الكائنات أنّ بعثَ الناس يوم القيامة كائن لا محالة .
{ فَلاَ أُقْسِمُ بالشفق . . . . . }
تتكرر هذه العبارة في القرآنِ ، وهو أسلوبٌ يأتي عندما يكون الشيءُ الذي أقسَمَ الله عليه جليلَ القدر ، فيقول سبحانه : لا أُقسِم بهذه الأشياءِ على إثباتِ ما أريد لأن أمره ظاهر ، واثباته أعظمُ وأجلُّ من أن يقسَم عليه . وأول هذه الأمور الشفَق . . ثم يأتي :
فباللّيلِ وما وسَق ، أي ما جمعه من الكائنات التي تسكن فيه عن الحركة ، والقمرِ عندما يتم نوره ويصير بدراً كاملا . . بحق هذه الأمور الثلاثة ، والتي لا يخفَى على الناس ما فيها من المنافع ، وما فيها من الآيات الناطقة بحكمة واضعِ نظامها - { لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ } وهنا جواب القسم : لتلاقُنَّ ايها الناس حالاً بعد حال ، رخاءً بعد شدة ، وسُقماً بعد صحة ، وغنًى بعد فقر ، منذ خَلْقِكم الى طفولتكم ، وشبابكم وشيخوختكم ، ثم موتكم ، ثم بعثكم يوم تُحشَرون إلى ربكم للحساب .
ثم بعد ان ذكر الأدلة القاطعة على صحة البعث والحساب والجزاء أتى باسلوب فيه استفهام يقصد به التوبيخ .
{ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ؟ } .
ما لهؤلاء الجاحدين لا يؤمنون بالله ، ولا يصدّقون بالبعث بعد وضوح الدلائل وقيام البراهين على وقوعه! { وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ القرآن لاَ يَسْجُدُونَ } . . خضوعاً لربّ هذا الكون البديع!
وهنا موضع سجدة . لقد منعهم العنادُ والاستكبار من الإيمان ، فهن يفعلون ذلك تعالياً عن الحق ، ولذلك لا يخضعون عند تلاوته .
{ والله أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ }
والله أعلمُ بما يكنّون في نفوسهم ، ويُضمرون في جوانحِهم من شر وإصرارٍ على الشرك .
ثم يتجه الخطاب الى الرسول الكريم فيقول تعالى : { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } أيْ أخبِرْهم يا محمد عمّا ينتظرهم من عذاب . والتعبير بقوله : { فَبَشِّرْهُمْ } فيه تهكّم لاذع حيث استعمل البشارةَ مكان الإنذار .
ثم يختم السورة الكريمة بما أعد للمؤمنين من أجرٍ دائم غير منقطع ، فقال : { إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } بل هو دائم غير مقطوع عنهم في دار البقاء ، ولَنِعم دار المتقين .
قراءات
قرأ ابن كثير ، وحمزة ، والكسائي ، لتركبَن بفتح الباء والخطاب الى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقرأ الباقون ، لتركبُنّ بضم الباء والخطاب للجميع .
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)
البروج : واحدها بُرج بضم الباء ، ومن معانيه : القصر العالي ، والحصن ، وبروجُ السماء الاثنا عشر ، وهي تضم منازلَ القمر الثمانية والعشرين ، وسيأتي تفصيلها . اليوم الموعود : يوم القيامة . شاهد ومشهود : جميع ما خلق الله في هذا العالم . الأخدود : الشق المستطيل في الرض ، جمعُه أخاديد . وأصحاب الأخدود : قومٌ من الكافرين ، كان لهم قوة وسلطان . ما نقموا منهم : ما أنكروا عليهم ، وعابوهم . فتنوا المؤمنين : ابتلوهم ، وحرقوهم بالنار ، يقال : فتن المعدنَ : صهره في النار . عذاب الحريق : عذاب النار في جهنم . البطش : الأخذُ بالعنف والشدة . يُبدئ ويعيد : يبدأ الخلق ثم يفنيهم ، ثم يعيدهم أحياء . الودود : الذي يحب أولياءه وعباده الصالحين ، ودَّهُ يودّه ودّا بكسر الواو وفتحها وضمّها ووِدادا ، وودَادة ، ومودّةً : أحبّه . الودود : كثير الحب ، وهو ايضا اسم من أسماء الله الحسنى . ذو العرش : صاحب الملك والسلطان ، والقدرة النافذة . المجيد : السامي القدر ، المتناهي في الجود والكرم ، يقال : مجثد مجادة ، فهو مجيد . محيطٌ : بهم ، فهم في قبضته . محفوظ : مصون من التحريف والتغيير والتبديل . (3/421)
{ والسمآء ذَاتِ البروج }
أقسَم الله تعالى بالسماءِ البديعة وما فيها من نجوم لِينبِّهَنا الى ما فيها من دقة الصنع ، وبالغ الحكمة ، لِنعلمَ ان الذي خلَقها أجلُّ وأعظم .
والبروج اثنا عشر وهي : الحمَل ، والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والسُنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والدَّلو ، والجَدي ، والحوت ، والقوس . وتحلُّ الشمس كل شهرٍ في واحد من هذه البروج ، وكلٌّ منها يضمُّ منزلَين وثلُثاً من منازل القمر ، وعددها ثمانية وعشرون منزلا ، ينزل القمر كل يوم في واحد منها ويستتر ليلتين يغيب فيهما .
ومنازل القمر هي : الشرطان ، والبطين ، والثريا ، والدَّبَران ، والهَقْعَة ، والهَنْعة ، والذِراع ، والنثرة ، والطَرْف ، والجَبْهة ، والزّبرة ، والصرفة ، والعَوّاء ، والسِّماك الأعزل ، والغفر ، والزُّبانى ، والإكليل ، والقلب ، و الشَّولة ، والنعائم ، والبلدة ، وسعدُ الذابح ، وسعد بَلَعَ ، وسعدُ سُعود ، وسعدُ الأخبية ، والفرغُ الأول ، والفرغُ الثاني ، وبطنُ الحوت .
ونرى في السماء ستة بروج ، والستة الاخرى تكون في سماء نصفِ الأرض المغيَّبة عنّا .
ونرى في المنازل اربعة عشر منزلا ، والبقية في النصف المغيّب عنّا . والبروج الاثنا عشر ، منها ستة في شمال خط الاستواء ، وستة اخرى في جنوبه .
فاما التي في شماله فهي : الحمل ، والثور ، والجوزاء .
وهذه الثلاثة تقطعها الشمس في ثلاثة اشهر هي فصل الربيع ، ثم السرطان ، والاسد ، والسنبلة ، وهذه هي فصل الصيف .
والستة التي في جنوب خط الاستواء هس : الميزان ، والعقرب ، والقوس ، وفيها يكون فصل الخريف .
ثم الجدي ، والدلو ، والحوت ، وفيها يكون فصل الشتاء . هكذا قسّم القدماء البروج والمنازل .
ولقد اقسم الله تعالى بالسماء لما فيها من نجوم لا تُعدُّ ولا تحصى ، ومن جملتها هذه البروج ، لأننا نراها ونشاهدُها دائما ، ولما فيها من مصالح ومنافع للناس في هذه الحياة .
وقد اهتم العربُ اهتماماً كبيرا بمعرفة هذه النجوم ، ومن قبلِهم اهتمت الأمم التي سبقتهم . وكانوا احوجَ الناس الى معرفتها ، ومواقع طلوعها وغروبها ، لأنهم يحتاجون اليها في السفَر برّاً وبحراً ، إذ يهتدون ليلاً بهذه الدراري اللامعة ، فلولاها لضلّت قوافلُهم وهلكت تجارتُهم ومواشيهم ، وهذا ما أشار الله تعالى اليه بقوله : (3/422)
{ وَهُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ النجوم لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ البر والبحر } [ الأنعام : 97 ] .
وقال : { وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السماء بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ } [ الحجر : 16 ] .
وقال : { هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب } [ يونس : 5 ] .
ولذلك اهتم العرب بهذه السماء العجيبة ، وعرفوا عدة من الكواكب الثابتة وسمّوها بأسماء مخصوصة ، وذكروا في أشعارهم بعضها ، مثل الفَرْقَدَين والدَّبَران ، و العَيُّوق ، والثريا ، والسِّماكَين ، والشِّعْرَيَيْن ، وغيرهما مما ذكر في كتب الفلك والأدب والتفسير والتاريخ . . . .
وقد صور العلامة ابو الحسين عبد الرحمن بن عمر الصوفي جميع أسماء الكواكب المستعملة عند العرب في كتابه البديع : صور الكواكب الثمانية والاربعين ، والذي حوى نحو مئتين وخمسين كوكبا . . . .
فالقَسم بهذه السماء البديعة الصنع ، العجيبة التركيب ، وما فيها من نجوم ومجرات ، ومجموعات لا نعلم منها الا القليل القليل - قَسَمٌ عظيم ، والذي أقسَمَ أجَلُّ أعظمُ .
{ واليوم الموعود }
هو يوم القيامة الذي وعَدَ اللهُ أنه لا بدّ آتٍ للحساب والجزاء .
{ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ }
وبجميع ما خلق اللهُ في هذا الكون العجيب ، مما يشهده الناس ويرونه رأيَ العين . وبهذا يوجه الله تعالى انظارنا الى ما في هذا الكون الواسع الكبير من العظمة والفخامة والحكمة ، لنعتبر ونتعظ ، ونعلم أن الله الذي خلق هذا الكون هو الذي يستحق أن يعبد .
{ قُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود }
قاتلَ اللهُ أصحابَ الأخدود ولعنهم ، فهم الذين شقّوا في الأرض شقاً مستطيلا كالخندق ، وملأوه بالنيران ، وحرقوا بها المؤمنين بالله .
ثم بيَّنَ من هُم أسحابُ الأخدود فقال :
{ النار ذَاتِ الوقود }
إنهم أصحابُ النار المتأججة التي أوقدوا فيها الحطب الكثير ، فارتفع لهبها .
ثم بيّن إجرامَهم وقسوةَ قلوبهم بقوله :
{ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ على مَا يَفْعَلُونَ بالمؤمنين شُهُودٌ }
قُتل هؤلاء المجرمون ولُعنوا حين أحرقوا المؤمنين بالنار ، وهم جلوسٌ حولَها ، يشهدون العذابَ ، ويتشَفَّون بإحراقهم .
{ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله العزيز الحميد الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض }
وما كان للمؤمنين من ذنْبٍ عندهم ، ولا انتقموا منهم ، إلا لأنهم آمنوا بالله العزيزِ ، الغالبِ الذي لا يُضام مَنْ لاذَ به ، الحميدِ في جميع اقواله وافعاله .
ثم بين الله تعالى انه مطلع على ما فعلوا بالمؤمنين ، وأوعدهم بانهم سيلاقون جزاء ما فعلوا فقال :
{ والله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }
إنه تعالى مطَّلع على اعمال عباده ، لا تخفى عليه خافية من شئونهم ، فهو عليم بما يكون من خلقه ومجازيهم عليه .
وبعد أن ذكر قصةَ أصحابِ الأُخدود ، وما فعلوه من العذاب الكبير بالمؤمنين - شدَّد النكير على أولئك المجرمين الذي عذّبوهم ، بأنه أعدَّ لهم عذاباً أليما في نار جهنم ، وانه إن أمهَلَهم فإنه لا يُهمِلُهم ، فقال :
{ إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق } .
ان الذين امتحنوا المؤمنين والمؤمنات في دِينهم بالأذى والتعذيبِ بالنار ولم يتوبوا الى الله من ذلك الجرم الكبير ، بل ظلّوا مصرّين على كفرهم وعنادهم - لهم في الآخرة عذابُ جهنم وحريقُها كما أحرقوا المؤمنين . (3/423)
وقد اختلف المفسرون في حقيقة أصحاب الأخدود ، وأين كان موضعهم ومن هم ، وأوردوا أقوالا كثيرة لا فائدة منها فأضربنا عنها وتركناها . . . . .
وبعد ان ذَكر اللهُ تعالى ما أعدّ لأولئك المجرمين من العذاب ، بين هنا ما يكون لأوليائه المؤمنين من النعيم المقيم ، فقال :
{ إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ذَلِكَ الفوز الكبير } .
بهذا القول الكريم يتمثل رضى الله وإنعامُه على الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ ، حيث تكون خاتمتُهم في جناتِ النعيم التي تجري من تحتِ أشجارها الانهارُ ، وهذا هو الفوزُ الكبير ، جزاء صبرهم وإيمانهم وعملهم الصالح .
ثم اخبر تالى عن انتقامهِ الشديد من أعدائه وأعداء رسُله والمؤمنين فقال :
{ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الغفور الودود ذُو العرش المجيد فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } .
ان انتقام الله من الجبابرة والظَلَمة ، وأخْذَه إياهم بالعقوبة ، بالغُ الغايةِ في الشدة ، والنهايةِ في الأذى ، فهو الخالقُ القادر الذي يبدأ الخَلْق من العدم ، ثم يعيدُهم أحياءً بعد الموت . فإذا كان قادراً على البدءِ والإعادة ، فهو قادرٌ على البطش بهم . . . لأنهم في قبضتِه وخاضعون لسلطانه .
ثم ذكر سبحانه أنه يغفر دائماً ، وانه رحيمٌ لعباده ، كثيرُ المحبّة لمن اطاعه ، فبين في ذلك خمسةَ أوصافٍ من صفات الرحمةِ والجَلال فقال :
1- { وَهُوَ الغفور } وهو كثير المغفرة لمن يتوب ويرجع اليه ، في أيها الناس لا تقنَطوا من رحمة الله ، فإن رحمته وسِعت كلَّ شيء .
2- { الودود } المحبّ لأوليائه المخلِصين ، اللطيف المحسِن اليهم . وأي صفة أعظمُ من هذه الصفة؟
3- { ذُو العرش } صاحبُ الملك والعظمة ، والسلطان والقدرة النافذة ، والأمر الذي لا يُرَدّ .
4- { المجيد } العظيم الكرم والفضل ، العالي على جميع الخلائق ، المتصف بجميع صفات الجلال والكمال .
5- { فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، لا معقّب لحُكمه ولا رادَّ لقضائه .
روي ان ابا بكر الصدّيق رضي الله عنه ، قيل له وهو في مرض الموت : هل نظرتَ الى طبيب؟ فقال : نعم ، قالوا : فماذا قال لك؟ قال : قال لي إني فعّال لما أريد .
{ هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الجنود فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ بَلِ الذين كَفَرُواْ فِي تَكْذِيبٍ والله مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } .
بعد ان ذكر قصّة اصحاب الأخدود وبيّن حالَهم ، وما فعلوا بالمؤمنين - ذكر هنا ان حال الكفار في كل عصر ، ومع كل نبيٍّ وشِيعته ، جارٍ على هذا المنهج ، فهم دائما يؤذون المؤمنين ويعادونهم ، ولم يرسِل اللهُ نبياً إلا واجَه من قومه مثلَ ما لقي هؤلاء من اقوامهم .
والغرضُ من هذا كله تسليةُ النبيّ الكريم وصحبه ، وشدُّ عزائمهم على التذرع بالصبر . (3/424)
هل بلغك يا محمد ما صَدَرَ من تلك الجموع الطاغية من التمادي في الكفر و الضلال وما حلّ بهم؟ إنهم فرعونُ وقومه ، وثمود . والكفّار في كل عصر متشابهون ، فقومك أيها الرسول ليسوا ببدْع في الأمم ، فقد سبقهم أمم قبلهم وحلّ بهم النَّكال ، وكذلك سيكون مآل الجاحدين من قومك ، { فاصبر إِنَّ العاقبة لِلْمُتَّقِينَ } [ هود : 49 ] . إنّ الكفّار في كل عصرٍ غارقون في شَهوة التكذيب ، فلا تجزَعْ . إنك لمن المنتصِرين .
{ والله مِن وَرَآئِهِمْ مُّحِيطٌ } لا يفلتون من قبضته ، ولا يُعجِزونه .
ثم رد على تماديهم في تكذيب القرآن ، وادّعائهم أنه أساطيرُ الأولين فقال :
{ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ }
إن ما جئتهم به يا محمد من قرآن عظيم ، وكذّبوا به - هو من عند الله واضحُ الدلالة على صِدقك ، وهو محفوظٌ من الزيادة والنقص ، والتحريف والتبديل .
قراءات
قرأ حمزة والكسائي : ذو العرش المجيدِ بكسر الدال ، وقرأ الباقون : المجيدُ بالرفع ، وقرأ نافع : في لوح محفوظٌ بالرفع ، والباقون : محفوظٍ بالجر .
وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17)
طَرَق طَرْقا وطروقا : أتاهم ليلا ، وطَرَقَ النجم طروقا : طلع ليلا . النجم الثاقب : النجم المضيء ، ثقب الكوكب : أضاءَ فهو ثاقب . حافظ : رقيب . ماء دافق : ماء مندفع بسرعة . الصلب : فقار الظهر ، منطقة العمود الفقري ، يقال : من صُلب فلان يعني من ذريته . الترائب : عظام الصدر . تُبلى : تختبر وتمتحن . السرائر : الضمائر ، وما يُسِره الانسان في نفسه . الرجع : إعادة الشيء الى ما كان عليه ، والمراد هنا المطر . الصدع : الشق ، الارض التي تنشق عن النبات . فصل : فاصلٌ بين الحق والباطل . يكيدون : يمكرون ، ويدبّرون المضرة خفية . وأكيدُ كيدا : الكيد من الله التدبيرُ بالحق لمجازاة اعمالهم . رويدا : قريبا . (3/425)
لقد أقسَم الله تعالى في مطلع هذه السورة بالسماء ونجومها اللامعة المضيئة ، انّ النفوسَ لم تُترك سُدى ، ولن تبقى مهمَلة ، بل تكفَّل بها مَنْ يحفظها ويحصي أعمالَها ، وهو اللهُ تعالى .
وفي هذه تسليةٌ للرسول الكريم وأصحابِه ، ووعيدٌ للكافرين الجاحدين .
{ والسمآء والطارق }
أُقسِم بالسماء وبالنجم الطالع ليلا . ولقد اقسَم الله تعالى بالسماء والشمس وبالقمر والليل ، لأن في أحوالِها وأشكالها وسَيْرِها ومطالِعها ومغاربها عجائبَ وأيَّ عجائب .
ثم فسّر الطارقَ بقوله : { النجم الثاقب } هذه النجوم المضيئة التي لا تحصى ولا نعلم من أكثرها شيئا ، { وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطارق؟ } استفهام للتفخيم والتعظيم . ما الذي أعلمكَ يا محمد ما حقيقةُ هذه النجوم .
ثم بين الذي حلف عليه فقال : { إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } أي إن كلَّ نفس عليها رقيبٌ يحفظها ويدير شئونها في جميع أطوارها ، ويُحصي عليها أعمالها .
لَمَّا ، هنا بمعنى إلاّ ، يعني أن كل نفس عليها حافظ . وفي قراءة من قرأها بالتخفيف انّ كل نفس لَما عليها حافظ ، يعني : ان كل نفس لَعَلَيْها حافظ ، وهما قراءتان سَبْعِيَّتان .
وهذا المعنى كما قال تعالى : { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } [ الإنفطار : 10-12 ] .
ثم امر الله تعالى الانسانَ ألأن ينظر ويتفكر في بدءِ خَلْقه ومنشئه ، وانه خُلق من ماءٍ دافق فيه ملايين الحُوينات التي لا تُرى بالعين المجردة ، فالذي خلقه على هذه الأوضاع قادرٌ على أن يُعيدَه إلى الحياة الأخرى .
{ فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب }
فلينظر الانسانُ ويفكّر في مبدأ خلْقه . لقد خلقه الله من ماءٍ متدفق ، من مَنِيٍّ فيه ملايينُ المخلوقات التي لا تُرى بالعين المجردة ، { يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب } أيْ من الصُّلب وعظم الصدر من الرجل والمرأة ، فاذا دخَل المنيُّ رحِمَ المرأة وكانت مهيَّأةً للحمل التقى بالبيضة التي في الرحم ، وكوّنت معه جرثومة الجَنين .
وقد بينت الدراسات الحديثة ان نواةَ الجهاز التناسلي والجهاز البولي في الجَنين تظهر بين الخلايا الغضروفية المكوِّنةِ لعظام العَمودِ الفَقري وبين الخلايا المكونةِ لعظام الصدر .
وتبقَى الكُلى في مكانها وتنزل الخَصيةُ إلى مكانها الطبيعي في الصَفَنِ عند الولادة . كما ان العصب الذي ينقل الإحساسَ اليها ويساعدها على إنتاج الحيوانات المنوية وما يصاحب ذلك من سوائل - متفرعٌ من العصَب الصدريّ العاشر الذي يغادر النخاعَ الشوكيَّ بين الضِلعَين العاشر والحادي عشر . (3/426)
وواضح من ذلك ان الاعضاءَ التناسلية وما يغذّيها من أعصابٍ وأوعية تنشأ من موضع في الجسم بين الصُّلب والترائب ، « العمود الفقري والقفص الصدري » .
وهذه الأمور الدقيقة لم يكتشِفها العِلم الا حديثاً بعد هذه القرون الطويلة . ومن هذه يتبين بوضوحٍ أن الانسانَ يُخْلَق وينشأ من ماءِ الرجل الدافق ، وأهمُّ ما فيه الحيوانُ المنوي؛ وماء المرأة وأهم ما فيه البُوَيضة . ونشوؤهما وغذاؤهما وأعصابُهما كلُّها من بين الصلب والترائب .
{ إِنَّهُ على رَجْعِهِ لَقَادِرٌ }
ان الله تعالى الذي قَدَّر خَلْق الإنسان ابتداءً من هذه الموادّ التي لا تُرى بالعين المجردة ، بتلك العملية الدقيقة - قادرٌ بكل سهولة على إعادة حياته مرةً أخرى بعدَ أن يموت . { وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم : 27 ] .
ثم بيَّن وقتَ الرجع ، ذلك اليوم العظيم فقال :
{ يَوْمَ تبلى السرآئر }
إنه يوم القيامة ، يوم يعيدُ الله الخَلْقَ فتنكشف السرائر ، وتتّضح الضمائر ، وتُمتحَن القلوبُ وتختبر .
{ فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ }
فليس للإنسانِ في ذلك اليوم قُوّةٌ تدفع عنه العذابَ ولا ناصرٌ ينصره ويجيرُه ، فلا قوةَ له في نفسه ، ولا أحدَ ينصره ، الا ما قدّمه أمامه من عمل صالح .
وبعد أن بين الله تعالى امر المبدأ والمعاد ، وانه قادر على اعادة الحياة ، ووجّه الانظار الى التدبر في برهان هذه القدرة - شرع يثبت صحةَ رسالة النبي الكريم الى الناس كافّة ، وصحةَ ما يأتيهم به من عند الله ، وهو القرآن الكريم ، ذلك الكتابُ الذي لا ريبَ فيه ، فأَقسم على صدق هذا الكتاب فقال :
{ والسمآء ذَاتِ الرجع والأرض ذَاتِ الصدع }
أُقسِم بالسماء ذاتِ المطر ( وهو أنفعُ شيء ينتظره الخلْق ، الذي يرجع حينا بعد حين ، ولولاه لهلَك الناسُ ، وهلَك الخلق ، هذا الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي . . ) كما أُقْسِم بالأرض التي تتصدّع وتنشق ، فيخرج منها النباتُ والأشجار والزهر وكل ما يفيد الناس ويقيتهم - إن ما جاء به محمد { إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هوَ بالهزل } أيْ إن هذا القرآن لهو قولٌ فاصل بين الحق والباطل ، قد بلغ الغايةَ في بيانه وتشريعِه وإعجازه ، وهو جِدٌّ ليس فيه شيء من الهزل والعبث ، لأنه كلامُ أحكَمِ الحاكمين .
ثم بين ما يدبره الكافرون للمؤمنين ، وما تحويه صدورهُم من غلٍّ ومكرٍ فقال : { إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً } ويمكرون بالمؤمنين ، ويحاولون صَرْفَ الناس عن الدِّين القويم ، كما جاء في قوله تعالى : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله والله خَيْرُ الماكرين } [ الأنفال : 30 ] .
ثم ذَكَرَ ما قابلَهم ربُّهم به ، وما جازاهم عليه ، وطلبَ من رسوله الكريم ان يتأنّى عليهم ليرى أخْذَه لهم فقال : { وَأَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً } .
ان هؤلاء المشركين يعملون المكايد لإطفاء نور الله ، وصدِّ الناس عن شريعته ، وأنا أُجازيهم على كيدهم بالإمهال ثم النَّكال ، حيث آخذُهم أخذَ عزيزٍ مقتدر . . لكن بعد أن أمهلهم قليلاً . وقد صدق وعده ، ووعدُه الحق .
قراءات
قرأ عاصم وحمزة وابن عامر : ان كل نفسٍ لمّا عليها حافظ ، بتشديد لمّا ، وهي بمعنى إلاّ . وقرأ الباقون : لما بغير تشديد وهي بمعنى اللام : لَعليها حافظ .
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (13) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)
التسبيح : التنزيه . فسوّى : فعدل هذا الكون وقومه . وقدّر فهدى : قدّر لكل كائن ما يصلحه فهداه اليه . المرعى : كل ما تنبته الارض لصالح الحيوان . غُثاء : يابسا مسودّا . والغثاء : ما يحمله السيل من الحشائش والاوراق التي لا قيمة لها . يقال غثا الوادي يغثو غثُوّاً كثُرَ فيه الغثاء . أحوى : ما يُحيل لونَه الى السواد . (3/427)
نيسّرك لليسرى : نوفقك الى طريق الخير . الذِكرى : الموعظة . الأشقى : المصرّ على العناد . يصلَى النار : يدخلها . قد أفلح : قد فاز . من تزكّى : من طهر نفسه بالايمان . تؤثرون : تفضّلون . وأبقى : أدوم .
نزّه يا محمد ربّك الأعظم عن كل ما لا يليق بجلاله . وقد وجّه الله الأمر بتسبيحِ اسمه الأعلى دون تسبيح ذاته ليرشدَنا الى أن مبلغ جهدنا هو معرفةُ صفاته . اما ذاتُه العليّة فهي أعلى وابعد من أن ندركها في هذه الحياة الدنيا . ثم ذَكَر أوصافَه الجليلة ومظاهر قدرته البالغة وكمالَه فقالك
{ الذي خَلَقَ فسوى }
هذا الكونَ العجيب وأتقنَ خلقه ، وأبدع صنعه .
{ والذي قَدَّرَ فهدى }
قدّر لكل مخلوق ما يصلحه فهداه اليه ، وعرّفه وجه الانتفاع به .
{ والذي أَخْرَجَ المرعى }
وأنبتَ النبات مختلف الأشكال لترعاه الدواب .
{ فَجَعَلَهُ غُثَآءً أحوى }
أي صيَّره يابسا جافا بعد الخضرة والنضارة . وفي هذا عبرة لذوي العقول ، فكما ان النبات يبدأ أخضر زاهيا ثم يَميل الى الجفاف والسواد - فكذلك الحياةُ الدنيا زائلة فانية ، والآخرة هي الباقية .
وبعد ان ذكر الله دلائلَ قدرته ، ذكر فضلَه على رسوله الكريم مع البشرى العظيمة له ولأمته بقوله :
{ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى إِلاَّ مَا شَآءَ الله إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر وَمَا يخفى }
بشرى عظيمة من الله تعالى لك يا محمد أنه سيشرح صدرَك ، ويقوّي ذاكرتَك فتتلقى القرآنَ وتحفظه فلا تنساه . { إِلاَّ مَا شَآءَ الله } أن تنساه . فانه تعالى يعلم ما يجهر به عباده وما يخفونه .
ثم يزيد البشارة فيقول : { وَنُيَسِّرُكَ لليسرى } ونوفّقك للطريقة السهلة . فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب اليُسر في كل الأمور .
روت عائشة رضي الله عنها أنه ما خُير بين أمرين الا اختار أيسرهما . رواه البخاري ومسلم . وكلُّ سيرته مبنيّة على اليسر ، وأحاديثه تحضُّ على اليسر والسماحة والرِفق في تناول الأمور .
لقد منّ الله عليه بهذه البشرى : أَقرأه فلا ينسى الا ما شاءَ الله ، ويسّره لليسرى حتى ينهضَ بالأمانة الكبرى . فلهذا أُعِد ولهذا يُسّر .
{ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذكرى }
ذكِّر الناسَ بما أوحيناه اليك ، لعلّهم يرجعون الى الله ، وينتفع بتذكيرك من يخاف الله . اما المعاندون الجاحدون فلا تنفع معهم الذكرى ولا تجدي .
{ وَيَتَجَنَّبُهَا الأشقى الذى يَصْلَى النار الكبرى ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا } .
فالأشقى المصرّ على العناد لا يسمع لها ولا يستفيد منها .