صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (8) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (14) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (16)

الطور : هو طور سيناء ، والطور في اللغة : الجبلُ ، وفناء الدار ، وجبلٌ قرب العقبة يضاف الى سيناء وسينين ، وجبلٌ بالقدس عن يمين المسجد ، وجبلٌ مطلّ على طبرية . « القاموس » . ويقال لجميع بلاد الشام الطور . « معجم البلدان » . كتاب مسطور : كل كتاب نزل من عند الله ، مسطور : مكتوب بسطور منتظمة . ورَقٍّ منشور : الرق بفتح الراء : جلدٌ رقيق يكتب فيه . منشور : مفتوح للناس . البيت المعمور : الكعبة المعمورة بالحجّاج والطائفين . والسقف المرفوع : السماء وما فيها من عجائب . والبحر المسْجور : المملوء ، يقال : سجر النهر ملأه ، والمسجور : البحر الذي ماؤه اكثر منه « القاموس » . تمور : تضطرب وترتج . في خوضٍ يلعبون : الذي يلْهون بالباطل ، وأصل الخوض : السيرُ في الماء ، ثم غلبَ على الخوض في الباطل . يدعّون : يدفعون دفعا عنيفا . اصلَوها : ذوقوا حرها .
اقسم الله تعالى بخمسة مقدَّسات في الأرض والسماء ، بعضُها مكشوفٌ معلوم وبعضُها مغيَّب مجهول ، بطورِ سيناء الذي كلّم الله عليه موسى ، وبالكتُب المنزلة من عنده ( وعبر عنها بكتابِ ، بالإفراد ، لأنها وحدةٌ واحدة تدعو الى نهجٍ واحد ) في صحفٍ ميسّرة للقراءة ، وبالبيت المعمور بالعبادةِ ليلَ نهار ، وبالسماء وما فيها من عجائب الكون ، وبالبحر المملوء بالمخلوقات .
اقسم الله تعالى بهذه المقدسات أن عذابه لا بدّ أن يقع بالكافرين لا يستطيع أحدٌ دفعه عنهم ، وذلك يوم القيامة ، يوم تضطربُ السماء اضطراباً شديداً بما فيها ، وتسير الجبال سيراً شديداً وتمرُّ مر السحاب . { فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ } اعداءِ الله الذين يخوضون في الباطل ويتخذون الدينَ لَهواً ولعبا . ففي ذلك اليوم يُدفعون الى النار دفعاً شديدا ويقال لهم : { هذه النار التي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ } فادخلوها وقاسوا حَرَّها وعذابها . وسواء عليكم أصبرتم ام لم تصبروا ، فليس لكم منها مَهرب ، وأنتم تلاقون اليوم ذلك الجزاء الذي كنتم توعَدون به على أعمالكم السيئة في الدنيا .

(3/274)


إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17) فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (18) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (19) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (20) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21) وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (22) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (23) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (24) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28)

فاكهين : نفوسُهم طيبة متمتعين بما أعطاهم الله من نعيم الجنة . وقاهم : حفظهم . وزوّجناهم بحورٍ عين : الحور : نساء الجنة . وما ألَتناهم من عملهم : ما أنقصناهم . رهين : مرعون بعمله عند الله . يتنازعون : يتعطَون ويتجاذبون . لا لغو فيها ولا تأثيم : ان خمر الجنة لا تذهبُ بعقل الشارب ، فيلغو ويأثمُ في كلامه . غلمان : مماليك مختصون بهم . مكنون : مصون . مشفِقين : خائفين . السّموم : النار . البر : الواسع الاحسان .
بعد ان بيّن ما يصيب الكافرين الكذّابين من العذاب ، ذكَر هنا بالمقابل ما أعدّ الله للمؤمنين وما يتمتعون به في جنّات النعيم من مختلِفِ أنواع الملذّات في المسكَن والمأكل والأزواج هم وذريّاتهم الطيبة ، لا ينقُصُهم شيئاً من ثواب أعمالهم ، وكل انسان يعطى على قدْر ما قدّم من عمل صالح . ويُنعم الله عليهم بأنواع الفاكهة واللّحم ومما يشتهون ، ويجلسون على الأسرّة يتجاذبون أطراف الاحاديث ، ويشربون من شراب الجنة { كَأْساً لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ } فيها شرابٌ لا يَعْبَث بالعقل ، ولا يدع شاربها يتكلم باللغو او الباطل . ويقوم على خدمتهم غلمانٌ غاية في الحسن والجمال { كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ } من حيث الصفاء والبياض وحُسن الرونق .
ثم يُقبل بعضهم على بعض يتساءلون ويتحدّثون في أخبار الدنيا وما مرّ عليهم ، ويقولون : كنا في دار الدنيا خائفين من عذاب الآخرة ، { فَمَنَّ الله عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السموم } ، اذ تفضّل برحمته لنا ، ووقانا عذاب النار .
{ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ البر الرحيم }
انا كنّا نعبده في الدنيا ، ونسأله ان يمنَّ علينا بالمغفرة و الرحمة ، فاستجابَ لنا وأعطانا مآلنا ، انه هو المُحسِن الواسعُ الرحمة والفضلز
قراءات :
قرأ ابو عمرو : واتبعناهم ذرياتهم بدمع ذريات . وقرأ ابن عامر ويعقوب : واتبعتهم ذرياتهم بالجمع . والباقون : واتبعتهم ذريتهم بالإفراد وكلمة ذرية تقع على الواحد والجمع .

(3/275)


فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ (37) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (40) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43) وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (44)

الكاهن : الذي يوهم الناسَ أنه يعلم الغيب عن طريق اتصاله بالجنّ . نتربص : ننتظر . المنون : المنية ، والدهر . ريب المنون : حوادثُ الدهر وصروفه . أحلامهم : عقولهم . قومٌ طاغون : ظالمون تجاوزوا حد المكابرة والعناد . تقوّله : اختلقه من عند نفسه . من غير شيء : من غير خالق . خزائن ربك : خزائن رزقه . المصيطرون : بالصاد وبالسين : القاهرون ، المسلَّطون ، سيطر عليه : تسلط عليه . بسلطان مبين : بحجة واضحة . من مَغرم مثقلون : من غرامة ثقيلة عليهم . كيداً : شراً . مَكيدون : يحيق بهم الشر ويعود عليهم وباله . كسفا : جمع كسفة وهي القطعة من الشيء . مركوم : متراكم بعضه فوق بعض .
يأمر الله تعالى رسوله الكريم أن يداوم على التذكير والموعظة ، وعدم المبالاة بما يكيد المشركون ، فما أنت ايها الرسول ، بفضل ما أنعم الله به عليك من النبو ورجاحة العقل بكاهن ، ولا بمجنون كما يزعمون ، ولا انت شاعرٌ كما يقولون حتى يتربّصوا بك حوادثَ الدهر ونكباته .
{ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون }
قل لهم ايها الرسول : انتظِروا ، فإني معكم من المنتظرين .
ثم سفّه أحلامَهم بقوله تعالى : { أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بهاذآ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ؟ }
هل تأمرهم عقولهم بهذا القول المتناقِض ، فالكاهنُ والشاعر من أهلِ الفطنة والعقل والذكاء ، والمجنونُ لا عقل له ، فكيف بكون شاعراً أو مجنوناً!؟ ، بل الحقّ أنهم قومٌ طاغون ، يفتَرون الأقاويل دون دليل عليها .
ثم زادوا في الإنكار ونسَبوا الى النبيِّ الكريم أنه اختلق القرآن من عنده ، بل هم بمكابرتهم لا يؤمنون . فإن صحَّ ما يقولون فليأْتوا بحديثٍ مثل القرآن ، ان كانوا صادقين في قولهم ان محمداً اختلقه .
ثم انتقل الكتابُ الى الردّ عليهم في إنكارهم وجودَ الخالق كما هو شأن الدهريين فقال : { أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخالقون؟ }
هل خُلقوا من غير إله ، ام هم الّذين خلَقوا أنفسَهم ، فلا يعترفون بخالقٍ يعبدونه .
وهل هم الذين خلَقوا السمواتِ والأرضَ على هذا الصنع البديع؟ بل حقيقةُ أمرهم أنهم لا يوقنون بما يقولون .
وهل عندهم خزائنُ ربّك يتصرفون بها ، { أَمْ هُمُ المسيطرون } القادرون المدبِّرون للأمور كما يشاؤون . الحقيقة ان الأمرَ ليس كذلك ، بل اللهُ هو المالكُ المتصرف الفعال لما يريد .
قراءات : قرأ ابن كثير وابن عامر والكسائي المسيطرون بالسين . والباقون بالصاد . يقال : سيطر وصيطر .
روى البخاري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه جبير قال : سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة المغرِب بالطّور ، فلما بلغ قوله تعالى : { أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخالقون؟ أَمْ خَلَقُواْ السماوات والأرض بَل لاَّ يُوقِنُونَ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ المسيطرون } قال : كادَ قلبي يطير ، وأثّرت فيه هذه الآياتُ وكان ذلك من أسباب دخوله الاسلام .

(3/276)


وكان جبير من الذين وفَدوا على النبي الكريم بعد وقعةِ بدرٍ في فداء أسرى قريش .
فاذا كانت أقوالُهم هذه غيرَ صحيحة فهل يدَّعون انهم ارتقوا بمصعَدٍ إلى السماء وسمعوا شيئاً من الله؟
{ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ }
فليأتِ الذي استمع شيئاً بحجّة واضحةٍ تصدِّق دعواه .
ثم رد على الذين قالوا ان الملائكة بناتُ الله ، وسفّه احلامهم ، اذ اختاروا له البناتِ ولأنفسِهم البنينَ فقال : { أَمْ لَهُ البنات وَلَكُمُ البنون } كما تشاؤون وتحبّون؟ ولماذا يكذِّبون رسول الله؟ هل طلبَ منهم أجرة باهظة تُثقل كواهلهم { أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ } ؟ أم عندَهم عِلم الغيب ، فهم يكتبون منه ما يشاؤن؟ بل يريد هؤلاء المشركون بقولهم هذا وافترائهم كيداً في رسول الله وفي الناس . فإن كان هذا ما يريدون فكيدُهم راجعٌ إليهم ووبالُه على أنفسهم . ام لهم الهٌ يعبدونه غير الله يمنعهم من عذاب الله؟ { سُبْحَانَ الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } .
{ وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ السمآء سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ } .
ان هؤلاء القوم معانِدون مكابرون ، فحتى لو رأَوا بعضَ ما سألوه من الآيات ، فعاينوا بعضَ السماءِ ساقطاً لكذّبوا وقالوا : هذا سحابٌ بعضُه فوق بعض . وذلك لن الله ختم على قلوبهم ، وأعمى أبصارَهم .

(3/277)


فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (46) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49)

يُصعقون : يهلكون . دون ذلك : غيره . بأعيُننا : في حِفظنا ورعايتنا . إدبار النجوم ، بكسر الهمزة : وقتُ مغيبها .
يتّجه الخطاب هنا الى الرسول الكريم تسليةً له بأن يدعَ هؤلاء الكفار وشأنهم حتى يلاقوا يومَهم الذي يهلكون فيه . . لا تكترثُ تكذيبم وعنادهم ، فإن لهم يوما لا يجدون فيه من يدافع عنهم أو ينصرهم . بل ان لِلذين ظلموا انفسهم بالكفر ، مثل هؤلاء ، عذاباً آخر قبل يوم القيامة ، { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } . فاصبر يا محمد لحكم ربك بإمهالهم ، وعلى ما يلحقُك من أذاهم ، فإنك في حِفظِنا ورعايتنا فلا يضرّك كيدهم ، { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } في الليل ، وسبِّحه حين تغيبُ النجوم ، واذكر الله في جميع الحالات والأوقات ، آناءَ الليل وأطرافَ النهار .

(3/278)


وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)

النجم : جنس النجوم . هوى : سقطَ وغرب . ما ضلّ : ما حادَ عن الطريق المستقيم . صاحبكم : هو محمد صلى الله عليه وسلم . وما غوى : ما اعتقد باطلا ، ولا حاد عن الهدى . وما ينطِق عن الهوى : وما يقول عن هوى نفسه . شديد القوى : الملَكُ جبريل . ذو مِرة : ذو حصافة عقل وقوة عارضة . فاستوى : فاستقام ، واستوى لها عدة معان اخرى . وهو بالأفق الأعلى : وهو بالجهة العليا من السماء . ثم دنا : ثم قرب . فتدلّى : فنزل . فكان قاب قوسين أو أدنى : فكان قربُه قَدْرَ قوسين أو أقرب ، والقابُ : المقدار . أفتمارونه : افتجادلونه على ما يراه . نزلةٌ اخرى : مرة أخرى . سِدرة المنتهى : شجرة عظيمة مباركة . جنة المأوى : جنة الخلد التي تؤوي المؤمنين . يغشى : يستر ويغطي . ما زاغ البصرُ : ما مال بصر محمد عما رآه . وما طغى : وما تجاوز ما أُمر به . آيات ربه الكبرى : عجائب ملكوته .
لقد أقسَم الله تعالى بخلْق من مخلوقاته العظيمة التي لا يعلم حقيقتَها الا هو ، وهي نجومُ السماء ، بأن محمّداً ، صاحبَكم يا معشرَ قريش وتعرفونه حقَّ المعرفة ، وهو محمد الأمين كما سمَّيتموه - ما عَدَلَ عن طريق الحق ، وما اعتقدَ باطلا ، ولا يتكلّم إلا بوحيٍ من الله تعالى . وقد نقل إليه هذا الوحيّ من ربه الأعلى وعلّمه إياه جبريلُ الأمين ، شديدُ القوى ، ذو حصافة عقل ورأي سديد ، فاستقام على صورته الحقيقية . ولقد رآه النبيُّ عليه الصلاة والسلام مرَّتَين : مرةً على الأرض في غارِ حِراء ، ومرةً أخرى ليلةَ المعراج . ورأى من عجائبِ صنع الله ما رأى ، مما استطاعَ أن يخبركم به . وقد اوحى الله الى عبدهِ ما أوحى ، { مَا كَذَبَ الفؤاد مَا رأى } ، بل لقد رأى جبريلَ ببصرِه حقيقةً ، فلا العينُ اخطأت فيما رأت ، ولا القلبُ شكّ فيما رأت العين بل أيقنَ وجزم بصدقها . { أَفَتُمَارُونَهُ على مَا يرى } وبعد هذا كلّه تجادِلونه على ما يراه وتكذّبونه!! كذلك رآه مرةً أخرى عند سِدرة المنتهى بقرب الجنة ، { إِذْ يغشى السدرة مَا يغشى } من فضلِ الله ما لا يحيط به وصف . . لقد رأى من عجائب آياتِ ربه الكبرى ما يَبْهَرُ الفؤاد ويجِلُّ عن الوصف .
قراءات :
قرأ هشام : ما كذّب بتشديد الدال . والباقون : ما كذَب بدون تشديد . وقرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب : افَتمرونه بفتح التاء ، اي تغلبونه . و الباقون : افتمارونه .

(3/279)


أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى (25) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26)

اللات والعزَّى ومناة : اصنام كانت تعبدها العرب في الجاهلية وأبطلَها الاسلام . اللات : كانت صخرة مربعة بالطائف ، وبها سمى العربُ في الجاهلية زيدَ اللات ، وتَيْم اللات . وكانت في موضع منارةِ مسجد الطائف اليسرى اليوم . وبعد فتحِ الطائف بعث الرسولُ الكريم المغيرةَ بنَ شُعبة فهدمها وحرقها بالنار . العُزّى : شجرة من السَمُرِ كانت بوادِ حَراضِ عن يمين الذاهب الى العراق ، وأولُ من اتخذها ظالم بن اسعد ، وكانت أعظمَ الاصنام عند قريش . وبها سمت العرب : عبدَ العزى . فلما كان عامُ الفتح دعا النبي خالدَ ابن الوليد فقال له : انطلق الى شجرةٍ ببطن نَخْلَةَ فاعصرها ، فقتلَ سادِنَها وقطع الشجرة . مَناة : وهي أقدم هذه الاصنام ، وكان صنمه منصوباً على ساحل البحر بناحية المشلل بِقَديدٍ ، بين المدينة ومكة . وكانت العرب جميعا تعظّمه وتذبح حوله . وكانت الأوسُ والخزرج تعظّمه أكثرَ من جميع العرب ، وكانوا يحلقون رؤوسهم عند مناة . وبعد فتح مكة أرسل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عليَّ بنَ ابي طالب كرم الله وجهه فهدَمها وأخذ ما كان لها . وكان من جملة ما وجدَ عندها سيفان ، فوهبَهما الرسولُ الى علي رضي الله عنه . والعرب تسمى : عبدَ مناة وزيدَ مناة ، وكانت أقدم الاصنام الثلاثة . ضِيزى : جائرة ، يقال : ضاز يضيز ضيزا : اعوجّ وجار ، وضازه حقَّه ظَلَمه . من سلطان : من حجة .
يخاطب الله تعالى قريشاً فيقول :
{ أَفَرَأَيْتُمُ اللات . . . . }
أخبِروني عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله وهي اللات والعزى ومناة . . . . هل لها قدرة توصف بها؟
وبعد ان أنّبهم على سُخف عقولهم بعبادة الاصنام ، التي كانوا يزعمون انها هياكل للملائكة وان الملائكة بناتُ الله ، قال :
{ أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى } ان هذه القسمة جائرة ، وغير عادلة .
ثم أنكر عليهم ما ابتدعوه من الكذِب والافتراء في عبادةِ الأصنام وتسميتها آلهةً بقوله : { إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنَزَلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ }
هي أسماء لفّقتموها ، وما تتبعون الا الظنَّ الذي تهواه أنفسكم في هذا الشأن . أما الآن وعلى لسان محمدٍ ، فقد جاءكم من ربكم الهدى لو تتبعونه .
ومع هذا فإن هذه الأصنام لا تنفعكم ، ولا تشفع لكم عند الله ، وما هي الا أباطيل من صنع الكهنة والسَدَنة ليأكلوا أموالَ الناس بالباطل . . اما كل ما في هذا الكون دنيا واخرى ، فهو مِلك له تعالى ، لا شريك له ولم يلد ولم يولد .
وان كثيرا من الملائكة لا تفيد شفاعتهم شيئا ، { إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله لِمَن يَشَآءُ ويرضى } ، فاذا كان هذا حالُ الملائكة المقربين عند الله ، فكيف حال الأصنامِ الجامدة الميتة!!
قراءات :
قرأ رويس ويعقوب : اللاتّ بتشديد التاء ، والباقون : اللات من غير تشديد . وقرأ ابن كثير : مناءة بمدّ الالف والهمزة المفتوحة ، والباقون : مناة .

(3/280)


إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (27) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (30) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)

مبلغهم من العلم : منتهى علمهم . كبائر الإثم : الجرائم الكبرى كالقتل والسرقة وما يترتب عليه حد . والفواحش : ايضا من الكبائر وهي ما عظُم قبحها . اللّمم : مقاربة الذنب والدنو منه ، او ما صغُر من الذنوب . أنشأكم : خلقكم . أجنّة : جمع جنين ، وهو الولد ما دام في بطن أمه .
بعد ان عاب الله عبادةَ الأصنام التي لا تملك نفعا ولا ضرا ، ولا شفاعة ، وكرر هنا تسفيه أحلامهم بأنهم سمّوا الملائكة بناتِ الله ، فمن أين أتاهم ان الله له اولاد هي الملائكة!؟ إنه تعالى غني عن المساعدة وعن الصاحبة والولد ، وكلامهم هذا كله دعوى من غير دليل ، { إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئاً } . فأعرِض أيها الرسول عن هؤلاء الذين لا همَّ لهم الا جمع حطام الدنيا ، لأن ذلك الذي يتبعونه هو منتَهى ما وصلوا اليه من العلم ، { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهتدى } فهؤلاء قومٌ لا تجدي فيهم الذكرى ولا تؤثر فيهم الموعظة ، فلا تبتئس بإنكارهم وكفرهم ، اللهُ أعلمُ بهم .
ثم بين بعد ذلك ان الله تعالى هو مالك هذا الكون المتصرفُ فيه ، ولذلك فهو القادرُ على الجزاء . وهو عادلٌ يحب العدل ، ولذلك يبيّن جزاء الذين أساؤا والذين أحسنوا . وقد بيّن أوصافَ المحسِنين بقوله تعالى : { الذين يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثم والفواحش إِلاَّ اللمم }
يعني ان المحسنين هم الذين يبتعدون عن كبائرِ المعاصي والفواحش ، فإذا وقعوا في معصيةٍ وتابوا فَ { إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المغفرة } يغفر كل ذنب كما قال تعالى : { قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم } [ الزمر : 53 ] . وعلى هذا يكون اللَّمَمُ هو الإتيان بالمعصِية ( من أيّ نوعٍ ) ثم يتوب عنها .
ولذلك ختم الآية بان هذا الجزاء ، بالسُّوءى والحسنى ، مستند الى علم الله بحقيقة دخائل الناس فقال : { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تزكوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى } فهو أعلمُ بأحوالكم ، وعندَه الميزانُ الدقيق ، وجزاؤه العدْل ، واليه المرجع والمآل .
ويرى كثير من المفسرين ان الآية تعني أن الذي يجتنب الكبائرَ يكفِّر الله عنه الصغائرَ ، كما قال تعالى : { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } [ النساء : 31 ] ، وهذه الآية مدنية . وعلى كل حالٍ فالله تعالى واسعُ المغفرة ، رؤوف بعباده حليم كريم .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي وخلف : الذين يجتنبون كبير الإثم بالافراد ، والباقون : كبائر الاثم بالجمع .

(3/281)


أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (34) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41)

تولى : أعرضَ عن اتباع الحق . أكدى : قطع العطاء وأمسك وبخِل . ينبَّأ : يخبر . صحف موسى : التوراة . ووفى : أتم ما أُمر به وأكمل . ان لا تزر وازرةٌ وزر اخرى : لا تحمل نفس ذنب نفس اخرى ، كل انسان يؤخذ بذنبه . ثم يُجزاه : يجازيه الله على عمله ، يقال : جزاه على عمله ، وجزاه عملَه . الأوفى : الأكمل .
أَعلمتَ يا محمدُ بأمر ذلك الجاحد الذي أعرضَ عن اتّباع الحق ، وقد أعطى قليلا من المال ثم قطع عطاءه ، أأ ، زل عليه وحيٌ فصار عندَه علمُ الغيب فرأى ان ما صنعه حق؟ .
ان الشرائع التي يعرفها ذلك الرجل على غير هذا . ألَم يُخْبرَ بما في صُحف موسى ، وابراهيمَ الذي بلغَ الغايةَ في الوفاء بما عاهد الله عليه!! وكانت قريش تدّعي أَنها على دِين ابراهيم ، بينما أن دين ابراهيم يخالفُ ما يقولون وما يعملون .
لقد اتفقت الأديان على أنه لا تحمل نفسٌ ذنوبَ نفسٍ أخرى ، وانه ليس للانسان الا جزاء ، وأن عمله سوف يُعلَن يومَ القيامة فيراه الناس ، ثم يجزيه الله على عمله أوفَى جزاءٍ فيضاعِفُ له الحسنةَ اضعافا كثيرة ، ويجازيه بالسيئة مثلَها فقط او يعفو عنها ، { نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم } [ الحجر : 49 ] .

(3/282)


وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (47) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (49) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (56) أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)

المنتهى : المعاد يوم القيامة . تُمْنَى : تصبّ في الرحم وتدفع فيه . النشأة الاخرى : البعث يوم القيامة . أغنى : كفى عبده وأغناه عن سؤال الناس . أقنى : أعطاه فوق الغنى من لمال ما يُقتنى ويُدّخر . الشّعرى : نجم مضيء وهي معروفة بالشّعرى اليمانية ، أشدّ نجمٍ لمعاناً في السماء ، يبلغ قطرها ضِعف قطر الشمس ، وأكثر لمعاناً من الشمس بِ 27 مرة . وكان بعض العرب يعبدونها في الجاهلية . عاداً الأولى : قوم هود . المؤتفكة : قرى قوم لوط ، ائتفكت الأرض : انقلبت بمن عليها . أهوى : أسقطها في الأرض ، خسف بها الارض . غشّاها : غطاها العذاب . آلاء رَبِّكَ : نِعمه . مفردها إلي بفتح الهمزة وكسرها . تتمارى : تشك . أزفت : دنت واقتربت . الآزفة : الساعة يوم القيامة . كاشفة : من الكشف والإظهار . أفمن هذا الحديث : يعني القرآن . سامدون : لاهون .
في ختام هذه السورة الكريمة يعجَب اللهُ تعالى من أمر الانسان ، وانه كيف يتشكّك في أمر الله وقدرته ، ويجادل ويماري في أمر الرسالات!! فمهما طالَ وجودُ الانسان في هذه الحياة فان مصيره الموتُ والرجوعُ إليه . ان الله تعالى وحده خلَقَ ما يسرُّ وما يُحزِن ، فأضحك وأبكى ، وذلك بأن أنشأ للانسان دواعي الضحك ودواعي البكاء . وقد يضحك غداً مما أبكاه اليوم ، ويبكي اليوم مما أضحكه بالأمس في غير جنون ولا ذهول ، إنما هي الحالاتُ النفسية المتقلبة بيدِ مقلِّب القلوب . وأنه هو يهب الحياة ويأخذُها ، وانه خلَقَ الزوجين : الذكر والانثى ، من نطفةٍ فيها آلاف الحيوانات الصغيرة التي لا تُرى بالعين المجردة . وهو الذي يحيينا مرةً أخرى يومَ البعث ، وانه سبحانه { هُوَ أغنى وأقنى } فأعطى ما يكفي ، وزادنا رضىً بما يُقْتَنَى ويُدّخر . { وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشعرى } وقد نصّ بشكل خاص بانه ربّ الشعرى اليمانية ( ألمع نجمٍ في كوكبة الكلب الأكبر ، وأَلْمع ما يُرى من نجوم السماء ) - لان بعض العرب كانوا يعبدونها . وكان قدماء المصريين يعبدونها ايضا ، لأن ظهورها في جهة الشرق نحو منتصف شهر تموز قبل شروق الشمس - يتفق مع زمن الفيضان في مصر الوسطى ، وهو اهم حادث في العام ، وابتداء عام جديد .
لقد أهلك الله عاداً الأولى قومَ هود ، وأهلم ثمودَ قوم صالح ، فما أبقى عليهم . كذلك أهلك قوم نوح من قبلهم ، وقد كانوا اكثر ظُلماً وأشدَّ طغياناً من عاد وثمود . أما المؤتفكة قم لوط ، فقد قلَب بهم الارض وخسفها لطغيانهم وكفرهم .
{ فَغَشَّاهَا مَا غشى } فأحاط بها من العذاب الشديد المرعب ما لا يوصف .
{ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكَ تتمارى } فبأيّ نِعمِ ربك عليك أيها الانسانُ تشكّ وترتاب!! وكما قال تعالى : { ياأيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم؟ . . . . } [ الإنفطار : 6 ] . إن هذه كلَّها أدلةٌ على وحدانية ربك وربوبيته .
{ هذا نَذِيرٌ مِّنَ النذر الأولى }
هذا هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم جاءكم نذيراً بالقرآن الكريم ، وهو من النذُر الأولى التي أُنذرت بها الأمم السابقة .

(3/283)


{ أَزِفَتِ الآزفة }
قربتْ القيامة ، ولا ينشِف عن وقتها الا الله ، { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ } [ الأعراف : 187 ] .
فما لكم ساهون لاهون!! وهل بعدَ هذا كلّه ينبغي أن تعجَبوا من هذا القرآن ، وهو حديثٌ عظيم فيه كل ما يقودكم الى الهدى والصلاح والسعادة!! وتضحكون استهزاء وسخريةً ولا تبكون ، كما يفعل الموقنون! .
{ فاسجدوا لِلَّهِ واعبدوا }
بهذا يختم الله تعالى هذه السورةَ الكريمة ، فاسجدوا لله الذي انزلَ القرآنَ هدىً للناس ، واعبدوه وحدَه لا اله الا هو . وهنا موضعُ سجدةٍ واجبة .
قراءات :
قرأ نافع وابن كثير : عاداً الَّولى بإدغام التنوين باللام . والباقون : عاداً الأولى . وقرأ حفص : وثمودَ بغير تنوين . والباقون : وثموداً بالتنوين . وقرأ الجمهور : تتمارى بتاءين . وقرأ يعقوب : تمارى بتاء واحدة .

(3/284)


اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)

وإن يروا آية : وان يروا دليلاً على نبوة محمد . مستمر : دائم . أهواءهم : ما زينه لهم الشيطانُ من الوساوس والأوهام . مستقر : منتهٍ الى غاية ينتهي اليها . مزدجَر : ما فيه الكفاية لزجرهم . حكمة بالغة : واصلةٌ غايةَ الإحكام والابداع . فما تُغني النذر : فما يفيد المنذِرون لمن انصرف عنهم . نُكُر : بضم النون والكاف ، كل ما تنكره النفوس وتعافه . خشّعا : جمع خاشع وهو الذليل . الأجداث : القبور . مهطِعين الى الداع : مسرعين منقادين لمن يدعوهم الى الحشر . عُسُر : صعب شديد الهول .
يخبرنا الله تعالى باقترابِ يوم القيامة ، ونهايةِ الدنيا وانقضائها ، وأنّ الكونَ يختلُّ كثيرٌ من نظامه عند ذاك ، كما جاء في قوله تعالى : { إِذَا الشمس كُوِّرَتْ وَإِذَا النجوم انكدرت } [ التكوير : 1-2 ] ، والتكدُّر هو الانتثار ، فعبّر بالماضي ، وهنا التعبير جاء بالماضي ، وكما قال في آخر سورة النجم { أَزِفَتِ الآزفة } [ النجم : 57 ] .
وقد روى الامام أحمد عن سهلِ بن سعد ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « بُعثتُ أنا والساعةُ هكذا ، وأشار باصبعَيه السبّابةِ والوسطَى » .
وهنا يقول : اقتربت القيامة ، وسينشقُّ القمرُ لا محالة . وتشير الابحاثُ الفلكية الى ان القمر يدنو من الأرض ويستمرُّ بالدنوّ منها حتى يبلغَ درجةً يتمزقُ عندها ويصير قِطعاً كلّ واحدةٍ تدور في فلكها الخاص . وهذا طبعاً سيحدُث عند انتهاء هذه الحياةِ الدنيا ، ولا يعلم وقتَ ذلك الا الله .
ويقول المفسّرون الأقدمون : ان انشقاق القمر قد حدَث فعلا ، ويرون عدة أحاديث أسندوها الى أنس بن مالك وعبد الله بن عباس ، وجبير بن مطعم ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم . ويقول ابن كثير : قد كان هذا في زمان رسول الله كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة .
والروايةُ عن خمسة من الصحابة فقط فكيف تكون متواترة؟ واللهُ اعلم .
لقد كذّب هؤلاء الكفار النبيَّ الكريم ، وأعرضوا عن الإيمان به ، وقالوا : إنه كاهن وساحر يُرهِب الناسَ بسحره . بذلك كذّبوا بالحق إذ جاءهم { واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ } فهو منتهٍ الى غاية يستقر عليها . ان هذا الكون يا محمد يسير وفق قوانينَ منتظِمة محدّدة مستقرة . وان امرك ايها الرسول سينتهي الى الاستقرار بالنصر في الدنيا والفوزِ بالجنّة في الآخرة .
ولقد جاء لهؤلاء المكذِّبين من الأخبار عن الماضِين الذين كذّبوا الرسلَ ، فهلكوا ، ما يردعُهم ويزجُرهم عما هم فيه من الغيِّ والشرك والفساد . وهو { حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِي النذر } . إنه حكمةٌ عظيمة بالغةٌ غايتها في الهداية والارشاد الى طريق الحقّ لو انهم فكّروا واستعملوا عقولهم ، ولكن أيّ نفعٍ تفيد النذُر لمن اتَّبع هواه وانصرف عنها!؟ . أعرِضْ أيها الرسول عن هؤلاء الكفار ، وانتظِر يومَ يدعو الداعي الى أمرٍ شديدٍ تنكره النفوس ، ولم يروا مثلَه لما فيه من هول وعذاب .

(3/285)


انه يوم الفزَع الاكبر ، يوم تراهم :
{ خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ } .
يخرجون من قبورهم في حالةِ هلع عظيم ، خاشعة أبصارهم من شدة الهول ، كأنهم من كثرتهم وسرعة انتشارهم جرادٌ منتشر . كما قال تعالى ايضا : { يَوْمَ يَكُونُ الناس كالفراش المبثوث } [ القارعة : 4 ] ، فهم في أول أمرِهم يكونون كالفَراش حين يموجون فزِعين لا يهتدون أين يتوجهون ، ثم يكونون كالجراد المنتشِر عندما يتوجهون للحشْر . في ذلك اليوم يخرجون مسرعين الى الداعي ، ينظرون إليه في ذلٍّ وخضوع ، لما يرون من الهول حتى { يَقُولُ الكافرون هذا يَوْمٌ عَسِرٌ } هذا يوم صعب شديد .
قراءات :
قرأ ابن كثير : نُكْر بضم النون واسكان الكاف ، والباقون : نُكُر بضم النون والكاف . وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم : خُشّعاً بضم الخاء وتشديد الشين جمع خاشع . والباقون : خاشعاً ابصارهم على الافراد .

(3/286)


كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17)

ازدُجر : زجروه عن التبليغ . فانتصِر : فانتقم لي منهم . منهمر : منسكب بقوة . فالتقى الماء على أمرٍ قد قُدِر : فالتقى ماء السماء بماءِ الأرض ، على حال قدّره الله . ذات ألواحٍ ودُسُر : الواحٍ من الخشب ومسامير ، ودسر جمعُ دسار . بأعيننا : بحِفظنا وحراستنا . تركناها آية : تركنا السفينة آية وحجّة . مدّكر : معتبر ، متذكر ، متعظ . ونذُر : جمع نذير بمعنى إنذار .
يبيّن الله تعالى هنا ان شأنَ الرسول الكريم مع قومه كشأنِ نوحٍ مع قومه . فبعد ان أخبرَ أنه جاءهم من الأخبار ما فيه زاجرٌ لو تذكّروا - ذَكَر هنا قصة قوم نوح الذين كذّبوا نبيَّهم قديماً قبل قريش ، ورمَوه بالجنون ومنعوه من تبليغ رسالته بأنواع الأذى والتخويف .
فدعا نوح ربه : لقد غلبتُ على أمري ، فانتقِم منهم بعذابك . فاخبره الله تعالى أنه أجاب دعاءه فقال :
{ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السمآء بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ } أي بماء متدفق من السماء ، وفجَّر من الأرض عيوناً فالتقى ماءُ السماء بماءِ الأرض وأهلك الكذّابين من قوم نوحٍ بالطوفان { على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ } وفق أمرٍ قدَّره الله تعالى .
{ وَحَمَلْنَاهُ على ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ }
وحملنا نوحاً ومن معه على سفينة مصنوعة من الخشب والمسامير ، تجري على الماء بحِفظ اللهِ ورعايته ، وذلك جزاءً منا لنوحٍ الذي كذّبه قومه ولم يؤمنوا به .
ثم بين الله تعالى انه أبقى أخبارَ السفينة وإغراقَهم عبرةً لمن بعدهم فقال :
{ وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } فهل يوجَدُ مِن بينِهم من يتّعظ ويعتبر!!
{ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ }
انظروا كيف كان العذابُ الذي حلّ بهم ما أشدَّه ، وما أفظع إنذاري لهم بما أحللته بهم . وقد تقدمت قصة نوح في أكثرَ من سورة وذكر في القرىن في ثلاثةٍ وأربعين موضعا .
ثم بين ان هذا القصص وامثاله إنما يُروى في القرآن للعبرة ، وانه يسَّر معناه ، وسهله للتذكّر والاتعاظ ، فهل من متعظ؟
قراءات :
قرأ ابن عامر ويعقوب : ففتّحنا بتشديد التاء ، والباقون : ففتحنا بغير تشديد .

(3/287)


كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (22) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24) أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (32)

الريح الصرصر : الباردة اشد البرد . نحس : شؤم . مستمر : دائم . تنزع الناس : تنقلهم . أعجاز نخل : أصول النخل . منقعِر : منقلع ، يقال قعرت النخلة ، قلعتُها من أصلها فانقعرت . بالنذُر : بالرسل . وسُعر : جنون . يقال : سَعِرَ فلان فهو مسعور : جنّ فهو مجنون . كذّاب أشِر : شديد البطر ، متعاظم . فارتقبْهم واصطبر : فانتظرهم واصبر على أذاهم . كل شِرب محتضَر : الشِرب بكسر الشين : النصيب ، ومحتضر : بفتح الضاد : يحضره صاحبه في نوبته . صاحبهم : هو الذي قتل الناقة . فتعاطى : فاجترأ على هذه الجريمة . فعقر : فضرب قوائم الناقة بالسيف . كهشيم المحتظِر : الهشيم : كل زرع ونبات وشجر يابس ، و المحتظر : الذي يعمل حظيرة لغنمه ويتساقط منه بعض اجزائه وتتفتت حال العمل .
في هذه الآيات الكريمة يذكر الكتاب قصةَ عاد ، قوم هود ، وقصة ثمود قوم صالح ، وقد ذُكر هود سبع مرات في القرآن وصالحٌ تسعاً .
ولقد كذّبت عادٌ نبيَّهم هودا ولم يؤمنوا به ، فانظُروا يا معشر قريش كيف أنزلتُ بهم عذاباً شديداً ، ريحاً باردة مدوَّية في يومِ شؤمٍ دائم ، تقتلع الناسَ من أماكنهم وترميهم كأنهم أعجازُ نخلٍ قد انقلَع من الأرض { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ } . وقد كرر هذه الآية لبيان هولِ ما نزلَ بهم من عذاب .
ثم اردف ذلك بقوله تعالى :
{ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ }
لقد أنزلناه سهلاً ميسَّراً ليبيّن للناس العبر والعظات فهل يتعظون؟ .
ثم اردف بقصة ثمود ، وكيف كذّبت نبيّهم صالحاً ، وكيف تعجّبوا من ان يأتيه الوحي والنبوة من بينهم ، وفيهم من هو أحقُّ منه ، ثم شتموه بأنه كذاب أشِر . وقالوا :
{ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ }
لو اتبعنا صالحاً هذا فيما يدعونا إليه لكُنّا ضللنا ، وصرنا مجانين .
ثم بين الله تعالى بأنهم :
{ سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الكذاب الأشر }
سيعلمون قريباً يوم ينزل بهم العذابُ من هو الكذّاب المنكِر للنعمة ، هم أم رسولنا إليهم صالح .
ثم بين الله لصالح انه مرسلٌ لهم الناقة آيةً ، وامتحاناً ، فانظِرْهم يا صالح واصبر على أذاهم وخبِّرهم أن ورود الماءِ مقسومٌ بينَهم وبين الناقة ، { كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ } كل نصيب يحضره صاحبه في يومه .
فلم تعجبْهم القِسمة ، فدعوا صاحبَهم ( وهو الذي عبَّر الله عنه في سورة الشّمس بقوله تعالى : { كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ إِذِ انبعث أَشْقَاهَا } [ الشمس : 11-12 ] ليفعل فِعْلته .
{ فتعاطى فَعَقَرَ }
فتهيأ لعقر الناقة وضرَب قوائمها بالسيف فعقَرها ، { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ } ؟
ثم أخذتهم صيحةُ العذاب فكانوا مثلَ الهشيم اليابس الذي يجمعه صاحبُ الحظيرة لماشيته .
ثم يكرر قوله تعالى : { وَلَقَد يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } ليوجّههم الى القرآن ليتذكروا ويتدبروا .
قراءات :
قرأ ابن عامر وحمزة ورويس : ستعلمون بالتاء . والباقون : سيعلمون بالياء .

(3/288)


كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40) وَلَقَدْ جَاءَ آَلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42)

حاصبا : ريحا تحمل الحصباء . السحَر : آخر الليل . بطشَتَنا : عذابنا الشديد . فتماروا بالنذر : فشكّوا وجادلوا في الانذارات . راودوه عن ضيفه : نازعوه في ضيوفه ليفجُروا بهم ، وهم يظنون انهم من البشر . الضيف يطلق على الواحد والجمع . فطمسنا أعينهم : حجبناها عن الإبصار فلم تر شيئا . بكرة : أول النهار . مستقر : دائمٌ وثابتٌ مستمر .
ثم يذكر قصص قوم لوطٍ وفرعونَ باختصار ، فقد كذّبت قوم لوط بما جاءهم من انذار ، فأرسل الله عليهم ريحاً شديدةً ترميهم بالحصى ، ونجّى آل لوط المؤمنين من هذا العذاب في آخر الليل ، وذلك كله نعمةٌ من الله { كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ } { إِلاَّ امرأته قَدَّرْنَاهَا مِنَ الغابرين } [ النمل : 57 ] .
{ وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْاْ بالنذر }
لقد أنذرهم رسولُهم لوط من عذابِ الله فشكّوا في ذلك وسخِروا منه ، بل توعّدوه كما جاء في سورة الشعراء : { قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يالوط لَتَكُونَنَّ مِنَ المخرجين } [ الشعراء : 167 ] .
ثم طلبوا منه ضيوفَه ليأخذوهم ويفجُروا بهم لَمّا رأوهم على صورة شبابٍ مُرْدٍ حسان ، فَطَمَسَ الله أعينَهم وحجَبها عن الإبصار . وذهبَ الملائكةُ بعدَ أن أفهموا لوطاً بأنْ يخرج ليلاً من تلك القرية الظالمة . وصبَّحَهم عذابٌ مستقر أهلكهم ودمّر بلادَهم وقال الله لهم : { فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ } ثم كرر الآية الكريمة { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ }
يسّرناهُ على الأفهام للاتعاظ والتذكُّر من قبل أصحابها .
ثم ذكر قصة فرعون وآله بآيتين ، وأنهم كذّبوا رسولهم موسى ، ولم يؤمنوا بآيات الله .
{ فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ }
لقد أهلكهم الله إهلاك قويّ لا يُغلب ، عظيمِ القدرة على ما يشاء . وقد ذُكرت قصة فرعون وموسى بعدد من السور بين مطول ومختصر .

(3/289)


أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (51) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)

أم لكم براءة : أم عندكم كتابٌ فيه نجاتكم من العذاب . الزُبُر : جمع زبور ، وهي الكتب السماوية . ويولّون الدبُر : يعطونكم ظهورهم عندما ينهزمون . أدهى : أعظم . وأمر : اشد مرارة . سعر : نيران مستعرة . سقَر : اسم من اسماء جهنم ، ومسّ سقر : حرها ، بقدَر : بتقدير حسب حكمة بالغة . وما أمرُنا الا واحدة : كن فيكون . كلمح بالبصر : كلمح البصر لشدة سرعته . أشياعكم : أشباهكم ، وأتباعكم وانصاركم . مستطر : مكتوب . ونهَر : أنهار . في مقعد صدقٍ : في مكان مرضي . عند مليكٍ مقتدر : عظيم القدرة .
يوجَّه الخطابُ هنا الى قريشٍ ومن والاهم . أكفاركم يا معشَر قريشٍ أقوى من تلك الأقوامِ التي ذُكرت ، فأنتم لستم بأكثرَ منهم قوة ، ولا أوفرَ عددا . وهل عندكم صكٌّ مكتوب فيه براءتكم من العذاب! .
ام ان المشركين يقولون : نحن واثِقون بقوّتنا ونحن منتصِرون . وقد ردّ الله عليهم مقالَهم بأنهم سيُهزمون ويولّون الدبُر . وقد صدق الله وعدَه فهزمهم جميعاً ونصرَ رسولَه الكريم صلى الله عليه وسلّم .
ثم بيّن الله أن الهزيمةَ هي عذابُ الدنيا ، وان موعدَهم يومُ القيامة ، فيه العذاب الشديد الذي ليس له مثيل ، وكل عذابٍ دونض جهنمَ بسيط وقليل . ففي ذلك اليوم يكون المجرمون من المشركين في هلاكٍ وجحيم مستعر ، { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ } ويقال لهم : { ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } قاسوا عذابَ جهنم .
ثم بين الله تعالى أن كلّ ما يوجد في هذا الكون يحدُث بقضائه وأمرِه وتقديره على ما تقتضيه حكمته ، وان أمْرَه ينفَذُ بكلمة { كُنْ فَيَكُونُ } [ البقرة : 117 ] بأسرعَ من لمح البصر .
ثم بين لهم انه أهلكَ اقواماً كثيرا أشباههم فهل يعتبرون؟ وان كل شيء فعلوه في الدنيا سيَجِدونه مكتوباً مسجّلاً لا يغيبُ منه شيء .
{ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } كلّ صغيرٍ وكبير من الأعمال مسجَّل مسطور .
وبعد ان بين مقام الكافرين وما ينتظرهم من عذاب يوم القيامة ، ذكر ما ينالُه المتقون من الكرامة عند ربهم في جنّاتٍ وأنهارٍ متعددة .
{ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ } في مجلسٍ كريم في ضيافةِ الرحمن الرحيم ، القويّ العزيز ، عظيمِ القدرة جلّ جلاله .

(3/290)


الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13)

الرحمن : اسمٌ من اسماء الله الحسنى لا يجوز أن يسمّى به غيره . البيان : تعبير الانسان عما في نفسه . بحسبان : بحساب دقيق منتظم . النَّجم : النباتُ الذي لا ساق له . الشجر : كل ما له ساق كالنخل وغيره . يسجدان : يخضعان لله تعالى . والسماءَ رفعها : خلقها مرفوعة . ووضع الميزان : شرع العدل . وأقيموا الوزن بالقسط : قوّموا وزنكم بالعدل . ولا تخسِروا الميزان : ولا تنقصوا الميزان . الأنام : الخلق . ذات الأكمام : واحدها كم بكسر الكاف ، وهي وعاء طَلْع النخل ، وبرعوم الثمرة . العصف : ورقُ النبات الذي على السنبلة . الرَّيحان : كل مشموم طيب الرائحة من النبات . الآلاء : النعم واحدها إِلىً بفتح الهمزة وكسرها ، وألْيٌ ، وأَلْوٌ .
يبين الله تعالى في هذه الآياتِ أنه علّم القرآن وأحكام الشرائع لهداية الخلق ، وإتمام سعادتِهم في معاشِهم ومَعادهم . وخلَقَ الانسانَ على أحسنِ تقويم ، وكمّله بالعقل وجمّله بالنطق { عَلَّمَهُ البيان } كي يُبينَ عما في نفسه . وتلك ميزةٌ له عن سائر الحيوان .
وسخّر الشمسَ والقمرَ يجريان بحسابٍ دقيق وتقديرٍ منتظم وقوانين ثابتة . والنباتُ الذي لا ساقَ له ، والشجرُ بجميع انواعه - مسخَّرة خاضعة لارادة الله في كل ما يريد . كما خلَق السماءَ مرفوعة ، ووضعَ العدلَ حتى لا يظلم بعضكم بعضا . وأقيموا الوزن بالعدل في كل معاملاتكم ، ولا تنقصوا الميزان .
ولقد أوجد الله في الأرض لكم أنواعاً كثيرة من الفواكه ، فيها النخْل ذاتُ الأكمام ، وفيها الحبُّ ذو القشر ، جعله رزقاً لكم ولأنعامكم . وفيها كل نبتٍ طيب الرائحة . وقد خص النخلَ بالذِكر لأن ثمره فاكهة وغذاء .
{ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ }
الخطاب للانس والجن وقد جاء بعد ذِكر كثير من النعم ، فبعد كل هذه النعم فبأي نعمة من ربكما تجحدان وتكذّبان؟؟ .
قراءات : قرأ ابن عامر : والحبَّ ذا العصف والريحانَ بفتح الحب والريحان . وقرأ حمزة والكسائي والريحانِ بالجر . والباقون : والحبّ ذو العصف والريحان بالرفع .

(3/291)


خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (18) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآَتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (24) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (25) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (30)

الصلصال : الطين اليابس الذي له صوت اذا نُقر . والفَخّار : الطين المطبوخ المصنّع . المارج : الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد التى لا دخان فيها . رب المشرقَين ورب المغربين : الشمس تشرق كل يوم من مكان ، وتغرب في مكان ، ولذلك ورد ايضا { وَرَبُّ المشارق } [ الصافات : 5 ] في سورة الصافات . مرجَ البحرين : أرسلهما واجراهما . يلتقيان : يتجاوران . برزخ : حاجز . لا يبغيان : لا يطغى احدهما على الآخر فيمتزجان . اللؤلؤ : هو الدر المعروف المخلوق في الأصداف . المرجان : نوع احمر من حيوان البحر ايضا يُتخذ حلياً . الجواري : السفن الكبيرة . المنشآت : المصنوعات . كالأعلام : كالجبال ، والعلَم هو الجبل العالي .
بعد ان منّ الله على الخلق بما هيأ لهم من نعمٍ لا تحصى في هذا الكون ، ينتقل هنا الى الامتنان عليهم بنعمه في ذواتِ أنفسهم ، وفي خاصةِ وجودهم وإنشائهم .
خلَقَ جنسَ الانسان من طينٍ يابس غير مطبوخ ، وخلق الجانَّ من لهيبٍ مشتعل من نار ، وهو ربُّ مشرِقَي الشمسِ في الصيف والشتاء ، ورب مغربَيها اللذين يترتب عليهما تقلُّبُ الفصول الأربعة وتقلب الهوا ءوتنوعه ، وما يلي ذلك من الأمطار والشجر والنبات والأنهار الجارية .
ثم ذكر نعمه تعالى على عبادِه في البحر وما فيه من فوائدَ وخيرات فقال :
{ مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ }
أرسل البحرَ المالحَ والبحرَ العذب متجاورَين متلاقيين لا يبغي أحدُهما على الآخر ، فقد حجَز بينهما ربُّهما بحاجزٍ من قدرته . . فبأيّ هذه المنافع تكذّبان ايها الثّقلان!! .
ومن البحر المالح والعذب يخرجُ اللؤلؤ والمرجان ، يتّخذ الناس منهما حِليةً يلبسونها . وفيهما تجري السفن الكبار المصنوعات بأيديكم كالجبال الشاهقة ، حاملةً ما ينفع الناس ويقضي مصالحهم .
وبعد ذكر هذه النِعم التي أوجدها في البر والبحر - بيّن ان هذا كله فانٍ لا يدوم ، وانه لا يبقى الا الله تعالى ، وكل من في الوجود مفتقِر إليه ، وهو الحي الباقي في شئونه يُحيي ويميت ، ويرزقُ ويعزّ ويذلّ ، ويعطي ويمنع .
{ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام }
فجميعُ أهل الأرض يذهبون ويموتون ، وكذلك أهلُ السموات ، ولا يبقى سوى الله ، فَهو ذو الجلال وحده . ولا يقال ذو الجلال الا في النسبة الى الله . ثم قال والاكرام لأن الله تعالى كريمٌ يكرم الانسان وينظر اليه بعين العطف والعناية ، و الكريم لا يُخاف بل يُحَبُّ ويطاع .
وكل من في السموات والارض مفتقِر إليه تعالى ، محتاجٌ الى رحمته ونواله ولذلك يقول :
{ يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات والأرض كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } .
فهو يحيي ويميت ، ويعزّ ويذلّ ، ويعطي ويمنع ، ويغفر ويعاقب . قال عبد الله بن حنيف : تلا علينا رسول الله صلى الله عليه سولم هذه الآية فقلنا : يا رسول الله ، وما ذلك الشأن؟ قال : ان يغفر ذنبا ، ويفرّج كربا ، ويرفع قوما ويضع آخرين .
قراءات
قرأ الجمهور : يخرُج بفتح الياء وضم الراء . وقرأ نافع وابو عمرو ويعقوب : يُخرَج بضم الياؤ وفتح الراء على البناء للمجهول . وقرأ الجمهور : المنشَئات بفتح الشين . وقرأ حمزة وابو بكر : المنشِئات بكسر الشين .

(3/292)


سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ (31) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (35) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آَنٍ (44) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (45)

سنفرُغ لكم : هو مجرد تهديد لأن الله تعالى لا يشغله شيء ، و المعنى سنحاسبكم . ايها الثقلان : الانس والجن . أن تنفذوا : تخرجوا . أقطار السموات والأرض : جوانبهما . بسلطان : بقوة وقهر . الشواظ : لهب خالص بلا دخان . النحاس : الدخان لا لهب فيه . وهذا من بعض معانيه . وردة : لونها كحمرة الورد . كالدهان : وهو ما يدهن به . السيما : العلامة . النواصي : واحدها ناصية وهي مقدم الرأس ، والأقدام معروفة ، يعني يُجرّون من نواصيهم واقدامهم . الحميم : الماء الحار . آن : متناهٍ في الحرارة .
سنحاسِبُكم أيها الانسُ والجنّ يومَ القيامة ، وهذا وعيدٌ شديد من الله لعباده ، فان الله تعالى لا يَشغَله شيء . ثم بين الله انه لا مهربَ في ذلك اليوم من الحساب والجزاء ، كل واحد يحاسَب على عمله فقال :
{ يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا }
ان استطعتم ان تخرجوا من جوانب السموات والارض هارِبين فافعلوا . . . والحقيقةُ أنكم لا تستطيعون ذلك ، إلا ان تَفِرّوا الى اللهِ بالتوبة الخالصة . { لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ } وأعظمُ سلطان يتحصّن به الانسانُ هو التوبة ، فإنها أكبر حصنٍ يقي التائب المخلص من عذاب الله . فبأيّ نعمة من نعم ربّكما تجحدان!؟ .
ثم بين بعض اهوال الساعة بقوله تعالى :
{ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ }
يُصَبّ عليكما لهبٌ من نارٍ ونحاسٌ مذاب ، فلا تقدران على دفع هذا العذاب ، بل يُساق المجرمون الى الحشْر سَوقاً نعوذ بالله منه .
ثم بين الله تعالى أنه إذا جاء ذلك اليوم الشديد اختلّ نظام العالم ، فتتصدّع السموات ويصير لونها أحمر كالدِهان ، وتصير مذابةً غير متماسكة .
ويكون للمجرمين حينئذٍ علاماتٌ يمتازون بها عن سواهم كما قال تعالى :
{ يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام }
فيُجَرّون إلى جهنم من مقدَّم رؤوسهم وأَرجلِهم ويقال لهم توبيخاً وتقريعا : { هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون } فهم يترددون بين نارِها وبين ماءٍ متناهٍ في الحرارة . فاذا استغاثوا من النار يُغاثوا بالماءِ الحار الذي يشوي الوجوهَ كما قال تعالى في سورة الكهف : { وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل يَشْوِي الوجوه بِئْسَ الشراب وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً } [ الكهف : 29 ] .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : سيفرغ لكم بالياء . والباقون : سنفرُغ لكم بالنون . وقرأ ابن كثير : شواظ بكسر الشين ، والباقون : شواظ بضم الشين . وقرأ ابن كثير وابو عمرو ويعقوب : ونحاس بالجر ، والباقون : ونحاس بالرفع .

(3/293)


وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ (64) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)

ذواتا : تثنية ذات . أفنان : جمع فَنَن وهو الغصن . زوجان : صنفان من جميع الانواع . بطائنُها : بطاناتها يعني أنها مبطنة بالحرير وهو الاستبرق . وجنَى الجنتين : ثمرُ الجنتين . دانٍ : قريب في متناول اليد . قاصرات الطرف : نساء عفيفات لا ينظرن الا الى ازواجهن . لم يطمثهن : لم يمسَسْهن أحد . . كأنهن الياقوت في الصفاء والمرجان في الجمال والبهاء . مدهامتان : خضراوان ، الدهمة السواد ، والعرب تقول لكل أخضرٍ هو اسود . ومنه سواد العراق لكثرة نخيله . نضّاختان : فوارتان بالماء . حُور : واحدتهن حوراء : بيضاء . خيرات : بسكون الياء يعني خيّرات بتشديدها . مقصورات في الخيام : مخدَّرات ، ملازمات بيوتهن . رفرف : واحدهُ رفرفة : وهي الوسادة ، المخدة . عبقري حسان : معناه النادر الموشى من البسُط والفرش ، والعرب تُسنِد كلَّ عملٍ عجيب الى عبقر .
بعد ان بيّن مقام المجرمين ، وما يشاهدونه من أهوال ، وما ينالهم من عذاب ، وذكَر ان مقامهم النار وبئس القرار - ذكر هنا مقام المؤمنين الذين يخافون ربهم ، ويطيعونه فيما أمرهم ، وفصّل تفصيلا جميلاً في ذلك النعيم الرباني ، جزاءً من العليّ الكريم .
ولمن خافَ مقام ربه ، وأطاعه وأخلص في إيمانه وعبادته جنتان . ومعنى هذا ان في الجنة مقاماتٍ ومنازلَ للمؤمنين حسب ما قدّموه من اعمال صالحة ، لأنه سيأتي ايضا قوله تعالى : { وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } فهناك ايضاً جنّتان أُخريان .
وهاتان الجنتان ذواتا أفنان ، أي ان فيهما أغصاناً نضرة حسنةً من جميع الشجر وألوان الثمار المتنوعة . وفي هاتين الجنتين داخل الجنة عَيْنان تجريان بالماء الصافي العذْب . أما الجنة الكبرى فان فيها انهاراً متعدّدة كما ورد في عدة آيات . فكيف تكذّبون بهذه النعم الجليلة التي لا تُحصَى أيها الجاحدون!؟ .
هذا ويجلس أهل الجنتين متكئين على انواع من فُرش الحرير ، وفي متناول أيديهم ثمارُ الجنتين يقطفون منها متى شاؤا ما يلذّ لهم وما يطيب .
وعندهم ما يشاؤون من الحُور العفيفات اللاتي لا ينظُرن الى أحدٍ سوى أزواجهن ، كأنهن في الحسن والجمال الياقوتُ والمرجان ، عذارى لم يمسَسهنّ أحد قبل ازواجهن .
ذلك كله جزاء من خافَ مقام ربه ، وعَبدَه وأخلص في عبادته ، وسعى في إعمار الدنيا وأعطى من ماله وجاهه وبذل ما يستطيع .
{ هَلْ جَزَآءُ الإحسان إِلاَّ الإحسان } .
ثم هناك داخل الجنة جنتان أخريان . وهما كما يقول تعالى : { وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } فهناك ايضاً جنّتان أُخريان .
وهاتان الجنتان ذواتا أفنان ، أي ان فيهما أغصاناً نضرة حسنةً من جميع الشجر وألوان الثمار المتنوعة . وفي هاتين الجنتين داخل الجنة عَيْنان تجريان بالماء الصافي العذْب . أما الجنة الكبرى فان فيها انهاراً متعدّدة كما ورد في عدة آيات . فكيف تكذّبون بهذه النعم الجليلة التي لا تُحصَى أيها الجاحدون!؟ .
هذا ويجلس أهل الجنتين متكئين على انواع من فُرش الحرير ، وفي متناول أيديهم ثمارُ الجنتين يقطفون منها متى شاؤا ما يلذّ لهم وما يطيب .

(3/294)


وعندهم ما يشاؤون من الحُور العفيفات اللاتي لا ينظُرن الى أحدٍ سوى أزواجهن ، كأنهن في الحسن والجمال الياقوتُ والمرجان ، عذارى لم يمسَسهنّ أحد قبل ازواجهن .
ذلك كله جزاء من خافَ مقام ربه ، وعَبدَه وأخلص في عبادته ، وسعى في إعمار الدنيا وأعطى من ماله وجاهه وبذل ما يستطيع .
{ هَلْ جَزَآءُ الإحسان إِلاَّ الإحسان } .
ثم هناك داخل الجنة جنتان أخريان . وهما كما يقول تعالى : { وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } لفريق آخر من المؤمنين العاملين المخلصين . وهما { مُدْهَآمَّتَانِ } خضراوان لونهما يميلُ الى السواد من شدّة الخضرة .
وفي هاتين الجنتين عينان من الماء العذب تفوران بالماء لا تنقطعان ، كما أن { فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } وأنواع منوعة من افخر الفاكهة . وقد خص النخلَ والرمان لأن الله تعالى اودع فيهما كثيراً من المزايا الهامة . فثمر النخل غذاء كامل ، فيه نسبة عالية من الكالسيوم والحديد والفوسفور التي يحتاج اليها الجسم . وفيه عدد من الفيتامينات المفيدة ، وهو يحتوي ايضا على نسبة من البروتينات والدهنيات .
كذلك في الرمان نسبة مرتفعة من حمض الليمونيك الذي يساعد عند احتراقه على تقليل أثر الحموضة في البول والدم ، مما يكون سببا في تجنب النِّقرِس وتكوين بعض حصى الكلى ، مع احتوائه على نسبة لا بأس بها من السكّريات السهلة الاحتراق ، والمولِّدة للطاقة . وهناك فوائد هامة في قشر ثمر الرمان ، وقشور سُوقِ اشجاره .
وفي هاتين الجنتين زوجات طيّبات الأخلاق وفيّات جميلات ، من الحور العين الملازمات لمجالسهن في الخيام ، لم يقربْهن أحدٌ من الانس ولا الجان .
وهؤلاء المؤمنون مع ازواجهم في غاية السعادة والسرور ، متكئين على فُرشٍ عليها وسائد وأغطية خُضْر وطنافس حسان عجيبة الصنع من صنع وادي عبقر . والعربُ تنسب كل شيء عجيب الى وادي الجن ، ويكنّون عنه بِعَبْقَرَ . فبأي نعمة من نعم ربكما تكذبان ايها الثقلان!؟ .
قراءات :
قرأ الكسائي : لم يظمُثْهن : بضم الميم ، والباقون : لم يطْمِثهن بكسر الميم . وقرأ ابن عامر : { تَبَارَكَ اسم رَبِّكَ ذِي الجلال والإكرام } .

(3/295)


إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26)

إذا وقعت : اذا حدثت . الواقعة : القيامة . لوقْعتها : لوقوعها وحدوثها . كاذبة : كذب . رُجّت : زلزلت وحركت تحريكاً شديدا . بُسَّت : فتتت . هباء : غبارا متفرقا . أزواجا : أصنافا . أصحاب الميمنة : هم الناجون الذين كتابهم بيمينهم . أصحاب المشْأمة : الكافرون الذي يأخذون كتابهم بشمالهم . السابقون : هم الذين سبقوا الى عمل الخير في الدنيا . والمقرَّبون : هم ارباب الحظوة والكرامةم عند ربهم . ثلّة : جماعة قد يكون عددها كثيرا ، وقد يكون قليلا من غير تحديد . موضونة : وضنَ الشيءَ جعل بعضه على بعض ، ويقال وضَنَ السريرَ بالجوهر نسجه فهو موضون . وِلدان مخلّدون : أولاد صغار للخدمة يبقون على هذه الصفة داءماً . أكواب : واحدها كوب . . معدّة للشراب . أباريق : واحدها إبريق ، معروف . وكأس من مَعين : إناء من شراب الجنة . لا يصدّعون عنها : لا يصيبهم صداع بشرابهم يصرفهم عنها . ولا ينزفون : لا تذهب عقولهم . حور عين : نساء بيض . عيونهن جميلة واسعة . المكنون : المصون الذي لم تمسه الأيدي . لغواً : سقط القولِ . تأثيماً : ما يستوجب الإثم .
إذا قامت القيامة فلا يستطيع أحدٌ أن يكذِّب بها ، لأن قيامها حقٌّ لا شُبهة فيه . وهي خافضةٌ للاشقياء ، رافعة للمؤمنين السّعداء . ويومئذ تُزلزل الأرضُ ، ويضطرب الكون ، وتحِلّ بالعالم أهوالٌ وكوارث ، وتتفت الجبال ، وتصير كالهَباء المتطاير في غير أماكنها .
والناس في ذلك اليوم ثلاثة اصناف ، اصحاب الميمنة الذين يأخذون كتبَهم بأيمانهم ويكونون في أسعدِ حال؛ وأصحابُ المشأمة وهم الذين كفروا ويأخذون كتبهم بشِمالهم .
والطبقة الثالثة ، وهم السابقون الى الخيرات في الدنيا ، يرتقون إلى الدرجات العليا في الآخرة . وأولئك هم المقرّبون عند الله ، وهم في جنّات النعيم يتمتعون فيها عند أكرم الأكرمين في أحسن مقام .
وهؤلاء المقرّبون جماعة كثيرة من الأمم السابقة وأنبيائهم ، وقليلٌ من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالنسبة اليهم ، يجلسون على سُرر منسوجة بالجواهر النفيسة ، متكئين عليها متقابلين ، يتحدّثون بذكرياتهم وبكل ما يسرّهم .
ويدور عليهم للخدمة وِلدانٌ مخلَّدون بأكوابٍ وأباريقَ مملوءة مما لذّ وطاب من شراب الجنة ، وبكأس مملوءة خمراً من عيونٍ جارية ، لا يصيبهم من شُربها صداعٌ يصرفهم عنها ، ولا تذهب بعقولهم .
ثم لهم طعامٌ فاخر يشتمل على ما يشتهون من لحم طيرٍ وفاكهة منوعة ، يختارون منها ما يحبون ، وعندهم نساءٌ حورٌ عين في منتهى الجمال كأمثال اللؤلؤ المصون في صَدفِهِ . . كل هذا يعطَوْنه جزاء بما كانوا يعملون في الدنيا من أعمال الخيرات .
وهم يعيشون في الجنّة في أحسن حالٍ لا يسمعون فيها كلاماً لا ينفع ، ولا حديثا يأثم سامعه ، إلا سلاماً ، لأنهم في دار السلام .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : وحورٍ عين بالجر . والباقون : بالرفع .

(3/296)


وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (40)

السِدر : شجر يحمل ثمراً يقال له النَبْق . مخضود : لا شوك فيه . الطَّلح : الموز . منضود : منسق . ممدود : ممتد بشكل لطيف . مسكوب : مصبوب يسكب لهم كما يشاؤون . مرفوعة : عالية . عُرُبا : جمع عَروب ، وهي المرأة الصالحة المتوددة الى زوجها . اترابا : متساويات في السن .
يبيّن الله تعالى هنا حالَ أصحابِ اليمين بعد أن بين مراتبَ المقرَّبين السابقين ، ويذكر أنهم في جنات الخلد حيث يوجد شجر السِدر الذي يحمل النبق وهو بلا شوك ، وفيها شجر الموز المنسق { وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ } . وفيها ظلٌّ ممدود لا يَغيب ، وماءٌ مسكوبٌ في آنيتهم حيث شاءوه ، وفاكهة كثيرةُ الأنواع والأصناف ، دائمة لا تنقطع ، وغير ممنوعة على من يريدها في اي وقت ، وفُرُشٌ منضّدة مرتفعة ناعمة مريحة .
وقد أعد الله لأصحاب اليمين مع كلّ هذه النعم الحورَ العِين ، فجعلهن أبكاراً ، محبَّبات الى أزواجهن ، لطيفاتٍ مطيعات ، متقاربات في السن .
واصحاب اليمين جماعاتٌ كثيرة من الأمم السابقة ، ومن أمة محمد صلى الله عليه وسلم .
قراءات :
قرأ حمزة وابو بكر : عربا بضم العين واسكان الراء . والباقون : عربا : بضم العين والراء وهما لغتان .

(3/297)


وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56)

السموم : ريح حارة تنفُذ في مسام البدن . الحميم : الماء الحار . وظلٍّ من يحموم : في ظلٍ من دخان حارٍ شديد السواد . مترفين : منعمين . الحنث العظيم : الذنب العظيم وهو الشِرك بالله . ميقات : وقت معلوم ، والمراد به يوم القيامة . شجر الزقّوم : شجر ينبت في أصل الجحيم . الهِيم : الإبل يصيبها داءٌ تشرب معه ولا تروى . النزل : مكان مهيّأ للضيف . يوم الدين : يوم الجزاء .
بعد ان بيّن الله مقام الصِنفين : السابِقين واصحاب اليمين ، وما يلقاه كل منهم من عز ونعيم مقيم وشرف عظيم - بين هنا الصنف الثالث المقابل وهم الجاحِدون المعاندون ، اصحاب الشمال . ولا يدري أحدٌ ما ينال أصحابَ الشمال من العذاب ، فهم في ريح حارة تشوي الوجوه ، وماءٍ متناهٍ في الحرارة ، وفي ظلٍ من دخانٍ حارّ شديد السواد ، لا بارد يخفّف حرارةَ الجو ، ولا كريمٍ يعود عليهم بالنفع إذا استنشقوه .
والسبب في ذلك : { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ } مسرِفين في الاستمتاع بنعيم الدنيا . وكانوا يصرّون على الشِرك بالله ، ويحلفون بأنه لن يُبعث من يموت . كما جاء في سورة النحل الآية 38 { وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ } وكانوا يزيدون في الانكار فيقولون : أنُبعث إذا متنا ، وصارت أجسامُنا تراباً وعظاما بالية؟ هل نعود الى حياة ثانية ، ونُبعث نحن وآباؤنا الأقدمون الذين ماتوا من زمن قديم!؟ .
قل لهم أيها الرسول الكريم : سوف يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد في ذلك اليوم العلوم ، ثم إنكم أيها الجاحدون المكذّبون بالبعث ، ستأكلون في جهنّم من شجرةِ الزقّوم التي وصفها الله تعالى في سورة الصافّات بقوله : { إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أَصْلِ الجحيم طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشياطين } [ الصافات : 64 ، 65 ] ، فمالئون من هذا الشجرِ الخبيثِ بطونَكم ، فشاربون ماءً شديدَ الحرارة لا يروي ظمأكم ، كما تشرب الابلُ المصابةُ بمرض العطَش فلا تروى أبدا .
وكل ما ذكر فهو ضيافتهم يوم الدِّين على سبيل التهكّم بهم ، لأن قوله تعالى { هذا نُزُلُهُمْ } ، معناه : هذا ما يهيّأ لضيافتهم . وفي هذا توبيخٌ لهم وتهكم بهم .
قراءات :
قرأ عاصم ونافع وابن عامر وحمزة : شُرب الهيم بضم الشين . و الباقون : شَرب الهيم بفتح الشين . وهما لغتان .

(3/298)


نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)

تُمنون : تقذِفون المني في الارحام . قدَّرنا : وقَّتنا موت كل احد بوقت . نبدّل أمثالكم : نميتكم ، ونأتي بقوم آخرين أشباهكم . النشْأة الأولى : الخلقة الأولى . فلولا تذكّرون : فهلا تتذكرون . حطاما : هشيماً متكسرا . تفكّهون : تتعجبون . مغرمون : معذبون مهلكون . المُزن : السحاب واحدته مزنة . أُجاجاً : مالحاً لا يصلح للشرب . فلولا تشكرون : فهلاّ تشكرون . تورون : توقِدون . تذكرة : تذكيرا موعظة . متاعا : منفعة . للمقْوين : للفقراء الذين ينزلون بالقفر ، أقوى الرجلُ : افتقر ، ونزل بالقفر ، ونفد طعامه . ويقال للمسافرين والمستمتعين : المقوون أيضا .
بعد ان بين الله تعالى لنا الأزواج الثلاثة ، ومآل كل منهم ذكَرَ هنا الأدلّةَ على الألوهية من خلْقٍ وزرق للخلق ، وأقام الدليلَ على البعث والجزاء ، وأثبتَ النبوةَ ، فقال :
نحنُ خَلقناكم من عَدَمٍ ، فهلاّ تصدّقون وتقرّون بقدرتنا على إعادتكم ثانية يوم القيامة!؟ .
أفرأيتم هذا المَنِيَّ الذي تقذِفونه في الأرحام ، أأنتم تخلُقونه وتجعلونه بَشَراً بهذه الصورة { أَم نَحْنُ الخالقون } !؟ .
نحن قضَيْنا بينكم بالموت ، وجعلْنا لِموتكم وقتاً معيّناً ، وما نحنُ بمسبوقين ولا عاجزين عن ان نُذْهِبكم ونأتيَ بأشباهكم من الخلق ، { وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ } في الأطوار والأحوال .
ثم ذكر دليلاً آخر على البعث فقال :
{ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النشأة الأولى فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ }
لقد علمتم أن الله أنشأكم النشأةَ الأولى من العَدَم ، فهلاّ تتذكّرون انّ مَن قَدَرَ على خلْقكم من البداية لهو أقدَر على ان يأتيَ النشأةَ الأخرى لكم!
أفرأيتم ما تبذُرونه من الحَبّ في الأرض ، أأنتم تُنبتونه أم نحنُ نفعل ذلك! ان في قُدرَتنا لو نشاء لصيَّرنا هذا النباتَ هشيماً يابساً متكسرا .
{ فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ }
لظللتم تتعجّبون من سوءِ ما أصابه وما نزل بكم ، وتقولون إنا لمعذَّبون ، لا بل نحنُ محرومون من الخيرِ والرِزق لِنحسِ طالعنا وسوءِ حظنا .
أفرأيتم الماءَ العذبَ الذي تشربونه والذي هو أصلُ الحياة ، أأنتم أنزلتموه من السحاب ام نحن المنزلون له رحمةً بكم؟
وهذا من اكبر الادلة على قدرة الاله وعظمته ، فقد حاول الانسان استمطار السّحُب صناعياً إلا ان هذه المحاولاتِ لا تزال مجردَ تجاربَ ، وعلى نطاق ضيق جدا ، مع وجوب توافر بعض الظروف الملائكة طبيعيا .
إننا لو نشاءُ لجعلْنا هذا الماءَ العذبَ مالحاً لا يمكن شربه ، فهلاّ تشكرون الله على هذه النعمة وعلى ان جعله عذباً سائغا!؟ .
أفرأيتم النارَ التي توقدونها ، أأنتم أنبتُّم شجرتها وأودَعتم فيها النار ، أم نحن المنشئون لها؟ والنارُ نعمة كالماء ، وعندما عرف الانسانُ كيف يستعمل النارَ كان ذلك في حياته خطوةً كبيرة الى التقدم ، وبدْء الحضارة الانسانية .
نحن جعلنا هذه النار تذكرةً وتبصِرة لكم تذكّركم بالبعث لتعلموا أن من أخرجَ من الشجر الأخضر ناراً قادرٌ على إعادة الحياة مرة أخرى . ولقد جعلنا في النار منفعةً لمن ينزلون في المفاوز والصحارى من المسافرين ، ولمن يحتاج إليها في كل مكان . . فاذكروا ذلك واعتبروا منه .
فسبّح باسم ربك العظيم أيها الرسول على هذه النعم الجليلة التي لا تُعد ولا تحصى .
قراءات :
قرأ ابن كثير : نحن قدَرنا بينكم الموت ، بفتح الدال من غير تشديد . والباقون : قدرنا بالتشديد . وقرأ ابو بكر : أإنا لمغرمون على الاستفهام . والباقون : إنا لمغرمون على الخبر .

(3/299)


فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)

فلا أقسم : هذا قسَم تستعمله العرب في كلامها ، ولا للتأكيد . مواقع النجوم : مَداراتها ومراكزها . مكنون : مصون . المطهَّرون : المنزّهون عن الأدناس . مدهنون : متهاونون ، مخادعون . الحُلقوم : مجرى الطعام . غير مدينين : غير محاسَبين . فروح : راحة الجسم . ريحان : راحة الروح . تصلية جحيم : ادخال النار . حق اليقين : هو بمعنى اليقين الحق ، وهو اليقين المطابق للواقع .
بعد ذِكر الأدلة على الألوهية والخلْق والبعث والجزاء جاء بذِكر الأدلة على النبوة وصدق القرآن الكريم . وقد أقسم الله تعالى على هذا بما يشاهدونه من مواقع النجوم ، وإن هذا القسَم لعظيم حقا ، لأن هذا الكون وما فيه شيء كبير لا نعلم عنه الا القليل القليل . ويقول الفلكيون : ان من هذه النجوم والكواكب التي تزيد على عدة بلايين ، ما يمكن رؤيته بالعين المجردة ، ومنها ما لا يرى الا بالمكبّرات ، وقد يكون اكبر من شمسنا بآلاف المرات ولكننا لبعده الشاسع لا نراه . وهي تسبح في هذا الفلك الواسع الذي لا نعلم عنه شيئا . والبحث في هذا واسع جدا ، ولذلك فان هذا القسَم عظيم حقا .
{ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ }
هو قرآن جامع لكل المحامد ، وفيه الخير والسعادة لبني الانسان اجمعين .
{ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ }
وهو مصون في اللوح المحفوظ ، لا يمسّ هذا اللوح ولا يطلع عليه غير المقربين من الملائكة .
لقد فسر بعضُهم هذه الآية بأنه لا يَمَسُّ القرآن من كان مُحْدِثا ، واختلف العلماء في ذلك ، فقال جمهور العلماء لا يجوز ان يمسّ احدٌ القرآن الا اذا كان متطهّرا ، وقال عدد من العلماء بالجواز .
{ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العالمين }
ان هذا القرآن نزله الله على سيدنا محمد خات مالأنبياء والمرسلين .
وبعد ان ذكر مزاياه ، وانه من لدن عليم خبير ذكر انه لا ينبغي التهاون في أوامره ونواهيه ، ويجب التمسك به فقال : { أفبهذا الحديث أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ } .
اتتهاونون بالقرآن وتُعرضون عنه ، وتمالئون من بتكلّم فيه بما لا يليق به ، وتكذّبون ما يقصه عليكم من شأن الآخرة ، وما يقرره لكم من امور العقيدة! أتجعلون بدل الشكر على رِزقكم انكم تكذّبونه ، فتضعون الكذب مكان الشكر!
{ فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ ولكن لاَّ تُبْصِرُونَ } .
فماذا انتم فاعلون إذا بلغت روحُ أحدكم الحلقوم في حال النزاع عند الموت ، وانتم حوله تنظرون اليه ، ونحن بالواقع أقربُ اليه وأعلمُ بحاله منكم ، ولكن لا تدركون ذلك ولا تبصرون .
{ فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }
فلو كان الأمر كما تقولون : إنه لا بعثٌ ولا حسابٌ ولا جزاء ، وأنكم غيرُ مدينين لا تحاسَبون ولا تجزون - هلاّ تُرجعون النفسَ التي بلغتِ الحلقومَ الى مكانها ، وتردون الموت عمن يُحتضر امامكم! .
ثم بين الله تعالى ان حال بعد الوفاة ثلاثة اصناف فقال :
1- { فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المقربين فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّاتُ نَعِيمٍ .

(3/300)


}
فأما ان كان المتوفَّى من الذين عملوا صالحاً وكان من المقربين السابقين فمآلُه راحةٌ واطمئنان لنفسه ، ورحمةٌ من الله ورزقٌ طيب في جنات النعيم .
1- وأما إن كان من أصحاب اليمين الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم ، فيقال له تحيةً وتكريما : سلامٌ لك من إخوانك اصحابِ اليمين .
3- واما ان كان من المكذِّبين الذين كذّبوا الرسول والقرآن الكريم ، الضالِّين سواءَ السبيل- فله مكانٌ في جهنم يُسقَى من ماءٍ شديد الحرارة ، ومآله دخول الجحيم .
{ إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ اليقين فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم } .
ان هذا الذي ذُكر في هذه السورة الكريمة لهو الحقُّ الصادق الثابت الذي لا شكَّ فيه فسبِّح ايها الرسول بذِكر اسم ربّك العظيم تنزيهاً له وشكرا على آلائه .

(3/301)


سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6)

سبّح لله : نزّهه عن كل ما لا يليق به . العزيز : الذي لا ينازعه في ملكه شيء . الحكيم : الذي يفعل افعاله وَفْقَ الحكمة والصواب . الظاهر والباطن : هو الذي ظهرت دلائل وجوده وتكاثرت ، وخفيتْ عنا ذاته فلم ترها العيون ، فهو ظاهر بآثاره وافعاله ، باطن بذاته . في ستة أيام : في ستة اطوار . استوى على العرش : استولى عليه . العرش : الملك والسلطان . ذات الصدور : مكنونات النفوس وخفيات السرائر .
بُدئت هذه السورة الكريمة بالتسبيح ، وكذلك بدئت بعدها أربع سور مدنية ، هي : الحشر والصف و الجمعة و التغابن . وأيُّ تسبيح! إن كل ما في الوجود يسبّح لله . وما هو هذا التسبيح؟ . يقول علماء المادة اليوم : « ان التسبيح ها هنا لا يقتصر على كون الذرّات والأجسام الفضائية تخضع للنواميس التي وضعَها اللهُ فيها ، فهي بهذا تسبّحُ بحمد الله سبحانه ، فهناك ما هو أبعدُ من هذا وأقرب الى مفهوم التسبيح الحيّ والتقديس الواعي . ان هذه الموجودات المادية تملك أرواحاً ، وهي تمارس تسبيحَها وتقديسها بالروح ، وربما بالوعي الذي لا نستطيع استيعاب ماهيّته ، كما يقول تعالى في سورة الاسراء 44 : { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } حقا إن ادراك الطرائق التي تعمل بها الذراتُ والأجسام لَمِمّا يصعُب تحقيقه ، ومهما تقدّم العلم وخطا خطواتهِ العملاقة ، فسيظلُّ جانبٌ من أكثر جوانب التركيب الماديّ أهميةً بعيداً عن الكشف النهائي ، مستعصياً على البَوْح بالسِّر المكنون » .
إن عصر الانكار الكلّي لحقائقَ علميةٍ معينة قد انتهى ، وحلَّ محلّه اعتقادٌ سائد أخَذَ يتسع شيئاً فشيئا ، في أن ميدانَ العِلم لا يشهَدُ تغيراتٍ فحسب ، بل طَفَراتٍ وثورات .
ان نتائج فلسفيةً هامة ستتمخّض حقاً عن هذا التغير ، والفرق بين ما هو طبيعي وما هو خارقٌ للطبيعة سوف يتناقص . . الفرقُ بين الطبيعة وما وراء الطبيعة ، والحضور والغيْب ، والمادة والروح ، والقدَر والحرّية ، وستلتقي معطياتُ العلم مع حقائق الدين في عناق حار ، لقاءً كثيراً ما حدّثنا عنه القرآنُ الكريم ، كتابُ الله المعجزة .
لِله ملكُ السموات والأرض ، يحيي ويميت كما يشاء { وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } . هو الاول بلا ابتداء قبلَ كل شيء ، والآخر بلا انتهاء بعد كل شيء : { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } [ القصص : 88 ] . وهو الظاهر بالآثار والأفعال ، والباطنُ فلا تدركه الأبصار { وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فلا يخفى عليه شيءٌ في السموات والأرض .
وهو الذي خلق هذا الكونَ في ستة أطوار ، فدبَّره جميعه ثم استولى على العرش . وقد تقدَّم مثلُ هذه الآية في عدة سور : الأعراف ويونس وهود والفرقان والسجدة .
ثعلم كل ما يغيب في الأرض وما يخرج منها ، وما ينزل من السماء وما يصعَد اليها ، { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } عليمٌ بكم ، محيطٌ بشئونكم في أيّ مكان كنتم . { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } لله وحدَه مُلك السمواتِ والأرض ، وإليه تُرجَع الأمور .
إنه يقلّب الليلَ والنهار ويقدّرها بحكمته كما يشاء ، فتارةً يطولُ الليل ويقصُر النهار ، وتارة يقصر الليلُ ويطول النهار ، وتارة يجعلهما معتدلَين . { وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } وخفيِّ مكنوناتها ، وما تضمره القلوب .

(3/302)


آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)

مستخلفين فيه : خلفاء عنه ووكلاء بالتصرف . ميثاقكم : عهدكم . الفتح : فتح مكة . مَن ذا الذي يُقرض اللهَ : من ذا الذي ينفق في سبيل الله .
هذه السورةُ من السوَر المدنية كما قدّمنا ، وهي تعالج بناء دولة وأمة . وهنا تعالج حالةً واقعة في ذلك المجتمع الاسلامي الجديد ، فيظهر من سياق الحثِّ على البذْل والإيمان أنه كان في المدينة ، إلى جانبِ السابقين من المهاجِرين والانصار ، فئةٌ من المؤمنين حديثةُ عهدٍ بالاسلام ، لم يتمكن الايمان في قلوبهم ، ولهم صِلاتُ قرابةٍ ونَسَبٍ مع طائفة المنافقين التي نبتت بعد الهجرة وكانت تكيدُ للاسلام والمسلمين . وكانت هذه المكائد تؤثّر في بعض المسلمين الذين لم يُدركوا حقيقةَ الايمان فأنزل الله تعالى هذه الآياتِ يثبّت بها قلوبَ المؤمنين ويحثّهم على البذل والعطاء . فهي تقول :
آمِنوا باللهِ حقَّ الايمان الصادق ، وأنفِقوا في سبيل الله من المال الذي جعلكم خلفاءَ في التصرّف فيه .
ثم تبين السورة ما أعدّ الله للذين آمنوا وأنفقوا من أجرٍ كبير : { فالذين آمَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ } .
ومالكم لا تؤمنون بالله والرسولُ يدعوكم الى ذلك ويحثّكم عليه! انه يبين لكم الحججَ والبراهين على صحة ما جاءكم به ، وقد أخذ الله عليكم الميثاقَ بالايمان من قبلُ { إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } . ثم بين الله تعالى انه ينزّل على رسوله الكريم آياتٍ من القرآن ليُخرجَكم بها من الضلال الى الهدى ، { وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ } يلطف بكم من حيثُ لا تعلمون ، ويمهّد لكم سبيلَ الخير من حيث لا تحتسبون .
ثم زاد في التأكيد على الانفاق أن الجميع صائر اليه ، وان الانسانَ لا يأخذُ معه شيئا مما يجمعُه الا العملَ الصالحَ والانفاقَ في سبيل الله فقال :
{ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السماوات والأرض } .
مالكم أيها الناس لا تنفقون مما رزقكم الله في سبيله؟ أنفِقوا أموالكم في سبيل الله قبل ان تموتوا ، ليكونَ ذلك ذُخراً لكم عند ربكم . فأنتم بعد الموت لا تقدِرون على ذلك ، اذ تصير الأموال ميراثاً لمن له السمواتُ والأرضُ فهو الذي يرث كل ما فيهما .
ثم بيّن تفاوت درجات المنفقين فقال :
{ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الذين أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى } .
لا يستوي في الدرجة والأجرِ ذلك المؤمن الذي أنفق قبلَ فتح مكة وقاتَلَ ( لأن المسلمين كانوا في ضيق وجُهد وحاجة الى من يسانِدهم ، ويقويهم ) فهؤلاء المنفِقون والمقاتلون قبل فتحِ مكةَ أعظمُ درجةً عند الله من الذين أنفقوا بعد الفتح وقاتلوا . وقد وعدَ الله الجميعَ المثوبةَ الحسنى ، { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فيجازي كلاًّ بما يستحق .

(3/303)


ثم نَدَبَ الى الانفاق بأسلوبٍ رقيق جميلٍ حيثُ جعل المنفِقَ في سبيل الله كالذي يُقْرِض الله ، والله غنيٌّ عن العالمين . فقال :
{ مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ }
هل هناك أجملُ من هذا التعبير! مَن هذا الذي ينفِق امواله في سبيل الله محتسباً أجره عند ربه ، فيضاعِف الله له ذلك القَرض ، اذ يجعل له بالحسنة الواحدة سبعمائة ، وفوق ذلك له جزاءٌ كريم عند ربّه ، وضيافةٌ كريمة في جنة المأوى .
قراءات :
قرأ ابو عمرو : وقد أُخذ ميثاقكم بضم همزة اخذ ورفع ميثاقكم . والباقون : وقد أخذ ميثاقكم بفتح الهمزة ونصب ميثاقكم . وقرأ ابن عامر : وكلٌّ وعدَ الله الحسنى برفع كل . والباقون : وكُلاً بالنصب . وقرأ ابن كثير : فيضعّفُه بتشديد العين وضم الفاء . وقرأ ابن عامر مثله : فيضعّفَه بالتشديد ولكن ينصب الفاء . والباقون : فيضاعفَه بالألف ونصب الفاء .

(3/304)


يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15)

يسعى نورهم بين أيديهم : وهو ما قدموه من عمل صالح في الدنيا . بشراكم : أبشروا . انظرونا : انتظرونا . نقتبس من نوركم : نستضيء بنوركم . بسور : بحاجز . باطنه فيه الرحمة : الجنة . وظاهره من قِبله العذاب : من جهته جهنم . فتنتم انفسكم : اهلكتموها . تربصتم : انتظرتم بالمؤمنين الشرّ والمصائب . ارتبتم : شككتم في امر البعث . الأماني : الاباطيل . الغَرور ( بفتح الغين ) : الشيطان . فدية : مال او غيره لحفظ النفس من الهلاك . مأواكم : منزلكم . مولاكم : اولى بكم ، من ينصركم .
الكلام في هذه الآيات الكريمة عن مشهدٍ من مشاهد يوم القيامة ، فاللهُ سبحانه وتعالى يبين هنا حالَ المؤمنين المنفقين في سبيل الله يومَ القيامة ، فذَكَر أن نورَهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ليرشدَهم إلى الجنة ، و تقول لهم الملائكة : أبشِروا اليومَ بالجنّات التي تجري من تحتها الأنهارُ وأنتم فيها خالدون ابدا .
{ ذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم } وأيّ فوزٍ أعظم من دخول الجنة!!
ثم بيّن حالَ المنافقين في ذلك اليوم العظيم ، وكيف يطلبون من المؤمنين ان يساعِدوهم بشيءٍ من ذلك النورِ الذي منحَهم الله إيّاه ليستضيئوا به ويلحقوا بهم . فيسخَرُ المؤمنون منهم ويتهكّمون عليهم ويقولون : ارجِعوا إلى الدنيا واعملوا حتى تحصُلوا على هذا النور . وهذا مستحيل . فيُضرَب بينهم بحاجزٍ عظيم يكونُ المؤمنون داخلَه في رحابِ الجنة ، والمنافقون والكافرون خارجَه يذهبون الى النار .
ثم ينادِي المنافقون المؤمنين فيقولون لهم : ألَمْ نكُنْ مَعَكم في الدنيا!؟ فيقول لهم المؤمنون :
{ بلى ولكنكم فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وارتبتم وَغرَّتْكُمُ الأماني حتى جَآءَ أَمْرُ الله وَغَرَّكُم بالله الغرور } .
لقد كنتم معنا ولكنكم لم تؤمنوا ، وأهلكتم أنفسكم بالنفاق ، وتربصتم بالمؤمنين الشرَّ والحوادثَ المهلكة ، وشككتم في أمور الدينِ . لقد خدعتكم الآمالُ الكاذبة حتى جاءكم الموتُ ، وخدعكم الشيطان . فلا أملَ لكم بالنجاة ، ولا تُقبَل منكم فِدية ، ولا مِن الذين كفروا ، إن مَرجِعَكم جميعاً هو النار ، هي منزلكم { وَبِئْسَ المصير } .
قراءات :
قرأ حمزة : أنظِرونا نقتبس من نوركم بفتح الهمزة وكسر الظاء من الفعل انظِر . والباقون : انظُرونا بضم الظاء . وقرأ ابن عامر ويعقوب : فاليوم لا تؤخذ بالتاء . والباقون : لا يؤخذ بالياء .

(3/305)


أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18) وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (19)

الم يأنِ : الم يَحِنْ ، والفعلُ الماضي أنى يأْني أنياً وأناةً وأنىً : حانَ وقَرُب . وما نزل من الحق : من القرآن . فطالَ عليهم الأمد : طال عليهم الزمان وبعُد العهد بينهم وبين انبيائهم . قَسَت قلوبهم : اشتدّت فكفروا . المصّدِّقين والمصدقات : بالتشديد هم المنفقون في سبيل الله . الصدّيق : المداوم على الصدق . الشهداء : من قُتلوا في سبيل الله .
في هذه الآيات عتابٌ لقومٍ من المؤمنين فترت همَّتُهم قليلاً عن القيام بما نُدِبوا اليه . روي عن ابن مسعود رضي الله عنه انه قال : « لما قَدِم أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ فأصابوا من لِين العَيش ما أصابوا بعْدَ أن كانوا في جَهدٍ ، فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوقبوا بهذا الآية . . . . »
الم يَحِن الوقتُ للذين آمنوا أن ترقَّ قلوبُهم لذِكر الله والقرآن الكريم ، ولا يكونوا كاليهود والنصارى الذين أُوتوا الكتابَ من قبلهم ، فعملوا به مدةً ثم طال عليهم الزمنُ فجمدت قلوبهم وغيّروا وبدّلوا { وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } خارجون عن حدودِ دينهم .
اعلموا أيها المؤمنون ان الله يحيي الأرضَ ويهيئها للإنباتِ بنزول المطر بعد يُبْسِها وجفافها { قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } وضربْنا لكم الأمثالَ لعلكم تعقلون ما فيها ، فتخشعَ قلوبكم لذِكر الله .
والله سبحانه يجازي كلَّ انسانٍ بعمله ، فالمتصدّقون والمتصدقات الذي ينفقون في سبيل الله بنفوس سخيّة طيبة ، يضاعفُ الله لهم ثوابَ ذلك ، وفوق المضاعَفة لهم أجرٌ كريم عنده يوم القيامة .
والعاملون أقسامٌ عند الله ، فمنهم النبيّون والصدّيقون والشهداءُ والصالحون . فالذين آمنوا بالله ورسُلِه ولم يفرقوا بين احدٍ منهم - أولئك هم الصدّيقون والشهداءُ ، لهم أجرُهم العظيم ، ونورٌ يهديهم يومَ القيامة ، لا خوفٌ عليهم ولا هم يَحزنون .
وبالمقابلِ يقفُ الذين كفروا وكذَّبوا بآيات الله ، أولئك هم أصحابُ النار خالدين فيها .
قراءات :
قرأ نافع وحفص : وما نَزَل من الحق بفتح النون والزاي من غير تشديد . والباقون : وما نزّل بتشديد الزاي . وقرأ ابن كثير وابو بكر : ان المصَدقين والمصدقات بفتح الصاد من غير تشديد . والباقون : بالتشديد .

(3/306)


اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)

الكفار : هنا الزرّاع ، يقال : كفر الزارعُ البذرَ بالتراب ، غطاه . يهيج : ييبس ويصفرّ ، وفعلُ هاجَ له معنى آخر ، يقال : هاج القومُ هَيْجا وهيَجانا : ثاروا لمشقة او ضرر . وللفعل هاجَ معانٍ اخرى . حطاما : هشيما متكسرا . متاع الغرور : الخديعة . في كتاب : في اللوح المحفوظ . نبرأها : نخلقها . لا تأسوا : لا تحزنوا . كل مختال : متكبر . فخور : المتباهي بنفسه .
يبين الله تعالى هنا حقارة الدنيا وسرعة زوالها . اعلموا أيها الناس أنما الحياة الدنيا لعبٌ لا ثمرة له ، ولهوٌ يشغَل الانسانَ عما ينفعه ، وزينةٌ لا بقاء لها ، وتفاخرٌ بينكم بأنساب زائلة وعظامٍ باليةٍ ، وتكاثرٌ بالعَدد في الأموال والأولاد . مِثْلُها في ذلك مثل مطرٍ نزل في أرضِ قومٍ وأنبت زرعاً طيباً اعجبَ الزّراع ، ثم يكمُل ويهيج ويبلغ تمامه ، فتراه بعدَ ذلك مصفرّا ثم يصير حطاماً منكسرا لا يبقى منه ما ينفع . فمن آمن وعملَ في الدنيا عملاً صالحاً واتخذ الدنيا مزرعةً للآخرة نجا ، ودخل الجنة . وفي الآخرة عذابٌ شديد لمن آثر الدنيا وأخذها بغير حقها ، وفيها مغفرة لمن عمل صالحاً وآثر آخرته على دنياه . { وَمَا الحياة الدنيآ إِلاَّ مَتَاعُ الغرور } متاع زائل وخديعة باطلة لا تدوم .
ثم بعد ان بين الله أن الآخرة قريبة ، فيها العذابُ والنعيم - حثَّ إلى المبادرة الى فعل الخيرات فقال : { سابقوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ . . . . }
تسابَقوا أيها المؤمنون في عملِ الخير ، حتى تنالوا مغفرة من ربكم ، وتدخلوا جنةً سعتُها كسعة السماء والارض ، هُيئت للذين آمنوا واتقَوا ربهم ، { ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم } فهو واسعُ العطاء عظيم الفضل ، يُعطي من يشاء بغير حساب .
ما أصابكم أيها الناس من مصائبَ في الأرض من قحطٍ او جَدْبٍ وفسادِ زرعٍ او كوارث عامة كالزلازل وغيرها ، او في أنفسِكم من مرضٍ او موتٍ او فقر او غير ذلك - إنما هو مكتوبٌ عندنا في اللوحِ المحفوظ ، مثْبَتٌ في علم الله من قبل ان يبرأ هذه الخليقة . وما اثبات هذه الأمور والعلم بها الا أمر يسير على الله .
{ لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ }
وحيث علمتم ان كل ما يجري هو بعلم اله وقضائه وقدَره - عليكم ألا تحزنوا على ما لم تحصَلوا عليه حزناً مفرطاً يجرّكم الى السخط ، ولا تفرحوا فرحاً مبطِرا بما أعطاكم ، فاللهُ لا يحب كلّ متكبرٍ فخور على الناس بما عنده .
قال عكرمة : ليس أحدٌ الا وهو يحزَن او يفرح ، ولكنِ اجعلوا الفرحَ شُكرا والحزنَ صبراً . وما من إنسان الا يحزن ويفرح ، ولكنّ الحزنَ المذمومَ هو ما يخرجُ بصاحبه الى ما يُذهِبُ عنه الصبرَ والتسليم لأمرِ الله ورجاءِ الثواب ، والفرحَ المنهيَّ عنه هو الذي يطغى على صاحبه ويُلهيه عن الشكر .

(3/307)


ثم بين الله اوصافَ المختالين الذين يَفْخرون على الناس فقال : { الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل } هؤلاء لا يحبّهم الله ، ولا ينظر إليهم يومَ القيامة .
{ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ الله هُوَ الغني الحميد }
ومن يُعرِض عن طاعة الله ، فإن الله غنيٌّ عنه ، وهو المحمودُ من خلقه لما أنعم عليهم من نعمه ، لا تضرّه معصية من عصى ، ولا تنفعه طاعة من اطاع .
قراءات :
قرأ ابو عمرو : بما أتاكم بغير مد . والباقون : بما آتاكم بمد الهمزة . وقرأ الجمهور : بالبُخْل بضم الباء واسكان الخاء . وقرأ مجاهد وابن مُحَيصن وحمزة والكسائي : بالبَخَل بفتحتين وهما لغتان . و البخل بفتحتين لغة الانصار . وقرأ نافع وابن عامر : ان الله الغني الحميد ، بحذف هو ، والباقون : ان الله هو الغني الحميد .

(3/308)


لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (26) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)

البينات : المعجزات والحجج . الكتاب : جميع الكتب المنزلة . الميزان : العدل . القِسط : الحق . أنزلنا الحديد : خلقناه . فيه بأسٌ شديد : فيه قوة عظيمة . ثم قفّينا على آثارهم : ثم أرسلنا بعدهم الواحدَ تلو الآخر . الرهبانية : الطريقة التي يتبعها قُسُس النصارى ورهبانهم . ابتدعوها : استحدثوها من عند أنفسِهم . فما رَعَوْها : فما حافظوا عليها . الكِفل : النصيب .
لقد ارسلنا رسُلنا الذين اصطفيناهم بالمعجزات القاطعة ، وانزلنا معهم الكتب فيها الشرائع والاحكام ، والميزان الذي يحقق الإنصاف في التعامل ، ليتعامل الناس فيما بينهم بالعدل . كما خلقنا الحديد فيه قوة ومنافع للناس في شتى مجالات الحياة ، في الحرب والسلم ، والمواصلات برا وبحرا وجوا ، ومنافعه لا تحصى - لينتفعوا به في مصالحهم ومعايشهم ، وليعلم الله من ينصر دينه ، وينصر رسله بالغيب ، { إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ } لا يفتقر الى عون احد .
ولقد ارسلنا نوحاً وابراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتب الهادية . والقرآن يعبر دائما بالكتاب حتى يعلم الناس ان جميع الاديان اصلها واحد .
ثم ان هذه الذرية افترقت فرقتين : منهم من هو مهتدٍ الى الحق مستبصر ، وكثير منهم ضالون خارجون عن طاعة الله .
{ ثُمَّ قَفَّيْنَا على آثَارِهِم بِرُسُلِنَا }
بعثنا بعدَهم رسولاً بعد رسول على توالي العصور والأيام ، حتى انتهى الأمر الى عيسى عليه السلام وأعطيناه الانجيلَ الّذي أوحيناه اليه ، وأودعنا في قلوب المتّبعين له رأفةً ورحمة . وبعد ذلك كله ابتدعوا رهبانيةً وغُلواً في العبادة ما فرضناها عليهم ، ولكن التزموهما ابتغاء رضوان الله تعالى ، فما حافظوا عليهما حقَّ المحافظة . فآتينا الذين آمنوا منهم إيماناً صحيحاً أجورَهم التي استحقّوها . اما كثير منهم فقد خرجوا عن امر الله ، واجترموا الشرور والآثام ، فلهم عذابٌ عظيم .
{ ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله } واثبُتوا على إيمانكم برسوله بعطِكم نصيبَين من رحمته ويجعل لكم نوراً تهتدون به ، ويغفر لكم ذنوبكم { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .
{ لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب أَلاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّن فَضْلِ الله وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم } .
لقد فعلنا ذلك ليعلم اهل الكتاب انهم لا ينالون شيئا من فضل الله ما لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، والله صاحب الفضل العظيم .
وقوله تعالى : { أَلاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ } معناه أنّهم لا يقدِرون على شيء ، فأنْ هنا مخففة من أنّ المشددة .
وهكذا ختمت السورة بختام يتناسق مع سياقها كله ، وهي نموذج من النماذج القرآنية الواضحة في خطاب القلوب البشرية ، وبها يتم الجزء السابع والعشرون .

(3/309)


قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4)

تُجادلك : تراجعك في أمرها ، وهي خولة بنت ثعلبة بن مالك الخزرجية الانصارية ، وزوجها : أوس بن الصامت ، أخو عبادة بن الصامت الصحابيّ الجليل المدفون بالقدس . واللهُ يسمع تحاوركما : يسمع ما يدور بينكما من الكلام . والظهار هنا : ان يقول الرجل لزوجته : أنت عليَّ كظهرِ أمي ، يريد انها حرمت عليه كما تحرم امه عليه . منكرا : ينكره الدين ويأياه . وزورا : كذبا لا حقيقة له . يعودون لِما قالوا : ينقضون ما قالوه ويريدون الرجوع الى زوجاتهم . تحرير رقبة : عتق عبد . حدود الله : شريعته واحكامه .
قد سمع اللهُ قولَ التي تراجعك في موضوع طلاقها من زوجها ، وتشتكي الى الله ما أصابها ، والله يسمع ما يدور بينكما من المحاورة والكلام { إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ } .
وقد أبطل الإسلامُ هذه العادةَ ، فالذي يقول لزوجته انت عليَّ كظهرِ أمي كلامُهُ باطل ، ولا تحرم زوجته عليه ولا تكون كأمه . فان أمه هي التي ولدَتْهُ ، وان الذين يستعملون هذه الالفاظ من الظهار { لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ القول وَزُوراً } يأباه اللهُ ورسوله .
فالله تعالى أبطلَ هذا الطلاق { وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } لما سلَفَ من الذنوب ، وهذا من فضل الله ولطفه بعباده .
ثم فصّل الله تعالى حكم الظِهار فقال :
{ والذين يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا } .
1- كل من استعمل هذا اللفظ ثم أراد الرجوع الى زوجته فعليه ان يعتق عبداً من قبلِ ان يمسَّ زوجته .
{ ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ } .
هذا الذي أوجبه اللهُ عليكم من عِتقِ الرقبة عظةٌ لكم وجزاء توعَظون به حتى لا تعودوا لمثله ، { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } .
2- { فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا } .
فالذي لا يستطيع ان يعتق عبداً عليه ان يصوم شهرين متتابعين من قبلِ ان يمسّ زوجته .
3- { فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً } .
فمن لم يستطع ان يصوم شهرين متتابعين لعذرٍ شرعي ، فعليه ان يطعمَ ستين مسكيناً من الطعام المتعارف عليه .
ذلك الذي بينّاه وشرعناه لتؤمنوا بالله ورسوله ، وتعملوا بما شرعنا لكم . وهذا تسهيل من الله على عباده ولطفِهِ بهم ، وتلك حدود الله فلا تتجاوزوها { وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ، وفي هذا تهديد كبير .
قراءات :
قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بإدغام الدال في السين في قوله : قد سمع . والباقون : بالاظهار : قد سمع ، بإسكان الدال وفتح السين . وقرأ عاصم : يظاهرون من ظاهَرَ ، يظاهِر ، بكسر الهاء بغير تشديد . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو يظَّهَّرون ، بفتح الظاء والهاء المشددتين من ظهَّر يظهر . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي : يَظّاهرون بفتح الظاء المشددة بعدها الف ، من اظّاهرَ يظاهر .

(3/310)


إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (5) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10)

يحادّون : يعصونه ويعادونه . كُبتوا : خذلوا وقهروا وأُذلوا . عذاب مهين : مذل . أحصاه الله : أحاط به وحفظه عنده . شهيد : مشاهد . ألم تَرَ : الم تعلم . النجوى : المناجاة سراً بين اثنين فأكثر . الذين نهوا عن النجوى : اليهود والمنافقون . لولا يعذّبُنا الله : هلا يعذبنا الله بسبب ذلك . حَسْبُهم جهنم : كافيهم جهنم يدخلونها .
بعد ان بيّن الكتابُ شرعَ اللهِ وحدودَه أردف مشيراً إلى من يتجاوزها ، ووصفهم بالمخالفة والعداء وانه سَيَلحقُهم الخزيُ والنّكال في الدنيا كما لحق الذين من قبلهم من كفار الأمم الماضية ، ولهم في الآخرة العذابُ المهين في نار جهنم . وذلك يوم تُجمع الخلائقُ جميعاً للحساب والجزاء ويخبرهم الله بما عملوه بالتفصيل .
{ أَحْصَاهُ الله وَنَسُوهُ } .
هو مسجل عند الله يجدونه مفصَّلا مع انهم نسوه ، { والله على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } لا تخفى عليه خافية .
ألم تعلم أيها الرسول أن الله تعالى يعلم ما في السموات وما في الأرض ، فلا يتناجى ثلاثةٌ إلا واللهُ معهم ، ولا خمسةٌ إلا هو سادسُهم ، يعلم ما يقولون وما يدبّرون ، ولا أقلّ من ذلك ولا اكثر إلا هو معهم ، يعلم ما يتناجَون به اينما كانوا ، ثم يخبرهم يوم القيامة بكل ما عملوا { إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .
ألم تر أيها الرسول الى الذين نُهُوا عن النَّجوى فيما بينهم بما يثير الشكّ في نفوس المؤمنين ثم يعودون الى ما نُهوا عنه ، وهم يتحدثون فيما بينهم بما هو إثم ، وبما هو مؤذٍ للمؤمنين وما يضمرون من العداوة للرسول .
{ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله } .
كان أناسٌ من اليهود اذا دخلوا على الرسول الكريم يقولون : السامُ عليك يا أبا القاسم . فيقول لهم الرسول : وعليكم . ويقولون في أنفسهم : هلا يعذِّبنا الله بما نقول لو كان نبيا حقا! فرد الله عليهم بقوله : { حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المصير } .
وسبب التناجي المذكور أنه كان بين المسلمين واليهود معاهدة ، فكانوا إذا مر الرجلُ من المسلمين بجماعة منهم - يتحدثون سراً ويتناجَون بينهم حتى يظنَّ أنهم يتآمرون على قتله ، فيعدلَ عن المرور بهم . فنهاهُم النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فلم ينتهوا ، وعادوا الى ما نهوا عنه . وكانوا إذا جاؤا النبيَّ حَيَّوه بالدعاء عليه في صورة التحية كما تقدم ، فنزلت هذه الآية .
ثم أمر الله عباده المؤمنين ان لا يكونوا مثلَ اليهود المنافقين في التناجي بالإثم والعدوان ، فقال :
{ ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَةِ الرسول } .
يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كاليهودِ والمنافقين في تناجِيكم بينكم ، فاذا حدث تناجٍ او مسارّة في اجتماعاتكم فلا تفعلوا مثل ما يفعلون .
{ وَتَنَاجَوْاْ بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } .

(3/311)


تناجَوا أنتم بما هو خير ينفع المؤمنين ، واتقوا الله فيما تأتون وتذَرون ، فإليه تحشَرون فيخبركم بجميع أعمالكم وأقوالكم .
ثم بين الباعثَ على هذه النجوى بالشر والمزَيِّن لها فقال :
{ إِنَّمَا النجوى مِنَ الشيطان . . . . } .
إنما الحديث بالسّر والتناجي المثير للشكّ - من وسوسةِ الشيطان وتزيينه ، ليدخلَ الحزنَ على قلوب المؤمنين ، لكنّ المؤمنين في حِصن من إيمانهم فلا يستطيع الشيطان ان يضرَّهم ، ولا تنالهم اية مضرّة إلا بمشيئة الله .
{ وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } .
في جميع أمورهم ، ولا يخافوا أحداً ما داموا محصّنين بالإيمان والاتكال على الله .
وقد ورد في الاحاديث الصحيحة النهيُ عن التناجي إذا كان في ذلك أذىً لمؤمن .
عن ابن مسعود رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا كنتم ثلاثةً فلا يتناج اثنان دون الثالث إلا بإذنه ، فإن ذلك يُحزِنه » رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود .
قراءات :
قرأ حمزة وخلف وورش عن يعقوب : وينتجون بفتح الياء وسكون النون بلا الف ، والباقون : ويتناجون بالألف .

(3/312)