صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (14) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18)

صاعقة : عذاب شديد ينزل بهم . من بين أيديهم ومن خلفهم : من كل مكان . ريحاً صرصرا : باردة تهلك بشدة بردها . نحسات : نكدات مشئومات . أخزى : اذل . الهُون : الهوان ، الذل .
فإن أعرضَ المشركون عن الإيمان ، فقل لهم ايها الرسول : انني أنذركم بعذابٍ شديد مثل ما حلّ بعادٍ وثمود ، اذ جاءتهم الرسُل من جميع النواحي ونصحوهم أن لا يعبدوا الا الله ، فردّوا عليهم بقولهم : لو أراد الله إرسالَ رسولٍ لأنزل الينا ملائكة . { فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } فاستكبروا في الارض بغير حق وقالوا مغترّين بأنفسهم : من أشدُّ منا قوة؟ قالوا ذلك ولم يروا ان الله الذي خلقهم هو اشد منهم قوة ، { وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } .
وبعد ذلك يبين الله مصيرهم المشئوم فيقول : { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً . . . . }
ريحاً باردة تهلك بشدّة بردها ، ولها صوتٌ مخيف ، ارسلناها في ايام مشئومة لنذيقَهم عذاب الذل والهوان في الحياة الدنيا ، ولَعذابُ الآخرة أشدُّ خِزيا ، يوم لا يستطيع احد ان ينصرهم منه .
واما ثمود فإننا بينّا لهم طريق الخير وطريق الشر ، فاختاروا الضلالة على الهدى ، فأصابتْهم صاعقة أحرقتْهم وتركتهم في ذلٍ وهوان { بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من الذنوب والجحود .
وأما الذين آمنوا وكانوا يعملون الصالحات ويتقون ربّهم فقد نجّيناهم .
قراءات :
قرأ ابن كثير وابو عمرو ونافع : نحْسات باسكان الحاء . والباقون : نحِسات بكسر الحاء .

(3/196)


وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24)

يوزَعون : يساقون ويُدفعون الى جهنم . أرداكم : اهلككم . مثوى : مقام . وإن يَستعتبوا : يطلبوا العتبى والرضا . فما هم من المعتَبين : من المجابين الى ما يطلبون .
اذكر لهم أيها الرسول يومَ يُحشَر أعداءُ الله الى النار ، وهم يساقون توجُرهم الملائكة ، حتى اذا وصلوا وسئلوا عن أعمالهم السيئة في الدنيا ، فانكروا - شهدَ عليهم سمعُهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون في الدنيا .
فيقولون لجلودهم : لم شهدتم علينا؟ فتقول الجلود : أنطقَنا الله الذي أنطقَ كلَّ شيء وهو الذي خلقم من العدم ، وإليه ترجعون .
وما كان باستطاعتكم ان تُخفوا أعمالكم عن جوارحكم مخافةَ ان تشهد عليكم ، ولكن كنتم تظنون ان الله لا يعلم كثيرا مما تعملون . وهذا الظنّ الفاءد الذي كان منكم في الدنيا أوقعَكم الآن فأهلككم { فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ الخاسرين } .
فان يصبروا على ما هم عليه فالنارُ مأواهم ، وان يطلبوا رضا الله عليهم فما هم بِمُجابين الى طلبهم ، وهذا مثلُ قوله تعالى : { سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ } [ إبراهيم : 21 ] .
قراءات : قرأ نافع ويعقوب : ويوم نحشر بالنون ، والباقون : يحشر بالياء .

(3/197)


وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (28) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29)

قيضنا : هيّأنا . قرناء : جمع قرين وهم الأصحاب والإخوان من غواة الجن والإنس . والْغَوا فيه : عارِضوه باللغو الباطل حين يُقرأ لتشوشوا عليه . دار الخلد : دار الاقامة الخالدة .
لا يزال الحديث عن المشركين الجاحدين ، ويبين هنا ان السبب في غوايتهم هم قرناءُ السوء الذين زيّنوا لهم الكفر والضلال ، وأغروهم بأنه لا بعثٌ ولا حساب ، وحقَّ عليهم العذاب ممع أممٍ قد خلتْ من قبلهم من الجن والإنس ممن كانوا على شاكلتهم ، وان هؤلاء جميعاً ، { كَانُواْ خَاسِرِينَ } .
ثم بين الله كيف كان مشركو قريش يكذّبون بالقرآن وكيف يستقبلونه باللغو والتشويش .
{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ }
كانوا يوصون بعضهم بأن لا يصغوا الى القرآن ، وان يشوّشوا بأصواتهم رجاءَ ان يكونوا هم الغالبين .
ثم اوعد الله الكفارَ بالعذاب الشديد وأقسمَأن يذيقَ الذين كفروا عذاباً شديداً جزاء فعلِهم السيّء وإعراضِهم وشغبهم .
ثم بيّن الله تعالى انهم حين وقوعهم في العذاب الشديد يطلُبون الانتقامَ ممن أضلّوهم من شياطين الإنس والجن ، ليطأوهم بأقدامهم وينتقموا منهم شرّ انتقام ، ولكنّ كلّ ذلك لا يُجديهم ولا يخفّف عنهم العذاب . وهكذا يصدُقُ عليهم قوله تعالى : { الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين } [ الزخرف : 67 ] .

(3/198)


إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36)

استقاموا : ثبتوا على الايمان والعمل الصالح . أولياؤكم : نصراؤكم . ما تدعون : ما تطلبون . نزلاً : ضيافة حسنة . ادفع بالتي هي أحسن : رُدَّ الاساءة باللين والحسنى . وليّ حميم : صديق عزيز . وما يلقّاها : وما يعمل هذا العمل ويتحمله . الا ذو حظ عظيم : الا ذو نصيب وافر من الخير . ينزغنَّك : يوسوسنَّ لك ويغرينك بالشر . فاستعذ بالله : التجئ اليه .
هذه الآيات الكريمة دستورٌ عظيم في الأخلاق ، وحسن المعاشرة ، وكيفية الدعوة الى الله والتحلّي بالصبر والأناة ، ولو أننا اتبعناها حقا ، ولو أن وعّاظنا وأئمة مساجدنا تحلَّوا بها وساروا على هديها - لنفع الله بهم الناس ، وهدى الكثيرَ الكثير منهم على أيديهم ، ولاستقامت الأمور ، وارتقت أحوالنا ، هدانا الله الى التحلّي بكل مكرمة .
ان الذين قالوا ربنا الله اعترافاً بربوبيته وإقراراً بوحدانيته ، ثم استقاموا في أعمالهم - أولئك تحفّهم الملائكة ، وتبشّرهم بالفلاح والفوز بالجنة التي وعدَهم بها الله ، وهو يقول لهم : نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا بالتأييد ، وفي الآخرة بالشفاعة والتكريم ، ولكم في الجنة ما تشتهي أنفسكم وكلّ { مَا تَدَّعُونَ } أي ما تطلبون من الطيِّبات ضيافةً لكم من الله الغفور الرحيم .
ثم بين الله تعالى صفة الداعي الى الله بالأقوال الحسنة والعمل الصالح ليكون قدوةً ويقرّ بأنه من المسلمين المخلصين . وبعد ذلك أعقب بالدعوة الى حسن المعاملة بين الناس فقال :
{ وَلاَ تَسْتَوِي الحسنة وَلاَ السيئة }
ولا تستوي الخَصلة الحسنة مع الخَصلة القبيحة ، ادفعْ ايها المؤمن الاساءة ان حاءتك بالقول الحسن والِّين ، فاذا فعلتَ ذلك انقلب العدوُّ صديقاً حميما ، وناصرا مخلصا .
{ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الذين صَبَرُواْ }
وما يتحلى بهذه الأخلاق العالية الا الصابرون { وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } وما يُرزقها إلا ذو نصيب عظيم من خِصال الخير والكمال .
وان يصبْك من الشيطان وسوسةٌ فاستعذْ بالله ، إن علمه محيطٌ بكل شيء .

(3/199)


وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (45) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)

لا يسأمون : لا يملّون . خاشعة : هامدة لا حياة فيها . اهتزت : تحركت . وربتْ : زادت . الذين يلحِدون في آياتنا : ينحرفون عن القرآن الكريم . من بين يديه ومن خلفه : من جميع جهاته . حميد : محمود . في آذانهم وقرٌ : فيها صمم .
يبين الله في هذه الآيات الكريمة الدلائلَ على وجوده تعالى وقدرته وحكمته ، ومنها الليلُ والنهار والشمس والقمر ، ثم ينبّه الناس أن لا يسجدوا للشمس ولا القمر ، بل ان يعبدوا الله وحده الذي خلق هذا الكون العجيب . ( وهنا مكان سجود ، اذا قرأ القارئ القرآن وبلغ هاتين الآيتين عليه ان يسجد ) . فان استكبر هؤلاء المشركون الذي يعبدون غير الله عن السجود ، فان الله لا يعبأ بهم ، فعنده الملائكة يسبّحون له بالليل والنهار ، لا يملّون من ذلك ولا يسأمون .
ثم بين بعد ذلك بآية أرضية تراها العين في كل حين ، وهي حال الأرض : هامدة يابسة لا نبات فيها ، تنتعش وتهتزُّ بعد ان ينزل المطر . . والذي أحياها هذه الحياة قادر على أن يحيي الموتى ، { إِنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .
ان الذين يميلون عن الحق ويُلحِدون في آياتنا نحن نعلمهم ولا يخفون عنا ، ولهم جزاء كبير عند الله عبّرت عنه آيةُ :
{ أَفَمَن يلقى فِي النار خَيْرٌ أَم مَّن يأتي آمِناً يَوْمَ القيامة؟ } انهم لا يستوون . وبعد ذلك هدّدهم الله وبين عاقبتهم بقوله { اعملوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .
لقد كفر هؤلاء الملحدون بالقرآن لمّا جاءهم ، وإنه لكتابٌ عزيز يغلب كل من حاول ان يعارضه ، لا يأتيه الباطل أبداً من اي ناحية من نواحيه ، فهو { تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } ، حكيمٍ بتدبير شئون عباده ، محمود على ما أسدى اليهم من النعم التي لا تحصى .
ثم بعد ذلك سلّى الله رسولَه الكريم عمَا يصيبه من أذى المشركين وطَعْنهم فيه وفي الكتاب العزيزن وحثَّه على الصبر ، وان لا يضيق صدره بما يقولون ، فقد قيل مثلُه للرسُل الذين جاؤا قبله ، ومع كل ذلك { إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ } .
ثم أجاب عن شبهة قالوها ، وهي : هلا نزل القرآن بلغة العَجَم؟ هذا ممع أنه لو نزل بلغة اعجمية لأنكروا ذلك ايضا ، وقالوا ما لنا ولهذا؟
ثم قال لرسوله الكريم قل لهم : ان هذا القرآن هدى وشفاء للمؤمنين ، اما الذين كفروا ولم يؤمنوا به ، فكأنهم صمّ ، وهو عليهم عَمًى فلا يبصرون حُججه ومحاسنه .
ثم مثّل حالهم ، باعتبار عدم فهمهم له ، بحال من ينادَى من مكان بعيد فهو لا يسمع من يناديه : { أولئك يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } .
قال اهل اللغة : تقول العرب للرجل الذي لا يفهم كلامك : أنت تنادَى من مكان بعيد ، وللفهيم ثاقب الرأي : انك لتأخذ الأمور من مكان قريب .

(3/200)


ولقد آتينا موسى التوراة فاختلف فيها قومه ، ولولا قضاءٌ سبقَ من ربك ايها النبي ان يؤخر عذابَ المكذبين بك الى أجلٍ محدّد عنده - لقضى بينهم باستئصالهم ، وان كفّار قومك لفي شكٍّ من القرآن .
ثم ختم هذا الجزء من القرآن بان الجزاء من جنس العمل ، وان الله لا يظلم احدا فقال :
{ مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ } .
قراءات :
قرأ قالون وابو عمرو : آاعجمي بمد الهمزة الاولى وتسهيل الثانية . وقرأ حفص وابن كثير وابن ذكوان : أأعجمي بهمزتين بغير مد . وقرأ هشام : أعجمي على الإخبار .
وهذا بيان واضح للناس ، والله قد أعذر { وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى } [ النجم : 39 ] .
اللهم وفقنا للعمل الصالح واختم لنا بخير ، واسترنا يا رب العالمين .

(3/201)


إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آَذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (48) لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50)

الساعة : يوم القيامة . اكمامها : جمع كِمّ بكسر الكاف ، برعوم الثمرة ووعاؤها ، وكذلك الكُم بضم الكاف : وعاء الثمر والزهر . آذنّاك : أعلمناك . ما منا من شهيد : ليس منا من يشهد لك شركاء . وظنوا ما لهم من محيص : وايقنوا ما لهم من مهرب . لا يسأم : لا يملّ . من دعاء الخير : من طلب المال ، ويطلق الخير على المال والصحة والجاه والسلطة وغيرها . الشر : الفقر والمرض وكل سوء . والقنوط : بضم القاف ، ظهور اثر اليأس على الانسان من المذلة والانكسار . الرحمة : الصحة وسعة العيش وكل ما يسرّ الانسان . والضرّاء : ضد الرحمة مثل المرض وضيق العيش ونحوهما . هذا لي : هذا ما أَستحقه لما لي من الفضل والعمل . الحسنى : الكرامة . عذاب غليظ : كثير وكبير .
بعد تلك الجولة مع المشركين ، وما ينتظرهم يوم القيامة حسب أعمالهم وسوء عقائدهم - يبيّن الله تعالى هنا أن لا سبيل الى معرفة يوم القيامة وتحديد موعده ، فذاك لا يعلمه الا هو ، وأن علم الحوادث المقبلة في أوقاتها عند الله ، فلا يعلم احد متى تخرجُ الثمر من اكمامها ، ولا متى تحمل المرأة ولا متى تضع . ثم ذكر سبحانه انه يوم القيامة ينادي المشركين تقريعاً لهم فيقول لهم : { أَيْنَ شُرَكَآئِي } الذين كنتم تعبدونهم من دوني؟ فيكون جوابهم : { آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ } إننا نُعلمك يا الله انه ليس منا الآن من يشهد ان لك شركاء . وغاب الشركاء السابقون عنهم فلا يرجون منهم نفعا ، وايقنوا انه لا مهرب لهم من العذاب .
ثم بين الله تعالى ان الانسان متبدّل الأحوال ، لا يملّ من طل بالمال والمنفعة ، فان أحسّ بخيرٍ وقدرة واقبلت عليه الدنيا - تكبّر وصعَّر خدّه ، وان اصابته محنة وبلاء تطامنَ ويئس من الفرج . واذا انعم الله عليه بالخير والرحمة بعد الضّراء واليأس يقول : { هذا لِي وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى } .
كل هذا من الغرور والضلال . ولكن الله تعالى يبين لهم ان تمرُّدهم هذا وبطرهم لا ينفعهم اذ يقول : { فَلَنُنَبِّئَنَّ الذين كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } وهو عذاب جهنم خالدين فيها ابدا .
قراءات :
قرأ نافع وحفص وابن عامر من ثمرات بالجمع . والباقون : من ثمرة بالإفراد .

(3/202)


وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (51) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52) سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)

نأى بجانبه : تكبّر واختال . عريض : كثير . أرايتم : أخبروني . في شقاق بعيد : في خلاف كبير . الآفاق : جمع أفق بضم الفاء واسكانها . والأفق : الناحية ومنتهَى ما تراه العين من الأرض .
واذا أنعمنا على الإنسان ورزقناه سعة العيش والصحة - أعرضَ عما دعوناه إليه وتكبّر واخال ، واذا مسّه الشّر وأصابته شدة من فقر او مرض اطال الدعاء والتضرع الى الله لعلّه يكشف عنه تلك الغُمة . وتقدم مثله في سورة يونس 12 ، وسورة هود 9 و 10 وسورة الاسراء 83 .
قل لهم يا محمد : أخبِروني ان كان هذا القرآن الذي تكذّبون به من عند الله ثم كفرتم به ، افلا تكونون بعيدين عن الحق والصواب؟ .
{ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق }
ينري هؤلاء المشركين دلائلنا على صِدقك ، وأنّه وعدُ الله لعباده جميعا ، وذلك بأن نطلعهم على شيء من خفايا هذا الكون ومن خفايا أنفسهم على السواء . فقد كشف العلم عن امور كثيرة عن الأرض وما عليها ، وعن النظام الشمسي وما فيه ، وان هذه الارض وما حولها ما هي الا ذرة صغيرة تابعة للشمس ، التي هي وما حولها ذرة صغيرة تسبح في هذا الكون الفسيح ، وعرف الناس عن الجسم البشري وتركيبه وخصائصه وأسراره الشيء الكثير ، وان كل هذه المعلومات والاكتشافات ما هي الا ذرة من علم الله . { وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً } [ الاسراء : 85 ] .
وكذلك سنري هؤلاء المشركين وقائعنا بالبلاد والفتوحات التي تمت على يدي الرسول الكريم عليه صلوات الله وسلامه ، وعلى يدي خلفائه وأصحابه الكرام { حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق } وان كل ما جاء به الرسول الكريم هو الحق .
{ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }
كفى بالله شهيدا على افعال عباده واقوالهم ، وعلى صدق محمد فيما أخبر به عنه . . ألم تكفِهم هذه الدلائل الكثيرة التي أوضحَها سبحانه في هذه السورة وفي كل القرآن ، وفيها البيان الكافي لاثبات وحدانيته ، وتنزيهه عن كل نقص!!
ثم بين الله سببَ عنادهم واستكبارهم بعد كل ما تقدم من حججٍ وبيّنات فقال في الختام :
{ أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطُ } .
انهم في شك عظيم من البعث والجزاء ولقاء ربهم ، ولذلك كفروا ، والله تعالى محيطٌ بكل صغير وكبير ، لا يفوته شيء في هذا الكون الكبير ، واليه مردّ الجميع .

(3/203)


حم (1) عسق (2) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (8)

يتفطّرن : يتشقّقْن من خشية الله وعظمته . من فوقهن : من جهتهن الفوقانية . حفيظ عليهم : رقيب عليهم . لتنذر : لتخوّف . وما أنت عليهم بوكيل : لست موكلاً بهم . أُم القرى : مكة . يوم الجمع : يوم القيامة ، سمي بذلك لاجتماع الخلائق . الفريقك الجماعة . السعير : النار الموقدة المتأججة .
حم عسق : تقرأ هكذا : حاميم عَين سِين قاف ، وقد تقدم الكلام على مثلها اكثر من مرة .
يبين الله تعالى أن ما جاء في هذه السورة موافقٌ لما في الكتُبِ المنزلة على سائر الرسل ، من الدعوة الى توحيدِ الله ، والإيمان باليوم الآخر ، وأمرِ النبوة ، والتحلّي بالأخلاق الفاضلة ، والتزهيدِ في جمع حُطام الدنيا ، والعملِ على سعادة الإنسان والمجتمع . وهذا كله إنما يُوحى اليك ايها الرسول الكريم من الله العزيز الحكيم .
ثم بين الله تعالى ان ما في السموات والأرض تحتَ قبضته وفي ملكه ، له التصرف فيه وحده ايجاداً وعدماً ، وان السمواتِ والأرض على عِظَمِها تكاد تتشقّق فَرَقاً من هيبته وجلاله ، وان الملائكة يسبّحون بحمد ربهم وينزهونه عما لا يليق به ، ويطلبون المغفرة لعباده المؤمنين . وبين بوضوح { إِنَّ الله هُوَ الغفور الرحيم } ثم أتبع ذلك بتسلية الرسول الكريم بأنه ليس رقيباً ولا وكيلاً على المشركين حتى يستطيع ردَّهم الى سواء السبيل ، وما هو الا نذيرٌ يبلّغهم ، وحسابُهم على الله .
ثم بيّن بوضوح انه تعالى أنزل على رسوله قرآناً عربياً بلغة قومه ليفهموه ، لينذر أهلَ مكة ومن حولهم من العرب ابتداءً ثم ينشرونه في العالم . وهذه سُنة الله كما قال : { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } [ إبراهيم : 4 ] .
وكذلك لتنذرَهم يا محمد أن يوم القيامة آتٍ لا شك فيه ، وان الناس في ذلك اليوم فريقان : { فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير } الأول يدخل الجنة بايمانه وما قدّم من صالح الاعمال ، والثاني يدخل النار بكفره وما قدّم من سيء الاعمال .
ثم ذكر الله تعالى ان حكمته اقتضت ان يكون الإيمان اختياراً ، ولم يشأ أن يكون قسراً وجبرا { وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } فمن آمن وأناب الى الله وعمل صالحاً افلح وفاز بالسعادة الأبدية { والظالمون مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } .
قراءات :
قرأ ابن كثير وحده : كذلك يوحى اليك بفتح الحاء . والباقون : يوحي بكسر الحاء .

(3/204)


أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12) شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14)

أولياء : ناصرين . أنيب : ارجع اليه . فاطر السموات والأرض : خالقهما ومبدعهما . من أنفسكم ازواجا : من جنسكم ، وعبّر بانفسكم لأن اقرب شيء الى الانسان زوجته . ومن الانعام ازواجا : ذكراً وانثى . يذرؤكم فيه : يكثركم بهذا التدبير المحكم ، ذرأ الله الخلق : بثّهم وكثّرهم . مقاليد ، واحدها مقلاد ومقليد : مفاتيح . يبسط الرزق : يوسعه . ويقدر : يضيّقه . أقيموا الدين : حافظوا عليه وثبتوا دعائمه . ولا تتفرقوا فيه : لا تختلفوا فيه . كبُرَ على المشركين : عظُم وشقّ عليهم . يجتبي : يصطفي . بغياً بينهم : ظلماً وتجاوزا لحدود الله .
ان هؤلاء المشركين اتخذوا أولياء من دونا الله ، وذلك لجهلهم وعنادهم ، وقد ضلّوا ضلالاً بعيدا ، فاللهُ وحده هو الوليّ بحق ، وهو يحيي الموتى للحساب والجزاء ، { وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .
ثم بيّن الله تعالى ان مردّ الحكم والفصل اليه ، وكل شيء اختلفتم فيه فحُكْمه إلى الله ، وقد بينه لكم . ولذلك أمَرَ الرسولَ الكريم ان يقول لهم :
{ ذَلِكُمُ الله رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ }
وهذا خطابٌ لجميع الناس ليعلموا أن كل شيء يختلف الناس في انه حقٌّ أو باطل فالمرجع فيه الى القرآن ، فقولُه الفصلُ وحكمه العدل . كما قال تعالى : { فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر } [ النساء : 59 ] .
{ فَاطِرُ السماوات والأرض }
الله ربي وربكم خالقُ السموات والارض على احسن مثال .
{ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ }
خلق لكم من جنسكم زوجاتٍ لتسكنوا اليها . . . . وعبّر بقوله « من انفسكم » لأن أقربَ انسان للمرء هي زوجته ، فكأنها منه ومن نفسه . وخلق لكم من الانعام أزواجا ذكورا وإناثا .
{ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ }
لتتناسلوا وتكثروا بهذا التدبير المحكم .
ثم بين بعد ذلك انه مخالفٌ لكل الحوادث لا يشبهه شيء { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } ، { وَهُوَ السميع البصير } ، السميع لما يجري وينطِق به الخلقُ ، والبصيرُ بأعمالهم ، وبيده مفاتيحُ خزائن السموات والأرض .
{ يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ }
يوسع الرزقَ لمن يشاء ويضيّقه على من يشاء .
{ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }
لا يخفى عليه شيء ، فيفعل كلَّ ذلك على مقتضى حكمته الكاملة ، وقدرته الواسعة ، وعلمه المحيط .
ثم بين الله تعالى بعد ذلك انه شَرَعَ لكم ما شرع للأنبياء قبلكم ، ديناً واحداً في الأصول هو التوحيد ، والتقرب بصالح الاعمال ، و الكف عن المحارم وإيذاء الخلق . . لكنّ المشركين كَبُرَ عليهم دعوتُهم الى التوحيد وتركِ الأنداد والأوثان ، ولذلك أوصى الله المؤمنين أن يقيموا الدين بإعطائه حقه ، وان لا يختلفوا ولا يتفرقوا فيه ، وقد هداهم الى ذلك لأنه اصطفاهم من بين خلقه ، فالله سبحانه يصطفي من يشاء ، ويوفّق للايمان وإقامة الدين من يرجع اليه .
والمشركون ما خالفوا الحقّ الا من بعد ما بلَغَهم ، وقامت الحجةُ عليهم ، وما فعلوا ذلك إلا بغياً منهم وعدواناً وحسدا .
{ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ }
لولا الكلمة السابقة من الله حول إمهال المشركين الى يوم القيامة لعجَّل الله لهم العقوبة في الدنيا .
وان اهل الكتاب ليسوا على يقينٍ من أمرهم وإيمانهم ، وانما هم مقلِّدون لآبائهم وأسلافهم ، بلا دليل ولا برهان ولذلك إنهم { لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ } فهم في حَيرة من امرهم ، وشكٍ جعلهم في ريب واضطراب وقلق .

(3/205)


فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (16) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (18)

استقمْ : اثبتْ وثابر على دعوتك . لا حجة بيننا : لا خصومة ولا جدال . يحاجّون في الله : يخاصمون في دينه . من بعد ما استُجيب له : من بعد ما آمن الناسُ واستجابوا له . داحضة : باطلة ، زائفة . الميزان : العدل . الساعة : القيامة . مشفقون : خائفون . يعلمون أنها الحق : يعلمون ان قيامة الساعة حق . يمارون : يجادلون .
بع ان امر الله تعالى بالوحدة في الدين وعدم التفرق ، أمر رسوله الكريم هنا بالدعوة الى الاتّفاق على الملة الحنيفية والثبات عليها . . فلأجل وحدة الدين وعدم التفرق فيه ادعُهم يا محمد الى الاتفاق والائتلاف ، وثابرْ على تلك الدعوة كما أمرك الله ، ولا تتّبع أهواء المشركين . وقل : آمنتُ بجميع الكتب التي أنزلها الله على رسله ، وقد أمرني الله بإقامة العدل بين الناس ، فهو ربّ هذا الكون ، وكلّ امرئ مسئولٌ عن عمله ، لا جدال بيننا وبينكم ، فقد وضَحَ الحقّ ، والله يجمع بيننا للفصل والعدل ، واليه المرجع والمآل .
ثم بين ان الذين يخاصِمون في دين الله من بعد ما استجاب الناس له ، حُجّتُهم باطلة ، لا ينبغي النظر اليها ، وعليهم غضبٌ من ربهم بسبب كفرهم ، ولهم عذابٌ شديد يوم القيامة . إن الله هو الذي أنزل القرآن على نبيه محمد ، كما انزل ما قبله من الكتب مشتملةً على الحق والعدل . . وما يدريك أيها النبي لعل وقت قيام الساعة قريب .
الذين لا يصدّقون بمجيء الساعة يستعجلونها ، وما استعجالهم هذا الا من قبيل الاستهزاء ، اما الذين آمنوا بالله ورسوله وقيام الساعة فإنهم خائفون من قيامها فلا يستعجلون ، ويعلمون ان ذلك حقٌّ ثابت لا ريب فيه .
وما الذين يجادلون في قيام الساعة من المشركين إلا في ضلالٍ بعيد عن الحق .

(3/206)


اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19) مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22)

حرثَ الآخرة : العمل الصالح الباقي . حرث الدنيا : متاعها من مال وبنين وغيرهما . يقال حرثَ المال : جمعه ، وكسبه ، واحترثه مثلُه . أم لهم شركاء : شركاء في الكفر . شرعوا لهم : زينوا لهم . ما لم يأذن به الله : كالشرك وانكار البعث والعمل للدنيا فقط . كلمة الفصل : هي الحكم والقضاء منه تعالى بتأخيرهم الى يوم القيامة . روضات الجنات : اطيبُ بقاعها وأجملها .
يبين الله تعالى أنه لطيف بعباده ، ومن لُطفه انه يرزق من يشاء كما يشاء ، وانه القويّ الذي لا يُقهر ولا يغلب ، ولا يُعجِزه شيء في الأرض ولا في السماء .
ثم بين ان من كان يريد بعمله ثوابَ الآخرة - يضاعَف له اجره اضعافا كثيرة ، ومن كان يريد بأعماله متاع الدنيا وجلْب لذّاتها يَعْطِه الله ما يريد ، وليس لخ في الآخرة نصيب من نعيمها . ومثلُ ذلك في سورة آل عمران { وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشاكرين } [ آل عمران : 145 ] .
ثم أعقب ذلك بذِكر ما وسوستْ به الشياطين لشركائهم ، وزينت لهم من الشِرك بالله وانكار البعث والجزاء ، وأنهم كانوا يستحقُّون العذابَ العاجل على ذلك ، لكن الله تعالى أجّله لما سبق في علمه من تأخيرهم الى يوم معلوم .
{ وَإِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }
وترى يوم القيامة الظالمين خائفين أشدّ الخوف مما كسَبوا من السيئات ، فالعذاب واقعٌ بهم . وفي المقابل ترى الذين آمنوا وعملوا الصالحات متمتعين في أطيبِ بقاع الجنّات ، لهم ما يتمنّون من النعيم عند ربهم .
{ ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير }
ذلك هو الجزاء العظيم الذي اعطاهم إياه ربهم ، وهو الذي يفوق كل كرامة في الدنيا .

(3/207)


ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (24) وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (26)

في القربى : في القرابة التي بيني وبينكم ، او في قرابتي من اهل بيتي . يقترف : يفعل ، يكتسب . يختم على قلبك : يغلقه عن الفهم . يمحو : يزيل . يُحقّ الحق : يثبت الحق . بِكَلِمَاتِهِ : بوحيه وأدلته وحججه . بذات الصدور : ما يختلج في الضمائر .
بعد ان ذكر الله في الآيات السالفة ما أعدَّ للمؤمنين في أطيبِ أماكنِ الجنّات - بين هنا ان ذلك الفضلَ الكبير هو الذي يبشّر به عبادَه المؤمنين . فقل لهم أيها الرسول : انا لا أطلب منكم أجراً على تبليغ الرسالة ، وكل ما اطلبه منكم ان توادّوني مراعاةً للقرابة التي بيني وبينكم . ويدخل في ذلك مودّة النبي صلى الله عليه وسلم ومودّة قرابته من أهل بيته . ومن يعمل عملا صالحا يضاعف الله له جزاءه ، ان الله واسع المغفرة للمذنبين .
ثم أنكر الله تعالى على من يقول بأن النبي الكريم اختلقَ القرآن : لقد قالوا ان ما يتلوه محمد علينا من القرآن ما هو الا اختلاق من عند نفسه لا بوحيٍ من عند ربه ، فإن يشأ الله يربط على قلبِك لو حاولتَ الافتراء عليه ، والله تعالى يمحو باطلَهم بما بهتوك به ، ويثبت الحق الذي أنت عليه بوحيه وارادته ، فأنت على حقٍّ وهم على باطل .
{ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور }
فيعلم ما يختلج في ضمائرهم وتنطوي عليه السرائر .
ثم يمتنّ الله على عباده فيكرّر أنه يقبل التوبة عن عباده ويتجاوز عما فَرَطَ منهم تفضُّلاً منه ورحمة بعباده .
{ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } من خير أو شر ، ورحمتُه تسبق غضبه ، وباب التوبة مفتوح والحمد لله .
ثم وعد المؤمنين بأنه يجيب دعاءهم إذا دعوه ، ويزيدهم خيراً على مطلوبهم من فضله
{ والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ }
قراءات :
قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر : ويعلم ما يفعلون بالياء ، والباقون : تفعلون بالتاء .

(3/208)


وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28) وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (29) وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (31) وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (35)

بسط الله الرزق : وسّعه . لبغوا : لظلموا وتجاوزوا حدود الله . بقدر : بتقدير . الغيث : المطر . قنطوا : يئسوا . وينشر رحمته : تعم منافع الغيث وآثاره جميع المخلوقات . الحميد : المستحق للحمد . بث : نشر . الدابة : كل ما فيه حياة على هذه الارض . على جمعهم : يوم القيامة . بمعجِزين : لا تستطيعون ان تجعلوا الله عاجزا بالهروب منه . الجواري : السفن . كالأعلام : كالجبال . رواحد : ثابتة لا تتحرك . صبّار : كثير الصبر وضبطِ الأعصاب . شكور : كثير الشكر على النعم . يُوبِقْهُنَّ : يُهْلِكْهُنَّ . ما لهم من محيص : لا مهرب لهم .
إن الله تعالى خبير بما يُصلح عبادَه من توسيع الرزق وتضييقه ، فهو لا يعطيهم كلَّ ما يطلبون من الأرزاق بل يقدّر لكلٍّ منهم ما يصلحه ، فإن كثرة الرزق على الناس تجعلهم يتجبرون ويتكبرون ، فالله تعالى يبسط لمن يشاءُ ، ويمنع عمن يشاء . ولو أغناهم جميعا لبغَوا ، ولو أفقرهم جميعا لهلكوا . ومن أسباب الرزق المطرُ وغيره ، فالله وحده هو الذي يغيث الخلقَ بالمطر ، وينشر بركاتِ الغيث ومنافعه في النبات والثمار والحيوان ويغذّي ينابيع المياه ، وهو الذي يتولّى عباده بإحسانه { وَهُوَ الولي الحميد } .
ثم اقام الأدلة على ألوهيته بخلقه السموات والأرض وما فيهما من الحيوان ، ومَن ثبتتْ قدرتُه بإبداع هذا الكون لهو قديرٌ على جمع الناس في الوقت الذي يشاء بَعْثَهم فيه للجزاء .
ثم بين الله تعالى للناس ان هذه الحياة فيها دستورٌ ثابت لا يتغير وهو انه : كل ما يحلّ بكم ايها الناس من المصايب في الدنيا يكون بسبب معاصيكم ، وما اجترمتم من آثام .
ولو نظرنا الآن الى احوالنا نحن العربَ والمسلمين وما نحن عليه من ضعف وتأخر وتفكك - لرأينا ان هذه الآية تنطبق على حالنا ومجتمعاتنا . فنحن لا ينقصنا مال ولا رجال ، ولا أرض ، وانما ينقصُنا صدق الايمان ، واجتماع الكلمة ، والعمل الصحيح لبناء مجتمع سليم ، يجمع الكلمة ويوحّد الصفوف ، ويوفر هذه الأموال الضائعة على شهوات بعض أفراد معدودين من متنفّذي الأمة يبذّرونها على السيارات والقصور والأثاث الفاخر وإشباع الغرائز ، ويكدّسون أموال المسلمين في بنوك الأعداء .
ولو ان زكاة هذه الأموال صرفت على الدفاع عن الوطن ، والاستعداد لمواجهة العدو المتربص بنا لكان فيه الكفاية . ان العمل الصالح والتنظيم والحكم الأمين يدوم ويرفع مستوى الناس حتى يعيشوا في رغد من العيش ، اما الظلم والفساد والطغيان في الحكم واتباع الشهوات فانه لا يدوم ، ويجعل الناس في قلق وبلبلة وشكّ وضياع كما هو واقع في مجتمعاتنا . . . . وهذا معنى { فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } . والله سبحانه وتعالى يرحم من تاب ويعفو عن كثير من الذنوب والأخطاء ، ورحمته واسعة والحمد لله .
انكم ايها الناس لا تُعجِزون الله حيثما كنتم ، وما لكم من دونه وليّ يدافع عنكم ، ولا نصير ينصرُكم اذا هو عاقبكم .
ومن دلائل قدرة الله هذه السفن الجارية في البحر كالجبال الشاهقة في عظمتها ، فالله قادر ان يوقفَ الرياح فلا تجري .
{ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ }
أو يهلك اصحابَ السفن بذنوبهم ، لكنه يعفو عن كثير فلا يعاجلُهم بالكثير من ذنوبهم .
ان الله تعالى فعلَ ذلك ليعتبر المؤمنون ، ويعلم الذين يجادلون في آياتنا بالباطل أنهم في قبضته ، ما لهم من مهرب من عذابه .
قراءات :
قرأ نافع وابن عامر : بما كسبت ايديكم . والباقون : فبما كسبت أيديكم . وقرأ نافع وابن عامر : ويعلمُ الذين يجادلون ، برفع يعلم . والباقون : ويعلمَ بالنصب .

(3/209)


فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)

فما أُوتيتم : فما اعطيتم . كبائر الإثم : كل ما يوجب حدّا . الفواحش : كل ما عظُم قبحه من السيئات . استجابوا : اجابوا داعي الله . الشورى : المشاورة في الأمور . البغي : الظلم . ينتصرون : ينتقمون لانفسهم . ما عليهم من سبيل : ما عليهم عقاب . لمن عَزْمِ الأمور : لمن الأمور الحسنة المشكورة .
يذكّر الله تعالى الناس بأن لا يغترّوا بهذه الحياة الدنيا ، فكل ما فيها من متاع ولذة ومال وبنين لهو قليلٌ جدا بالنسبة لما أعدّه الله للمؤمنين عنده من نعيم الجنة الدائم للذين يتوكلون على ربهم ، ويبتعدون عن ارتكاب الكبائر .
{ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ }
والذين يتحكمون في أعصابهم عند الغضب ، ويملِكون أنفسهم ، ويغفرون لمن أساء اليهم .
ومن صفات هؤلاء المؤمنين ايضا انهم يُجيبون ربّهم الى ما دعاهم اليه ، ويقيمون الصلاة في اوقاتها على اكمل وجوهها .
{ وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ }
وهذا دستور عظيم في الاسلام ، فهو يوجب ان يكون الحكْم مبنياً على التشاور . وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يشاور أصحابه الكرام في كثير من الأمور ، وكان الصحابة الكرام يتشاورون فيما بينهم . ومثلُ ذلك قوله تعالى { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر } [ آل عمران : 159 ] . قال الحسن البصري : « ما تشاور قوم الا هُدوا لأرشدِ أمرهم » . وقال ابن العربي : « الشورى ألفة للجماعة ، وصِقال للعقول ، وسببٌ الى الصواب ، وما تشاور قوم قط الا هدوا » . ومن صفات هؤلاء المؤمنين البذلُ والعطاء بسخاء { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } . ومن صفات المؤمنين الصادقين أيضاً :
{ والذين إِذَآ أَصَابَهُمُ البغي هُمْ يَنتَصِرُونَ }
الذين اذا بغى عليهم أحد ينتصرون لأنفسهم ممن ظلمهم .
ثم بين الله تعالى ان ذلك الانتصار للأنفس مقيَّد بالمِثْل :
{ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا }
فالزيادة ظلم ، والتساوي هو العدل الذي قامت به السمواتُ والأرض .
ثم بين الله ان من الافضل العفو والتسامح فقال :
{ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظالمين } . ومثل هذا قوله تعالى : { وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى } [ البقرة : 237 ] ، ومثله ايضاً { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ } [ النحل : 126 ] ، الى آياتٍ كثيرة وأحاديثَ تحثّ على الصبر والعفو . وهذا سبيل الاسلام .
ثم بين الله تعالى أن الانسان اذا انتصر لنفسه ممن ظَلَمه فلا سبيلَ عليه ، لكن اللوم والمؤاخذة على المعتدين الذين يظلمون الناسَ ويتكبرون في الأرض ويفسِدون فيها بغير الحق { أولئك لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
ثم كرر الحث والترغيب في الصبر والعفو فقال :
{ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور } .
هنا أكد الترغيبَ في الصبر وضبط النفس . وأفضلُ انواع الصبر تحمّل الأذى في سبيل إحقاق الحق وإعلائه ، وافضلُ انواع العفو ما كان سبباً للقضاء على الفتن والفساد .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : والذين يجتنبون كبير الإثم . والباقون : كبائر الاثم .

(3/210)


وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44) وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (45) وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (46) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (48) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50)

استجيبوا لربكم : أجيبوه . لا مردّ له : لا يردّه احد بعد ما قضى الله به . ملجأ : مكان تلجأون اليه . وما لكم من نكير : ما لكم من إنكار لما فعلتموه ، لا تستطيعون ان تنكروه . حفيظا : رقيبا ، محاسباً لاعمالكم . رحمة : نعمة من صحة وغنى . سيئة : بلاء . عقيما : لا يولد له .
ومن ضلّ طريق الهدى ، وخَذَلَه اللهُ لسوءِ استعداده فليس له ناصرٌ من الله ، وترى الظالمين يوم القيامة حين يشاهدون العذاب ، يسألون ربهم ان يُرجعهم الى الدنيا ليعملوا غير ما كانوا يعملون ، ولكن هيهات ، لا سبيل الى العودة .
ثم بين الله حالهم السيئة حين يُعرضون على النار أذلاءَ يسارِقون النظر الى النار جوفاً منها .
عندئذ يقول المؤمنون : حقًا إن الخاسرين هم الذين ظلموا أنفسَهم بالكفر ، وخسروا أزواجهم وأولادهم وأقاربهم ، وفُرِّق بينهم وبين أحبابهم وحُرموا النعيم الى الأبد ، وصدق الله العظيم حين يقول : { أَلاَ إِنَّ الظالمين فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ } .
وما كان لهم من ينصرهم من الذين عبدوهم من دون الله ، { وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ } ، أي ليس له أيّ طريقٍ ينجيه من سوء المصير المحتوم ، جزاء ضلاله .
ثم يحذّر الله الناس طالباً إليهم ان يسارعوا الى إجابة ما دعاهم اليه الرسول الكريم ، من قبل ان تنتهي الحياة وتنتهي فرصة العمل ، ويأتي يوم الحساب الذي { لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله } ويومئذ لا ملجأ ولا ملاذ لهم من العذاب ، ولا يستطيعون انكار ما اجترموه من السيئات . فإن أعرضَ المشركون عن إجابتك أيها الرسول فلا تحزنْ ، فلست عليهم رقيبا فيما يفعلون .
{ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغ }
إن وظيفتك ان تبلّغ ، فاذا انت بلّغت فقد أديتَ الأمانة . { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ } [ البقرة : 272 ] .
ثم بين الله تعالى طبيعةَ الانسان وغريزته في هذه الحياة وضعفه فقال :
{ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإنسان كَفُورٌ }
هذه هي طبيعة الانسان : إذا أغنيناه وأعطيناه سعةً من الرزق فرح وبطر ، وان أصابته فاقةٌ او مرض { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } من معاصٍ ومخالفات - يئس وقنط ، إن الانسانَ يكفر النعمة ويجحدها .
ثم يبين الله انه خالقُ هذا الكون ، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وهو يعطي من يشاء ويمنع من يشاء ، ويهب لمن يشاء الإناث من الذرية ، ويمنح من يشاء الذكور دون الاناث . ويتفضل سبحانه على من يشاء بالجمع بين الذكور والاناث ، { وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً } لا ولد له ، { إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } عليم بكل شيء ، قدير على فعل كل ما يريد .

(3/211)


وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)

وحيا : كلاماً خفيا . من وراء حجاب : يُسمع ولا يُرى . روحاً من أمرنا : ان هذا القرآن روحٌ تحيا به القلوب ، وتتغذى به الأنفس . نوراً نهدي به : الناسَ الى الصراط المستقيم .
بعد ان بين تعالى النعم الحسيّة التي يعيش بها الناس ، بيّن هنا النعمَ الروحية التي تحيا بها القلوب ، وتعمرُ الأنفس ، وبيّن أن الناس محجوبون عن ربّهم ، لأنهم في عالم المادة وهو منزَّهٌ عنها ، ولكن من رقَّ حجابُه ، وخَلَصَت نفسُه من شوائب المادة ، فانه يستطيع ان يتصل بالملأ الأعلى ، وان يسمع كلام ربّه بأحد الأوجه الآتية :
1- ان يحسّ بمعان تُلقى في قلبه ، او يرى رؤيا صادقة كرؤيا الخليل إبراهيم بانه يذبح ولده . . . ورؤيا الأنبياء وحي .
2- ان يسمع كلاماً من وراء حجاب كما سمع موسى عليه السلام من غير ان يبصر من يكلّمه ، فقد سمع كلاما ولم ير المتكلم .
3- ان يرسل الله مَلَكا فيوحي الى النبيّ ما كلّف به .
ثم ذكر الله تعالى انه كما أوحى الى الانبياء قبل محمد فقد اوحى اليه القرآن الكريم ، وما كان محمد قبل ذلك يعلم ما هو القرآن وما الشرائع التي بها هدايةُ البشر وصلاحُهم في الدارَين . ثم خاطبه بهذه العبارة اللطيفة ، { وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } .
ثم فسّر ذلك الصراطَ بقوله تعالى : { صِرَاطِ الله الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض } خلقاً وتدبيراً وتصرفا . وفي الختام كل شيء ينتهي اليه ، ويلتقي عنده ، وهو يقضي فيها بأمره { أَلاَ إِلَى الله تَصِيرُ الأمور } .
وهكذا تنتهي هذه السورة الكريمة بالحديث الذي بدأت به عن الوحي ، والذي كان محورها الرئيسي ، وقد عالجت قصةَ الوحي منذ النبوّات الأولى ، لتقرر وحدة الدين ووحدة الطريق ، ولتعلن القيادةَ الجديدة للبشريّة ممثلة برسالة سيد الوجود سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومن يتبعه من المؤمنين الصادقين ، ليقودوا الناس الى صراط الله المستقيم .

(3/212)


حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (5) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (7) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (14)

الكتاب : القرآن الكريم . المبين : لِطريق الهدى . لعلّكم تعقلون : لعلكم تفهمونه لأنه بلسانكم . أُم الكتاب : اللوح المحفوظ . افنضرب عنكم الذِكر : انُعرض عنكم ونترككم . صفحا : إعراضا . مسرفين : متجاوزين الحد في الكفر . أشدّ منهم بطشا : اقوى منهم وأجلد . مثَل الاولين : وصفهم وحالهم . مهداً : فراشا . سبلاً : طرقا . بقدر : بمقدار تقتضيه الحكمة والمصلحة . فأنشَرنا : فأحيينا . ميتاً : يابسة خالية من النبات . الأزواج : أصناف المخلوقات . لتستووا على ظهوره : لتستقروا عليها . سخّر : ذلل . مقرنين : مطيقين . يقول الشاعر : ولستم للصعاب بمقرنينا . لمنقلبون : لراجعون .
حم : تقرأ هكذا حاميم . افتتحت هذه السورة بهذين الحرفين من حروف الهجاء وقد تقدم ذِكر أمثالهما .
وقد أقسم الله تعالى بكتابه المبين لطريقِ الهدى ، وأنه جعله بلغةِ العرب ، لغة قومك أيّها الرسولُ لِيفهَموا معناه ، وأنه محفوظٌ في علمه تعالى ، فليس هو من عند محمدٍ كما تدّعون يا مشركي قريش . اننا لن نترك تذكيركم به بسببٍ من إعراضكم عنه ، وانهماككم في الكفر به ، وإنما نفعل ذلك رحمةً منّا ولطفاً بكم .
ثم حذّرهم وأنذرهم بأن كثيراً من الأمم قبلهم كانوا أشدّ منهم قوة ، وكذّبوا رسُلَهم فكانت عاقبتهم الدمار والهلاك .
{ ومضى مَثَلُ الأولين }
وقد رأيتم ما حلّ بهم ، فاحذَروا ان يحل بكم مثلُه .
وبعد أن ذكر ان المشركين سادِرون في كُفرهم وإعراضهم عما جاء به القرآن بيّن هنا أن أفعالهم تخالف اقوالهم :
{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم }
ومع اعترافهم هذا بالله يعبُدون الاوثان من دونه!! .
ثم ذكر تعالى أنه هو الذي جعل لكم الأرضَ فِراشاً ممهَّدا ، وجعل فيها طُرقاً لتهتدوا بها في سيَركم ، ونزّل من السماء ماءً بقدْر الحاجة يكفي الزرع ويسقي الحيوان ، وأحيا به الأرضَ الميتة . ومثلُ إحياء الأرضِ بعد موتها ، يخرجُكم يومَ القيامة للحساب والجزاء . ولقد خلق اصناف المخلوقات جميعاً من حيوان ونبات ، وسخّر لكُم السفنَ والدوابّ لتركبوها ، وتذكروا نعمة ربكم وتقولوا :
{ سُبْحَانَ الذي سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ }
لولا لطفُ الله بنا ما كنا لذلك مطيقين . إننا يوم القيامة إلى ربنا لراجعون ، فيجازي كلَّ نفس بما كسبت ، فاستعدّوا لذلك اليوم ، ولا تغفلوا عن ذِكره .
قراءات :
قرأ نافع وحمزة والكسائي : إن كنتم قوما مسرفين بكسر همزة ان . والباقون : أن كنتم بفتح الهمزة .

(3/213)


وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20) أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25)

جزءا : ولداً ، إذ قالوا الملائكة بنات الله . مبين : ظاهر واضح . بما ضرب للرحمن مثَلاً : يعني بالبنات . أصفاكم : خصّكم . كظيم : ممتلئ غيظا . يُنشَّأ : يربَّى .
بعد ان بيّن الله أنهم يعترفون بالألوهية وأن الله هو خالق هذا الكون - ذكر هنا أنهم متناقضون مكابرون ، فهم مع اعترافهم لله بخلْق السموات والأرض قد جعلوا بعضَ خلقه ولدا ظنوه جزءا منه . وهذا كفرٌ عظيم .
ومن عجيب أمرِهم أنهم خصّوه بالبنات ، وجعلوا لهم البنين ، مع انهم إذا بُشِّر أحدُهم بالأنثى صار وجهه مسودّا من الغيظ ، وامتلأ كآبة وحزناً لسوء ما بُشّر به .
{ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الحلية وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ }
وقد جعلوا لله الأنثى التي تتربّى في الزينة ، واذا خوصِمتْ لا تقْدِر على الجَدل والمخاصمة ، واختاروا لأنفسِهم الذكور!!
ثم نعى عليهم في جَعْلهم الملائكة إناثا ، وزاد في الانكار عليهم بأن مثلَ هذا الحكم لا يكون الا عن مشاهدة ، فهل شَهدوا ولادتهم؟
{ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ } يوم القيامة حيث يُسألون عنها ويجازون بها .
ثم حكى عنهم شُبهةً أخرى ، وهي انهم قالوا : لو شاء الله ما عبدْنا الملائكة ، وردّ عليهم بقوله : { أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ } ويعني : هل اعطيناهم كتاباً قبل القرآن يؤيّد افتراءهم هذا فهم متعلقون به!
وعندما فقدوا كل حجة ودليل قالوا :
{ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ }
لقد وجدْنا آباءنا على دينٍ فقلّدناهم ، وبذلك ينقطع الجدل بعد عنادهم وعجزهم .
ان حال هؤلاء مثلُ الأمم السابقة ، فقد قالت { إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ }
وفي هذا تسليةٌ للرسول الكريم ودلالة على ان التقليد في نحو ذلك ضلالٌ قديم .
ثم حكى الكتابُ الكريم ما قاله كل رسول لأمته :
{ قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بأهدى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ }
اتتبعون آباءكم وتلقّدونهم ولو جئتكم بدينٍ هو خيرٌ من دين آبائكم بما فيه من الهداية والرشاد! .
فقالوا مجيبين ومصرّين على كفرهم : { قالوا إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } . ولم يبق لهم عذرٌ بعد هذا كله ولذلك قال تعالى : { فانتقمنا مِنْهُمْ فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين }
وفي هذا تسليةٌ كبرى للرسول الكريم ، وإرشادٌ له إلى عدم الاكتراث بتكذيب قومه له ، ووعيدٌ وتهديد لهم .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي وحفص : أوَمَن يُنَشّأ بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين المفتوحة والباقون : أوَمَن يَنْشأ بفتح الياء وسكون النون وفتح الشين من غير تشديد .
وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر : وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن . والباقون : الذي هم عباد الرحمن . وقرأ نافع : أأُشْهدوا خلقهم بفتح الهمزة وبضم الألف واسكان الشين . وقرأ الباقون : أشهِدوا بهمزة واحدة وكسر الشين . وقرأ ابن عامر وحفس : قال أولو جئتكم . وقرأ الباقون : قل أولو جئتكم ، بفعل الأمر .

(3/214)


وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (30) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)

براء : بريء ، ولفظ ( براء ) يطلق على المفرد والمثنى والجمع تقول : أنا براء مما تعملون ، وانتم براء وانتما براء . فطرني : خلقني . وجعلها كلمة باقية : وجعل كلمة التوحيد باقية . في عقبه : في ذرّيته . من القريتين : من إحدى القريتين وهما مكة والطائف . رحمة ربك : النبوة . سخريا : بمعنى التسخير . معارج : مفرده مَعْرَج ومعراج وهو المَصْعَد والسلّم . وعليها يظهَرون : يصعدون . السرر والأسرة : جمع سرير . الزخرف : الزينة والنقوش . انْ كل ذلك لمّا متاع الحياة : إنْ كل ذلك الا متاع الحياة .
يبين الله تعالى للمعاندين لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم أن أشرفَ آبائهم وهو ابراهيم عليه السلام تركَ دينَ آبائه ، وقال لأبيه وقومه : إنني بريء من عبادة آلهتكم الباطلة . وانه لا يعبد الا الله الذي خلَقَه على فِطرة التوحيد ، فهو سَيَهديه إلى طريق الحق ، ويجعلُ كلمة التوحيد باقيةً في ذرّيته { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } فيؤمنون بها .
لقد متّع الله قريشاً بالنعمة والأمن في بلدهم ، فاغترّوا بذلك ولم يتّبعوا ملّةَ أبيهم ابراهيم . . .
{ حتى جَآءَهُمُ الحق وَرَسُولٌ مُّبِينٌ }
جاءهم الرسولُ الأمين بالقرآن الكريم يهديهم الى الصراط المستقيم . فلما جاءهم الرسول بالحقّ كذّبوه وقالوا ساحر .
{ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ }
وقالوا مستخفّين بهذا النبيّ الكريم لأنه فقير : هلاّ نزل القرآن على أحد رجلين من عظماء مكة او الطائف وهما : الوليدُ بن المغيرة من سادات مكة ، او عروة بن مسعود الثقفي من سادات الطائف .
وهنا يردّ الله تعالى عليهم ويبين لهم جهلهم بأن العظمةَ ليست بكثرة المال ولا بالجاه ، وأن النبوة منصبٌ إلهي وشرفٌ من الله يعطيها من يستحقها ، وليست بأيديهم ولا تحت رغبتهم ولذلك قال :
{ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ }
كيف جهِلوا قَدْرَ أنفسِهم حتى يتحكموا في النبوة ويعطوها من يشاؤون! الله تعالى قَسَم المعيشة بين الناس وفضّل بعضهم على بعض في الرزق والجاه ، ليتخذَ بعضُهم من بعض أعواناً يسخّرونهم في قضاء حوائجهم ، وليتعاونوا على هذه الحياة .
{ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }
والنبوّة وما يتبعها من سعادة الدارَين خيرٌ من كل ما لديهم في هذه الحياة الدنيا . فهذا التفاوت في شئون الدنيا هو الذي يتم به نظام المجتمع ، فلولاه لما صرَّف بعضُهم بعضا في حوائجه ، ولا تعاونوا في تسهيل وسائل العيش .
ثم بين الله تعالى انه : لولا ان يرغبَ الناسُ في الكفر إذا رأوا الكفار في سَعةٍ من الرزق لمتَّعهم الله بكل وسائل النعيم ، فجعل لبيوتهم أبواباً من فضة وسقُفا وسررا ومصاعد من فضة ، وزينةً في كل شيء . . وما هذا كلّه إلا متاع قليلٌ زائل مقصور على الحياة الدنيا الفانية .
{ والآخرة عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ }
أعدّها الله للذين أحسنوا واتقَوا وأخلصوا في إيمانهم .
روى الترمذي وابن ماجه عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو ك انت الدنيا تَعْجِل عند الله جناحَ بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء » .
قراءات :
قرأ ابن كثير وابو عمرو : سَقفاً بالافراد ، والباقون : سُقُفا بالجمع . وقرأ عاصم وحمزة وهشام : لمّا متاع الحياة بتشديد ميم لما . والباقون : لما بالتخفيف .

(3/215)


وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (40) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)

ومن يعشُ عن ذكر الرحمن : ومن يعرض عنه ، يقال عشا يعشو عشوا : ساء بصره ، وعشا الى النار : رآها ليلا فقصدها . وعشى وعشاوة : اصيب بصره بضعف . نقيّض له : نهيئ له . القرين : الرفيق الذي لا يفارق . ذكر الرحمن : القرآن . بُعد المشرقين : يعني المشرق والمغرب ، بين المشرق والمغرب . والعرب تسمّي احيانا الشيئين المتقابلين باسم احدهما . كما نقول العُمَران : ابو بكر وعمر ، القمران : الشمس والقمر . فإما نذهبنَّ بك : فإن قبضناك وأمتناك . وإنه لذِكر لك ولقومك : ان القرآن شرف لك ولقومك تُذْكَرون به الى الأبد .
بعد ان ببين الله ان المال متاعُ الدنيا عَرَضٌ زائل ، وان نعيم الآخرة هو النعيم الدائم - ذكر هنا أن الذي يهتم بالدنيا ومتاعها ويُعرِض عن القرآن وما جاء به يهيئ له شيطاناً لا يفارقه ، وأن شياطين هؤلاء الفئة من البشر يصدّونهم عن السبيل القويم ، ويظنون انهم مهتدون . حتى اذا جاء ذلك الرجل يومَ القيامة الى الله ورأى عاقبة إعراضه وكفرِه قال لقرينه نادماً : يا ليت بيني وبينك بُعدَ المشرق والمغرب ، فبئس الصاحبُ كنتَ لي ، حتى أوقعتني في الهاوية .
ثم يقال لهم جميعا : لن يخفَّف العذابُ عنكم اليوم ، وكلّكم في العذابِ مشتركون ، لا يستطيع أحد منكم ان يساعد الآخر .
ثم بين الله تعالى لرسوله الكريم أن دعوته لا تؤثر في قلوبهم ، فأنت يا محمد لا تُسمع الصمَّ عن الحق ولا تهدي العميَ عن الاعتبار .
ثم سلّى رسوله الكريم وبين له انه لا بدّ أن ينتقم منهم ، إما في حياة الرسول او بعد مماته ، فان قبضناك يا محمد قبل ان نُريَك عذابَهم ، ونشفي بذلك صدرَك وصدورَ قوم مؤمنين فإنا سننتقم منهم في الدنيا والآخرة . { أَوْ نُرِيَنَّكَ الذي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ } مسيطرون .
فاعتصِم يا محمد بالقرآن لأنه الحقُّ والنور المبين ، وايبُتْ على العمل به ، واللهُ معك لأنك على صراطه المستقيم .
ان القرآن الذي أوحيناه إليك شرف لك وللعرب ، فلقد رفع من شأنهم ونشَر سلطانهم ولغتهم في شرق الأرض وغربها ، وكما قال تعالى : { لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } [ الأنبياء : 10 ] . وأيّ ذكرٍ اعظم ابها الرسول في شرائع مَنْ أرسلْنا قبلك من رسُلنا ، هل جاءت دعوة الناس الى عبادة غيرِ الله؟ ان جميع الرسل جاؤا بالدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريكَ له .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي وابو عمرو وحفص : حتى اذا جاءنا بالافراد . والباقون : جاءانا على التثنية .

(3/216)


وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآَيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (47) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (49) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ (56)

بآياتنا : بمعجزاتنا التي أظهرها على يد موسى . ملئه : اشراف قومه . مبا عَهِدَ عندك : بما اخبرتنا من عهده إليك أنا اذا آمنّا كشف عنا العذاب . ينكثون : ينقضون العهد . وهذه الأنهار تجري من تحتي : من تحت قصري وبين يديّ في جناتي . مهين : حقير ، ضعيف . ولا يكاد يُبين : لا يكاد يُفصِح عما في نفسه ، لأنه كان ألثغَ يجعل الراء غينا . أسورة : جمع سوار وكانوا يُلبسون الرئيس او العظيم اسورة من ذهب . مقترنين : ملازمين ، ليعينوه ويساعدوه . فاستخف قومه : استخف عقولهم . آسفونا : أَغضبونا ، والأسف هو الحزن او الغضب . سلفاً : قدوة لمن بعدهم من الكفار . ومثلا : عبرة وموعظة .
بعد ان ذكَر الله ان كفار قريش طعنوا في نبوة محمدٍ صلى الله عليه وسلم لكونه فقيراً - بيّن هنا ان سيّدنا موسى جاء الى فرعون واشرافِ قومه وقال لهم { إِنِّي رَسُولُ رَبِّ العالمين } وأظهر لهم المعجزات ، لكنهم سخروا منه وضحكوا من المعجزات . وكانت كل معجزة من المعجزات التي توالت عليهم أكبرَ من أختها . وحيث أصروا على الكفر والطغيان أصبناهم بأنواع البلايا ، { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } عن غيهم . ولكن بالرغم من معاينتهم تلك المعجزات فقد اعتبروها من قبيل السحر فقالوا : يا ايها الساحر ، ادعُ لنا ربك متوسّلاً بما عَهد عندك ان يكشف عنا العذاب ، فإذا كشفه عنّا اهتدينا وآمنا بما تريد .
فلما كشف الله عنهم العذاب بدعاء موسى نقضوا العهدَ ولم يؤمنوا . وقد جاءت هذه القصة مفصّلة في سورة الأعراف .
ثم اخبر الله عن تمرد فرعون وطغيانه وعناده فقال : { ونادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ . . . }
أليس لي مُلك مصر وهذه الأنهار التي تشاهدونها تجري من تحت قصري ، { أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } أيها القوم!؟
{ أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هذا الذي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ }
فأنا خير من هذا الفقير الحقير الذي لا يكاد يُفصح عما يريد .
ثم ذكر شبهةً مانعة لموسى من الرياسة ، وهي انه لا يلبس لباس الملوك ، فهلاّ القى ربّه عليه أساورَ من ذهبٍ ان كان صادقا!! او جاء معه الملائكةُ ملازمين له ليساعدوه!
{ فاستخف قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ } .
وبعد ذلك بين الله ان هذه الخِدع قد انطلتْ عليهم ، وسحَرت ألبابهم ، فأطاعوه واعترفوا بربوبيته وكذّبوا موسى .
ثم بين الله مآلهم : فلما أغضبونا بعنادهم انتقمنا منهم بعاجلِ عذابنا ، فأغرقناهم أجمعين ، وجعلناهم قُدوةً لمن يعمل عملَهم من اهلِ الضلال ، وعبرةً وموعظة لمن يأتي بعدهم من الكافرين .
وفي قصة موسى هنا تسليةٌ للرسول الكريم بها لأن قومه عيّروه بالفقر ، وقد سبق لموسى ان عيره فرعونُ بالفقر والضعف .
قراءات :
قرأ حفص : اسورة . وقرأ الباقون : أساور ، اسورة جمع اسوار ، وجمع الجمع اساور وأساورة . وقرأ حمزة والكسائي وخلف : فجعلناهم سُلُفا بضم السين واللام . والباقون : سلفا ، بالإفراد .

(3/217)


وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (64) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (66)

يصدّون : يصيحون ويضجّون . جدلا : خصومة بالباطل . خَصِمون : شديدون في الخصومة ، ومجبولون على اللجاج وسوء الخلق . وجعلناهم مثلاً لبني اسرائيل : آية وأمراً عجيبا . لعلمٌ للساعة : علامة من اشراطها . فلا تمترنّ : فلا تشكّن . البينات : المعجزات . الحكمة : الشرائع المحكمة .
لقد جادل مشركو قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم جدلا كثيرا ، من ذلك ان الرسول الكريم لما تلا عليهم : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } [ الأنبياء : 98 ] قال له عبدُ الله بن الزِبِعْرَي - وهو من شعراء قريش وقد أَسلمَ وحسُنَ إسلامه فيما بعد- : أليس النصارى يعبدون المسيح وأنتَ تقول كان عيسى نبياً صالحاً ، فان كان في النار فقد رضينا . فأنزل الله تعالى بعد ذلك : { إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ } [ الأنبياء : 101 ] .
وجادلوه بعد ذلك كثيرا ، ولذلك يقول الله تعالى :
{ وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ }
لما بين الله وَصْفَ عيسى الحقَّ من أنه عبدٌ مهلوق ، وعبادتُه كفرٌ ، إذا قومك أيها النبي يُعرِضون عن كل هذا .
فقال الكافرون : أآلهتنا خيرٌ أم عيسى؟ فإذا كان عيسى في النار فلنكنْ نحنُ وآلهتنا معه . . وما ضرب الكفار لك هذا المثَلَ الا للجدل والغلبة في القول لا لإظهار الحق .
{ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ }
إنهم قوم شديدون في الخصومة ، مجبولون على العَنَتِ والعناد .
ثم بين الله تعالى ان عيسى عبدٌ من عبيده الذين أنعم عليهم فقال :
{ إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لبني إِسْرَائِيلَ }
وما عيسى ابن مريم غلا عبدٌ أنعمنا عليه بالنبوّة ، وقد جعلناه آيةً بأن خلقناه من غير أبٍ كَمَثَلِ آدم خَلَقَه الله من تراب . ولو نشاء لجعلْنا في الأرض عجائب كأمرِ عيسى كأن نجعل لبعضكم أولاداً ملائكة يخلفونهم ، كما خلقنا عيسى من غير اب .
والحق أن عيسى بحدوثه من غير أب لدليلٌ على قيام الساعة ، { فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا } واتبعوا هداي وهُدى رسولي ، فما أدعوكم اليه هو الصراط المستقيم . ويقول بعض المفسّرين ، وان القرآن الكريم ليعلِمُكم بقيام الساعة فاتَّبعوا تعاليمه ، ولا تتبعوا زيغ الشيطان انه لكم عدوٌّ ظاهر .
ولما جاء عيسى رسولاً الى بني اسرائيل ومعه الآيات الدالة على رسالته ، قال لقومه : قد جئتكم بشريعةٍ حكيمة تدعوكم الى التوحيد ، وجئتكم لأبيّن لكم بعضَ الذي تختلفون فيه من أمر الدين ، فاتقوا الله في مخالفتي ، وأطيعوني فيما أدعوكم اليه . ان الله هو خالقي وخالقكم فاعبدوه وحده ، وحافِظوا على شريعته ، فهي الطريق الموصل الى النجاة . ولكنهم خالفوا ما دعاهم اليه ، واخلتفوا ، وصاروا شِيعا وفرقاً لا حصر لها . { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ } هو يوم القيامة ، حين يحاسَبون على كل صغيرة وكبيرة .
هل ينتظر هؤلاء الاحزاب المختلفون في شأن عيسى الا ان تقوم الساعةُ بغتةً وهم غافلون عنها!؟
قراءات :
قرأ الكسائي ونافع وابن عامر : يصُدون بضم الصاد . والباقون : بكسرها .

(3/218)


الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (73) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76) وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)

الأخلاء : جمع خليل الاصدقاء . مسْلمين : مخلصين منقادين لربهم . تحبرون : تسرون . بصحاف : جمع صحفة وهي آنية الطعام ، يؤكل بها . أكواب : جمع كوب ، وهو خازِن النار . أم أبرموا أمرا : احكموا تدبيره . نجواهم : ما يتناجون به بينهم .
في هذه الآيات مشهدٌ من مشاهد يوم القيامة يبيّن حال فريقين متقابلَين ، وهو يبدأُ في رسم صورةٍ عن الأصدقاء في ذلك اليوم فيقول :
ان الأصدقاء بعضُهم لبعض عدوٌّ الا الذين كانت صداقتهم خالصةً لوجه الله واجتمعوا على التقوى ، فإنهم في كَنَفِ الله وضيافته لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون . ويومئذ يقال للذين آمنوا بالله وصدّقوا رسوله الكريم : ادخلوا الجنةَ أنتم وازواجُكم تُسرّون فيها سروراً عظيما . وهناك يلقَون من النعيم ما لا مثيل له في الدنيا ، ويطاف عليهم بأوانٍ من ذهب ويشربون بأكواب من ذهب ، ويجدون كل ما تشتهيه انفسهم وما تلذ به أعينهم ، ويقال لهم إكمالاً للسرور : { وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } . وفي هذه الجنة أيضاً فاكهة كثيرة الانواع { مِّنْهَا تَأْكُلُونَ } .
ثم بيّن حال الفريق المقابل من أهل النار ، وما يكون فيه الكفار من العذاب الدائم الذي لا يخفّف عنهم ابدا ، وهم في حُزنٍ لا ينقطع . والله تعالى لم يظلمهم بهذا العذاب { ولكن كَانُواْ هُمُ الظالمين } باختيارِهم الضلالة على الهدى .
ثم بين كيف يقول أهل النار لخَزَنتها ويطلبون منهم ان يموتوا حتى يستريحوا من العذاب ، ويردّ عليهم مالكٌ ، خازن النار قائلاً :
{ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ }
لقد جاءكم رسولنا بالدّين الحق فآمن به قليل ، وأعرض عنه أكثركم وهم كارهون ، وستبقون في جهنم هذه جزاء كفركم .
ثم بين الله ما أحكموا تدبيره من ردّ الحق ، وإعلاء شأن الباطل ، وقال لهم :
{ فَإِنَّا مُبْرِمُونَ }
إنا محكِمون أمراً في مجازاتكم واظهار الرسول عليكم .
لقد وهِموا فيما ظنّوا أننا لا نسمع سرّهم وما يتناجون به بينهم ، { بلى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ } كلَّ ما صدر عنهم من قول او فعل .
قراءات : قرأ حفص ونافع وابن عامر : ما تشتهيه الانفس . والباقون : ما تشتهي الأنفس .

(3/219)


قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89)

سبحان ربّ السموات : تنزيهاً له عن كل نقص . يصِفون : يقولون كذباً بأن له ولدا . فذرْهم : فاتركهم . يخوضوا : يتكلموا بالباطل . حتى يلاقوا يومهم : يوم القيامة . يدعون : يعبدون . يؤفكون : يصرفون . وقيله : وقَوله ، يقال قلت قولاً ، وقالاً ، وقيلاً ، فاصفح عنهم : فاعف عنهم .
قل ايها الرسول للمشركين : إن صحّ الدليل القاطع ان للرحمن ولداً فأنا أولُ من يعبدُ هذا الولد ، لكنه لم يصحّ ذلك ولن يصحّ .
ثم نزّه الله نفسه بقوله :
{ سُبْحَانَ رَبِّ السماوات والأرض رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ }
تنزه خالقُ هذا الكون العجيب وربُّ العرش المحيط بذلك كله ، عما يصفه المشركون .
ثم امر الرسولَ الكريم أن يتركهم في خوضهم بباطلهم وشركهم حتى يلاقوا يومهم ، يوم القيامة ، وهناك يدركون خطأهم ويندمون .
ثم أكد هذا التنزيه ببيان أن الله هو الذي يُعبد في السماء بحقّ ، ويُعبد في الأرض بحق .
{ وَهُوَ الحكيم العليم } الحكيم في تدبير خلقه ، العليم بمصالحهم .
ان عنده وحده عِلم يوم القيامة ، واليه وحده ترجعون في الآخرة للحساب ، أما هذه الأوثان التي تعبدونها فلن تستطيع الشفاعة لكم . أما من نطق بالحق وكان على بصيرة من عند ربه فان شفاعته تنفع عند الله بإذنه ، ولمن يستحقها .
ثم بين ان هؤلاء المشركين يتناقضون في اقوالهم وافعالهم فقال :
{ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله فأنى يُؤْفَكُونَ }
ولئن سألتَ أيها الرسول هؤلاء المشركين من الذي خلقهم ليقولُنّ : خَلَقنا الله ، فكيف إذن يُصرفون عن عبادته تعالى الى عبادة غيره!؟ .
{ وَقِيلِهِ يارب إِنَّ هؤلاء قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ }
والله عنده علمُ الساعة وعلمُ قول الرسول يا رب ان هؤلاء الذين أمرتّني بإنذارهم قومٌ لا يؤمنون . وقيلهِ بالجر نعطوف على قوله وعنده علم الساعة وعلم قيلِه .
ولذلك قال له تعالى :
{ فاصفح عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }
فأعرِض عنهم أيها الرسول ، وقل لهم سلام ، فسوف يعلمون عاقبة كفرهم ، وأنك ستنتصر عليهم .
قراءات :
قرأ عاصم وحمزة : وقيلِهِ بالجر ، والباقون : وقيلَهُ بالنصب .

(3/220)


حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9)

ليلة مباركة : هي ليلة القدر . منذِرين : مُعْلِمين ومخوفين . يفرق : يفصل ويبين . حكيم : محكَم لا يمكن الطعن فيه . ان كنتم موقنين : ان كنتم مؤمنين ومصدقين حقا .
حم : تقرأ هكذا حاميم : من الحروف الصوتية ، وقد تكلّمنا عن هذا الاسلوب والغرض منه .
أقْسَمَ الله تعالى بالقرآن الكاشف عن الدِّين الحقِ ، المبينِ لما فيه صلاحُ البشرية في دنياهم وأُخراهم ، وأنه انزلَ القرآنَ في ليلة مبارَكة هي ليلة القدر ، لإنذار العباد وتخويفهم بإرسال الرسُل وانزال الكتب . وفي هذه الليلة المباركة يفصِل الله كل أمر محكَم ، والقرآنُ رأس الحكمة والفيصلُ بين الحقّ والباطل ، يبيّن لهم ا يضرّهم وما ينفعهم . { إِنَّهُ هُوَ السميع العليم } إن الله لا تخفى عليه خافية من أمرهم ، فهو الذي بيدِه إحياؤهم وإماتتهم ، وهو ربُّهم وربّ آبائهم الأولين ، المالكُ لهم والمتصرّف فيهم حسب ما يريد .
{ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ }
انهم ليسوا بموقِنِين بعد أن بينّا لهم الرشدَ من الغيّ وأصرّوا على كفرهم وشكّهم وعنادهم لاهين لاعبين .
قراءات :
قرأ الكوفيون : ربِّ السموات . بالجر . والباقون : ربُّ السموات بالرفع .

(3/221)


فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14) إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16) وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آَتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (19) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21)

فارتقب : فانتظر . الدخان : الدخان المعروف الناشئ عن النار . يغشى الناسَ : يحيط بهم . اكشفْ عنا : ارفع عنا . أنّى لهم الذكرى : كيف يتذكرون ويتعظون . وقالوا معلَّم : يعلمه بعض الناس . البطش : الأخذ الشديد . فتنّا : بلونا ، وامتحنا . أدوا اليَّ عباد الله : اعطوني عباد الله وأطلقوهم . لا تعلوا على الله : لا تستكبروا . بسلطان مبين : بحجة واضحة . عُذت بربي وربكم : التجأت اليه وتوكّلتُ عليه .
انتظِر ايها الرسولُ يومَ القيامة حين تأتي السماءُ بدخانٍ واضحٍ يعمُّ الناسَ ويغطّيهم ، فيقولون : ربنا اكشِف عنا العذابَ قد آمنا بدِينك . إن إيمانَهم لن ينفعَهم في ذلك اليوم ، وقد جاءهم رسولُ الله بالرسالة الواضحة الصادقة ، فكفروا به ، وقالوا إنه مجنونٌ يعلّمه بعضُ الناس القرآنَ الذي يتلوه علينا .
وهنا يردّ الله تعالى عليهم : إنا سنرفعُ عنكم العذاب ، وإنكم تعيشون الآن فرصةً قبل يوم القيامة فآمِنوا ، إنكم ستعودون الى كُفركم وما كنتم عليه بعد سماعكم الآيات .
فاذكر ايها الرسولُ يومَ تأخذهم الأخْذَةُ الكُبرى بعنف وقوة ، { إِنَّا مُنتَقِمُونَ } منهم في ذلك اليوم الرهيب .
ولقد امتحنا قبل كفارِ مكة قومَ فرعونَ بالنعمةِ والسلطان واسباب الرخاء { وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ } مأمونٌ على ما أبلّغكم غير متَّهم فيه ، فلا تتكبروا على الله بتكذيب رسوله ، لأني آتيكم بحجّة واضحة على حقيقة ما ادعوكم اليه .
{ وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ }
اني ألتجئ الى الله ربي وربكم ان لا تصِلوا اليَّ بسوءٍ من قول أو عمل .
وان لم تصدّقوني فيما جئتكم به من عند الله { فاعتزلون } وخلُّوا سبيلي ولا ترجموني ، ودعوا الأمرَ بيني وبينكم مسالمةً الى ان يقضيَ الله بيننا .

(3/222)


فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32) وَآَتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآَيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (33)

اسرِ بعبادي : سر بهم ليلاً . متبعون : يتبعكم فرعون وجنوجه . رهْواً : ساكنا هادئا . مقام كريم : منازل حسنة . نعمة : ( بفتح النون ) الرفاهة وطيب العيش ، والنعمة : ( بكسر النون ) ما أنعم الله به من رزق ومال وغيره . فاكهين : ناعمين في عيش رغيد . فما بكتْ عليهم السماء : لم تكترث لهلاكهم . مُنظِرين : مهملين ومؤخرين . العذاب المهين : الشديد الاهانة والإذلال . عاليا : جبّارا متكبرا . من المسرفين : في الشر والفساد . على عِلم : عالمين باستحقاقهم ذلك . على العالمين : في زمانهم . الآيات : المعجزات . بلاءٌ مبين : اختبار ظاهر .
فلما طال مقامُ موسى بين أظهُرِ قومِ فرعون ولم يؤمنوا به ، ولم يزدهم ذلك الا كفراً وعناداً دعا ربه شاكياً قومه حين يئسَ من غيمانهم ، بأن هؤلاء القوم مجرمون ، لا أمل فيهم .
وحينئذ أمره اللهُ ان يُخرج بني اسرائيل ليلاً وان يحذَروا ، لأن فرعونَ وقومه سيتبعونهم . وطلب إليه : إنك اذا قطعت البحر يا موسى فاتركه ساكناً على حاله حتى يدخلَه فرعونُ وقومه فيغرقوا فيه . { إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ } .
ثم بين الله تعالى بعد غرقِ آل فرعون كم تركوا بعد إغراقهم ومَهلَكِهم من بساتينَ وقصور ، وحدائقَ غناء وزروع ناضرة ، وعيشة ناعمة { كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ } ناعمين مترفين .
{ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ }
هكذا فعلنا بهؤلاء الذين كذّبوا رُسلَنا ، وهكذا نفعل بكل من عصانا . ثم إننا أورثنا تلك البلادَ وما فيها من خير عميم قوماً آخرين ، لا يمتّون إليهم بقرابة ولا دين . فما حزنتْ عليهم السماءُ ولا الأرض عندما أخذهم العذابُ ولا أُمهلوا لتوبةٍ او تداركِ تقصير .
ثم بين الله كيف نَجَّا موسى ومن معه وذَكَر إحسانَه إليهم بأنه خلّصهم من العذاب المهين ، بإهلاك عدوّهم فرعون ، الذي كان متكبراً مسرفاً في الشر والفساد ، وبيّن انَّه اصطفاهم على عالَمِ زمانهم ، وأعطاهم من المعجزات ما فيه اختبارٌ ظاهر لهم وبلاء . كما قال تعالى : { وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً } [ الأنبياء : 35 ] .

(3/223)


إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (42)

بمنشَرين : بمبعوثين ، نشر اللهُ الموتى وأنشرهم : أحياهم . تُبّع : لقبٌ لملوك اليمن القدماء مثل فرعون لدى قدماء المصريين . لاعبين : عابثين . يوم الفصل : هو يوم القيامة ، سُمي بذلك لأنه يفصَل فيه بين الناس . ميقاتهم : موعدهم . لا يغني مولى : لا ينفع احد احدا . المولى كلمة لها عدة معانٍ : الرب ، والمالك ، والمحب ، والصاحب ، والحليف ، والنزيل ، والجار ، والشريك ، والصهر ، و القريب من العصبة كالعم وابن العم ونحو ذلك ، والمعتِق ، والمعتَق بفتح التاء ، العبد ، والتابع .
يعود الحديث عن المنكِرين للبعث ، وقولهم لا حياةَ بعد هذه الحياة . فإن هؤلاء المكذِّبين بالبعث ليقولون : إننا لا نموت الا مرةً واحدة ، ولسنا بمبعوثين . فان كنتم صادقين فاسألوا ربَّكم أن يعجِّل لنا إحياءَ من ماتَ من آبائنا حتى يكونَ ذلك دليلاً على صِدق دعواكم .
ثم بين الله لهم على طريق السؤال : هل كفّار مكةَ خيرٌ في القوة والمنعة والسلطان ام قوم تُبَّع ومن سبقَهم من الجبابرة! إن قومك يا محمد ليسوا بقوّتهم وَمنْعَتِهم وسلطانهم ، وقد أهلكناهم في الدنيا بكُفرهم وإجرامهم ، فليَعْتبر قومك من مصير غيرهم . لِيوقنوا أنه تعالى لم يخلق هذه السمواتِ والأرضَ عبثا دون حكمة ، كما قال تعالى : { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } [ المؤمنون : 115 ] .
نحن ما خلقنا هذا الكونَ العجيب وما فيه الا بحكمة بالغة ، على نظامٍ ثابت يدلّ على وجود اللهووحدانيته وقدرته { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } هذه الدلالةَ لغفلتهم .
ان يوم القيامة موعدُهم جميعاً وفيه يُفصَل بين الحقّ والباطل . يومئذٍ لا يستطيع أحدٌ ان يساعد احداً ولا ينفع مالٌ ولا بنون ولا أنساب ولا صديق حميم . { وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } الا بصالح الاعمال . { إِنَّهُ هُوَ العزيز الرحيم }

(3/224)


إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (53) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آَمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59)

الزقّوم : طعام أهل النار . وشجرة الزقوم { تَخْرُجُ في أَصْلِ الجحيم طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشياطين } [ الصافات : 64-65 ] ، وهي الشجرة الملعونة . الأثيم : المجرم المذنب . المُهل : خثارة الزيت . الحميم : الماء الحار . فاعتلوه : فجرّوه بعنف . عَتَلَه يعتله بكسر التاء وضمها عَتْلاً : جره جراً عنيفا . سواء الجحيم : وسطها . في مقام امين : في منزل آمن . سندس : نوع من الحرير الرقيق . استبقر : حرير فيه لمعان وبريق وهو اغلظ من السندس . بحورٍ عين : نساء جميلات واسعات العيون . يدّعون : يطلبون . وقاهم : جنّبهم وأبعدهم عن العذاب . فارتقب : فانتظر .
الحديث الآن عن أهلِ النار وطعامهم وما يلاقُونه من عذابٍ أليم . . ان شجرة الزقُوم المعروفة بقُبح منظرِها وخُبثِ طَعْمِها وريحها هي طعامُ الفاجر الكافر الأثيم . ومذاقُها كسائل المعدِن المصهور ، يغلي في البطون كالماءِ الشديد الحرارة .
ثم يقال لزبانية جهنم : خذوا هذا الفاجرَ الأثيم فجرّوه بعنفٍ الى وسط الجحيم ، ثم صبُّوا فوق رأسه الماءَ الحار . ثم يقال له استهزاءً وتهكماً : ذُق العذابَ ، ايها العزيز الكريم المعتزّ بنَسَبك وقومك .
ان هذا العذاب الذي تلاقونه الآن هو ما كنتم تكذّبون به في الدنيا .
وبعد ان بين الله أحوال المجرمين وما يلاقونه من اهوال وعذاب وتقريع ، بيّن هنا أحوال المتقين وما يلاقونه في جنّات النعيم من ضُروب التكريم في منازل حسنة آمنة ، في جنات النعيم ، ملابسهم فيها من أنواع الحرير الفاخر ، متقابلين على السُرر ، يستأنس بعضهم ببعض ، تحفُّ بهم زوجاتهم من الحُور العين ، ويطلبون ما يشتهون من انواع الفاكهة . ثم بين ان حياتهم في هذا النعيم دائمة ، وقد نجّاهم الله من العذاب الاليم .
{ فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم } وأيّ فضل وفوز أعظمُ من النجاة من عذاب أليم!
ثم بين الله تعالى أنه انزل هذا القرآن الكريم باللغة العربية ويسّره بها لعلّ العربَ ينتفعون به وبتعاليمه ، وينشرونه في العالم . وبهذا يجيء ختام السورة كما بدئتْ ، بذِكر القرآن . ثم يقول الله تعالى مسلّياً رسولَه الكريم وواعداً إياه بالنصر ، ومتوعداً المكذّبين بالهلاك :
{ فارتقب إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ }
انتظِر أيها الرسول انهم منتظِرون ، وسيعلمون لمن يكنُ النصر . وقد نصر الله تعالى رسوله واصحابه ونشروا دينه العظيم .
قراءات :
قرأ ابن كثير وحفص ورويس وابن عامر : يغلي بالياء . والباقون : تغلي بالتاء . وقرأ حفص وحمزة والكسائي وابو عمرو : فاعتِلوه بكسر التاء ، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر ويعقوب : فاعتُلوه بضم التاء ، وهما لغتان . وقرأ ابن عامر ونافع : في مُقام بضم الميم . والباقون : في مَقام بفتح الميم .

(3/225)


حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6)

لآياتٍ : لعبراً ودلائل . يبثّ : ينشر . اختلاف الليل والنهار : تعاقبهما . تصريف الرياح : تغييرها من جهةٍ الى اخرى .
حم : حرفان من الحروف الصوتية ابتدأت بهما هذه السورة وقد سبق الكلام عن مثله .
إن هذا الكتابَ الكريم أنزله الله ، الحكيمُ في تدبيره لهذا الكون العجيب ولكل ما خلق ، وان في خلْق السمواتِ والأرض من بديع صُنْع الله لآياتٍ دالة على ألوهيته ووحدانيته يؤمن بها المصدّقون بالله العظيم . وكذلك في خلْق الناس على أحسنِ تقويم ، وما ينشرُ في الأرض من الدواب - دلالات قوية واضحة { لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } .
ومثل هذا في اختلافِ الليل والنهار وتعاقُبهما على نظام ثابت ، وفيما أنزل اللهُ من السماء من ماءٍ فأحيا به الأرض بعد موتها ويبْسِها ، و تصريف الرياح إلى جهاتٍ متعددة علاماتٌ واضحة { لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } .
تلك آياتُ الله الكونية التي أقامها للناس ، نتلوها عليك أيها الرسولُ مشتملةً على الحق ، فاذا لم يؤمنوا بها { فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ } ؟
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي ويعقوب : لآياتٍ بكسر التاء في المواضع الثلاثة ، والباقون : لآياتٍ بكسر التاء الأولى ، وفي الموضعين بعد ذلك ىياتٌ لقوم ، بالرفع . وقرأ حمزة والكسائي : وتصؤبف الريح بالافراد . والباقون : وتصريف الرياح بالجمع . وقرأ الحجازيان وحفص وابو عمرو وروح : يؤمنون ب الياء . والباقون : تؤمنون بالتاء .

(3/226)


وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (10) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11) اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)

أفاك : كذاب . أثيم : مذنب ، مجرم كثير المعاصي . فبشّره بعذاب : جاء التعبير بالتبشير للاستهزاء به ، لأن العذاب لا يبشَّر به . من ورائهم جهنم : تنتظرهم . يغني : يدفع عنهم . الرجز : عذاب من نوع شديد . سخر : هيأ . لتبتغوا من فضله : لتطلبوا من فضل الله . لا يرجون : لا يتوقعون حصولها . أيام الله : تطلق على ايام الخير ، وأيام الشر .
الهلاكُ والعذاب لكل كذّاب في قوله وأثيم في فعله . . يسمع هذا المفتري آياتِ الله تُقرأ عليه ثم يبقى مصرّاً على كفره مستكبراص كأنْ لم يسمعها ، فبشّره أيها الرسولُ بأشدّ العذاب .
وفي قوله تعالى { فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تهكم واحتقار لهؤلاء المكذبين .
واذا وصل مثلُ هذا الى علمه شيء من آياتنا واستهزأ بها وسخِر منها .
{ أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ }
من ورائهم جهنمُ تنتظرهم ، ولا يدفعُ عنهم العذابَ ما كسبوا في الدنيا من الأموال والأولاد . ولا تُغني عنهم أصنامُهم التي عبدوها من دون الله شيئا ، { وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .
إن هذا القرآن هدى من عند الله ، والذين كفروا بآياتِ ربّهم لهم العذابُ المؤلم يوم القايمة! أما يعلمون انه وحده الذي ذلل البحرَ تجري السفنُ فيه بأمره ، تحمِلُ الناسَ وجميع ما يحتاجون!! بفضله يَسَعُكم أن تطلبوا من خيراتِ البحر بالتجارة والصيد واستخراج ما فيه من لآلئ وتشكروه على ما أفاض عليكم من هذه النعم .
كذلك سخّر لكم جميع ما في السموات وما في الأرض ليوفّر لكم منافعَ الحياة ، وكل هذه النعم آياتٌ تدلّ على قدرته تعالى لقومٍ يتفكّرون في صنائع الله القدير .
ناظرَ طبيبٌ نصراني من أطباء الرشيد عليّ بن الحسين الواقدي المَرْوَزِيَّ ، في مجلس الرشيد فقال له : ان في كتابكم ما يدلّ على ان عيسى بن مريم جزءٌ من الله تعالى ، وتلا قوله : { إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ } [ النساء : 171 ] .
فقرأ الواقدي قوله تعالى : { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مِّنْهُ } ثم قال : اذنْ يلزم ان تكونَ جميع تلك الأشياء جزءاً من الله! فانقطع الطبيب واسلم . وفرح الرشيد بذلك فرحاً شديدا ، ووصَل الواقديَّ بصلةٍ فاخرة .
ثم بعد ذلك أمر الله المؤمنين ان يتحلّوا بأحسنِ الأخلاق ، فطلب اليهم ان يصفَحوا عن الكافرين ويحتملوا أذاهم ، وعند الله جزاؤهم بقوله تعالى :
{ قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }
يا أيها الذين آمنوا : تسلَّحوا بالصبر ، واغفِروا واصفَحوا تربحوا ، فَ { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا } ثم إنكم جميعاً إلى خالقكم تُرجَعون للجزاء .
قراءات :
قرأ حفص وابن كثير : من رجز أليمٌ برفع ميم اليم . والباقون : من رجز أليمٍ بجر أليمٍ على انه صفة لرجز . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي : لنجزي بالنون . والباقون : ليجزي بالياء .

(3/227)


وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20)

الكتاب : التوراة . الحكم : الفصل بين الناس وفهم ما في الكتاب . الطيبات : كل رزق حسن . بيّنات من الأمر : دلائل واضحات من امر الدين . بَغياً : حسدا وعنادا . على شريعة من الأمر : على طريقة ومنهاج في امر الدين ، وأصل الشريعة : الماء في الانهار ونحوها مما يَرِدُ الناس عليها ، وشريعة الدين يتبصر فيها الناس في امور دينهم . بصائر للناس : معالم للدين يتبصر بها الناس . لقوم يوقنون : يطلبون علم اليقين .
يأتي الحديث هنا عن القيادة المؤمنة للبشرية ، وأن هذه القيادة تركّزت أخيراً في الاسم . والله سبحانه يُقسِم بأنه اعطى بني إسرائيلَ التوراةَ والحكم بما فيها النبوة ، ورَزَقَهم من الخيرات المتنوعة وفضّلهم بكثيرٍ من النعم على الخلْق في عصرهم . وأعطاهم دلائلَ واضحةً في أمرِ دينهم ، فما حدثَ فيهم هذا الخلافُ إلا من بعدِ ما جاءهم العلمُ بحقيقة الدين وأحكامه ، بغياً بينهم بطلب الرياسة والتكالب على الدنيا ، والجشعَ في جمع الأموال .
{ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } .
وفي هذا تحذيرٌ لنا يا أمةَ محمد ، وقد سلك الكثيرُ منا مسلكهم ، واستهوتْهم الدنيا ، وغرِقوا في متاعها ولذّاتها ، فلْنحذَر الانحدارَ الى الهاوية .
ولما بيّن ما آل اليه بنو إسرائيل بإعراضهم عن الحق بغياً وحسَدا ، أمر رسولَه الكريم ان يبعد عن هذه الطريقة ، وان يستمسك بالحقّ الذي أرسله به .
ثم جعلْناك يا محمدُ ( بعد بني إسرائيل الذين تقدمتْ صفاتُهم ) على نهج خاصٍّ من أمرِ الدين الذي شرعناه لك ، فاتبعْ ما أُوحيَ إليك .
{ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } من المشرِكين الجاهلين ، ذلك ان هؤلاء الكافرين لا يدفعون عنك شيئاً من عذابِ الله إنِ اتّبعتهم ، وان الكافرين بعضهم أولياء بعض .
{ والله وَلِيُّ المتقين }
هو ناصرُهم ، فلا ينالهم ظلم الظالمين .
وهذه كانت بشرى من الله للرسول وللمؤمنين وهم لا يزالون في مكة .
وبعد هذا كله يبين الله فضل القرآن ، وما فيه من الهداية والرحمة للناس اجمعين فيقول : { هذا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } .
إن هذا القرآن وما فيه من احكام واخلاق وتهذيب دلائلُ للناس تبصّرهم في أمور دينهم ودنياهم ، وهدى يرشدُهم إلى مسالك الخير ، ورحمةٌ من الله لقوم يوقنون به ويؤمنون بالله ورسوله .

(3/228)


أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (22) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (26)

اجترحوا السيئات : اكتسبوا الخطايا والكفر . مَحياهم : حياتهم . مَماتهم : موتهم . اتخذ إلهه هواه : من اتخذ هواه معبودا له يجري وراء متعته ولذاته ولا يتقيد بشرع ولا دين . وما يُهلكنا الا الدهر : هؤلاء الملاحدة الذين لا يؤمنون باله يقولون : لا وجود للاله وانما نولد ونموت طبيعيا .
لا يمكن ان يكون المحسنُ والمسيء في منزلة واحدة ، ولا يجوز ان نسوّيَ بين الفريقين في الحياة الدنيا ، وفي دار الآخرة . كلا لا يستوون في شيء منهما . كما قال تعالى : { لاَ يستوي أَصْحَابُ النار وَأَصْحَابُ الجنة أَصْحَابُ الجنة هُمُ الفآئزون } [ الحشر : 20 ] .
فالله سبحانه وتعالى قد أقام هذا الكون بما فيه على نظام ثابت ، وعلى اساس الحق والعدل ، فاذا استوى المؤمن والكافر ينتفي العدل . وهذا محلٌ على الله تعالى . وكذلك قال في آية اخرى : { أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ } [ السجدة : 18 ] . يتكرّرُ ذكر اقامة هذا الكون على اساس العدل والحق كثيرا في القرآن الكريم ، لأنه أصلٌ من أصول هذه العقيدة . من ثم علينا ألا نأسف عندما نرى أناساً يتقلبون في النعيم ، وهم من الفَجَرة الفسقة ، فان وراءهم حساباً عسيرا ، فلا نعيمُ الحياة الدنيا دليل على رضا الله ، ولا بؤسُها دليل على غضبه .
ولذلك يقول تعالى :
{ وَخَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }
وفي هذه الآية تعليل قويّ لنفي المساواة بين المحسن والمسيء ، وهو أن تُجزى كل نفس بما كسبت من خير او شر { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } .
ثم يُتبع الله ذلك بصورة عجيبة لأولئك الناس الذين لايتقيّدون بدين ، ولا يتمسكون بخلُق : أرأيتَ أيها الرسُول مَن ركب رأسه ، وترك الهدى ، وأطاع هواه فدعله معبوداً له ، وضل عن سبيل الحق وهو يعلم بهذا السبيل { على عِلْمٍ } منه ثم مضى سادِراً في ملذّاته غير آبهٍ بدين ولا خلق!؟ لقد أغلقَ سمعه فلا يقبل وعظاً ، وقلبه فلا يعتقد حقا { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } ، يا مشركي قريشٍ هذا؟
انها صورة عجيبة من الواقع الذي نراه دائماً ، وما اكثر هذا الصنف من الناس . واتباعُ الهوى هذا قد ذمّه اللهُ في عدة آيات من القرآن الكريم . { واتبع هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب } [ الأعراف : 176 ] { واتبع هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً } [ الكهف : 28 ] . { وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله } [ ص : 26 ] . نسأل الله السلامة .
ثم بعد ذلك يذكر اللهُ مقالةَ المنكرين للبعث ، والذين يقال لهم الدَّهرِيّون . هؤلاء الناس أنكروا البعث وقالوا : ما هي إلا حياتنا الدنيا هذه ، نموتُ ونحيا وما يُهلكنا الا الدهر .
{ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ }
إنهم لا يقولون ذلك عن علمٍ ويقين ، ولاكن عن ظنّ وتخمين ، واوهامٍ لا مستَنَدَ لها من نقل او عقل . ولمّا لم يجدوا حجةً يقولونها تعلّلوا بقولهم : ان كان ما تقوله يا محمد حقاً فلْتُرجِع آباءنا الموتى الى الحياة { إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .

(3/229)


وهنا أمر الله تعالى رسولَه الكريم ان يقول لهم : الله يحييكم في الدنيا من العدَم ثم يميتكم فيها عند انقضاء آجالكم ، ثم يجمعُكم يومَ القيامة الذي لا شك فيه ، { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } قدرةَ الله على البعث ، لإعراضهم عن التأمل في آيات الله وملكوته .
قراءات
قرأ حمزة والكسائي وحفص : سواءً محياهم ، بنصب سواء . والباقون : سواءٌ بالرفع . وقرأ حمزة والكسائي : غشوة ، والباقون : غشاوة . قال في لسان العرب الغشاء : الغطاء ، وعلى بصره وقلبه غشوة وغشوة مثلثة العين ، وعشاوة وغشاوة بفتح الغين وكسرها ، وكلها معناها الغطاء .

(3/230)


وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (31)

جاثية : باركة على الركَب . الى كتابها : الى صحيفة اعمالها المسجلة عليها . ينطق عليكم بالحق : يشهد عليكم بالحق . نستنسخ : نجعل الملائكة تكتب وتنسخ .
في هذه الآيات الكريمة يبين الله تعالى أنه مالكُ الكون كلّه ، وهو وحده القادرُ على التصرف فيه ملكاً وتدبيرا ، ويومَ القيامة يحشرُ الناسَ فيظهر خسرانُ أولئك المبْطِلين .
ثم بين حال الأمم في ذلك اليوم الرهيب ، وان كل أمةٍ تجثو على رُكَبها وتجلس جلسة المخاصِم بين يدي الحاكم ، وكل أمةٍ تُدعى الى سجلّ أعمالها ، ويقال لهم : اليومَ تَسْتَوفون جزاءَ ما كنتم تعملون في الدنيا ، هذا كتابُنا الذي سجّلنا فيه أعمالكم ، وهو صادق عليكم ، إذ كتبتهُ الملائكةُ في دنياكم .
وبعد ان ينتهيَ الحسابُ يُدخل اللهُ الّذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنته { ذلك هو الفوزُ العظيم } .
وأما الذين كفروا بالله ورسله فيقال لهم : ألم تأتِكم رسُلي ، يتلون عليكم آياتِ كتبي ، فكنتم تتعالون وتستكبرون عن قَبول الحق والايمان بها ، وبذلك كنتم قوماً كافرين ، فالنارُ مثواكم وبئس المصير .

(3/231)


وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (33) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (34) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)

بمستيقنين : بمحقِّقين . وبدا لهم سيئات ما عملوا : ظهر لهم عيوب اعمالهم السيئة . وحاق بهم : احاط وحلّ بهم . ننساكم « نترككم ونهملكم ، كما نسيتم : كما تركتم واعرضتم عن آيات الله وانكرتم لقاء ربكم في هذا اليوم . لا يُستعتبون : لا تُطلب منهم العتبى والاعتذار . الكبرياء : العظمة والسلطان .
واذا قال لكم رسول الله : ان وعدَ الله ثابت ، وان يوم القيامة لا شكّ فيه ، قلتم : ما نعلم ما هي الساعة وما حقيقة القيامة ، وما عِلمُنا بذلك الا ظنّ ، وما نحنُ بموقنين أنها آتية .
وظهرت لهم قبائح أعمالهم التي عملوها في الدنيا ، ونزل بهم جزاءُ استهزائهم بآياتِ الله ، ويقال لهؤلاء المشركين : اليومَ نترككم في العذاب وننساكم فيه ، كما تركتم العملَ للقاءِ يومكم هذا ، { وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } ينصرونكم اليوم .
فالله تعالى جمع لهم ثلاثة ألوان من العذاب : قطْع الرحمة عنهم ، وجعلِ مأواهم النار ، وعدم وجود من ينصرهم ، وذلك لأنهم أصرّوا على إنكار الدين الحق ، واستهزؤا بالله ودينه ورسله ، واستغرقوا في حب الدنيا . وهذا معنى قوله تعالى : { ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتخذتم آيَاتِ الله هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ }
لا يخرجون من النار بل يخلَّدون فيها ، ولا هم يُردُّون الى الدنيا ، ولا يُطلب منهم ان يسترضوا الله ويتوبوا .
وبعد هذا الاستعراض فيما حوته السورة من آلائه واحسانه ، وما اشتملت عليه من الدلائل على قدرته بدءَ الخلق واعادته - أثنى الله على نفسه بما هو أهلٌ له فقال :
{ فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم } .
فلله وحده الحمد والثناء ، خالق هذا الكون بما فيه ، وله وحده العظَمة والسلطان في السموات والأرض ، وهو العزيز الذي لا يُغلب ، ذو الحكمة رب العرش العظيم .

(3/232)


حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)

أجل مسمى : يوم القيامة . أُنذِروا : اعلِموا وخوفوا . تدْعون : تعبدون . أم لهم شِرك : ام لهم نصيب . او أثارة من علم : بقية من علم . واذا حشِر الناس : اذا جمعوا يوم القيامة .
افتتحت سورة الاحقاف بحرفين من حروف الهجاء مثل كثير من السور غيرها وقد تقدم الكلام على ذلك ، وكذلك نص الآية { تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم } مثل افتتاح سورة الجاثية .
ما خلقْنا هذا الكونَ العديب الا على نواميس ثابتة ، وحكمة بالغة ، والى أمد معين هو يوم القيامة . . أما الذين كفروا بالله ورسله فهم معرِضون عما أُنذِروا به من انهم يبعثون بعد الموت للحساب والجزاء .
ثم يردّ اللهُ تعالى على من يعبد غيره من المشركين فيأمر الرسولَ الكريم أن يقول لهم : أخبِروني عن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله؟ هل خلقوا شيئاَ في هذه الدنيا ، ام أنهم شاركوا في خلْق السموات؟ انْ كان ما تدّعون حقا فأْتوني بكتابٍ من قبل هذا القرآن ، او أي أثرٍ من عِلم الأولين تستندون اليه في دعواكم { إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .
وأيّ ضلالٍ أكبر ممن يعبد معبوداتٍ لا تسمع ولا تنطق ولا تستجيب أبدا! والمشركون مع ذلك غافلون عن هذه الحقيقة .
حين يُجمع الناس للحساب يوم القيامة تتبرأ هؤلاء المعبودات من المشركين وتغدو أعداء لمن عبدوهم { وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ } ومثله قوله تعالى : { واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } [ مريم : 81-82 ] .

(3/233)