صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (63) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (65) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69)
الساعة : يوم القيامة . وما يدريك : وما يعرّفك بوقتها . سعيرا : نارا شديدة ، مستعرة . سادتنا : ملوكنا . كبراءنا : علماءنا وزعماءنا . ضِعفين : مثلين . وجيهاً : له جاه ومنزلة عظيمة . (3/116)
يسألك الناس عن وقت قيام الساعة ، قل لهم : ان علمها عند الله وحده ، ولعل وقتها يكون قريبا . وقد كثر في القرآن الحديث عن اقتراب الساعة : { اقتربت الساعة وانشق القمر } سورة القمر ( 1 ) { وَمَآ أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } [ النحل : 77 ] . { أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } [ النحل : 1 ] { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ } [ الشورى : 17 ] . وفي هذه كله تهديد للمستعجلين المستهزئين ، والمتعنتين الغافلين عنها . وقد ابقى الله علمها عنده حتى يبقى الناسُ على حذر من امرها ، وفي استعداد دائم لمفاجأتها ، ذلك لمن اراد الله الخير .
{ إِنَّ الله لَعَنَ الكافرين وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً . . . . } .
ان الله طرد الكافرين من رحمته وهيأ لهم نارا شديدة متوقدة { خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً } باقين فيها امدا طويلا لا يعلم مداه الا الله . ولا يجدون لهم من ينصرهم ، لوتراهم يتقلّبون في تلك النار الموقدة ، ويتحسرون على كفرهم { يَقُولُونَ ياليتنآ أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرسولا } . ولكن فاتهم ذلك ولا ينفعهم قولهم ، ولا تستجاب دعواتهم ، ثم يتذكرون سادتهم ورؤساءهم ، فتنطلق من نفوسهم النقمة عليهم وينادون ربهم بقولهم : ربنا ، لقد اطعنا رؤساءنا وكبراءنا فأضلونا السبيلَ وابعدونا عن الصراط المستقيم { رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب والعنهم لَعْناً كَبِيراً } .
هذه هي الساعة وتلك هي القيامة ، وهذا مشهد من مشاهدها .
{ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين آذَوْاْ موسى فَبرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ الله وَجِيهاً }
يا ايها الذين آمنوا بالله ورسوله لا تؤذوا الرسول بقول يكرهه ، ولا فعلٍ لا يحبه ، كالذين آذاوا موسى فرمَوه بالغيب كذباً وباطلا ، فبرأه الله مما قالوه عنه من الزور ، وكان موسى عند الله ذا وجاهة وكرامة .
روى الشيخان عن عبد الله بن مسعود قال : « قَسَمَ رسول الله ذات يوم قَسْما فقال رجل من الانصار : ان هذه القسمة ما اريدَ بها وجه الله ، فاحمر وجه النبيّ ثم قال : » رحمة الله على موسى ، رُمي باكثر من هذا فصبر «
قراءات :
قرأ ابن عامر ويعقوب : ساداتنا بالف بعد الدال ، والباقون : سادتنا . وقرأ عاصم وابن عامرك لعنا كبيرا بالباء . والباقون : كثيرا بالثاء .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73)
قولا سديدا : قول الحق والصدق . عرضنا الأمانة : عرضنا التكاليف . أشفقن منها : خفن منها . حَمَلها الانسان : كان مستعدا لها . ظلوما : جهولا ، كثير الجهل . (3/117)
لقد امر الله المؤمنين في ختام هذه السورة ان يصدُقوا في قولهم ويتقوا الله في عملهم وبذلك تصلح اعمالهم ، ويغفر الله لهم ذنوبهم ، ويبين لهم ان من يطع الله ورسوله فسوف يفوز فوزا عظيما .
ثم ختم السورة بتعظيم امر الأمانة ، وضخامة تبعتها ، وما فيها من تكاليف شاقة وان السماوات والأرض والجبال اشفقن منها ، وان هذا الانسان الضعيف حملها وكان مستعداً لها وقام بأعبائها ، انه كان شديد الظلم لنفسه ، جهولا بما يطيق حمله ، وهو على ما هو عليه من الضعف وضغط الشهوات والميول والنزعات وقلة العلم ، وقصر العمر .
ثم بين عاقبة تلك الامانة وما فيها من تكاليف فقال :
{ لِّيُعَذِّبَ الله المنافقين }
وكان عاقبة حمل الانسان لهذه الامانة ان يعذِّب الله من خانها وأبى الطاعة والانقياد لها ، ويقبل توبة المؤمنين والمؤمنات ، والله كثير المغفرة واسع الرحمة .
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6)
ما يلج في الارض : ما يدخل فيها . وما يعرج فيها : ما يصعد الى السماء . لا يعزب عنه : لا يغيب عنه . مثقال ذرة : ثقْل اصغر نملة . معاجزين : سابقين لإظهار عجزه . من رجز : الرِجزُ أشدّ العذاب ، وله معان اخرى . صراط العزيز الحميد : طريق الهدى . (3/118)
الحمد لله وحده مالكِ الكون ومدبّره ، وله الحمد في الآخرة على جميل إحسانه ورحمته وهو الحكيم الخبير ببواطن الأمور وجميع ما يدور في هذا الكون . إنه يعلم ما يدخل في جوف الأرض وما فيها من ماء وكنوز ومعادن وغير ذلك ، وما يخرج منها كالحيوان والنبات ومياه الآبار والعيون ، وما ينزل من السماء وما يصعد فيها ويرقى اليها ، كالملائكة وأعمالِ العباد والأرواح والأبخرة والدخان وكل ما يطير ويحلّق في الأجواء . . . . لا تخفى عليه صغيرة ولا كبيرة مما يحصل في هذا الكون الواسع العجيب . وهو مع كثرة نِعمه وفضله ، واسع الرحمة عظيم الغفران ، بابُه مفتوح لكل تائب أواب .
ومع كل هذا فقد أنكر الذين كفروا مجيء يوم القيامة ، فقلْ لهم أيها الرسول : ستأتيكم الساعة وحقِّ ربي ، عالمِ الغيب الذي لا يغيب عن علمه مقدارُ ذرَة في السموات والارض ، ولا أصغرُ من ذلك ولا اكبر . . . . وكل ذلك مسطور في كتاب مبين .
والحكمةُ من البعث وإعادة الناس يوم القيامة أن يجزيَ الله الذين آمنوا وعملوالصالحات ويثيبهم خيراً ومغفرة ورزقاً كريما ، ويثْبت للذين كفروا وسعَوا في الأرض فسادا انهم كانوا خاطئين ، وانهم في العذاب الأليم مخلدون .
وهذا هو العدل من الله تعالى . . . . . ينعُم السعداءُ المؤمنون ويعذَّب الاشقياء الكافرون . إن الذين منّ الله عليهم بالعلم من اهل الكتاب وغيرهم يعلمون ان القرآن الذي أنزله عليك ربك يا محمد هو الحق الذي لا مرية فيه ، وانه يهدي الى صراط العزيز الحميد وهو الاسلام ، الدين القويم .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : علاّم الغيب ، وقرأ أهل المدينة وابن عامر ورويس : عالِمُ الغيب برفع الميم . والباقون : عالِمِ الغيب بكسر الميم . وقرأ ابن كثير ويعقوب وحفص : من رجز أليمٌ برفع الميم صفة لعذاب ، والباقون : بكسرها . وقرأ الكسائي وحده : لا يعزِب بكسر الزاي والباقون : يعزب بضم الزاي .
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (8) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9)
اذا مُزقتم كل ممزق : متُّم وتفرقت اجسامكم في التراب . لفي خلْق جديد : يوم البعث في القيامة . افترى على الله؟ : هل اختلق هذا الكلام من عنده . ام به جِنة : جنون . كسفا من السماء : قطعا من السماء نعذبكم بها . لعبد منيب : تائب راجع الى ربه . (3/119)
قال بعض الذين كفروا تعجباً واستهزاءً : هل ندلكم على رجل يخبركم أنكم إذا متم وتمزقتْ اجسامكم وتفرقت في ذرات التراب ستبعثون من جديد!
أكذبَ على الله ام به جنون جعله يتوهم ذلك ويتكلم بما لا يدري!؟ ليس الأمر كما زعموا ، بل الحقيقة ان الذين لا يؤمنون بالآخرة في ضلال كبير سيؤدي بهم الى جهنم .
أفلَمْ ينظر هؤلاء المكذّبون بالمعاد الى ما حولهم من السماء والأرض ليعلمواقدرتنا على فعل ما نشاء؟ فنحن إن نشأ نخسفْ بهم الارض ، او نسقطْ عيلهم قطعاً من السماء تسحقهم . وفي ذلك دليل كاف لكل عبد تواب راجع الى ربه .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : ان يشأ يخسف بهم بالياء ، والباقون : ان نشأ نخسف بهم بالنون .
وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)
فضلا : نعمة واحسانا . أوّبي معه : سبّحي معه . أَلنّا له الحديد : سهّلنا له العمل به . سابغات : جمع سابغ ، الدروع الكاملات . قدِّر في السرد : احكم نسجها وصنعها . غدوّها شهر : سيرها في الغداة اول النهار مدة شهر . ورواحها : رجوعها عشيا مدة شهر . القطر : بكسر القاف ، النحاس الذائب . عين القطر : معدن القطر . يزغ : ينحرف . محاريب : مفردها محراب : المعبد ، وكل بناء مرتفع . وتماثيل : مفردها تمثال ، الصور المجسمة . وجفان : جمع جفنة ، وهي القصعة التي يوضع فيها الطعام . كالجوابي : كالاحواض الكبيرة ، مفردها جابية . وقدروا راسيات : قدور كبيرة ثابتة في مكانها لعِظمها . اعملوا آل داود شكرا : اعملوا يا آل داود عملا تشكرون به الله . قضينا عليه الموت : حكمنا عليه بالموت . دابة الارض : الأَرَضَة وهي حشرة تأكل الخشب . منسأته : عصاه . خرّ : سقط . ما لبثوا في العذاب المهين : ما مكثوا في العذاب الشاق المذل . (3/120)
ولقد آتينا داود منّا فضلاً على سائر الناس في وقته ، وهو النبوّة والزبورُ والملك والصوت الحسن ، وقلنا للجبال رجِّعي معه التسبيح ، كما مرنا الطيرَ بالتسبيح معه ، وجعلنا الحديد ليِّناً بين يديه . وفي عصر داودَ اكتشف الحديد .
وأوحينا اليه ان يعمل دروعا سابغات طويلة تامة ، ثم امرناه ان يعمل هو وآله وكل من يلوذ بهأعمالا صالحة ، { إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .
وسخّرنا لسليمان الريح ، ذهابُها صباحاً مدة شهر ورجوعُها شهر ، يرسلها الى حيث يشاء ، وسهّلنا له إذابة معدن النحاس ، وسخّرنا له الجنّ يعملون له ما يريد من شتى المصنوعات والقصورَ الشامخة ، والمحاريب ، والتماثيل ، والجِفان الكبيرة التي تشبه الأحواض ، والقدورَ الضخمة الثابتة لا تتحرك لعظمها . { اعملوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور } .
روى الترمذي قال : « صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فتلا هذه الآية ثم قال ثلاثٌ من أوتيهنّ فقد أوتيَ مثلَ ما أوتي آل داود : العدْل في الرضا والغضب ، والقصد والغنى ، وخشية الله في السر والعلانية »
فلما حكمنا على سليمان بالموت لم يدلَّ الجن على موته الا دابةُ الأرض ، إذا اكلت عصاه التي كان متكئاً عليها فسقط ، فلما سقط علمت الجنُّ انه مات ، وانهم لا يعلمون الغيب .
قراءات :
قرأ نافع : منسأته بغير همزة . والباقون : منسأته بالهمزة .
لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21)
سبأ : منطقة واسعة شرقي اليمن كان بها مملكة مدينتُها مأرب . آية : علامة . جنتان : بستانان . سيل العرم : سيل المطر الشديد ، والعرم : السد الذي يمسك الماء . الأكُل : الثمر ، والرزق الواسع . الخَمط : المُر من كل شيء ، ونوع من شجر الأراك . الأثل : الطفراء لا ثمر له . السِدر : شجر بري يحمل ثمراً يقال له النبق ، يؤكل . القرى التي باركنا فيها : هي قرى بلاد الشام . مزّقناهم كل ممزق : فرقناهم في البلاد . سلطان : تسلُّط . (3/121)
لقد كان لأهل سبأ في مسكنهم بالمين علامة دالة على قدرتنا . . . . كان لهم حديقتان واسعتان تحفّان ببلدهم عن اليمين والشمال ، وقد أرسل الله اليهم الرسل تأمرهم ان يأكلوا من رزق ربهم ويشكروه على هذه النعم الجليلة ، ففعلوا الى حين . ثم إنهم اعرضوا ، فعاقبهم الله بإرسال سيل العرِم عليهم ، فهدم السدَّ وخرّبه وذهب بالجنتين والبساتين ، واهلك الحرثَ والنسل ، وبدلهم بجنتيهم المثمرتين بساتين فيها من الشجر البرّي الذي لا ثمر له ، وشيئاً قليلاً من السدر يثمر النبق لا غناء فيه .
ذلك هو الجزاء الذي جازاهم اياه الله بكفرهم النعمة وعدم شكرها { وَهَلْ نجزي إِلاَّ الكفور } .
كان سد مأرب من أعظم السدود التي تجمع المياء في المين ، وكان يسقي مساحة كبيرة قرها المؤرخون والخبراء بنحو ثلاثمئة ميل مربع .
وكانت مدينة مأرب أغنى المدن القديمة في جنوب شبه الجزيرة العربية ومن أهم المراكز لحضارةٍ وثقافة قديمتين ، يرجع تاريخهما الى ما قبل ثلاثة آلاف عام مضت . وكانت محطةَ استراحة لرحلات طويلة لقوافل التصدير التي كانت تنقل المنتجاتِ الزراعيةَ والصناعية كالبخور واللبان والدارصيني والمُرَ والقرنفل والبلسم وسائر العطور ، وكذا الصمغ والقرفة ثم الاحجار الكريمة ، والمعادن . . . . وعلى مسافة كيلومترين الى الجنوب من مدينة مأرب يقول احد روائع الفن اليمني القديم وهو معبد « المقه » ، ومعناه في لغة سبأ « الإله القمر » ، ويطلق عليه المؤرخون : عرش بلقيس . وهو بناء ضخم على شكل مثلث لا يزال محتفظا برونقه الزاهي ومظهره المصقول ، ويبلغ قُطره نحو الف قدم ، ولا تزال بعض أعمدته قائمة حتى اليوم .
ولا تزال آثار السد باقيةً الى الآن ، ويرجع تاريخ بنائه الى ما قبل 2700 عام ، وقد بناه سبأ الأكبر حفيد جد العرب : يعرب بن قحطان . « ملخص عن اليمن عبر التاريخ » .
{ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القرى التي بَارَكْنَا فِيهَا . . . . }
وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها . . . . }
وجعلنا بين مسكنهم بالمين والقرى التي باركنا فيها قرىً متقاربة متراصّة ، وكانوا في نعمة وغبطة عيش هنيء في بلاد مرضيّة مع كثرة اشجارها وزروعها وخيراتها ، حتى إن المسافر لا يحتاج الى حملِ زادٍ ولا ماء ، حيث نَزَلَ وجَدَ ماء وثمرا ، وقلنا لهم :
{ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ } متمتعين بهذه النعم .
فبطروا وملّوا تلك النعم ، (3/122)
{ فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وظلموا أَنفُسَهُمْ }
اذ عرّضوها للسخط والعذاب ، بنكران النعمة وعدم الوفاء بشكرها ، فجلعناهم احاديث للناس ، وفرقناهم مشتتين في البلاد حتى صار يضرب بهم المثل فيقال : « تفرّقوا أيدي سبأ » أي : متفرقين كأهل سبأ ، وأيدي : تعني طُرقا ، ومن معاني اليد : الطريق .
ونزلت قبيلة غسان في حوران وأنشأت دولة الغساسنة ، وكانت عاصمتهم بُصرى ، وعدد ملوكهم 32 ملكا أولهم جفنة بن عمرو وآخرهم جَبَلَة بن الأيهم . « اولاد جفنة بالزمان الأول » . ونزلت قبيلة لَخْم في الحِيرة من ارض العراق واقامت دولة المناذرة . ونزلت قبيلة كِندة في نجد ، وبعضهم ذهب الى حضرموت ، واسسوا دويلات اليمن عبر التاريخ .
{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ }
ان فيما حلّ بهؤلاء من النعمة والعذاب عظاتٍ لكل صبّار على البلاء ، شكور على النعم والعطاء .
{ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين }
ولقد حقق ابليس ظنه عليهم فأطاعه من كفر ، وعصاه قليل من المؤمنين . فبقوا في بلادهم آمنين .
{ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بالآخرة مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ } .
ما كان لإبليسَ عليهم من سلطاة وقوة يخضعهم بها ، ولكن الله امتحنَهم ليَظْهَرَ من يصدّق بالآخرة ممن هو في شك منها ، وربك ايها الرسول حفيظٌ على كل شيء ، لا يعزُب عن علمه صغير ولا كبير .
قراءات :
قرأ ابو عمر : ذواتَي أكلِ خمطٍ بالاضافة . الباقون : ذواتي أكلٍ خمط بالتنوين . قرأ حمزة ويعقوب والكسائي وحفص : هل نجازي الا الكفورَ ، نجازي بالنون ، وبنصب الكفور . والباقون : هل يجازي الا الكفورُ ، يجازى بالياء مبني للمجهور والكفور مرفوع . وقرأ أبوعمرو وابن كثير وهشام : ربنا بعّد بين اسفارنا ، وقرأ يعقوب : باعدَ فعل ماضي ، والباقون : باعدْ بين اسفارنا . وقرأ اهل الكوفة : ولقد صدّق ابليس : بتشديد الدال المفتوحة ، والباقون صدَق بفتح الدال من غير تشديد .
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (29) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (30)
ادعوا : نادوا . من شِرك : من شركة . من ظهير : معين . فزع عن قلوبهم : ذهب الخوف من قلوبهم . اجرمنا : اذنبنا . يفتح بيننا : يحكم بيننا . الفتّاح : الحاكم . (3/123)
قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين : ادعوا هؤلاء الأصنام فليجلبوا إليكم نفعاً او يدفعوا عنكم ضرا ، إنهم لا يملكون وزن ذرةٍ من الهباء في السموات ولا الارض ، وما لهم فيهما من شِركة ، وليس لله من هؤلاء الآلهة المزعومة من يعينه على تدبير شئون خلقه .
ولا تنفع الشفاعة عند الله الا لمن يأذَن له ان يشفع عنده ، فالشفاعة مرهونةٌ بإذن الله ، والله لا يأذن في الشفاعة في غير المؤمنين .
اما الذين جحدوا وأشركوا بالله فليسوا أهلاً لان يأذن بالشفاعة فيهم .
ثم بعد ذلك بيَّن المشهد الذي تقع فيه الشهادة فقال :
{ حتى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الحق وَهُوَ العلي الكبير } .
وهذا يوم القيامة ، اذ يقف الناس وينتظر الشفعاء والمشفعوع فيهم ان يأذن الله بالشفاعة لمن ينالون هذا المقام ، حتى اذا ذهب الفزع عن قلوبهم قال بعضهم لبعض : ماذا قال ربكم في الشفاعة؟ قالوا : قالاو الحق ، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى ، وهم المؤمنون .
{ وَهُوَ العلي الكبير } صاحب العلو والكبرياء ، يأذن ويمنع من يشاء كما يشاء .
قل ايها النبي : من يأتيكم برزقكم من السماء والأرض ، فان قالوا : لا ندري ، قل لهم : الله وحده هو الذي يرزق الجميع ، وإنا معشرَ المؤمنين او أنتم معشر المشركين - لعلى أحدِ الأمرين من الهدى او الضلال الواضح المبين .
ثم قل لهم ايها الرسول : إنكم لا تُسألون عما ارتكبناه من ذنوب ، ونحن لا نُسأل عما تعملون . وقل لهم : الله يجمع بيننا وبينكم يوم القيامة ويقضي بيننا بالحق ، وهو الحاكم في كل أمرٍ ، العليم بحقيقة ما كان منا ومنكم ، وهو خير الحاكمين .
وقل لهم ايها الرسول : أروني هؤلاء الذي عبدتموهم وجعلتموهم شركاءَ مع الله وهم لا يستحقون!
{ كَلاَّ بَلْ هُوَ الله العزيز الحكيم }
ليس الأمر كما وصفتم ، فلا نظيرَ له تعالى والذين عبدتموهم لا يستحقون العبادة فهو ذو العزّة المنفر بها ، والحكيم في تدبيره للأمور وتصريفه .
قراءات :
قرأ ابو عمرو وحمزة والكسائي : لمن أُذن له بضم الهمزة . والباقون : أَذن بفتح الهمزة . وقرأ ابن عامر ويعقوب : اذا فَزَع بفتح الفاء والزاي ، والباقون : اذا فُزع بضم الفاء وكسر الزاي .
{ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً }
في هذه الآيات الكريمة يبيّن الله ان رسالة سيدنا محمد عامةٌ للناس أجمعين ، جاء مبشراً من أطاع بالثواب العظيم ، ومنذِرا من عصا بالعذاب الأليم .
{ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } ، وهذا الجهل يحملهم على الإصرار على ما هم فيه من الضلال .
{ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }
تقدمت هذه الآية بالنص في سورة يونس 48 .
قل لهم ايها الرسول : لا تستعجِلوا ، ان لكم ميعاد يوم عظيم ، لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون . وان هذا اليوم كائنٌ لا محالة .
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33)
يرجع بعضهم الى بعض القولَ : يتحاورون ويرد بعضهم على بعض . أندادا : نظراء ، جمع ند . يقال هو نده ونديده : مماثل له . وأسرّوا : أخفوا . الاغلال : قيود الاعناق . (3/124)
وقال المشركون : لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالكتب التي سبقته . ولو ترى ايها الرسول موقفَ هؤلاء الظالمين يوم القيامة ، ففيه يتحاور المشركون ويكذّب بعضهم بعضا ، ويتلاومون على ما كان بينهم .
يقول الأتباع لسادتِهم وكبرائهم : لولا أنّكم صددتمونا عن الهدى لكنا مؤمنين بما جاء به الرسول . فيرد عليهم الذين استكبروا في الدنيا وكانوا رؤوس الكفر والضلال : أنحنُ منعناكم من اتّباع الحق! بل انتم أجرمتم وآثرتم الكفر على الايمان .
ثم يقول المستضعَفون : ما صدَّنا عن الإيمان الا مكركم ايها الرؤساء بالليل والنهار ، اذ تأمروننا بالكفر بالله وان نجعل له شركاء وامثالاً .
وعند ذلك يندمون على ما عملوا ولا ينفعهم الندم { وَجَعَلْنَا الأغلال في أَعْنَاقِ الذين كَفَرُواْ } ، وهذا جزاء الظالمين الجاحدين .
وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ (37) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (38) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (42)
مترفوها : المتنعمون الذين أبطرتهم النعمة . يبسط الرزق : يوسعه . ويقدر : يضيق . زُلفى : قربى ، زلف يزلف زلفا : تقرب . فأولئك لهم جزاء الضعفِ : الجزاء المضاعف . الغرفات : جمع غرفة في أعالي الجنان . معاجزين : جمع معاجز وهو الذي يحاول تعجيز الانبياء . (3/125)
يسلّي الله تعالى رسوله الكريم على ما ابتلي به من مخالفة مترفي قومه له ، وعداوتهم إياه ، بالتأسي بمن قبله من الرسل ، فهو ليس بدعاً من بينهم ، فما من نبيّ بُعث في مكان الا كذّبه المتنعمون واتَّبعه ضعفاؤهم . وهو هنا يبيِّن حجتهم وتبجّحهم بقولهم إنهم لا حاجة لهم الى الايمان بالله ، فما هم فيه من مال وما عندهم من اولاد برهانٌ على محبة الله لهم . فيرد عليهم بأن بَسْطَ الرزق وتقتيره ليس دليلا على رضا الله او غضبه ، وان ذلك مرتبط سننٍ قدّرها الله في هذه الحياة ، فمن احسنَ استعمالها استفاد منها . . . . وأن كثرة الأموال والاولاد لا تقربهم الى الله اذا لم يؤمنوا ، وان الذين آمنوا وعملوا الصالحات يضاعَفُ لهم الجزاء ويتمتّعون بغُرف الجنان ، { وَهُمْ فِي الغرفات آمِنُونَ } . أما الذين يصدّون عن سبيل الله فإنهم { وَهُوَ خَيْرُ الرازقين } .
ثم يحثّ المؤمنين على الانفاق وبذل المال واللهُ يخلُفه عليهم ويعوضهم بأكثر منه { وَهُوَ خَيْرُ الرازقين } .
روى البخاري ومسلم عن ابي هريرة رضي الله عنه « ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال » ما من يومٍ يصبح العباد فيه الا مَلَكان ينزلان ، فيقول احدهما : اللهمّ أعطِ منِفقاً خَلَفا ، ويقول الآخر اللهم أعطِ ممسِكاً تلفا «
ثم بين بعد ذلك كيف يسأل الله الملائكة يوم القيامة ويقول لهم :
{ { أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ؟ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ }
فيتنصل الملائكة من ذلك ويقولون : إننا برآء من عبادتهم والرضا بهم ، بل كانوا يعبدون الجن وكانوا لتأثيرهم خاضعين .
ثم بين بعد ذلك أنهم لا ناصرَ لهم ولا ينفع بعضهم بعضا ، إذ يقال للظالمين { ذُوقُواْ عَذَابَ النار التي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ } في الدنيا .
قراءات :
قرأ حمزة وحده : في الغرفة بالافراد ، والباقون : في الغرفات بالجمع .
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (43) وَمَا آَتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آَتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (45) قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (48) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (49) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50)
تتلى : تقرأ . بينات : واضحات . يصدكم : يمنعكم . افك : كذب ، واختلاق . معشار : عشر . نكيري : انكاي . مثنى : اثنين اثنين . فرادى : واحدا واحدا . ما بصاحبكم من جنة : ليس صاحبكم مجنونا . بين يدي عذاب : امام عذاب . يقذف بالحق : يلقي بالحق . ما يبتدىء الباطل : ما يبتدىء الباطل . وما يعيد : وما يكرره . (3/126)
بعد ان ذكر الله ان المشركين هم أهل النار يوم القيامة حيث قال لهم : ذوقوا عذابها الذي كنتم به تكذّبون - أعقب ذلك بذكرِ ما لأجله استحقوا العذاب ، وهو صدّهم الناس عن دعوة الرسول الكريم ، وأنهم إذا قرأ الرسول عليهم آياتنا واضحات ، قالوا : هذا رجل يريد ان يمنعكم عبادة ما كان يعبد آباؤكم من الاصنام ، فقولُه كذبٌ مفترى ، وسحر مبين ، وخِداع ظاهر ، واننا لم نؤتهم كتبا قبل القرآن يدرسونها ، وما ارسلنا اليهم قبلك من نذير .
{ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُواْ رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } .
لقد كذّب الرسلَ قبلكم كثير من الأمم ، وكانوا اكثر منكم قوة ومالا ، ولم تبلُغوا أيها المشركون معشار ما منحنا أولئك من القوة والمنعة ، ومع ذلك أخذهم الله بظُلْمِهم وتمردهم ، وأهلكهم أجمعين .
{ قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مثنى وفرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ }
قل لهم ايها الرسلو : إنما أعظُكم بخصلة واحدة هي : ان تقوموا مخلِصين لله بعيدين عن التقاليد والأهواء ، وفكِّروا بجِدٍّ مجتمعين ومتفرقين بأن صاحبكم ليس مجنونا ، وما هو الا نذير لكم أما عذابٍ شديد قادم عليكم .
وقل ايها الرسول : ما سألتكم أجراً على هذه الرسالة التي أحملها اليكم لإصلاح أمركم ، خذوا انتم الأجر ، وما أجريَ الا على الله وهو كل شيء رقيب مطلع .
{ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بالحق عَلاَّمُ الغيوب }
قل ايها الرسول : ان - الله يلقي بالحق على من يصطفيه ، وهو يرمي بهذا الحق في وجه الباطل فيمحقه . إنه هو علام الغيوب ، لا يخفى عليه هدف ، ولا تغيب عنه غاية .
{ قُلْ جَآءَ الحق وَمَا يُبْدِىءُ الباطل وَمَا يُعِيدُ }
قل ايها لارسول : لقد جاء هذا الحق في الرسالة والقرآن وفي منهجهما المستقيم ، وقد انتهى أمرُ الباطل ، وهلك الشِرك وما عادت له حياة ولم تبقَ منه بقية تبدي شيئاً او تعيده .
{ قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ على نَفْسِي وَإِنِ اهتديت فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ }
قل ايها الرسول : ان ضلَلتُ وانحرفت عن الهدى فإنما ضرر ذلك يعود على نفسي ، وان اهتديتُ فبإرشاد ربي ، وبوحيه وتوفيقه ، غنه سميع لقولي وقولكم ، قريبٌ مني ومنكم ، والخير كله منه .
وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (51) وَقَالُوا آَمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (52) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (53) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54)
اذ فزعوا : اذ خافوا . فلا فوت : فلا مهرب . ويقذفون بالغيب : ويرجّحون بالظنون . أنى لهم التناوش : من اين لهم التناول ، يقال ناشه : تناوله . بأشياعهم : بأشباههم وأمثالهم من كفرة الأمم . مريبٍ : مُوقعٍ في الريبة . (3/127)
في ختام السورة يبين الله حالة الجاحدين وكيف يتولاهم الفزعُ والخوف الرهيب في ذلك اليوم العصيب . ولو ترى ايها الرسول هؤلاء المكذّبين اذ تملّكهم الفزعُ يوم القيامة عندما يرون العذاب الشديد - لرأيتَ ما يعجز القول عن وصفه ، فلا مهربَ لهم من العذاب ، وأُخذوا الى النار من مكان قريب .
وقالوا عندما شاهدوا العذاب : آمنا بالحق ، لكنْ أنى لهم تناولُ الايمان بسهولة من مكان بعيد هو الدنيا ، وقد خرجوا منها وانقضى وقتها! لقد كفروا بالله ورسوله وملائكته من قبل .
{ وَيَقْذِفُونَ بالغيب مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ }
ذلك حين أنكروا هذا اليومَ ، وكذّبوا بالبعث والنشور والحساب والجزاء ، واليوم يحاولون تناول الايمان ، وذلك بعيد عنهم .
{ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ }
فلا رجوعَ الى الدنيا ، ولا ينفع يمانُهم ، كما قال تعالى ايضا : { فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قالوا آمَنَّا بالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } [ غافر : 84 ، 85 ] .
{ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مُّرِيبِ }
لقد كان لهم أِباهٌ ونظائر من الأمم السابقة ، أعرضوا عن ربهم في الحياة الدنيا فتمنَّوا الرجوع الى الدنيا حين رأوا بأس الله : لأنهم كانوا في حياتهم السابقة شاكّين فيما أخبرتْ به الرسلُ من البعث والجزاء .
وهكذا ختمت هذه السورة الكريمة بهذا العنف ، وبتصويرٍ حيّ لمشهد من مشاهد القيامة ، وعندها يظهر اليقينُ بعد الشك المريب .
الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3)
فاطر السموات والأرض : خالقهما ، فَطَرَ الشيءَ أوجده على غير مثال : رسلا : وسائط بينه وبين انبيائه يبلّغون عنه رسالاته . مثنى وثلاث ورباع : اثنين اثنين ، وثلاثة ثلاثة ، وأربعة اربعة ، ما يفتح الله : ما يعطي الله . انى تؤفكون : كيف تُصرفون عن توحيد الخالق ، وعن الحق الى الضلال . (3/128)
الثناء الجميل والشكر لله تعالى ، منشىء هذا الكون وما فيه من خلائق على غير مثال سابق ، جاعل الملائكة رسُلا الى خلقه ، ذوي اجنحة متعددة مختلفة . فهو { يَزِيدُ فِي الخلق مَا يَشَآءُ } ان يزيدَ من الأعضاء ، لا يعجزه شيء { إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .
ولأول مرة يأتي وصف للملائكة بأنهم أشكال ، لهم اجنحة متعددة . وليس هذا بغريب ، فان بعض المخلوقات لها عدد من الأرجل والاشكال . وفيما نشهده ونراه اشكال لا تحصى من الخلق ، وما لا نعلم اكثرُ بكثيرٍ مما نعلم ، ولا نعرف إلا القليل القليل عما هو موجود في هذا الكون : { وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً } [ الاسراء : 85 ] .
وبعد ان يقرر الله تعالى انه على كل شيء قدير - يوضح هنا ان كل شيء في هذا الكون بيده ، يتصرف فيه كيف يشاء ، فحين يفتح الله أبواب رحمته للناس لا يستطيع أحدٌ إغلاقها ، ومتى أَمسكها فلا احد يستطع فتحها ، فمفاتيحُ الخير ومغاليقه كلها بيده سبحانه وتعالى ، { وَهُوَ العزيز الحكيم } صاحب العزة والسلطان والحكمة .
روى ابن المنذر عن عامر بن عبد القيس قال : اربع يات من كتاب الله اذا قرأتُهن فما أبالي ما أُصبح عليه وأمسي :
1 - ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل لها من بعده .
2 - وان يمسسك الله بضر فلا كاشف له الا هو ، وإن يردْك بخير فلا رادّ لفضله . . . . يونس : 107
3 - سيجعل اللهُ بعد عسرٍ يسراً . . . . الطلاق 7 .
4 - وما من دابةٍ في الأرض الا على الله رزقها . . . هود 6
وهذا يعني ان عامر بن عبد القيس كان يقرأ هذه الآيات ويستأنس بها ويعمل بها .
ثم يؤكد الله تعالى في الآية الثالثة أنه الخالقُ الوحيد الذي يرزق عبادَه من السماء والارض ، وانه لا اله الا هو ، لذلك يجب على الناس جميعاً ان يذكروا نعمة الله عليهم ويحمدوه ويشكروه ، ليحفظوا هذه النعم ويؤدوا حقها .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : هل من خالق غير الله بجرّ غيرِ ، والباقون : غير بالرفع .
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (4) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8)
الغرور : بفتح الغين : الشيطان ، وقد فسره في الآية التي بعدها . السعير : نار جهنم . (3/129)
بعد ان قرر الله التوحيدَ وهو أصلُ الأصول في الايمان - ذكر هنا الأصلَ الثاني وهو الرسالة ، وسلّى رسوله الكريم عن تكذيب قومه له بأنه ليس ببدعٍ بين الرسل ، فقد كُذِّب كثيرٌ منهم قبله ، فعليه ان يتأسّى بهم ويصبر على أذى قومه ، والى الله مرجعُ الجميع .
ثم ذكر الأصل الثالث وهو البعثُ والنشور ، وانه حق لا شك فيه . . . فلا تغرَّنكم الحياة الدنيا ، فيذهلكم التمتعُ بها وبزخرفها عن طلب الآخرة ، ولا يخدعنّكم الشيطان عن اتّباع الرسول ، ان الشيطان لكم عدوٌّ قديم فلا تنخدعوا بوعوده ، واحذروا منه واتخذوه عدوا حقيقيا .
{ الذين كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ }
الذين كفروا من أتباعِ الشيطان واغتروا به هم أصحابُ النار ، يقابلهم الذين آمنوا فلم ينخدعوا باقوال الشيطان ، بل آمنوا بالله وعزّروا إيمانهم بالعمل الصالح . . . وهؤلاء اصحاب الجنة { لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } من الله .
ثم بيّن البعدَ بين الفريقين : الضالين والمهتدين ، واختلاف حالهم فقال :
{ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً }
أفمن زين له الشيطان عمله السيّء فرآه حسنا هو في الواقع كمن هداه الله فرأى الحسنَ حسنا والسيء سيئا؟ انهما لا يستويان أبدا .
{ فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ }
يضلّ من يشاء من الجاحدين الذين ارتضوا سبيل الضلال ، ويهدي من يشاء ممن اختاروا سبيل الهداية .
ثم يخاطب الرسولَ الكريم حتى يسليه فيقول :
{ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ }
فلا تُهلك نفسَك حزناً على الضالين الذين لم يؤمنوا وحسرةً عليهم ، ان الله محيط علمه بما يصنعون من شر فيجزيهم به .
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (9) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11)
ارسل الرياح : أطلقها . تثير : تحرك . بلد ميت : لا نبات فيه . النشور : إحياء الاموات يوم القيامة . العزة : الشرف والمنعة . يبور : يفسد ويهلك من البوار وهو الهلاك . ازواجا : اصنافا ، ذكورا واناثا . يعمّر : يمد في عمره : طال عمره . (3/130)
الله الذي يرسل الرياحَ فتحرّك سحاباً كان ساكنا ، فيسوقه الى بلدٍ ميتٍ لا نبات فيه ، فيحيي به أرضَها بعد جدْبها ويبسها ، كذلك يحيي الامواتَ ويبعثهم للحشر يوم القيامة .
من كان يريد الشرف والمَنَعة فإنهما لله جميعا يَهبُهما لمن يطيعه ، إليه يرتفع الكلام الطّيب والعملُ الصالح فيقبلهما ويثيب عليهما ، وللذين يمكرون ويدبّرون المكائد للمؤمنين عذابٌ شديد ، أما تدبيرهم ومكرهم فهو فاسد لا قيمة له ولا يحقق غرضاً .
والله تعالى خلقكم ايها البشَر من تراب ، ثم خَلَقَكم من نطفة هي الماء الذي يصبّ في الأرحام ، ثم جعلكم ذكوراً واناثا . وما تحمل انثى ولا تضع حَملها الا بعلمه تعالى ، وما يمد في عمرِ أحدٍ ولا ينقص من عمره الا مسجَّلٌ في كتاب ، ومقرر في علم الله القديم .
{ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ } .
قراءات :
قرأ ابن كثير والكسائي : الريح بالافراد . والباقون : الرياح بالجمع . وقرأ نافع وحمزة اولكسائي وحفص : الى بلد ميّت بتشديد الياء . والباقون ميت بسكون الياء . وقرأ يعقوب وحده : ولا ينقص بفتح الياء . وضم القاف . والباقون : ولا ينقص بضم الياء وفتح القاف .
وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14) يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17) وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18)
العذب : الطيب السائغ من الماء والشرب والطعام والكلام . الفرات : الوافر والشديد العذوبة . سائغ : سهل المرور في الحلق . أُجاج : شديد الملوحة . حلية : كل ما يتحلى به الانسان من لؤلؤ ومرجان وغير ذلك . مواخر : جمع ماخرة تشق الماء حين جريانها . يولج : يدخل . القطمير : القشرة الرقيقة التي على نواة التمرة . يكفرون بشرككم : يجحدون باشراككم وعبادتكم لهم . ولا ينبئك مثل خبير : ولا يخبرك بالأمر مثل الخيبر به . ولا تزر وازرة وزر اخرى : لا تحمل نفس آثمة اثم نفس اخرى ، يعني لا يحمل احد ذنب الآخر ، الوزر : الذنب . المثقلة : النفس التي أثقلتها الذنوب . تزكى : تطهر من دنس الأوزار . (3/131)
وما يستوي البحران : أحدُهما ماؤه عذْب شرابه سائغ يجري في الانهار المفيدة للناس فيحي الاقاليم والامصار ، والثاني مالح ساكن تسير فيه السفن . ومن كلٍ منها تأكلون السمك الطري فضلا من الله ، كما تستخرجون حلياً ، كالدرّ والأصداف والمرجان وغيرها ، وتجري السفن في كل منهما تشقه شقا لتطلبوا من فضل الله ما تحصلونه بالتجارة . ولعلّكم تشكرون لربكم هذه النعم .
إنه يُدخل الليلَ في النهار ويدخلُ النهارَ في الليل ، وسخَّر الشمس والقمر كلٌّ يجري الى موعدٍ مقرر . والذي يصنع هذا كلَّه هو الله ربكم ، له الملك التام والسلطان الملطق ، أما لاذين تعبدونهم من الأصنام والأوثان فإنهم لا يملكون شيئا مهما كان صغيرا تافها .
وهذه الآلهة لا يسمعون ولا ينفعون ولا يضرّون ، وان تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ، ولو سمعوا دعاءَكم ما أجابوكم بشيء مما تطلبون . وهم ينكرون اشراككم لهم مع الله يوم القيامة .
{ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ }
ولا يخبرك الحقيقة الا الخبير العليم ، الله تعالى :
يا ايها الناس : انتم الفقراء المحتاجون إلى الله في كل شيء والله هو الغني عن خلقه المستحق للحمد على كل حال .
والله إن شاءَ يهلككم ويأتي بخلْقٍ جديد يطيعونه ويؤمنون به ، وليس هذا على الله بمستحيل .
ثم أخبرَ عن أحوال يوم القيامة فقال :
{ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى }
في ذلك اليوم العصيب يكون كلُّ انسان مسئولا عن اعماله وعن نفسه ، فلا تحمل نفسٌ مذنبةٌ ذَنْبَ نفس اخرى .
وان تسأل نفسٌ ذاتُ حَملٍ ثقيل أحداً أن يحمل عنها بعض ذنوبها لن تجد من يجيبها أو يحمل عنها شيئا ، وذلك لانشغال كل انسان بنفسه . { لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } [ عبس : 37 ] ثم سلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدم قبولهم دعوتَه وإصرارهم على عنادهم فقال :
{ إِنَّمَا تُنذِرُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بالغيب وَأَقَامُواْ الصلاة وَمَن تزكى فَإِنَّمَا يتزكى لِنَفْسِهِ وَإِلَى الله المصير }
لا تحزن ايها النبي لعنادِ قومك ، انماينفع تحذيرُك الذين يخافون ربهم ويقيمون الصلاة ، ومن تطهَّرَ فانما يتطهر لنفسه ، والى الله المرجع في النهاية .
وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (25) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (26) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)
استوى هذا وذاك : تساويا . الظل : الفيء جمعه ظلال . الحرور : الريح الحارة ، السموم . خلا : سلف ومضى . الزُّبُر : مفردها زبور : الكتب . نكيري : انكاري لعملهم . جدد : واحدها جدة ، وهي الطرق المختلفة الألوان في الجبل ونحوه . غرابيب : واحدها غربيب وهو شديد السواد . (3/132)
ليس يتساوى الأعمى الذي لا يهتدي والبصيرُ الذي آمن واهتدى ، ولا ظلمات الكفر مع نور الايمان ، وما يستوي أحياءُ القلوب بالإيمان بالله ورسوله مع أمواتِ القلوب بالكفر والعناد . { أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي الناس كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا؟ } [ الأنعام : 126 ] .
{ إِنَّ الله يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ } ان الهداية والتوفيق بيده سبحانه . { وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القبور } جعل الله المشركين كالأموات الذين في القبور لا يسمعون . وما انت ايها لرسول الا نذير تبلّغ وتنذر .
إنا أرسلناك أيها الرسول بالإيمان بي وحدي مبشراً بالجنة من صدَّقك ، ومنذرا بالعقاب من كذَّبك ، وما من أمة من الأمم الماضية الا جاءها من عند الله من ينذرها . وإن يكذَّبْك قومك فقد كذّب الذين من قبلهم رسُلهم حين { جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير } .
ثم أخذتُ الذين كفروا أخذاً شديدا ، فانظر كيف كان إنكاري لعملهم وغضبي عليهم!!
{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا }
الم تشاهد أيها الرائي أنا خلقنا الاشياءَ المختلفة من الشيء الواحد ، فأنزلنا من السماءِ ماءً وأخرجنا به ثمراتٍ مختلفةً ألوانُها وطعمها ورائحتها .
{ وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ }
وخلق في الجبال طرقاً بيضاً وحمرا وذات الوان اخرى ، وجعل منها جبالاً سودا حالكة .
هذا كما خلق من الناس والدوابّ والإبل والبقر والغنم الواناً مختلفة كذلك في الشكل والحجم واللون .
ولم عدّد الله آياتِه وأعلامَ قدرته وآثارَ صنعه بيّن انه لا يعرف ذلك حقَّ المعفرة الا العلماءُ بأسرار الكون ، العالمون بدقائق صنعه ، فهم الذين يخشون ربهم حقَّ الخشية :
{ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ } .
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35)
يتلون كتاب الله : يقرأونه ويتّبعونه . يرجون تجارةً لن تبور : مغفرة من الله لن تكسد . الكتاب : القرآن . مقتصد : عاملٌ به تارةً ومخالف له اخرى . سابق : متقدم الى ثواب الله . جنات عدْن : جنات الاقامة . أذهَبَ عنا الحزن : الخوف . دار المقام : دار الاقامة ، دار الخلود ، وهي الجنة . النصَب : التعب . اللغوب : الفتور والكلال . (3/133)
ان الذين يقرأون كتاب الله ، فيعملون به ، قد أقاموا الصلاة على وجهها ، وانفقوا مما رزقناهم على المحتاجين والمصالح العامة وفي سبيل الله ، سرا وجهرا يتاجرون تجارة رابحة عند الله لا تكسد ، وسيوفّيهم الله أجورهم ويزيدهم من فضله { إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ } .
ثم اشار الى طبيعة الكتاب ، وما فيه من الحق ، تمهيداً للحديث عن ورثة هذا الكتاب :
{ والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب هُوَ الحق مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } أي لما سبقه في العصور من الكتب المنزلة على الرسل قبلك ، أنها من نبع واحد ، { إِنَّ الله بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ } .
ثم جعلْنا هذا الكتابَ ميرثاً للذين اخترناهم من عبادنا ، فكانوا فئات ثلاثاً : فمنهم ظالمٌ لنفسه بغَلَبة سيئاته على حسناته ، ومنه مقتصد لم يسرف في السيئات ولم يكثر من الحسنات ، ومنهم سابقٌ بالخيرات بإذن الله .
{ ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير } ذلك الميراث والاصطفاء فضل عظيم من الله لا يقدَّر قدره .
ثم بين جزاءهم ومآلهم بقوله : { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } .
ويقولون عند دخولهم الجنة : الحمدُ لله الذي أذهبَ عنا الخوفَ من كل ما نحذر . { إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ } أنزَلَنا دار النعيم الدائم من فضله لا يصيبنا فيه تعبٌ ولا يمسّنا فيها إعياءٌ ولا فتور .
قراءات :
قرأ ابو عمرو : يدخَلونها بضم الياء وفتح الخاء ، والباقون يدخلونها بفتح الياء وضم الخاء .
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37) إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (38) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (39)
لا يقضي عليهم : لا يحكم عليهم بموت ثان . يصطرخون : يصيحون أشد الصياح للاستغاثة . (3/134)
نعمّركم : نمهلكم . خلائف : جمع خليف وهو الذي يخلق من قبله .
ثم بيّن حال الجاحدين الكافرين وما ينتظرهم من عذاب فقال :
{ والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يقضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا }
هؤلاء الذين لم يؤمنوا واستمرّوا على عنادهم وجحودهم سيكون مقامُهم في نارِ جهنّم يعذَّبون فيها لا يموتون ، ولا يخفف عنهم العذاب .
{ كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ } هذا جزاء كل من يكفر .
وهم من شدة العذاب يستغيثون فيها قائلون : ربنا ، أخرِجنا من النار حتى نعملَ صالحاً غير الذي كنا نعمله في الدنيا ، فيقول لهم :
{ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ }
ألم نمكّنكم من العمل ونُطِلْ أعماركم زمنا يمكن فيه التدبر لِمَنْ يريد ذلك؟ لقد جاءكم الرسول يحذّركم من هذا العذاب . . . . فذوقوا في جهنم جزاء ظُلمكم ومخالفتكم للانبياء في حياتكم الدنيا . { فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ } .
ان الله مطلع على كل غائب في السموات والأرض ، لا يغيبُ عن علمه شيء ، ولو أجابكم وأعادكم الى الدنيا لعُدتم الى ما نهاكم عنه { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } .
والله هو الذي جعل بعضكم يخلُفُ بعضاً في تعمير الأرض وتثميرها ، فمن كفر بالله فعليه وِزْرُ كفرِه ، ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم الا مقتا وبغضا .
قراءات :
قرأ ابو عمرو وحده : كذلك يجزي كل كفور بضم الياء وفتح الزاي . والباقون : نجزي بفتح النون وكسر الزاي .
قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (40) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43)
أرأيتم : أَخبروني . ام لهم شِرك : ام لهم شركة . يمسك : يحفظ . جهد ايمانهم : بالغو في ايمانهم . نفورا : تباعد . (3/135)
أخبِروني ايها المشركون عن شركائكم الذين تعبدونهم من دون الله ، ماذا خلقوا؟ ألهم شركة مع الله في خلق السموات؟ أم أعطيناهم كتابا ينطق بأنّا اتخذناهم شركاءَ ، فهم على حجة ظاهرة من ذلك الكتاب
{ بَلْ إِن يَعِدُ الظالمون بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً }
ان وعد بعضهم لبعض أن الآلهة التي يعبدونها من دون الله ستشفع لهم - هو كذب وغرور .
ان الله يحفظ السمواتِ من الخلل او من الزوال ، بنظام دقيق . ولو انها زالت لما كان هناك احد في الكون يمنعها الا الله .
{ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً } يحلم وينظِر ، ويؤجّل ولا يعجّل ، ويستر ويغفر .
{ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ }
أقسم المشركون بالله باغلظ الايمان ، وبالغوا فيها اشد المبالغة ، لئن جاءهم رسول ينذرهم ليكونُنّ اكثر هداية من كل امة من الأمم التي خلت من قبلهم .
{ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً }
فلما جاءهم رسول منهم ينذرهم ما زادهم مجيئه وانذارُه ونصحه الا نفورا عن الحق . { استكبارا فِي الأرض وَمَكْرَ السيىء وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ }
لقد نفروا استكبارا في الأرض وأنفة من الخضوع للرسول الكريم وللدينِ الذي جاء به ، ومكروا مكرا سيئا ، ولا يحيط شرر المكر السيء الا بأهله الذين دبروه .
{ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ آلأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَحْوِيلاً }
هل ينتظر هؤلاء المشركون الا ما جرت به سنّة الله في الذين سبقوهم ، وسنّةُ الله في معاملة الأمم لن تتبدل ، ولن تتحول .
قراءات :
قرأ ابن كثير وابو عمرو وحفص : على بينة بالافراد والباقون : على بينات بالجمع .
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45)
الدابة : كل حيوان يدب على الأرض بما فيه الانسان . (3/136)
أوَلَم يَسِرْ هؤلاء المشركون أثناء رضحلاتهم الى الشام ويروا الأرض التي اهلكنا فيها أهلَها بكفرهم وجعلناهم مثلاً لمن بعدهم . لقد كان أولئك أقوى منهم واغنى فلم تمنعهم قوتهم من عذاب الله .
{ وَمَا كَانَ الله لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً }
وهذا تهديدٌ لهم أنهم إذا ساروا على تمرّدِهم وعنادهم فمصيرهم مصيرُ منسبقَهم ، وان هذا سهلٌ عليه ، ولا يُعجِزه شيء يريده في هذا الكون الكبير كله .
ولو يؤاخذ الله الناس بما يكسبونه من آثام وما يجرّونه على أنفسهم من الفتن ، ما تَرَكَ على ظهر الأرض دابةً تدبّ عليها ، ولكنه يؤخرهم الى يوم الحساب والجزاء ، فإذا جاء موعدُهم هذا فسيجازيهم بكل ما عملوا ولا يفلِتُ من حسابه احد ، إنه باعمال عباده بصير لا يخفى عليه شيء .
يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)
صراط مستقيم : طريق قويم من عقائد صحيحة وشرائع حقة . حق القول : ثبت القول . الأغلال : واحدها غُل بضم الغين ، وهوما تشد به اليد الى العنق للتعذيب . قمح الغلُّ الأسير : ضاق على عنقه فاضطره الى رفع رأسه . فمعنى فقمحون : رفعوا رؤوسهم وغضوا ابصارهم من الذل . من بين ايديهم : من امامهم . فأغشيناهم : غطينا ابصارهم وجعلنا على اعينهم غشاوة . الذِكر : القرآن . ما قدّموا : ما عملوا من الأعمال . وآثارهم : ما أبقوه من الحسنات او السيئات . في امام مبين : في أصلٍ يؤتمّ به . . . . (3/137)
يس : تُلفظ ياسين . من الحروف التي ابتدئت بها بعض السور ، وتقدّم الكلامُ عليها ، وقال بعضهم : معناها : يا إنسان ، او الحكيم . وشاع عند الناس أنها اسم للرسول الكريم ، وسمّوا بها . أقسم الله تعالى بالقرآن الكريم أنك أيها الرسول الكريم من المرسَلين الذين أرسلهم لهداية الناس الى دين قويم ، وشرع مستقيمٍ من التوحيد ومكارم الأخلاق . وذلك لتنذِرَ قوماً لم يأتِهم نذير قبلك ، فهم غافلون عما يجب عليهم وفي غفلة ساهون .
{ لَقَدْ حَقَّ القول على أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ }
لقد وجب العقاب على أكثرِهم لعدم إيمانهم .
{ إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً . . . . } مرتفعة إلى أذقانِهم ، ولذلك ترى رؤوسَهم مرتفعة مشدودةً الى الوراء ، لا يستطيعون ان يطأطئوها . وجعلنا أمامهم سدّا ومن خلْفِهم سدّا فهم محبوسون في سِجن الجهالة ، وغطينا على أعينِهم فهم لا يُبصرِرون . وإن إنذارَك لهم وعدَمه سوء ، فهم لا يؤمنون .
انما تنذرُ من اتبع القرآنَ ، وخشي الله في سريرته ، فبشِّره بمغفرةٍ من الله وأجرٍ كريم .
{ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الموتى } ونسجل عليهم ما قدّموا من الأعمال الحسنة والسيئة .
{ وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ في إِمَامٍ مُّبِينٍ } في اللوح المحفوظ .
قراءات
قرأ حمزة والكسائي وروح وابو بكر : يس بإمالة الياء . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص : تنزيلَ بفتح اللام ، والباقون : تنزيلُ بالضم . وقرأ حمزة والكسائي وحفص : سَدّا بفتح السين . والباقون : بضمّها ، وهما لغتان .
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27)
ضربُ المثل : تشبيه حالٍ غريبة بأخرى مثلها . القرية : يقول كثير من المفسرين انها انطاكية ، والرسل غير معروفين ولم يردْ خبر صحيح عنهم . فعزّزنا بثالث : فقويناهم بثالث . البلاغ المبين : التبليغ الواضح . تطيّرنا : تشاءمنا بكم . لنرجُمنكم : لنرمينكم بالحجارة . طائركم معكم : شؤمكم معكم . ائن ذكِّرتم : أئن وُعظتم بما فيه سعادتكم تتشاءمون بنا! مسرفون : مجازون الحد في العصيان . لا تغني : لا تنفع . ولا يُنقِذون : ولا يخلصونني . . . . (3/138)
يذكّرهم الله تعالى بقومٍ مثلهم في الكفر والعناد والإصرار على التكذيب ، فيقول : اذكر لقومك أيها النبي قصةَ أهل قريةِ انطاكية لمّا أرسلنا إليهم الرسلَ لهدايتهم . . . . أرسلنا اليهم رسولَين اثنين ، فكذّبوهما ، فوّيناهما بثالثٍ وقالوا لهم : لقد أرسلَنا الله إليكم ، فقال اهل القرية لهم : ما أنتم الا بشرٌ مثلنا وليس لكم علينا مَزِية ، وما أنزل الرحمنُ إليكم شيئا ، ولا أمَرَكم بشيء ، وما انتم الا كاذبون .
قال الرسل مؤكدين رسالتهم : الله يعلم أنّا رسُلُه اليكم ، وما علينا الا ان نبلّغكم رسالته . . . وقد فعلْنا .
فقال اهل القرية مهدِّدين : إنّا تشاءمنا بكم ، لئن لم تتركوا ما تقولون قتلْناكم رجماً بالحجارة ولحِقَكم منا عذابٌ شديد .
فقال الرسل لهم : { طَائِرُكُم مَّعَكُمْ } شؤمُكم معكم { أَإِن ذُكِّرْتُم؟ } بمعنى : أئن وُعظتم بما فيه سعادتكم تتشاءمون بنا؟ فخبر « أئن ذُكرتم » محذوفٌ . . . .
{ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } بالبغي والعناد والكفر .
وفي هذه الأثناء يأتي رجلٌ مؤمن من أقصى أطراف المدينة مسرعاً لينصح قومه حين بلغه أنهم عقدوا النية على قتل الرسل .
{ قَالَ ياقوم اتبعوا المرسلين اتبعوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ }
بعد ذلك بيّن لهم ذلك الساعي انه ما اختار لهم الا ما اختار لنفسه فقالك وأيَّ شيء يمنعني ان أعبدَ الذي خلقني { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } . وكيف أعبد آلهة لا تفيدني شفاعتُهم شيئاً إن أرادني الله بسوء ، { وَلاَ يُنقِذُونَ } ولا يخلصونني من أي سوء! اذا فعلت ذلك فأنا في ضلال مبين .
ثم التفت الى الرسل وخاطبهم بما يثبت ايمانه بالله فقال :
{ إني آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فاسمعون } اشهدوا لي بذلك عنده .
{ قِيلَ ادخل الجنة قَالَ ياليت قَوْمِي يَعْلَمُونَ } بغفران ربّي لي وإكرامه إياي ، فيؤمنون كما آمنت . إنه يتمنى لو يرى قومُه ما اعطاه الله من الرضى والكرامة لعلهم يؤمنون .
قراءات
قرأ ابو بكر : فعززنا بفتح الزاي الأولى من غير تشديد . والباقون بالتشديد .
وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32) وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36)
الجند : الملائكة . خامدون : ميتون . الحسرة : شدة التلهف والحزن . ويقال : واحسرتا ، ويا حسرتا . محضَرون : للحساب والجزاء . من القرون : من اهل القرون القديمة . الازواج : الأصناف . (3/139)
وما انزلنا على قوم ذلك المؤمنِ جندا من السماء نهلكهم على أيديهم . إن أمْرَهم كان أهونَ من لذلك ، وما تحمَّلوا إلا صيحة واحدة فاذا هم أمواتٌ لا حراك بهم .
{ ياحسرة عَلَى العباد } تُتاح لهم فرصة النجاة فيُعرِضون عنها ، وما نبعث إليهم برسولٍ إلا كانوا به يستهزئون .
ألم يروا مصارع الهالكين قبلهم من أهل القرون الغابرة ويدركون أنهم لا يرجعون على مدار السنين وتطاول القرون!! لقد كان في هذا عظةً لمن يتدبّر .
ولكن الله تعالى لا يتركه يفتلون من الحساب .
{ وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ }
ذلك يوم القيامة . والدليل على قدرتنا على البعث والنشور تلك الأرض المجدبة ، نحييها بانزال الماء عليها ونخرج منها حَباً يأكلون منه ، كما نُنشىء فيها حدائق وبساتين من نخيل وأعناب ، ونجعل فيها أنهاراً وعيونا من الماء العذب الصافي { أَفَلاَ يَشْكُرُونَ } خالقَ هذا النعم؟
سبحان الذي خلق هذا الخلْقَ العظيم ، من أزواج على سُنّة الذكورةِ والأنوثة ، وخَلَقَ أنواعَ الكائنات مما تنبت الأرض ومن الأنفس ، وخَلَقَ ما نعلم ، وفيه الدليل الكبير على عظيم قدرته تعالى .
قراءات
قرأ عاصم وابن عامر وحمزة : وان كل لمّا بتشديد الميم . والباقون : لما بفتح الميم دون تشديد . وقرأ نافع : الأرض المِّيتة بتشديد الياء . والباقون : المْيتة باسكان الياء . وقرأ الكوفيون : ما عملتْ ايديهم ، الا عاصما : ما عملته أيديهم .
وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44)
نسلخ منه النهارَ : نزيل النهار منه ونضع الليل مكانه . مظلِمون : داخلون في الظلام . قدّرناه منازل : جمعُها منزلة ، وعددها اثنتا عشرة منزلة . العُرجُون : العنقود من النخلة الذي يحمل الرطب . لا ينبغي لها : لا يتيسر لها . أن تدرك القمر : ان تجتمع معه في وقت واحد . وكل في فلكٍ يسبحون : كل هذه الاجرام يسبح في فلك عظيم واسع . الفُلك : السفينة . المشحون : المملوء . فلا صريخَ لهم : فلا مغيث لهم . (3/140)
من آيات الله وبديع صُنعه تعاقبُ الليل والنهار ، فالليلُ يسلخ من النهار والنهار يسلخ من الليل ، نتيجةً لدوران الأرض حول محورها من الغرب الى الشرق ، فتشرق الشمس على بعض الآفاق فيكون عندهم نهار ، وتغيب عن البعض الآخر بانتظام فيكون عندهم ليل . وإنها لَظاهرة فلكية عظيمة الأهمية في حياة لاجنس البشري وكافة الأحياء على هذه الارض .
والشمس تسير الى مستَقّرٍ لهان بقدرة الله العزيز العليم . وقد ثبت للعلماء أخيراً ان للمشس دورتين : احداهما حول محورها مرة في كل ستة وعشرين يوما تقريبا ، والثانية دورانها مع كل توابعها من الكَواكب السيارة واقمارها حول مركز النظام النجومي بسرعة تقدَّر بنحو مائتي ميل في الثانية . والشمس واحدة من ملايين النجوم التي تكوّن النظام النجومي .
واذا علمنا ان هاتين الحركتين الحقيقيتين للشمس لم تثبتا بالبرهان العلمي والأرصاد الفلكية إلا حديثاً - أدركنا ما في هذه الآية الكريمة من إعجاز عظيم .
{ والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حتى عَادَ كالعرجون القديم }
وجعلْنا سير القمر منازل ، وهي ثمانية وعشرون منزلا ينزل في كل واحد منها كل ليلة ، إذ يبدو في اول الشهر هلالاً ضئيلا ، ثم يزداد ليلة بعد ليلة الى ان يكتمل بدراً ، ثم يأخذ في النقصان حتى يعود ضئيلاً مثل عُرجون النخلة . ثم يستتر ليلتين ، او ليلة اذا نقص الشهر .
والمنازل هي : السرطان ، البطين ، الثريا ، الدبرَان ، الهقعة ، الهنعة ، الذراع المقبوضة ، النثرة ، الطرف ، جبهة الأسد ، الزبرة ، الصرفة ، العواء ، السماك الأعزل ، الغفر ، الزبانى الاكليل ، قلب العقرب ، الشولة ، النعائم ، البلدة ، سعد الذابح ، سعد بلع ، سعد السعود ، سعد الاخبية ، الفرغ المقدم ، الفرغ المؤخر ، بطن الحوت .
لا الشمسُ يمكنها أن تخرج عن هذا النظام البديع فتلحقَ بالقمر وبينهما مسافة هائلة ، ولا الليل يتأتى له ان يغلب النهار ويحول دون مجيئه ، بل هما متعاقبان ، وكل من الشمس والقمر والكواكب والنجوم يَسْبَحون في هذا الكون الفسيح بنظام دقيق عجيب .
ومن آيات الله وقدرته ان هيّأ للناس البحرَ يركبونه في السفن المشحونة بالبضائع تجري فيه لمصلحتهم ، و { وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } من الابل والخيل وغيرها من الحيوانات المسخّرة لأمر الانسان ، وكذلك في عصرنا الحضر جميع انواع المواصلات في البحر والبر والجو .
ثم بين لطفه بعباده حين ركوبهم تلك السفن وغيرها فقال :
{ وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ }
كل هذه الوسائل تسير بتقديرِنا وبأمرنا ، ولو أردْنا إغراقهم فليس لهم مغيث ، ولا هم يَنْجُون من الهلاك ، ولكن تشملهم رحمتُنا فيتمتعون بلذات الحياة الدنيا الى اجل مقدر .
قراءات
قرأ نافع وابن كثير وابو عمرو وروح : والقمرُ قدرناه برفع القمر ، والباقون بالنصب . قرأ نافع وابن عامر ويعقوب : ذرياتهم بالجمع ، والباقون ذريتهم بالافراد .
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54)
ما بين ايديكم : ما جرى للأمم السابقة . وما خلفكم : عذاب الآخرة . يخصِّمون : بكسر الصاد المشددة ، يتخاصمون . الاجداث : جمع جدث ، القبر . ينسِلون : يخرجون من قبورهم . من مرقدنا : من مكان نومنا ، كأنهم كانوا نانئمين في قبورهم . (3/141)
واذا قيل لهؤلاء المكذّبين : خافوا ان يصيبكم مثلُ ما جرى للأمم الماضية بتكذيبهم الرسل ، وخافوا عذاب الآخرة لعلّ الله يرحمكم - أعرضوا وولّوا مستكبرين .
ولا تجيئهم حجة من حجج الله الدالة على وحدانيته الا كانوا عنها منصرفين . أما اذا قيل لهم أنفِقوا على الفقراء والمحتاجين مما رزقكم الله ، قالوا للمؤمنين : أتطلبون منا ان نطعم من لو أراد الله إطعامه لفعل!؟ انكم حقا في ضلال مبين .
ويقول الكافرون مستهزئين : متى يحصل هذا البعث الذي تعدوننا به!
{ مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ }
ستأتيهم الساعة بغتة ، وما ينتظرون الا صوتاً واحداً يقضي عليهم بغتة ، وهم يتنازعون في شئون الدنيا غافلين عن الآخرة .
ثم بين الله سرعة حدوثها وأنها كلمح البصر او هي اقرب فقال :
{ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ } يومذاك لن يوصوا في اموالهم بشيء ، ولن يرجعوا الى أهلهم .
وقد رويت في ذلك احاديث كثيرة تبين هول ذلك الموقف .
ثم بين الله أنهم بعد موتهم يُنفخ في الصور النفخةَ الثانية ، نفخةَ البعث من القبور فقال :
{ وَنُفِخَ فِي الصور فَإِذَا هُم مِّنَ الأجداث إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ }
وبعد النفخة الثانية يخرجون من قبورهم مسرعين الى الله . . . . وكل هذه المواقف من الحياة الاخرى لا نعلم عن حقيقتها شيئا الا ما ورد في القرآن الكريم .
ثم بيّن الله تعالى انهم يعجبّون حين يرون انفسهم قد خرجوا من قبورهم للبعث فيقولون :
{ قَالُواْ ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا؟ }
فيقال لهم :
{ هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن . . . . } لَقد صدقَ المرسولن فيما أخبروا عنه .
ثم تأتي الصيحة الأخيرة :
{ فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ }
ويقف الجميع صفاً صفا منتظمين منتظرين حسابهم وجزاءهم ، وعند ذلك يعلن القرار :
{ فاليوم لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }
فيذهب اهل الجنة الى الجنة ، واهل النار الى النار ، ويلقى كلٌّ جزاءه بالعدل .
قراءات
قرأ ابن عامر وعاصم والكسائي : يَخِصّمون بفتح الياء وكسر الخاء والصاد المشددة . وقرأ ابن كثير وابو عمرو : يَخَصمون : بفتح الياء والخاء وتشديد الصاد المكسورة . وقرأ نافع : يخْصّمون : باسكان الخاء وتشديد الصاد وبهذا يكون جمع بين ساكنين . وفي المصحف الذي طبعه الملك الحسن في المغرب يَخَصّمون بفتح الياء والخاء وتشديد الصاد المسكورة . وقرأ حمزة : يخْصِمون : باسكان الخاء وكسر الصاد بدون تشديد .
إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65) وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (67) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68)
في شغل : في شأن كبير من المسرة والنعيم . فاكهون : مرحون في عيش ناعم . ظلال : جمع ظل وهو الفيء . الأرائك : جمع أريكة ، وهي كل ما استراح عليه الانسان من مقعد وسرير او فراش او منصة . ما يدّعون : ما يطلبون . امتازوا : انفرِدوا وابتعدوا عن المؤمنين . الم أعهد : ألم أوصِ ، الم اعرض ما فيه الخير . جبلاّ كثيرا : خلقا كثير . اصلَوها : ادخلوها ، ذوقوا حرها . لطمسنا على أعينهم : لأعميناهم . فاستبقوا لاصراط : تسابقوا الى الطريق المألوف . لمسخناهم : لغيرنا صورهم الى أقبح صورة . على مكانتهم : في اماكنهم . نعمّره : نطل عمره . ننكّسه في الخلق : نردّه من القوة الى الضعف حتى يردّ الى أرذل بعد انتها الحساب يذهب كلٌّ الى مقرة الأخير ، أهل الجنة الى الجنّة وغيرهم الى النار . (3/142)
ويحدّثنا القرآن عما هم فيه نم نعيم ملتذون فيه متفكهون ، هم وازواجهم في ظِلال مستطابةٍ على الفُرش والأرائك متكئون ، لهم في جنّتهم فاكهة ولهم كل ما يطلبون ويشتهون ، ولهم فوق كل هذه اللذائذ والمتع تكريم من الله ويقال لهم : { سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ } .
اما اصحاب الجحيم فعلى العكس من ذلك فانهم يلقون التحقير والاهانة ، ويقال لهم :
{ وامتازوا اليوم أَيُّهَا المجرمون }
أبعِدوا عن المؤمنين ، وادخلوا جهنم ، ألم أُوصِكم يا بني آدم ان لا تطيعوا الشيطان؟ إنه لكم عدو ظاهر العداوة يوردكم موارد الهلاك .
{ وَأَنِ اعبدوني هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ } .
اطيعوني ، فإن طاعتي هي التي توصلكم الى الطريق المستقيمة . لقد بيّنتُ لكم ذلك فلم تحذَروا عدوكم الذي اضل منكم أجيالا كثيرة { أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ } حين أطعتموه! اذهبوا الى مصيركم المحتوم .
{ هذه جَهَنَّمُ التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ }
ادخولها وقاسوا حرّها واحترقوا يها بسبب كفركم وجحودكم .
ثم بين الله تعالى ان جوارحهم تشهد عيلهم ، وذلك بمشهد عجيب .
{ اليوم نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }
اليوم تُلجَم أفواههم فلا ينطِقون ، وتتكلم جوارحهم بما اقترفته . . . . ويا له من موقف رهيب مخيف .
{ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ فاستبقوا الصراط فأنى يُبْصِرُونَ }
ولو نشاء لعاقبناهم على كفرهم فطمسْنا على أعينهم فصيّرناهم عمياً لا يبصرون طريقا ولا يهتدون . ولو اردنا لغيّرنا صورهم وحولناهم الى تماثيل جامدة { فَمَا استطاعوا مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ } بل يبقون في اماكنهم جامدين .
{ وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخلق أَفَلاَ يَعْقِلُونَ! }
ومن يُطِل الله عمره يَخْرَفُ وينتكس بعد شبابه وعقله الى ضَعفٍ وخَرَفٍ وهزال . افلا يعلمون ان الدنيا دارُ فناء وان الآخرة دار البقاء! .
قراءات :
قرأ ابو عمرو ونافع وابن كثير : في شغْل باسكان الغين ، والباقون : في شغُل بضم الشين والغين وهما لغتان . وقرأ ابو جعفر : فكِهون بكسر الكاف بدون الف بعد الفاء . والباقون : فاكهون . قرأ حمزة والكسائي : في ظلل جمع ظلة ، والباقون : في ظلال . قرأ نافع وعاصم وابو جعفر : جِبلاّ بكسر الجيم والباء وتشديد اللام . وقرأ حمزة والكسائي وخلف ورويس : جُبلا بضم الجيم والباء وتخفيف اللام . وقرأ ابو عمرو وابن عامر : جُبْلا بضم الجيم وسكون الباء ، وهذه كلها لغات معناها واحد . وقرأ ابو بكر : على مكاناتهم بالجمع ، والباقون : على مكانتهم بالافراد . وقرأ عاصم وحمزة : نُنَكسه بضم النون الاولى وفتح الثانية وكسر الكاف المشددة . والباقون : نُنْكسه بضم النون الاولى واسكان الثانية وكسر الكاف من غير تشديد . وقرأ نافع وابن ذكوان ويعقوب : افلا تعقلون بالتاء ، والباقون : افلا يعقلون بالياء .
وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70)
ما ينبغي : لا يليق به ولا يصح له . ذِكر : عظة من الله . حيّا : حي القلب مستنير البصيرة . يحق القول : يجب العذاب . (3/143)
{ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ القول عَلَى الكافرين } .
وما علّمنا رسولَنا الشعر ولا يليق به لمكانته ومنزلته ان يكون شاعرا ، وما هذا القرآن الا كتاب عظةٍ وآداب وأخلاق وتشريع ، فيه سعادة البشر في دنياهم وأخراهم فلا مناسبة بينه وبين الشعر ، لينذر من كان حيَّ القلب مستنير العقل ، وتجبَ كلمة العذاب على الكافرين الجاحدين .
قراءات :
قرأ أهل المدينة وابن عامر : لتنذر بالتاء . والباقون : لينذر بالياء .
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (76)
ركوبهم : بفتح الراء ، هو ما يركب . ذلّلناها لهم : سخّرناها لهم . (3/144)
الم يشاهد هؤلاء المشركونبالله أنّا خلقنا لهم بقُدْرتنا أنعاماً من الإبل والغنم والبقر فهم لها مالكون يتصرفون فيها كمايشاؤون! وسخّرناها لهم فمنها ما يركبون ، ومنها ما يأكلون ، ولهم فيها ما ينتفعون به من أصوافِها وأوبارِها وأشعارها وجلودها وغير ذلك ، ولهم شماربُ من ألبانها ايضاً! أيجحدون هذه النعم الكثيرة فلا يشكرون الله عليها!! . ومع كل هذه النعم اتخذ المشركون آلهة يعبدونها من دون الله ، رجاء ان تنصرهم! غن هذه الالهة لا تستيطع نصر احد ، ولا تقدر ان ترد عن أحدٍ أذى إن أراد الله بهم سوءا .
{ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ }
وهم لسخفهم جنودٌ لهذه الآلهة يحمونها ويذبُّون عنها المهتدين .
ثم بعد ذلك يسلّي الله رسوله الكريم بقوله :
{ فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ }
لا يحزنك قولهم فيك بالتكذيب والافتراء عليك ، انا نعلم ما يخفون وما يعلنون ، وسيلقون جزاءهم .
أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)
أولم ير : أولم يعلم . الخصم : الشديد الخصومة والجدل . رميم : البالي من كل شيء . ملكوت : الملك التام ، كالجبروت والرحموت . (3/145)
في آخر هذه السورة الكريمة يَرِدُ ختامها بالأدلة على قدرة الله تعالى على إعادة الخلق ، فانه تعالى خَلَق للانسان النعمَ التي لا تحصَى ليشكر ، فكفر وجحد . . . . ألا يَستدل من أنكرَ البعثَ بسهولة المبدأ! وأنا خلقناه من العدَم من شيء لا يُرى بالعين المجردة لصغرها فاذا هو يخاصم ويجادل!
ثم ضرب مثلا ينكر به قدرتنا على إحياء العظام بعد ان تبلى ، ونسيَ أنا خلقناه من العدم! . . .
{ قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ }
قال مجاهد وعكرمة وعمرو بن الزبير وقتادة : « جاء أُبَيّ بن خلق ( وهو من كبار مشركي مكة ) الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي يده عظم يفتُّه بيده ويذروه في الهواء ويقول : أتزعم يا محمد ان الله يبعث هذا؟ فقال الرسول الكريم : » نعم ، يُميتك الله ثم يبعثك ثم يحشُرك الى النار « ونزلت هذه الآية .
ثم أمر الله تعالى رسوله الكريم ان يقول لهم :
{ قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ }
فالذي خلق هذا الخلق من البدء قادرٌ على إحيائه بعد موته .
ثم ذكر دليلاً ثانيا يبطل إنكارهم فقال :
{ الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ }
ان من جعل لنا النار من الشجر الأخضر قادرٌ على ما يريد ، لا يمنعه شيء .
ثم جاء بدليل ثالث على قدرته أعجبَ من سابقَيه فقال :
{ أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بِقَادِرٍ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بلى وَهُوَ الخلاق العليم }
فإن خلْقَ هذا الكون الكبير العجيب لهو أعظمُ واكبر من خلق الانسان واعادته ، كما قال تعالى : { لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } [ غافر : 57 ] .
ثم بين ما هو كالنتيجة لما سلف من تقرير واسع قدرته ، واثبات عظيم سلطانه فقال :
{ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } .
فالله سبحانه وتعالى يخلق كل ما يريد بلا كلفة ولا جهد ، وليس هناك صعوبة ، وليس هناك قريب ولا بعيد ، فعندما يأمر بالشيء يكون بلا توقف ولا تردد .
وعندما اثبت لنفسه القدرة التامة والسلطة العامة نزّه نفسه عما وصفوه به ، فقال :
{ فَسُبْحَانَ الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }
فتنزيهاً للذي بيدِه مقاليدُ كل شيء ، وبقدرته مُلْكُ كل شيءٍ ، واليه المرجع والمصير .
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (10)
الصافات : جماعة الملائكة . فالزاجرات : من صِفات أعمال الملائكة . فالتاليات : من صفات أعمالهم ايضاً المشارق : مشارق الشمس وجميع الكواكب والنجوم ، لن الشمس تشرق كل يوم من جهة ، وكذلك المغارب لم يذكرها اكتفاء بتعدُّد المشارق . السماء الدنيا : اقرب سماءٍ لنا . مارد : متمرد . الملأ : الجماعة يجتمعون على رأي ، والمراد هنا الملائكة : يقذفون : يرجمون . دحورا : طرداً وابعادا . واصِب : دائم . خطف الخطفة : أخذ بسرعة على غِرة . الشهاب : الشعلة من النار ، والنجم المضيىء المنقضّ من السماء . ثاقب : مضىء . (3/146)
أقسَم الله سبحانه وتعالى بالملائكة المصطفّين في مقام العبودية ، الذين يردعون الناسَ عن الشر ، ويتلون آياتِه على الأنبياء أن الله المعبود واحدٌ ، لا شريك له ، هو رب السموات والأرض وما بينهما ، وربّ المشارق والمغارب .
وانه زيّن السماءَ الدنيا التي نراها بالكواكب وجعل هذه الكواكب حفاظاً للسماء من كل شيطان متمرد ، فلا يمكن للشياطين المتمرّدين التسمُّعُ الى ما يجري في عالم الملائكة ، واذا أرادوا ذلك رُجموا من كل جانب ، وطُردوا طرداً عنيفاً ، ولهم عذاب شديدٌ دائم ، الا من اختلس الكلمةَ من أخبار السماء فإننا نُتبعه بشهابٍ ثاقب يلحقه فيصيبه ويحرقه حرقا .
اما كيف يتم هذا كله فإننا لا نعرفه . . فهو من الغيبيات التي تعجز طبيعتنا البشرية عن تصوّر كيفياتها ، ونصدّق بها وبما جاء من عند الله .
قراءات :
قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر : بزينةِ الكواكب بجر زينة والكواكب مضاف اليه . وقرأ ابو بكر : بزينةٍ الكواكبَ بنصب الكواكب وجر زينة منونا . والباقون : بزينةٍ الكواكبِ بتنوين زينة مجردا وخفض الكواكب على البدل . وقرأ الكسائي وحمزة وخلف وحفص : لا يَسَّمّعون بفتح السين والميم وتشديدهما . وقرأ الباقون : لا يسمعون باسكان السين وفتح الميم بدون تشديد .
فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (11) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13) وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (15) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (18) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (19) وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (20) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26)
فاستفْهم : اسألهم . أشد خلْقا : أصعب خلقا . لازِب : لازم ثابت ، لاصق . اذا ذُكّروا لا يذكرون : اذا وُعظوا لا يتعظون . آية : معجزة . يستسخرون : يسخرون ، يستهزئون . داخرون : صاغرون . زجرة واحدة : صيحة واحدة . يا ويلنا : يا هلاكنا . يوم الفصل : يوم الحساب بين الناس . فاهدوهم : دُلّوهم . الى صراط الجحيم : الى طريق الجحيم . قِفوهم : احبسوهم في الموقف . لا تَناصرون : لا تتناصرون ، لا ينصر بعضكم بعضا . (3/147)
اسأل أيها الرسول هؤلاء المنكرين للبعث : أهُمْ اعصبُ خلقاً أم السمواتُ والأرض وما في هذا الكون الكبير! لقد خلقنا كل ذلك من لا شيء ، وخلقناهم من طين لاصقٍ بعضُه ببعض ، فأين هم من خلق هذا الكون العجيب!
{ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ }
بل عجبتَ أيها النبيّ من إنكارهم للبعث وهم يسخَرون من تعجّبك ويستهزئون . واذا وُعظوا ودعوا الى عبادة الله لا يتّعظون . واذا رأوا برهاناً على قدرة الله بالغوا في السخيرة والاستهزاء وقالوا : ما هذا الذينراه إلا سحر ظاهر ، وخدجعة من الخدع . أئذات مِتنا وصرنا تراباً وعظاماً سنُبعث مرة أُخرى من قبورنا ، وكذلك يُبعث آباؤنا الأولون الذين ماتوا من قرون قديمة!؟
{ قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ }
قل لهم ايها النبي : نعم ستبعثون جميعا وأنتم أذلاء صاغرون . فانما البعثة صيحة واحدة فاذا هم أحياء ينظرون الى ما كانوا يوعدون ، وعند ذلك يقولون : يا ويلنا هذا هو يوم القيامة الذي يفصَل فيه بين الناس ، والذي كنتم به تكذِّبون . ويقول الله للملائكة : اجمعوا الذين ظلموا انفسهم بالكفر ، وأزواجَهم وجميع من على شاكلتهم وما كانوا يعبدون من الاصنام وغيرها من دون الله - فقودوهم الى طريق جهنم ، مقرهم الأخير .
{ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ } عما كاناو يعملون في الدنيا من كفر والحاد وفساد . ويقال لهم { مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ؟ } لا ينصر بعضكم بعضا كما كنتم في الدنيا تفعلون! ولكنهم لا يستطيعون عمل شيء وينقادون مستسلمين أمر الله . قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : بل عجبتُ بضم التاء . والباقون : بل عبجتَ بفتح التاء . وقرأ ابن عامر : إذا متنا بهمزة واحدة ، والباقون : أإذا متنا بهمزتي نعلى الاستفهام . وقرأ نافع والكسائي ويعقوب : إنا لمبعوثون بهمزة واحدة والباقون : أإنا لمبعوثون . وقرأ ابن عامر أوْ آباؤنا الأولون : بسكون الواو .
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37)
عن اليمين : عن جهة الخير ، واليمينُ لها عدة معانٍ منها : اليد والجهة المقابلة لليسار ، والخير وغير ذلك . من سلطان : من قهر وتسلط . طاغين : متجاوزين الحدَّ في العصيان . فحق علينا : فوجب علينا . فأغويناكم : اضللناكم . (3/148)
وبعد ان بيّن الله تعالى أنهم يوم القيامة يندمون عندما يرون العذابَ - ذكر هنا أنهم يُقبلون على بعضهم البعض ، ويتلاومون ويتخاصمون ، ويسأل بعضهم بعضاً عن مصيرهم السيّىء ويقول التابعون للمتبوعين .
{ قالوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين }
قالوا لهم : إنكم كنتم تغشوننا وتأتوننا من الناحية التي نظنُّ فيها الخير واليمن ، لتصرفونا عن الحق الى الضلال .
فيرد عليهم الرؤساء بقولهم :
{ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ }
إنا ما أضللناكم بل كنتم أنتم بطبيعتكم مستعدّين للكفر .
{ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ }
وجبض علينا ما قاله الله في أننا لذائقون العذاب في هذا اليوم ، وكل ما فعلناه بكم أننا دعوناكم لتكونوا مثلنا فاستجبتم لدعوتنا ، فلا لومَ علينا . ويومئذ يكون التابعون والمتبوعون في العذاب مشتركين .
{ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين }
هذه سنةُ الله في خلقه ، يعطي كل عامل جزاء ما قدّمت يداه .
ان هؤلاء المجرمين كانوا اذا قيل لهم لا إله الا الله يستكبرون ويقولون : أنترك عبادةَ آلهتنا لقول شاعر مجنون!
ومن ثم يكذّبهم الله تعالى ويّرد عليهم بقوله :
{ بَلْ جَآءَ بالحق وَصَدَّقَ المرسلين }
بل جاءهم رسولهم بالحق الذي هو التوحيد الذي دعا اليه جميع الرسل ، وصدّق بذلك دعوة المرسَلين الذين جاؤوا قبله .
إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (38) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (44) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49)
بكأس : فيه شرابٌ صاف : من مَعين : من ماءٍ غزير . لذة : فيها لذة . غَوْل : ما ينشأ عن الخمر من صداع ، وهو الكحول . يُنزفون : لا تذهب عقولهم بالسُّكر . قاصرات الطرف : عفيفات . عِين : عيناء ، واسعات العيون جميلات . مكنون : مصون لا تمسّه الأيدي ، والمراد : اللؤلؤ . (3/149)
يبن الله تعالى هنا أنه لا فائدةَ من هذا الخصام والجدال فالعذابُ واقع بكم جميعا .
{ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }
وهذا هو العدل . . . كل غنسان يلاقي عمله ويجزى به .
بعد ذلك بيّن الله حال عباده المؤمنين العاملين ، وهم في جنات يتمتعون فيها بكل ما لذَّ وطاب من انوع الفواكه ، وفوق ذلك اكرامُ الله لهم في ضيافته . ويأتيهم ذلك الرزق الكريم وهم جالسون على سُرر متقابلين ، يتمتعون بطيّب الحديث ، يطوف عليهم الولدان بكأس من أجودِ الشراب في الجنة بألوان مشرقة ، لا تورث صُداعاً ولا تُذهب وعيَ شاربيها ، ويظلّون في هذا النعيم المقيم . ثم بيّن محاسنَ زوجاتهم ، لبيان تمام السرور فقال :
{ وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطرف عِينٌ }
ولديهم زوجاتٌ عفيفات لا ينظرن الى غير أزواجهن ، وهن في غاية الجمال ، بيضٌ كأنهن البيض النقيّ المصون . والعرب يشبّهون النساء البيض الخُود باللؤلؤ . قال الشاعر :
وبيضةِ خودٍ لا يرام خباؤها . . . . . . ... وقال الشاعر :
وهي بيضاء مثل لؤلؤة الغوّا ... ص ميزت من جوهرٍ مكنون
ويقول تعالى :
{ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون } [ الواقعة : 22 - 23 ] .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي وخلف : ينزِفون بكسر الزاي ، والباقون : يُنْزَفون بفتح الزاي على البناء للمجهول .
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (68)
قرين : صاحب . لمدينون : لمحاسَبون ، لمجزيّون . مطلعون : مشرفون . سواء الجحيم : وسط النار . لتُردِين : لتهلكني . لمحضَرين : لمسوقين للعذاب . نزلا : كل ما يهيأ للضيف . شجرة الزقوم : شجرة كريهة في جهنم . فتنة : محنة . أصل الجحيم : قعر جهنم . طلعُها : ثمرها . رؤوس الشياطين : في قبح الشياطين ، والعربُ تشبه كل قبيح بالشيطان . الشوْب : الخلط . الحميم : الحار . مرجعهم : مصيرهم . (3/150)
لا يزال الحديث عن أهل الجنة ، فإنهم وهم في متعتهم وسرورهم ، يساءلون عن أحوالهم وكيف كانوا في الدنيا . قال قائلم منهم : كان لي صاحب من المشركين يجادلني في ادين ويقول : أإنك لمن الذين يصدّقون بالبعث بعد الموت وبالحساب والجزاء!! وهل بعد ان نموت ونصير تراباً وعظاماً بالية نحيا مرةً لنحاسَب على ما قدّمنا من عمل!! . فيتطلّع ذلك المؤمن ويدعو اخوانه ان يتطلعوا معه .
{ فاطلع فَرَآهُ فِي سَوَآءِ الجحيم }
حينما رآه قال : تاللهِ لقد كدتَ تهلكني لو أطعتك على الكفر معك ، ولولا نعمةُ ربي بأن هداني للايمان بالله والبعث لكنتُ مثلك من المحضَرين في العذاب .
ثم يقول لجلسائه تحدثاً بنعمة ربه عليه وعلى مسمعٍ من قرينه :
{ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأولى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ }
لقد اجتزنا الامتحان بنجاح والحمد لله ، فلا موتَ بعد الموتة الأولى ولا تعبَ بعد اليوم .
{ إِنَّ هذا لَهُوَ الفوز العظيم لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ العاملون }
وفي معنى هذه الآية يتوضح اكثر قوله تعالى : { لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الجحيم فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم } [ الدخان : 56 ] .
اما كيفية رؤية أهل الجنة لأهل النار وبينهم مسافاتٌ شاسعة فإنها من الغيبيات اليت تخالف وضعنا وحياتنا ، ونحن لا نعرف كيف تجري احوال الدار الآخرة جميعهان ولا نستطيع فهمها .
ثم بيّن أحوال أهل جهنم وما يلاقون فيها من العذاب الدائم ليظهر الفرقُ بين أهل النعيم واهل الجحيم ، فقال :
{ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزقوم؟ . . . . }
اهذا الرزقُ الذي ناله أهل الجنة خيرٌ أم حالُ أهلِ النار الذين يأكلون من شجرة الزقوم التي جعلناها فتنةً وبلاء للكافرين!؟ والزقّوم شجرةٌ تنبت ف وسط الجحيم ، ثمرها قبيح المنظر كريه الصورة كأنه رؤوس الشياطين . ومن ثمرها يأكل الكفار . وهم يملأون بطونهم منه ، فاذا عطشوا وأرادوا شرب الماء ، يغاثون بماء حار مشوب باخلاط من جهنم يشوي وجوههم ، وتتقطع منه أمعاؤهم ، كما قال في سورة الكهف 29 { وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل يَشْوِي الوجوه بِئْسَ الشراب وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً }
إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (71) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (74) وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (82)
يُهرعون : يسرعون . وتركنا عليه : ابقينا لنوحٍ ذكراً جميلا . (3/151)
ان هؤلاء الجاحدين وجدوا آباءهم ضاليّن ، فاقتفوا آثارهم من غير ان يستعملوا عقولهم ، بل مقلّدين غير مستبصرين . فهم وآباؤهم صورة من صور الضلال التي يمثلها اكثر الأولين . ولقد أرسلنا في هذه الامم الخالية رسُلا ينذرونهم ، فكذّبوهم ، فانظر كيف كان مآل الذين أنذرَتْهم رسلُنا . . لقد هلكوا فصاروا عِبرةً للأولين والآخرين .
ولكنْ هناك مؤمنون استخلصهم الله ، ففازوا بثوابه . ثم يذكر بعد ذلك بعض قصص الأنبياء باختصار للعبرة والذكرى .
ولقد نادانا نوح حين يئس من قومه ، فكنّا له نعم المجيبين ، ونجيناه ومن آمن معه من الغرق والطوفان ، وجعلنا ذرّيته هم الباقين في الأرض ، وتركنا له ذِكراً جميلا في العالم الى يوم القيامة .
وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)
من شيعته : من جماعته الذين ساروا على منهاجه . سليم : سالم من جميع العلل والآفات النفسية . أئفكاً : اكذبا . سقيم : مريض . راغ الى : مال اليهم سرا . وراغ عليهم : مال عيهم ضربا ، وراغ لها معان اخرى . باليمين : بقوة وشدة . يزِفّون : يسرعون . (3/152)
وان من شيعة نوحٍ الذي ساروا على نهجه ابراهيمَ عليه السلام ، اذ أقبل على ربه بقلبٍ طاهر خالٍ من كل سوء ، وانكر على قومه وأبيه ما يعبدون من الاصنام ، وقال لهم : اتعبدون آلهةً غير الله كذباً وزورا! .
{ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ العالمين } حى تعبدوا غيره من هذه الاصنام .
{ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النجوم } ليستدل بها على خالق الكون ، فوجدها متغيرة متحولة .
{ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ } من هذ الاحوال ومن عبادة غير الله .
فأعرض عنه قومه وتركوه . فذهب مستخفيا الى اصنامهم وسألهم مستهزئا فقال لهم : { أَلا تَأْكُلُونَ؟ مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ } ؟ لماذا لا تتكلمون؟ . فمال عليهم بضربٍ شديد فكسّرهم حتى حطمهم جميعا . فأقبل قومه اليه مسرعين يعاتبونه على ما ارتكب في شأن آلهتهم . فقال لهم ابراهيم ، موبخا لهم : أتعبدون ما تنحتونه بأيديكم من حجارة ، واللهُ خلقكم وخلقَ ما تصنعون بأيديكم ، أين عقولكم!!
فلما أعجزتْهم الحيلةُ ولزمتْهُم الحجة قالوا : ابنوا له بنيانا ، واملأؤه ناراً وألقوه فيها . لقد أرادوا ان يحرقوه وينتقموا منه ، فأنجاه الله من النار بعد أن ألقوه فيها ، { فَجَعَلْنَاهُمُ الأسفلين } . وقال ابراهيم لمّا يئس من ايمانهم : إني مهاجرٌ إلى ربي ، وهو سيهديني إلى الخير والمقر الأمين .
قراءات :
قرأ حمزة : يزِفون بضم الياء . والباقون : يَزفون . وهما لغتان .
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)
فلما بلغ معه السعي : فلما أدرك وكبر . أسلما : استسلما لأمر الله . تلّه : كبّه على وجهه . صدّقت الرؤيا : حققت ما طلب منك . البلاء المبين : الاختبار الواضح . بِذبح : حيوان يُذبح . باركنا عليه : أفضنا عليه البركات . (3/153)
لا يزال الكلام عن سيّدنا إبراهيم بعد أن نجّاه الله وهاجر الى ربه ، وكان وحيداً لم يُرزق ذرية ، فاتجه الى ربه يسأله الذريةَ الصالحة ، فاستجاب الله دعاءه بقوله : { فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ } هو اسماعيل . وكان كما قال تعالى : من الصالحين . وشبّ وكبر ، ولما بلغ مبلغ الرجال قال له أبوه إبراهيم : يا بنيّ ، إني رأيت في المنام وحياً يطلب مني أن أذبحك تقرباً الى الله ، فانظر ماذا ترى؟ . فقال اسماعيل : يا أبت ، افعلْ ما تؤمر به ، { ستجدني إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين } . فلما استسلما وانقادا لأوامر الله وقضائه ، ووضع ابراهيمُ ابنَه على الأرض ليذبحه ( وبذلك نجح ابراهيم وابنه في الامتحان ) ، ناداه الله تعالى { أَن ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيآ } وحقّقتها فعلا . وعلم الله بذلك صِدْق ابراهيم واطاعة ابنه له ولربه .
{ كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين }
نجزيهم أحسنَ الجزاء لقاءَ إطاعة اوامرنا ، ونجزيهم بتوجيه قلوبهم ورفعها الى مستوى الوفاء .
ثم بين الله عظيم صبر إبراهيم على امتثال امر ربه مع ما فيه من عظم المشقة فقال :
{ إِنَّ هذا لَهُوَ البلاء المبين وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ }
ما دمت يا ابراهيم قد جُدْتَ بأعزّ شيء عندك ، وهو ابنك الوحيد ، ( وما أعظم هذا الابتلاء الذي ابتليناك به أنت وولدك ) فقد امرنا افتداءه بكبش عظيم . واصحبت تلك سُنّةٌ له ولمن جاء بعده ، وهي سنة النحر في عيد الأضحى ، ذكرى لهذا الحادث العظيم .
{ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين }
وابقينا له الثناءَ والذِكر الحسن على الألسنة الى يوم القيامة ، فهو مذكور على توالي الاجيال والقرون . { سَلاَمٌ على إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين } .
سلام عليه من ربه يسجَّل في كتابه الباقي الى يوم الدين .
وكرر الله قوله تعالى : { كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين } على الوفاء والطاعة والاستقامة بالذكر الحسن والسلام والتكريم . فانه من عباد الله المؤمنين حقا .
ثم يتجلى عيله ربه بفضله مرة أخرى فيهبُ له ( إسحاق ) في شيخوخته ، ويباركه ويبارك ذريته : { وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وعلى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ } .
وفي ذلك تنبيه الى ان النسب لا أثر له في الهدى والضلال ، وان الظلم في الأعقاب لا يعود الى الأصول بنقيصة ، { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } [ الأنعام : 164 ] [ الإسراء : 15 ] [ وفاطر : 18 ] .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : ماذا تُرِي بضم التاء وكسر الراء . والباقون : ماذا ترى : بفتح التاء والراء .
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116) وَآَتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآَخِرِينَ (119) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122) وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (126) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (129) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132)
الكرب : الشدة . المستبين : الواضح . بعلاً : اسم الصنم الذي كانوا يعبدونه . (3/154)
في هذه الآيات الكريمة يتحدّث القرآن الكريم عن سيدنا موسى وهارون وإلياس . وقد تقدّم الكلام عن موسى اكثر من مرة ، وهنا ذُكر باختصار . اما الياس فقد ذكر مرة في سورة الانعام بقوله تعالى : { وَزَكَرِيَّا ويحيى وعيسى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصالحين } وهنا في عشر آيات .
والمعنى : ولقد تفضلنا على موسى وهارون ، ونجّيناهما وقومهما من فرعون وقومه بعد ان كانوا في كرب عظيم من الظلم والاضطهاد ، ثم نصرناهم على الكافرين . وآتينا موسى وهارون التوراة ذات البيات العظيم { وَهَدَيْنَاهُمَا الصراط المستقيم } وأبيقنا لهما لاذكر الحسن والثناء الجميل .
{ سَلاَمٌ على موسى وَهَارُونَ }
اننا على هذا النحو نكافىء المحسنين ، انهما من عبادنا المؤمنين .
قال ابن جرير : ان الياس من انبياء بني اسرائيل ، ويقول بعضهم : إنه إدريس الذي جاء ذكره في سورة مريم والأنبياء ، فنصح قومه ان يتركوا عبادة صنمهم بعل ، ويعبدوا الله ، فكذّبوه ، فجزاؤهم جهنم يوم القيامة الا قوما منهم أخلصوا العمل لله وأنابوا اليه .
إل ياسين : لغة في الياس .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي ويعقوب وحفص : الله ربكم ورب بالنصب ، والباقون بالرفع . وقرأ نافع ويعقوب وابن عامر : سلام على آل ياسين بمد همزة آل والاضافة . والباقون : إلْ ياسين . فمن قرأ آل ياسين : يكون معناه آل محمد ، وقال بعضهم آل القرآن .
وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148)
في الغابرين : الباقين مع الكافرين . مصبحين : في وقت الصباح . إذ أبقَ : هرب من سيده . المشحون : المملوء . فساهَمَ : ضرب اهل السفينة القرعة . المدحَضين : المغلوبين . مُليم : فَعَلَ ما يستحق عليه اللوم . العَراء : المكان الخالي . يقطين : اليقطين : كل ما لا ساق له من النبات ، وغلب على القرع . (3/155)
وقد نجينا لوطاً وأهله إلا امرأته العجوز التي بقيت مع الهالكين ، ثم دمّرنا قومه . وإنكم يا مشركي قريش لتمرون على أطلال بيوتهم بسَدوم في البحر الميت في طريقكم إلى الشام . وقد تقدم ذكرُ لوط في سور الاعراف وهود والعنكبوت .
{ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المرسلين }
إذ يئس من هداية قومه فهرب منهم قبل ان يأذن له الله ، وركب في سفينة مملوءة بالمسافرين والامتعة ، فوقفت السفينة ولم تتحرك ، فقال ركابها : ان هنا رجلاً هارباً من سيده . فعملوا قرعة بينهم ، فخرجت القرعة على يونس ، ورمى بنفسه في البحر فالتقمه الحوت .
{ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين }
لولا ذلك لبقي في بطن الحوت الى يوم القيامة . فَلَفَظَه بأرض خالية من النبات ، وهو سقيم من شدة ما لقي في بطن الحوت .
{ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ } .
وبعد ان شفي أرسلناه الى اهل نينوى ، وهم اكثر من مائة الف ، فآمنوا به فمتعناهم الى وقت معلوم .