صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
وهكذا صدقت نبوءةُ القرآن الكريم عن غلبة الروم في أقلَّ من عشر سنين ، وفي هذا اكبرُ دليلس على ان القرآن كتابُ الله ، وان هذه النبوءة جاءت من لدن مهيمنٍ على كل الوسائيل والأحوال ، ومَن بيده قلوبُ الناس وأقدارُهم . (3/77)
{ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون بِنَصْرِ الله }
فقد فرح المؤمنون بنصرهم في معركة بدر ، وجاءتهم الأخبارُ في نفسِ التاريخ بنصرِ الروم على الفُرس ، فكان ذلك فرحاً عظيماً بنصرهم على قريش ، بوصدق نبوءةِ القرآن الكريم .
{ ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ }
{ وَعْدَ الله لاَ يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ }
ذلك النصرُ وعدٌ من الله للمؤمنين فلا بدّ من تحققه في واقع الحياة ، فالله تعالى لا يُخلفُ وعده ، ولكن اكثر الناس لا يعلمون ، ولو بدا في الظاهر انهم يعرفون الكثير من امور الدنيا .
{ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحياة الدنيا }
ثم لا يتجاوزون هذا الظاهرَ ولا يرون ببصيرتهم ما وراءه . وظاهرُ الحياة الدنيا محدودٌ صغير ، مهام بدا للناس واسعاً شاملا . فما هذه الأرض بل هذا النظام الشمسي بأجمعه - الا ذرةً في هذا الكون الكبير الذي لا نعرف عنه شيئا . . . .
{ وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غَافِلُونَ }
فالآخرة حياةٌ ثانية تختلف عن كل ما نرى وما نعلم ، وهي صفحة من صفحات الوجود الكثيرة ، وصاحبُ الحظ من تزوّد لها ، وعمل لها الأعمال الصالحة ، { فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى } .
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (10) اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (12) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (13) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (16)
أثاروا الأرض : حرثوها وأصلحوها . عمروها : بالبناء والعمران . السَّوأى : الحالة السيئة ، وهي مؤنث الاسوأ . يُبلِسُ المجرمون . ييأس المجرمون . في روضة : الروضة هي الأرض ذات النبات والماء المعني في رضوان الله . يحبُرون : يسرون . محضَرون : مدخلون فيه . (3/78)
لمّا أنكَرَ المشركون الإله ، والبعث كما قال { وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غَافِلُونَ } ، أردف هذا بأن الأدلة متظاهرةٌ ومحسوسة في الأنفس والآفاق على وجوده وتفرده بخلْقها ، وأنه لا إله غيره ولا رب سوا . وأن الأنفسَ لم تُخلق سدى ولا باطلا ، بل بالحق ، وأنها مؤجَّلة الى اجل محدودٍ هو يوم القيامة . ثم امرهم بالسير في اقطار الأرض ليعلموا حالَ المكذبين من الأمم قبلهم ، وقد كاناو أشد منهم قوة ، وزرعوا الأرض وعمروا البلاد اكثر من قريش - لكنّهم كذبّوا رسلهم فأهلكهم الله ، ثم كانت نهايتُهم . فلتأخذ قريش عبرة من ذلك .
قراءات :
قرأ ابن عامر والكوفيون : ثم كان عاقبةَ بالنصب ، والباقون : عاقبةُ بالضم .
{ الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . . . . الآيات } .
يبين الله ان هناك حياةً ثانية فيها الحسابُ والجزاء ، وان الله قادر على اعادة هذا الخلق يوم القيامة كما بدأ إنشاءه . ثم يبيّن ما يكون حين الرجوع إليه من إبلاس المجرمين ويأسِهم من الدفاع عن انفسهم ، وان شركاءهم لا ينفعونهم ولا يستطيعون الدفاع عنهم ، بل يكفرون بهم . يومئذٍ ينقسم الناس الى فريقين : فريقٍ في الجنة عند ربهم في عيشى راضية ، وفريقٍ في السعير وبئس المصير .
فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25)
تمسون : تدخلون في وقت المساء . تُصبحون : تدخلون في وقت الصباح . عشياً : من صلاة المغرب الى العتمة . وحين تُظهرون : تدخلون في وقت الظهيرة . من أنفسِكم : من جنسكم . لتسكنوا اليها : لتأنسوا بها وتطمئنوا اليها . (3/79)
سبِّحوا اللهَ أيها الناس في وقت المساء ، وفي الصباح ، لتَجَلِّي عظمتِه في هذين الوقتين اكثر من كل وقت ، واحمَدوه أثنوا عيه بما هو أهله في وقت الظهر وفي الليل . وتدل هذه الاوقات على اوقات الصلوات الخمس كام روي عن ابن عباس : ( حين تُمسون ) صلاة المغرب والعشاء ، و ( تصبِحون ) صلاة الفجر ، ( وعشياً ) صلاة العصر . ( وحين تظهِرون ) صلاة الظهر .
انه هو الذي يخلق الحيَّ من الجسم الميت ، ويخلق الميتَ من الحيّ ، ويحيي الأرضَ بالمطر بعد موتها ، { وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ } ومثلُ ما تقدَّمَ من إخراج الحيّ من الميت وإحياء الأرض بعد موتها كذلك يُخرجكم الله من قبوركم الى الحاسب والجزاء .
ومن آياته انه خلقكم من ترابٍ ميت لا حراك به ، ثم إذا انتم بشرٌ أحياء تنتشرون في الأرض وتعملون . ومن آياته أنه خلق لكم من جنسِكم أزواجاً لتأنسوا بها ، وجعل بينكم مودّة ورحمة . ومن آياته الكبرى خلثُ السموات والأرض من العدَم ، على ما فيها من إبداع وجمال ، وعَظَمةٍ وجلالٍ ، واختلافُ ألسِنتكم والوانكم وما يتبع ذلك من تخالفكم في طبائعكم وعاداتكم . ومن آياته أنه هيّأ لكم أسبابَ الراحة بمنامكم ، ويسّر لكم طلب الرزِق ليلاً ونهارا من فضله الواسع . ومن آياته انه يريكم البرقَ من خلال السحاب ، تخويفاً من صواعقه ، وطمعاً في المطر ، وينزّل لكم من السماء ماء فيحيي به الأرضَ بعد يبسها .
كل هذه الآيات لقوم يتفكرون ، ويسمعون ويعقلون ويعلمون ، فالله تعالى ينير العقل والعلم والفكر للوصول الى الحق . أما الجاهلون الغافلون الجاحدون فإنهم من كل ذلك مبعَدون .
ومن الدلائل على كمال قدرته تعالى وسعة رحمته ان تقوم السماءُ بأمره على ما ترون بأعينكم من صَنعةٍ محكمة ، وتدبير دقيق منتظم . ثم اذا دعاكم للبعث تخرجون من القبور مسرعين مستجيبين لدعائه .
قراءات :
قرأ حفص : للعالِمين بكسر اللام . والباقون : للعالَمين بفتح اللام .
وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29)
قانتون : طائفون منقادون . المثل الأعلى : الوصف الارفع ، الصفة العليا لا يشاركه فيها احد . مما ملكت أيمانكم : من العبيد . (3/80)
ولله كلُّ من في السموات والارض من الأحياء والجمادات كلٌّ له خاضعٌ منقاد . وهو الذي يبدأ الخلق على غير مثال ، ثم يعيده بعد الموت ، والاعادةُ أهونُ عليه من البدء . وله الوصف الأرفع لا يشاركه احد فيه .
{ وَهُوَ العزيز الحكيم } لا يغالَب ولا يغلَب ، حكيم في تدبيره وتصريف شئونه فيما اراد .
لقد بين لكم الله مثلا منتزعا من أنفسكم : هل لكم من عبيدِكم شركاءَ في أموالكم فأنتم وهم سواء في التصرف فيها ، تخافون منهم الاستبدادَ في التصرف فيها كما يخاف بعضكم بعضا؟ اذا كان أحدكم يأنف ان يساويه عبيدُه في التصرف بأمواله ، فكيف تجعلون لله أنداداً من خلقه؟ { كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } .
ثم بيّن الله ان المشركين إنما عبدوا غيره سَفَهاً من أنفسهم وجهلاً بغير علم فقال :
{ بَلِ اتبع الذين ظلموا أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ الله } ؟ لا أحد . . . .
{ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } ليس لهم من يشفع لهم ويدفع عنهم عذابَهُ يومَ القيامة .
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)
أقمْ وجهك للدين : أَقبل عليه وأخلص له . حنيفا : مائلا من الشر الى الخير ، بعيدا عن الضلال . فطرةَ الله : خلقة الله . القيم : المستقيم . منيبين : راجعين اليه بالتوبة ، واخلاص العمل . فرّقوا دينهم : اختلفوا فيما يعبدونه . شيعا : فرقا مختلفة . (3/81)
وتوجّه يا محمد الى هذا الدين المستقيم ، بعيداً عن العقائد الزائفة ، فهو دينُ الفطرة التي خلق الله الناس عليها ، وهي الاسلام .
{ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ }
لذا يحسبون ان الدِين أمرٌ معقّد يحتاج الى وسطاء بين الله وعباده ليفسروه لهم ويهدوهم اليه . أما هذا الدين فهو يصل الانسان بالله دون واسطة .
ولما كان الخطاب للرسول الكريم وأصحابه رجع الى صيغة الجمع فقال : { مُنِيبِينَ إِلَيْهِ } أي : أقيموا وجوهكم للدّين تائبين الى الله ، واتقوه ، واقيموا الصلاة ، ولا تكونوا من المشركين الذي اختلفوا في دينِهم وكانوا فِرقاً واحزبا { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي وابن عامر : من الذين فارقوا ، بالالف . والباقون : فرّقوا بتشديد الراء .
وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40)
منيبين اليه : راجعين اليه بالتوبة . سلطانا : حجة وبرهانا . يَقدر : يضيق . ابن السبيل : المسافر الذي انقطع عن ماله وأهله . الربا : الزيادة . المضعِفون : الذين يضاعف الله لهم الأجر . (3/82)
في هذه الآيات الكريمة صورةٌ للنفس البشرية وتقلُّب الأهواء في السّراء والضراء وعند قبْضِ الرزق وبسطِه . فبعد أن أرشد الله سبحانه الى التوحيد ، وأقام الادلة عليه ، وضرب المثل له - أعقبه هنا بذِكر حال للمشركين يُعرفون بها ، وهي أنهم حين الشدة يتضرعون الى ربهم وينيبون اليه ، فإذا خَلَصوا منها رجعوا الى كفرهم واوثانهم . لذلك خاطبهم الله بصورة الأمر مع التهديد بقوله : { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } .
فليضِلّوا ما شاؤا ، فان لهم يوماً يرجعون فيه إلى ربهم . . . . تمتّعوا كما تشاؤن ، فسوف تعلمون عاقبتكم .
ثم انكر على المشركين ما اختلقوه من عبادةِ غيره بلا دليل فقال :
{ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ }
هل أنزلنا على هؤلاء الذين يشركون في عبادتنا الأوثانَ والأصنامَ كتاباً فيه تصديقٌ لما يقولون ، حتى يكون لهم شبه العذر فيما يفعلون!!
ثم ذكر حالَ طائفة من الناس دون سابقيهم ، وهم من تكون عبادتُهم الله رهنَ إصابتهم من الدنيا . . . فإن آتاهم ربهم منها رَضُوا وفرحوا ، واذا مُنعِوا سَخِطوا وقنِطوا فقال :
{ وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ }
فلو انهم آمنوا ايمانا صادقاً لسلَّموا أمرهم الى الله واستراحوا . وفي الحديث الصحيح :
عجبا للمؤمن ، لا يقضي الله له قضاءً الا كان خيراً له ، فان أصابته سراء شكرَ فكان خيرا له ، وان اصابته ضراء صبر فكان خيراً له .
{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }
وهذا انكارٌ من الله على هؤلاء الناس لما يلحقهم من اليأس والقنوط . . . . ألم يشاهِدوا ويعلموا ان كل شيء بيدِ الله؛ يوسف الرزق على من يشاء ، ويضيقه على من يشاء بحسب ما تقتضيه حكمته!!
{ فَآتِ ذَا القربى حَقَّهُ والمسكين وابن السبيل ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله وأولئك هُمُ المفلحون }
بعد ان بيّن الله تعالى انه هو الذي يرزق ويمنع - بيّن هنا الطريقَ الذي به تزداد أموالهم فيه وتربح ، فاذا كان المال مالَ الله أعطاكم إياه ، فأعطوا الأقرباءَ من الفقراء ، والمساكين الذين لا يعملون ، والغريبَ المسافرَ الذي نفد مالُه ولا يستطيع ان يرجع الى بلده . . . أعطوهم مما آتاكم الله ، ذلك هو الخيرُ للذين يريدون رضا الله ويطلبون ثوابه ، والفاعلون له هم الفائزون بالنعيم المقيم .
وقد جاء في الحديث الصحيح : « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا » رواه البخاري ومسلم .
{ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ الناس فَلاَ يَرْبُو عِندَ الله وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فأولئك هُمُ المضعفون } .
وما أعطيتم من مال ليزيد وينمو في أموال الناس على طريق التسليف بفائدةٍ فانه رِبا حرّمه الله ولا يمكن ان يزيدَ لكم عند الله . أما ما أعطيتم من صدقاتٍ تبتغون بها وجه الله فهو الذي يضاعِف الله به حسناتكم أضعافا مضاعفة . (3/83)
ولما بين الله انه لا زيادة الا فيما يزيده ، ولا خير الا في الطريق المستقيم والبذل في سبيله - أكد ذلك بقوله :
{ الله الذي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ } ؟
إنه الله ، هوالذي خلقكم ثم أعطاكم الرزق الذي تعيشون به ، ثم يقبض أرواحكم في هذه الدنيا ، ثم يحييكم يوم القيامة ، فهو الذي يستحق العبادة . . . . هل يستطيع احدٌ من الذين تبعدونهم ان يعمل لكم شيئاً مما ذكر؟ الجواب : لا . { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } ؟
قراءات :
قرأ الكسائي وابو عمرو : يقنِطون بكسر النون ، والباقون : بضمها . وقرأ ابن كثير : وما أتيتم بالهمزة دون مد ، والباقون : وما آتيتم بالمد . وقرأ نافع ويعقوب : لتربو بالتاء . والباقون : ليربوا بالياء . وقرأ حمزة والكسائي : تُشركون بالتاء . والباقون : يُشركون .
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45)
الفساد : الخلل والاضطراب وإلحاق الضرر بالغير ، والجدب والقحط والظلم والبغي . لعلّهم يرجعون : لعلهم يتوبون . لا مردّ له : لا يقدر احد ان يرده . يصّدّعون : يتصدعون ، يتفرقون . يمهَدون : مهد الفراش : وطأهُ ، ومهد لنفسه خيرا : هيأه . (3/84)
يبّين الله تعالى هنا ان الفسادَ يظهر في الأرض متمثِّلاً بالظلم والبغي والبؤس والفقر والقلق والحيرة ، وذلك بسبب ما كسَبت أيدي الناس من الذنوب ، وتركِهم لأوامر الله ، والبعدِ عن دينهم .
إذن فإن الفساد في العباد إنما كان نتيجةَ أفعالهم . من ثَم أرشدهم الله الى ان من كان قبلَهم ممّن كانت أفعالُهم كأفعالهم - قد أصابهم الله بعذاب من عنده ، وصاروا مثلا لمن بعدهم وعبرة لمن خلفهم فقال :
{ قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ }
قل يا ايها النبي للمشركين : سيروا في نواحي الأرض ، فانظُروا كيف كانت نهايةُ الذين مضَوا قبلكم؟ لقد أهلكهم الله وخرّب ديارهم لأن اكثرهم كانوا مشركين مثلكم .
{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينَ القيم مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ }
اسلك ايها الرسول الطريقَ المستقيم الذي رسمه لك ربكن وهو الدين الكامل ، منقبلِ ان يأتي يوم لا يستطيع احد ان يرده ، هو يوم الحساب . يومئذ يتفرق الناس بحسب اعمالهم { فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير } [ الشورى : 7 ] .
ثم بين أن ما ناله كل منهم من الجزاء كان نتيجةً حتمية لعمله فقال :
{ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ }
إنهم يهيّئون لأنفسهم الخيرَ وهم في الجنة خالدون .
{ لِيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الكافرين }
وهذا سيكون يوم القيامة ، حيث يياقي كل انسانٍ ما عمله حاضراً .
قراءات :
قرأ ابن كثير ويعقوب : لنذيقهم بالنون . والباقون : ليذيقهم بالياء
وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (51)
فتثير : تحرك . فيبسطه : فينشره . كسفا : قطعا . الودق : المطر . من خلاله : من بينه من بين السحاب . لَمبلسين : لآيسين ، مفردُها : مبلس ، وهو المتحسر الآيس . (3/85)
{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرياح مُبَشِّرَاتٍ . . . . الآية }
من الدلائل على قدرة الله ورحمته انه يبعث الرياحَ مبشّراتٍ بالمطر الذي يسقيكم ويروي زروعكم ، ولتجري فيه السفن في البحار . كذلك تلطلبوا الرزق من فضل الله بالتجارة وغيرها ، واستغلال ما في البر والبحر ، ولتشكروه على نعمه التي لا تحصى . { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا } سورة ابراهيم 34 .
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بالبينات فانتقمنا مِنَ الذين أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين الله الذي يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السمآء كَيْفَ يَشَآءُ . . . . الآيات } .
ان الله تعالى يجمع في هذه الآيات بين ارسال الرياح مبشرات بالغيث والخير ، وارسال الرسل الكرام بالحجج والبينات مبشرين ومنذرين ، ونصرِ المؤمنين بالرسل ، وانزال المطر الذي يحيي الارض ، واحياء الموتى بعثهم ، ( وهذا كله من رحمة الله بالعباد . وكلها تتبع سُنة الله ) . وبين نظام هذا الكون البديع ، ورسالات الرسل بالهدى ، ونصر المؤمنين - صلةٌ وثيقة ، وكلها من آيات الله ، ومن نعمته ورحمته ، وبها تتعلق حياتهم ، وهي مرتبطة كلها بنظام الكون البديع .
فالله سبحانه يحمي عباده المؤمنين ، وينتقم من المجرمين ، ويتعهد بنصر المؤمنين ، ولكن اين المؤمنون؟
لو أن المؤمنين حضروا فكرة وجهادا ، وتعاونوا تعاونا وثيقا كالجسد الواحد على هدف واحد لنصرهم الله كما وعد هنا ، ووعدُه الحق .
{ الله الذي يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً . . . . }
ان الله تعالى يرسل الريح فتحرك السحاب فينشره الله في السماء ، حتى اذا تكاثف وبرد الجو انزل الله المطر في المكان الذي يريده من الأرض ، فيبشر الناس بالخصب بعد ان يكونوا يائسين قبل نزول المطر . وبالمطر يحيي الله الأرض بعد موتها ، وكذلك سيحيي الموتى يوم القيامة { وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .
{ وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ } .
ولئن ارسلنا ريحا عاصفة مضرة بالنبات فرأوا زرعهم مصفرا جافا ، لظلوا من بعده يكفرون بالله وبرحمته ، وكان الأجدر بهم ان يصبروا ويسألاو الله من فضله فانه رحيم بعباده .
قراءات :
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي : ومن آياته يرسل الريحَ : بالافراد ، والباقون : الرياح بالجمع . وقرأ ابن عامر : ويجعله كِسْلإا بسكون السين . الباقون : كِسَفا بفتحها . وقرأ حمزة والكسائي وحفص : فانظر الى آثار ، بالجمع . والباقون : الى أثرِ ، بالافراد .
فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (53) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (56) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآَيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (59) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (60)
{ فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى . . . } مر في سورة النمل في الآية 80 و 81 بالنص . (3/86)
فالله تعالى هنا بعد تصوير تقلبات البشر وفق أهوائهم ، وعدم انتفاعهم بآيات الله وحججه ، يتوجه بالخطاب الى رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام يسلّيه عن إعراض المشركين من قومه وانهم كالموتى والصم لا يسمعون ، ولا يهتدون ، ولا يرجعون عن ضلالهم ، وانما الذي يسمع ويستجيب من يؤمن بآيات الله . اولئك هم المسلمون الصادقون ، المطيعون لأوامر الله ورسوله
{ الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ العليم القدير }
والله تعالى خلق الأنفس في اطوارها المختلفة من ضعف الى قوة ثم يتغير حالها من قوة في حال الشباب الى ضعف ، ثم الى الشيخوخة وهرم وشيبه ، انه يخلق ما يشاء وهو العلم بتدبير خلقه ، القدير على ايجاد ما يشاء ، وفي هذا اكبر الأدلة على قدرته تعالى .
{ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ }
ويوم تقوم القيامة ويبعث الله من في القبور ، يحلف المجرمون انهم ما لبثوا في قبورهم أو في الدنيا غير ساعة من الزمن ، والواقع انهم لبثوا عمراً مديدا . كذلك كانوا يُصرفَفون عن الحقّ في الدنيا فلا يرون الشيء على حقيقته .
ثم بين ما يقوله المؤمنون لهم ويتهكمون عليه فقال :
{ وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم والإيمان لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ الله إلى يَوْمِ البعث فهذا يَوْمُ البعث ولكنكم كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ } .
وقال الذين أتاهم الله العلم والايمان . لقد لبثتم في حُكم الله وقضائه في قبوركم من يومِ مماتكم الى يوم القيامة ، فإن كنتم تنكرونه فهذا هو يومُ البعث الذي انكرتموه ، ولكنكم كنتم في الدنيا لا تعلمون انه حق .
{ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ الذين ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ }
ان يوم القيامة لا ينفع فيه عذر ولا تُقبل شكوى ، ولا يُسترضون ولا يعاتَبون بل يذهبون الى جهنم وبئس المصير . { وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ المعتبين } [ فصلت : 24 ] ، فلا عذر ولا إقالة .
{ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ الذين كفروا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } .
ولقد بينالهداية الناس في هذا القرآن كل مثل يرشدهم الى طريق الهدى ، ولكنهم أعرضوا وكذبوا . ولئن جئتهم يا محمد بالآيات المعجزة الواضحة - ليقولنّ الذين كفروا ما أنت واتباعك الا مبطلون في دعواكم . كذلك يختم الله على قلوب الذين لا يعلمون حقيقة ما تأتيهم من العبر والعظات ، والآيات البينات .
ثم ختم السورة بأمر الرسول الكريم بالصبر على أذاهم ، وعدم الالتفاتِ الى عنادهم حتى يأتي وعدُ الله فقال :
{ فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الذين لاَ يُوقِنُونَ }
اصبر ايها النبي على أذاهم ، انّ وعد الله بنصرك واظهار الاسلام على كل دين وعدٌ حق لا يتخلق ابدا . ( والصبر وسيلة المؤمنين في جهادهم ودعوتهم الى الله ) ، ولا يحملنّك الذين لا يؤمنون على القلق والخفة وعدم الصبر . وفي هذا ارشاد للنبيّ عليه الصلاة والسلام ولنا وتعليمٌ بان نتلقى المكاره بصدر رحب وسعة حلم . . والله ولي الصابرين والحمد الله رب العالمين .
الم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11)
لهو الحديث : كل ما يصد عن ذكر الله والحق . سبيل الله : دينه . هُزُوا : سخرية . وقْرا : صمما يمنعهم عن السماع . الرواسي : الجبال . تَميد : تضطرب . بثّ : فرّقز زوج كريم : صنف حسن . (3/87)
{ الم }
تقدم اكثر من مرة ان هذه الحروف قد ابتدأ الله بها بعض السور ، ليشير الى إعجاز القرآن .
{ تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم . . . . }
هذه آيات القرآن الكريم ، أنزلناها هدى ورحمة للذين يحسِنون فيما يقولون ويفعلون . والذين يقيمون الصلاةَ على أحسن وجه ، وفي وقتها ، ويتقنونها ، ويعطون الزكاةَ الى مستحقيها ، ويؤمنون إيماناً جازما بالآخرة والبعث والجزاء . . .
هؤلاء هم المحسنون الذين يكون الكتابُ لهم هدى ورحمة ، وأولئك هم الفائزون .
قراءت :
قرأ حمزة وحفص : هدىً ورحمةً بالنصب ، والباقون : بالرفع .
{ وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحديث . . . . }
ومن الناس من يشتري بماله الأحاديث الملهية ، وكتبَ الاساطير والخرافات ليصدّ بها الناس عن سبيل الله بغير علم ، { أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } .
روي ان النضر بن الحارث من بني عبد الدار ( صاحبَ لواء المشركين ببدر وأحَد شياطين قريش ) - كان يجلس لقريش ويحدّثهم بأخبار ملوكِ الفرس وخرافاتهم ، ويقولك انا احسنُ من محمد حديثاً ، انما يأتيكم بأساطير الأولين .
وقد أسِر يوم بَدرٍ وقتل بمكان يقال له « الأثيل » . فكان النضر وامثاله كما يقول تعالى :
{ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا ولى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } .
قراءات : قرأ ابن كثير وابو عمرو : ليَضِل عن سبيله بفتح الياء . والباقون : بالرفع . وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وحفص : ويتخذَها بنصب الذال . الباقون : بالرفع .
وبعد ان ذكر الكتابُ حالض الكافرين المعرِضين عن آيات الله ، تحدّث هنا عن حال المؤمنين العالمين وما ينتظرهم من جزاء فقال : { إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ جَنَّاتُ النعيم خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ الله حَقّاً وَهُوَ العزيز الحكيم } .
ونلاحظ ان الرآن عندما يذكر المؤمنين يصفهم ( بالعاملين ، الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) وهذا يُفهمنا أن الإيمان وحدَه لا يكفي . وقد جزم الله بوعده وأوجبه على نفسه وهو الغني عن الجميع ، تفضّلاً منه وكرمه .
{ خَلَقَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا . . . . }
يتحدث الله هنا عن القدرة العظيمة وحكمته ، ودليلُ ذلك هذا الكونُ الهائل بجميع ما نرى من سمات بغير عمد ، وبجالٍ تحفظ توازن الأرض ، وهذه الانواع التي لا تُحصى من المخلوقات المبثوثة في هذه الأرض ، وإنزالِ الماء الذي يُحيي الأرضَ فتُنْبتُ من كل زوج كريم ، بنظام دقيق متكامل ، متناسق التكوين ، ثم يقول بعد ذلك كله :
{ هذا خَلْقُ الله فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ } .
هذا الكون الكبير الهائل وما فيه من نظام هو من خلْق الله ، أروني ماذا خلق الذين تعبدونهم من دونه { بَلِ الظالمون فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } .
وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)
لقمان : عرف العرب بهذا الاسم شخصين احدهما لقمان بن عاد وكانوا يعظّمون قدره في النباهة والرياسة والدهاء . (3/88)
واما الآخر فهو لقمان الحكيم الذي اشتهر بحكَمه وامثاله . وهو المقصود هنا ، وسُميت السورة باسمه ، وقد كانت حِكمه شائعة بين العرب . ويقول بعض المفسرين إنه نبي ، وآخرون يقولون انه حكيم آتاه الله الحكمة والعقل والفطنة . وأورد الامام مالك كثير من حِكمه في كتابه « الموطأ » ، ويقال انه كان اسود من سوداء مصر او من الحبشة او النوبة .
الحكمة : العلم مع العمل ، وكل كلام وافق الحقَّ فهو حكمة . وقيل الحكمة : هي الكلام المعقول المصون عن الحشو ، وقال ابن عباس الحكمة : تعلُّم الحلالِ والحرام . وقال الراغب : الحكمة : معرفة الموجودات وفعل الخيرات . وقال الرسول الكريم : « ان من الشعر لحكمة » يعني كلاما صادقا . وقال تعالى { واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ الله والحكمة } الخ . . . .
يعظه : يذكّره بالخير وعمله . الوهن : الضعف . الفصال : الفطام . جاهداك : بذلا جهدهما لتكفر معهما . أناب : رجع . مثقال : وزن . مثقال حبة من خردل : شيء صغير جدا . لطيف : يصل علمه الى كل شيء خفي . خبير : عليم بكنْه الاشياء وحقائقها . من عزْم الأمور ، العزم : عقدُ القلب على إمضاء الأمر ، من عزم الامور : من الأمور المؤكدة . لا تصعّر خدك : لا تتكبر ، وغالبا ما يمشي المتكبر وهو مائل الوجه مبديا صفحة وجهه عنهم . ولا تمشِ في الأرض مرحا : مختلا بطِرا . مختال فخور : يمشي الخيلاء ويفخر على الناس ويتباهى بماله وجاهه . والقصِد في مشيك : توسط واقصد في مشيك . واغضض من صوتك : اخفض منه ولا ترفعه . أَنكرُ الاصوات : اقبحها .
{ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة أَنِ اشكر للَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ } .
لقد منحْنا لقمانَ الحكم والعلم والاصابة في القول ، وقلنا له اشكرِ الله ، ومن يشكر فان فائدةَ ذلك الشكر عائدةٌ اليه ، ومن جَحَدَ نعمةَ الله فإنه غنيّ عن شكره غير محتاد اليه ، محمود في ذاته .
واذكر ايها الرسول الكريم لَمّا قال لقمانُ لابنه وهو يعظه ويذكّره : يا بنّي لا تشركْ بالله أحدا ، إن الشِركَ ظلمٌ عظيم لما فيه من وضع الشيء في غير موضعه .
ثم بعد ان ذكر الشِرك وما فيه من شفاعة أتبعه بوصية الولد بوالديه ، لكونهما السببَ في ايجاده فقال :
{ وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ . . . . }
أمرناه ببرّهما وطاعتهما ، والقيام بحقوقهما لأنها تعبا في تربيته . . . . لقد حملته أمه في بطنها ، وما زالت تضعف كلما مرت الأيام ضعفاًعلى ضعف حتى وضعتْه ، ثم أرضعتْه عامين وفطمته ، وكل ذلك ببذل جهود عظيمة ، فاشكر لي ايها الانسان ولوالديك وأحسنْ إليهما فإليَّ الرجوع لا الى غيري .
{ وَإِن جَاهَدَاكَ على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً }
ما أحلى هذا الكلام! فإن كانا كافرين ، وحاولا ان تكفر أنت بالله فلا تطعمها ، ومع ذلك يجب عليك ان تبقى باراً بهما ، تصاحبهما بالمعروف والاحسان والعطف .
اما من جهة الدين : (3/89)
{ واتبع سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }
إن عليك ان تتبع طريقَ الهدى ، وطريق من تاب الى الله ، ومصيركم جميعاً اليّ بعد مماتكم فأخبركم بما كنتم تعلمون في الدنيا من خير او شر .
ثم عاد الى ذكر بقية وصايا لقمان لابنه فقال :
{ يابني إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السماوات أَوْ فِي الأرض يَأْتِ بِهَا الله إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ } .
يا بنِيّ ، ان الله لا يَفلِتُ من حسابه شيء ، إن الخصلةَ من الإحسان أو الاساءة إن تكن وزنَ حبة خردلٍ تائهة في وسط صخرة او في السموات او في الأرض - يأتِ بها الله ويُحضرها يوم القيامة حين يضع الموازينَ بالقسط . ان الله لطيف يصل علمه الى كل خفي ، خبير يعلم ظواهر الأمور وبواطنها .
{ يابني أَقِمِ الصلاة . . . . }
يا بني حافظْ على الصلاة ، وأَمر بكل حَسَن ، وانهَ عن كل قبيح ، واحتملْ ما أصابك من الشدائد ، فان المحافظة على الصلاة والصبرَ على الشدائد من عزم الامور . . . . بدأ هذه الوصيةَ بالصلاة وختمها بملازمة الصبر لأنهما من أعظمِ ما يستعان بهما كما قال تعالى : { واستعينوا بالصبر والصلاة } البقرة : 45 و 153 .
وبعد ان أمره بعمل اشياء خيرة ، حذّره من أمور غير مستحسنَة وأدّبه خير تأديب فقال :
{ وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحاً إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ واقصد فِي مَشْيِكَ واغضض مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأصوات لَصَوْتُ الحمير } .
إنها حِكم تُكتب بماء الذهب . . . . لا تتكبر وتُعرِضْ بوجهك عن الناس ، ان الله لا يحب المتكبرين . وامشِ بهدوء ، وتوسَّط في مشيك بين السرعة والبطء ، ولا ترفع صوتك لأن اقبح ما يُستنكر من الأصوات هو صوت الحمير .
أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (22) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28)
أسبغ : أتم ، وسع . السعير : النار المتأججة . يُسْلم وجهه : يفوض أمره ويخلِص . محسن : مطيع لله . العروة الوثقى : اوثق الاسباب وامتنها . والعروة في اللغة مقبض الكوز ، والدلو . الوثقى : المتينة الشديدة . بذاتِ الصدور : القلوب وما يهجس فيها . نضطرهم : نُلزمهم . غليظ : شديد ثقيل . (3/90)
ألم تروا ان الله سخرّ لكم جميع ما في السموات والأرض ، ووسّع عليكم نعمه وأتمّها على أحسن ما يكون ، ومع ذلك ففي الناس من يجادل في توحيد الله ووجوده بغير علمٍ يستند إليه ولا هدى ، ولا كتاب يستأنس به .
قراءات :
قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر : ولا تصغَّر بتشديد العين . والباقون : ولا تصاعر بألف من : صاعر يصاعر . وقرأ نافع : مثقالُ حبة برفع مثقال . والباقون : بالفتح . وقرأ نافع وابن كثير وابو عمرو وحفص « نِعَمَه » بالجمع والباقون نعمةً بالافراد .
واذا قيل لهؤلاء المجادِلين الجاحدين : اتّبعوا ما أنزل الله على رسوله من الشرائع ، لم يجدوا ردّاً لذلك الا قولهم { بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا } .
ثم وبّخهم الله على تلك المقالة فقال :
{ أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير! } .
اما كان لهم عقلٌ يفكرون به ويتدبرون حتى يعلموا الحقَّ من الباطل!! يفضّلون اتّباع الشيطان الذي يقودهم الى النار!
ومن أخلصَ لله وهو محسن في جميع ما يقول ويعمل فقد تسمَّكَ من حَبْلِ الله بأوثقِ عراه { وإلى الله عَاقِبَةُ الأمور } اليه المصير والمراجع .
ثم سلّى رسول الله على ما يلقاه من أذى المشركين وعنادهم فقال :
{ وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عملوا إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور }
ومن كفر يا محمد فلا تحزن عليه ، إلينا مصيرهم فنخبرهم بما عملوا ، إن الله يعلم ما يدور في صدورهم فضلاً عن علمه بظاهرهم .
{ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إلى عَذَابٍ غَلِيظٍ }
نحنُ نمتّع الكافرين في هذه الدنيا مدةً قصيرة ثم نوردهم جهنم ليذوقوا العذاب الشديد .
ومن أعجبِ الأمور أنك ايها الرسول ان سألتَهم من خَلَقَ السمواتِ والأرض - ليقولُنّ خَلَقَها الله ، فقل الحمد لله على إلزامهم الحجة ، بل اكثرُ المشركين لا يعلمون ، وهم في جهلهم يعمهون .
{ لِلَّهِ مَا فِي السماوات والأرض إِنَّ الله هُوَ الغني الحميد } .
لله ما في السموات والأرض ، فلا يصحّ ان يُعبد فيهما غيره ، وهو الغني عن الناس المستحق للحمد .
{ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ . . . . }
يبين الله تعالى ان نِعم الله وهذه المخلوقات لا حصر لها ، ولا يعلمها الا خالقها ، وان حكم الله وآياته وكلماته لا تنفد ولا تُحصر ولا تعدّ كما قال : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا } [ ابراهيم : 34 ] .
لو تحولت كل اشجار الأرض اقلاما ، وصارت مياه البحار الكثيرة مداداً تُكتب به كلماتُ الله - لَفَنِيت الاقلامُونفد المداد قبل ان تنفد كلمات الله .
قراءات :
قرأ ابو عمرو ويعقوب : والبحرَ يمده بنصب البحر ، والباقون : والبحرُ بالرفع .
ثم بين ان كل هذه الأمور هينة عليه سهلة لا تكلفه شيئا فقال :
{ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ }
ما خلقكم ايها الناس من العدم ، ولا بعثكم من قبوركم ، في قدرة الله ، الا كخلْق نفس واحدة وبعثها ، انه سميع لأقوال عباده بصير بأفعالهم فيجازيهم عليها .
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آَيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (32)
يولج : يُدخل ، والمعنى : يضيف الليل الى النهار والعكس بالعكس . تجري : تسير سيرا سريعا . بنعمة الله : بما تحمله من خيرات للناس . غشيَهم : غطاهم . كالظلل : ما يظلل الناسَ من سحاب ، يعني ان الموج يرتفع حتى يغطي السفينة . فمنهم مقتصد : سالك للطريق المستقيم . ختّار : غدار . (3/91)
نحن نرى دائماً تقلُّب الليل وتناقصَهما وزيادتهما عند اختلاف الفصول ، لذلك ألِفْنا هذه الآيات ، مع أنها حقاً من المعجزات ، فهذا الكون وما فيه من آيات عجيبة واسعة تحير الألباب ، واللهُ وحده القادرُ على انشاء هذا النظام الدقيق العجيب وحفظه . وكل ما نرى في هذا الكون متحرك { يجري إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } ووقتٍ معلوم .
ثم يعقّب الله على ما تقدم بأنه الحق ، وان كل ما يدعونه من دونه الباطل { هُوَ العلي الكبير } سبحانه وتعالى عما يصفون .
وبعد ان ذكر الآيات العلوية الدالة على واحدانيته أشار الى آيةٍ أرضية فقال :
{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفلك تَجْرِي فِي البحر بِنِعْمَةِ الله لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } .
ألم تشاهد ايها الرسول تلك السفن تمخر عباب البحر بنعم الله المحملة عليها للناس ليريكم من آياته ولدلائله ، ان في ذلك لآيات لكل من راض نفسه على الصبر على المشاق ، طلباً للنظر في نفسه وفي الآفاق ، وعوّدها الشكر لمانح النعيم ومسديها لنا سبحانه وتعالى .
ولكن الناس لا يصبرون ، ولا يشكرون ، فان اصابهم الضر جأروا وصاحوا واستجاروا ، وعندما ينجيهم الله من الضر لا يشكر منهم الا القليل .
{ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كالظلل دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ } .
وهذه طبيعة البشر عندما يحيط بهم الخطر يخلصون لله ويؤمنون ، واذا نجوا فمنهم من يشكر وهم القليل ، والكثير جاحد غدار كفور . وهذا المعنى جاء في سورة يونس الآيتان 22 و 23 .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34)
اتقوا ربكم : خافوا عقابه . لا يجزي : لا يغني ولا ينفع . الغرور : بفتْح الغَين ، ما غرَّ الانسان من مال وجاه وشهوة وشيطان . الساعة : يوم القيامة . الغيث : المطر . ما في الارحام : ما في بطون الحبالى من مواليد . (3/92)
يختم الله هذه السورة الكريمة بآيتين عظيمتين ، الأولى فيها يذكّر الناسَ بالتقوى والعمل الصالح ، وان هناك هولاً أكبر من هول البحر ، وذلك هو يوم القيامة بحيث لا ينفع والد ولدَه ، ولا ولد ولاده .
والثانية قوله تعالى { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة وَيُنَزِّلُ الغيث وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرحام وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ } فقرر أن ثلاثة من هذه الخمسة لا يعلمها الا هو ، وهي وقت قيام الساعة وعدم علمِ أي انسان ماذا يكسب غداً ، ولا في أي ارضٍ يموت .
وقال : { وَيُنَزِّلُ الغيث وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرحام } فلم يحصر هذين الأمرين بعلمه . وذلك لسابق علمه أن الانسان بإعمال عقله يمكنه ان يكتشف اموراً كثيرة . وقد استطاع الانسان باستعمال عقله والعلم وتوفيق الله ان ينزل المطر في بعض المناطق وان كل على نطاق ضيق ، ونفقات عالية .
وساتطاع بوساطة الآلات الحديثة ان يعلم نوع الجنين في الأرحام ولا يزال يجهل كثيراً من الأمور . { وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً . . . . } [ الاسراء : 85 ]
وهكذا تختم هذه السورة بهذا الستار المسدول والعلم العجيب . فتبارك الله خالق القلوب ومنزل هذا القرآن شفاء لما في الصدور ، وهدى ورحمة للعالمين .
الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (9)
افتراه : اختلقه . استوى على العرش : استولى عليه . يعرج اليه : يصعد اليه والعروج هو الصعود ، ومنه المعراج . ماءٍ مهين : ماء ضعيف ، لا يُرى الا بالمكبرات . (3/93)
الم : تقرأ هكذا الف ، لام ، ميم . وقد مر الكلام عليها ومثيلاتها .
{ تَنزِيلُ الكتاب . . . }
ان هذا القرآن الذي أنزل على محمد لا شكّ انه من عند الله . ويقولون : اختلقه محمد ونسبه الى الله . كلا ، انه هو الحق ولاصدق من عند ربك أنزله اليك أيها الرسول لتنذرَ قومك ، حيث لم يأتهم نذير من قبلك ، ولعلّهم بهذا الانذار يهتدون الى الحق .
{ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش }
الله هو الخالق لهذا الكون الواسع في ستة أيام ، لكنها لا تشابه أيامنا ولا تقاس بها ، لانه يجوز ان يكون اليوم بليون سنة او اكثر ، فأيامنا محدودة ، وايام الله غير محدودة . ثم انه استوى على العرش استواء يليق به .
{ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } ليس لكم ايها الناس ما يلي امروكم ويدبرها غيره ، وليس لكم شفيع غيره . ثم أمَرنا بالتذكّر والتدبير فقال : { أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } ؟
{ يُدَبِّرُ الأمر مِنَ السمآء إِلَى الأرض ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ }
ان الله يدبر شئونَ الخلق وأمرَ الأرض من سماء جلاله من يومِ وجودها الى ساعة تلاشيها ، ثم يصعد اليه الأمرُ كله ليحكم فيه في يوم مقداره الفُ سنة مما تعدّون ، ذلك هو يوم القيامة . والمراد بالالف هو الزمن المتطاول ، وليس المقصود وحقيقةَ العدد ، كما قدّمت . فيجوز ان يكون ذلك اليوم اطول بكثير مما ذكر .
{ ذلك عَالِمُ الغيب والشهادة العزيز الرحيم . . . }
ذلك الموصوف بالخلْق والاستواء والتدبير هو الله عالِم ما غاب عنا من الأمور ، وما نشاهده ، القويُّ اقادر على ما يريد ، الرحيم في إرادته وتدبيره للخلق ، الذي أجاد كل شيء خَلَقَه ، وأحكمه ، وبدأ تكوين الانسان من الطين ، ثم جعل ذريته تخرج من نطفة ضعيفة فيها مخلوقاتٌ لا تُرى بالعين المجردة ، فيسوّيه بقدْرته وينفخ فيه من روح . ثم تنمو الحيوانات بعد ذلك وتتحرك .
ثم التفت بالخطاب الى الناس فقال :
{ وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ }
انها نِعم عظيمة . . لقد اعطاكم السمع ، وجهازُ السمع كما يقول الاطباء جهاز دقيق أهم من اي جهاز في الجسم . . ثم اعطاكم البصر لتبصروا . . ، والأفئدة لتميزوا وتفهموا وتعقِلوا ، ولكنّكم مقابل هذا كله لا تشكرونه الا قليلا على هذا الفيض من الفضل الجزيل . اللهم الجعلنا من لاشاكرين لفضلك وكرمك يا رب العالمين .
تقدم في سورة المؤمنون آية 78 { وَهُوَ الذي أَنْشَأَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } وهنا : وجعل لكم .
قراءات :
قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر : احسن كل شيء خلْقه باسكان اللام ، والباقون : بفتحها كما هو في المصحف .
وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14)
ضللنا في الأرض : معناه هنا غبنا فيها . ناكسوا رؤوسِهم : مطأطئو رؤوسهم ، خافضوها من الذل . إنا نسيناكم : أهملناكم . (3/94)
بعد ان بيّن الله فائدة رسالة النبي الكريم ، والخلقَ ، ووحدانيته تعالى ، وتدبيره لهذا الكون - ذكر هنا اعتراضَ المشركين وعدم إيمانهم بالبعث ، وقولهم أإذا متنا وتحلّلت اجسادُنا فصارت ترابا وغبنا في هذه الأرض أسنُخلق من جديد!؟ ان هؤلاء المشركين ينكرون كل شيء فهم بلقاء ربهم يجحدون .
وبعد ذلك يردّ الله عليه ويوبّخهم .
قل لهم ايها الرسول : يتوفاكم ملكُ الموت الموكل بقبض أرواحكم ثم الى الله وحده ترجعون . ولو أُتيح لك يا محد ان ترى المجرمين في موقف الحساب يوم القيامة لرأيتَ عَجَبا ، فان هؤلاء المكذّبين يكونون بحال سيئة ، رؤوسُهم منكّسة الى الأرض خِزياً من ربهم ، يقولون في ذلة : ربنا أبصَرْنا الآن ما كنا نتعامى عنه ، وسمعنا ما كنا نُصم آذاننا عنه ، فارجِعنا الى الدنيا لنعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل . لقد آمنّا الآن . . لكنه يكون فات الأوان .
{ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا . . . . }
ولو شئتُ لهديتُ كل نفس ، ولكن ثبت منّي القول ، لحكمةٍ أعلمها؛ بأن أملأ جهنم من الجنّ والانس معا ، ونقول لهم : ذوقوا العذاب بسبب غفلتكم عن لقاء يومك هذا ، وقد اهملناكم وتركناكم في العذاب كالمنيسيّين ، فذوقوا العذاب الخالدَ بما كنتم تعلمون .
فيا ايها العاقلون اعتبِروا بمصير أولئك المجرمين ، واعملوا صالحاً قبل لان تندموا يومَ ذلك الموقف الرهيب .
إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22)
ذُكّروا بها : وعظوا بها . خرّوا : سقطوا ساجدين . تتجافى : تبتعد . جنوبهم : جوانب اجسامهم . المضاجع : فرش النوم . أُخفي لهم : خُبِّىءَ لهم . من قرة أعين : من الأشياء النفيسة التي تفرح بها الأنفس والاعين . المأوى : المسكن الذي نأوي اليه . نزلا بما كانوا يعملون : ضيافة منا لهم على اعمالهم الصالحة . الأدنى : عذاب الدنيا . الاكبر : عذاب الآخرة . (3/95)
بعد ان صوّر حالَ المجرمين يوم القيامة ، وذكر ما يلاقونه من العذاب المهين - أتى بالصورة المقابلة ، صورة المؤمنين الذين يسبّحون بحمد ربهم ويسجدون له عند ذكر آياته ، فهؤلاء لهم عنده الجزاء العظيم . وعند قوله تعالى { وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } موضع سجدة .
ان الذين يؤمنون بآيات الله يَقَعون ساجدين حين يُوعَظون بها ، ويسبّحون الله ويحمدونه في سجودهم . وهم يقومون لله في الليل متهجّدين مبتعدين عن مكان نومهم يدعون الله خوفاً من عذابه ، وطمعاً في ثوابه . كما ينفق مما رزقهم الله من الأموال في وجوه البر ، ويؤدون حقوقه التي أوجبها عليهم .
قالنس بن مالك رضي الله عنه : نزلتْ فينا معاشرَ الأنصار ، كنا نصلي المغرب ، فلا نرجع الى رحالنا حتى نصلّي العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم . والمعنى عام يعم جميع المؤمنين في كل زمان ومكان .
ولذلك يقول الله تعالى :
{ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }
فلا تعلم نفس مقدار ما أعدّه الله وأخفاه لهؤلاء المؤمنين من النعيم المقيم الذي تقر ه أعينهم ، جزاء بما كانوا يعملون . وانه لجزاء عظيم ، واكرام آلهيّ ، وحفاوة ربانية بهذه النفوس المؤمنة .
{ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً؟ لاَّ يَسْتَوُونَ . . . . . }
يبين الله تعالى في هذه الآيات مبدأ الجزاءِ العادل ، الذي يفرق بين المسيئين والمحسنين في الدنيا والآخرة على أساس العدل .
كيف يستوي الناس في مجازاتهم وقد اختلفوا في أعمالهم!! لا يستوي المؤمن المصدق بالله مع الكافر الجاحد العاصي . كما قال تعالى : { أَمْ نَجْعَلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِي الأرض أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار } سورة ص 28 .
ام الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى التي فيها مساكنهم ، ضيافةً منا لهم جزاء أعمالهم الصالحة .
واما الذين فسقوا وخرجوا عن طاعة الله فمقامهم في النار ، كلما حاولوا الخروجَ منها أُعيدوا فيها ، ثم يقال لهم : ذوقوا عذاب النار الذي كنتم تكذّبون به في الدنيا .
{ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ العذاب الأدنى دُونَ العذاب الأكبر لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }
ان الله تعالى لا يحب ان يعذب عباده اذا لم يستحقوا العذاب ، وهو يقسِم هنا بأنه سوف يعذّبهم في الدنيا لعلهم يتوبون وتستيقظ فطرتهم ، أما اذا أصرّوا على الكفر والعناد فإن العذاب الاكبر ينتظرهم يوم القيامة .
{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ إِنَّا مِنَ المجرمين مُنتَقِمُونَ }
ليس هناك من هو أظلمُ ممن ذكّروا بآيات ربهم وحُججه البينات ثم انصرفوا عنها ولم يؤمنوا بها ، وهؤلاء ينالون اشد العذاب ويستحقون الانتقام من العزيز الجبار .
قراءات :
قرأ حمزة ويعقوب : ما اخفي لهم باسكان الياء والباقون : اخفيَ بفتحها .
وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30)
في مرية : في شك . يهدون بأمرنا : يقومون بهداية الناس كما امرنا . اولم يهدِ لهم : او لم يتبين لهم . الارض الجُرُزِ : الارض اليابسة لا نبات فيها . متى هذا الفتح : متى هذا الفصل في الحكم وهو يوم القيامة . (3/96)
{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لبني إِسْرَائِيلَ }
ولقد أنزلنا التوراةَ على موسى كما أنزلنا عليك القرآن ، فلا تكن في شكٍّ من لقائك الكتاب ، وجعلنا الكتاب الذي أنزلناه على موسى مرشِدا لنبي اسرائيل .
{ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ }
وجعلنا من بني اسرائيل أئمةً في الدّين من انبيائهِم يقومون بهداية الناس كما أمرناهم لأنهم صبروا على طاعتنا ، وكانوا من أهْل الايمان واليقين . ولكن عهد هؤلاء الأنبياء قد ولىّ ، وعاد اليهود الى عبادة العجل من الذهب .
قراءات :
قرأ حمزة واكسائي ورويس : لِمَا صبروا بكسر اللام وتخفيف الميم . والباقون : بفتح اللام وتشديد الميم لَمَّا صبروا .
{ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }
ان الله تعالى يقضي بين خلقه يوم القيامة فيما اختلفوا فيه .
{ أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ القرون يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ }
أوَلم تبيّن لهم طريقَ الحق كثرةُ ما اهلكنا من الأمم الماضية ، وهم يمشون في ارضهم ويشاهدون آثارهم كعادٍ وثمود وقوم لوط ، ان في ذلك لعظاتٍ تبصرّهم بالحق ، أفلا يسمعون؟
وبعد ان بين قدرته على الاهلاك ، يبين الله تعالى قدرته على الاحياء فيقول : { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ المآء إِلَى الأرض الجرز فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ } .
الم يشاهد هؤلاء الجاحدون أنّا ننزل الماء على الأرض اليابسة التي لا نبات فيها فنخرج به زرعاً تأكل منه انعامهم ، وتتغذّى به أجسامهم؟! أفلا يبصرون دلائل قدرة الله على إحياء الارض بعد موتها!!
ثم يذكر الله تعالى استعجالَ اولئك الجاحدين بالعذاب الذي يوعَدون وأنهم في شك منه ، ويردّ عليهم مخوِّفاً ومحذّرا من تحقيق ما يستعجلون به فيقول :
{ وَيَقُولُونَ متى هذا الفتح إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ؟ قُلْ يَوْمَ الفتح لاَ يَنفَعُ الذين كفروا إِيَمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } .
ويقول المشركون : متى ستنصَرون علينا في الدنيا ، ويفصل بيننا وبينكم في الآخرة؟ قل لهم ايها الرسول : إن يومَ الفصل ان كان في الدنيا و في الآخرة سيأتي ، فلا تستعجلوه ، واذا حل بكم ذلك اليوم فإنه لن ينفعكم الإيمان ، ولا تُمهَلون لحظة عن العذاب الذي تستحقونه . وقد صدق الله رسولَه ففتح عليه في الدنيا ونصره . وسيلقون يوم القيامة جزاءهم .
ثم يختم السورة بامر رسوله بالاعراض عنهم ، بآية قصيرة في طياتها تهديد خفي بعاقبة الامور ويدعهم لمصيرهم المحتوم فيقول : { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وانتظر إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ } وسترى عاقبة صبرك عليهم .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (2) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (3)
اتق الله : اعمل صالحا وأطع الله . وتوكل على الله : اعمل وفوض أمورك اليه . وكيلا : حافظا . (3/97)
في هذه الآيات الكريمة توجيهٌ للنبيّ الكريم ان يستمر على تقواه حتى يكونَ قُدوةً للمؤمنين ، وان لا يُخدع بالكافرين والمنافقين بل يظل حذِرا منهم ومن مكايدهم ، وأن يعملَ بما يوحيه الله إليه ومن ثم يتوكّل على الله ويفوّض جميع أموره اليه ، { وكفى بالله وَكِيلاً } يحفظُه ويحرسه ويمنع عنه كلَّ شرّ ، وقد فَعل .
قراءات :
قرأ ابوعمرو : بما يعملون خبيرا ، والباقون : بما تعملون بالتاء .
مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5)
تظاهِرون : تقولون للمرأة : انتِ عليَّ كظهر أمي ، وكانت عادةً في الجاهلية ، اذا قال الرجل لزوجته هذا القول حرُمت عليه ابداً . فجاء الاسلام وأبطل هذه العادة وجعل الحرمة مؤقتة وعليها غرامة . الادعياء مفردها دعي : هو الذي يتبناه الانسان . وكان ذلك معمولا به في الجاهلية وصدرِ الاسلام ثم حَرُم بهذه الآيات . السبيل : طريق الحق . أسط : اعدل . مواليكم : أولياؤكم . المولى له عدة معان : المولى الربّ ، والمالك ، والولي المحب ، والصاحب ، والجار ، والقريب من العصبة كالعم وابن العم ونحو ذلك ، والمعتِق والعبد . . . . (3/98)
{ مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ } حتى يطيعَ بأحدِهما ويعصي بالآخرة ، وكان العرب في الجاهلية يقولون : للرجل الذكيّ قَلْبان ، وهذه خرافة .
وما جعل زوجةَ أحدِكم حين يقول لها : أنتِ عليَّ كظهرِ أمّي ، أمّاً له حقيقة ، فأبطِلوا ، وعلى من تفوّه بها كفّارة .
{ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ . . . . } حرم الإسلام ان يتخذ الانسانُ ولداً او بنتا ويقول هذا ابني ، أرِثه ويرثني ، وأمرنا ان ندعوهم لآبائهم ، فاذا لم نعلم آباءهم فانهم إخواننا في الدّين وموالينا واحبابنا .
ويرفع الله عنا الحرج بما أخطأنا به : { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ } ويحذّرنا من ان نتعمد الأعمالَ الممنوعة ، ومع هذا فانه غفور رحيم .
قراءات :
قرأ ابن كثير وابو عمرو ونافع : اللاءِ بهمزة مكسورة بدون ياء . والباقون : اللائي بهمزة بعدها ياء .
وقرأ نافع وابن كثير وابو عمرو : تَظَّهَّرون ، بفتح التاء وتشديد الظاء والهاء المفتوحتين . وقرأ ابن عامر : تظّاهرون ، بفتح التاء وتشديد الظاء بعدها الف . وقرأ عاصم : تُظاهِرون ، بضم التاء وفتح الظاء بدون تشديد كما هو في المصحف .
النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (6) وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (8)
اعلموا ايها المؤمنون أن النبيّ احرصُ على استقامة امركم وأحقّ بولايتكم من أنفسِكم ، فعليكم ان تطيعوه وتتبعوا شرعه . وازواجُه مُنَزَّلاتٌ منازلَ أمهاتكم فعليكم ان توقّروهن ولا تتزوجوهن من بعده . وذوو القرابات أولى ببعض في امر الوراثة من المؤمنين والمهاجرين ، ( وكان المؤمنون يتوارثون كأنهم أسرة واحدة ) لكن يجوز ان تعطوا بعضَ من والَيتم في الدين من المتّصلين بكم ، او توصوا لهم بجزء من مالكم . كان هذا ثابتا في اللوح المحفوظ والقرآن . (3/99)
واذكر يا محمد حين أخذْنا على النبيّين عهدا ، وأخذنا مثلَه عليك وعلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم بتبليغ الرسالة والدعوة الى الدين { وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً } عظيمَ الشأن . وسوف يسأل الله يوم القيامة جميع الانبياء عما قالوه لقومهم ، ولما لاقَوه منهم وأعدَّ للكافرين عذاباً أليماً .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15)
جاءتكم جنود : الاحزاب ، وهم قريش وبنو اسد وغطفان وبنو عامر وبنو سليم ومن اليهود بنو النضير وبنو قريظة . جنود لم تروها : الملائكة . زاغت الابصار : تحيرت من الدهشة والخوف . بلغت القلوب الحناجر : فزعت فزعاً شديداً كأنها قفزت الى الحُلُوق من الخوف . ابتلي المؤمنون : اختُبروا وامتحنوا . وزُلزلوا زلزالا شديدا : اضطربوا من الفزَع بشكل رهيب من كثرة العدو . والذين في قلوبهم مرض : ضعفاء الايمان من المسلمين قريبي العهد بالاسلام . الا غرورا : وعداً باطلا قصد به التغرير بنا . يثرب : من اسماء المدينة ، ولها مائة اسم . لا مقام لكم : لا ينبغي لكم الاقامة هنا . ان بيوتنا عورة : يعني مكشوفة للعدو خالية من الرجال المدافعين عنها . من اقطارها : من جوانبها . الفتنة : الردة ومقاتلة المؤمنين . آتوها : اعطوها . وما تلبّثوا بها : ما اقاموا بالمدينة . لا يولّون الادبار : لا يفرون منهزمين . (3/100)
نزلت هذه الآيات الى آخر الآية السابعة والعشرين في تفصيل غزوة الأحوزاب ، أو غزوة الخندق .
كانت غزوة الأحزاب في شوّال سنة خمسٍ من الهجرة ، وكانت نم أخطرِ الحوادث التي واجهها رسول الله والمسلمون ، في تقرير مصير الدعوة الاسلامية . وكانت معركةً حاسمة ومحنة ابتُلي المسلمون فيها ابتلاءً لم يبتلوا بمثله .
أما سببها فهو أنه خرج نفرٌ من بني النضير ، ونفر من بني وائل من اليهود ، فقدِموا على قريش في مكة . وهناك دعوا قريشاً الى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا لهم : أنا سنكون معكم حتى نستأصلَه هو ومن معه . فسرّ ذلك قريشاً ، ونشِطوا لما دعوهم اليه . ثم خرج وفد اليهود فجاؤوا غطفان ودعوهم الى حرب المسلمين . وطافوا في القبائل ، حتى تمت لهم اتفاقية عسكرية ، كانت قريش وغطفان من أهم اعضائها . فحشدت قريش أربعة آلاف مقاتل ، وغطفان ستة آلاف . وأُسندت قيادةُ الجيش الى ابي سفيان ، وتعهد اليهود ان يدفعوا الى غطفان كل ثمرِ نخلِ خيبرَ لسنة واحدة .
ولما سمع رسول الله وأصحابه عن تجمُّع القبائل مع قريش لقتال المسلمين وزحفهم الى المدينة - تهيأ المسلمون للحرب ، وقرروا التحصنّ في المدينة والدفاع عنها . وكان جيش المسلمين لا يزيد على ثلاثة آلاف مقاتل .
وفي هذه الاثناء أشار سلْمان الفارسيّ ، رضي الله عنه ، بحفر الخندق حول المدينة ، وكانت هذه خطةً حربية متّبعة عند الفرس ، فأمر الرسول الكريم بحفر الخندق في السهل الواقع شماليّ غرب المدينة ، وهو الجانب المكشوف الذي يُخاف منه اقتحام العدو . وقد قسم رسول الله الخندقَ بين اصحابه لكل عشرةٍ اربعين ذراعا . وبلغ طول الخندق خمسة آلاف ذراع ( نحو اربعة كيلو مترات ) ، وعمقه من سبعة اذرع إلى عشرة ، وعرضهُ من تسعة أذرع الى ما فوقها .
وكان حده الشرقي طرفَ حَرّة واقِم ، وحده الغربي وادي بُطْحان حيث طرفُ الحرة الغربية ، حرة الوبرة .
وعمل السلمون في حفر الخندق بجدٍّ ونشاط . وكان كلما عَرَضَ لهم مكان صعب فيه صخرة لجأوا الى الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام فيأخذ المِعولَ بيده ويضربها حتى تتفتت ، حتى أكملوه وتحصنوا وراءه . (3/101)
وكان بين المسلمين وبني قريظة من اليهود معاهدةٌ ، فحملهم حُييّ بن أخطَب ، سيدُ بني النضير ، على نقض تلك المعاهدة . فنقضوها ، وتأهبوا لقتال المسلمين مع المشركين من قريش والعرب . وعظُم عند ذلك البلاءن واشتد الخوف ، وزاغت الأبصار ، وبلغت القلوبُ الحناجر .
وجاء ابو سفيان يقود ذلك الجيشَ الجرار وأحاطوا بالمدينة . وفوجئوا بالخندق ، فوقفوا من ورائه ، وقفز احد أبطالهم وهو عمرو بن عبد ودٍّ العامري بحاصنه فاجتاز الخندقَ وطلب المبارزة . فبرز له عليّ بن ابي طالب كرم الله وجهه ، وقتله . ثم حصل بعضُ التراشق بالسهام ، ودام الحصار نحو شهر ، اشتد فيه البلاء . واستأذن بعض المنافقين في الذهاب الى المدينة وقالوا : { إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً } . وكان الوقت شتاءً واشتد البرد وهبّت ريح عاتية فقلبت القدور وقوضت الخيام . فقام ابو سفيان وقال : يا معشر قريش ، إنكم واللهِ ما صبحتم بدار مقام ، وقد أخلفتنا بنو قريظة ، وبلغَنا عنهم الذي نَكره ، ولَقِينا من شدة الريح ما ترون ، فارتحِلوا فإني مرتحِل .
فانطلَقوا ، واصبح الصباح فاذا القوم قد ارتحلوا . وانصرف المسلمون ووضعوا السلام وصدق الله العظيم : { ياأيها الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً } . { وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى الله المؤمنين القتال وَكَانَ الله قَوِيّاً عَزِيزاً } .
ووضعت الحربُ أوزارها ، فلم ترجعْ قريش بعدَها الى حرب المسلمين . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لن تَغزُوكم قريش بعد عامِكم هذا ، ولكنّكم تغزونهم » والقصةُ بطولِها في سيرة ابن هشام وفي صحيح مسلم ، وابن كثير .
واستُشهدوا من المسلمين يوم الخندق سبعة ، وقُتل من المشركين اربعة .
{ إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا . . . . } .
إنها صورة هائلة مرعبة ، فقد جاء ابو سفيان بذلك الجيش الكبير وحاصروا المسلمين من كلّ مكان ، وبنو قريظة من ورائهم ، فَبَلَغ الخوف أقصاه ، وبلغت القلوبُ الحناجر خفقاناً واضطرابا ، وظنّ بعضهم بالله ظنونا سيئة .
وكان ذلك اختباراً كبيرا وامتحاناً شديدا للمؤمنين ، وأخذ المنافقين والذين في قلوبهم مرضٌ من ضعاف المسلمين يقولون : ما وعدَنا الله ورسولُه من النصر وعلوّ الكلمة الا وعداً باطلا!
وقالت طائفة من المنافقين كعبد الله بن أُبيّ واصحابه : يا أهلَ الميدنة ، ليس هذا المقام بمقامٍ لكم فارجعوا الى منازلكم ، { وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النبي يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً } وهم من بني حارثة .
وما كان استئذانهم إلا جبناً وفِراراً من القتال . ثم بين الله وَهْنَ الدينِ وضعفه في قلوبهم فقال : (3/102)
{ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الفتنة لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً } .
ولو دخل عليهم الاحزابُ من جوانب بيوتهم ، ثم طلبوا إليه الارتدادَ عن دِينهم وأن يقاتِلوا المؤمنين - لفعلوا ذلك مسرِعينَ من شدة الخوف .
ولقد كانوا عاهدوا الله لا ينهزمون امام عدوٍّ قط ، { وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً } .
قراءات :
قرأ ابو عمرو ويعقوب وحمزة : الظنون بدون ألف . والباقون : الظنونا بالف بعد النون وقرأ حفص : لا مُقام لكم بضم الميم بمعنى الاقامة . والباقون : لا مَقام لكم بفتح الميم بمعنى الموضع . وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر : لأتوها من غير مد ، والباقون : لآتوها بالمد . يقول الطبري : قرأ بعض المكيين وعامة قراء الكوفة والبصرة لآتوها بمد الألف . وحفص كوفي ، فتكون قراءة المصحف الصحيحة لآتوها بالمد .
قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (17) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (20)
يعصمكم : يمنعكم . المعوِّقين : المانعين المثبطين عن القتال . هلم الينا : اقبلوا الينا . البأس : الشدة والمراد بها هنا الحرب والقتال . اشحة : جمع شحيح وهو شديد البخل . تدور أعينهم : تدور مُقَلُأعينهم من شدة الخوف مثل الذي يغشى عليه من الموت . سلقوكم : آذوكم بألسنتهم السليطة . أشحّة على الخير : بخلاء حريصين على مال الغنائم . فأبحط الله أعمالهم : أبطلها . بادون في الأعراب : لو انهم من اهل البادية مع الاعراب . (3/103)
لا يزال القول فيغزوة الخندق وما لا بَسَها . قل لهم ايها الرسول : لا ينجيكم الفرارُ من الموت او اقتل ، وانْ نَفَعَكم ظاهراً فلا تتمتعون بتأخير يومكم إلا تمتعا قليلا .
وقل لهم : من ذا الذي يحميكم من الله إن أراد بكم رحمة؟ { وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } .
والله يعلمُ المعوقين الذي يثّبطون الناسَ عن القتال ويمنعونهم ، والذين يقولون لإخوانهم هلمُّوا إلينا { وَلاَ يَأْتُونَ البأس إِلاَّ قَلِيلاً } فلا يَقْرَبون القتالَ إلا زمنا قصيراً ثم يتسلّلون ويهربون الى مساكنهم .
ثم ذكر الله بعضض معايبهم من البُخل والخوف والفخر الكاذب فقال :
{ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت فَإِذَا ذَهَبَ الخوف سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ } .
إنهم بخلاءُ عليكم بالمعونة والانفاق ، فإذا طرأ الخوفُ من الحرب رأيتَهم ينظرون إليك بحالة عجيبة ، تدور اعينُهم في محاجرها كالذي يقع مغشيّا عليه في حالة الموت . فإذا ذهب الخوف وأمِنتم ، { سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ } طالبين أن يشارِكوكم في الغنيمة .
{ أَشِحَّةً عَلَى الخير أولئك لَمْ يُؤْمِنُواْ }
وهم بخلاء في كل خير ، حريصون على الغنائم إذا ظفر بها المؤمنون . انهم حين البأس جبناء ، وحين الغنيمة أشحاء ، { فَأَحْبَطَ الله أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيراً } .
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (27)
أُسوة ، وإسوة : قدوة . قضى نحبه : مات او استُشهد في سبيل الله . بغيظهم : بأشد ما يكون من الغضب . ظاهَروهم : عاونهم . من اهل الكتاب : اليهود من بني قريظة . من صياصيهم : من حصونهم ، واحدها صِيصِية وهي كل ما يُمتنع به . قذف في قلوبهم الرعب : القى في قلوبهم الخوف الشديد . (3/104)
لا يزال الحديث عن غزوة الاحزاب .
{ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ . . . . }
في هذه الآية عتاب من الله للمتخلّفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . لقد كان لكم في رسول الله قُدوة حسنةٌ أن تتأسُّوا به ، ولا تتخلّفوا عنه ، وتصبروا على الحرب ومعاناة الشدائد ، لمن كان يرجو ثواب الله والفوز بالنجاة في اليوم الآخر . وقد قرن الله الرجاء بكثرة ذكر الله .
قراءات :
قرأ عاصم : أُسوة بضم الهمزة ، والباقون : إسوة بكسرها وهما لغتان .
ولما رأى المؤمنون الأحزابِ مقبِلين للقتال ، يتوافدون حماسةُ وحباً للانتقام { قَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ } من نزول الشدائد ووقوع الفتن ، امتحاناً لإيمان عباده . وقد صدق الله ورسوله وما زادَهم هولُ ما رأوا الا إيماناً بالله ، وتسْليماً لأوامره وقضائه . هذا هو الإيمان الحق ، الصبر والثبات ، والتسليم الى الله ورسوله ، والثقة بنصر الله .
{ مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً } .
من المؤمنين بالله ورسوله رجال وَفَوا بما عاهدوا الله عليه من الصبر على الشدائد ، فمنهم من فَرَغَ من العمل الذي كان نَذَرَه لله وأوجبَه علىنفسه ، فاستُشهد بعضُهم يوم بدر ، وبعضهم يوم أحد ، وبعضهم في غير ذكل من المواطن المشرفة ، { وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ } الشهادةَ ، وما غيَّروا العهدَ الذي عاهدوا ربهم ، كما غيره المعوِّقون القائلون لإخوانهم : هلمّ الينا ، والقائلون : إن بيوتَنا عَورة .
{ لِّيَجْزِيَ الله الصادقين بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ المنافقين إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً }
ان الله سبحانه يختبر عبادَه بالخوفِ والشدائد ليُظهرَ الصادقَ بإيمانه من المنافق الكذاب كما قال : { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } سورة محمد 31 . ويعذّب المنافِقين إذا استمرّوا على نفاقِهم . فإن تابوا ، فإن الله غفور رحيم . وباب التوبة عنده مفتوحٌ دائما وابدا ، وهو يغفر الذنوب جميعا .
{ وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى الله المؤمنين القتال وَكَانَ الله قَوِيّاً عَزِيزاً } .
انتهت المعركة وانفرجت الغُمة ، وردَّ الله الكفار ممتلئةً قلوبُهم بالغيظ خائبين ، لم ينالوا خيراً من نصرٍ او غنيمة . وكفى الله المؤمنين مشقَّة القتال ، وكان الله عزيزاً بحَوْله وقوته .
روى الشيخان من حديث ابي هريرة « ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : » لا اله الا الله وحدَه ، صدق عبدَه ، وأعزَّ جنده ، وهزم الاحزابَ وحده ، فلا شيء بعده «
وروى محمد بن اسحاق انه لما انصرف الاحزاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لن تغزوكم قريشُ بعدَ عامِكم هذا ، ولكنكم تغزونهم » وقد تحقق هذا ونصر الله رسولَه والمؤمنين الى ان فتح عليهم مكة . (3/105)
{ وَأَنزَلَ الذين ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الكتاب مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً } .
انتهت المعركة مع الأحزاب من قريش وحلفائها وردّهم الله خائبين ، لكنّها لم تنتهِ مع اليهود من بني قريظة ، الذين نقضوا العهد مع رسول الله والمؤمنين . وكان الرسول لما قَدِم المدينة ، كتبَ كتاباً بين المهاجرين والانصار وادَعَ فيه اليهودَ وعاهدَهم ، وأقرّهم على دينهم وأموالهم ، وشَرَطَ لهم واشترط عليهم ، وجاء فيه : « انه من تَبِعنا من يهودَ فان له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم ، ان اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين ، وان قبائلَ يهودَ أثمة مع المؤمنين . لليهود دينُهم ، وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم . . . . وان بينهم النصرَ على ما حارب أهل هذه الصحيفة وان بينهم النُّصحَ والنصيحة ، والبِرّ دون الاثم ، وان بينهم النصرَ على من دهم يثرب . » .
والعهدُ طويلٌ موجود في سيرة ابن هشام وعدد من المراجع .
ولكن اليهودَ ، هم اليهود في كل زمان ومكان ، فقد نقضوا العهد واتفقوا مع قريش والأحزابِ على أن يهجُموا على المدينة من خلْفِ المسلمين . ولما علم رسول الله بذلك بعث سعدَ بن مُعاذ ، وسعدَ بن عبادة - في رجالٍ من الانصار ليتحققوا الخبر . فوجدوهم على شرّ ما بلَغَهم عنهم ، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : من رسولُ الله؟ لا عهدَ بيننا وبين محمد ولا عقد .
وهكذا حاولوا طعنَ المسلمين من الخلق ، ولكنّ الله خيبّهم ، إذ أنهم اختلفوا مع قريش وتحصنوا في حصونهم ولم يحاربوا .
فلما انصرف الرسولُ الكريم والمسلمون من الخندق راجعين الى المدينة - أمَرَ الرسول مؤذنا فأذن في الناس : إن من كان سمعاً مطيعاً فلا يصلِّيَنَّ العصرَ الا في بني قريظة .
ونزل رسول الله ببني قريظة فحاصرَهَم خمساً وعشرين ليلة حتى تعبوا وجَهَدهم الحصار ، وقذف الله في قلوبهم الرعبَ ، ونزلوا على حُكم سعد بن معاذ حَليفِهم . فحكم فيهم ان تُقتل الرجال ، وتقسَم الأموال ، وتسبى الذراري والنساءن لأنهم لو نَفَّذوا عهدهم مع قريشٍ لقضَوا على المسلمين واستأصلوهم ، ولكن الله سلّم ونَصَرَ المسلمين { وَكَانَ الله قَوِيّاً عَزِيزاً } . وقد توفي سعدُ بن عاذ شهيد من سهم أصابه في ذراعه رضي الله عنه .
{ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً }
وأورثكم الله ايها المؤمنون ارض اليهود وحصونهم وديارهم واموالهم التي ادّخروها ، وموارعهم . وقد قسمها الرسول الكريم بين المسلمين ، واخر الخمس لرسول الله يصرفه في سبيل الله وأرضاً لم تطئها : خيبر ومكة ، وكل ما لم يُفتح بعد . .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)
زينة الدنيا : كل ما فيها من متاع ونعيم . أمتعكن : اعطيكن المتعة من مال ولباس بحسب ما أستطيع . وأسرّحكن : اطلقكنّ . سَراحا جميلا : طلاقا من غير ضرر ولا مخاصمة ولا مشاجرة . الفاحئة : المعصية . مبيّنة : ظاهرة واضحة . ضِعفين : ضعفي عذاب غيرهن من النساء . يسيرا : هيّنا . (3/106)
بعد ان نصر الله رسوله والمؤمنين وفتح عليهم بني قريظة واموالهم ، طلب نساء النبي ان يوسع ليهن بالنفقة ، وقلن له : يا رسول الله ، بنات كسرى وقيصر في الحَلْي والحلل ، والاماء والخدم والحشَم ، ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق! فأنزل الله تعالى في شأنهن قوله :
{ ياأيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياة الدنيا . . . } الآيات .
فبدأ بعائشة ، فقال لها : إني أذكر لك أمراً ما أحبُّ ان تعجَلي حتى تستأمري أبويك . قالت : وما هو؟ فتلا عليها : { ياأيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ . . . . الآية } قالت عائشة : أفيكَ أَستأمر ابويَّ! بل اختارُ الله تعالى ورسولَه . ثم تابعها بقيةُ نسائه . وكنّ تسعاً : سِتّاً من قريش ، وهن عائشة وحفصة وام حبيبة وسودة وام سلمة وزينب بنت جحش الاسدية ، وثلاثاً من غير قريش وهن : ميمونة بنت الحارث الهلالية ، وصفية بنت حُيي بن أخطب يهودية الأصل ، وجويرية بنت الحارث المصطَلَقية .
وبعد ان خيّرهن واخترن الله ورسولَه وعَظَهن بقوله تعالى : { يانسآء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيراً } .
وفي هذا تهديد شديد ، لأنهن لسن كغيرهن من النساء . . . . والذنبُ من العظيم عظيم ، فمن تفعل منهن ذنباً يضاعَف لها العذاب من الله .
قراءات :
قرأ ابن كثير وابن عامر نُضَعِّف العذابَ : بضم النون وتشديد العين المكسورة ونصب العذاب . وقرأ ابو عمرو : يُضَعَّف بضم الياء وتشديد العين المفتوحة على البناء للمفعول ، العذاب مرفوع . وقرأ الباقون : يُضاعَف لها العذاب بألف بعد الضاد ، للمجهول .
هكذا كانت آيتا التخيير تحدّدان الطريقَ الواضح : فإما الحياةَ الدنيا وزينتها ، واما اللهَ ورسوله والدارَ الآخرة . وقال نساء الرسول الكريم بعد ذلك : واللهِ لا نسألُ رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده ، وفرح الرسولُ بذلك صلى الله عليه وسلم .
وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34)
يقنت : يطع الله ويخضع له . س يقال قَنَتَ لله وقنت اللهَ ، متعد ولازم . أعتدنا : هيّأنا وأعددنا . كريما : سالما من الآفات والعيوب . لستنّ كأحد من النساء : لا يساويكن احد من النساء في الفضل والمنزلة . فلا تخضعن بالقول : فلا تِجبن احداً بقول لين مريب . في قلبه مرض : في قلبه ريبة وفجور . وقلن قولا معروفا : قولا حسنا لطيفا بعيدا عن الريبة . وقَرن في بيوتكن : إلزمن بيوتكن . التبرج : اظهار الزينة . الجاهلية الاولى : الجاهلية القديمة التي لا تعرف دينا ولا نظاما . ليُذهب عنكم الرجس : الاثم والذنب . آيات الله : القرآن الكريم . والحكمة : ما ينطق به الرسول من السنة والحديث . (3/107)
ومن تطعْ منكنّ يا نساء النبيّ اللهَ ورسولَه وتخضع لأوامرهما ، وتعمل صالح الأعمال ، يعطِيها الله أجرها مرتين ( كما هدّد بمضاعفة العذاب ) ، وزيادةً على مضاعفة الأجر أعدّ الله لكنّ الكرامة في الدنيا والآخرة .
ثم بين لهنّ أنهن لسن كغيرِهن من النساء بقوله تعالى :
{ يانسآء النبي لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النسآء إِنِ اتقيتن فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول فَيَطْمَعَ الذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } .
ليس هناك جماعة من النساء تساويكن في الفضل والكرامة ، لأنكن أَزواج خاتَم النبييّن ، وأمهات المؤمنين ، وهذه منزلةٌ عظيمة لم يتشرّف بها احدٌ من النساء غيركن .
ولذلك نهاهنّ الله عن الهزل في الكلام إذا خاطبهنّ الناس ، حتى لا يطمع فيهنَّ منْ في قلبه نِفاق ، ثم أمَرَهنّ ان يقُلن قولاً معروفا بعيداً عن الريبة .
{ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى } .
وهذا أمرٌ من الله أن يلزمن بيوتَهن ، وان لا يظهِرن زينتهن ومحاسنَهن كما يفعل اهل الجاهلية الاولى . ثم أمرهنّ بأهم اركان الدين وهو إقامة الصلاة وايتاء الزكاة ، واطاعة الله ورسوله .
{ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً } .
ليُذهب عنكُم كلَّ دَنَس وإثمٍ يا أهلَ بيت النبي الكريم ويجعلكم طاهرين مطهَّرين . ثم امرهن بتعلُّم القرآن وتعليمه لغيرِهن ، وان يستوعبن ما يقول الرسولُ الكريم من الحكمة المبثوثة في سُنَّته ، لأن الناس سيهرَعون إليهن ليأَخذوا منهنَّ ما سمعنَه منه .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : ومن يقنت منكن . . . . ويعمل صالحا ، بالياء في الفعلين . وقرأ الباقون : ومن يقنت . . . . وتعمل بالتاء في الأخير .
وقرأ عاصم ونافع : وقَرن بفتح القاف . والباقون : وقِرن بكسر القاف .
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35)
الاسلام : الانقياد والخضوع لأمر الله ، والايمان : التصديق بما جاء عن الله من أمرٍ ونهى . القنوت : الطاعة في سكون . الصبر : تحمل المشاق والمكاره والعبادات والبعد عن المعاصي . الخشوع : السكون والطمأنينة . اعدّ الله لهم مغفرة : هيأ لهم الرحمة والغفران واحسن الجزاء . (3/108)
ذكر الله تعالى في هذه الآية عشر صفات من صفات المؤمن المخلص الصادِق الإيمان ، وهي الإسلام ، والإيمان ، والقنوت ، والصدق ، والصبر ، والخشوع ، والتصدُّق ، والصوم ، وحفظ الفرْج ، وذِكر الله كثيرا .
فهذه الصفات تجعلُ من يتحلّى بها من المؤمنين رجلا مثاليا او امرأة مثالية . ويلاحَظ ان الله تعالى لم يفرّق بين المرأة والرجل ، فالكل سواء في العمل والايمان والأجر والكرامة . وأيّ منزلة أرفعُ من هذه المنزلة للمرأة ، فهي تُذكر في الآية بجنب الرجل ، مع رفع قيمتها ، وترقية النظرة اليها في المجتمع واعطائها مكانها اللائق في التطهر والعبادة والسلوك القويم في الحياة .
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40)
ما كان لمؤمن . . . . : لا ينبغي لمؤمن ان يختار غير ما يختار الله . الخيرة : الاختيار . مبينا : ظاهرا . الذي انعم الله عليه . هو زيد بن حارثة انعم الله عليه بالاسلام . وأنعمتَ عليه : بالعتق والحرية . الوطر : الحاجة . الحرج : المشقة . فرض الله له : قدر الله له . خلَوا : مضوا . قَدَرا مقدورا : قضاء مقضيا . (3/109)
{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً . . . . }
ليس الاختيار بيد الانسان في كل شيء ، بل هناك أمور لا اختيار لمؤمنٍ ولا لمؤمنة فيها ، وهي ما حَكَمَ اللهُ فيه ، فما أمر به فهو المتّبع ، وما أرادَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم فهو الحقّ ، ومن يخالفْ ما حكم به الله ورسوله { فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً } .
نزلت هذه الآية في زينبَ بنتِ جحش ، ابنة عمةِ النبي عليه الصلاة والسلام ، فقد خطَبها الرسول الكريم ليزوّجها من زيد بن حارثة مولاه ، فلم يقبل أخوها عبدُ الله ان تكون أختُه ، وهي قرشية هاشمية ، تحت عبدٍ اشترته خديجةُ ثم أعتقه الرسول الكريم .
وقد اصر الرسول عليه الصلاة والسلام على تزويجها من زيدٍ لإزالة تلك الاعتبارات القائمة في النفوس على العصبيّات ، ولهدْم تقاليد العرب القديمة .
فلما نزلت هذه الآية أذعَن عبدُ الله وأختُه زينب وقبلت ان تتزوج زيدا . ولم ينجح هذا الزواج . فقد تطاولت زينب على زوجها وجعلت تتكبر عليه ، وتعيّره بأنه عبد رقيق ، وهي قرشية . وآذتْه بفخرها عليه ، واشتكى الى النّبي ذلك مرارا ، وطلب اليه ان يأذَن له بتطليقها فكان النبي يقول له : « أمسِك عليك زوجَك » لكن زيدا لم يُطِقْ معاشرةَ زينب فطلّقها .
وبعد ذلك تزوّجها الرسول الكريم ، وهي ابنةُ عمته ، ولأنه يريد ان يُبطِل عادة التبنّي الذي كان معمولاً به في الجاهلية . وكل ذلك بأمرٍ من الله كما جاء في قوله تعالى : { وَإِذْ تَقُولُ للذي أَنعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتق الله وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ وَتَخْشَى الناس والله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ } .
فالذي أنعم الله عليه هو زيد ، أنعم عليه بالاسلام ، والذي انعمتَ يا محمد عليه هو زيدٌ أيضا ، أنعمتَ عليه بالعتق من الرق وجعلته حراً . وتخفي يا محمد في نفسِك ما سيُظهره الله من ان زيدا سوف يطلق زينب وانك ستتزوجها بأمر الله . هل تخاف ان يعيّرك الناس أنك تزوّجت امرأة ابنِك ( وكان يقال له زيد بن محمد ) ؟ ان الله وحده هو الذي يجب ان تخشاه ، فانك انت القدوة في كل ما امر الله به ، وما ألقى عليك ان تبلّغه للناس ، فلتكن أيضا القدوةَ فيما أبطلَ الشارعُ الحكيم من الحقوق المقررة للتبني والادعاء . وفي ذلك نزل قوله تعالى : { فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ في أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً } .
وقد قامت قيامة المبشّرين والمستشرقين لهذا الحادث وكتبوا فيه وأوّلوا وأطلقوا لخيالهم العِنان ، وهم يعلمون حقَّ العلم أن الرسول الكريم كان مبشّرا ونذيراً ومعلّماً وداعياًالى الله بإذنه ومشرعاً يريد ان يهدِم عاداتِ الجاهلية ، ولذلك يقول تعالى : (3/110)
{ مَّا كَانَ عَلَى النبي مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً } .
ما كان على النبي من إثمٍ في عمل أمره الله به ، فلا حرجَ في هذا الأمر ، وليس النبي فيه بِدعاً بين الرسل ، فهو أمرٌ يمضي وَفقَ سنّة الله التي لا تتبدل في الانبياء الذي مضوا .
ثم وصف الذين خَلوا بصفاتِ الكمال والتقوى وإخلاص العبادة له وتبليغ رسالته فقال : { الذين يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ الله وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ الله وكفى بالله حَسِيباً } .
كفى ان يكون الله الرقيبَ المحاسب ، فهو وحده يحاسبهم .
{ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين }
وفي هذه الآية قطعٌ لألسنة المنافقين وشياطينهم من اليهود الذين قالوا إن محمداً تزوج حليلة ابنة زيد . ان محمداً ليس اباً لأحد من رجالكم حتى يحرُم عليه التزوج من مطلقته ولكنّه أبٌ للمؤمنين جميعا ، ولذلك فهو يشرّع الشرائع الباقية ، لتسير عليها البشرية ، وفق آخر رسالة السماء الى الأرض ، { وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً } يعلم ما يصلح لهذه البشرية ، فقضى الله هذا وفق علمه بكل شيء .
قراءات :
قرأ اهل الكوفة : ان يكون لهم الخيرة بالياء . والباقون : ان تكون بالتاء . وقرأ عاصم وحده : خاتَم بفتح التاء . والباقون : خاتم بكسر التاء .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (44) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (48) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (49)
أصيلا : الأصيل هن الوقت حين تصفرّ الشمس عند الغروب . الصلاة من الله : المغفرة والرحمة . النكاح : عقد الزواج . من قبل ان تمسّوهن : من قبل ان تدخلوا بهن . فمتِّعوهن : اعطوهن ما يخرج من نفوسكم من المال لتطيب به نفوسهن . (3/111)
يا أيها الذين آمنوا ، أكثِروا من ذكر الله وسبّحوه كلَّ وقت ، ولا سيمّا أول النهار وآخره ، هو الذي يرحمكم ويغفر لكم بصلاته عليكم ، وتستغفر لكم الملائكة ، ليخرجكم من ظلماتِ الجهل الى نور الاسلام { وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً } . وهذا أمرُهم في الدنيا دار العمل . أماأمرهم في الآخرة وعندما يلقونه فلهم الكرامةُ والحفاوة والأجر الكريم : { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً } .
يا أيها النبي إنا أرسلنا شاهداً على أُمتك ترفع أمرهم الى الله يوم القيامة ، ونذيراً لهم حتى لا يتهاونوا ، وداعياً الى الله بإذنه لنشْرِ الدين ، ومصباحاً مضيئا يهدي بنوره الحائرين ويقتبس من نوره المهتدون .
وبعد هذا يأتي الفضل كله { وَبَشِّرِ المؤمنين بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ الله فَضْلاً كِبِيراً } على سائرِ الأمم بحَمْلهم أعباءَ هذا الدين الكريم وابلاغه الى الناس .
ثم بعد ذلك ينهي الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يهمل الكافرين والمنافقين ولا يحمل بأذاهم ، وأن يتوكل على الله وحده ويفوّض أمره إليه كما أَمَرَه في مطلع السورة . . { وكفى بالله وَكِيلاً } .
ثم يبين تشريعاً مهماً لحفظ الأُسرة ، وكرامة المرأة وحفظ حقوقها بقوله :
{ ياأيها الذين آمنوا إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً } .
في هذه الآية الكريمة أمران :
الأول : اذا عقدتم عقدكم على امرأة ثم لم يحصَل وِفاق وطلقتموها قبل الدخول فليس عليها عِدّة .
الثاني : على المطلّق ان يمّتعِ المطلقةَ بشيء من المال حسب قُدرته حتى يطيبَ خاطرُها وليكون في ذلك بعضُ السلوة لها عما لحِق بها من أذى الطلاق .
{ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً } .
سبق في سورة البقرة نفس الموضوع في قوله تعالى : { لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ . . . . . } [ الآية : 236 و 237 ] .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : من قبل ان تُماسّوهن بضم التاء والف بعدها . الباقون : تمسوهن ، بفتح التاء من غير الف بعدها .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (50) تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آَتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (51) لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (52)
آتيتَ أجورهن : اعطيت مهورهن . وما ملكت يمينُك : من الإماء التي جاءتك من المغانم . خالصةً لك : خاصة بك . حرج : ضيق ، مشقة . ترجِي : تؤخر ، تبعد . تؤوي اليك : تسكن معك . ومن ابتغيتَ ممن عزلتَ : ومن طلبتَ ممن ابعدتَ من نسائك . ذلك أدنى ان تقر اعينهن : ذلك أقرب ان تسر نفوسهن . (3/112)
في هذه الآياتِ الكريمة يبيّن الله لرسوله الكريمِ ما يحِلّ له من النساء ، وما في ذلك من خصوصية لشخصِه الكريم ولأهل بيته .
يا أيها النبي : إنا أحبنا لك أزواجَك اللاّتي اعطيتّهن مهورَهن ، وأحللنا لكم ما ملكتْ يدُك من الجواري ، ويجوز لك ان تتزوج من بناتِ عمك ، وبناتِ عماتك ، وبناتِ خالك وبناتِ خالاتك اللاتي هاجرْن معك .
ويجوز لك ان تتزوّج امرأةً مؤمنة ان وهبتْ نفسَها لك بلا مهر .
{ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ في أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } من شروط العقد الشرعي .
وهذه الإباحةُ خالصة لك من دون المؤمنين ، أما غيْرك من المؤمنين إن وهبْت امرأةٌ الشرعي .
لقد أحلَلنا لك ذلك لِكَيلا يكونَ عليك حَرَجٌ في نِكاح من تريدُ من الأصنافِ التي ذُكرتْ { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } .
{ تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وتؤويا إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ } . . . الآية .
يخّير الله الرسول الكريم في هذه الآية بأن يدنيَ إليه من يشاءُ من نسائه ويؤخّر منهنّ من يشاء . وإذا اراد ان يطلب واحدةً كان أبعدَها فله الخيارُ في ذلك دون حَرَجٍ او تضييق عليه . وكلُّ ذلك حتى يكنَّ مسرورات قريراتِ الأعين ، ولا يحزنّ بل يرضين بما قَسَم بينهن ، ويعلمن أن هذا كلَّه بأمرِ الله وترخيصِه لرسوله الكريم .
روى ابن جرير عن ابي رزين قال : لما نزلت ية التخيير السابقةُ خاف نساء النبي ان يطلّقهن فقلن : يا رسول الله ، لنا من مالك ومن نفسِك ما شئت ، ودعنا كما نحنُ ، فنزلت هذه الآية ، فأرجأ رسول الله خمساً من نسائه وهن : ام حبيبة ، وميمونة ، وصفية ، وجويرية ، وسودة ، فكان لا يقسم بينهن ما شاء ، يعني لم يجعل دورا في المبيت عندَهن منتظَما .
وآوى اليه أربع نساء هن : عائشة ، وحفصة ، وزينب ، وأم سلمة ، وكان يقسِم بينّهن على السواء ، لكل واحدة ليلة .
{ والله يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ } من الميل الى بعضِهن دون بعض مما لا يمكن دفعُه ، { وَكَانَ الله عَلِيماً حَلِيماً } .
ثم ختم هذا الموضع بآيةِ كريمة فيها حكمان : ان لا يتزوج عليه الصلاة والسلام غيرَ نسائه التسعَ الموجودات في عصمته ، وان لا يستبدل بهن غيرَهن فقال :
{ لاَّ يَحِلُّ لَكَ النسآء مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً } .
لا يحِل لك النساء بعد هؤلاء التسع اللاتي في عصمتك ، ولا أن تستبدلَ بهن ازواجاً غيرهن ، مهما كانت الواحدةُ بارعةً في الحسَب والجمال ، الا ما ملكتْ يمينك من الجواري ، وكان الله على كل شيء مطّلعا .
قراءات :
قرأ ابن كثير وابوعمرو وابو بكر عن عاصم : ترجىء بالهمزة ، والباقون : ترجي بدون همزة . وقرأ ابو عمرو وحده : لا تحل لك النساء بالتاء . والباقون : لا يحل لك النساء بالياء .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54) لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آَبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (55)
غير ناظرين أَناهُ : غير منتظرين نضجه ، أنى الطعامُ يأني : نضج واستوى . طَعِمتم : أكلتم . فانتشروا : اذهبوا وتفرقوا . ولا مستأنسين لحديث : لا تمكثوا بعد الطعام تتحدثون . متاعا : اي شيء . من وراء حجاب : من وراء حاجز . (3/113)
في هذه الآيات إرشادٌ وتعليم للناس كيف يدخلون بيوتَ النبي ، وفي اي وقت . وقد كان بعض المنافقين يؤذون الرسولَ عليه الصلاة والسلام بالتردّد على بيوته . وكان بعَضُ أصحابه يطلبون الجلوس ، فأرشدَ الله أصحابه الى تعظيم الرسول ، وعيّ الحالاتِ والأوقات التي يُسمح لهم بدخول بيوته ، وأدّبهم خير تأديب .
روى الامام احمد والبخاري ومسلم وغيرهن عن أنس رضي الله عنه قال : « لما تزّوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينبَ بنتَ جحش دعا القومَ الى طعام ، فأكلوا ثم جلسوا يتحدّثون ، واذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا . فلما رأى ذلك قامَ ، فلما قام ذهب جماعةٌ وبقي ثلاثةُ نفر ، فجاء النبي ليدخلَ فإذا القومُ جلوس . ثم إنهم قاموا ، فانطلقتُ فأخبرتُه بذهابهم . . . . » .
{ ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي . . . . الآية } .
يا ايها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي الا اذا أذن لكم ، او دعاكم الى طعام ، فاذا دعيتم الى طعام فلا تأتوا مبكرين لتنتظروا نضجه ، بل ادخلوا عندما يكون قد تم إعداده فقبلَ ذلك يكون أهل البيت في شغل عنكم .
فاذا دعيتم فلبوا الدعوة ، واذا اكلتم الطعام فتفرقوا واخرجوا ولا تطيلوا الجلوس وتمكثوا تتحدثون . فان ذلك كان يؤذي النبي ويستحي منكم ، والله لا يستحي من الحق . وقد سمى بعض المفسرين هذه الآية آية لاثقلاء ، وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها : « حسبك في الثقلاء ان الله عز وجل لم يحتملهم » .
ثم علّمهم كيف يسألون نساء النبي وتيأدبون معهن فقال : { وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فاسألوهن مِن وَرَآءِ حِجَابٍ } .
وذلك اعظم طهارةً لقلوبكم وقولوبهن من وساوس الشيطان .
ولما ذكر الله تعالى بعض الآداب التي يجب ان يراعوها في بيت رسول الله اكده بما يحملهم على ملاطفته وحسن معاملته بقوله : { وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله } ، ولا ان تتزوجوا نساءه من بعده ابدا ، احتراما لهن لأنهنّ أمهات المؤمنين .
{ إِنَّ ذلكم كَانَ عِندَ الله عَظِيماً } ولا يخفى ما ي هذا من الوعيد الشديد ، وعظيم التهديد على هذا العمل .
والله يعلم ما تظهرونه وما تخفونه في صدوركم ، لا تخفى عليه خافية .
ثم بين بعد ذلك الاقارب الذين يمكن ان يدخلو على نساء النبي ولا يحتجبن منه وهم : الآباء والابناء واخوانهن ، وابناء اخوانهن ، وابناء اخواتهم ، والنساء المسلمات ، وما ملكت ايمانهن من العبيد ، وعليهن ان يتقين الله ، ان الله كان على كل شيء شهيدا .
إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)
الصلاة من الله : الرحمة وذكره بالثناء على الملأ الاعلى ، ومن الملائكة الاستغفار ، ومن الناس الدعاء له بالرحمة . والمعنى ان الله يرحم النبي ، والملائكة يدعون له ويطلبون له المغفرة . يا ايها المؤمنون : ادعوا له بالرحمة ، وأظهروا شرفه بكل ما تصل اليه قدرتكم . (3/114)
ان الذين يؤذون الله ورسوله من المنافقين وشياطينهم اليهود ، بتدبير المؤامرات والدس للتفرقة بين المؤمنين - لعنهم الله في الدنيا والآخرة ، وطردهم من رحمته وأعدّ لهم عذابا كبير يهينهم يوم القيامة ويذل كبرياءهم .
والذين يؤذنو المؤمنين والمؤمنات بقولٍ او فعل من غير ذنب فعلوه ، فقد تحملوا وزر كذبهم عليهم ، { فَقَدِ احتملوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً } فلا يجوز ايذاء الناس بالغيبة ، او الافتراء عيلهم او الكيد لهم وما الى ذلك .
وفي الحديث : « سئل رسول الله عن الغِيبة فقال : ذِكرك أخاك بما يكره . قيل : ارأيت ان كان فيه ما أقول؟ قال : ان كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وان لم يكن فيه منا تقول فقد بهتّه »
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62)
الجلباب : ثوب واسع اوسع من الخمار دون الرداء تغطي به المرأة رأسها وصدرها . وقيل هو الملحفة . يُدين : يُسدلِن . أدنى ان يُعرفن : اقرب ان يميَّزن من الإماء والفتيات . المرجفون : اليهود ، كانوا يلفقون اخبار السوء وينشرونها . لنغرينك بهمك لنسلطنك عليهم . اينما ثقفوا : اينما وجدوا . خلَوا : مضوا . (3/115)
لم يكن في منازل المدينة مراحيض ، فكان النساء يخرجن ليلا لقضاء الحاجة في البساتين وبين النخيل ، وكان الاماء والحرائر يخرجن في زِيّ واحد ، وكان فسّاق المدينة من المنافقين وغيرهم يتعرضون للاماء ، وربما تعرضوا للحرائر ، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر نساءه وبناته ونساء المؤمنين عامة اذا خرجن لحاجتهن ان يتسترن بلبس الجلابيب ويسترن اجسامهما ما عدا الوجه والكفين . { ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ } .
فعلى المسلمة اذا خرجت من بيتها لحاجة أن تسدل عليها ملابسها ولا تبدي شيئاً من مواضع الفتنة . { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } لما سلف في أيام الجاهلية .
ولما كان الذى يحصل من المنافقين وشياطينهم ومن على شاكلتهم حذرّهم الله بقوله :
{ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ والمرجفون فِي المدينة لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً } .
توعّد الله في هذه الآية ثلاثة اصناف من الناس وهم : المنافقون الذين يؤذون الله ورسوله ، ومن في قلوبهم مرض من فساق المدينة الذين يؤذون المؤمنين باتباع نسائهم ، والمرجفون وهم اليهود الذين يؤذون النبي صلى الله عليه سولم بترويج الاشاعات الكاذبة والتشويش على المؤمنين . وانهم اذا لم ينتهوا سلّط عليهم الرسولَ واصحابه فيقاتلونهم ويخرجونهم من المدينة .
ثم بين ما آل إليه امرهم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة فقال :
{ مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثقفوا أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً }
مستحقين اللعنة والطرد اينما وجدوا أخُذوا وقتّلوا تقتيلا ، عقوبةً لهم .
وهذه سنة الله في امثال هذه الفئات في كل زمان ، لا تتغير ولا تتبدل ، ولن تجد لسنة الله تبديلا .