صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)
منطِق الطير : لغته . حشر : جمع . يوزعون : يمنعون من الفوضى ويسيرون بانتظام . لا يحطمنّكم : لا يهلكنكم . أوزِعني : يسِّر لي شكر نعمتك . (3/36)
ذُكرت قصةُ داود في تسع سورة هي : سورة البقرة والنساء والمائدة والأنعام والإسراء والأنبياء وسورة النمل ، وسبأ ، وص ، وورد ذكر سليمان في سبع سور هي : البقرة والنساء والأنعام والأنبياء والنمل وسبأ ، وص .
وجاء ذكر داود هنا فقط ، وبُسطت قصةُ سليمان بتوسع في هذه السورة اكثر مناه في اية سورة اخرى ، وركزت على قصة سليمان مع الهدهدِ وملكةِ سبأ ، ثم مشهد موكبه العظيم ، وتحذير نملة لقومها من هذا الموكب ، وبذلك سُميت السورة « سورة النمل » وذلك من الآية 15 الى الآية 44 .
ولقد اعطينا داود وسليمان عِلما ، فَحَمِدا الله على ما أولاهما ، وفضّلهما بذلك على كثير من المؤمنين . ويتبين لنا من الآية الكريمة فضلُ العلم وشرفه وشرف أهله ، وأن الإسلام قام على العلم كما ورد في اول ما نزل منه : { اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ . . . . } وفي آيات كثيرة ، كقوله تعالى : { يَرْفَعِ الله الذين آمَنُواْ مِنكُمْ والذين أُوتُواْ العلم دَرَجَاتٍ } سورة المجادلة .
وقد آل الحكمُ والنبوة من داودَ إلى سليمان ابنه ، الذي أخبرَ الناسَ تحدُّثاً بنعم الله عليه بأنه أثوتي فَهْمَ لغة الطير ، وانه مُنح من جميع النعم قسطاً وافرا ، وان هذا الذي آتاه الله لهو الفضل الكبير . وقد دلّت الابحاث الحديثة على ان لكل جماعةٍ من الطير طريقة خاصة تتفاهم بها الأفراد .
وحشر لسليمان جنوده من الجن والانس والطير فهم يتلاحقون ، حتى اذا مروا بوادٍ فيه نمل كثير قالت نملة لجماعتها : يا معشر النمل ، ادخلوا مساكنكم لا يهلكنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون بكم . فسمعها سليمان فتبسم ضاحكا متعجباً من قولها ، وسأل الله تعالى ان يلهمه شكره على ما انعم عليه وعلى والديه من عِلم وملك ، وان يوفقه للعمل الصالح الذي يرضاه ، وان يدخله في رحمته وكرمه وفضله ويجعله من جملة عباده الصالحين .
وقد كتب كثير من الكتاب والباحثين عن معيشة النمل ونظامها ، وما لها من عجائبض في معيشتها وتدبير شئونها ، ومثابرتها على العمل . وانها تتخذ القرى في باطن الارض ، وتخزن قوتها لأيام الشتاء .
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26)
تفقّد الشيء : سأل عنه وطلب معرفة احواله . بسلطان مبين : بحجة واضحة . أحطتُ بما لم تحط به : علمتُ أشياء لا تعرفها . سبَأ : ابو قبيلة من اليمن ، ومملكة ظهرت في شرق المنطقة المعروفة الآن باسم صِرواح ومأرِب فسميت البلاد باسمها ، واليها تنسب اللغة السبئية والديانة السبئية . بنبأ : بخبر عظيم . العرش : سرير الملك . فصدّهم عن السبيل : منعهم عن طريق الحق والصواب . يُخرج الخبء : يخرج المخبوء من كل شيء . (3/37)
وتفقد سليمان جماعةَ الطير التي تجتمع عنده فلم يجد الهدهد ، فقال : أين الهدهد ، فقال : أين الهدهد ، اين غاب عني؟ ثم توعده بالعذاب اذا لم يجدْ سبباً يبرر به غيبته ، او يأتِهِ بحجّة واضحة تظهر له عذره . وجاء الهدهد بعد غياب قليل وقال لسليمان : علمتُ ما لم تعلم ، وجئتك من دولة سبأ بخبرٍ ذي شأن عظيم . إني وجدتُ في سبأ امرأةً تحكمهم ، أوتيتْ من كل شيء يحتاج اليه الملوك في تَرَفِهم ، ولها عرش عظيم . وهي وقومها يعبدون الشمس ولا يعبدون الله ، لقد زيَّن الشيطانُ لهم عبادتعهم وأبعدهم عن دين الله فهم لا يهتدون ، وأمَرَهم ان لا يسجدوا لله الذي يُخرج كل شيء مخبوء في السماوات والأرض ، ويعلم ما يخفيه العباد وما يعلنونه { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ رَبُّ العرش العظيم } . وهنا موضع سجدة .
قراءات :
قرأ ابن كثير : « اوليأتينَّني » بنونين ، والباقون : « او ليأتينّي » بنون واحدة . قرأ عاصم : « ومكَث » بفتح الكاف . والباقون : « ومكُث » بضم الكاف وهما لغتان . وقرأ ابن كثير : وابو عمرو « من سبأَ » بتفح الهمزة على انه ممنوع من الصرف ، والباقون : « من سبأ » بالتنوين والجر .
قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)
تولّ عنهم : تنحّ ، ابعد عنهم . ماذا يرجعون : ماذا يدور بينهم . الملأ : اشراف القوم . ألاّ تعلو عليَّ : الا تتكبروا . مسْلِمين : منقادين . افتوني : أشيروا علي . ما كنت قاطعةً أمراً : ما كنت لأعملَ أي شيء . حتى تشهَدون : حتى تحضرون . (3/38)
أراد سليمان ان يختبر الهدهد : أصادق هو ام كاذب . ؟ فأعطاه كتاباً ليوصله الى ملكة سبأ ، واسمُها بلقيس . ذهب الهدهد بالكتاب وألقاه على سريرها ، فاخذته فإذا به : { إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } .
لم ترِد الملكة ان تستبدّ بالجواب ، شأن بعض الملوكن فجمعتْ رجال دولتها وأشراف القوم وأطلعتْهم على الكتاب . فأخذتهم العِزّةُ وثارت فيهم الحماسة وقالوا :
{ قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ والأمر إِلَيْكِ فانظري مَاذَا تَأْمُرِينَ } .
وكانت الملكة عاقلةً فنظرت في الأمر بعين الفطنة ، ولم تغترّ بما أبداه رجالها من الحماسة وقالت لهم : ان دخول املوك المدنَ والقرى فاتحين ليس من الأمور الهّينة ، وليس أثره بالسّهل على أهلها . ( وكان من عادات الفاتحين قبل الاسلام ان يستعبِدوا المغلوبين ، ويذبحوا رجالهم ويستحييوا نساءهم ويفسدوا الحرث والنسل ) . وعرضتْ عليهم رأياً آخر وجدته أقربَ الى حلّ هذه الأزمة التي أتتها من حيثُ لم تحتسِب ، ذلك ان تُرسلَ إلى سليمان بهدية تصانعه بها ، وتطلب مودّته ، ثم تنظر ماذا يرجع به رسُلُها الى سليمان .
فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37) قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)
لا قِبل لهم بها : لا طاقة لهم بمقاومتها . صاغرون : مهانون محتقرون . العرش : سرير الملك . العِفريت من البشر : الخبيث الماكر ، ومن الشياطين : المارد . قال الذي عنده علمٌ من الكتاب : رجل أعطاه الله علماً خاصا ، وقوة روحية . قبل ان يرتد اليك طرفُك : قبل ان تطرف عينك ، والمراد هو السرعة الفائقة . ليبلوَني ربي : ليختبرني ربي . (3/39)
فلما جاء رسلُها الى سليمان بالهدية لم يَقبلْها وقال إنه ليس في حاجةٍ إلى اموالهم لما عنده من الثروة والملك ، كما توعّدهم بأنه سيرسل الى بلادهم جنوداً لا طاقة لهم بهم ، وان اقبة ذلك إخراجُهم من بلادهم أذِلَّةً صاغرين .
فلما جاء الخبر من الرسُل الى الملكة وعلمت عظَمةَ سليمان وقوة ملكه - أشفقت على قومها . فأجمعت أمرها على الذهاب إليه في بعض أشراف قومها وتوجهت الى القدس بهدية عظيمة . ولمّا علم سليمان باعتزام ملكه سبأ زيارته ، شيّد لها صَرحاً عظيما ، ومرَّدَ أرضَه بالزجاج : وهذا شيء لا عهد لأهل اليمن بمثله .
ولما قربت من ديار سليمان أراد ان يفاجئها بشيء يَبْهَرُها ، كأن ترى بعينها ما لم تر من قبلُ في الاحلام ، وهو أن يأتيها بعرشِها الجميل ليكون جلوسُها عليه في ذلك الصرح . فسأل جنوده عن قويّ يأتيه بذلك العرش : فانتدب له عفريت من الجن وقال :
{ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ }
إني لقادر على ذلك وأمين على كل ما في العرش من جواهر وحلي . وقال رجل { عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } وكان الأمر كما قال . فجاء به ووُضع في الصرح الذي هُيِّىء لاستقبالها . فلما رأى سليمان عرش بلقيس أمامه قال : الحمد لله . . . . هذا من فضلِ ربي ليختبرني أأشكر ام اكفر . . ومن شكَر الله ففائدة الشكر تعود اليه ، ومن جَحد ولم يشكر فان الله غنيّ عن العباد وعبادتهم ، كريم بالإنعام عليهم وان لم يعبدوه .
اما الطريقة التي جيء بها بالعرض فشيءٌ لم يأت تفصيل له بخبر صحيح ، وهو معجزة خارقة للعادة ، كبقية المعجزات نسلّم بها تسليما .
وأهل القصص وبعض المفسرين يذكرون ان سليمان تزوّج منها وجاءه منها ولد ، ويزعم ملوك الحبشة أنهم أبناء سليمان من الولد الذي ولدته من سليمان ، لكن هذا زعمٌ منهم .
قراءات :
قرأ حمزة ويعقوب : اتمدونّي بنون واحدة مشددة . الباقون : اتمدونني بنونين .
قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)
نكّروا لها عرشها : غيِّروا فيه . صدّها : منعها . الصرح : كل بناء مرتفع . حسبته لجّة : ظننته ماء . ممرَّد : ذو سطح املس . من قوارير : من زجاج وتحته الماء . (3/40)
وقال سليمان لجنده : نكِّروا لها عرشها ببعض التغيير في مظاهره . وسنرى هل تعرفه ام لا . فلما جاءت ورأت العرش قِيل لها : أهكذا عرشك؟ فقالت : كأنه هو . وقال سليمان وقومه : { وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ } منقادين لله ولحكمه . وهذا قول اكثر المفسرين ، وبعضهم يجعل عبارة : { وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ } من قول بلقيس ويكون معنى الكلام : وأوتينا العِلم بكمال قدرة الله وصِدق نبوتك من قبلِ هذه المعجزة بما شاهدناه وبما سمعناه ، وكنا منقادين لك من ذلك الحين .
ثم ذكر سبحانه ما منعها من إظهار ما ادّعت من الاسلام الى ذلك الحين فقال :
{ وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ }
ولقد صرفها عن عبادة الله ما كانت تعبده من آلهة غير الله تعالى ، فانها كانت تعبد الشمس ، وكانت من قوم كافرين .
{ قِيلَ لَهَا ادخلي الصرح فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوارِيرَ }
ولما أرادت دخول الصرح والوصولَ الى العرش رأت ماءً يتموّج ، فيه انواع من حيوان البحر ودوابه . فكشفت عن ساقيها لئلا تبتلّ أذيالها بالماء ، كما هي عادة من يخوض الماء . فقال لها سليمان : إن ما تظنّينه ماءً ليس بالماء ، بل هو صرح أملسُ مكوَّن من زجاج : فراعها ذلك المنظر ، وعلمت ان مُلكها لا يساوي شيئا بجوار ملكِ سليمان ، فقالت : { قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ العالمين } .
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45) قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53)
فريقان : طائفتان . طائفة مؤمنة ، واخرى كافرة . يختصمون : يتنازعون . السيئة : العقوبة . الحسنة : الرحمة . اطّيرنا : تشاءمنا . طائركم : ما يصيبكم من الخير والشر . تفتنون : تختبرون . المدينة : الحِجر ، مداين صالح . الرهط : النفر من الثلاثة الى التسعة . تقاسموا : حلفوا . لنبيتنّه : نهجم عليه بغتة ليلا . وليّه : أقرب الناس اليه . مهلك اهله . أهلاك أهله . دمرناهم : أهلكناهم . خاوية : خالية . (3/41)
ولقد بعثنا الى قوم ثمود أخاهم صالحاً ، فقال لهم اعبدوا الله ، فإذا هم طائفتان يختصمون : جماعةُ تؤمن بالله ، واخرى كافرة ، هي الأكثرُ والأقوى . فقال صالح لقومه : لِمَ يستعجلون طلبَ العذاب قبل الرحمة؟ هلاّ تستغفرون ربكم لعله يرحمكم! قالوا : إننا تشاءمنا بك وبمن اتبعك . ( وأصلُ التطيرُّ : ان العرب كانوا اذا خرجوا مسافرين فمرّوا بطائر وزجروه فان طار الى جهة اليمين تيمّنوا به ، وان مرّ الى جهة اليسار تشاءوموا به ) .
قال لهم صالح : ان سببَ تشاؤمكم هو كفركم بالله ، فقد اراد الله ان يختبركم ليعرف من منكم سيؤمن ، ومن يكفر .
وكان في مدينة صالح تسعةُ رجال من المفسِدين ، طواغيتُ لا يسلم من شرهم احد ، تحالفوا على مباغتته ليلاً وقتله هو واهله ، وان يقولوا لوليّ دمه : لا علم لنا بمن قتلهم . ومكَر هؤلاء مكرهم ، ودبّر الله ردّ كيدهم في نحرهم وهم لا يشعرون ، فكان عاقبة مكرهم ان دمّرهم الله أجمعين . وتلك بيوتُهم خالية . والمشركون من مكة يمرّون بهذه البيوت المدمرة الخاوية ولكنهم لا يعتبرون .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي وخلف : لتبيّتنّه واهله ثم لتقولن ، بالتاء ، وقرأ مجاهد : « ليبيتنه » بالياء ، والباقون : لنبيتنه . . . . بالنون . وقرأ عاصم : مهلك اهله ، بكسر اللام ، وقرأ ابو بكر : مهلك بفتح الميم واللام . والباقون : مهلك بضم الميم وفتح اللام .
وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58)
ذُكرت قصة لوط في عدد من السور : في سورة الأعراف وهود والحِجر والشعراء والنمل هنا ، والتحريم ، وذلك باختلافٍ يسير وبعضها يكمل بعضا . (3/42)
وخلاصة ما جاء هنا ان لوطا قال لقومه : ويلكم ، أتأتون الفاحشة بالذكور وبعضكم ينظر الى بعض ، وتأتون الذكور وتتركون النساء!! إنكم قوم جاهلون بنتائج ما سيحدُث لكم من هلاكٍ ودمار وعذاب في الآخرة . فما كان جواب قومه الا ان قال بعضهم لبعض : اطردوا لوطاً ومن آمن معه من بلادكم ، إنهم اناس يتطهرون . فأنجاه الله وأهلَه والمؤمنين به الا امرأته التي كانت من الكافرين ، ثم دمر بلادَهم ، وامطر على أولئك المفسدين مطر عذابٍ ونقمة .
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمْ مَنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64)
عباده الذين اصطفى : الأنبياء عليهم السلام : حدائق : بساتين . ذات بهجة : ذات منظر حسن يبتهج به من يراه : يَعدلِون : يميلون عن الحق وينحرفون حيث يجعلون لله عديلا . قرارا : مستقرا . خلالها : بينها . الرواسي : الجبال . حاجزا : فاصلا بينهما . الرياح بُشرا : مبشرة بالرحمة ، أي المطر . (3/43)
قل يا محمد : الحمد لله وسلامٌ على عباده الذين اختارهم لرسالته ، وجَمْعِ المتقين المصلحين واسأل معارِضيك : أي الآلهة أفضل ، الله ام الاصنامُ التي يعبدونها وهي لا تضر ولا تنفع؟ . اسألهم أيها الرسول : من خَلَق السمواتِ والأرض على ما يهما من ابداع وحكمة ، وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبت به بساتينَ جميلة تسرّ الناظرين ، ما كنتم تستطيعون ان تنبتوا شجرها؟ ولكن الكفار يعدلِون عن الحق والإيمان ، ويميلون الى الباطل والشرك .
اسألهم ايها الرسول : من الذي جعلَ الأرضَ للاستقرار عليها ، وخلق وسطها انهارا ، وخلق عليها جبالا تمنعها من الميل ، وجعل بين الماء العذبِ والماء المالح فيها فاصلاً يمنع امتزاج احدهما بالآخرة ، هل هناك إله مع الله؟ بل اكثرهم لا يعلمون .
واسألهم ايها الرسول : من يجيب المضطرَّ اذا دعاه ويكشف عنه السوء ، ويجعلكم خلفاء في الأرض تتصرفون فيها ، هل هناك اله مع الله؟ { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } .
اسألهم أيها الرسول : من يهديكم في ظلُمات البرّ والبحر وأنتم لا تدرون اين تذهبون ، ومن يرسل الرياح مبشِّرة بمطر هو رحمة من الله؟ أهناك إله مع الله تعالى يصنع ذلك { وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } .
واسألهم ايها الرسول : من ينشىء الخلق ابتداءً ثم يوجده بعد فنائه كما كان ، ومن يرزقكم من السماء والارض ، هل هناك إله مع الله يفعل ذلك؟ قل ايها الرسول : { هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .
قراءات :
قرأ الجمهور : قليلاً ما تذكرون بالتاء . وقرأ ابن عمرو وهشام وروح : قليلا ما يذكرون . بالياء .
قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (71) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75)
أيان يُبعثون : متى يبعثون للحساب والجزاء . ادّراك : تدراك تلاحق . في شكل : في حيرة . عَمُون : عميان . أساطير : خرافات . رَدِف لكم : لحق بكم . تكنّ : تخفي . (3/44)
قل ايها الرسول للناس : لا يعلم جميعُ من في السموات والارض الغيبَ غير الله وحده ، ولا يعرفون متى يبعثون من قبورهم يوم القيامة .
ثم اكّد الله جهلهم بهذا اليوم فقال :
{ بَلِ ادارك عِلْمُهُمْ فِي الآخرة }
بل تلاحقَ عليمُهم في الآخرة من جهل الى شك وحيرة ، بل هم في ضلالة وجهلٍ عظيم من أمرها .
وقال الذين كفروا : أإذا استحالت اجسادُنا الى تراب نحن وآباؤنا ، هل نخرج من قبورنا لحياة اخرى؟ لقد وعدنا الرسلُ هذا ووعدا آباءنا قبلنا ، لكنّ هذا خرافات القدماء يتناقلونها .
ثم أمر رسوله الكريم ان يرشدهم الى وجه الصواب مع التهديد والتوعيد فقال :
{ قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المجرمين }
تقدم مثل هذه الآية في آل عمران 137 .
ثم سلّى رسوله عليه الصلاة والسلام على ما يناله من عماهم عن السبيل القويم الذي يدعو اليه فقال :
{ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ } . وتقدمت هذه الآية في النحل 127 .
ويقول الكافرون : متى يتم الوعد المنذِرُ بحلول العذاب ان كنتم صادقين؟ .
{ قُلْ عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الذي تَسْتَعْجِلُونَ }
قل ايها الرسول : عسى ان يكون قد لحق بكم وقرُب منكم بعض ما تستعجلونه من العذاب .
ثم بين الله السبب في ترك تعجيل العذاب فقال :
{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ }
ان ربك لهو المنعِم المتفضل على الناس جميعاً بتأخير عقوبتهم ليتوبوا ، ولكن اكثر الناس لا يشكرونه على ذلك .
{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ }
ان الله يعلم كل ما يفكر فيه الانسان ويكتمه في صدره ، وكلّ ما يعلنه من الأقوال والأفعال .
ثم بين ان كل ما يحصل في هذا الوجود محفوظٌ في كتاب واضح دقيقٍ لا يغادر كبيرةً ولا صغيرة الا أحصاها .
قراءات :
قرأ الجمهور : بل ادّراك بتشديد الدال المفتوحة بعدها الف . وقرأ ابن كثير وابو عمرو ابو جعفرن : بل أدْرك باسكان الدال وبدون الف بعدها .
إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81) وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (85)
وقع : حدث وحصل . القول : مجيء الساعة . فوجا : جماعة . يُوزَعون : يمنعون ويجمعون ويزجرون . (3/45)
ان هذا الكتاب الذي أُنزل على محمد يبين لبني إسرائيلَ حقيقةَ ما جاء في التوراة من عقائدَ وأحكام وقصص ، ويردّهم الى الصواب فيما اختلفوا فيه .
وهو مصدرُ هداية للمؤمنين ، ورحمة لمن صدَّق به وعمل بما فيه ، يرحمهم به الله من الشك والقلق والحَيرة .
وبعد ان ذكر فضله وشرفه أتبعه دليلَ عدله فقال :
{ إِن رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ العزيز العليم }
فهو يفصِل بين الناس جميعاً يوم القيامة بعدله ، وهو العزيز الذي لا يُرَدُّ قضاؤه ، العليم بأفعال العباد واقوالهم .
ثم امر رسوله الكريم ان يتوكل عليه وحده في جميع اموره ، فانه كافيه كلَّ ما يهمه ، وناصرُهُ على اعدائه ، لأنه على الحق الواضح : { فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّكَ عَلَى الحق المبين } .
ثم يمضي في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتأسيته على جموح القوم ولجاجهم في العناد واصرارهم على الكفر فيقول
{ إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى وَلاَ تُسْمِعُ الصم الدعآء إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ } .
انك ايها الرسول لا تستطيع هدايتهم ، لأنهم كالموتى في عدم الوعي ، وكالصم في فقدان السمع فليسوا مستعدّين لسماع دعوتك ، فلا أمل في استجابتهم للدعوة ، ولا في قبولهم للحق .
ثم اكّد ما سلف وقطع اطماعه في ايمانهم فقال :
{ وَمَآ أَنتَ بِهَادِي العمي عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ }
ولا تستطيع ان تهديَ الى الحق من عميتْ ابصارُهم وبصائرهم ، ولا يمكنك ان تُسمع الا من يقبل الايمان بآياتنا فانهم هم الذين يسمعون منك ويؤمنون برسالتك .
وبعد ان ذكر الله ما يدل على كمال علمه وقدرته ، وأبان إنكان البعث والحشر والنشر ، ثم فصّل القولَ في إعجاز القرآن الكريم ، ونبه بذلك الى إثبات نبوة محمد لله - ذَكَرَ بعض أشراط الساعة ، وبعض مشاهدها ، ومقدِّمات القيامة وما يحدث من الاهوال حين قيامها ، فذكر خروج دابةٍ تكلِّم الناسَ وتبين للذين لا يؤمنون بآيات ربهم أنهم على الباطل .
وانه حينئذ ينفخ في الصور فيفزع من في السموات والأرض الا من شاء الله فيثبتهم ويطمئنهم ، وكل المخلوقات يأتون الى ربهم صاغرين .
قراءات :
قرأ ابن كثير : ولا يَسمع الصمُّ بفتح الياء ورفع الصم . والباقون : ولا تُسمع الصمَّ ، بضم تاءِ تسمع ونصب الصم . وقرأ حمزة وحده : وما انت تهدي العُمْي .
أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86) وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ (89) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90) إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)
الم يروا : الم يعلموا . ليسكنوا فيه : ليستريحوا فيه . مبصرا : ليبصروا فيه ويسعوا وراء معاشهم . الصُّور : البوق . داخرين : أذلاء صاغرين . جامدة : ثابتة في اماكنها . الحسنة : كل عمل صالح نافع . السّيئة : كل عمل مخالف للدين والنظام . فكُبَّتْ وجوهُهم : القيت منكوسة . البلدة : مكة . (3/46)
الم يعلموا ويشاهدوا بأنسهم انا جعلنا الليل للراحة والهدوء ، والنهار واضحا للسعي وراء معاشهم وتدبير امورهم ، ان في ذلك لآيات دالةً على وجود الله ورحمته للمؤمنين .
ويوم ينفخ اسرافيل في البوق ويدعى الناس للحساب يَفْزَعُ الناس ويخافون من هول ذلك اليوم الا من يشاء الله من المؤمنين فيطمئنهم ويجعلهم في امان .
في ذلك اليوم ترى الجبال فتحسبها ثابتة ، مع انها تسير بسرعة هائلة كما قال تعالى : { وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال وَتَرَى الأرض بَارِزَةً } [ الكهف : 47 ] ، ذلك من صنع الله الذي اتقن كل شيء وابدعه ، انه سبحانه كامل العلم بما يتصل الناس .
ثم بين حال السعداء والاشقياء يومئذ فقال :
{ مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَآءَ بالسيئة فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }
الذي يعملون في الدنيا الأعمالَ الصالحة آمنون في ذلك اليوم ، ولهم خير مما قدموا ، أما الذين كفروا وجحدوا واساؤوا التصرف فانهم يكبّون على وجوههم في النار ، ويقال لهم هذا جزاء ما كنتم تعملون .
ثم تأتي خاتمة السورة بتوجيهات قدسيّة من الله لرسوله الكريمِ والمؤمنين ، وبتنبيه المشركين الى ما هم فيه من الغفلة وسوءِ الحال ، فيقول الرسول عليه الصلاة والسلام : انما أُمِرتُ أن أعبد ربَّ هذه البلدة « مكة » الذي حرّمها الله ( حتى ينبه المشركين بأنهم على خطأ في عبادة الاصنام ، وتركِ عبادة رب البيت الذي له ملك كل شيء ) وأُمرت ان اكون من المسلمين له المخلصين في عبادتي وديني ، وان اتلو هذا القرآن على الناس ، فمن اهتدى فإنما يهتدي لخير نفسه ، ومن ضلّ فلست عليه حسيباً وانما أنا منذِرٌ للناس .
وقل يا محمد : الحمد لله على ما افاض عليّ من نعم ، وسيريكم ربكم آياته فيكشف لكم في الدنيا عن آثار قدرته ، وفي الآخرة عن صدق ما اخبركم به فتعرفونها حق المعرفة ، وما هو بغافل عما يعمل المشركون .
والحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين .
طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)
نتلو عليك : ننزل عليك ، نقصّ عليك . من نبأ : من خبرعجيب . شِيعا : فرقاً مختلفة . نمنّ : نتفضل . نمكّن لهم : نقويهم ونجعلهم الحاكمين . هامان : وزير فرعون . (3/47)
طاسين ميم ، هكذا تقرأ . . وهي حروف صوتيه سبقت لبيان ان القرآن المعجز يتألّف من هذه الحروف التي يتألف منها حديثكم ، ولتنبيه السامعين . والمعنى : ان هذه الآياتِ التي نوحيها إليك أيها الرسول آياتُ القرآن الواضح ، وفيها نقصّ عليك بعض أخبار موسى وفرعون بالحقّ ليعتبر المؤمنون بما فيه . ان فرعون تعاظَمَ في نفسه ، وجاوز الحدّ في ظلمه ، واستكبر في مصر ، وفرّق أهلها فجعلهم فِرقاً وطوائف ، يصطفي بعضهم ويسخّر البعض الآخر . لقد كان يستضعف بني إسرائيل ، فيذبح الذكور من أولادهم ويستبقي الاناث ، { إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين } .
وأراد الله ان يتفضّل على الذين استضعّفهم فرعونُ في الأرضِ ، وان يمكّن لهم سلطانَهم ، ويثبتَ لفرعون ووزيره هامان وجنودهما ما كانوا يخشونه من ذَهاب مُلكهم على يد مولود من بني اسرائيل .
قراءات
قرأ حمزة والكسائي : ويرى فرعونَ وهامان : بالياء وفرعون مرفوع وهامان كذلك . وقرأ الباقون : ويُري فرعونَ وهامانَ بضم النون ، ونصب فرعون وهامان .
وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13)
وأوحينا الى أم موسى : ألهمناها . اليمّ : البحر والمراد هنا نهر النيل . حَزنا : الحزن بفتح الحاء والزاي ، والحزن بضم الحاء وسكون الزاي . . . الغم ولمكروه من الشدة . قرة عين : فرح وسرور لنا . فراغا : خاليا من القعل . وان كادت لتبدي به : كادت تذهب الى آل فرعون وتعرّف نفسها بأنها أمه . ولولا ان ربطنا على قلبها : لولا ان ثبتناها وجعلناها تصبر . قُصّيه : اقتفي أثره وتتبعي خبره . فبصرت به عن جُنب : فأبصرته عن بعد وكأنها لا تريد ان تتبع أثره . وهم لا يشعرون : لا يدرون أنها اخته . حرّمنا عليه المراضع : جعلناه لا يقبل ان يرضع من غير امه . يكفلونه : يضمنون رضاعته وتربيته . (3/48)
ولما وُلد موسى في أثناء تلك المحنة ألهمنا أمه أن تُرضعه وتخفيَه ما استطاعت الى ذلك سبيلا ، وقلنا لها : إن خِفتِ عليه فألقيه في النيل ، في صندوق ، ولا تخافي عليه ولا تحزني ، فنحن سنردّه اليك ، وسيكون من الانبياء المرسلين .
فالتقطه آل فرعون وجاؤوا به الى سيّدتهم ، امرأة فرعون ، فأحبّته تلك المرأة وقالت لزوجها : لا تذبحْه ، بل اتركه ليكون لنا مصدر سرور وفرح . كانوا لا يدرون أنه سيكون لهم عدواً وسببَ حزنٍ كبير ، بإبطال دينهم وزوال مُلكهم على يديه . . ان فرعون ووزيره هامان وجنودهما كانوا مجرمين .
{ وَقَالَتِ امرأة فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عسى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بما قدّر الله في شأنه .
وصابح فؤادُ أم موسى فارغاً من العقلِ خوفاً على ابنها لوقوعه في يد فرعون ، حتى إنها كادت تذهبُ الى آل فرعون وتعرِّف نفسَها بانها امه ، لولا ان ثبّتها الله بالصبر .
وقالت لأخته : اقتفي أثر أخيك ، وتتبعي خبره عن بعدٍ وهم لا يشعرون بك . ولم يقبل موسى ان يرضع من أي امرأة ، فقال اخته لآل فرعون : هل ادّلكم على امرأة ترضعه وتقوم بأمره وتنصح في خدمته؟ ووافقوا . وهكذا ارجعناه الى امه لتطمئنّ الى وعدِنا ويذهب عنها الحزن ، ولتعلم ان وعد الله حق ، وانه سيكون من المرسَلين .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : حُزنا بضم الحاء وسكون الزاي . والباقون : وحَزنا : بفتح الحاء والزاي وهما لغتان .
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19)
بلغ أشدّه : استكمل قوته وكفاية نموه . استوى : اعتدل وكمل عقله . حُكما : حكمة . المدينة : مصر . على حين غفلة : في وقت لا يتوقعون دخوله ، من شيعته : من بني قومه . من عدوه : من الاقباط . فاستغاثه : طلب العون منه . فوكزه : ضربه بجمع يده . فقى عليه : فقتله . بما أنعمتَ عليّ : اقسم بنعمك علي . ظهيرا : معينا . يترقب : ينتظر ما يناله من اذى . استنصره : طلب نصره . يستصرخه : يطلب الاغاثة بصوت مرتفع . لغويٌّ مبين : ضال كبير . ان يبطش : ان يسطو عليه بعنف . (3/49)
فلما بلغ موسى رشده واكتمل نموه ، واستوى جمسا وعقلاً آتيناه حكمة ومعرفة وعلما ، وكذلك نكافىء كل محسن .
ودخل موسى المدينةَ على حين غفلةٍ في وقت ليس من المعتاد الدخولُ فيه ، فوجد رجلّين يقتتلان : أحدهما من بني دينه ، والآخر من الاقباط . وحين استغاث به الذي من جماعته ، ضرب موسى القبطيَّ بجُمعِ يده فقى عليه من غير قصد ، فقال : هذا من عملِ الشيطان ، إنه عدوٌّ مضلٌّ ظاهر العداوة .
ثم قال موسى متضرعا الى الله نادما على ما فعل : ربّ اني ظلمتُ نفسي بعملي هذا فاغفْر لي . فغفر الله له ، إنه غفور رحيم .
قال موسى : يا رب ، بحقّ إنعامك عليّ بالحكمة والعلم وَفِّقْني للخير والصواب ، ولن أكون بعدَ هذا معيناً للمجرمين . وأصبح في مصر خائفاً يترصد وقوع القصاص به . فإذا صاحبُه الذي استنجد به بالأمس يستغيث به ثانية ، فقال له موسى : إنك شرير ضالّ . ودفعته الغيرة عليه حتى هم ان يبطِش به فقال له الرجل : يا موسى ، اتريد ان تقتلني كما قتلتَ نفساً بالأمس؟ أتريد ان تكون طاغية في الأرض من الجبابرة السفاكين لا الخيّرين!!
وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28)
أقصى المدينة : من ابعد مكان فيها . يسعى : يسرع . الملأ : أشراف القوم ووجوههم . يأتمرون بك : يتشاورون في امرك . يترقب : يلتفت يمنة ويسرة . توجَّه تلقاء مدين : ذهب الى جهة مدينة مدين ، وهي بأرض الحجاز محاذية للبحر الاحمر . سواء السبيل : أوسط الطرق وأسهلها . ولما ورد ماءَ مدين : لما وصل مكان الماء في مدين . تذودان : تمنعان غنمهما عن الماء خوفاً من السقاة الأقوياء . أُمة : جماعة . ما خطبكما : ما شأنكما . حتى يصدر الرِعاء : حتى يسقي الرعيان وينصرفون . الرعاء والرعاة والرعيان بمعنى واحد . تولّى الى الظل : ذهب الى الظل . الاستحياء : شدة الحياء . ليجزيك : ليعطيك أجرَ ما سقيت لنا . وقصّ عليه القصص : أخبره بخبره وقصته . أنكحك : أزوجّك . على ان تأجُرني ثماني حجج : على ان تكون عندي أجيراُ مدة ثمان سنين . فان أتممت عشرا فمن عندك . فان زدت وبقيت عندي مدة عشر سنين فهذا من فضلك . وما اريد ان اشقّ عليك : لا اريد ان ادخل عليك مشقة . ايما الأجَلين قضيت : اي أجل قضيته ثماني سنين او عشراً . فلا عدوان عليّ : لا حرج علي . والله على ما نقول وكيل : شهيد . (3/50)
وجاء رجلٌ من شِعيته من أقصى المدينة مسرعاً ، فقال : يا موسى ، ان زعماء القوم يتشاورون في أمرك ليقتلوك . اخرج من مصر ، إني لك من الناصحين . فخرج منها موسى وهو خائف يترقب أن يلحقه أحدٌ منهم ، ضارعا الى الله ان ينجيه من الظالمين . ولما توجه الى « مدين » لعله يجد فيها مأمناً سأل ربه ان يهديه طريقَ الخير والنجاة . وهناك في مَدْيَنَ وجد ماءً ، وكان عليه جماعة كبيرة يسقون مواشيهم . ووجد امرأتين في ناحيةٍ تمنعان اغنامهما ان ترد الماء ، فسألهما عن شأنهما ، ولماذا لا ترِدان الماء؟ قالتا : لا نستطيع ان نسقي حتى ينصرف الرعاة ، وأبونا شيخ كبير فتولى موسى سقي غنمهما ثم انصرف الى الظل ، وسأل ربه ان يسوق اليه رزقاً من خيره لأنه لا يملك شيئا .
وبعد برهة جاءت إحدى الفتاتين تسير في حياء ، وقال له : إن أبي يدعوك ليعطيَك أجْرَ ما سقيتَ لنا . فلما ذهب معها الى ابيها وقص عليه قصة خروجه من مصر ، قال له الشيخ : لا تخفْ ، نجوتَ الآن من القوم الظالمين .
قالت احدى الفتاتين ، يا أبتِ ، استأجرْه ليكون راعياً لغنمنا ، إنه خير من تستأجر ، فهو قوي وأمين . فعرض عليه أبوهما ان يزوّجه واحدة من ابنتيه على ان يؤجِّره نفسَه مدةَ ثماني سنين ، فان أتمها عشراً كان ذلك من فضله . فقبل موسى الشرط ، وعاهده على الوفاء به ، وقال : أي مدة من المدّتين أقضيها في العمل أكون وفيتك عهدك فلا اطالَب بزيادة عليها ، والله شاهد على ما نقول .
لم يُذكر اسم الشيخ الكبير هذا في القرآن ، ويقال إنه ابن أخِ شُعيب النبي ، اذ ان موسى لم يدرك النبي شعيبا على الصحيح .
قراءات :
قرأ ابو عمرو وابن عامر : حتى يصدرُ ارعاء بفتح الياء وضم الدال . والباقون : حتى يصدر بضم الياء وكسر الدال .
فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32)
قضى الأجل : اتم المدةَ المتفق عليها . آنس : أبصر . جذوة : جمرة ملتهبة . تصطلون : تستدفئون . البقعة المباركة : المكان الذي بارك الله فيه . جانّ : حية سريعة الحركة . ولم يعقّب : لم يرجع . اسلك يدَك : أدخِلها . الرهب : المخافة ، الخوف . (3/51)
فلما أتم موسى المدة التي اتفق عليها مع عمه حنّ الى وطنه ، فاستأذن بالرحيل وسار بزوجته وما معه من الغنم التي حصل عليها من صهره عائدا الى مصر . وكان الجو باردا ، وقد أظلم الليل ، فضلّ موسى الطريق . وبينما هو كذلك رأى ناراً من ناحية جبل الطور ، فقال لزوجته : امكثي ، اني رأيت ناراً ، لعلّي آتيك منها بخبر عن الطريق ، او آتيك بشيء من النار تستدفئين بها .
فلما وصل الى المكان الذي رأى فيه النار ، سمع مناديا من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة يقول له : يا موسى ، إني انا الله ربّ العالمين . . ألقِ عصاك . فألقاها موسى . فلما رآها تهتز كأنها حيّة هرب منها ولم يرجع اليها . فناداه ربّه : أقدم يا موسى ولا تخفْ ، إنك من الآمنين . أدخِل يدك في جيبك تخرج بيضاءَ من غير مرض ولا عيب ، ( وكان موسى اسمر اللون ) ، هاتان معجزتان من الله ، تواجه بهما فرعونَ وقومه .
ولما اعترى موسى الخوفُ من العصا وأخذته الدهشةُ من شعاعِ يده - أمره ربه ان يضع يدَه على صدره ليزول ما به من الخوف فقال : { واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرهب } . قال ابن عباس : كل خائف اذا وضع يده على صدره زال خوفه .
قراءات :
جذوة : مثلثة الجيم وقرىء بها جميعا . وقرأ حفص : من الرَهْب بفتح الراء وسكون الهاء . وقرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو : من الرَهَب بفتح الراء والهاء . وقرأ حفص : من الرَّهْب بفتح الراء وسكون الهاء . والباقون : من الرُهْب بضم الراء وسكون الهاء . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : فذانّك بتشديد النون ، والباقون : فذانِك : بكسر النون دون تشديد .
قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35) فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (36) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37)
رداءا : معينا . يصدقني : يوضح ما أقوله ، ويجادل عني المشركين . سنشدّ عضُدك : سنقوّيك ونعينك بأخيك . ونجعل لكما سلطانا : قوة وغلبة . مفترى : مختلّق . ومن تكون له عاقبة الدار : ومن الذي يفوز . (3/52)
قال موسى : يا رب لقد قتلتُ من قوم فرعونَ نفساً ، فأخاف ان يقتصّوا مني . . . . إن أخي هارون ألإصحُ مني لساناً فأرسلْه معي معينا يُصدِّقني بحجتي ويجادل عني ، لأأني أخاف ان يكذّبوني . هذا كما أن لساني لا يطاوعني عند المجادلة . قال الله : سنُعينك ونقوّيك بأخيك هارون ، ونجعل لكما قوةً وحجة دافعة فلا يصلون إليكما . . . . اذهبا بآياتنا اليهم ، فأنتما ومن اتبعكما الغالبون .
قراءات :
قرأ نافع : رِداء بكسر الراء وفتح الدال بغير همز . والباقون : رداءا بكسر الراء وسكون الدال بعدها همزة . وقرأ عاصم وحمزة : يصدقُني : بضم القاف . والباقون : يصدقني بسكون القاف .
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43)
هامان : وزير فرعون . صرحا : قصرا عاليا . اطّلع : أصعد واتطلع من فوقه . فنبذناهم : طرحناهم . يدعون الى النار : يدعون الى الكفر الموجب الى النار . لعنة : طرداً من الرحمة . من المقبوحين : المخزيين المهلكين . القرون الأولى : قوم نوح وهود وصالح . بصائر : أنوارا تهدي قلوبهم . (3/53)
وقال فرعون عندما عجز عن محاجّة موسى : يا أيها القوم ، ما علمت لكم إلهاً غيري كما يدّعي موسى ، فاعملْ يا هامان لي بناءً عالياً أصعد وأرى اله موسى { وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الكاذبين } .
واستكبر فرعون وجنودُه في أرض مصر . . . بغير الحق ، وحسِبوا أنهم لا يُرْجَعون الينا حتى يلاقوا جزاءهم . فأخذْنا فرعونَ وجنوده فألقيناهم في البحر حين تعقبوا موسى ومن معه حتى يمنعوهم من الخروج من مصر . . . . فانظر يا محمد كيف كانت عاقبة الظالمين .
وجعلناهم دعاةً يدعُون إلى الكفر الذي يؤدي الى النار { وَيَوْمَ القيامة لاَ يُنصَرُونَ } وجعلنا اللعنة تتبعهم في هذه الدنيا ، وهم يوم القيامة من المهلكين .
ولقد أنزلْنا التوراةَ على موسى بعد ما أهلكنا الأممَ التي سبقتْهم من الكافرين نوراً للناس ينصرون به الحق ، وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون .
قراءات :
قرأ ابن كثير : قال موسى ، والباقون : وقال موسى بالواو . وقرأ حمزة والكسائي : ومن يكون له عاقبة الدار بالياء ، والباقون : ومن تكون بالتاء . وقرأ نافع وحمزة والكسائي : لا يَرجِعون بفتح الياء وكسر الجيم ، والباقون : لا يُرجَعون بضم الياء وفتح الجيم .
وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51)
بجانب الغربي : هو جبل الطور في سيناء . قضينا : عهِدنا اليه وكلفناه أمرنا ونهينا . فتطاول عليهم العمُر : طال عليهم الأمد الذي بينهم وبين القرون الماضية . ثاويا : مقيما . وصّلنا لهم القولَ : انزلنا متواصلا بعضه اثر بعض . (3/54)
وما كنتَ يا محمد حاضراً بجانب الوادي الغربي الذي وقع فيه الميقاتُ وأعطى الله فيه ألواحَ التوراة إلى موسى حين عهد إليه امرَ النبوة ، فكيف يكذّب قومُك برسالتك وانت تتلو عليهم انباء السابقين!؟ .
لقد كان ذلك منذ قرونٍ طويلةِ انقطعت فيها الرسالاتُ وطال الزمن فأتينا بك لقومك لتنذرَهم برسالتك ، وما كنتَ مقيماً في « مدين » حتى تخبرَ أهلَ مكة بأنبائهم ، ولكنّا أرسلناك وأخبرناك بقصصهم واخبارهم .
ولم تكن ايها الرسول حاضراً في جانب الطور حين نادى الهُ موسى واصطفاه لرسالته ، ولكن الله أعلمَكَ بهذا القرآنِ رحمةً منه بك وبأمتك ، لتبلّغه قوماً لم يأتهم رسول من قبلك ، { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } . وحتى لا يقول قومك حين تصيبهم كارثةٌ بسبب كفرهم : يا ربّ ، إنك لم ترسلْ إلينا رسولاً يبلّغنا فنتبعه { وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين } فأزحْنا العذرَ وبعثناك ايها الرسول اليهم .
فلما جاء محمد بالحق قالوا تمرداً وعنادا : هلاّ أوتيَ مثلَ ما أوتيَ موسى من المعجزات الحسيّة حتى نؤمن به! ويلهم ، ألم يكفُروا بموسى كما كفروا بك! وقالوا إنما انتما ساحران ينصر أحدُكما الآخر ويعاونه .
ثم امر رسوله ان يتحدّى قومه أن يأتوا بكتابٍ أهدى من القرآن والتوراة للبشرَ وأصلحَ لحالهم فقال :
{ قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .
ثم توعّدهم لأنهم لم يستطيعوا ان يأتوا بالكتاب فقال :
{ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فاعلم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ }
ومن أضلُّ ممن اتبعَ هواه بغيرِ هدى من الله! ان الله لا يهدي الذين يظلمون أنفسهَم بالتمادي في اتباع الهوى .
قراءات
قرأ اهل الكوفة : سِحران بغير الف يعني القرآن والتوراة . الباقون : ساحران : يعني موسى ومحمد ، عليهما الصلاة والسلام .
الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55)
مسلمين : منقادين لله . يدرأون : يدفعون : اللغو : ما لا فائدة فيه . لا نبتغي الجاهلين : لا نطلب صحبتهم . (3/55)
قال ابن اسحاق : قدِم جماعة من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة من الحبشة فوجدوه في المسجد ، فجلسوا اليه وكلّموه وسألوه ، ورجال من قريش حول الكعبة . فلما فرغوا من اسئلتهم عما أرادوا دعاهم الرسولُ الى الله تعالى وتلا عليهم القرآن . فلما سمعوا القرآن فاضت أعيُنهم من الدمع ، ثم استجابوا لله وآمنوا به وصدقوا الرسول ، وعرفوا منه ما كان يوصَف لهم في كتابهم من أمره . فاعترضهم أبو جهل ونفرٌ من قريش وحاولوا ان يصدّوهم عن إيمانهم . وأغلظوا لهم القول . فقالوا لهم : سلامٌ عليكم لا نجاهلكم ، لنا ما نحن عليه ، ولكم ما أنتم عليه .
وقال بعض المفسرين : إنهم نصارى من أهل نَجران .
والحق ، أن بعض أهلِ الكتاب من النصارى يؤمنون بهذا القرآن ، ويقولون : إنه الحقُّ من ربنا ، بشّرنا الله به من قبلِ ان ينزل القرآن . . . . هؤلاء يعطيهم اللهُ أجرهم مرتَين نتيجةَ صبرهم على اذى الناس ، وإيمانِهم ، وايثارهم العملَ الصالح ، وأنهم يقابلون السيئة بالعفو والاحسان ، وينفقون في سبيل الله مما أعطاهم من اموال وخيرات ، وإذا سمعوا الباطل من الجاهلين انصرفوا عنهم ، وقالوا : لنا أعمالُنا ولكم اعمالكم ، سلام عليكم لا نريد مصاحبة الجاهلين .
إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59) وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60) أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)
نتخطف : نسلب بلدنا ونقتل . يُجبى اليه : يجلب اليه . بطِرت معيشتَها : بغت وتجبّرت وكفرت بالنعمة . أمها : اكبرها ، عاصمتها . من المحضَرين : الذين يحشرون للحساب والجزاء . وقد تكرر هذا التعبير في القرآن : { لَكُنتُ مِنَ المحضرين } [ الصافات : 57 ] . { فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } [ الصافات : 127 ] { فأولئك فِي العذاب مُحْضَرُونَ } [ الروم : 16 ] [ سبأ : 38 ] . (3/56)
{ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين }
يقرر جمهور المفسرين ان هذه الآية نزلت في ابي طالب ، فقد ورد في الصحيحين أنها نزلت فيه . وروي عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي وقتادة أنها نزلت في أبي طالب . ففي الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد بن المسيّب : « لما حضرتْ أبا طالبٍ الوفاةُ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبدَ الله بن أمية بن المغيرة ، فقال رسول الله : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبدَ الله بن أمية بن المغيرة ، فقال رسول الله : يا عم ، قل لا اله الا الله ، كلمة أحاجّ لك بها عند الله . فقال ابو جهل وعبد الله بن امية : يا أبا طالب ، أترغبُ عن ملّة عبد المطلب؟ . فكان آخر ما قال : انه على ملة عبد المطلب » وعند الشيعة الامامية الاجماع على ان ابا طالب مات مسلما ، والله أعلم .
ومعنى الآية : انك لا تستطيع هداية من أحببتَ من قومك او غيرهم ، وانما عليك البلاغ ، واللهُ يهدي من يشاء ، وله الحكمة بالبالغة في ذلك . { وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين } .
ثم اخبر سبحانه عن اعتذار كفار قريش في عدم اتّباع الهدى فقال :
{ وقالوا إِن نَّتَّبِعِ الهدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ }
وقال مشركو مكة : إننا نخشى إن اتبعناك على دينك وخالفنا من حولنا من العرب ان يقصدونا بالأذى ، ويُجلونا عن ديارنا ، ويغلبونا على سلطاننا .
وقد رد الله عليهم مقالتهم فقال :
{ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }
إن ما اعتذرتم به غيرُ صحيح ، فقد كنتم آمنين في حرمي ، تأكلون رزقي ، وتعبدون غير ، افتخافون اذا عبدتموني وآمنتم بي؟ وقد تفضّل عليكم ربك وأطعمكم من كل الثمرات التي تُجلَب من فِجاج الارض . ولكن اكثرهم جهلةٌ لا يعلمون ما فيه خيرهم وسعادتهم .
قراءات
قرأ الحمهور : يُجبى بالياء وقرأ نافع : تُجبى بالتاء .
{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين }
وكثير من القرى أثرى أهلُها فبطِروا وأفسدوا في الأرض فخرّب الله ديارهم واصبحت خاوية لم يسكنها أحدٌ بعدهم الا فترات عابرةً للمارين بها ، وورثها الله جل جلاله . ومثلُه قوله تعالى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ }
[ هود : 117 ] . (3/57)
ثم اخبر سبحانه عن عدله وانه لا يُهلك أحدا الا بعد الإنذار وقيام الحجّة بارسال الرسل فقال :
{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القرى حتى يَبْعَثَ في أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ }
ليست سنّة الله وعدله ان يُهلك القرى حتى يبعثَ في كُبراها رسولاً يتلو عيلهم الآياتِ ويدعوهم الى الله ، ولا يمكن ان نهلك القرى والمدنَ الا اذا استمر أهلهُها على الظلم والفساد والاعتداء .
{ وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحياة الدنيا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وأبقى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } ؟
وما أُعظيتم أيها الناس من أعراضِ الدنيا وزينتِها من الأموال والاولاد إلا مجرد متاعٍ محدود تتمتعون به في هذه الحياة ، أما الذي عند الله فهو خيرٌ من ذلك وأبقى لأهل طاعته من ذلك كله . { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أيها الناس وتتدبرون اموركم فتعرفون الخير من الشر!؟
قراءت
قرأ ابو عمرو : يعقلون بالياء . والباقون : تعقلون بالتاء .
{ أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الحياة الدنيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القيامة مِنَ المحضرين } ؟
هل يستوي المؤمن الذي وعدَه الله السعادةَ والنصر ثم يوم القيامة يدخله الجنة ، مع الكافر الذي أعطاه الله الرزقَ الكثير وتمتّع في حياته ، ثم هو يوم القيامة من المحضَرين للحساب والجزاء ، الهالكين في النار!! انهما لا يستويان .
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (66) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)
حقّ عليهم : وجب عليهم . القول : العذاب . أغويناهم : أضللناهم ، الغواية : الضلال والفعل غوى يغَوى غياً وغواية فهو غاو . وفي سورة النجم { مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غوى } . فعميت : خفيت . الأنباء : الحجج والاعذار ، الخِيرة : الاختيار . تكنّ : تخفي . يعلنون : يظهرون . وله الحكم : له القضاء النافذ في كل شيء . (3/58)
اذكر ايها الرسول لقومك يومَ ينادي ربُّ العزة المشركين ويقول لهم : أين الذين زعمتم انهم شركائي وعبدتموهم من دوني .
فيجيبه قادةُ الكفر ودعاة الضلال الذين ثَبَتَ عليهم العذابُ قائلين : يا ربنا ، هؤلاء الذين أضللناهم ، إنما أغويناهم باختيارهم كما غوينا نحن . لقد دعوناهم إلى ما نحن فضلّوا مثلنا باختيارهم ، واننا نبرأ اليك منهم فما كانوا يعبدوننا في الحقيقة ، وانما كانوا يعبدون أهواءهم .
ويقال للأتباع ادعوا شركاءَكم واستغيثوا بهم ، ففعلوا فلم يجيبوهم ، ورأوا العذابَ حاضرا ، وتمنّوأنهم كانوا في دنياهم مؤمنين .
ويوم ينادي الله المشركين ويقول لهم : بماذا أجبتم الرسَلين؟ هل آمنتم بهم . فلا يستطيعون ان يقولوا شيئا ، وغابت عنهم الحُجج ، ولم يجدوا معذرة ، ولا يسأل بعضهم بعضا من الدَّهَش والخوف .
وبعد ان بيّن حال الكفار المعذَّبين وما يجري عليهم من التوبيخ والاهانة - أَتبعه بذِكر من يتوب في الدنيا وما ينتظره من نعيم فقال :
{ فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فعسى أَن يَكُونَ مِنَ المفلحين } .
وأما من تاب من الشِرك ، وآمن ايماناً قادقا وعمل الأعملَ الصالحةن فانهم يكونون عند الله من الفائزين برضوان الله وبالنعيم الدائم .
وربك يخلق ما يشاء ويختار ما يريد ، ليس لأحدٍ الخيارُ في شيء ، تنزه وتعالى عما يشركون ، وربك يعلم ما تخفي صدورهم وما به يجهرون .
وهو الله لا إله يُعبد ويرجى الا هو ، له الحمد في الدنيا من عباده على إنعامه وهدايته ، وفي الآخرة على عدله ومثوبته . وهو وحده صاحب الحكم والفضل ، واليه المرجع والمصير .
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (75)
أرأيتم : أخبرِوني . سرمدا : دائما . تسكنون فيه : تستقرون فيه من متاعب الأعمال . ونزعنا : أخرجنا . شهيدا : شاهدا . وضلّ : غاب . (3/59)
في هذه الآيات الكريمة تنبيهٌ للناس الى حقيقةٍ يجب ان يعوها ، وهي ان الله تعالى لو خلق الأرضَ بحيث يكون ليلُها دائماً او نهارُها دائما لكان في ذلك حَرَجٌ على الخلق ولتَعَذّرت الحياة عليها . وليس غير الله تعالى مَن يستطيع ان ينعم علينا بالنهار والليل ، لنسكنَ ونستريح بالليل من عناء العمل ، وننشط في النهار لنبتغي فيه الرزق . وما أقسى الحياةَ لو كانت عملاً بلا راحة . . . . لذلك يجب ان نشكره تعالى على هذه النعم الجزيلة .
فاذكر ايها الرسول يوم ينادي اللهُ المشركين ويقول لهم : أين الشركاء الذين عبدتموهم من دوني؟ فلا يجيبون .
ويوم القيامة يُحضر الله من كل أمةٍ شاهداًهو نبيُّها يشهد عليهم بالحق ، ثم يطلب الله منهم بعد ذلك حجتهم { فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ فعلموا أَنَّ الحق لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } فيعجزن عن الجواب { فعلموا أَنَّ الحق لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } ويكذبون على ربهم في الدنيا .
إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)
فبغى عليهم : تكبر وتجبر . الكنوز : جمع كنز : وهو المال المدفون في باطن الأرض والمراد به هنا المال المدخَر . مفاتحه : جمع مفتح : ومفاتيح جمع مفتاح والمعنى واحد ، وهو المفتاح المعروف لفتح الابواب . لَتنوء بالعصبة أولي القوة : يعني ان مفاتيح خزائنه من الكثرة بحيث يثقل حملها على الجماعة الاقوياء . لا تفرح : لا تبطَر ، وتتمسك بالدنيا . على علم عندي : على حسن تصرفٍ في التجارة واكتساب المال . ويلكم : كلمة تستعمل للزجر . وي : كلمة يراد بها التندم والتعجب . ويقدر : يضيّق ، يقلل . (3/60)
كان قارون من قوم موسى ، ويقول بعض المفسرين انه تكبّر على قومه غروراً بنفسه وماله ، حيث أعطاه الله من الأموال قدراً كبيرا ، بلغت مفاتيحُ خزائنها من الكثرة بحيث يثقل حملُها على الجماعة الأقوياء من الرجال . وحين اغترّ وكفر بنعمة الله عليه نصحه قومه قائلين : لا تغترّ بمالك ولا يفتنك الفرح به عن شكر الله ، ان الله لا يرضى عن المغرورين المفتونين .
وقد أورد القرآن هذه القصة حتى يعتبر قومُ سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ، إذ أنهم اغترّوا باموالهم ، فبيّن لهم ان أموالهم بجانب مال قارون ليست شيئاً مذكورا .
ثم نصحوه بعدة نصائح فقالوا :
1 - { وابتغ فِيمَآ آتَاكَ الله الدار الآخرة } اجعلْ نصيباً منه في سبيل الله والعملِ للدار الآخرة .
2 - { وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا } لا تمنع نفسك نصيبها من التمنع بالحلال في الدنيا . كما في الحديث الشريف : « ان لربك عليك حقاً ، ولنفسِك عليك حقا ، ولأهلك عليك حقا »
3 - { وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ } أحسنْ الى عباد الله كام احسن الله اليك بنعمته ، فأيمنْ خلْقه بمالك وجهك ، وطلاقة وجهك ، وحسن لقائهم .
4 - { وَلاَ تَبْغِ الفساد فِي الأرض إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المفسدين } لا تفسد في الأرض متجاوزا حدود الله ، ان الله سبحانه لا يرضى عن ذلك .
قال قارون وقد نسي فضلَ الله عليه : انما أوتيتُ هذا المالَ بعلمٍ خُصصت به .
ألم يعلم هذا المغرور ان الله قد أهلكَ من أهلِ القرون الأولى من هم أشدّ منه قوة واكثر جمعا؟ إنه عليم بالمجرمين ، في غير حاجة لأن يسألهم ماذا يعملون .
وتجاهل قارون كل هذه النصائح وخرج على قومه في زنيته ، فتمنّى الذين يطلبون الحياة الدنيا مثلَ ما عند قارون ، وقال الذين رزقَهم اللهُ العلم النفع : ويلكم ، ثوابُ الله خيرٌ من هذا لمن آمن وعمل الاعمال الصالحة .
ثم ذكر الله ما آل اليه بطره من وبال ونكال فقال :
{ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض . . . . }
فخسفنا به الأرض فابتلعته هو وداره بما فيها من أموال وزينة ، فلم يكن له أنصار يمنعونه من عذاب الله ، وما أغنى عنه مالُه ولا خدَمه ، ولا استطاع ان ينصر نفسه .
ولما شاهد قوم قارون ما نزل به من العذاب ، صار ذلك زاجراً لهم عن حب الدنيا وداعيا الى الرضا بقضاء الله وبما قسمه لهم . وصاروا يرددون عباراتِ التحسّر والندم ، ويقولون : ان الله يوسع الرزق على من يشاء من عباده المؤمنين وغير المؤمنين ، ويقتر ويضيّق على من يشاء منهم . (3/61)
{ لولا أَن مَّنَّ الله عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا } .
لولا لَطَفَ الله بنا لخسَف بنا الأرض . ثم زادوا ما سبق توكيدا بقولهم : « وَي ، كأنه لا يفلِح الكافرون » ان الكافرين بنعمة الله لا يفلحون .
قراءات :
قرأ يعقوب وحفص : لخسف بنا بفتح الخاء والسين ، والباقون : لخسف بنا ، بضم الخاء وكسر السين .
تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (85) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (86) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آَيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)
فرضَ عليك : أوجب عليك . لرادّك الى معاد : لمعيدك الى بلدك . ظهيرا : معينا . هالك : ذاهب ، معدوم . وجهه : ذاته . له الحكم : له القضاء . (3/62)
تلك الدارُ الآخرة ( وهي الجنة ) نجعلها للذين لا يريدون تكبراً في الأرض ولا فسادا ، والعاقبة الحميدة للمؤمنين المتقين .
وفي الحديث الصحيح : « لا يدخل الجنةَ من كان في قبله مثقالُ ذرة من كِبر ، فقال رجل : ان الرجل يحبّ ان يكون ثوبُه حسناً وفعله حسنا فقال عليه الصلاة والسلام : ان الله جميلٌ يحب الجَمال ، الكِبر بطر الحق ، وغمط الناس » رواه مسلم وابو داود .
من جاء بالحسنة له يومَ القيامة أفضلُ منها والله يضاعف لمن يشاء ، ومن جاء بالعمل السيء فان الله لا يجزيه الا بمثل علمه ، وهذا منه سبحانه رحمة وتفضل .
{ إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لَرَآدُّكَ إلى مَعَادٍ }
ان الله الذي أنزل عليك القرآن وفرض عليك تلاوته والعملَ بما فيه - لمعيدُك الى الأرض اتي اعتدتها ، وهي مكة؛ او : إن المعادَ يوم القيامة ، فقل ربي أعلم بمن جاء بالهدى وما يستحقه من الثواب والنصر والتمكين في الأرض ، وبمن هو في ضلال مبين ، وما يستحقه من القهر والاذلال والعذاب المهين .
{ وَمَا كُنتَ ترجوا أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ . . . . }
ما كنت ايها الرسول تأمل ان ينزَّلَ عليك القرآن ، لكن الله أنزله عليك من عنده رحمةً بك وبأمتك ، فاذكر هذه النعمة ، وثابر على تبليغ الرسالة ، ولا تكن أنت ومن اتبعك عوناً للكافرين .
ولا يمنعك الكافرون يا محمد من تلاوة آياتنا والعملِ بها بعدَ إذ أُنزلتْ اليك ، وادعُ الناس الى عبادة ربك وتوحيده ، ولا تكوننّ من المشركين .
ولا تعبد مع الله آلهاً غيره ، فانه لا اله الا هون ، كل شيء فانٍ الا ذاتُه فإنها أزليّة ابدية ، له الحكمُ المطلَق النافذ وإليه تردّون يوم القيامة .
وهكذا تختم هذه السورة الكريمة بتقرير قاعدة الدعوة الى وحدانية الله سبحانه ، تفرده بالألوهية والبقاء والحكم والقضاء ، ليمض أصحاب الدعوات في طريقهم على هدى ، وعلى ثقة وعلى طمأنينة وفي يقين .
الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9)
لا يُفتنون : لا يمتحنون . الفتنة : الامتحان والاختبار . ساء ما يحكمون : قَبُح حكمهم . يرجو لقاء الله : يطمع بنيل ثوابه . أجَل الله : الوقت المضروب للقائه . جاهد : بذل جهده في حرب نفسه . جاهداك : حملاك على الشرك . (3/63)
{ الم } حروف صوتيه تقرأ هكذا ألف ، لام ، ميم ، افتتحت بها السورة لبيان ان القرآن المعجز مؤلَّفٌ من هذه الحروف ، ولتنبيه السامعين وتوجيه أنظارهم الى الحق ، وكل سورةٍ صدرت بهذه الأحرف تتضمن حديثا عن القرآن إما مباشرة ، واما في ثنايا السورة ، كقوله تعالى في الآية 45 من هذه السورة { اتل مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب . . . . } والآية : 47 { وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب . . . . } والآية 51 { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب . . . . }
{ أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ }
ايظنّ الناس أنهم يُتركون بمجرد قولهم آمنا بالله دون ان يُختبروا بما تتبيَّن به حقيقةُ إيمانهم . لا بدَّ من امتحانهم بذلك .
{ وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين }
لقد اختبرنا الناسَ من الأمم السابقة بضروبٍ من البأساء والضراء فصبروا وتمسكوا بدِينهم ، والله يعلم الذين صدقوا في ايمانهم ، ويعلم الكاذبين .
روى البخاري وابو داود والنسائي « عن خَبَّاب بن الأرتّ قال : شكونا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لقينا من الشمركين من شدةٍ فقلنا : الا تستنصرُ لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال : قد كان من قبلِكم يؤخَذُ الرجل فيُحفَرُ له في الأرض فيُجعل فيها ، ثم يؤتى بالمنشار فيوضعُ على رأسه فيُجعل نصفَين ، ويمشَط بأمشاط الحديد لحمه وعظمه ، فما يصدُّه ذلك عن دينه . والله ليتمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكبُ من صنعاء الى حضرموتَ لا يخاف الا الله ، والذئبَ على غنمه ، ولكنكم تستعجلون »
{ أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ }
ام يظن المشركون والذين يرتكبون الأمورَ السيئة أننا لا نقدِر عليهم!! بئسَ هذا الحكم الذي يحكمونه بجهلهم وغرورهم .
{ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ الله فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ وَهُوَ السميع العليم }
من كان يؤمن بالبعثِ ، فوي لقاء الله - فان إيمانه حق ، واليومُ الموعود الذي عيّنه الله آت لا محالة ، وهو سميع لاقوال العباد ، عليم بأفعالهم .
ثم بين الله تعالى أن التكليفَ بجهاد النفس وغيرها ليس لنقعٍ يعود اليه بل لفائدة الناس . { وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ العالمين } .
ومن جاهدَ نفسه بالصبر على الطاعة ، فإن ثواب جهاد لنفسه ، والله سبحانه لا يحتاج الى شيء من اعمالنا ، كما قال : { مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ } [ فصّلت : 46 ] وقال : { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ } [ الإسراء : 7 ] .
لقد ظن بعض المفسّرين ان هذه الآية مدينة لأن فيها { وَمَن جَاهَدَ } والصوابُ ان الآية مكّية والمراد هنا بالجهاد جهادُ النفس والصبر على الأذى .
{ والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ } (3/64)
والذين آمنوا إيماناً صادقا وعملوا الاعمالَ الصالحة سنمحو عنهم خطاياهم ، ونجزيهم بأحسنَ مما عملوا ، وأضعاف أضعافه .
{ وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً } تقدم في سورة الاسراء { وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً . . . . } الآية 23 .
{ وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ . . . . }
على المرء أن يعامل والديه بالرِفق واللين ولو كانا مشركَين ، فأما إذا اراد منه ان يشرك بالله ، فلا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق .
{ والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصالحين }
والذين آمنوا إيماناً صادقا مع العمل الطيب الخالص لله - يدخلُهم ربهم في زمرة من أنعمَ عليهم من النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين { وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً } [ النساء : 69 ] .
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ (15)
فتنة الناس : أذاهم . ونحمل خطاياكم : لتكون ذنوبكم علينا . الأثقال : واحدها ثقل بكسر الثاء وسكون القاف : الحمل الثقيل ، والمراد هنا الذنب والاثم . (3/65)
الناي في الدين ثلاثة أقسام : مؤمن حسن الاعتقاد والعمل ، وكافر مجاهر بالكفر والعناد ، ومذبذب بينهما ، يُظهر الايمانَ لبسانه ، ويبطن الكفر في قلبه ، وقد بيّن الله تعالى القسمين الاولين بقوله : { فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين } وهنا يبين القسم الثالث بقوله تعالى :
{ وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ } .
ومن الناس من يقول بلسانه آمنتُ بالله ويدعي الإيمانَ ظاهرا ، فإذا أُصيب بأذىً بسبب ايمانه جزعَ وسوّى بين الناس وعذابِ الله في الآخرة ، واعتقدَ ان هذا من نقمةِ الله تعالى ، فيرتدّ عن الاسلام . وهذا كقوله تعالى : { وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب على وَجْهِهِ } [ الحج : 11 ] .
{ وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ }
لئن فتحَ الله على المؤمنين وجاءهم بعضُ الخيرات يقول المنافقون إنا كنّا معكم فأشركونا فيها معكم .
وقد توعّدهم الله وذكر انه عليمٌ بما في صدورهم ، لا يخفى عليه شيء من أمرِهم فقال : { أَوَ لَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ العالمين } .
ثم بين ان هذه الفتنة إنما هي اختبارٌ من الله ليظهر المؤمنَ الصادقَ من المنافق : { وَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين آمَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ المنافقين } فيجازي الفريقين كلا بما يستحقه .
{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ اتبعوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } .
كان زعماء قريش من المشركين يقولون للذين دخلوا في الاسلام : ارجِعوا إلى ديننا واتّبعوا ما نحن عليه ، واذا كان هناك بعثٌ وحساب تخشونه فنحن نحمل عنكم ذنوبكم . فردّ الله عليهم قولهم بأنهم لا يحملون ذنوبهم يوم القيامة ، ولن تحمل نفسٌ وِزرَ نفسٍ أخرى ، وان الكافرين لكاذبون في وعدهم .
وبعد ان بين عدم منفعة كلامهم لمخاطِبيهم ، بيّن ما يستتبعه ذلك القول من المضرة لأنفسهم فقال :
{ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ القيامة عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } .
سوف يحمل أَولئك الكفار أوزارَ أنفسِهم الثقيلة ، ويحملون معها مثل اوزارِ من أضلّوهم وصرفوهم : عن الحق ، وسيحاسَبون يوم القيامة على ما كانوا يختلقون في الدنيا من الأكاذيب .
وفي الصحيح : ما دعا الى هدىً كان له من الأجرِ مثلُ أجور من اتبعه الى يوم القيامة ، من غير ان ينقص من أجورهم شيئا ، ومن دعا الى ضلالٍ كان عليه من الإثمِ مثلُ آثام من اتبعه الى يوم القيامة من غيرِ ان ينقص من آثامهم شيئا .
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطوفان وَهُمْ ظَالِمُونَ فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ السفينة وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ }
لا يحزنك أيها الرسول ما تلقى من أذى المشركين أنت واصحابُك ، فإن مصيرهم الى البوار ، ومصيرك وأصحابك الى العلوّ والنصر .
ان نوحاً مكث في قومه تسعمائةٍ وخمسين سنة يدعوهم وهم لا يستجيبون له ، فأغرقهم الله بالطوفان وهم ظالمون لأنفسِهم ، وأنجاه ومن معه من المؤمنين في السفينة ، وجعل قضيّتهم عبرةً للعالمين . (3/66)
وقد تقدّم ذكر نوح في آل عمران والنساء والأنعام والأعراف والتوبة ويونس وهود وابراهيم والإسراء ومريم والانبياء والحج والمؤمنون والفرقان والشعراء والعنكبوت . هذا وسيأتي في عدد من السور .
وقوله تعالى : { أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً } لم يقل الف سنة الا خمسين سنة ، حتى لا يكرر كلمة سنة فلا يكون الكلام بليغا ، والعرب تعبر عن الخِصب بالعام ، وعن الجَدْب بالسنة ، ونوح لما استراح بقي في زمن حسن .
وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (18)
تخلقون افكا : تختلقون كذبا . فابتغوا : فاطلبوا . (3/67)
مرت قصةُ إبراهيم في عدد من السورة وستأتي ايضا ، وفي إيراد هذا القصص تثبيتٌ للنبي عليه الصلاة والسلام وان النتيجة هي النصرُ له باذن الله .
أذكُر أيها الرسول قصة ابراهيم حين دعا قومه الى توحيد الله ، ثم أرشدهم الى فضلِ ما يدعوهم اليه وفسادِ ما هم عليه ، بعبادتهم الأصنامَ التي يصنعونها بأيديهم ، وقال لهم إن هذه الأوثان التي تعبدونها من دون الله لا تنفع ولا تضر ، ولا تعطيكم رزقاً ، فاطلبوا الرزق من الله وحده ، واعبدوه واشكروه ، فإليه مصيركم أجمعن .
وان تستمروا على الكذب ، فقد كذّبت الأمم السابقةُ رسلَها ، وما ضر ذلك الرسلَ شيئا ، وليس على الرسول الا تبليغ الرسالة بأمانة ووضوح .
أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (22) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (23) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25) فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27)
يبدىء الخلق : يخلقه اول مرة . ويعيده : في الآخرة يوم القيامة : ينشىء : يخلق . النشأة : الخلق . تقلبون : تردون بعد موتكم . من ولي : قريب . ولا نصير : ولا معين . (3/68)
في هذه الآية تكملةٌ لقصة إبراهيم فانه لهم : ألم تروا كيف بدأ الله الخلق؟ انه سيعيد الخلق يوم القيامة كما خلقه اول مرة . وذلك على الله يسير . ثم ارشدهم الى الاعتبار بما في هذه الأرض من دلائلَ وما في الآفاق من شواهد ، وقال لهم : سيروا في هذه الأرض ، ابحثوا فيها كيف بدأ الله الخلق ، فانكم ستجدون الدلائلَ الكافية على كيفية تكوين الخلق كما بدأه الله ، وهو سيعيد غنشاءه يوم القيامة . وهو حسب حكمته يعذّب من يشاء ويرحم من يشاء بعدله في حكمه ، إليه مرجعُكم جميعا يوم الحساب والجزاء . لستم أيها المكذِّبون بمعجزين اينما كنتم ، ولا يستطيع أحدٌ نصركم . إن الذين كفروا بالدلائل التي بينّها الله في هذا الكون ، وكذّبوا برسله وكتبه - انما يئسوا من رحمة الله ، ولهم عذابٌ شديد مؤلم .
فما كان جوابُ قوم إبراهيم على هذا الحوار العظيم إلا الامعان في الكفر ، وقالوا : اقتلوا إبراهيم او احرقوه في النار ، فأنجاه الله من النار وجعلها بردا وسلاما ، وإن في ذلك لدلائل واضحة لمن يصدق بالله .
وقال ابراهيم لقومه : انما اتخذتم هذه الأصنامَ تعبدونها من دون الله ، لا اعتقاداً واقتناعا بعبادتها ، وانما يجاملُ فيها بعضكم بعضا . ان مودّة بعضكم بعضا هي التي دعتكم الى عبادتها ، لكن هذه المودة ستنقلب الى عداوةٍ يوم القيامة ، حيث يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ، ومصيركم جميعا الى النار .
وآمن لوط واجاب دعوته وكان ابن اخيه ، وقال : إني مهاجر الى بلاد الشام . ووهب الله لابراهيم اسحاق ويعقوب وجعلَ من نسله النبوةَ ، وأحسنَ إليه جزاء عمله ، في الدنيا وفي الآخرة .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي وابو بكر : ألم تروا بالتاء . والباقون : الم يروا بالياء . وقرأ ابن كثير وابو عمرو : النشَاءة بفتح الشين ومدها . الباقون : النشْأة : بسكون الشين .
قرأ ابن كثير وابو عمرو والكسائي : مودةُ بينِكم برفع مودة وجر بينكم بالاضافة ، وقرأ نافع وابو بكر وابن عامر : مودةً بينكم بنصب مودة منونا ونصب بينكم . وقرأ حفص عن عاصم وحمزة : مودةَ بينِكم بنصب مودة وخفض بينكم بالاضافة وهي قراءة المصحف .
وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آَيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35)
الفاحشة : العمل القبيح الذي تنفر منه النفوس . السبيل : الطريق . القرية : سدوم في منطقة البحر الميت بالأردن . الغابرين : الباقين . سيء بهم : حصل له سوء وغم بسببهم . ضاق بهم ذرعا : عجز عن تدبير شئونهم . الرجز : العذاب . (3/69)
ذُكرت قصة لوط في عدد من السور باختلاف يسير ، وبعضها يكمل بعضا ، وقد مرت في كل من سورة الأعراف وهود والحِجر والشعراء والنمل .
وخلاصتها ان قوم لوط كانوا أشراراً يقطعون الطريق على السابلة ، قد ذهب الحياء من وجوههم فلا يستقبحون قبيحا ، ولا يرغبون في حسَن . وكانوا يأتون الذكورَ من الناس ، ويُعلنون ذلك ولا يرون فيه سوءا . فكانوا يتربصون لكل داخلٍ مدينتَهم من التجّار ويجتمعون عليه ويمدون ايديهم الى بضاعته يأخذُ كل واحد منها شيئا حتى لا يبقى معه شيء . كما قال تعالى : { وَتَقْطَعُونَ السبيل } .
ولقد أنجىلله لوطاً وابنتَيه من القرية وبقيت امرأته فيها ، لأنها كانت كافرة مع قومها ، فحل بهم العذاب ، وامطر الله عليهم حجارةً من سِجِّيل ، قلبتْ ديارَهم عاليَها سافلها ، وبقيت الى آيامنا آية بيّنة لقوم يعقلون .
قراءات :
قرأ أهل الحجاز وابن عامر ويعقوب وحفص : إنكم لتأتون الفاحشة بهمزة واحدة . وقرأ اهل الكوفة أإنكم بهمزتين على الاستفهام .
وقرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب : لنُنَجينه بفتح النون الثانية وتشديد الجيم المكسورة . وانا مُنَجوك : بفتح النون وتشديد الجيم المضمومة .
وقرأ ابن عامر والكسائي : منزلون بفتح النون وتشديد الزاي المكسورة . والباقون : منزلون ، باسكان النون وكسر الزاي دون تشديد .
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)
مدين : اسم قرية شعيب في شمال الحجاز ، وشُعيب عربي . وارجو اليوم الآخر : توقعوا يوم القيامة وما يحدث فيه من أهوال . لا تعثوا : لا تفسدوا . الرجفة : الزلزلة . جاثمين : باركين على ركبكم ، هالكين . ما كانوا سابقين : وما كانوا هرابين . حاصبا : ريحا فيها رمل وحجارة صغيرة . (3/70)
تقدم ذكر قصة شعيب في سورة الأعراف وهود والشعراء بأطولَ مما هنا ، وكذلك مرت قصة صالح مع قومه عادٍ في سورة الأعراف وهود وغيرها ، وهم عربٌ مساكنهم في الأحقاف في شمال حضرموت . وموضع بلادهم اليوم رمال خالية على اطراف الرَّبع الخالي . وصالح وقومه ثمود عربٌ ايضا ، ومساكنهم الحِجر في شمال الحجاز وتُعرف اليوم بمدائن صالح ، واسماؤهم عربية . وهذا نصّق وجده المنقبون على حجرٍ بالحرف النبطي وتاريخه قبل الميلاد .
« هذا القبرُ الذي بنته كمكم بنتُ وائلة بنت حرم وكليبة انتها لأنفسِهن وذريتهن ، في أشهرٍ طيبةٍ من السنة التاسعة للحارث ملك النبطيين محب شعبه . . . . الخ » .
لقد أهلك الله قوم شعيب في « مدين » ، وقوم هود في « الاحقاف » ، وقوم ثمود في « الحجر » ويخاطب قريشاً بقوله تعالى : { وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ } لانهم يمرون عليها في ذهابهم الى اليمن والشام .
وأهلك الله فرعون وقارون وهامان الذي جاءهم موسى بالمعجزات الواضحة فاستكبروا وكفروا ، فما استطاعوا ان ينجوا من عذاب الله الأليم ، بل أخذَهم الله بذنوبهم . فعادٌ أخذهم حاصبٌ ، وهو الريحُ الصرصر التي تتطاير معها حصباء الأرض فتضربهم وتقتلهم . وثمود اخذتهم الرَّجفة والصيحة . وقارون خَسف به وبداره الأ { ض . وفرعون وهامان غرقا في اليمّ وذهبوا جميعا مأخوذين بظلمهم { وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ ولكن كانوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } .
وذا نظرنا الى احوال الأمم الآن في معظم أقطار الأرض نجد الفتنَ والحروب والمشاكل التي لا تنتهي ، وغلاءض الاسعار المتزايدَ في جميع أقطار الأرض ، أليسَ هذا كلّه من انواع العذاب والبلاء! لكن فرعون اليوم هو أمريكا وأوروبا من دول الاستعمار ، وهامان هو بعض الحكّام الذين لا يخلصون لشعوبهم .
اما نحن ، المسلمين ، فقد حِدنا عن جادة الصواب ، وانحرفنا عن ديننا واتبعنا اهواءنا فضعُفنا وتخاذلنا وتأخرنا ، وصرنا نبهاً للأمم تنهب شركاتها خيراتنا حتى التي في باطن الارض ، وتغتصب اراضينا بتواطؤ بعضنا في ذلك . أليس هذا من العذاب!!
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)
بعد هذه الجولة في سورة العنكبوت ، والحديث عن الفتنة والابتلاء والاغراء وقصص بعض الانبياء وأممهم ، والذين بهرتهم قوى المال والجاه ، فظنوا انها تحميهم من الله - يضرب الله المثلَ لحقيقة القوى المتصارعة في هذه الميادين وانهم خاطئون بكل تقديراتهم ، وان هنالك قوة واحدة هي قوة الله ، وما عداها فهو هزيل ضعيف ، لن يحميهم الا كالعنكبوت الضعيفة التي اتخذت أوهنَ البيوت لحمايتها . (3/71)
ثم زاد الله الانكار توكيدا بقوله :
{ إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ العزيز الحكيم }
فكيف يتسنى للعاقل ان يترك القادر الحكيمويعبد سواه!! ،
بعد ذلك بين الله فائدة ضرب الامثال للناس ، وانه لا يدرك مغزاها الا ذوو الألباب الذين يعلمون ويعقلون . إن الإله الذي يستحق العبادة هو الذي { خَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق } ، لا عبثا ولا لعباً بل لحكمة يعلمها المؤمنون ، وفي نظام دقيق لا يتخلف ولا يبطىء ولا يصدم بعضه بعضا . { إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ } الذين تتفتح قلوبهم لآيات الله الكونية وعجائب هذا الكون الكبير .
وبعد نهاية هذه الجولة العظيمة سلّى رسوله الكريم بتلاوة ما أوحى اليه من الكتاب ، وامره بإقامة الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر ، هي اكبر مطهر للانسان حين يقيمها حق الاقامة .
{ وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ والله يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } .
فذِكر الله اكبر من كل شيء ، واكبر من كل تعبد وخشوع . والله يعلم ماتفعلون من خيرٍ وشر فيجازيكم عليه .
قراءات :
قرأ ابو عمرو ويعقوب عاصم : ان الله يعلم ما يدعون من دونه ، بالياء ، والباقون : ان الله يعلم ما تدعون من دونه ، بالتاء .
وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (47) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49)
الجدَل : الحِجاج والمناظرة ، مأخوذ من جدلَ الحبلَ وفتله ، والمُناظر يفتل خصمه عن رأيه . مسلمون : مطيعون ، خاضعون . وما يجحدون بآياتنا : وما ينكر . اذاً لارتاب المبطلون : اذا لشك أهل الباطل . (3/72)
يؤكد القرآن الكريم على الدعوة بالرِّفق واللين ، ومجادلة اهل الكتاب بالتي هي أحسن ، ومقابلة الغضب ولاعصبية بالهدوء وكظم الغيظ ، فيقول { وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ } . ويقول : { ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ } [ النحل : 125 ] . ويقول : { ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ } [ المؤمنون : 96 ] .
هذه أوامر الله تعالى في القرآن الكريم ، يأمرنا ان نتحلّى بالرفق واللين ، وندعو ونجادل بالتي هي أحسن . لكننا مع الأسف نجد معظم الذين يرتدون في الظاهر زِيّ الدين ، ويدعون الى الله - لا يتحلّون بهذه الاخلاق ، فتجدهم على المنابر متشنّجين متشدّدين ، وقد لا نظلمهم إذا قلنا ان بعضهم يتشنّج في خدمة جيبه ، لا خدمة ربّه .
{ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ }
اما الذين ظلمونا وحاربونا وناصبونا العداء فإن الله تعالى أمرنا ان نقابلهم بالمثل ، حيث لا ينفع معهم الرفق ولا اللين . وفي مذابح لبنان وافغانستان شاهدٌ على ذلك .
{ وقولوا آمَنَّا بالذي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وإلهنا وإلهكم وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }
قولوا لهم : آمنّا بالقرآن الذي أُنزل الينا ، والتوراةِ والإنجيل ، معبودُنا ومعبودكم واحد ونحن خاضعون له ، ومنقادون لأمره .
ثم بين الله انه لا عجبَ في إنزال القرآن على الرسول الكريم ، فهو على مثال ما أُنزل من الكتب من قبل فقال :
{ وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب فالذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤلاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ الكافرون } .
كما أنزلنا الكتب على من قبلَك من الرسل أنزلنا إليك القرآن ، فالذين آتيناهم الكتابَ قبل القرآن من اليهود والنصارى - يؤمنون به ، اذ كانوا مصدّقين بنزوله حسب ما ورد في كتبهم . ومن هؤلاء العربِ من يؤمن به ، وما يكذّب بآياتنا بعد ظهورها الا المصرّون على الكفر .
ثم اكد الله إنزاله من عنده ، وأزال الشبهة في افترائه فقال :
{ وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ المبطلون } .
ما كنتَ يا محمد تقرأ ولا تكتب من قبل ان ينزل اليك القرآن ، وهذا أمرٌ يعلمه جميعُ أهل مكة ، ولو كنتَ تقرأ وتكتب لشكّ أهل الباطل في أن هذا القرآن من عند الله .
ثم اكد ما سلف وبيّن ان هذا القرآن منزلٌ من عند الله حقا فقال :
{ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الذين أُوتُواْ العلم وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ الظالمون } .
ان هذا القرآن لا يمكن ان يكون موضعَ ارتياب ، بل هو آياتٌ واضحات محفوظة في صدور الذين آتاهم الله العلم . ولا ينكر آياتن الا الظالمون للحقّ ولأنفسِهم ، الذين لا يَعدلِون في تقدير الحقائق وتقويم الأمور .
وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (52) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (53) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (54) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55)
فاجابهم الله بقوله : (3/73)
{ قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله }
قل يا محمد : إن المعجزات عند الله ينزلها حين يشاء ، وانما أنا مكلف بالإنذار الواضح ، وتبليغ الرسالة ، وليس عليَّ هداكم .
ثم قال تعالى : كيف يطلبون الآياتِ مع نزول القرآن! أليس فيه ما يكفي ويقنع!
{ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلك لَرَحْمَةً وذكرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } .
انهم يطلبون المعجزات الحسية ، أما كفاهم دليلاً على صدقك هذا القرآنُ الذي أنزلناه عليك يُقرأ عليهم ، وهو الآيةُ الخالدة على الزمن! . ان في إنزال هذا الكتاب عليك لرحمةً من الله بهم وبالناس اجمعين ، وتذكرةً دائمة نافعة لمن يؤمن به .
{ قُلْ كفى بالله بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السماوات والأرض والذين آمَنُواْ بالباطل وَكَفَرُواْ بالله أولئك هُمُ الخاسرون } .
بعد ان أقام الله الادلة على صدق رسالة النبي الكريم ، وبيّن أن المعاندين من أهل الكتاب والمشركين لم يؤمنوا به - أمر رسوله ان يَكِلَ عِلم ذلك الى الله ، فهو العليم بصدقه . أما الذين عبدوا غيره فقد خسروا الدنيا والآخرة .
قراءات :
قرأ نافع وابو عمرو وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم : لولا انزل عليه آياتٌ من ربه ، بالجمع ، وقرأ الباقون : لولا انزل عليه آيةٌ من ربه ، بالإفراد .
{ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب . . . . } الآيات .
بعد ان أنذر المشركين بالعذاب وهدّدهم ، قالوا تهكماً واستهزاء : ان كان هذا حقاً فأْتنا بالعذاب . فأجابهم الرسول بانه لا يأتيكم بسؤالكم ، ولا يعجّل باستعجالكم ، لأن الله أجَّله لحكمة ، ولولا ذلك الأجل المسمّى الذي اقتضته حكمته لعجّله لكم ، ولَيأتينكم فجأة وانتم لا تشعرون .
ثم تعجّب منهم في طلبهم استعجال العذاب ، وهو سيحيط بهم في جميع نواحيهم ، ويكون من الأهوال ما لا يوصف ، ويقال لهم على سبيل التوبيخ { ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .
قراءات :
قرأ أهل الكوفة ونافع : ويقول ذوقوا . . . . بالياء . والباقون : ونقول : بالنون .
يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (63)
فإياي فاعبدون : فاعبدوني . لنبوّئنهم : لننزلنّهم ، بوأهم : أنزلهم منزلا حسنا . يؤفكون : يُصرَفون عن الحق . ويقدر : ويضيق . (3/74)
بعد ان بيّن حال الجاحدين المكذّبين ، وما يغشاهم من عذاب محيط بهم ، لأنهم قد اشتد عنادهم وكثر أذاهم للمؤمنين ، ومنعوهم من أداء عبادتهم - امره الله بالهجرة الى دار اخرى حتى ينجوا بعقيدتهم .
ولما كانت مفارقة الأوطان عزيزة على النفس ، بيَّن لهم ان المكروه واقع لا محالة ، ان لم يكن بالهجرة فهو حاصل بالموت ، وأنتم ايها المؤمنون ، لا تستصعِبوا مفارقة الأوطان في مرضاة الله ، فان أرض الله واسعة ، ومدى الدنيا قريب ، والموتُ لا بد منه ، ثم مرجعكم الى ربكم ، وحينئذ تنالون من النعيم المقيم ما لا عينٌ رأت ولا أُذن سمعت ، ولا خَطَرَ على قلب بشر ، فهنالك الجنة { خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ العاملين } .
وقد بين الله هؤلاء العاملين الذي استحقوا تلك الجنات بقوله :
{ الذين صَبَرُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } .
ولا تقلقوا على توفّر الرزق ولا تخافوا بعد مغدرة الأوطان ، إن الله هو الكافي أمرَ الرزق في الوطن والقرية .
{ وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا الله يَرْزُقُهَا . . . }
ان الله يرزق الجميع حيث كانوا ، هو يسمع لهم ، ويعلم حالهم ، ولا يدعهم وحدهم { وَهُوَ السميع العليم } .
قراءات :
قرأ ابو بكر : ثم الينا يرجعون بالياء . والباقون : ترجعون بالتاء . وقرأ حمزة والكسائي لنتوينهم بالثاء ، يعني لنقيمنهم ، من : ثوى بالمكان : أقام . والباقون : لنبوئنّهم : بالباء .
{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض وَسَخَّرَ الشمس والقمر لَيَقُولُنَّ الله فأنى يُؤْفَكُونَ؟ } .
انهم يعترفون بأن الله هو خالق السموات والأرض والمسخِّر للشمس والقمر ، وهم مع ذلك يعبدون سواه ، فلماذا هذا التناقض؟! وكيف إذْن يُصرفون عن توحيد الله وعن عبادته ، مع اقرارهم بهذا كله؟
{ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ . . . }
ما دام الخالقُ هو الله ، فانه يوسع الرزق على من يشاء ، ويضيق على من يشاء ، حسبما يقتضيه علمه بالمصالح ، { إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ } .
وان اقوال هؤلاء المشركين تخالف أفعالهم ، فهم يقرّون بالوحدانية ثم هم يعبدون مع الله سواه ، ولذلك يقول :
{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأرض مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ الله }
إنهم مقرّون بان الله هو الخالق ، وهو الرازق ، وهو مدبّر الكون ، لكنهم انحرفوا وعبدوا غيره ولذلك يتعجب من أقوالهم ويقول :
{ قُلِ الحمد لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } .
قل يا محمد ، الحمدُ لله على اعترافهم بالحق ، ولكن اكثرهم لا يَستعملون عقولهم ، ولا يفهمون ما يقعون فيه من تناقض .
وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (66) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)
لما بين الله فيما تقدم ان المشركين يعترفون بان الله هو الخالق والمدبر لهذا الكون ، ومع ذلك فانهم يتركون عبادته اغترارا بزخرف الدنيا وزينتها - بين هنا ان الدنيا وما فيها باطلٌ وعبث زائل ، وانما الحياة الحقيقية هي الحياة الآخرة التي لا فناء بعدها ، ولكنهم لا يعلمون . (3/75)
ثم ارشد الى انهم مع اشراكهم بربهم سِواه في الدعاء والعبادة ، اذا هم ابتلوا بالشدائد كما اذا ركبوا البحر وعلتهم الامواج من كل جانب ، وخافوا الغرق - دعوا الله معترفين بوحدانيته ولكنهم سرعان ما يرجعون بعد نجاتهم ويعودون سيرتهم الأولى .
{ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ يَعلَمُونَ }
لينكروا ما أعطيناهم من النعم ، ويتمتعوا بلذّاتهم وشهواتهم ، فسوف يعلمون عاقبةَ الكفر حين يشاهدون العذابَ الأليم . وفي هذا تهديد كبير لو كانوا يعلمون .
ثم يذكّرهم بنعمة الله عليهم باعطائهم هذا الحرمَ الآمن يعيشون فيه بأمن وسلام ، فلا يذكرون نعمة الله ولا يشكرونها .
{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ؟ }
لقد جعلهم الله تعالى في بلد آمن يعيشون فيه ، يعظّمهم الناس من أجل بيت الله ، ومن حولهم القبائل تقتتلُ وتتناحر ، فلا يجدون الأمان الا في ظل البيتِ العظيم . وقد من الله عليهم بقوله : { لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ } .
ثم بين ان العقل كان يقضي بأن يشكروا هذه النِعم ، لكنهم كفروا بها فقال :
{ أفبالباطل يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ الله يَكْفُرُونَ؟ } .
ولما وضحت الحُجة ، وظهر الدليل ، ولم يكن لهم فيه مقنَع - بين انهم قوم ظلمة مفترون مكذبون فقال :
{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بالحق لَمَّا جَآءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ } .
ليس هناك أحدٌ أشدَّ ظلماً ممن نَسَب الى الله ما لم يشرعه ، او كذّب بالدين الحق . ان مثوى هؤلاء واشباههم جَهنمُ وبئس المصير .
ثم يختم السورةَ بصورة المؤمنين الّذين جاهدوا في الله ، واحتملوا الأذى ، وصبروا ولم ييأسوا ، الذين اهتدوا بهدى الله وساروا على الصراط المستقيم فقال :
{ والذين جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين } .
أولئك لن يتركهم الله وحدهم ولن يضيع ايمانهم ، ولن ينسى جهادهم ، وان الله لمعهم يعينهم ويؤيدهم بالنصر والتوفيق .
قراءات :
قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي : لْيكفروا ولْيتمتعوا ، بسكون اللام . والباقون : لِيكفروا وليتمتعوا ، بكسر اللام .
الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)
أدنى الأرض : بلاد الشام والعراق ، لأنها أقرب البلاد الى مكة . من بعد غَلَبِهِم : من بعد ما غلبوا . في بضع سنين : البضع ما بين الثلاثة الى العشرة . ظاهر الحياة الدنيا : هو كل ما يشاهَد ويدرك بالحواس . (3/76)
كانت الدولة الرومانية والدولة الفارسية أعظمَ دولِ العالم في عصر النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وكانت الحروبُ بينما دائمة . وفي عصر كسرى أبرويز نَشِطت الدولةُ الفارسية وانتصرتعلى الروم واستولت على جميع ممتلكاتهم في العراق وبلاد الشام ومصر وآسيا الصغرى . يومذاك تقلصت الامبراطورية الرومانية في عاصمتها ، وسُدّت عليها جميع الطرق في حصار اقتصادي قاس ، وعم القحط ، وفشت الامراض الوبائية . وأخذ الفرس يستعدبون الرعايا الروم ويستبدّون بهم للقضاء على المسيحية ، فدمروا الكنائس وأخذوا خشبة الصليب المقدس وأرسولها الى المدائن . وأراقوا دماء ما يقرب من مائة الف من السكان المسيحيين . وأوشكت الامراطورية الرومانية على الانهيار .
في هذه الفترة كان المسلمون في مكّةَ في أصعبش أيامهم وأشدّ مِحنتهم ، وفي حالةٍ من الضعف والضَنْك لا يمكن تصوُّرها . وقد فرح المشركون بنصر الفُرس لأنهم وثنيون مثلهم ، وحزِن المسلمون باندحار الروم لأنهم أهلُ كتاب . وقال المشركون شامتين : لقد غلب إخوانُنا إخوانكم ، وكذلك سوف نقضي عليكم إذا لم تتركوا دينكم الجديد هذا .
{ الم غُلِبَتِ الروم في أَدْنَى الأرض وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ } .
يقول المؤرخ البريطاني « جيبون » في كتابه « تدهور الامبراطورية الرومانية وسقوطها » تعليقا على نبوءة القرآن هذه : « في ذلك الوقت حين تنبأ القرآن بهذا لم تكن آية نبوءة ابعدَ منها وقوعا ، لأن السنين الاثنتي عشرة الأولى من حكومة هِرَقل كانت تؤذِن بانتهاء الامبراطورية الرومانية » ، المجلد الخامس صفحة 74 .
« فلما سمع ابو بكر رضي الله عنه هذه الآيات خرج الى المشركين فقال لهم : أفرِحتم بظهور إخوانكم الفرس ، فواللهِ لتظهرنَّ الرومُ على فارس كما أخبرنا بذلك نبيُّنا صلى الله عليه وسلم . فقام اليه أُبيّ بن خلف فقال له : كذبتَ . فقال أبو بكر : أنت كذبتَ يا عدو الله . اجعل بيننا أجَلاً أراهنك على عشر قلائص منّي وعشرٍ منك ، فان ظهرت الرومُ على فارس ربحتُ انا الرهان ، وان ظهرت فارس ربحتَ أنت الرهان . ثم جاء الى النبيّ عليه الصلاة والسلام فأخبره ، فقال الرسول الكريم : زايدْه في الرِهان ومادَّه في الأجلِ .
فخرج ابو بكر ، فلقي أُبي بن خلف فقال له : لعلّك ندمتَ؟ فقال : لا . فقال أبو بكر : تعالى أزايدْك في الرهان ، وأمادّك في الأجل ، فاجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين قال : قد فعلت . وقد قتل أُبي في معركة أُحُد . ولما ظهرت الرومُ على الفرس واستعادوا بلادهم وصدقت نبوءة القرآن ، أخذ ابو بكر مائةَ ناقة من ورثةِ أُبيّ وتصدّق بهاز وهذا كان قبل تحريم الميسر »