صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34)
الأيامى : واحدهم أيِّم ، وهو غير المتزوج رجلا كان او امرأة ، بكرا او ثيبا . يقال : آم الرجل وآمت المرأة اذا لم يتزوجا . (2/497)
منم عبادكم : من عبيدكم . الإماء : جمع أمة وهي المملوكة .
والذين يبتغون الكتاب : المكاتبة وهي ان يكاتب العبدُ سيده على مبلغ من الماء اذا ادَّاه اليه يصبح حرا . الفتيات : الاماء . البغاء : الزنا . التحصن : العفة . مبينات : مفصلات لكل ما تحتاجون .
{ وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ } .
وزوِّجوا من لم يتزوج من رجالكم ونسائكم ، وأعينوهم على الزواج ، حتى لا يقعوا في المعصية ، ويسِّروا الزواج بقدْرِ ما تستطيعون من تقليل المهور ، والمساعدة بكل الوسائل .
وأعِينوا الصالحين من عبيدِكم وإمائكم على الزواج ليتحصنّوا او يعفُّوا . ولا تنظروا الى فقرِ من يخطُب او فقرِ من تريدون زواجَها ، ففي فضل الله ما يغنيهم ، واللهُ ذو سعةٍ عليمٌ بكل شيء .
{ وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حتى يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ }
اما الذين لا يجدون القدرة على مئونات الزواج فعليهم أن يصبروا ويسلكوا طرق العفّة وينتظروا حتى يغنيَهم الله من فضله . وقد ورد في الحديث الصحيح ان النبي صلى الله عليه وسلم قال « يا معشرَ الشباب ، من استطاع منكم الباءةَ فليتزوجْ ، فإنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج . ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء »
الباءة : النكاح ومؤنته . الوجاء : الخِصاء ، يعني انه يعين على نسيان النكاح .
وفي الحديث الصحيح : « ثلاثةٌ حقٌ على الله عونُهم : المجاهدُ في سبيل الله ، والمكاتب الذي يريد الأداء ، والناكح الذي يريد العفاف » أخرجه الترمذي والنسائي .
{ والذين يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً }
هنا يحثّ الله تعالى على تيسير تحرير الرقيق . . . . فكل عبدٍ أو عبدة تريد التحرر وتكاتب سيّدَها على مبلغ من المال - على المؤمنين ان يساعدوهما في ذلك ويسهّلوا لهما طريق الحرية من العبودية . وهكذا كان الاسلام أول من شرع تحرير الرقيق ، وقد انتهى نظام الرق الآن .
ثم حث الله المؤمنين جميعاً على تحرير الرقاب فقال :
{ وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله الذي آتَاكُمْ }
وعلى جميع المسلمين أن يساعدوا أولئك الذين يريدون التحرّرَ فدفْعِ ما يستطيعون من الأموال لهم حتى يتم تحريرهم .
ثم نهى المؤمنين عن السعي في جمع المال من الطرق غير المشروعة فقال :
{ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البغآء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياة الدنيا }
كان من عادات الجاهلية ان الرجل يكون عنده غماء فيُكرهُهُنَّ على البغاء حتى يكسبن له المال ، ليأخذَ أجورهن . وكانت هذه العادة فاشية فيهم . وقد اشتكت بعضُ الجواري الى الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام فأنزل الله هذه الآية ليقطع دابر تلك العادة القبيحة .
{ وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }
ومن يكره غماءه على البغاء فإن الله غفور رحيم لهنّ ، والذنبُ على المكرِه ، وقد وعد المكرَهاتِ بالمغفرة بعد الاكراه على عملِ لا يدَ لهن فيه .
{ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ }
لقد أنزلنا اليكم في هذا القرآن آياتٍ واصحةً مبينّةٌ للأحكامٍ ، كما أنزلنا اليكم امثلةً من احوال الأمم السابقة ، وارشاداتٍ ومواعظَ للذين يخافون الله وهدى وعزاً لمن تولاه .
اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)
المشكاة : الكوّة في الحائط غير نافذ يوضع فيها المصباح . الزجاجة : القنديل من الزجاج . دريّ : مضيء متلألىء نسبةً الى الدر . لا شرقية ولا غريبة : يعني في مكان متوسط ، لا شرقية فتُحرم حرارة الشمس آخر النهار ، ولا غريبة فتحرمها أول النهار . الغدوّ : جمع غدوة : الصباح . الآصال : جمع أصيل ، وهو المساء . (2/498)
{ الله نُورُ السماوات والأرض . . . . }
الله مصدرُ النور في هذا الكون ، فهو منوِّرُ السماواتِ والأرضِ بكلّ نورٍ حسّي نراه ونسير فيه ، وبكل نورٍ معنويّ كنور الحق والعدل ، والعلم والفضيلة ، والهدى والايمان . إن مَثَلَ نوره الباهر في الوضوح كمَثَلِ نور مصباح شديد التوهج ، وُضع في فجوة من حائط يشعّ نوره ، وقد وُضع المصباح في زجاجة يتلألأ نورها كالدّر ( والعربُ تسمي النجومَ العظام الدَّراري ) ، ويستمدّ هذا المصباح وقودَه من زيتِ شجرةٍ مباركة طيبة التربة والموقع ، زيتونةٍ مغروسة في مكان معتدل لا يسترها عن الشمس في وقتِ النهار شيء ، فهي شرقية غربية ، تصيبها الشمسُ بالغداة والعشي ، يكاد زيت هذه الشجرة لشدة صفائه يضيء ولو لم تمسّه نار المصباح .
{ نُّورٌ على نُورٍ }
نور مترادِف متضاعف تجمَّع فيه نور المشكاة والزجاج والمصباح والزيت ، وفق ذلك كله نورُ رب العالمين بهدْيه الناسَ الى الصراط المستقيم .
{ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ }
وهكذا ، تكون الشواهد المنبثة في هذا الكون ، الحسّيُّ منها والمعنوي ، آياتٍ واضحةً لا تدع مجالاً للشك في وجود الله ، والله يوفق من يشاء الى الإيمان ، إذا حاول الانتفاعَ بنور عقله . وهو يأتي بالأمثلة المحسوسة ليسهّل على الناس إدراكها ، ولما فيها من الفوائد والنصح والارشاد . وهو سبحانه واسع العلم ، محيطٌ بكل شيء ، يعطي هدايته من يستحقّها ممن صفَتْ نفوسهم واستعدّوا لتلقي احكام الدين وآدابه .
قراءات :
قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص : دُرّي بضم الدال واتشديد الراء بدون همز . وقرأ ابو عمرو والكسائي : دِريء بكسر الدال والهمزة . وقرأ حمزة وعاصم : دُرِّيءٌ بضم الدال وتشديد الراء وبالهمزة المضمومة في آخره .
وقرأ ابن كثير وابو عمرو : تَوقَّدَ بفتح التاء والقاف المشددة وفتح الدال على انه فعل ماض . وقرأ نافع وابن عامر وحفص والكسائي : يُوقَدُ فعل مضارع بضم الياء وفتح القاف وضم الدال فعل مضارع مبني للمجهول كما هو في المصحف . وقرأ حمزة وأبو بكر : تُوقدُ بضم التاء والدال .
{ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ . . . . } الآية .
ذلك النور المشعّ في السموات والأرض يتجلّى في بيوت الله ( وهي المساجد ) التي تتصل فيها القلوب بالله .
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : المساجدُ بيوت الله في الأرض ، تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الارض .
أمر الله ان تبنى وتعظَّم وتعمر بذكر الله من رجالٍ لا تَشغَلُهم الدنيا وزخرفها ولا بيوعهم وتجارتهم عن ذكر الله . . فهم يعملون للدنيا في الأسواق والحقول والمصانع ، ويعملون للآخرة فيؤدون جميع فروضهم وواجباتهم ، فلا تشغلهم الدنيا عن الآخرة ، ولا الآخرة عن الدنيا . وهم مع هذا يخافون هولَ يوم القيامة لاذي تضطربُ الأفئدة من شدّته ، وتشخَصُ فيه القلوب والأبصار في حيرة ودهشة . والله تعالى مع كل ذلك يطمئِنُ المؤمنين ويبين مآل أمرِهم وحُسْنَ عاقبتهم بقوله : (2/499)
{ لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ والله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }
إنها بشرى عظيمة للذين آمنوا واحسنوا ، فانه بعد أن يجزيهم أحسنَ ما عملوا يزيدُهم من فضله . { والله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }
ما أحسنَ هذه البشرى وما اعظم فضل الله .
قراءات :
قرأ ابن عامر وابو بكر : يسبح بضم الياء وفتح الباء . والباقون : يسبح بضم الياء وكسر الباء .
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42)
السراب : ظاهرة ضوئية سببُها انعكاس الشعاع من الأرض عندما تشتد حرارة لاشمس فيظنه الانسان ماء يجري ويتلألأ على وجه الأرض ، وما هو الا وهمٌ لا حقيقة فيه . القيعة : مكان منبسط من الأرض لا نبات فيه ويقال لها القاع ايضا . لُجّيّ : اللج معظم الماء حيث لا يدرَك قعره ، وبحر لجي : عميق . يغشاه : يغطيه . لم يكد يراها : تصعب رؤيتها . صافات : باسطة اجنحتها في الهواء . المصير : المرجع . (2/500)
{ والذين كفروا أَعْمَالُهُم كَسَرَابٍ . . . . }
في هاتين الآيايتنين يبين الله في مقابل ذلك النورِ المتجلِّي في السموات والأرض ، المشعّ في بيوت الله والمشرِقِ في قلوب المؤمنين - مجالاً مظلما لا نور فيه ، مخيفاً لا أمن فيه ، ضائعاً لا خير فيه . . . . ذلك هو حال الذين كفروا . فَمَثَلُ اعمالهم في بطلانها وعدم جدواها كمثل السرابِ الذي يراه الظمآن في الفلاة في شدة حرارة الشمس فيسرع إليه ، حتى إذا وصله لم يجد الماء الذي رجا ان يشرب منه . . . { وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب } يعني ان كل ما عمله هذا الجاحدُ من أعمال خيرٍ تذهب هباء منثورا ، وفي يوم القيامة يحاسبُه الله ويفّيه جزاءه وعقابه . فلا يستفيد من أعماله شيئاً ، لأنه لم يؤمن بالله والبعث والجزاء . وكما قال تعالى : { وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً } [ الفرقان : 23 ]
{ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ . . . . }
وهذه صورة أخرى من صور حال الكفار الجاحدين . فأعمالُ الكافرين في الدنيا كمثل السراب الذي ليس بشيء ، او كهذه الظلمات في البحر العميق ، تتلاطم امواجُه ويتراكم بعضها فوق بعض . ومن فوقِ ذلك كله سحابٌ كثيف مظلم لو رفع الإنسان يدَه الى وجهه لما رآها من شدة الظلام . ان قلوب الكافرين وأعمالَهم مثلُ هذه الظلمات المتراكمة تراكمت عليها الضلالات ، فهي مظلمة ، في صدور مظلمة ، في اجساد مظلمة .
ولقد جمع الله تعالى في هذا الوصف بينَ الليل المظلم ، وتراكُب الأمواج في البحر بعضها فوق بعض ، ومن فوقها السحاب الكثيف . . . . وهذا أشدُّ ما يكون من الظلمات .
وتجمع هذه الآية الكريمة أهم ظواهر عواصف المحيطات العظيمة . وهذا من أكبرِ الأدلة على ان القرآن من عند الله ، لأن الرسول الكريم لم يركب المحيطاتِ وكان يعيش في بلاد صحراوية . . . . فورودُ هذه الدقائق العلمية دليل على أنها وحي من عند الله .
{ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ }
ومن لم يوفقه الله لنورِ الإيمان ، فليس له نور يهديه الى الخير ، ويدلّه على الصراط المستقيم .
{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السماوات والأرض والطير صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ }
ألم تعلم ايها النبي أن جميع من في هذا الكون يسبِّح بحمد الله تعالى ، وان تسبيحَ كل صنف يختلف باختلاف صفاته وخصائصه ، وكلٌّ يسبّح بدلالة وجوده وصورته وأحكامه على وجود المصوّر الحكيم ، فالعاقل يسبّح بلسان المقال ، وغيره يسبّح بلسان الحال ، والطير صافات باسطةً أجنحتها في الفضاء تسبّح الله وتحمدُه بلغاتٍ لا نعملها .
واعلم أن هذا الوجودَ كلَّه حيّ ، ولا معنى للوجود بغير حياة ، وان الحياة على مقدار إشراق الأنوار العلوية على المخلوقات ، فللانسان وللحيوان وللنبات حياة ، أي ان هناك نوعاً من الشعور . وهكذا الجماد له نوع من الشعور لا ندركه . وكل هذه المخلوقات تسبح بحمده تعالى . (3/1)
{ وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وإلى الله المصير }
والله تعالى هو مالكُ هذا الكون ومن فيه وصاحبُ السلطان عليهم ، وكلُّهم راجعٌ إليه يوم القيامة للحساب والجزاء .
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (44) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46)
يزجي : يسوقُ برفق . يؤلف بينه : يجمع بين أجزائه وقطعه . ركاماً : متراكما بعضه فوق بعض . الودق : المطر . من خلاله : من بينه . من جبال : من قطعٍ عظام تشبه الجبال . (3/2)
سنا برقه : ضوء برقه . يذهب بالأبصار : يخطفها لشدة بريقه ولمعانه . يقلّب الليل والنهار : يتصرف فيهما طولا وقصرا . لأولي الأبصار : لأهل العقول والبصائر .
{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَاباً . . . . } .
في هذه الآية والتي تليها دلالةٌ على قدرة الله ووحدانيته . . . . انظرُ أيها الرسولُ الكريم السحابِ يسوقُه الريحُ بقدرة الله أول ما ينشئه ، ثم يجمع بين ما تفرّق من أجزائه ، ثم يجعل بعضَه متراكماً فوق بعض ، فترى المطرَ يخرج من خلاله . واللهُ يُنزل من مجموعات السحب المتراكمة التي تشبه الجبالَ في عِظَمِها بَرَداً ينزل على قومٍ فينفعهم او يضرّهم تبعاً لقوانينه وارادته ، ولا ينزل على آخرين كما يريد الله . وانظُر إلى ما في هذه السّحاب من بَرْقٍ يضيء بشدّةٍ وسرعة حتى يكاد يخطَفُ الأبصار ، كما في قوله تعالى : { يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ } [ البقرة : 20 ] .
وهذه الظواهر من أقوى الدلائل على قدرة الله ، وكلُّ من ركب الطائرة يعرف التشابه بين السحب والجبال ، فانه يراها متراكمة كأنها الجبال والآكام ، وهذا من الأدلة الباهرة على إعاجز القرآن الكريم . ولم تُعرف هذه الصورة الا بعد وجود الطائرات التي ترفع الإنسان فوق السحب فيراها على حقيقتها كما وُصفت في القرآن .
{ يُقَلِّبُ الله الليل والنهار إِنَّ فِي ذلك لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبصار }
انظر أيضاً الى اختلاف الليلِ والنهار وتقلُّبِها بزيادة أحدِهما ونقص الآخر ، والى تغير أحوالهما بالحرارة والبرودة . . . . ان في ذلك كله لعبرةً لذوي العقول السليمة ، وعظةً لكل من ينظر ويتأمل .
{ والله خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ . . . . }
والله خلقَ كلَّ حيوان يدب على الأرض من الماء ، وكما قال تعالى : { وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ } [ الانبياء : 30 ] . ثم بيّن اقسام هذا الحيوان ، فمنهم من يمشي على بطنه كالزواحف ، ومنهم من يمشي على رِجلين كالانسان والطير ، ومنهم من يمشي على أربع كالأنعام والوحوش . { وَيَخْلُقُ الله مَا يَشَآءُ } من الحشرات التي تمشي على أكثرَ من أربع ارجل ، وغير ذلك على اختلاف انواعها .
{ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
ان الله على إحداث ذلك وخلْقِ ما يشاء لذو قدرة ، لا يتعذر عليها شيء فالماء هو اصل الانسان ، وجسمُ الانسان معظمه من الماء اذ يحتوي على نحو 70% من وزنه ماءً . والماء اكثر ضرورةً للانسان من الغذاء ، فبينما يمكن للانسان ان يعيش ستين يوما بدون غذاء لا يمكنه ان يعيش بغير الماء الا ثلاثة ايام الى عشرة على اقصى تقديره .
{ لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ والله يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }
لقد انزلنا عليك يا محمد دلالئلَ واضحةً تبين الأحكام والعظات ، والله يوفق الى الخير من يشاء من عباده ، ويرشدهم الى الطريق المستقيم .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي وخلف : والله خالق كل دابة . والباقون : والله خلق كل دابة .
وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (53) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (54)
يتولى : يعرض ولا يطيع . مذعنين : منقادين . أفي قلوبهم مرض : فسادٌ وبغض يحملهم على الضلال . ارتابوا : شكوا . يحيف : يجور . جهد أيمانهم : اقصى غايتها . فان تولّوا : فان تتولوا بحذف التاء ، أصلُه تتولوا . (3/3)
الحديث في هذه الآيات الكريمة عن المنافقين الذي يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم فيقولون : آمنّا بالله والرسول وأطعْنا أوامرهما ، ثم يفعلون ضدّ ما يقولون ، فهؤلاء ليسوا بمؤمنين .
فاذا طُلبوا الى التحاكم أمامَ رسول الله فيما يتنازعون فيه أَبَوا وخافوا ان يحكمَ عليهم . اما اذا عرفوا الحق في جانبهم فإنهم يأتون الى الرسول مسرعين ليحكم بينهم .
لماذا يقفون هذا المقوف ، هل هم مرضى القلوب بالكفر والنفاق؟
أم يشكّون في عدالة الرسول الكريم؟
ام يخافون ان يجور عليهم الله ورسوله؟
كل هذا لم يحصل ، بل هم الظالمون لأنفسهم ولغيرهم بسبب كفرهم ونفاقهم وعدولهم عن الحق .
وبعد ان نفى عن المنافقين الإيمانَ الحقَّ بيَّن صفاتِ المؤمنين فقال :
{ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين إِذَا دعوا إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وأولئك هُمُ المفلحون } .
فأما المؤمنون حقاً الصادقون فِعلاً فإنهم إذا طُلبوا الى التحاكم بمقتضى ما جاء عن الله الى رسوله قالوا مطيعين : سمعْنا وأطعنا الأمر ، وأولئك هم المفلحون .
ومن يطِع الله ورسولَه فيما أمرا به وتركِ ما نهيا عنه ، وخشيَ الله وغضبه - فأولئك هم الفائزون في الدنيا والأخرة .
ثم بعد المقابلة بين المنافقين والمؤمنين يعودُ لاستكمال الحديث عن المنافقين :
{ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لاَّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }
أقسم المنافقون بالأيمان المغلّظة لئن أمرتَهم يا محمد بالخروج إلى الجهاد معك ليخرجون ، قل لهم : لا تحلِفوا ، إن طاعتكم معروفة لنا ، فهي طاعة باللسان فحسب ، والله تعالى خبير لا تخفى عليه خافية من اعمالكم فلا يحتاج الى حلف او توكيد .
{ قُلْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول . . . . }
قل لهم ايها الرسول : أطيعوا الله وأطعيوا الرسول طاعة صادقة ، فإن أعرضوا ولم يمتثلوا ، فإنما على الرسول ما حمّله الله من أمر التبليغ ، وعليكم ما حمّلكم من التكليف والطاعة . إنكم ان تطيعوا الرسول تهتدوا الى الخير ، وما عليه الا التبليغ الواضح .
قراءات :
قرأ حفص : « يتقْه » باسكان القاف ، والباقون : « يتقِهِ » بكسر القاف والهاء . قرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي : ويتقهي بكسر القاف ومد الهاء .
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (57)
ليستخلفنهم : يجعلهم خلفاء في الحكم على هذه الارض . وليمكننّ لهم دينهم : يثبت لهم الاسلام الذي ارتضاه لهم دينا . (3/4)
{ وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات . . . . }
وعد الله المؤمنين الصادقين في إيمانهم العاملين المجاهدين لجعل الاسلام هو الحاكمَ في الأرض - أن ينصرهم ويجعلهم حكام الأرض ، كما فعل مع المؤمنين الذين سبقوهم . كما وعدهم ان يرسِّخَ دعائم دينهم الذي ارتضاه لهم ، وان يبدِّل حالهم من الخوف الذي عاشوا فيه عند بداية الإسلام الى أمنِ واستقرار وعز ، وبشرط ان يعبدوا الله وحده .
وقد تحقق هذا الوعدُ لأسلافنا ، وهو قائمٌ الى الأبد إذا نحن أقمنا على شرطِ الله بأن نصدُق في إيماننا ، ونسيرَ على منهاج ديننا . ان وعدَ الله حقٌّ قائم وشَرْطَ الله حق معروف ،
ومن أوفى بعهِده من الله . !؟
والذين كفروا بعد هذا الوعد الصادق ، هم الخارجون المتمرّدون ، وحسابهُم على الله .
{ وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة . . . . }
وبعد الوعد الصادق للمؤمنين بالنصرِ واستخلافِهم في الأرض يأتي الأمرُ بإقامة الصلاة وايتاء الزكاة عن طيب خاطر لمستحقّيها ، واطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام في سائر ما أمرنا اللهُ به حتى يكون لنا رجاءٌ في رحمته ورضوانه .
ثم بين الله بعد ذلك أن الكافرين لا قيمة لهم ، وانه سيحلُّ بهم العذاب ، ولا يجدون مَهْرَباً مما أوعدهم به ربهم ، وأن مصيرهم النار وبئس القرار .
قراءات
قرأ أبو بكر : كما استخلف ، بضم التاء وكسر اللام . والباقون : كما استخلف بفتح التاء واللام . وقرأ ابن عامر وحمزة : لا يحسبن بالياء . والباقون : لا تحسبن بالتاء . وقرأ ابن كثير وابو بكر : وليبدلنْهم باسكان النون . والباقون : وليبدلنّهم بالتشديد .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (60)
ما ملكت ايمانكم : العبيد والاماء . الحلم : بضم اللام وسكونها ، البلوغ . تضعون ثيابكم : تخلعونها . الظهيرة : وقت اشتداد الحر عند منتصف النهار . العورة من الجسم : كل ما يستحي الانسان ان يظهرهُ من جسمه . ثلاث عورات : ثلاث مرات في الاوقات التي تستريحون فيها . جناح ، بضم الجيم : اثم . طوافون عليكم : يطوفون عليكم للخدمة والمخالطة . القواعد من النساء : العجائز الكبار في السن . لا يرجون نكاحا : لا يطمعون بالزواج . التبرج : اظهار المحاسن . (3/5)
في هذه الآيات توجيهٌ للمؤمنين وتربيةٌ وتعليم إلى اللّياقة الاجتماعية في محيط الأسرة ، وذلك أن اندماجَ الخدم والصبيان في أسَرهم قد يتجاوز بهم الاحتشامَ في المخالطة فيدخلون على الكبار دون استئذان في هذ الاوقات الثلاثة المذكورة في الآية . وظراً لأنها أوقات خلوة وحرية شخصية ويتحلل الانسان فيها من لباس الحشمة ، جاء القرآن الكريم بتشريع الاستئذان في تلك الاوقات بالنسبة لمن ذكرتُهم من الهدم والصبيان حتى لا يطلعوا على ما يعتبر سراً لا يستساغ إظلاعهم عليه ، إذ هو كالعورة التي ينبغي سترها .
وفي هذا توجيه لأعضاء الأسرة المؤمنة الى اتخاذ الملابس اللائقة لمقابلة بعضهم البعض ، حتى تظل كرامتهم مصونة ، وحريتهم مكفولة وآدابهم مرعية ، فالقرآن الكريم جاء ليعلّمنا ويوجهنا الى الخير وفضائل الاخلاق وحسن المعاشرة .
وكان الخدم والصبيان والعبيد قبل هذا يدخلون على بعضهم دون استئذان . وهناك روايات عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وأسماء بنت مرثد وغيرهما ان بعض الخدم دخل عليهم في بعض هذه الاقوات فتأذوا من ذلك فنزلت هذه الآيات ، وهناك احاديث كثيرة في هذا الموضع .
بيّن الله تعالى في هذه الآيات ان على الاطفال والخدم ان يستأذنوا للدخول على الكبار في ثلاثة اوقات من اليوم هي : قبل الفجر ، وعند الاستراحة وقت الظهيرة ، ومن بعد صلاة العشاء . وفيما عدا ذلك يمكن ان يدخلوا دون اذن .
أما اذا بلغ الاطفال سن البلوغ فعليهم ان يستأذنوا كما يفعل الكبار على كل حال . واما النساء الكبار في السن اللاتي لا مطمع لهن في الزواج ، فلا جناح عليهن اذا تحللن من بعض الملابس في بيوتهن ، واذا تعففن باللباس الساتر فانه خير لهن ، والله سميع بما يجري بين الناس ، عليم بمقاصدهم لا تخفى عليه خافية .
قراءت :
قرأ الجمهورك ثَلاثُ عورات بضم الثاء ، وقرأ ابو بكر وحمزة والكسائي : ثَلاثَ عورات بفتح الثاء .
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61)
الحرج : الضيق ، ومعناه هنا الإثم . ما ملكتم مفاتحه : ما كان تحت تصرفكم . الصديق : يطلق على الواحد والجمع . جميعا : مجتمعين . اشتاتا : متفرقين . (3/6)
في هذه الآيةِ الكريمة توجيهٌ للمؤمنين لتنظيم العلاقاتِ والمعاشرة والمخالطة بين الأقارب والاصدقاء ، فقد سمح الله للمؤمنين أن يأكلوا مع أصحابِ العاهات من عُمْيٍ وعُرجٍ ومرضى من هذه البيوت التي سمّاها ، يدخلونها مجتمعين او متفرقين . وعليهم إن ارادوا دخولها ان يسلِّموا على أهلِها إن كانوا موجودين ، او يسلِّموا على انفسهم ان لم يكن في البيت احد . وهذه التحية تحية مشروعة مباركة ، بها تطيبُ النفوس . وعلى هذا النحو يوضح الله لنا آياته لعلّنا نعقِلها ونتفهّم ما فيها من الأحكام والعظات لنعمل بها ، ونِعْمَ الأدب والمؤدب .
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62) لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (64)
امر جامع : امر هاميستدعي ان يجتمع الناس عليه للتشاور والتداول . لا تجعلوا دعاء الرسول كدعاء بعضكم بعضا : لا تنادوا الرسول باسمه : يا محمد ، بل عظموه وقولوا : يا رسول الله . يستللون منكم . . . : يخرجون خفية . لواذا : متسترين يلوذ بعضهم في بعض . يخالفون عن امره : يخرجون عن طاعته . (3/7)
{ إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ . . . . }
كما أمَرَ اللهُ تعالى المؤمنين بالاستئذان عند الدخول - أمَرَهم هنا بالاستئذان عند الخروج ، وفي هذا تعليمٌ وتأديبٌ لنا جميعا .
ان المؤمنين حقاً اذا كانوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام في امر مهمٍ من أمور المسلمين ، كتشاوُرٍ في أمر الحرب ، او ما ينفع المسلمين - فلا يحقّ لهم ان ينصرفوا الا بعد استئذانه ومشورته ، فمن التزم بهذا فهو من المؤمنين الكاملين ، ويحق للرسول أن يأذَنَ لمن يشاء منهم كما تقتضي المصلحةُ التي اجتمعوا عليها ، ويستغفر للمستأذنين .
فقد حدث حين بدأ المسلمون بحفر الخندق عندما غزتهم قريشُ ومن معها من العرب - وكان في مقدمتهم الرسول الكريم - أنّ بعضَ المنافقين أخذوا يتسلّلون من ذلك المكانِ ويذهبون الى أهلِهم ، اما المؤمنون فقد ثبتوا معه ، وكان من يريد ن يذهب الى قضاء حاجة يستأذن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، فإن قضى حاجته عاد إلى مكانه وعمله .
{ لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً } .
وعندما تخاطبون الرسولَ الكرمين فلا تنادوه باسمه : « يا محمد » مثلاً ، أو يا أبا القاسم ، وإنما خاطبوه بياء أيها الرسول ، واحترموه غاية الاحترام ، باللين من القول وخفض الجناح .
{ قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً }
والله تعالى يعلم عِلم اليقين الّذين ينصرفون متسلّلين بدون إذن حتى لا يراهم الرسول ، فليحذَرِ الذين يخالفون أمرَ الله أن يصيبَهم بلاءٌ من الله او عذاب أليم .
{ ألا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض . . . . }
واعلموا أيها الناسُ أن هذا الكونَ وما فيه مِلْكٌ لله وحده لا شريك له ، ويعلم كل ما تعلمون ، وسترجعون غليه فينبئكم بكل ما عملتموه من خير او شر ، وسيجازيكم عليه ، واللهُ بكل شيء عليم .
وهكذا ختمت السورة بتعليق القلوب والابصار بالله ، وتذكيرها بخشيته وتقواه ، والحمد لله أولاً وآخرا ، ونسأله التمام على خير .
تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)
تبارك : عظمت بركته ، والبركة كثرة الخير لعباده بإنعامه عليهم . الفرقان : القرآن ، وسمي الفرقان لانه فرق بين الحق والباطل . على عبده : على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم . الافك : الكذب . افتراه : اختلقه . فقد جاؤا ظلما : قالوا باطلا . زورا : كذبا . أساطير الاولين : خرافات الأمم السابقة . اكتتبها : نقلها غن غيره . تُملى عليه : تلقى عليه ليحفظها . بُكرةً وأصيلاً : صباحا ومساء . (3/8)
تعالى الله عما سواه ، صاحب البركة العظيمة ، نزّل القرآنَ الذي يَفْرُق بين الحق والباطل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم ، لينذرَ به الناس جميعا ، ويبلّغه للعالم كله ، ليجعلوه منهاج حياتهم في جميع امورهم .
ثم وصف نفسه بأربع صفات انفرد بها فقال :
1 - الذي له مُلكُ السمواتِ والأرض : له السلطانُ القاهر عليهما ، وهو وحدَه المالك المتصرف في هذا الكون ، وله السيطرة المطلقة فيه .
2 - ولم يتّخذ ولداً ، وهو منزَّه عن اتخاذ الولد ، والتناسلُ من نواميس الخلق لامتداد الحياة ، والله تعالى باقٍ لا يفنى ، قادر لا يحتاج .
3 - ولم يكن له شريكٌ في المُلك ، والدليل على ذلك وَحدة هذا الكوْن ، ووحدة نظامه ووحدة التصريف ، ولو كان له شريكٌ لاختلّ النظام وتعدد .
4 - وخلقَ كل شيء فقدّره تقديرا ، وهذه هي الصفةُ الرابعة التي انفرد بها سبحانه . فقد خلق كل شيء في هذا الوجود وقدَّره تقديراً دقيقا منظَّما بنواميس تكفل له أداء مهمته بنظام . وقد أثبت العلمُ الحديث ان كل الموجودات تسير بحكم تكوينها وما يجري عليها من تطورات مختلفة وَفْقَ نظامٍ دقيق ثابت لا يقدِر عليه الا خالق قدير مبدع . ويُظهر تقدُّمُ العلم للناس إعجاز القرآن الكريم ومعنى قوله تعالى { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } .
{ واتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً }
مع كل هذه الأدلة الظاهرة اتخذ المشركون أرباباً لهم ضِعافاً عاجزين ، لا يقدِرون ان يخلقوا شيئاً ، وهم مع ذلك مخلوقون ، ولا يستطيعون ان يدفعوا عن انفسهم الضرر ، ولا جلْبَ الخير لها . وكذلك لا يستطيعون إماتة أحدٍ ولا إحياءه ، ولا بعثاً من القبور . فهل يستحق هؤلاء ان يُعبَدوا؟
{ وَقَالَ الذين كفروا إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ . . . . }
وزعم الجاحدون أن هذا القرآن ليس من عند الله ، وان النبيّ عليه الصلاة والسلام جاء به من عنده ونَسَبه الى الله ، أعانه على وضعه جماعةٌ من أهل الكتاب ممن أسلموا ، فردّ الله عليهم بقوله :
{ فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً } .
لقد كذبوا في مقالهم ، وظلموا وزوّروا الحقيقة ، ولو أنه من عند محمدٍ نفسه لاستطاع كثير من الفصحاء أن يأتوا بمثله!! وقد تحدّاهم أكثر من مرة أن يأتوا بسورةٍ من مثله فلم يستطيعوا . . . . ولا يزال التحدي قائما .
ثم أمعنوا في الكذِب والافتراء بأن قوماً آخرين أعانوه عليه كما قال تعالى :
{ وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين اكتتبها فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } .
وقالوا ايضا : إن القرآن ليس إلا خرافاتِ الأولين الماضين نَقَلَها محمّد ان قُرئت عليه صباحاً ومساء حتى يحفظها ويقولها للناس .
فأجابهم الله بقوله :
{ قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر فِي السماوات والأرض إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً }
قال لهم أيها النبي : ان هذا القرآن أنزله الله الذي يعلم الأسرارَ الخفية في السماوات والارض ، الرحيمُ الغفور .
وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14) قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (16)
مسحورا : مغلوبا على عقله ، مخدوعا . الأمثال : الأقاويل العجيبة . فضلّوا : فبقوا متحيرين في ضلالهم . أعتدنا : هيأنا . سعيرا : ناراَ شديدةاللهب ، يعني جهنم . أذا رأتهم : إذا قربوا منها وكانت بمرأى منهم . سمعوا لها تَغيظاً : غلياناً وهيجانا عظيما . وزفيرا : وتنفسا شديدا . مقرّنين : مقيدين بالسلاسل . ثبورا : هلاكا . (3/9)
سخِر المشركون من النبي الكريم ، وقالوا : انه لا يتميز عنا بشيء ، بل هو مثلُنا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ، فهل الانبياء مثل البشر؟ لو كان رسولاً لأنزل الله معه مَلَكاً من السماء يساعده على الإنذار والتبليغ ، او يُنزّل الله عليه كنزاً يُنفِق منه ، او يكون له سبتان يأكل منه . ثم زادوا في تعنُّتِهِم فقال الجاحدون : إنكم تتبعون رَجلا سُحِرَ فاختلّ عقلُه فهو لا يعي ما يقول .
انظر ايها النبي كيف ضربوا لك الأمثال ، وقالوا عنك إنك مخدوعٌ بما يتراءى لك . بذلك ضلّوا عن طريق الهدى ، وصاروا حائرين لا يدرون ماذا يقولون .
ثم رد الله عليهم بما اقترحوه من الجَنّة والكنز فقال :
{ تَبَارَكَ الذي إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً . . . . } .
تعالى الله وتزايد خيره ، وهو قادرٌ على ان يجعل لك في الدنيا أحسنَ مما اقترحوا ، جناتٍ تجري من تحتها الأنهارُ وقصوراً عاليات ، لكنّه أراد ان يكون ذلك لك في الآخرة ، والآخرةُ خير وأبقى .
ثم انتقلَ من ذلك الى كلامهم في البعث وإنكار أمر الساعة وما ينتظرهم فقال :
{ بَلْ كَذَّبُواْ بالساعة وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً } .
ولقد أتَوا بأعجبَ من هذا كله ، وهو تكذيبُهم بيوم القيامة . وهم يتعلّلون بهذه المطالب ليصرِفوا الناس إلى باطلهم ، وقد أعدَدْنا لمن كذّب بيوم القيامة ناراً مستعرة شديدة الحرارة واللهب ، اذا قربوا منها ورأتهم من مكان بعيد سَمِعوا غليانها وأصواتَ زفراتها التي تملؤهم بالرعب . واذا أُلقوا في مكانٍ ضَيّق منها مقرونةً أيديهم الى أعناقهم بالسلاسل - نادَوا هنالك طالبي هلاكهم ليستريحوا من العذاب .
فيقال لهم توبيخاً : لا تطلبوا هلاكاً واحدا ، بل اطلبوه مِرارا ، فلن تجدوا خلاصاً مما أنتم فيه .
ثم يعرض في المقابل ما وعد الله المتقين لتزدادَ حسرةُ المكذبين وندامتهم :
{ قُلْ أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد . . . . } .
قل ايها النبي للكافرين : هل هذا العذابُ خير من جنة الخلد التي أعدّها الله للمتقين ، ثواباً لهم يجدون فيها جزاء ما قدموه!؟
قراءات :
قرأ ابن كثير وابن عامر وابو بكر : ويجعلُ لك قصورا برفع لام يجعل . والباقون : يجعلْ بالجزم .
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (19) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)
ضلّ السبيل : خرج عن طريق الهدى . نسوا الذِكر : تركوا ما ذكِّروا به من القرآن وهدى النبي الكريم . بورا : هالكين . يقال رجل بور وأمرأة بور ، وجماعة بور . فما تستطيعون صَرفا ولا نصرا : فلا تقدرون على رفع العذاب ، ولا نصر أنفسكم . فتنة : ابتلاء واختبار . (3/10)
بعد ان ذكر الله ما أعدّ للمكذّبين الجاحدين يوم القيامة من العذاب الأليم ، وما أعدّ للمتقين من النعيم في جنات الخلد - بيّن هنا أحوال الكافرين مع من عبدوهم من دون الله ، وأن هؤلاء المبعوداتِ تكذّبهم فيما نسبوه اليها . فيوم القيامة يحشُر الله المشركين مع من عبدوهم من دون الله مثل عيسى بن مريم وعُزير والملائكة فيسألهم ويقول لهم : أأنتم أضللتم عبادي فأمرتموهم أن يعبدوكم ، أم هم الذين ضلّوا باختيارهم؟
فيقولون : سبحانك ، ما كان يحقّ لنا ان نطلب من أحدٍ ان يتخذ إلهاً غيرك ، لكن هؤلاء الذين أنعمتَ عليهم بالرزق الكثير ( هم وآباؤهم ) أطغاهم ذلك ، ونسوا شكرك والتوجّه إليك وحدك ، وبذلك كانوا قوماً خاسرين .
فيقال للمشركين الذين عبدوا غير الله : إن الذين عبدتموهم قد كذّبوكم ، فاليوم لا تستطيعون دفع العذاب عن أنفسكم ، ولا تجدون من ينصركم ويخلّصكم منه ، ولْيعلمِ الناسُ جميعا ان من يَظْلِم بالكفر والطغيان - نعذبه عذابا شديدا .
ثم يّرد الله تعالى على الذين اعترضوا على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بكونه بشَرا ، وانهم يريدون ملائكة تأتي بالرسالة ، فيقول :
{ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِي الأسواق وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } .
اذا كان المشركون لا يعجبهم ان تكون رسولاً لأنك تأكل الطعامَ وتمشي في الاسواق ، فإن تلك سُنّةُ الله في المرسَلين من قبلك . . . . كلّهم كانوا رجالاً يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق . كما قال تعالى : { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ القرى } [ يوسف : 109 ] .
{ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ }
وامتحنّا بعضَكم ببعض . وهذا صراعٌ طويل طويل منذ بدءِ العالم ولا يزال مسمر . اصبروا إنَّ الله مطّلع على كل شيء ، ويجازي كلاً بما عمل . وهو البصير بحال الصابرين وحال الجازعين .
قراءات
قرأ ابن كثير ويعقوب وحفص : ويوم يحشرهم بالياء ، والباقون : يوم نحشرهم بالنون . وقرأ ابن عامر : فنقول بالنون ، والباقون : فيقول بالياء . وقرأ حفص : فما تستطيعون بالتاء ، والباقون : فما يستطيعون بالياء .
اللهم اجعلنا من الصابرين على أذى السفهاء ، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، واعفُ عنا وارحمنا واثبتنا على الإيمان .
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (25) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (26) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29)
لا يرجون : لا يخافون ولا يتوقعون . واستكبروا في أنفسِهم : تكبروا ، تمكن الكبر من نفوسهم . وعتَوا عتواً كبيرا : تمردوا ، وتجاوزا حد كبيرا في الظلم . لا بشرى لهم : سوف يكون ذلك اليوم مصدر ازعاج لهم لا بشارة فيه . حِجراً محجورا : تعبير تقوله العرب عندما ينزل بهم مكروه ، ومعناه نسأل الله ان يمنع ذلك منعا ، ويحجره حجرا . وقدمنا الى ما عملوا : ونأتي الى ما عملوه . هباء منثورا : غبارا متفرقا لا قيمة له . خيرٌ مستقرا : افضل مكان يُستقر فيه . وأحسن مقيلا : وأحسن مكان للراحة والقيلولة . (3/11)
وقال الذين ينكرون البعث ، ولا يتوقّعون لقاءنا : لماذ لا تُنَزَّلُ علينا الملائكةُ فيخبرونا بأن محمداً صادقٌ فيما يدّعي؟ ولماذا لا نرى الله فيخبرنا بأنه أرسلك؟ لقد استكبروا ووضعوا أنفسَهم في مكانٍ لا يستحقونه ، وتجاوزوا الحد في الظلم والطغيان .
ثم بين الله انهم سيَلْقَون الملائكة يوم القيامة ، ولكن ذلك اليوم لن يسرَّهم ولن يكون لهم فيه بشارة ، وسوف يقولون لهم : لا بشرى لكم اليوم . ويومئذٍ يقولون : { حِجْراً مَّحْجُوراً } حراماً محرَّماً ، وهي جملة تقال اتقاءً للشر والأعداء ، وذلك لا يعصمهم من العذاب .
{ وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً }
ويوم القيامة نأتي الى ما عملوه من الخير فنحرِمُهم ثوابه ونجعلُه كالغبار المتطاير في الهواء ، لا قيمةَ له ولا وزن .
{ أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً }
وفي المقابل ستكون منازلُ اهل الجنة في ذلك اليوم خيراً من منازل المشركين ، فهي أحسن الأماكن للاستقرار الدائم ، وأعظمها راحةً وسعادة .
{ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام وَنُزِّلَ الملائكة تَنزِيلاً . . . . }
في ذلك اليوم يختلف كل نظام هذا العالم الذي نراه ، فتنفرج السماءُ ويُحشر الناس جيمعا . وعند ذلك تنزل الملائكةُ ، ويكون المُلك لله وحده ، ويكون اليوم شديدا عسيراً على الجاحدين . يومئذ يتحقق الظالمون انهم كانوا على الباطل ، فيعَضُّ الظالمُ منهم على يديه من الندم ويقول متمنيا : يا ليتني اتبعتُ الرسُل وآمنت بهم .
ثم ان ذلك الظالم يتحسّر ويأسف ويقول : يا ليتني لم أصادقْ ذلك الصاحبَ الذي أضلَّنين وأبعدني عن الخير ، وعن ذكر الله بعد ان يسَّره الله لي . لقد خذلني الشيطان . ولكن هذا كله لن ينجيه من العذاب .
وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (30) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (34) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (40)
جملة واحدة : دفعة واحدة . لنثّبت به فؤادك : لنقوّي به قلبك . ورتّلناه ترتيلا : نزلناه على مهل ، بعضُه إثر بعض . بمثل : بنوع من الكلام . تفسيرا : ايضاحا . يُحشرون على وجوههم : يسحبون عليها . وزيرا : معينا له برأيه . فدمّرناهم تدميرا : أهلكناهم ومحقناهم محقا . الرسّ : الفساد ، والبئر المطوّية بالحجارة . أصحاب الرس : طائفة من ثمود . وقرونا : جماعات . تبّرنا تتبيرا : أهلكناهم . القرية التي أُمطرت مطر السوء : هي سَدَوم ، قرية قوم لوط . لا يرجون : لا يتوقعون . نشورا : بعثنا للحساب والجزاء . (3/12)
هنا يقول الرسول شاكيا الى الله ان قومه هجروا القرآن ولم يلتفتوا الى ما فيه من هداية .
فأجابه الله تعالى يسلّيه بأن هذا ليس دأب قومك فحسب ، بل إن كثيراً من الأمم قد فعلوا مع رسُلهم مثل ، فلا تجزع يا محمد واصبر كما صبروا ، وسينصرك الله عليهم ، وكفى بالله هادياً لك وناصراً لدينك .
وقال الكافرون : لو كان القرآن من عند الله حقاً لأنزله جملةً واحدة . فردّ الله عليهم مقالتهم ، وبيّن لهم فوائدَ إنزاله منجَّماً ، ومنها تثبيتُ قلب النبي صلى الله عليه وسلم بتيسير الحفظ ، وفهم المعنى ، وضبط الألفاظ . ثم وعده بأنهم كلما جاؤوا شبُبهةٍ أبطلَها بالجواب الحق ، والقول الفصل الذي يكشِف وجه الصواب ، { وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً } وفرّقناه آية آية : على مهل وتؤدة .
ثم بين الله حال المشركين الذين يحشَرون يوم القيامة وهم في غاية الذل ويُسحبون على وجوههم الى جهنم في أسوأ حال ، واضيق مكان .
ثم اردف بعد ذلك بقصص بعض الأنبياء مع أممهم الذين كذّبوا فحلّ بهم النَّكالُ والوبال ليكون في ذلك عبرة للمكذبين . فذكر خمس قصص : قصة موسى مع فرعون وقومه ، وقصة نوح وقومه ، وقصة هود مع قومه عاد ، وقصة صالح مع قومه ثمود ، وصاحاب الرسّ . وأوردَ كيف اهلكهم جميعاً كما أهلكَ بين ذلك أمماً كثيرة .
{ وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً } .
لقد أنذرْنا هؤلاء كلهم وذكرنا لهم العظاتِ والأمثال ، لكنّهم لم يتعظوا ، فأخذناهم بالعذاب ودمّرناهم تدميرا .
وهؤلاء قريشُ ، يمرّون في أسفارهم الى الشام على قرية قوم لوطٍ التي أمطرنا عليها شرَّ مطر وأسوأه ، أفلم يروْها فيتّعظون بما حل بأهلها؟
{ بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً }
إنهم لم يتعظوا بها لأنهم لا يؤمنون بالبعث والجزاء ولا يتوقعون أنهم سيُنْشَرون من قبورهم يوم القيامة .
وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)
اتخذ إلهه هواه : اتبع هواه وشهواته . وكيلا : مؤكَّلا به . (3/13)
واذا رآك المشركون يقولون مستهزئين : أهذا الذي بعثه الله إلينا رسولاً نتبعه ونسير وراءه!؟ ها هو بحُسنِ بيانه وفصاحته يكاد يزحزحنا عن آلهتنا لولا صبرُنا وتمسّكنا بها .
سيعلم هؤلاء حين ينزل بهم العذابُ من هو الضالّ ومن هو المهتدي .
{ }
انظر يا محمد في حال الذي اتّبع شهواتِه حتى جعلها إلها له ، انك لا تستطيع ان تدعوه الى الهدى ، ولا أن تكون عليه حفيظاً ووكيلا .
وهل تظنّ أن اكثرهم يسمعون حقّ السماع ما تتلو عليهم أو يعقِلون ما تتضمنه المواعظ التي تلقيها عليهم! إنهم كالبهائم ، لا همّ لهم إلا الأكل والشرب ومتاع الحياة الدنيا ، بل هم شرٌّ من البهائم وأضلُّ سبيلا .
أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (50) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54)
ألم تَرَ : الم تنظر . الى ربك : الى صنع ربك . مد : بسط . الظل : الخيال . ساكنا : ثابتا على حاله لا يزول . دليلا : علامة . قبضناه قبضا يسيرا : قليلا قليلا . لباسا : ساترا . سباتا : سكونا . نشورا : بعثا وحركة . بُشْرا : مبشرة . بين يدي رحمته : الرحمة هنا المطر ، يعني ان الرياح تأتي مبشرة بالمطر . بلدة ميتا : ارضا لا نبات فيها . أناس : الناس . كُفورا : كفرانا للنعمة وجحودا لها . مَرضجَ البحرين : خلطهما ببعض . عذْب فرات : حلو سائغ للشرب . ومِلح أُجاج : مالح شديد الملوحة . برزخا : حاجزا . حِجرا محجورا : لا يبغي احدهما على الآخر ، ولا يفسد المالح العذب . نسبا : ذكورا ينسب اليهم . وصهرا : إناثا يصاهَر بهن . (3/14)
انظر الى صنع ربك كيف بسَط الظلَّ ، وجعل الشمس سبباً لوجوده ، كما جعله مرافقاً لنور الشمس ، فإن مالت طال ، وان ارتفعت في السماء قصُر ، ثم يقبضه تدريجا . وهو الذي جعل الليلَ ساتراً ومظلِما ، والنومَ راحة وهدوءاً ، كما جعل النهار مجالاً للسعي والعمل .
إنه الله . . هو الّذي جعل الرياح تسوق الغيوم مبشِّرة برحمتِه من المطر ، وبهذا الماء الطهور يحيي الأراضيَ التي لا نبات فيها ، ومنه تشرب الأنعام والناس .
{ وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً }
لقد كررنا هذا القولَ ( وهو ذِكر إنشاء السحاب وإنزال المطر ) على الناس ليعتبروا ، ولكن اكثر الناس أبَوا إلا الكفر والعناد .
وهناك رأيٌ ثانٍ في تفسير هذه الآية ومعناه : وهذا القرآن قد بيّنَا آياته وصرّفناها ليتذكر الناس ربهم ، وليتَّعظو ويعملوا بموجبه .
{ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً }
إنا عظّمناك ايها الرسول بهذا الأمر ، وجعلناك مستقلا بأعبائه ، فاجتهد في دعوتك . ولا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه ، وجاهدْهم بتبليغ رسالتك جهاداً كبيراً .
{ وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً } .
ومن آثار نعمة الله على خلْقه ان خَلَقَ البحارَ نوعين ، منها عذبٌ سائغ للشاربي ، ومنها مالح شديد الملوحة ، وجعل البَحْرَين متجاورين ، لكنّ بينهما حاجوزاً بحيث لا يطغى المالح على العذب فيفسده .
وهو الذي جعلَ الماءَ جزءاً من مادة الانسان ، وخلقه من النطفة ثم جعل الناس ذكورا واناثا ، ذوي قرابات بالنسبَ أو المصاهرة ، والله قديرٌ فعال لما يريد .
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (56) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (57) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60) تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62)
ظهيرا : مظاهرا ، يعاون الشيطان على ربه . البروج : منازل الشمس الاثنا عشر : الحمَل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت . (3/15)
{ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُهُمْ . . . . } تقدم في الآية 18 من سورة يونس .
{ وَكَانَ الكافر على رَبِّهِ ظَهِيراً } يُعين أهلَ الباطل على أهلِ الحق .
{ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً } . تقدمت نفس الآية في سورة الاسراء 105 .
{ قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً }
قل لهم أيها الرسول : لا مطمعَ لي في أموالكم ، ولا أريد منكم أجراً ، إلا من شاء منكم ان يتقرّب إلى الله ويهتدي ويسلُكَ سبيل الحق . . . . فأجرُه على الله .
وتوكلْ في كل أمورك على الله الحيّ الباقي الذي لا يموت ، وسبِّحْ بحمده ، والله يعلم كلا ما يعلمه العباد وهو خبير بها ، ومجازيهم عليها يوم القيامة .
{ الذي خَلَقَ السماوات والأرض . . . . الرحمن }
تقدمت الآية في سورة الاعراف 54 وسورة يونس 3 .
{ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً }
في هذه الآية الكريمة توجيه علميّ من الله الى ضرورة البحث والتنقيب فيما يمكن بحثه من مظاهر الكون ونظُمه المختلفة للوقوف على أسرار قدرة الله في إبداع الكون .
{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسجدوا للرحمن قَالُواْ وَمَا الرحمن أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً }
اذا قيل لهؤلاء الذين يعبدون غير الله : اعبدوا الرحمن ، قالوا : لا نعرف من هو الرحمن حتى نسجد له . أتريدنا ان نطيعَك ونعصي آباءنا فيما كانوا يعبدُون؟ وازادوا عن الإيمان بُعدا .
{ تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السمآء بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً }
تعالى الله وتزايد فضله ، إذ جعل في السماء نظاماً من النجوم تمر أمامها الشمس ، وهي كأنها منازل لها في دورانها اثناء السنة . وكل ثلاثة منها تؤلف فصلاً من فصول السنة ، فبرجُ الحمَل والثور والجوزاء لفصل الربيع ، والسرطان والأسد والسنبلة للصيف ، والميزان والعقرب والقوس لفصل الخريف ، والجدي والدلو والحوت لفصل الشتاء .
والشمس هي النجم الوحيد في عالمنا الذي نعيش فيه ، أما بقية الكواكب التي تدور حولها مثل الارض وعطارد والزهرة والمريخ وزحل والمشتري واورانوس ونبتون وبلوتو - فكلّاه كواكب غير مضيئة تستمد نورها من الشمس . وكذلك القمر فالمشس سِراج ، والقمر منير يتلألأ بالنور من ضياء ذلك السراج .
ونحن نوجد في النظام الشمسي : الشمس وما يدور حولها من الكواكب المذكورة ، من اتباع المجرّة التي يسميّها العوام « دَرْبَ التبّانة » . وهي سَديم لولبي عدسي الشكل قُطره اكثر من مئتي الف سنة ضوئية ، وسماكته نحو عشرين الف سنة ضوئية . وهذا كلام كالخيال . وتشتمل هذه المجرّةُ على ملايين النجوم المختلفة الحجم والحرارة والسرعة والضوء .
والواقع ان شمسنا بحجمها وعظمتها - لهي متوسطة الحجم والسرعة والنور بالنسبة الى النجوم التي في هذه المجرة ، فهناك نجوم اكبر بكثير من شمسنا ، ولكنها تظهر صغيرة لبعدها .
والنجمُ تستصغر الأبصارُ صورته ... والذنْب للطَّرفِ لا للنّجم في الصِغَر (3/16)
واقرب نجم الينا نجم اسمه : « حَضارِ » بفتح الحاء والضاد وكسر الراء ، يبعد عن شمسنا اربع سنوات وربع سنة ضوئية . ولا اريد الاطالة فالموضوع واسع كُتبت فيه مجلداتٌ وتجري فيه ابحاث يوميا .
{ وَهُوَ الذي جَعَلَ الليل والنهار خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً }
الله وحده هو الذي جعل الليلَ والنهار متعاقَبين يَخْلُف أحدُهما الآخرب ، وفي ذلك عظةٌ وذكرى لمن أراد ان يتعظ باختلافهما ويتذكر نعم الله ، ثم يتفكر في بديع صنعه ، ويشكره على هذه النعم الجلية .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : سُرُجا بالجمع . والباقون سراجا . وقرأ حمزة : ان يذْكُر ، باسكان الذال وضم الكاف . والباقون : ان يذّكّر بفتح الذال المشددة والكاف المفتوحة المشددة .
وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77)
هونا : برفق ولين : يمشون بسكينة ووقار . الجاهلون : السفهاء . سلاما : مسالمة ومسامحة . غراما : هلاكا . لم يسرفوا : لم يجاوزوا الحدود في النفقة . ولم يقتُروا : لم يضيّقوا على عيالهم بالبخل والشح . قَواما : وسطاً مَتابعاً : مرجعا حسنا . مرّوا كراما : لم يخوضوا باللغو مع الخائضين . لم يخرّوا عليها صمّا وعميانا : انهم يتفهمون ما يلقى عليهم ، ولا يأخذونها بدون فهم . قرة أعين : ما يسر الأعين ويفرحها . واجعلْنا للمتقين إماما : المام يُستعمل للمفرد والجمع . الغرفة : كل بناء مرتفع ، والمراد بها هنا الدرجات الرفيعة . ما يَعبأ بكم : لا يعتدّ بكم . دعاؤكم : عبادتكم . لزاما : لازما . (3/17)
{ وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً . . . . } .
ختم الله تعالى هذه السورةَ الكريمة بصفاتِ عباده المؤمنين ، وبيّن فيها ما لهم من فاضِل الصفات وكامل الاخلاق التي تميّزوا بها ، وكانوا قدوة للعالم حين أعطوا المَثَلَ الأعلى في العدل والمساواة والتسامح . وقد عدّد في هذه الآيات إحدى عشرة صفة مما تَشْرئبّ اليها اعناق العاملين ، وتتطلع اليها نفوس الصالحين ، الذين يبتغون المثوبة . وهي :
1 - فعباد الرحمن هم المتواضعون لله ، يمشُون في سَكينة ووقار غيرَ متكبرين . وليس معنى هذا أنهم يمشون متماوتين منكّسي الرؤوس كما يفهم بعضُ الناس ممن يريدون إظهار التقوى والصلاح ، كلا فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرعَ الناس مِشيئةً وأحسَنَها وأسكنها .
2 - واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما : اذا اعترضهم السفهاءُ وسبّوهم وآذوهم بالقول السّيء لم يقابلوهم بمثله ، بل يعفون ويصفحون ، فهم حُلماء لا يجهلون ، واذا جُهِلَ عليهم حَلِموا ولم يسفهوا .
3 - والذين يبيتون لربهم سجَّداً وقياماً . والذين يصلّون في الليل ، لان العبادة في الليل أبعد عن الرياء . قال ابن عباس : من صلى ركعتين او اكثر بعد العشاء فقد بات لله ساجدا . وليست العبادة بالكثرة ، ولكنها بالاخلاص والخشوع والنية الصافية .
4 - والذين يقولون ربَّنا اصرفْ عنا عذابَ جهنم . . . . وهم يغلِّبون الخوف على الرجاء فيسألون الله تعالى ان يبعد عنهم عذاب جهنم وشديد الآلمها . فانها بئس المنزل مستقرا ومقاما .
5 - والذين إذا أنفقوا لم يُسرِفوا ولم يَقْتُروا . . . . ومن صفاتهم العالية الاعتدال في انفاقهم المال ، فهم ليسوا بالمبذرين في انفاقهم ، ولا ببخلاء على انفسهم وأهليهم ، وهم اجواد في مصالح الناس والوطن وعمل الخير .
6 - والذين لا يدْعون مع الله إلهاً آخر . . . . والذين لا يعبدون غير الله ولا يشركون به احدا ، بل يخلصون له العبادة والطاعة .
7 - ولا يقتلون النفسَ التي حرَّم الله لا بالحقّ . لا يُقْدِمون على هذه الجريمة الكبرى بغير حق ، { مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً }
[ المائدة : 32 ] . (3/18)
8 - ولا يزْنُونَ ، ومن يفعلْ ذلك يَلْقَ أثاما . ولا يقدمون على هذه الجريمة القبيحة التي كانت متفشية في الجاهلية . فقد كرمهم الله تعالى بنفي هذه الصفات السيئة عنهم وبذلك كانوا عباد الرحمن حقا .
9 - والذين لا يشهدون الزورَ ، وإذا مرّوا باللغو مَرُّوا كراما . وهذه الصفات من اخلاق عباد الرحمن ، فانهم لا يشهدون الشهادة الكاذبة ، ويكرمون أنفسهم عن سماع اللغو من القول الباطل ، ولا يخوضون مع الخائضين .
10 - والذين اذا ذُكِّروا بآيات ربّهم لم يَخِرَّوا عليها صُمّاً وعُميانا . والذين اذا ذكّروا بآيات الله واحكامه تلقَّوها بالفهم والوعي الصحيح ، ثم نفّذوها وعملوا بها .
11 - والذين يقولون : ربَّنا هبْ لنا من أزواجنِا وذريّاتنا قُرَّةَ أعينٍ واجعلءنا للمتقين إماما . ويسألون الله تعالى ان يرزقهم الزوجات الصالحات والذرية الطاهرة التي تسر نفوسهم وتقر بها أعينهم ، وان يجعلهم ائمة في الخير يقتدي بهم الصالحون ، وقد كانوا كذلك .
{ أولئك يُجْزَوْنَ الغرفة بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً }
فعباد الرحمن الذين اتصفوا بهذه الصفات الكريمة الفاضلة لهم الجناتُ وأرفعُ الدرجات لقاءَ صبرهم وجهادهم . وستتلقاهم الملائكة في الجنّة بالتحيّات الزاكيات والتسليم . خالدين فيها ابدا في احسن مكان ، وأنعم بال ، وأطيب عيش .
{ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار } [ الرعد : 23 ، 24 ] .
{ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً }
ان الله تعالى غنيّ عن العالمين ، ولولا هذه الصفوةُ من الناس الذين يعبدونه حقَّ عبادته ، وهم أهلُ هذه الصفات السامية - لما كان اللهُ يَعْبَأ بالبشريَّة جميعها . ان الله لا يُبالي بكم إذا لم تؤمنوا ، فقد كذَّبتم بدينه ، فسوف يعذّبكم عذاباً لازماً لا ينفكُّ عنكم ولا يزول .
طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)
باخع نفسك : مهلكها من شدة الحزن . اعناقهم : رقابهم ، والمراد بها هنا الجماعات ، من ذِكر : من موعظة . من كل زوج : من كل صنف . (3/19)
طسم : تقرأ هكذا طا . سين . ميم . وتقدم الكلام على هذه الحروف ، وهي لبيان ان القرآن المعجِز للبشر رُكبت كلماته منها ومن أخواتها ، فمن ارتاب في ان هذا القرآن من عند الله فليأتِ بمثله ، ولن يستطيع .
{ تِلْكَ آيَاتُ الكتاب المبين }
ان هذا الكلام الذي أوحيتُ به اليك يا محمد هو آياتُ القرآن البيّن الواضح الذي يفصل بين الحق والباطل .
{ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }
لعلّك أيها الرسول ستعتل نفسك ان لم يؤمن قومُك برسالتك ، هوِّنْ عليك فإن الله سينصرك . ومثله قوله تعالى : { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً } [ الكهف : 6 ] .
{ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ }
ان في قدرتنا أن نأتيَهم بمعجزة تُلجئهم إلى الإيمان وتجبرهم عليه ، فيخضعون . ويتم ما نرجوه .
{ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرحمن مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ }
وما يجدد الله لقومك من موعظةٍ وتذكيرٍ إلا جدّدوا إعراضا وتكذيبا واستهزاء .
{ فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ }
لقد كذّبوا بما جئتهم به من الحق فاصبر عليهم ، فسيَرَوْن عاقبةَ استهزائهم ، وسيحلّ بهم عاجلُ العذاب وآجله في الدنيا والآخرة .
وبعد ان بيّن إعراضهم عن الآيات المنزلة من عند ربهم - ذكر أنهم أعرضوا عما يشاهدونه من آياتٍ باهرة فقال :
{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الأرض كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } ؟
كيف اجترأوا على مخالفة الرسول وتكذيب كتابة!! أوَلَم ينظروا ويتأملوا في عجائب قدرته تعالى وخلقِه هذه الأصنافَ التي تسترعي الأنظار ، وتبهر الناظرين! .
{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ }
ان في هذا وأمثاله لمعجزةً عظيمة وعبرةً جليلة ودليلاً على وجود الخالق القدير ، ولكنّهم لم يُعمِلوا عقولَهم في النظر في هذا الكون البديع ، فما آمنَ أكثرهم ، وظلّوا جاحدين .
ثم بشّر الله رسولَه بالنصر والتأييد وغلبتِه لأعدائه وإظهاره عليهم فقال :
{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم }
ان ربك أيها الرسول لقويٌّ قادر على كل ما يريد ، وهو ذو الرحمة الواسعة ، فلا يعجِّلُ بعقاب من عصاه ، وهو المتفضّل بالرحمة على المؤمنين .
وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22)
مرت حلقاتٌ من قصة موسى في سورة البقرة ، وسورة المائدة ، وسورة الأعراف ، وسورة يونس ، وسورة الإسراء ، وسورة الكهف ، وسورة طه ، عدا اشارات اليها في سورة أخرى . وفي كل سورة تأتي القصة مناسبةً لها ، وهنا تبدأ القصة من الآية العاشرة الى الآية 68 . (3/20)
اذكر يا محمد لقومك اذ نادى اللهُ موسى وأمَرَه ان يذهب إلى قوم فرعونَ الظالمين ليدعوهم الى دين الله ، فقال موسى إني أخاف أن يكذّبوا برسالتي ، ولا ينطلق لساني لما فيه من الثقَل ، فأرسلْ معي أخي هارون رسولاً يعنني . ولهم عليَّ ذنبٌ حين قتلتُ منهم رجلاً فأخاف ان يقتلوني به . فقال له الله : لن يقتلوك ، فاذهبْ أنت وأخوك هارون بآياتي وأنا معكم أستمعُ لما تقولون وأرى ما يجري بينكم . اذهبا وقولا لفرعون إننا رسولا ربِّ العالمين ، أرسلَنا اليك لترسلَ معنا بني اسرائيل وتدَعَهم أحرار يعبدون الله .
فلما ذهبا الى فرعون وقالا له ما أمرهما الله به ، قال فرعون لموسى : يا موسى ، ألم نُربِّك في قصرِنا وأنت وليد صغير ، ومكثت في رعايتنا سنين من عمرك حتى كبِرتَ وأصحبتَ شابا ، وجنيتَ جنايتك فقتلتَ رجلاً دون ذنبَ!! وأنت الآن تكفر بدِيني ، وتنكر نعمتي! فقال موسى : لقد ارتكتبُ جريمتي وأنا ضالّ لا أعرف حدود الله ، وفررت منكم لَمّا خفت أن تقتلوني ، فوهب الله لي حُكماً وعلماً وجعلني من المرسلين . انك يا فرعون تمنّ عليّ بتربيتك لي ، والواقع أن جميع ما أنعمتَ به علي لا يعادل ما ارتكبتَه أنت مع بني اسرائيل من استعبادٍ وقتل وإذلال .
قراءات :
قرأ يعقوب : ويضيق صدري ولا ينطلق لساني ، بنصب يضيق وينطلق ، والباقون بالرفع .
قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37)
ثعبان مبين : ظاهر بلا تمويه . الملأ : أشراف القوم . فماذا تأمرون : بماذا تشيرون . أرْجه وأخاه : أخّره وأخاه ولا تقتلهما . حاشرِين : اجعل رجال الشرطة يحشرون السحرة من جميع البلاد . (3/21)
قال فرعون يسأل موسى في تجاهل وهزء : أيّ شيء يكون ربُّ العالمين الذي تدعو اليه؟ فأجابه موسى بالصفة المستملة على الربوبية : إنه ربُّ السماوات والأرض ورب هذا الكون الهائل ، { إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } . فالتفتَ فرعون الى مَن حوله ليصرفَهم عن التأثر بقول موسى وقال لهم : ألا تستمعون الى ما يقوله موسى ، إنه يدعوكم الى عبادة إلهٍ لا عهدَ لنا به ، ولا قاله احد نعرفه .
فقال موصى : هو ربكم وربّ آبائكم الاولين : فلما لم يستطع فرعون ان يردّ على ما جاء به موسى { قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } . ولكن موسى لم يسكت ومضى يصدَعُ بكلمة الحق التي تزلزل الطغاة فقال : { قَالَ رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } . اني ادعوكم إلى عبادة إلهِ هذا الكون العظيم ان كان لكم عقول تفكر وتتدبر في الأمور .
فقاطعه فرعون قائلا : إنِ اتخذتَ إلها غيري أسجنُك وتكونُ من المعذبين . فقال موسى : أتفعل ذلك ولو جئتك ببرهانٍ عظيم يدلّ على صدقي فيما اقول؟
فقال فرعون : فأتِ بالذي يشهد بنبَّوتك إن كنت صادقاً في دعواك .
وهنا كشف موسى عن معجزتيه : ألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ ظاهر حي يخيف ، وأخرج يده من جيبه فاذا هي بيضاء مع أن موسى أسمر البشرَة . عندئذٍ أحسّ فرعون بضخامة المعجزة فأسرع يقاومها ، واخذ يتملّق الذي حوله ويخوّفهم من موسىن فقال لمن حوله : ان هذا ساحرٌ كبير ، يريد ان يستميل إليه قلوبكم لتؤمنوا به ، فيكثر بذلك أتباعه ويأخذَ البلاد منكم ، فأشيروا عليَّ ماذا اصنع به؟ فأجابوه بقولهم : أخِّرْه مع أخيه ، واضربْ لهما موعِدا ، واجمع له كل سحرة دولتك ، لينازلوه في يوم معيّن ، تجمع فيه الناس ليشاهدوا هذه المبارة .
فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48) قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51)
الميقات : الوقت المحدد . يوم معلوم : يوم العيد كما جءا في سورة طه يوم الزينة . وعزة فرعون : قسمٌ بقوته وعظمته . تلقَفُ : تبتلع . يأفكون : يكِذبون بقلب الحقائق ، بكيدهم وسحرهم . من خلاف : قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ، والعكس بالعكس . لا ضير : لا ضرر . منقلبون : راجعون . (3/22)
ذُكرت هذه المبارة في سورة الأعراف وسورة طه وفي هذه ، السورة وخلاصتها :
ان فرعون وقومه أرادوا ان يطفئوا نور الله بأفواههم ، فأبى الله إلا ان يُتمَّ نورَه ولو كره الكافرن .
فلما جاء السحرةُ في اليوم المعيّن من مختلف اقاليم مصر العليا - وكانوا ابرع الناس في فنّ السحر وأشدَّهم خِداعا وتمويها - طلبوا من فرعون الأجرَ ان هم غَلَبوا ، فأجابهم الى ما طلبوا ، وزادهم بأنه سيجعلهم من بطانته المقربين اليه .
وابتدأت المباراة . . . . فقال موسى للسَحَرة : ألقوا ما تريدون إلقاءه من السحر . فألقَوا حبالهم وعصيَّهم . وخيِّل للناس المجتمعين انها تسعى . وأقسموا بعزّة فرعون انهم الغالبون . فألقى موسى عصاه فإذا بها تبتلع كل ما ألقوه ، وما خدضعوا بن أعينَ الناس . وانتهت المباراة بغلبة موسى لهم ، وعرف السحرة ان هذا الذي جاء به موسى ليس سحراً وإنما هو معجزة نبيّ ، فسجدوا وقالوا : آمنا بربّ العالمين ، ربّ موسى وهارون . فقال فرعون وقد اخذه الغضب : وأخذ يهدد السحرة ويتوعدهم ويقول : انه لكبيرُكُم الذي علَّمكم السحرَ . ان موسى هذا هو الذي علّمكم هذا لاسحر ، وقد تواطأتم معه ، فلسوف تعلمون ما سأفعله بكم وبه ، لأقطَعَنَّ أيديَكم وأرجُلكم بشكل متخالف ، ولأصْلبنَّكم على جذوع الشجر .
فقالوا جميعا : لا ضرر ، افعلْ ما تريد ، فإن المرجع إلى الله ، وهو لا يُضيع أجر من احسنَ عملا ، وإنا لنرجو ان يغفر لنا خطايانا ، لأننا اول من آمن بدين موسى .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي وابو بكر وروح : أأمنتم بهمزتين ، والباقون : آمنتم . قرأ حفص : تلقف بسكون اللام وفتح القاف دون تشديد . والباقون : تلقف بفتح اللام وتشديد القاف المفتوحة .
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68)
سرى وأسرى : سار ليلا . متبعون : يتبعكم فرعون وجنوده . الشرذمة : الجماعة القليلة من الناس ، والشرذمة : القطعة من الشيء جمعها شراذم . غائظون : جمع غائظ ، وهو الذي يفعل ما يغضب . (3/23)
حَاذرون : جمع حاذر وهو الذي يكون يقِظا محترزا . مقام كريم : القصور العالية ، والمنازل المريحة والنعمة الوافرة . اورثناها : ملّكناها لهم . مشرقين : وقت شروق الشمس ، تراءى الجمعان : تقابلا ورأى كل منهما الآخر . لمدرَكون : سيدركوننا . انفلق : انشق . الفِرق : بكسر الفاء الجزء . الطود : الجبل . أزلفنا : قربنا . ثم : هناك . لآية : لعظة وعبرة .
وأوحى الله الى موسى ان يَسْرِيَ ببني إسرائيل ليلاً ويخرج من مصر ، وان يمضيَ بهم حيث ما يؤمر . ففعل . كذلك أعلمه الله ان فرعون سيتبعهم . وبالفعل ، فقد أرسل فرعون الى جميع المدائن بمصر يقول لهم : ان موسى ومن معه شِرذمة قليلة قد أغاظونا بإيمانهم بموسى وربه ، فعليكم جميعا ان تحذَروهم . وخرج فرعون بجيوشه ليلحقوا بموسى ومن معه ، وتركوا تلك البلاد وما فيها من نعيم ، ومنازِل وقصورٍ وجنات .
{ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بني إِسْرَائِيلَ }
يعني أنه أخرج بني إسرائيل من ذلك النعيم ، واورث بني اسرائيل جناتٍ وعيوناً مماثلة لها في ارضٍ غيرها ، ولا يمكن ان يكون بنو اسرائيل عادوا الى مصر وورثوها واقاموا بها .
{ فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ }
ولحقَ فرعون وجنوده موسى ومن معه عند شروق الشمس . فلما رآهم قوم موسى خافوا وقالوا : أردكَنا فرعون!! فقال موسى : لا تخافوا إن معي ربي وهو سيَهديني الى الصواب ، ويرشدّني الى طريق النجاة .
فأوحى الله الى موسى أن اضرِبْ بعصاك البحر ، فضربه ، فانفلق البحر قسمين عظيمين كل قسم كالجبل . وسار موسى وقومه ونجضوا ، وتبعهم فرعون وجيشه فانطبق عليهم الماء فغرقوا جميعا . وفرعونُ كما تقدم هو امنفتاح بن رعمسيس ، وجسده موجود الآن في المتحف المصري يشاهده الناس .
{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ }
ان في هذا الذي حدثَ في البحر لمعجزةً وعبرة لمن اراد ان ينتفع . لكنّ اكثرَهم لم يؤمنوا ولم يعتبروا مع ما رأوا من الآيات العظام والمعجزات الباهرات . { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم }
يتكرر هذا التعقيب في هذه السورة ثماني مرات في ختام كل قصة
قراءات :
قرأ أهل الكوفة وابن عامر : « حاذرون » بالف بعد الحاء . والباقون : حذرون . وقرأ حفص : معيَ ربي بفتح الياء ، والباقون : معي ربي بسكونها .
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)
اتلُ عليهم : أخبرهم ، واقرأ عليهم . عاكفين : ملازمين على عبادتها ومواظبين . يوم الدين : يوم القيامة . حُكما : علما بالخبر والعمل به . لسانَ صدق : ذكراً جميلا بين الناس . يوم يُبعثون : يوم القيامة . (3/24)
في هذه الآيات الكريمة عرضٌ لقصة إبرهيم والحِجر ومريم والأنبياء والحج ، وكانت القصة في كل سورة مناسبةً لسياقها العام ، وعُرِض منها ما يتفق مع موضوع السورة .
وخلاصتها : أخبرْ يا محمد الناس قصة ابراهيم إذ قال لأبيه وقومه : أي شيء هذا الذي تعبدونه؟ قالوا : نعبد أصناماً ونلتزم طاعته ونواظب على ملازمتها . فقال ابراهيم : هل تسمعكم هذه الأصنام حين تدعونها ، وهل تضركم او تنفعكم؟ قالوا : لا يفعلون لنا شيئا من ذلك ، ولكننا وجدْنا آباءنا يعبدونها فقلّدناهم فيما كانوا يفعلون . قال ابراهيم : هل فكّرتم فيما تفعلون وما تعبدون ، انتم وآباؤكم ، بأن هذه الأصنام أهلٌ للعبادة؟ انني عدو لهذه الأصنام ، فأنا اعبد رب العالمين الذي خلقني وتكفّل برعايتي ، وهداني الى الدين الذين يدلّني على أسلوب الحياة الصحيح . انه هو الذي يسّر لي الرزقَ وأنعم عليّ بالطعام والشراب ، وهو الذي ينعم علي بالشفاء إذا مرضتُ . . ( الم يقل والذي يُمرْضني ، بل قال واذا مرضتُ ، وهذا من الأدب مع ربه ) . . . . وهو الذي يميتني اذا حلّ أجَلي ، والذي يحييني مرةً أخرى للحساب والجزاء ، وأما أطمع ان يغفر لي ذنوبي يوم القيامة .
ثم توجه ابراهيم الى ربه بالدعاء فقال : يا رب ، امنحني عِلماً أسير على هداه ، ووفّقني لأنتظمَ في عداد الصالحين ، واجعل لي ثناءً حينا ، وذِكراً جميلاً يبقى أثره بين الناس الى يوم القيامة . واجعلني يا ربّ من عبادِك الذين يدخلون جنة النعيم ، واغفر لأبي إنه كان من الكافرين ، ولا تُذلّني يوم القيامة ، يوم لا ينفعُ أحداً مالُه ولا أولاده لا من جاء الله بقلبٍ سليم من كل كفر ورياءٍ ونفاق .
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104)
أُزلفت : : قربت . وبُرّزت : بضم الباء وتشديد الراء المكسورة : جُعلت ظاهرة . الغاوين : الضالين عن طريق الحق . كبكبوا : ألقوا على وجوههم مرة بعد اخرى . نسوّيكم : نجعلكم مساوين له في استحقاق العبادة . ولا صديق حميم : ولا صديق خالص الود . فلو ان لنا كرّة : لو ان لنا رجعة ثانية الى الدنيا . (3/25)
وقُرّبت الجنةُ وهيئت للسعداء الذين أطاعوا الله وآمنوا برسُله واتبعوا دينه ، كما أُظهِرت جهنّم للضالين الجاحدين ، وقيل لهم : أين آلهتكم التي كنتم تعبدونها من دون الله؟ هل يستطيعون إنقاذكم ا ينتصرون لأنفسهم؟ انكم وإياهم جميعاً في النار .
ثم أُلقوا في الجحيم على وجوههم . فلما احتشدوا جميعاً في جهنّم أخذوا يتخاصمون مع أربابهم ، فقالوا لهم : واللهِ إنّا كنا في الدنيا ضالّين باتّباعكم حين أطعناكم وسوّيناكم برب العالمين . وما أضلَّنا الا المجرمون من أعوانكم . . . . ونحن ليس لنا اليومَ منيشفع فينا ويُخرجنا منهذه النار ، ولاصديقَ يحمينا منها! يا ليتنا نعودُ الى الدنيا فنؤمن بالله ونكفر بكم .
ان فيما ذكِر من نبأ ابراهيم لعظةً وعبرة لمن أراد ان يتعظ ويعتبر ، وما كان اكثرُ قومِك يا محمد من المؤمنينَ ، { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم }
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122)
نذير : مخبر مع تخويف من العاقبة ، ضد البشير . من المرجومين : بالحجارة ، رجمه يرجمه رجما : قتله بالحجارة . فافتح بيني وبينهم : فاحكم بيني وبينهم . الفلك : السفينة ، للمفرد والجمع والمذكر والمؤنث . المشحون : المملوء ، شحن السفينة : ملأها . (3/26)
{ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المرسلين }
جاء التعبير بأنهم كذّبوا جميعَ المرسَلين لأنهم كذبوا نوحا . اذ قال لهم أخوهم نوح : ألا تحذَرون بطش الله بكم؟ اني لكم يا قومي رسولٌ امين ، فاتقوا الله واطيعوني وتبعوا ديني . أنا لستُ أطلب منكم أجرا ، وما أجري الا على رب العالمين . قالوا : انؤمن لك يا نوح ولم يؤمن الا البسطاء وأراذل القوم!؟ قال نوح : إن لي ظاهرَ احوالهم ، ولا أعلم ما في باطنهم . إني أقبَلُ كل من يؤمن بديني ، وحسابهم على الله ، وما انا بطاردهم ما داموا مؤمنين ، فلستُ الا نذيراً أُبلّغ عن ربي . فهدده قومه وقالوا له : لئن لم ترجعْ عن دعواك هذه لنرجمنَّك كالمجرمين . قال نوح : يا ربّ غن قومي كذّبوني ولم يبقَ لي أملٌ في اصلاحهم ، فاحكم بيني وبينهم ونجّني ومن معي من المؤمنين .
فأجاه الله ومن معه في سفينته المشحونة بالخلْق والدوابّ ، وأغرق قومه الآخرين الذين لم يؤمن منهم الا القليل .
ان فيما ذكره القرآن من نبأ نوح لحجةً على صدقِ الرسُل وقدرة الله ، وما كان أكثر الين تتلو عليهم يا محمدُ هذا القَصص مؤمنين . { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم } .
قراءات :
قرأ يعقوب : واتباعك الارذلون . وقرأ الباقون : واتبعك الارذلون .
كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (136) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140)
عاد : قبيلة . رِيع : بكسر الراء وفتحها : المكان المرتفع . آية : قصرا عاليا . تعبثون : تفعلون ما لا فائدة فيه . مصانع : قصورا وحسونا منيعة . لعلكم تخلدون : كأنكم خالدون في هذه الدنيا . بطشتم : اختذهم بالعنف . جبارين : متسلطين بلا رأفة ولا شفقة . أمدّكم : سخر لكم . الوعظ : الكلام اللين بذكر الوعد والوعيد . خلق الأولين : عاداتهم التي كانوا تقدمت قصة عادٍ في سورة الأعراف مفصَّلة ، وفي سورة هود ، وفي سورة المؤمنون بدون ذكر اسم هود وعاد . وتُعرَض هنا مختصرةً ، وتبدأ كما بدأت قصة نوح وقومه . (3/27)
{ كَذَّبَتْ عَادٌ المرسلين } .
اذ قال هود لقومه : أل تخافون الله وتحسبون حساباً لبطشِهِ؟ إني لكم رسولٌ أمين . وأكرر لكم القول أنِ اتقوا الله وأطيعوني فيما أبلّغكم من عند الله ، وما أريد منكم أجرا ، انّ أجريَ على الله رب العالمين . أتشيدون بكل مكانٍ مرتفع من الأرض بناءً شامخا تتفاخرون به وتعبثون فيه بالفسق والفجور! وتتخذون القصورَ المشيدة والحصونَ المنيعة كأنكم خالدون في هذه الدنيا! وإذا اخذتُم قوماً في حربٍ اخذتموهم بعنف الجبابرة دون شفقة او رحمة! اتقوا الله الذي أمدّكم بالأنعام والاولاد وجناتٍ تحيط بها العيون ، فأنا اخاف عليكم عذاب يوم القيامة . قالوا : إننا لدعوتك مكذّبون ، سواء علينا أوعظتَنا ام لم تعِظنا . نحن لن نطيع امرك ، لأننا نتّبع أخلاق آبائنا وما كانوا يعملون ، وما نحن بمعذَّبين عليهم كما تنذرنا به .
فكذّبوه ، فأهلكناهم . ان في ذلك لآيةً يتناقلها الناس ، وما أكثر الذين تتلو عليهم يا محمد نبأ عاد بمؤمنين . { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم } .
قراءات
قرأ ابن كثير وابو عمرو والكسائي : ان هذا الا خُلْق الأولين بضمّ الخاء وسكون اللام وقرأ الباقون : خَلَق بفتح الخاء واللام .
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159)
ضيم : الطلع : اول ما يطلع من الثمر في اول تكوينه . هضيم : ناضج لين . تنحتون : تحفرون البيوت في الصخر ، وهو موجود الى الآأن في مداين صالح . فارهين : نشطين فرحين . من المسحَّرين : الذين سُحروا حتى ذهبت عقولهم . شِرب : نصيب . عقروها : ذبحوها . وقبل ان يذبحوا الناقة كانوا يقطعون قوائمها ، وهذا هو العقر . (3/28)
تقدمت قصة صالح مع قومه في سورة الأعراف وفي سورة هود . وكانوا يسكنون بالحِجر وهي المحلّة التي تسمى الآن « مداين صالح » في شمال الحجاز .
وكذّب قوم ثمود نبيّهم صالحا ، اذ قال صالح لقومه يا قومي : الا تخشَون ربك؟ إني رسول منه اليكم ، فاحذَروا الله وأطيعوني ، ولا أيد منكم اجرا ، فأجري على الله رب العالمين . اتظنّون انكم تُتْركون في دياركم آمنين ، وانتم على ما أنتم عليه من الكفر والظلم؟ وترتعون في جناتٍ وعيون وزرع ونخلٍ ثمرُها يانعٌ لطيف ، وتنحتون من الجبال بيوتا مترفين نشطين؟ خافوا الله وأطيعوني أنا ، ولا تطيعوا الّذين اسرفوا على أنفسِهم بالشِرك واتباع الهوى ، فهم يفسدون في الارض ولا يصلحون . قالوا : ما انتض إلا من المسحورين ، وما انت الا رجل مثلنا فأتِ بمعجزة ان كنت من الصادقين . قال : ان معجزتي هذه الناقة ، لها نصيبٌ من الماء في يومٍ لها ولكم نصيب مثلُه في يوم آخر . اتركوها ولا تمسّوها بسوء فيعذّبكم الله عذابا شديدا .
فعقروها ثم ندموا على ما فعلوا خوفاً من العذاب . فأخذهم العذابُ ، وجاءتهم صيحة عظيمة فأصبحوا في ديارهم جاثمين . إن في ذكر قصتهم لدلالةً على قدرة الله على اهلاك الكافرين ، وما كان اكثر قومك ايها الرسول بمؤمنين . { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم } .
قراءات :
قرأ ابن كثير وأبو عمرو : فَرِهين بدون الف ، وقرأ الباقون : فارهين : بالف بعد الفاء .
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175)
أخوهم : في البلد والسكنى ، وكان لوط غريباً من ارض العراق وهو ابن أخ ابراهيم . الذكران : جمع ذكر . عادون : متعدّون . المخرَجين : الذين نطردهم . القالين : المبغِضين . الغابرين : الباقيون . (3/29)
تقدمت قصة لوط في سورة الأعراف ، وسورة هود ، وسورة الحجر .
أرسل الله لوطاً إلى قومٍ يسكنون في منطقة البحر الميت ، أخفضِ بقعة في العالم ، وهي واقعة في وادي الاردن . وكانت مدينة سَدُوم وما حولها من القرى عامرة بالخيرات . فدعاهم لوط الى عبادة الله ، وَتركِ أقبح عادةٍ كانوا يعملونها وقال لهم! ألا تتقون الله وتخافون عذابه : ان الله قد أرسلني إليكم وانا أمين على رسالته ، فاتقوا الله واطيعوني ، لا اريد منكم أجرا انما أجري من عند الله . انكم يا قومُ دون الناس جميعاً تفعلون الفاحشة بالذكور وتتركون ما خلق الله لكم من النساء! فأجابوه : يا لوط ، إما ان تتركنا مع شهواتنا وتترك دينَك او نخرجك من بلادنا . فقال لهم : إني لعملكم هذا من المبغضين .
فلما يئس منهم توجّه الى ربه وقال : يا رب ، نجّني وأهلي مما يعملون . فنجاه الله مع أهله ، إلا زوجته العجوز التي كفرت بدينه . ودمر الله الآخرين كما جاء في قوله تعالى : { فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ } [ هود : 82 ] . { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم } .
كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191)
الأيكة : الشجر الكثيف ، وهي غَيضة قرب مَدْيَنَ في شمال الحجاز . المخسرِين : هم الذين يأخذون من الناس اكثر ما لهم . القسطاس : الميزان . لا تعثوا : لا تفسدوا . لا تبخسوا الناس أشياءهم : لا تنقصوا حقوق الناس . الجبلّة : الطبيعة والخلقة ، يقال جُبل فلان على كذا : خُلق . كسفا : قطعا ، جمع كسفة . الظلّة : السحابة التي جاءت بالعذاب . (3/30)
تقدمت قصة شعيب في سورة الأعراف ، وفي سورة هود . وكان اصحاب الأيكة يسكنون في غايةٍ قرب « مدين » أرسل الله اليهم شُعيباً فكذّبوه . ونصحهم وقال لهم : أوفوا الكيلَ وزِنوا للناس دون زيادة او نقصان ، ولا تنقصوا حقوق الناس ، ولا تفسدوا في الارض بقتل الناس وقطع الطرقات ، اتقوا الله الذي خلقكم والذين من قبلكم . فقالوا له : أنت رجل مسحور مختلّ العقل ، ولستَ الا بشراً مثلنا ، ونحن نعتقد أنك كاذب ، لم يرسلك الله إلينا . اسقطْ علينا قطعاً من السماء ان كنت من الصادقين! فقال لهم : ان رب عليم بما تَعملون من سيئات ، وبما تستحقونه من العذاب . فكذّبوهن فأهلكهم الله بتسليط الحر الشديد ، وأظلّتهم سحابة فاجتمعوا تحتها فأسقطها الله عليهم ناراً فاهلكتهم جميعا ، في يوم شديد الهول . { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم } .
انتهى قصص الانبياء . . . . ويلاحَظ انه لم يأت القصص حسب التواريخ والاقدمية ، وقد جاء اكثرها مختصرا حسب سياق السورة . والمقصود بذلك كله هو الانذارُ والتذكير ، وتسلية الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام .
قراءات :
قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر : اصحاب ليكة بدون الف . والباقون : الأيكة .
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (204) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (209) وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212)
الروح الأمين : جبريل عليه السلام : جبريل عليه السلام . على قلبك : عليك وعلى روحك . زُبُر الاولين : كتب الاقدمين . الآية : الدليل والبرهان . الأعجمين : كل من لا يتكلم العربية . سلكناه : ادخلناه . بغتة : فجأة . منظَرون : مؤخرون . ذِكرى : تذكرة وعبرة . ما ينبغي لهم : لا يقدرون عليه ، ولا يتيسر لهم . لمعزولون : لممنوعون . (3/31)
بعد ان اختتم سبحانه هذا القصص ، وبيّن ما دار بين الأنبياء واقوامهم من الجدل ، وذَكَرَ انه قد أهلك المكذّبين ، فدالت دولةُ الباطل وانتصر الحق ( وفي ذلك كله تسلية لرسوله الكريم ) - وعد الله رسولَه بأنه منتصر على قومه مهما آذوه ولقي منهم من الشدائد : { سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً } [ الأحزاب : 62 ] .
بعد ذلك بين الله تعالى ان هذا القرآن الذي جاء بذلك القصص وحيٌ من عنده أنزله على عبده ورسوله بلسان عربيّ مبين ، لينذر به ويبشّر عباده ، وان ذكره في الكتب المتقدمة المأثورة عن الانبياء الذين بشروا به كما جاء على لسان عيسى بن مريم { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ يابني إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسمه أَحْمَدُ } [ الصف : 6 ] .
وان العلماء من بني اسرائيل يجدون ذكره في كتبهم كما قال تعالى : { الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل } [ الاعراف : 157 ] .
وان قومك ايها الرسول سمعوا القرآن وعرفوا فصاحته ، وأدركوا انه معجز لا يعارَضُ بكلام مثله ، ومعهذا لم يؤمنوا به فلو أنّا انزلناه على بعض الاعجمين فقرأه عليهم لكفروا به .
{ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ المجرمين }
بيَّنا لهم القرآن ودخل قلوبهم ولم يؤمنوا به . وهم لا يؤمنون به كفرا وعنادا منهم ، حتى يأتيهم عذاب الله بغتة وهم لا يشعرون ، فيتمنون عند ذلك ان يؤخَّروا حتى يؤمنوا . ولكن هيهات . . . فات الاوان . فقد جرت سنة الله ان لا يُهلك قوماً الا بعد ان يبعث فيهم مبشّرين ومنذرين .
ثم ردّ على مشركي قريش الذين قالوا : ان لمحمدٍ تابعاً من الجنّ يخبره كما يخبر الكهف فقال : { وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ } يذكّرونهم وينذرونهم ، وما كان شأننا الظلم فنعذّبَ أُمه قبل ان نبعث اليها رسولا . وما تنزلت الشياطينُ بهذا القرآن ، وما يجوز لهم ، وما يستطيعون .
قراءات :
قرأ ابن عامر وابو بكر وحمزة والكسائي : نزّلَ به الروحَ الأمينَ بتشديد الزاي المفتوحة ونصب الروح الامين ، والباقون : نَزَلَ به الروح الامين : بفتح الزاي دون تشديد ، ورفع الروح الامين . وقرأ ابن عامر : اولم تكن لهم آيةٌ ، بالتاء ورفع آية ، اسم تكن . والباقون : اولم يكن لهم آيةً بالياء ونصب آية ، خبر يكن .
فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)
فلا تدعُ مع الله الها آخر : لا تعبد غير الله . واخفضْ جناحك : ترفّق بمن اتبعك من المؤمنين ، وكن ليِّناً معهم . وتقلُّبك في الساجدين : يراك مع المصلين حين تصلّي . (3/32)
أخلِص العبادة لله وحده ، ولا تشرك به سواه ، كما يدعوك قومك ، فإن فعلت ذلك كنتَ منن المعذَّبين وانذر أقرب الناس اليك من عشريتك .
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال : « لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا ، وأتى » الصَّفا « فصعد عليه ثم نادى : يا صباحاه ، فاجتمع الناس اليه ، فقال : يا بني عبدِ المطّلب ، يا بني فِهر ، يا بني لؤي ، ارأيتم لو أخبرتكم ان خيلاً بسفح هذا الجبل تريد ان تغير عليكم صدقتموني؟ قالوا : نعم ، قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديدز فقال ابو لهب : تباً لك سائر اليوم ، اما دعوتنا الا لهذا » ؟ فأنزل الله تعالى : { تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } .
{ واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين } ألنْ جانبك ، وترفّق مع المؤمنين .
{ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي برياء مِّمَّا تَعْمَلُونَ }
فإن عصاك من انذرتَهم من العشيرة وغيرهم فلا ضير عليك ، وقد أديت ما أُمرت به ، وقل لهم اني بريء منكم ومن شِرككم بالله .
وتوكل على الله وفوِّض جميع امورك اليه ، وهو الذي يراك حين تقوم للعبادة ، ويراك وانت تصلّي بين المصلين ، انه هو السميع لدعائك وذكرك ، العليم بنيتّك وعملك انت وجميع العباد واقوالهم وأفعالهم .
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227)
انبئكم : أخبركم . كل أفّاك : كل كذاب ، أثيم : مجرم كثير الذنوب . يُلقون السمع : يصغون اشد الاصغاء الى الشياطين ، فيتلقون منهم . الغاوون : الضالون . في كل واد يهيمون : في كل مكان يسيرون وراء خيالاتهم . أيّ منقلَب : اي مرجع ومآب . (3/33)
لقد اتهمت قريش النبيَّ صلى الله عليه وسلم ان الشياطين هي التي توحي اليه القرآن ، فردّ عليهم ان الشياطين لا تُنَزل على الانبياء ، بل على الكذّابين الآثمين المنحرفين الذين تلقي اليهم الإفكَ والكذب ، وهم كاذبون يختلقون من عندهم ما يقولونه لأتباعهم . وأنّ الشعراء يتّبعهم الضالون الحائدون عن الطريق القويم ، ألم تَرَ أنهم يجرون وراء خيالهم في ضروب من القول ، ويقولون ما لا يفعلون!
ولما وصف الشعراء بهذه الاوصاف الذميمة استثنى منهم المؤمنين المتصفين بالصفات الحميدة من الايمان ، والعمل الصالح ، والقول الصادق ، وعدمِ هجاءِ الناس واختلاق الاقوال السيئة مثلَ حسّان بن ثابت ، وعبد الله بن رواحة ، وكعب بن مالك وغيرهم رضوان الله عليهم . والى هذا اشار بقوله تعالى :
{ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } .
روى ابن جرير : « انه لما نزلت هذه الآية جاء حسّان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب ابن مالك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم محزونون وقالوا : قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء ، فتلا النبي قوله تعالى : { إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } وقال : انتم . ثم تلا { وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً } وقال : انتم . ثم { وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } وقال : انتم . . . . يعني بردّهم على المشركين ، ثم قال لهم رسول الله : » انتصِروا ولا تقولوا إلا حقا ، ولا تذكروا الآباء والامهات «
ثم ختم الله السورة بالتهديد العظيم ، والوعيد الشديد للكافرين فقال :
{ وَسَيَعْلَمْ الذين ظلموا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ }
سيعلم الظالمون أي مصيرٍ ينتظرهم من الهلاك والشرّ والعذاب .
طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5)
يعمهون : يتحيرون ، ويترددون في الضلال . الأخسَرون : أشد الناس خسرانا . (3/34)
طاسين : هكذا يقرأ هذان الحرفان ، وتقدم الكلام في المراد من فواتح السور ، وان الأصح انها جاءت تنبيهاً الى سر الاعجاز في القرآن مع الاشارة الى انه من جنس ما يتكلمون ولتنبيه الاذهان للاستماع اليه .
{ تِلْكَ آيَاتُ القرآن وَكِتَابٍ مُّبِينٍ }
هذه الآيات التي انزلتها اليك ايها الرسول هي آيات القرآن ، وهو كتاب واضح بيّن لما تَدبره وفكر فيه انه من عند الله .
{ هُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ }
هذا الكتاب هو الدليل الذي يهدي الناسَ الى سعادتهم في الدنيا والآخرة ، وهو يشير المؤمنين بأن اله سيُدخلهم جناتٍ لهم فيها نعيم مقيم . { الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُم بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ }
هذا وصفٌ للمؤمنين بأنهم آمنوا بالله ، وعملوا الأعمالِ الصالحة ، فأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ، وآمنوا ايمانا صادقا بيوم القيامة والبعث والجزاء ، فالايمان وحده لا يكفي .
{ إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ } .
اما الذين لا يؤمنون بالبعث والجزاء فقد زينّا لهم أعمالَهم السيئة ، ومددْنا في غَيِّهم فهم يترددون في ضلالهم ، فلهم في الدنيا سوءُ العذاب بقتلِهم وأسْرِهم ، وهم في الآخرة أعظمُ خسراناً مما هم فيه في الدنيا ، لنه عذابٌ مستمر لا ينقطع .
وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)
لتلقَّى : لتعطى ، لتلقَّن . آنست : أبصرت . بشهاب : بشعلة نار . قبس : قطعة من نار . تصطلون : تستدفئون . جان : حية سريعة الحركة . ولّى مدبرا : هرب راجعا . ولم يعقّب : لم يرجع ، ولم يلتفت . من غير سوء : يعني ان يده صارت بيضاء من غير مرض كالبرص ونحوه . آيات : معجزات دالة على صدقك . مبصِرة : واضحة ، بينة . حجَدوا بها : كذّبوا بها . استيقنتْها انفسُهم : علمتُ علما يقينا انها من عند الله . علوّا : ترفعا واستكبارا . (3/35)
{ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القرآن مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ }
وانك أيها الرسولُ لتتلقى القرآن وتتعلّمه من عند الله ، الحكيم بتدبيرِ خلقه ، العليم بأخبارهمن وما فيه خير لهم . وما هو من عندك كما يزعم الجاحدون .
واذكر ايها الرسول لقومك خبراً عن موسى وهو عائد من « مَدْيَن » الى مصر ومعه زوجته ، وكانا يسيران ليلاً فاشتبه عليهما الطريقُ ، والبرد شديد . فرأى موسى ناراً فقال لأهله : سآتيكم منها بخبرٍ عن الطريق ، أو آتيكم بشعلةٍ لعلّكم تستدفئون بها من البرد . فلما وصل المكان الذي رأى فيه النارَ ناداه الله : إن الله باركَ من في مكان النار ومن حولَها . ( واللهُ منزّهٌ عن مشابهة المخلوقين ) يا موسى : إني انا الله المستحقّ للعبادة وحده ، العزيزُ الذي لا يُقهر ، الحكيم في أقواله وأفعاله . . . . أَلقِ عصاك . فلما ألقاها رآها تهتز وتنقلب الى حيّة عظيمة . فهرب موسى منها ولم يلتفت وراءة من شدة الخوف . فطمأنه الله بقوله : لا تخفْ ، ان المرسَلين لا يخافون وأنا معهم . لكنّ من ظلم وعمل شيئا غير مأذون فه ، ثم بدّل حُسناً وتابَ بعد هفوة { فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .
وأخلْ يَدك في جيبك تخرجْ بيضاء من غير بَرَصٍ او مرض . وكان موسى أسمر البشرة . اذهبْ إلى فرعونَ وقومه في تسع آيات انهم كانوا قوماً خارجين عن امر الله . والآياتُ التسع هي : فلْق البحر ، والطوفان ، والجراد ، والقملَّ ، والضفادع ، والدم ، والجدْب ، والعصا ، وإخراج اليد بيضاء من غير سوء .
فلما جاءت هذه الآيات واضحةً ظاهرة الى فرعون وقومه قالوا : هذا سِحر ، وكذّبوا بها ظلمات واستكبارا ، فانظر ايها النبي كيف كانت عاقبة المفسدين .
هذا عرضٌ سريع لقصة سيدنا موسى التي تكررت في الأعراف وطه والإسراء والشعراء يعرضها سبحانه وتعالى ليسلّي رسوله صلى الله عليه وسلم .
قراءات :
قرأ اهل الكوفة : بشهابٍ قبسٍ ، بالتنوين . والباقون : بشهابِ قبسٍ .