صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (64)

فتاه : خادمه ، تلميذه . لا ابرح : لا ازال سائرا . مجمع البحرين : مكان اجتماعهما . حقبا : مدة طويلة : سربا : مسلكا . نصيبا : تعبا . اوينا : التجأنا . ذلك ما كنا نبغي : ذلك ما كنا نريد . فارتدا على آثارهما قصصا : رجعا في نفس الطريق التي جاءوا منها . الحوت : السمكة الكبيرة .
هذه القصة الثالثة التي اشتملت عليها سورة الكهف ، وهي قصة موسى مع الرجل الصالح الذي آتاه الله علما . وهذه القصة وردت هنا في سورة الكهف ولم تكرر في القرآن . وموسى هذا اختلف المفسرون فيه : هل هو موسى بن عمران النبي المرسل صاحب التوراة ، او موسى آخر؟ واكثر المفسرين على انه موسى بن عمران . وقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس رضي الله عنهما : ان نوفا البكالي من اصحاب امير المؤمنين علي بن ابي طالب كرم الله وجهه ، يزعم ان موسى صاحب الخضر ليس موسى صاحب بني اسرائيل ، فقال ابن عباس : كذب عدو الله .
ونوف البكالي هذا كان من التابعين ومن اصحاب سيدنا علي بن ابي طالب وإمام اهل الشام في عصره . وكان ابن زوجة كعب الاحبار ، وكان راويا للقصص ، توفي نحو سنة 95 ه .
وعند اهل الكتاب وبعض المحدّثين والمؤرخين ان موسى هذا ليس موسى بن عمران ، بل موسى آخر ، وهو متقدم في التاريخ .
والقرآن الكريم لم يحدد الاسماء ولا زمن الحادثة ، ونحن لا يهمنا الاشخاص وانما نقف مع نصوص القرآن ، والعبرة من القصص ، وما نستفيد منها .
وفتاه : يقول المفسرون انه يوشع بن نون تلميذه وخليفته . ومجمع البحرين لم يحدَّد مكانهما ، وهناك اقوال كثيرة منها انهما البحر الاحمر والبحر الابيض ، او مجمع البحرين عند طنجة وغير ذلك .
قال البقاعي في « نظم الدرر » : الظاهر واللهُ اعلم ان مجمع البحرين عند دمياط او رشيد من بلاد مصر ، حيث مجمع النيل والبحر الابيض .
وكلها اقوال بدون دليل او خبر قطعي .
{ وَإِذْ قَالَ موسى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حتى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البحرين أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً . . . } .
اذكر ايها الرسول حين قال موسى لفتاه خادمه وتلميذه : سأظل اسير حتى ابلغ ملتقى البحرين او أسير زمنا طويلا حتى التقي به .
وسبب ذلك كما في كتب الحديث : « عن ابي كعب رضي الله عنه انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ان موسى قام خطيبا في بني اسرائيل ، فسئل اي الناس اعلم؟ قال : أنا ، فعتب الله عليه اذ لم يردّ العلم اليه ، فأوحى الله اليه ان لي عبدا بمجمع البحرين هو اعلم منك . قال موسى : يا رب وكيف لي به؟ قال تأخذ معك حوتا فتجعله بمكتل ، فحيثما فقدت الحوت فهو هناك » المِكتَل : النزبيل ، القفة .
فلما وصل موسى وفتاه المكان الجامع بين البحرين نسيا حوتهما الي حملاه معهما ، وكان الحوت سقط في الماء وغاص فيه .
فلما ابتعدا عن ذلك المكان ، أحس موسى بالجوع والتعب ، فقال لفتاه : آتنا غداءنا ، لقد لقينا في هذا السفر تعبا ومشقة .
فقال له فتاده : اتذكر حين جلسنا نستريح عند الصخرة ، فاني نسيت الحوت هناك ، ان الحوت سقط في البحر ، ونسيت ان اذكر لك ذلك ، وما انساني ذلك الا الشيطان .
فقال له موسى : ان هذا الذي حدث هو ما اريده لحكمة ارادها الله . فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه يتتبعان اثرهما حتى أتيا الصخرة .

(2/380)


فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70)

رشدا : اصابة الخير . على ما لم تحط به خُبرا : على معرفة الشيء معرفة تامة . والخُبر : المعرفة . ذكرا : بيانا وشرحا .
فلما بلغا تلك الصخرة وجدا عندها رجلا صالحا اعطاه الله الحكمة ، أي علّمه من عنده علما كثيرا . وسلم عليه موسى ، وقال له : هل اصحبك لتعلمني مما علمك الله أسترشدُ به في امري؟ فقال الرجل الصالح : انك لن تستطيع الصبر على ما تراه مني .
وكيف تصبر على أمور ظاهرها منكر ، وباطنها مجهول لا خبرة لك بمثلها؟ قال موسى : ستجدني ان شاء الله صابرا معك مطيعا لك فيما تأمر به .
قال الرجل الصالح : ان سرت معي ورأيت اني عملت عملاً منكرا فلا تعترض علي وتسألني عنه حتى أحدثك عنه وأبين لك سره .
وهذا العبد الصالح اختلف العلماء فيه ، هل هو الخضر كما هو شائع بين اكثر المفسرين او هو رجل آخر ، وهل هو نبي او ملك من الملائكة ، او ولي؟ وهذا قول كثير من العلماء .
واختُلف فيه : هل هو لا يزال حيا الى اليوم او انه مات ، فقد انكر البخاري ان يكون حيا ، وعلماء السنة يقولون انه ميت بدليل قوله تعالى : { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد } [ الأنبياء : 34 ] .
وبذلك جزم ابنُ المناوي وابراهيم الحربي وابو طاهر العبادي ، وابو يعلى الحنبلي ، وابو الفضل بن تامر ، والقاضي ابو بكر بن العربي ، وابو بكر بن النقاش ، وابن الجوزي . قال ابو الحسين بن المناوي : بحثت عن تعمير الخشر ، وهل هو باق ام لا فاذا اكثر المغفلين مغترون بانه باق ، والاحاديث الواردة واهية والسند الى اهل الكتاب ساقط لعدم ثقتهم .
وقال في « فتح البيانط : والحق ما ذكره البخاري واضرابه في ذلك ، ولم يرد في ذلك نص مقطوع به ، ولا حديث مرفوع اليه صلى الله عليه وسلم حتى يقيمه عليه .
ويقول الصوفيون انه حي ، وان بعضهم لقيه ، وهذا كلام ليس عليه دليل ويناقض نصوص القرآن .
وبما انه لم يرد نص معتمد في القرآن او الحديث فاننا نكتفي بالعبرة من القصة ، ولا يهمنا معرفة الاسماء والاشخاص .
وقد كتبا لحافظ ابن حجَر في » الاصابة « بحثا طويلا في نحو عشرين صفحة قال فيه : وقد جمعت من اخباره ما انتهى إليّ علمه مع بيان ما يصح من ذلك وما لا يصح .

(2/381)


فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)

إمرا : منكرا . لا ترهقني : لا تحمّلني ما لا اطيق . العسر : الشدة والمشقة وضد اليسر ، يعني ارفق بي وعاملني باليسر . زكية : طاهرة من الذنوب . نكرا : منكرا تنفر منه النفوس . قد بلغت من لدني عذرا : وجدت عذرا من قبلي . استطعما اهلها : طلبا منهم ان يطعموهما . جدارا يريد ان ينقض : حائطا مشرفا على السقوط . فأقامه : فسوّاه ورممه . هذا فراق بيني وبينك : إلى هنا انتهى اجتماعنا . سأنبك بتأويل : سأخبرك بتفسير ما لا تعرفه . خيرا منه زكاة : احسن منه طهارة . واقرب رحما : قرابة ورحمة . كنز : مال مدفون تحت الجدار . يبلغا اشدهما : بلوغ الرشد وكمال العقل .
فانطلقا يمشيان على ساحل البحر ، حتى وجدا سفينة فركباها ، فخرقها العبد الصالح فاعترض موسى قائلا : أخرقتَ السفينة لتغرق من فيها من الركاب؟ لقد راتكبت امراً منكرا .
قال العبد الصالح : { أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً } لما ترى من اعمالي ولا تدرك سرها .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : « ليغرق اهلها » بالياء ورفع اهلها .
قال له موسى : لا تؤاخذني فقد نسيت العهد الذي بيننا ، ولا ترهقني وتكلفني مشقة ويسّر عليّ أمري .
وخرجا من السفينة فانطلقا يمشيان ، فلقيا صبياً ، فقتله العبد الصالحن فقال موسى مستنكرا هذا العمل : كيف تقتل نفسا طاهرة بريئة من الذنوب ، ولم ترتكب ذنبا!
{ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً } لقد ارتكبت اثما عظيما .
الى هنا تم تفسير الجزء الخامس عشر ، والحمد لله على ذلك ، واسأل الله تعالى ان يعين على اتمامه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
{ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً } .
قال العبد الصالح : لقد قلت لك : انك لن تستطيع الصبر على ما ترى من اعمالي .
قال موسى : ان سأتلك عن شيء بعد هذه المرة عن عجيب افعالك التي اشاهدها فلا تصاحبني ، قد بلغتَ الغاية التي تعذر بسببها في فراقي .
قراءات :
قرأ يعقوب : فلا تصحبني . والباقون : فلا تصاحبني . وقرأ نافع : من لدني . بتخفيف النون . وقرأ ابو بكر : من لدني : بإسكان الدال .
قرأ ابن كثير والبصْرِيَّان : لتخِذت عليه اجرا ، بفتح التاء وكسر الخاء .
فانطلقا يمشيان حتى وصلا الى قرية ، فطلبا من اهلها ان يطعمهما ، فرفضوا ان يضيّفوهما ووجدا في القرية جدارا يكاد يسقط ، فسوّاه العبد الصالح ورممه . فقال موسى : لو شئت لطلب اجره على بنائه .
فقال : هذا الاعتراض الدائم منك على ما افعل سبب الفراق بيني وبينك ، وسأخبرك بحكمة هذه الافعال التي خفي عليك امرها ولم تستطع الصبر عليها .
اما السفينة التي احدثتُ فيها خرقا ، فهي لمساكين ضعفاء يعملون بهافي البحر لتحصيل رزقهم ، فاحدثتُ فيها عيبا ، لانه كان هناك ملك يغتصب كل سفينة صالحة ، وبعملي هذا نجت السفينة من ذلك .

(2/382)


واما الغلام الذي قتلته ، فكان ابواه مؤمنين ، وعلمت انه ان عاش فإنه سيكون سبباً لكفرهما .
واراد ربك بقتله ان يعوضهما خيرا منه ديناً واقرب براً ورحمة . واما الجدار الذي أقمته دون اجر ، فكان لغلامين يتيمين من اهل المدينة ، وكان تحته مال مدفون تركه ابوهما لهما ، وكان رجلا صالحا ، فاراد الله ان يحفظ لهما ذلك المال حتى يبلغا رشدهما ويستخرجاه ، رحمة ربهما ، وتكريماً لأبيهما .
واعلمْ اني ما فعلت هذا كله بأمري واجتهادي من عندي نفسي ، وانما فعلته بتوجيه من ربي ، هذا تفسير ما خفي عليك يا موسى ، ولم يستطع الصبر عليه .
قرأ نافع وابو عمرو : ان يبدلهما بتشديد الدال . وقرأ ابن عامر ويعقوب وعاصم : رحما بضم الراء واسكان الحاء . والباقون : رحما بضم الراء والحاء .
اختلف المؤرخون والمفسرون في شخصية ذي القرنين ، فقال كثير من المفسرين انه اسكندر المقدوني ، وفي تاريخ ملوك حمير واقيال اليمن ان ذا القرنين هو تبَّع بن شمر يرعش . . وانه غزا بلاد الروم واوغل فيها حتى وصل الى وادي الظلمات .
وفي رواية انه الصعب بن تبع ابن الحارث ويلقب بذي القرنين ، وروايات كثيرة ، وكلها من باب الرجم بالغيب والظن الذي لا يغني عن الحق شيئا .
ويقول ابو الكلام أزاد في كتابه عن ذي القرنين انه « كورش الأكبر » مؤسس الاسرة الاخمينية ، والذي يقول العقاد إننا اذا انعمنا النظر في التاريخ نجد ان اوصافه تنطبق على ما وصف به القرآن ذا القرنين ، اذ كان ملهماً وفاتحا عظيما ، غزا الارض شرقا وغربا واقام سدا ليصد به هجمات المغيرين من « يأجوج ومأجوج » على بلاده . واما اسكندر المقدوني فقد كان وثنيا معروفا بالقسوة والوحشية ، ثم ان الاسكندر لا يعقل ان يكون هو باني سور الصين ، فهو اولاً لم يصل الصين ، بل عاد من الهند حيث تمرد عليه رجاله ، وان سد الصين بني بعده بنحو مائة وعشرين سنة . ما بين سنة 246 - 209 قبل الميلاد وبانيه معروف وهو الملك « ش هو انجتي » . وطول سد الصين 2400 كيلو متر استغرق بناؤه سنين عديدة . وسيأتي الكلام على السد ومكانه قريبا .

(2/383)


وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91)

ذكراً : خبرا . مكنّا له في الارض : جعلنا له قوة وسلطة . آتيناه من كل شيء سببا : هيأنا له السبب الذي يوصله الى ما يريد . وأتبع سببا : سار في طريقه . حمئة : ذات طين اسود . نكرا : فظيعا . الحسنى : المثوبة الحسنة . يسرا : سهلا ميسرا . خبرا : علما .
{ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً }
يسألك بعض زعماء قريش ايها الرسول عن نبأ ذي القرنين فقل لهم سأقص عليكم بعض اخباره .
روي في سبب نزول سورة الكهف ان زعماء قريش ارسلوا النضر بن الحارث وعقبة بن ابي معيط الى احبار اليهود بالمدينة ، وقالوا لهما : سلاهم عن محمد وَصِفا لهم صفته ، واخبراهم بقوله فانهم اهل الكتاب الاول ، وعندهم ما ليس عندنا من علم الانبياء . . فقال لهم اليود : سلوه عن ثلاث ، فان اخبركم بهن فهو نبي مرسل والا فهو رجل متقوِّل فروا فيه رأيكم : سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الاول ، ما كان من امرهم ، فانهم كان لهم حديث عجيب ، وسلوه عن رجل طوّاف بلغ مشارق الارض ومغاربها ، ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فان اخبركم بذلك فهو نبيّ فاتبعوه . . . فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا : يا معشر قريش ، قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد ، فأخبروهم بما قال اليهود . فجاؤا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه عن هذه الأمور الثلاثة . فقال : اخبركم غدا عما سألتم ولم يَقُلْ ان شاء الله ، ومكث خمس عشرة ليلة لم يأته الوحي . فأرجف اهل مكة وقالوا : وعدنا محمد غدا ، واليوم خمش عشرة قد اصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه! وشق ذلك على النبي الكريم ، ثم جاءه جبريل بسورة الكهف . وهناك روايات اخرى في سبب النزول ولا يهمنا ذلك كله ، والمهم العبرة من القصص القرآني ويكفينا ذلك .
{ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً }
انا مكنا لأمره في الأرض ، فاعطيناه سلطانا قويا ، ويسرنا له اسباب الحكم والفتح ، واسباب البناء والعمران ، وآتيناه الكثير من العلم بالاسباب كي يستطيع توجيه الأمور ، ورحل ثلاث رحلات : واحدة الى المغرب ، وواحدة الى المشرق ، وواجدة الى ما بين السدّين .
قراءات :
قرأ ابن عامر واهل الكوفة : فأتْبع سببا ، بفتح الهمزة وسكون التاء ، اولباقون : فاتَّبع سببا : بجعل الهمزة الف وصل ، وتشديد التاء المفتوحة .
{ فَأَتْبَعَ سَبَباً } ومضى بهذه الاسباب يبسط سلطانه على الارض ، حتى اذا وصل الى مكان بعيد جهة مغرب الشمس ، ووقف على حافة البحر ، وجد الشمس تغرب عند عين ذات حمأة وطين اسود ، ووجد بالقرب من هذه العين قوما كفارا . فألهمه الله ان يتخذ فيهم احد امرين : اما ان يدعوهم الى الايمان ، وهذا امر حسن في ذاته؛ واما ان يقاتلهم إن لم يجيبوا داعي الايمان .

(2/384)


قراءات :
قرأ ابن عامر واهل الكوفة الا حفصا : في عين حامئة . والباقون : في عين حمئة بفتح الحاء وكسر الميم وفتح الهمزة ، كما هو في المصحف .
قرأ اهل الكوفة الا ابا بكر : فله جزاءً الحسنى : بنصب جزاء مع التنوين . والباقون فله جزاءُ الحسنى : برفع جزاء واضافته الى الحسنى .
فقال ذو القرنين : ان من ظلم نفسه بالبقاء على الشرك ، استحق العذاب في هذه الدنيا على يديه ، ثم يرجع الى ربه فيعذبه عذابا شديدا .
واما من استجاب وآمن بِرِبِه وعمل صالحا ، فله المثوبة الحسنى في الآخرة ، وسنعامله في الدنيا برفق ولين ويسر .
{ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً } وقفل راجعا من مغرب الشمس حتى بلغ مشرق الشمس حيث بلغ غاية المعمور من الارض في ذلك الزمن ، فوجدها تطلع على قوم ليس لهم بناء يكنّهم ، ولا لباس لهم ، فهم عراة في العراء او في سراديب في الارض .
{ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً }
ان امر ذي القرنين كما وصنا من قبل بلوغه طرفي المشرق والمغرب ، ونحن مطلعون على جميع احواله لا يخفى علينا شيء منها .

(2/385)


ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99)

السدين : الجبلين . خَرْجا : اجرة من اموالنا . ردما : حاجزا . زبر الحديد : قطع الحديد ، المفرد زبرة ، الصدفين : واحدها صدف : جانب الجبل . قطرا : نحاسا مذابا ، او رصاصا . ان يظهروه : ان يرقوا عليه ويجتازوه . دكَّاء : مهدوما مستويا مع الارض . نفخ في الصور : الصور : قرنٌ ينفخ فيه فيحدث صوتا عاليا .
{ حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً } .
وهذه رحلة ذي الرقنين الثالثة فلما وصل الى مكان بعيد بين جبلين وجد هناك قوما لا يفهمون ما يقال لهم لغرابة لغتهم وجهلهم . ويقال ان الجبلين المذكورين عند مدينة دربند ، بالقرب من مدينة ترمذ حيث يرعف بباب الحديد .
{ قَالُواْ ياذا القرنين إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرض فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً } .
قال المجاورون لهذين الجبلين لذي الرقنين انه يوجد اناس مفسدون في الارض وهم يأجوج ومأجوج ، ويقال انهم التتر والمغول ، وكانوا يغيرون على الأمم المجاورة لهم فيفسدون ويدمرون ، ولذلك توسل المجاورون الى ذي القرنين ان يجعل بينهم وبينهم سدا .
ولذلك أجاب طلبهم بانه بحول الله وقوته سيبني هذا السد ، وشرع فيه وقال لهم : أعينوني بما تقدرون عليه من رجال وادوات احققْ لكمهذا الطلب و { أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً } . وطلب منهم ان يمدوه بقطع الحديد ، فاقام سدا عاليا ساوى به بين حافتي الجبلين ، ثم امر ان يوقدوا نارا حتى انصهر الحديد فصب عليه النحاسَ المذاب ، فاصبح سدا منيعا . ويقول الخبراء الذين زاروا تلك المنطقة : ان هذا السد موجود الآن ويُعرف بسد دريند ، وطوله 50 ميلا وراتفاعه 29 قدما ، وسمكه عشرة اقدام ، وتتخلله بعض الأبواب الحديدية ، فوي اعلاه برج للمراقبة .
{ فَمَا اسطاعوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْباً } .
فما استطاع يأجوج ومأجوج ان يجتازوه ، ولا ان ينقبوه لصلابته .
وبعد ان أتم ذو القرنين بناء السد ، قال شاكرا لله :
{ قَالَ هذا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّآءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً } .
ان هذا السد من رحمة الله بكم ، وسيظل قائما حتى يسويه بالارض ، وان امر الله نافذ لا محالة .
وهذا النص لا يحدد معينا لخروج يأجوج ومأجوج ، ففي سورة الانبياء { حتى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ } [ فمن الجائز ان تكون هي غارات المغول والتتر التي دمرت ملك العرب بتدمير الخلافة العباسية على يد هولاكو ، ويكون هذا تصديقا للحديث الصحيح الذي رواه الامام احمد عن زينب بنت جحش قالت : استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمر الوجه وهو يقول :
« ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا .

(2/386)


وحلّق باصبعيه السبابة والابهام . قلت : يا رسول الله انهلك وفينا الصالحون؟ قال : نعم اذا كثر الخبث « .
{ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصور فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً }
وتركنا يأجوج ومأجوج خلق السد يموج بعضهم في بعض لكثرتهم الى ان نأمر بفتحِهِ ويخرجون الى ما وراءه يفسدون ويدمرون كعادتهم .
فاذا كان موعد يوم القيامة ونفخ في الصور ، يجمع الله الخلائق جميعا للحساب والجزاء .
قراءات :
قرأ نافع وحمزة والكسائي وابن عامر وابو بكر ويعقوب : بين السدّين بضم السين . والباقون بين السدين بفتح السين ، وهما لغتان .
وقرأ حمزة والكسائي : » لا يكادون يفقهون قولا « بضم الياء وكسر القاف . والباقون : يفقهون بفتح الياء والقاف . وقرأ عاصم وحده : يأجوج ومأجوج بالهمز . والباقون : ياجوج وماجوج بدون همز .
وقرأ أهل الكوفة : خراجا ، الا عاصما : خرجا . وقرأ ابن كثير : ما مكنني . وقرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر الصُدفين بضم الصاد والدال ، وقرأ ابو بكر : الصدفين بضم الصاد واسكان لادال . والباقون : الصدفين بفتح الصاد والدال . وقرأ حمزة وابو بكر : ائتوني . والباقون : آتوني بمد الهمزة . وقرأ اهل الكوفة : دكاء بالهمزة مع المد . والباقون : دكا ، بدون همزة .

(2/387)


وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106)

غطاء : غشاوة . اعتدنا هيأنا . نزلا : اصل النزل ما يُهيّأ للضيف النزيل ، وهنا جعل جهنم مكانا لهؤلاء الجاحدين ينزلون به . الهزؤ : السخرية .
{ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ . . . }
بعد ان ذكر الله تعالى انه اذا نفخ في الصور وجاء يوم القيامة جمع الناس من جميع اطراف الارض - بين هنا انه عند ذلك يُبرز جهنم ويعرضها للذين كفروا بالله ، الذين كانت اعينهم في الدنيا مقفلة ، وقلوبهم في غفلة عن ذكره ، وكانوا لا يستطيعون ان يسمعوا ذكر الله .
ثم بين ان ما اعتمدوا عليه من المعبودات الاخرى لا تنفعهم ولا تنصرهم في ذلك اليوم .
{ أَفَحَسِبَ الذين كفروا أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دوني أَوْلِيَآءَ . . . }
اظنوا ان اتخاذهم المعبودات الضعيفة التي لا تملك لهم ضرا ولا نفعا ينفعهم او ينجيهم من العذاب . إنا أعتدنا لهم جهنم مقرا ينالون فيه ما يستحقون من جزاء .
وفي ذلك تهكم بهم ، وتهطئة في حسبانهم ذلك ، واشارة الى ان لهم وراء جهنم الوانا اخرى من العذاب .
ثم بين سبحانه ما فيه تنبيه الى جهلهم وخسرانهم فقال :
{ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بالأخسرين أَعْمَالاً الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحياة الدنيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً }
قل ايها الرسول لهؤلاء الجاحدين هل نخبركم بأشد الناس خسرانا لأعمالهم ، الذي بطل عملهم في الحياة الدنيا ، وهم يعتقدون انهم يحسنون بعملهم صنعا! انهم عملوا بغير ما امرهم الله به ، وظنوا انهم بفعلهم هذا مطيعون له ، وقد ذهب سعيهم هباء فلم يجدِهم شيئا .
ثم بين الله السبب في بطلان سعيهم فقال :
{ أولئك الذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً } .
هؤلاء الذين كفروا بما جاء به الرسول من دلائل وآيات ، وانكروا البعث والجزاء ولقاء الله فحبطت اعمالهم ، اي فسدت وبطلت . وأصل الحبوط انتفاخ بطن الدواب عندما تأكل شيئا يضرها من الكلأ ثم تلقى حتفها ، وهذا انسب شيء لوصف اعمال هؤلاء الكفار الذين هم اشبه شيء بالدواب . ولذلك سوف يمهَلون يوم القيامة ويتركون في جهنم ، ولا قيمة لهم .
ثم بين مآلهم بسبب كفرهم وسائر معاصيهم بعد ان بين حبوط اعمالهم وخسرانهم فقال { ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ واتخذوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً } ذلك الذي بيناه وفصلناه شأن هؤلاء ، وجزاؤهم جهنم بسبب كفرهم وسخريتهم بما انزل الله .

(2/388)


إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108) قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)

الفردوس : المنازل العليا في الجنة : حِوَلا : تحولا . مدادا : حبرا . يرجو لقاء ربه : يطمع في لقائه .
بعد ان ذكر سبحانه ما اعده للكفار من عذاب ، جزاءَ جحودهم بربهم واستهزائهم برسله وآياته - بين هنا لمقابل ، وهو حال المؤمنين وما ينتظرون من نعيم مقيم وجنات تجري من تحتها الانهار فقال :
{ إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفردوس نُزُلاً خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } .
ان الذين آمنوا بالله ورسوله ، وصدقوا المرسلين فيما جاؤا به ، وعملوا صالح الاعمال جزاؤهم اعلى المنازل في الجنة ، خالدين فيها ابدا ، لا يرضون غيرها بديلا .
ثم ختم السورة ببيان حال القرآن الذي فيه الدلائل والبينات على وحدانية الله ، وارساله الرسل ، وكلماته التي لا نهاية لها ، فالبحرُ وسعه مهما كبر يظل صغيراً الى جنب علم الله وكلماته التي تمثل العلم الالهي الذي لا حدود له ، والذي لا يدرك البشر نهايته .
{ قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي . . . } قل ايها الرسول للناس : ان علم الله محيط بكل شيء ، ولو كان ماء البحر مدادا يسطر به كلمات الله الدالة على علمه وحكمته لنفذ هذا المداد ، ولو مد بمثله ، قبل ان تنفذ كلماتُ الله ، لأن علوم الله ولكماته لا نهاية لها . ومثل قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله } [ لقمان : 27 ] .
{ قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ . . . } قل لهم ايها الرسول : انما انا انسان مثلكم أستمد علمي من الوحي اللهي ، اعلمكم ما علمني الله اياه ، وقد اوحى الله الي ان ربكم واحد لا شريك له ، فمن كان يطمع في لقاء الله وثوابه فليعمل الاعمال الصالحة مخلصا له ، { وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً } هذا هو العمل العظيم الذي ينجي الانسان عند لقاء ربه .
وهكذا تختم سورة الكهف التي بدأ بذكر الوحي والتوحيد بما بدئت به من ان محمد عليه الصلاة والسلام بشر مرسل يوحى اليه ، والتوحيد وعدم الشرك هما الجواز الذي يوصل الى الجنة .
نسأل الله تعالى ان يجعل علمنا خالصا لوجهه الكريم .

(2/389)


كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)

كاف . ها . يا . عين . صاد . هكذا تُقرأ . وهي تنبيه للسامعين ، وتوجيه لنظرهم . وهَن العظم مني : ضعف ورقّ من الكبر . اشتعل الرأسُ شيبا : صار الشيب كأنه نار ، والشَّعر كالحطب ، والمقصود أن رأسه شابَ من الكبر . ولم اكنْ بدعائك ربِّ شقيا : وكنت بدعائي لك سعيدا غير شقي ، فإنك كنتَ تستجيب لي دائما . الموالي : أقارب الرجل . من ورائي : من بعد موتي . عاقر : لا تلد ، ويقال للرجل والمرأة عاقر . وليّا . وراثا . رضيّا : مرضيّا عندك .
ذُكر زكريا في القرآن الكريم ثمان مرات : في سورة آل عمران ، والانعام ، ومريم والأنبياء . ولم يذكر نسب زكريا في القرآن ، ولا في كتب الأنبياء عند اهل الكتاب . وكل ما هو معروف أنه من وَلَدِ سليمان بن داود ، وكان زوجاً لخالة مريم . وذكر في حديث المعراج ان زمكريا ويحيى ابنا خالةٍ وعلى هذا يكون ذلك تجوُّزا .
ويحيى بن زكريا عُرف عنه الصلاح وطلبُ العلم منذ صباه ، فكان يقضي أكثر أوقاته في البريّة يعيس على العسَل والجراد ، حتى حصل على رتبة عالية في الشريعة الموسوية ، وأصبح مرجعا مهما لكلّش من يَستفتي في أحكامها . { وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً } .
وكان يحيى على أكملِ أوصاف الصلاح والتقوى ، وقد نُبّىء قبل الثلاثين ، وكان يدعو الناس الى التوبة من الذنوب ، وكان يُعَمِّدُهم في نهر الأردن للتوبة من الخطايا . وهو الذي عمَّدَ المسيح واسمه عندهم « يوحَنّا المَعْمَدان » .
وكان حاكمُ فلسطين في زمنه « هيرودس » وكانت له بنت أخٍ يقال لها « هيروديا » كانت بارعةَ الجمال ، فأراد عمُّها ان يتزوجها . وكانت البنت موافقة وكذلك أمها ، غير ان يحيى لم يرضَ عن هذا الزواج لأنه محرَّم . فاخذت الأُم ابنتَها الى مجلس عمِّها وجعلتها ترقص له ، وقالت لها : إذا عَرَضَ عليك شيئا ، فاطلبي رأس يحيى . ففعلتْ . ووفّى لها عمّها الحاكمُ بذلك . . قتل يحيى وأحضر لها رأسه على طبق . وبعد ان قُتل يحيى أخذ المسيحُ يَجْهَرُ بدعوته ، وقام في الناس واعظاً .
{ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ . . . . } .
نقصّ عليك أيها الرسولَ خَبَر رحمتِنا لعبدِنا زكريا حين دعا ربَّه في خفيةٍ عن الناس ، فقال : ربِّ إني قد ضعُفت ، وشابَ رأسي ، وإنك يا ربّ تمنُّ عليَّ دائما وتستجيب دعائي . لذلك فإني سعيدٌ بدعائي لك ، ولم أكن به شقيا . لقد خِفتُ بعد موتي ألا يحسن أقاربي القيامَ على امر الدين ، وامرأتي عاقر لا تلد ، فارزقْني من رحمتِك وفضلِك غلاماً يخلُفُني في قومي ، اجعله يا ربّ يرثني في العلم والدِين ، ويرِث من آل يعقوب واجعلْه يا رب بَرّاً تقيا مرضيا عندك وعند خلقك . والمراد بالوراثة هنا وراثةُ العلم والدين ، لأن الأَنبياء لا يُوَرّثِون مالاً ولا عقارا .
قراءات :
قرأ ابو عمرو والكسائي : يرثْني ويرثْ من آلِ يعقوبَ بجَزْمِ الفِعلين .

(2/390)


يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)

لم نجعل له من قبل سَمِيّا : لم يُسضمَّ أحد بهذا الاسم قبله . عَتَا الشيخ : كبر وانتهى . وقد بلغت من الكِبَرِ عتيّا : بلغت من الكبر حالةٌ يبستْ معها مفاصلي وعظامي . آية : علامة . سوياً : سليما صحيحا . المحراب : المصلّى . فأوحى زكريا اليهم : أشار اليهم .
{ يازكريآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ . . . . } .
لقد أخبر الله تعالى زكريا انه أجاب دعاءه وتولى تسمية الولد بنفسِه ، ونادى : زكريا ، إنا نبشّرك بهبتِنا لك غلاماً اسمُه يحيى ، ولم نسمِّ به احداً من قبله .
فَسُرَّ زكريا بهذه البشرى وقال متعجباً : يا ربّ ، كيف يكون لي ولدٌ وزوجتي عاقر وأنا قد ضعفتُ من الكِبَرِ وبلغت سن الشيخوخة! .
{ قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ . . . . } .
فأوحى الله لعبده زكريا أن الأمر كما بُشِّرْتَ . ان مَنْحَكَ الولدَ وأنت على هذه الحالة من كبر السنّ وعقم الزوجة هيّن علي . ثم ذكر ما هو أعجبُ مما سأل عنه فقال : { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } خلقتُك من العدَم .
قال زكريا عندما سمع هذه البشرى وتحقَّق من تمامها : ربِّ اجعل لي علامةً تدلّ على حصول ما بُشرتُ به ، قال : علامتك هي أن لا تستطيع الكلامَ مدةَ ثلاثِ ليالٍ وأنت صحيحٌ سليم الحواس .
فخرج زكريا على قومه من مصلاَّه وهو منطلق اللسان بذِكر الله ولا يستطيع ان يكلِّم الناس ، فأشار الى قومه ان سبِّحوا اللّهَ صباحاً ومساء .
قراءات :
قرأ حمزة : نُبْشِرك : بضم النون واسكان الباء من أبشر . والباقون : نبشرك بفتح الباء وتشديد الشين . وقرأ حمزة والكسائي وحفص : عتيا ، بكسر العين . والباقون : عتيا ، بضم العين .

(2/391)


يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)

الكتاب : التوراة . بقوة : بجد واجتهاد . الحُكم : الحكمة والمعرفة . حنانا : عطفا على الناس . وزكاة : طهارة من الذنوب . وبرا بوالديه : كثير الاحسان اليهما . ولم يكن جبارا عصيّا : لم يكن متكبرا متعاليا مخالفا لما أُمر به .
ثم ناداه الله : يا يحيى ، خذ التوراةَ واعمل بجّدٍ واجتهاد وعزم ، وآتاه الحكمةَ والعلم منذ صباه ، ونشأ على التقوى .
وقد جَعَلَه الله ذا حنانٍ وشفقة على الناس ، وطهارة نفس ، وكان تقيا . كما جعلّه كثير البِرّ بوالديه والإحسان اليهما والى الناس ، ولم يجعله متجبّرا عليهم ، ولا عاصياً لله .
ثم ذكر سبحانه جزاء يحيى على ما قدّم من عمل صالح وأسلف من طاعةِ ربه فقال :
{ وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ . . . . }
وتحيةٌ من الله عليه ، وأمانٌ له يوم موته ، ويوم يُبعث يوم القيامة حيا . في هذه المواطن الثلاثة يكون العبدُ أحوجَ ما يكون للرحمة والأمان . ذلك هو يحيى الذي اعطاه الله الحكم صبيا ، واستجاب دعاء ابيه زكريّا ووهبه ذلك الغلام الطاهر .

(2/392)


وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21)

انتبذتْ : اعتزلت . مكاناً شرقيا : شرقي بيتَ لحم ، وذلك في الغور لأنه المكان الوحيد في بلادنا الذي يثمر فيه النخل . روحنا : جبريل . بشَرا سويا : رجلا كامل الخلقة . أعوذُ : أَعتصم والتجىء . تقيا : مطيعا . لأهَبَ : لأكون سببا في هبته لك . زكريا : طاهرا . أنَّى يكون لي غلام : كيف يكون لي غلام . آية : علامة على قدرة الخالق . مقضيّا : محتوما .
بعد ان ذكر الله قصة زكريا واستجابة دعائه ، ويحيى الذي اوجده الله من شيخين فانيين - ثنى بقصة عيسى لأنها اغرب من ذلك . وقد فتنت قصة عيسى عليه السلام كثير من البشر حتى تصوروه إلهاً ، ونسجوا حوله كثيرا من الخرافات والاساطير ، فجاء القرآن الكريم يقص كيف وقعت هذه القصة العجيبة ، ويبرز دلالتها الحقيقية ، وينفي تلك الخرافات والاساطير .
واذكر ايها الرسول ما في القرآن من قصة مريم حين اعتزلت عن اهلها في مكان شرقيّ بيت لحم والقدس حيث كانوا يقيمون . وضربت بينها وبينهم حجابا . فارسلنا اليها جبريل في صورة انسان معتدل الخلق ، فلما رأته مريم فزعت منه وقالت : اني استجير بالرحمن منك ان كنت تتقي الله وتخشاه .
فقال جبريل مجيباً لها ومزيلا لما حصل عندها من الخوف على نفسها : لا تخافي اني رسول من ربك لاكون سببا في ان يهب الله لك غلاما طاهرا مبرأ من العيوب .
فعجبت مريم مما سمعت وقالت لجبريل : كيف يكون لي غلام ، ولست بذات زوج ، ولم يقربني انسان ولست من اهل الفجور؟ .
فقال لها الروح الامين : ان الله قد قال : ان هذا الأمر عليه هين ، وان اسباب الولادة لا تنحصر عند الله بما هو المعتاد من زوجين ، فانه كما اوجد آدم من غير اب وأم ، واوجد هذا الكون من العدم - فانه يهب لك الغلام من غير اب { إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } [ آل عمران : 47 ] . وقد نفخ جبريل في قميصها فكانت تلك النفخة سببا للحمل ، كما في قوله تعالى : { والتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا } [ الأنبياء : 91 ] . وفي سورة التحريم الآية 12 { وَمَرْيَمَ ابنة عِمْرَانَ التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا } وقد قدرنا ذلك لنجعلَ خلقه برهانا على قدرتنا كما يكون رحمة لمن يهتدي به ، وكان خلق عيسى محتوما .
قراءات :
قرأ ابو عمرو ونافع : ليهب لك ، بالياء . والباقون : لأهب لك كما هو في المصحف .

(2/393)


فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)

قصيا : بعيداً عن اهلها في غور الاردن . فأجاءها المخاضُ : فألجأها الطلب . نسيا منسيّا : نسياً بفتح النون وكسرِها ، الشيء الذي لا قيمة له فيظلّ منسيا لا يذكر . سريّا : شريفا . رُطبا جنيا : الرطَب ، هو ثمر النخل اذا ادرك ونضج قبل ان يصير تمرا . جنيا : صالحا للقطف . نذرتُ للرحمن صوما : يعني صوما عن الكلام .
وتحققت ارادة الله تعالى ، وحملت مريم بعيسى ، وذهبت بحملها الى المكان البعيد عن الناس . . الى غور الاردن ، لأنه هو المكان الذي يوجد فيه النخل وهو المكان الشرقي البعيد وكان مأهولا من بعض المتعبدين . وكون الوقت فيه رطب يعيِّين ان يكون وقت الولادة في الصيف ، لا في الشتاء كما يقرر النصارى الذين يوقتون الميلاد في الشتاء .
فالجأها ألم الولادة والطلق الى جذع النخلة لتستند اليه وتستتر به ، وتمنت لو انها كانت ماتت قبل هذا الوقت الذي لقيت فيه ما لقيت ، حياء من الناس وخوفا من لومهم ، وكان شيئا منسيا . لان الناس لا يعرفون الحقائق ولا يعذرون .
فناداها عيسى من تحتها ، حيث انطقه الله . وتلك ايضا من المعجزات : لا تحزني بالوحدة وعدم الطعام والشراب ومن الألم ، ومما يقوله الناس ، فقد جعل ربك تحتك انسانا شريفا رفيع القدر والشأن .
يفسر بعض المفسرين : سريا بمعنى الجدول او النهر ، وان المنادى جبريل ، فكيف يكون جبريل تحتها؟ . .
{ وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً } .
وهزي النخلة يتساقط عليك الرطب الطيب ، والرطب فيه الغذاء الكافي ، ويعيش عليه خلق كثير .
ويقول بعض المفسرين ان الوقت لم يكن صيفاً ، واللهُ أحيا تلك النخلة وجعل فيها الرطب . . وهذا كلام ليس عليه دليل .
فكلي من ذلك الرطب ، واشربي من الماء عندك وطيبي نفسا ، فان رأيتِ احدا من البشر ينكر عليك امرك ، فأفهميه بانك نذرت لله الصوم عن الكلام وأنك لا تكلمين اليوم احدا .
قراءات
قرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وابو بكر : يا ليتني مت بضم الميم ، والباقون : مت بكسر الميم . فهما لغتان .
قرأ حمزة وحفص : نسيا بفتح النون ، والباقون : نسيا بكسر النون وهما لغتان . قرأ حفص وحمزة والكسائي ونافع : مِن تحتها من حرف جر وكسر تحتها ، كما هو في المصحف ، والباقون : من تحتها . بفتح ميم من ، وتحتها بفتح التاء . قرأ حفص : تساقط بضم التاء وكسر القاف . وقرأ حمزة : تساقط بفتح التاء والسين بدون تشديد . وقرأ ابو عمر وابن عامر والكسائي وابو بكر : تساقط بفتح التاء والسين المشددة . وقرأ يعقوب : يساقط بضم الياء والجميع باسكان الطاء جواب الامر .

(2/394)


فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35)

فريا : عجيبا ، مختلقا . يا اختَ هارون : يا شبيهة هارون في التقوى والصلاح . المهد : الموضع يهيَّأ للصبي . الكتاب : الإنجيل . يمترون : يشكّون يوتنازعون .
بعد ان وضعتْ مريم وليدها أقبلت على أهلِها تحمل عيسى ، فقالوا لها مستنكرين : يا مريم ، لقد جئتِ أمراً عظيماً منكَرا!! . يا أخت هارون ، يا من انتِ شبيهةٌ بهارونَ النبيّ في التقوى والصلاح ، كيف يصدر عنكِ هذا العمل المنكر ، وما كان أبوك بالفاجر ، ولم تكن أُمك من البغايا! فمِن أين لك هذا الولد؟
روى أحمدُ ومسلم والترمذي والنَّسائي وعبد بن حميد وغيرُهم عن المغيرة بن شعبة قال : « بعثني رسولُ اللهُ صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجرانَ فقالوا : أرأيتَ ما تقرأون : { ياأخت هَارُونَ } وموسى وهارون قبل عيسى بزمنٍ بعيد . قال فرجعتُ ، فذكرت ذلك لرسول الله فقال : ألا اخبرِّكم أنهم كانوا يُسَمَّون بالأنبياء والصالحين قبلهم! يعني يُشَبَّهون بهم »
وفي دائرة المعارف البريطانية : ان القرآن غَلطَ تاريخياً حين قال : { ياأخت هَارُونَ } في سورة مريم مع أن بينَ مريمَ وهارونَ أخِ موسى مئاتِ السنين .
وهذا طبعا من الافتراءات المبنيّة على الجهل الفاضح ، والحديثُ المذكور يفسّر ذلك .
{ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ . . . . } .
فأشارت الى ولدها عيسى ليكلموه ، فقالوا : كيف نكلم طفلا لا يزال في المهد ، وهم يظنون انها تزدري بهم . فلما سمع عيسى كلامهم أنطقه الله :
{ قَالَ إِنِّي عَبْدُ الله آتَانِيَ الكتاب وَجَعَلَنِي نَبِيّاً } .
يعني انه سيؤتيه الإنجيل ، ويجعله نبيّا ، ويكون مباركاً في كل أوقاته ، وأين ما كان ، معلّماً للخير ، وأوصاني بالصلاة وأداء الزكاة مدةَ حياتي ، كما أمرني ان اكون بارّا بوالدتي مطيعا محسناً لها ولم يجعلْني متجبّرا في الناس ولا شقيّا بمعصيته .
{ والسلام عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً } .
وهذه الآية مثلُ الآية التي وردت في يحيى في نفس السورة رقم 15 .
ذلك الذي ذُكرت مناقبه واوصافه هو عيسى بن مريم ، وهذا هو القول الحق في شأنه الذي يجادل فيه المبطلون ، ويشك في امر نبوته الشاكّون ، لا ما يقوله الذين ألّهوهُ ، او المتهمون لأمه في مولده .
{ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ . . . } .
تعالى الله وتنزَّهَ عن ان يتخذ ولدا . والولد إنما يتخذه الفانُونَ والضِعاف ، واللهُ باقٍ قادر لا يحتاج مُعينا . والكائنات كلّها توجد بكلمة منه ، فهو إذا قضى أمراً من الأمور نفذت إرادته بكلمة - فما يريد تحقيقه يحققه بتوجُّهِ الإرادة لا بالولد المعين .
جاء ذكر عيسى بلفظ المسيح تارةً وبلفظ عيسى بن مريم في القرآن في ثلاثَ عشرةَ سورة ، وفي ثلاثٍ وثلاثين آية منه .
قراءات :
قرأ الكسائي : آتاني واوصاني بالامالة . وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب : قول الحق ، بنصب قول على انه مصدر . والباقون : قولُ الحق على انه خبر المبتدأ .

(2/395)


وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (38) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40)

الأحزاب : طوائف اهل الكتاب . من مشهد يوم عظيم : من حضور يوم القيامة . ويل : خِزي وهوان . أسمِع بهم : ما أسمعَهم . ابصِر بهم : ما ابصرهم . يوم الحسرة : يوم القيامة ، حيث يندم المفرطون على انهم لم يعملوا صالحا في الدنيا . قُضي الأمر : انتهى وفرغ من الحساب .
{ وَإِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ . . . . . } .
وهذا من بقية كلام عيسى . . إن الله ربي وربكم ، وأَمَرَهم بعبادته ، وان هذا هو الذي أوصيتُكم به وأن دين التوحيد هو الصراط المستقيم .
ثم اشار الله الى انه مع وضوح الأمر في شأن عيسى ، وانه عبدُ الله ورسوله ، وكلمته القاها الى مريم ، وروح منه - اختلفوا فيه كما قال :
{ فاختلف الأحزاب مِن بَيْنِهِمْ . . . . } .
ومع ما تقدم من قول الحق في عيسى ، فقد اختلف اهلُ الكتاب فيه ، وذهبوا مذاهبَ شتى ، والعذاب الشديد للكافرين منهم يوم القيامة ، يوم يَحضُرون موقف الحساب ويلقَون سوء الجزاء .
ما أشدّ سمعَهم وأقوى بصرهم يوم يلقَون الله ، والظالمون في ذلك اليوم يتحققون أنهم كانوا في ضلالٍ مبين لا يخفى .
ثم أمر الله سبحانه نبيه ان ينذر قومه المشركين جميعا فقال :
{ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحسرة . . } .
أنذرْ أيها الرسول هؤلاء الظالمين يوم يتحسّرون ويندمون على ما فرّطوا في الدنيا في حقِّ اللهِ وحق أنفُسِهم . . وسُمِّي يوم الحَسرْة لأن المجرمين يندمون ويقولون : { ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين } [ الزمر : 56 ] .
وقُضي الأمر وفرغ من حسابهم ونالوا جزاءهم وقد كانوا في غفلةٍ عن ذلك اليومِ وحسَراته وأهواله ، وهم لا يصدّقون بالبعث ولا بالجزاء .
ثم سلَّى الله رسولَه وتوعَّدَ المشركين فقال :
{ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } .
لا يُحزنك أيها الرسول تكذيبُ المشركين لك فيما أتيتَهم به من الحق ، فإن إلينا مرجعَهم ونحن الوارثون ، والكلّ عائد إلينا عودةَ الميراث الى الوارث الوحيد ، فنُجازي المحسنَ بإحسانه ، والمسيء بإساءته ، ولا ظلمَ في ذلك اليوم .
قراءات :
قرأ ابن كثير وابو عمرو ونافع ويعقوب : وأَن الله ربي وربكم ، بفتح الهمزة . والباقون وإنّ . . . بكسر الهمزة .

(2/396)


وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50)

واذكر في الكتاب : في القرآن . صدّيقا : من يكون صادقاً ومخلصا في أفعاله وأقواله او صحبته . صراطاً سويا : طريقا مستقيما . أراغبٌ أنت عن آلهتي : أكارهٌ لها . لأرجمنّك : لأَضربنّك بالحجارة . واهجُرني مليّا : اتركني دهراً طويلا . إنه كان بي حفيّا : إن ربي كان مبالغا في العناية بي وإكرامي . لسان صدق : ثناءً حسنا .
انتهت قصةُ المسيح ، وقد بيّنها القرآن بوضوح ، خاليةً من كل شائبة من الأساطير والخرافات . وهنا تأتي حلقة من قصة إبراهيم حيث ذُكِرَ في خمسٍ وعشرين سورة من القرآن . وهنا في هذه الحلقة يتبين ما في عقيدة الشِرك من كذب وضلال . وإبراهيمُ هو الذي ينتسب اليه العرب ، وهو الذي بنى البيتَ الحرام مع ابنه اسماعيل . وتبدو في هذه الآيات شخصيةُ إبراهيم الأوّاب الحليم ، ووداعتُه وحِلْمُه في ألفاظه وتعبيره .
واذكُر أيها الرسول لقومك وللناس ما في القرآن من قصة إبراهيم الصدّيق ( والصدقُ من أكملِ الصفات واصدقها ) حين نهى قومه عن عبادة الأصنام ، ووجّه الخطاب لأبيه في رِفق ولين قائلا له : يا أبتِ ، كيف تعبد أصناماً لا تسمع ولا تبصر ، ولا تجلب لك خيراً ، ولا تدفع عنك شرا!؟ ويظهر من هذا المنهج أنه سَلَك في دعوته أجملَ الآداب في الحِجاج ، واحتجّ بأروع البراهيم ليردّه عن غيّه .
يا أبتِ ، لقد جاءني من العِلم الآلهيّ ما لم تطّلع عليه ، فاتّبعني فيما أدعوك إليه من الإيمان بالله - أدلّك على الطريق القويم الموصِل الى الله .
يا أبت ، لا تطع الشيطانَ فيما يزّين لك من عبادة الأصنام ، إن الشيطان عصى الله وخالفَ أوامره ، وكلُّ من أطاعه فقد عصى الله .
ثم حذّره من سوء عاقبة ما هو فيه من عبادة الأصنام فقال :
{ ياأبت إني أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرحمن . . . . } .
يا أبتِ ، إني اخشى إنْ أصررتَ على الكفر أن يصيبك عذابٌ شديد من الله ، فتكون قرينا للشيطان في النار .
فأجابه أبوه بعد كل هذا الكلام اللطيف والعبارات الرقيقة بكلّ جفاء وغلظة فقال :
{ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبراهيم؟ . . . . } .
أتكره آلهتي ولا ترغب في عبادتها يا إبراهيم؟ لئن لم تنتِه عما انتَ فيه من النَّهي عن عبادتها والدعوةِ الى ما دعوتني اليه ، لأرجمنَّك بالحجارة ، فاحذَرْني وأبعد عني وفارِقني دهراً طويلا .
ولما سمع ابراهيم عليه السلام كلام أبيه أجابه بأمرين :
1 - { قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ } .
سلمتَ مني لا أصيبك . وهذا جوابُ الحليم للسفيه ، وفيه مقابلةٌ للسيئة بالحسنة .
وزاد على ذلك فقال :
2 - { سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً } .
سأدعو لك ربي أن يهديك ويغفر لك . وقد عوّدني ربي ان يكون رحيماً بي مجيباً لدعائي .
وإني سأهجركم وأبتعدُ عما تعبدون من دون الله ، وأعبدُ ربي وحده ، راجياً ان يقبل مني طاعتي ، ولا يخيّب رجائي ، وان لا يجعلني شقيا .
وقد حقق إبراهيم ما عزم عليه ، فحقق الله رجاءه وأجاب دعاءه ، فلم يتركه وحيداً ، بل وهب له ذريةً وعوّضه خيرا .
{ فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً } .
فلما فارق إبراهيم أباه وقومَهُ وهاجر الى بلاد الشام - أكرمه الله بالذرّية الصالحة ، ورزقه اسحاقَ ، ثم رزقه من اسحاقَ يعقوبَ ، وكلاهما من الأنبياء .
واعطيناهم فوق منزلة النبوّة كثيراً من خير الدنيا والآخرة برحمتنا .

(2/397)


وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57) أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58)

مخلَصا : بفتح اللام ، مختارا . الطور : الجبل . وقرّبناه نجيّا : قربناه تقريب تشريف وتكريم ، ونجيّاً : مناجيا ومكلِّما بلا واسطة . واجتبيناه : اصطفيناه .
اتلُ أيها الرسول على الناس ما في القرآن من قصة موسى ، وما اتصف به من صفاتٍ حميدة ، واذكُر أن الله أخلَصَه واصطفاه للنبوة والرسالة .
وكرّمناه فناديناه من الجانب الأيمن للطور في سيناء ، وقرّبناه تقريب تشريف وتكريم ، حين مناجاته لنا . فَقَرُب من ربّه وارتقت نفسُه حتى بلغت أقصى مناها . ثم إننا وهبنا له من رحمتِنا مؤازرةَ أخيه هارونَ نبيّا ، ليعاونَه في تبليغ الرسالة .
وقد جاء في سورة طه { واجعل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشدد بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ في أَمْرِي } . وقد استجاب له ربه فقال : { قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى } .
قراءات :
قرأ الكوفيون الا ابا بكر : مخلصا بفتح اللام بمعنى اخلصه الله للنبوة . والباقون : مخلصا بكسر اللام بمعنى اخلص هو العبادة لله .
واتل عليهم أيها الرسول ما جاء في القرآن من قصة إسماعيل أبِ العرب ، ومن أخصِّ صفاته صدقُ الوعد والوفاءُ به ، حتى إنه وعد أباه بالصبر على الذبح ووفى به : { قَالَ ياأبت افعل مَا تُؤمَرُ ستجدني إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين } [ الصافات : 103 ] . فقداه الله وشرّفه بالرسالة والنبوة .
وكان اسماعيل يأمر أهلَه بالصلاةِ وإيتاء الزكاة ، { وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً } في جميع أعماله ، محموداً فيما كلفه به ، مستقيماً في أقواله وافعاله .
واتل أيها الرسولُ على الناس ما في القرآن من قصة إدريسَ إنه كان من الصدِّيقين ونبياً ذا مكانة عالية عند الله . وهذا معنى { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } أي رفعنا ذِكره في الملأِ ، كما خاطب الله تعالى الرسول الكريم بقوله : { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } [ الانشراح : 4 ] .
وقد نُسجت حول إدريس خرافات وأساطير ، ونُسب إليه انه مصدر لجميع العلوم ، واول من خطَّ بالقلم ، وأولُ من بنى الهاكل ومجّد الله فيها ، واول من نظر في علم الطب ، وألَّف لأهلِ زمانه قصائد موزونة في الأشياءِ الأرضية والسماوية ، وغير ذلك كثير جدا . وكلّها أخبار لم تؤيد بنقل صحيح ، ولم يسنِدها نصٌّ قاطع ، ومن أراد الاطّلاع عليها فعليه الرجوعُ الى كتاب : قصص الانبياء ، للمرحوم عبد الوهاب النجار .
وبعد أن ذكَر الله تعالى هؤلاء الرسلَ الكرام وهم عَشَرة ، وأثنى عليهم بما هو جديرٌ بهم ، أردفَه بذِكر بعض ما جزاهم به من النعم . فقد هداهم إلى سُبل الخير واصطفاهم من سائر خلقه .
{ أولئك الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين . . . . } .
بنعم الدنيا والآخرة من ذريّة آدم وذرية من نجّاه الله مع نوح في السفينة ، ومن ذرية إبراهيمَ ويعقوب ، وممَّن هديناهم إلى الحق ، واخترناهم لإعراء كلمةِ الله . واذا تتلى عليهم آياتُنا خَرُّوا الله سجَّدا ، وهم باكون خشية منه ، وحَذَرا من عقابه . وهنا موضع سجدة عند قوله : خروا سجّدا وبُكِياً .

(2/398)


فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63) وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65)

الخلف : بسكون اللام ، العقِبُ السوء ، النسل الطالح . اضاعوا الصلاة : تركوها . غيا : ضلالا . جنات عدن : جنات الاقامة الدائمة . مأتيا : آتيا . اللغو : فضول الكلام . التنزل : النزول . سميّا : شبيها ، او مثيلا .
بعد ان استعرض اللهُ أولئك الأنبياءَ السعداء ومن تَبِعَهم بإسحاء ، جاء هنا يوازي بين أولئك المؤمنين الأتقياء ، وبين الذين خلفوهم . فإذا المسافةُ شاسعة والفارقُ بعيد . فلقد جاءَ من بعد هؤلاء الأنبياء الأخيارِ خَلْفُ سوء كانوا على غيرِ هديهم ، تركوا الصلاة وانهمكوا في المعاصين وآثروا شهواتِهم على طاعة الله .
ثم ذكر عاقبة أعمالهم ، وسوء مآلهم فقال :
{ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً } . وسيلقى هؤلاء جزاء غيِّهم وضلالهم في الدنيا والآخرة .
ثم يفتح باب التوبة على مصراعيه تهبُّ منه نسماتُ الرحمة واللطف والنعمى . فَمَنْ تدارك منهم نفسَه بالتوبة والإيمان الصادق ، والعمل الصالح - فإن الله يقبل توبته ، ويُدخله الجنة ، ويوفي له أجره كالماً ، والتوبةُ تَجُبُّ ما قبلها .
كما جاء في الحديث : « التائبُ من الذنْب كمَنْ لا ذنبَ له » أخرجه ابنُ ماجه والطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود .
ثم أوضح الله جنة الخلد ومن فيها فقال :
{ جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ بالغيب إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً } .
هذه الجنات هي جنات إقامةٍ دائمة قد وعد الرحمنُ عباده بها فآمنوا بها بالغيب في ان يروها . ووعدُ الله واقع لا محالة .
ثم يوضح تلك الصورة الجميلة وما فيها من عيشة راضية ، ونعيم مقيم ، فيقول :
{ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً . . . . } .
لا يسمعون فيها فُضولا في الحديث ، ولا ضجةً ولا جِدالا ، وانما صوت السّلام والأمان . والرزقُ في هذه الجنات مكفولٌ دائم .
{ تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً } .
هذه هي الجنة ذات هذه الصفات الشريفة ، نورثها عبادَنا المتّقين الذي يُطيعون اللله في السّرِ والعلَن .
{ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلك وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } .
بعد ان ذَكر اللهُ قَصص الأنبياء عليهم السلام ، وأعقبه بذِكر ما أحدثه الخَلْفُ بعدهم ، وَذكَر جزاءَ الفريقين - أعقب ذلك بقصص تأخُّخرِ جبريلَ على النبي صلى الله عليه وسلم ردّاً لما زعمه المشركون من أنه كان يتأخر عليه ، وبياناً لهم أن الأمر على غير ما زعموا .
وما تنزِلُ الملائكةُب الوحي إلا بأمر الله على ما تقتضيه حكمتُه ، وتدعو اليه مصلحة عباده . والكلام على لسانِ جبريل : إن أمْرَنا موكولٌ الى الله تعالى ، يتصرّف فينا حسب مشيئته ، فهو سبحانه المالكُ المدبّر ، العالِمُ بمستقبلنا وماضينا ، وما بين ذلك . ولإحاطة عِلمه بملكه ، فإنه لا يطرأ عليه غَفْلة ولا نسيا .
{ رَّبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا . . . . } .
فهو سبحانه الخالقُ المالكُ لهذا الكون كلّه ، والمدبر لشؤونه ، والمستحقّ وحده للعبادة ، فاعبُده أيها الرسول ومن معك ، واصطبرْ وثابر على عبادته ، هل تعلم له شبيها؟ { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير } . الشورى .

(2/399)


وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (70) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72)

يذْكر : يتذكر . لنحشُرنّهم : لنجمعنهم . جثيا : جمع جاثٍ ، وهو البارك على ركبتيه . شيعة : جماعة تعاونت على أمرٍ واحد . عتيا : تكبراً ، ويقال عُتُوّا ايضا . صليّا : دخولا . صلي النارَ دخلها وقاسى حرّها . واردُها : مارّ عليها . حتما : واجبا . مقضيّا : جرى به قضاءُ الله .
بعد أن ارودَ الله قَصص الأنبياء الكرام وغرابةَ مولد يحيى ، وعيسى بن مريمن وذكَرَ إبراهيم واعتزالَه أباه ، وهجره لقومه ووطنه ، وذكر من خَلَفَ بعدهم من المهتدين والضالين ، ثمّ جاء اعلانُ الربوبية الواحدة ، التي تستحقّ العبادَة بلا شريك ، وهي الحقيقةُ الكبيرة التي يبرزها ذلك القَصص بأحداثه ومشاهده وتعقيباته - يذكر هنا ما يدور من الجدَل حول عقائد الشِرك وإنكارِ البعث ، ويعرِض مشاهد القيامة ، ومصيرَ البشرّ في مواقف حيّة . ثم ينتقل السياقُ إلى ما بين الدنيا والآخرة .
{ وَيَقُولُ الإنسان أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً . . . . } .
ويقول الجاحد الذي لا يصدّق بالبعث بعد الموت متعجّباً ومستبعِداً : كيف أُبعث حياً بعد الموت والفناء!! .
كيف يستغرِب هذا الانسانُ قدرة الله على البعث في الآخرة ، ولا يتذكّر أنه تعالى خلَقَه في الدنيا من عدم ، ولم يكُ شيئا!
قراءات :
قرأ نافع وابن عامر وعاصم « اولا يذكُر » باسكان الذال وضم الكاف . وقرأ الباقون : « أولا يذكر » بتشديد الذال المفتوحة وفتح الكاف .
ثم يعقب الله على هذا الانكار بقسَمٍ فيه تهديد كبير ، اذ يقسم بنفسه أنهم سيحشَرون بعد البعث .
{ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين . . . } .
فوربّك الذي خلقك يا محمّد لنجمعنَّ الكافرين يوم القيامة مع الشياطين ، الذين زيّنوا لهم الكفر ، وسنُحضِرهم حول جهنّم جاثِين على رُكَبهم في ذِلّة وفزع .
ثم لنأخذَنَّ من كل جماعة أشدَّهم كفراً بالله ، وتمردا عليه ، فيُدفع بهم قبلَ غيرِهم الى أشد العذاب .
{ ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً } .
ونحن أعلمُ بالذين هم أحقُّ بسبقهم الى دخول جهنم والاصطلاءِ بنارها . وأنهم جميعاً يستحقّون العذاب ، لكنّا ندخِلهم في جهنم بحسب عِتِيِّهم وتجبُّرهم في كفرهم .
ثم خاطب الناس جميعاً ليذكُروا ويعتبروا :
{ وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } .
وما أحدٌ منكم أيها الناس إلا يدنُو من جهنّم ، يراها المؤمن ويمرّ بها ، والكافرُ يدخلها . . هكذا قضى ربك ، وجعلَه أمراً محتوما .
ثم إننا نشمل المتقين برحمتنا ، فنُنْجيهم من شرّ جهنم ، ونتركُ بها الذين ظلموا أنفسَهم جاثين على ركبهم ، ، تعذيباً لهم ، وجزاءَ ما اقترفوا وكذّبوا .
قراءات :
قرأ الكسائي ويعقوب : ثم نُنْجي بضم النون الاولى واسكان الثانية ، والباقون بضم النون الاولى ، وفتح الثانية وتشديد الجيم . وقرأ ابن كثير : مُقاما : بضم الميم الأولى والباقون : مَقاما بفتح الميم .

(2/400)


وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74) قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76)

بينات : ظاهرات الإعجاز . مقاما : مكانا ، منزلا . نديا : مجلسا ، النديّ والنادي والمنتدَى بمعنى ، وكذلك الندوة . القرن : أهل كل عصر ، واصبح في العرف الآن مائة عام . الأثاث : متاع البيت وفرشه وكل ما يحتاج اليه ، لا واحد له . رئِيا : منظرا ، ونضارة وحسنا . فليمدُد له : فليمهله . جندا : انصارا . مردّا : مرجعا وعاقبة .
بعد ان أقام الله تعالى الحجة على مشركي قريش المنكِرين للبعث بعد الفناء ، أتبعه هنا بذكر شبهةٍ أخرى ، حيث قال بعض زعمائهم ( وهم النضر بن الحارث وأبو جهل والوليد بن المغيرة وغيرهم ) عندما كانت تتلى عليهم آيات الله واضحةَ الدلالة .
{ أَيُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } . . .
أعرضوا عنها وقالوا للمؤمنين : لستم مثلَنا حظّاً في الدنيا ، فنحنُ خيرٌ منكم منزلاً ومجلسا ، فكذلك سيكون حظّنا في الآخرة .
انظروا الى المؤمنين الذين حول محمد ، مثل بِلال وعمّار وخَبَّاب وغيرِهم من الفقراء المعدِمين ، فأيُّ الفريقَين منا ومنكم أوسعُ عيشاً وأنعم بالا!؟ .
فردّ الله عليهم شُبْهَتَهم بقوله :
{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً } .
كان على هؤلاء المتكبّرين الجاحدين ان يتَعِظوا بمن سبقَهم ، وكانوا أحسنَ منهم حظاً في الدنيا ، وأكثر متاعا ، فأهلكناهم بكفرهم ، ولم ينفعْهم أثاثهم ورياشهم ، ولم يعصِمهم شيءٌ من الله حين كتب عليهم الهلاك .
ثم أمَرَ سبحانه نبيّه الكريم ان يُجيب هؤلاء المفتخِرين بما عندهم بقوله :
{ قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً . . . . } .
قل ايها الرسول لهؤلاء المدّعين أنهم على الحق ، وأنكم على الباطل : من كان في الضلالة والكفر أمهلَهُ اللهُ ، وأملى له العُمُر ، ليزدادَ طغياناً وضلالا ، ثم يأخذُه أخْذَ عزيز مقتدر ، إما بعذاب الدنيا ، وإما بعذاب الآخرة . سيعلمون أنهم شّرٌّ مكاناً واضعفُ جُنْدا وأقلُّ ناصراً من المؤمنين . وعند ذلك يظهر من هو خيرٌ مقاما واحسنُ نَدِيّا .
اما المؤمنون بآيات الله لإإن الله تعالى يزيدهم هدى وتوفيقا ، ذلك ان الطاعاتِ التي يبقى ثوابها لأهلها خير عند ربهم جزاءً ، وأبقى عند الله ثواباً وعاقبة .

(2/401)


أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87)

لأوتينّ : لأُعطين . اطلع الغيب؟ : اظهر له علم الغيب . سنكتب ما يقول : سنسجّل كل اقواله ونظهرها له يوم القيامة . ونمدّ له من العذاب : ونزيد له من العذاب . ونرثه ما يقول : ونسلبه كل ما عنده من مالٍ وولد ، وذلك لأنه يقول لأوتينَّ مالاً وولداً . ضدا : أعداء . تؤزّرهم : تزعجهم . وفدا : وهم القادمون المكرمون . وِرْداً : مشاةً مهانين كأنهم دواب حين ترد الماء .
في صحيح البخاري ومسلم عن خباب بن الأرتّ قال : كنتُ حدّاد وكان لي على العاص بن وائل والد عمرو بن العاص ، دَين . فأتيتُه أتقاضاه منه فقال : لا واللهِ ، لا أقضيك حتى تكفر بمحمد ، فقلت : لا واللهِ لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم حتى تموتَ ثم تُبعث . قال : فإني إذا متّ ثم بُعتث جئتني ولي مال وولد ، فأعطيك . فأنزل الله تعالى : { أَفَرَأَيْتَ . . الآية } .
وقولُ العاص هذا نموذجٌ من تهكُّم الكفار واستخفافِهم بالبعث . فالقرآنُ هنا يعجب من هذه الجُرأة والاستخفاف .
انظُر ايها الرسول الى حالِ هذا الجاحد المتكبر . واعجبْ من مقاله الشنيع ، وجُرأته على الله إذ قال : سيكون لين مالٌ وولد في الآخرة . هل اطّلعَ هذا الكافر على الغيب ، حتى يتجرأ ويقول ما قال ، ام أخذ من الله عهداً بذلك!!
« كلاّ » ، وهي لفظة نفيٍِ وزجر ، ليس الأمرُ كذلك . إنه لم يطّلع على الغيب ولم يأخذ عند الله عهداً ، عليه كلَّ أقواله ، ونزيدُه من العذاب ونُطيله عليهم في جهنم .
{ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ . . . . . يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً } .
ونسلبُه ما عنده من المال والولَد وكلَّ ما يعتز به في الدنيا ، ويأتي في الآرخرة وحيداً منفردا ، لا مالَ معه ولا ولد ولا نصير .
أولئك الذين كفروا عبدوا غير الله آلهة مختلفة ، لتكونَ لهم شفعاءَ يعتزّون بها يوم القيامة . كلا : فسيكفر بهم الملائكةُ والجنّ وكلّ المعبودات ، ويبرأون الى الله منهم ، ويكونون لهم أعداء وخصوما .
ألم تعلم أيها الرسول أنا سلَّطنا الشياطينَ على الكافرين واستحوذوا عليهم ، يُغْرونَهم بالمعاصي ويدفعونهم إلى التمرُّدِ والوقوع فيها .
فلا يضيقُ صدرك أيها الرسول بكفرهشم ، ولا تستعجلْ لهم بالعذاب ، فإنما نتركهم في الدنيا لمدة محدودة ، ونُحصي عليهم أعمالهم وذنوبهمن لنحاسبَهم عليها في الآخرة .
ثم يبين الله ما يكون في ذلك اليوم ، وكيف يستقبل المتقين بالتكريم ، ويسوق المجرمين كالدواب .
{ يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْدا } .
اذكر أيها الرسول ذلك اليوم الذي نجمع المؤمنين فيه الى جنة الخلد وفودا مكرمين ، كما نصوق المرجمين الى جهنم وندفعهم عِطاشاً كالدوابّ الواردين الى الماء ، لا شفاعةَ لأحدٍ في ذلك اليوم الا من قدّم عملاً صالحاً ، فهو عهدٌ له عند الله ينجيه ويجعله من الفائزين .

(2/402)


وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98)

جئتم : فعلتم . إدّا : منكرا عظيما . يتفطَّرون : يتشققن . تخرُّ : تسقط . دعوا : نسبوا . قوماً لُدّا : قوما شديدي الخصومة . رِكزا : صوتا خفيا .
بعد ان فنّد مقولة عبده الأوثان وأثبت أنهم في ضلال يعمهون - أردف ذلك بالردّ على الذين نسبوا الى الله الولد ، وبيّن انها منكَرة يهتزّ لها الكون بأجمعه .
{ تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً } .
وقال المشركون : إن الله اتخذ من الملائكة بناتٍ ، وقال اليهود والنصارى ان الله اتخذ ولداً ، سبحانه وتعالى عن ذلك .
لقد جئتم أيها القائلون بمقالِكم هذا أمراً منكَرا ، تنكره العقول المستنيرة . ان السمواتِ تكاد تتشقق من هذا القول لشدّة هوله ، وتُخْسف الأرض ، وتسقط الجبال لمجرّدِ سماعه .
قراءات :
قرأ نافع والكسائي : يكاد بالياء ، والباقون : تكاد بالتاء . وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي وحفص : يتفطرن ، بالتاء . والباقون : ينفطرن ، بالنون .
إنها لكلمةٌ شنيعة لو صورت بصورة محسوسة لم تتحملها هذه الأجرام العظام ، ولتفتت وتفرقت اجزاؤها من شدتها .
ثم بين علّة ذلك بقوله :
{ أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً } .
من أجلِ أنهم نسبوا الى الله اتخاذ الولد ، وما يليق به اتخاذُ الولدن لان اثبات الولد له يقتضي أن يكونَ حادِثاً ومحتاجا ، وهذا مُحالٌ على الله سبحانه .
ان كل ما في السموات والأرض من مخلوقات هم عبيدُ الله ، ينقادون لحكمنه ، ويخضعون له . لقد أحاط بهم جميعاً وبأعمالهم ، وعدِّ أشخاصِهم وانفاسهم وافعالهم .
{ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً } .
وهم جميعا سيأتون إليه يوم القيامة منفردين عن النصراء والولد والمال .
وقد تكرر لفظ « الرحمن » في هذه السورة ستَّ عشرة مرة ، لأ المشركين كانوا ينكرون هذه الكلمة وكانوا يقولون ما هو الرحمن ، { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسجدوا للرحمن قَالُواْ وَمَا الرحمن } [ الفرقان : 60 ] . والرحمن وصفٌ يدل على عموم الرحمة ، فهي شاملة لكل موجودٍ . ان الله مع كل ما يأتيه المنكِرون رحمنٌ رحيم سبقت رحمته غضبه .
ثم ختم السورة بذكر احوال المؤمنين عموما وما ينتظرهم يوم القيامة ، حيث سيستقبلهم الرحمن بالترحيب والمودة .
{ إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً } .
ان الذين آمنوا بالله وصدّقوا برسُله ، وعملوا الاعمال الطيبة الصالحة - سيجعل الله لهم محبةً في قلوب الناس ، ويكونون في رحاب الله وتكريمه يوم القيامة .
روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي ان النبي صلى الله عليه وسلم قال « اذا أحبَّ الله عبداً يقول لجبريل : إني احببتُ فلانا فأحِبَّه ، فينادي في السماء ثم تنزل له المحبّة في الارض » ، فذلك قول الله تعالى : { إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات . . الآية } وللحديث روايات متعددة . .
وبعد ، فان هذه لَبشرى للمؤمنين ، ومعها إنذار للجاحدين ، وقد يسّر الله فهمَ كتابه على العرب ، فأنزله بلسانهم ولسان رسوله الامين .

(2/403)


{ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المتقين وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً } .
لقد يسّرنا القرآن بلغتك لتبشّر برضى الله ونعيمه من اتبعَ أوامره واجتنب نواهيَه ، وتنذِرَ بسخط الله وعذابه من كفر واشتد في خصامه .
{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً } .
فلا يحزنك أيها الرسول عنادُهم لك ، فقد أهلك اللهُ قبلهم كثيرا من الأمم والاجيال . . . ولقد اندثروا ، فلا ترى منهم أحدا ، ولا تسمع لهم صوتا . إنهم بادوا وهلكوا ، وخلتْ منهم دورهم واوحشت منازلُهم . وكذلك هؤلاء ، فهم صائرون الى ما صار اليه أولئك ان لم يتداركوا أنفسَهم بالتوبة .

(2/404)


طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8)

لتشقى : للتعب . تذكرة : تذكيرا . يخشى : يخاف الله . العُلى : جمع العليا ، مؤنث الأعلى . العرش : في الأصل سرير الملك ، وهنا مركز تدبير العالم . استوى : استولى عليه ، ولهذه الكلمة عدة معان . الثرى : التراب ، والمراد به هنا الأرض . وأخفى : أخفى من السر كحديث النفس ، وما يخطر بالبال .
طه : تقرأ هكذا طاها . واختلف المفسرون اختلافا كبيرا في معناها ، هل هو اسم من اسماء الله ، أم معناها : يا رجلُ ، كما قال الطبري : او انها اسمٌ من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم .
قراءات :
قرأ قالون وابن كثير وابن عامر وحفص ويعقوب : طاها ، هكذا . وقرأ حمزة والكسائي وخلَف وابو بكر : طه بالإمالة .
ابتدأ الله تعالى السورةَ بهذه الحروف ، لتحدّي المنكِرين والإشارة إلى أن القرآن مكون من هذه الحروف التي تتكلمون بها ، ومع ذلك عجزتم عن الإتيان بسورة قصيرةٍ أو آيات مثله .
{ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى . . . . } .
ما أنزلْنا عليك القرآن لتُتعب نفسك في مكابدة الشدائد ، وتتحسَّر على عدم إيمان من تدعوه ، بل أنزلْناهُ عليك لتبلِّغَ وتذكِّر ، وقد فعلت .
قال الواحدي وغيرُه من المفسرين في أسباب النزول : قال ابو جهل والنضرُ بن الحارث ، والوليد بن المغيرة ، والمطعِم بن عَدِي للنبي صلى الله عليه وسلم : إنك لتَتشقى بتركِ ديننا ، لما رأوا من طول عبادته واجتهادهِ ، فأنزلَ الله تعالى : { طه مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى } .
ولكن أنزلناه تذكيراً لمن يخافُ الله ويطيعه ، فحسْبُك ما حملته من متاعب التبليغ والتبشير والانذار .
وفي هذا تسليةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم على ما كان يعتزّ به من التعب حين كان يدعو أولئك القوم ، وهم معاندون جاحدون .
والذي نزّل القرآن عليك هو خالق الأرضِ والسماوات العلى ، إنه هو الرحمن ، نزّله عليك من الملأ العلى . لق داستوقى على العرش ، وبيدِه زمامُ الأمر كله ، وله وحدَه سبحانه ملكُ السموات وما فيها والأرض وما فيها وما عيلها . لقد شملت قدرتُه كل شيء ، واحاط علمُه بهذا الكون ، فان تجهر بالدعاء يعلمه الله ، لأنه يعلم حتى ما تحدِّثُ به نفسك ، { والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } [ آل عمران : 154 ] .
{ الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الأسمآء الحسنى } .
اللهُ هو الإله الواحد ، لا إله غيره ، وهو المتصف بصفات الكمال ، وكلّ أسمائه حَسنة لأنها تُعبِّر عن أحسن المعاني .

(2/405)


وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16)

امكثوا : انتظروا ، توقفوا . آنستُ : أبصرت ، ولها معان اخرى . بقبس : بشعلة من نار على رأس عود . بالواد المقدّس : الذي اسمُه طُوَى . لذكري : لتكون ذاكرا لي . أكاد اخفيها : ابالغ في اخفائها عن الناس . فتَرْدَى : فتهلك .
بدأ قصة موسى من الآيات التاسعة وتستمر الى نهاءة الآية السابعة والتسعين ، والواقع ان ذِكر موسى في القرآن أكثرُ قَصص المرسَلين وروداً فيه . وتأتي القصة على ما يناسب موضوع السورة . وهنا جاءت قصة موسى لتسلية الرسول الكريم ، وتقوية قلوب المؤمنين ، وإظهار كيف كانت العاقبة لموسىوالنصر حليفه بعد أن شُرِّدَ ، وأذاق فرعونُ قومه ألوانَ العذاب . وقد تحمَّل موسى من المكاره ما تنوء به راسياتُ الجبال ، وقابل ذلك بعزمٍ لا يفتر .
هل بلغكَ أيها النبيُّ خبرُ موسى وكيف كان بدء الوحي إليه . . لقد أبصر ناراً في مسيره ليلاً من مَدْيَنَ ومعه زوجتُه وبعضُ اهله ، فقال لزوجته ومن معها من أهلِه : انتظِروا في مكانكم ، إني أبصرتُ نارا ، وأرجو ان أَجيئكم بشُعلة منها ، أو أجدَ حول النار من يهديني الطريق . وفي سورة القصص 29 { لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النار لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } هذا يدلّ على أنه كان هناك بعضُ البرد ، والجذوة : الجمرة .
فلما بلغ المكانَ الذي رأى فيه النار ، سمع صوتاً عُلوياً يناديه : يا موسى . فلم ير شيئاً وتحيَّ روهو يتلفّت يميناً ويسارا . فإذا بالصوت يقول له : إني أنا اللهُ ربك ، فاخلَعْ نعلَيك احتراماً للبقعة المدَّسة ، وتكريماً للموقف ، فإنك بالوادي المطهَّر المبارك المسمَّى « طوى » ، وقد اصطفيتُك من قومك بالنبوّة والرسالة ، فأصغِ لما أُوحيه إليك لتعيَه وتبلِّغه الى قومك ، فإن هذا الّذي جاءك أمرٌ عظيم فتأهّبْ له .
ثم بين الله له أهم ما أوحى اليه :
{ إنني أَنَا الله لا إله إلا أَنَاْ فاعبدني وَأَقِمِ الصلاة لذكريا } .
لقد عرّفه اللهُ بنفسه وأنه إله واحد إلا هو . ثم بعد ذلك أمرَه بعبادته دون غيره ، وان يقيم الصلاة على أحسن وجهٍ ليذكره دائما . فهذان أمران من الأصول : توحيدُ الله ، وعبادته بالخلاص . ثم بين الأصلَ الثالث المهم الذي ينكره المشركون والملحِدون . فقال :
{ إِنَّ الساعة آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى } .
إن يوم القيامة آتٍ لا محالة ، وإني أنا أُخفي توقيته ليُجزى كل عمل وتحاسَبَ كل نفس على ما عملتْ . وقد فسّر بعض المفسرين : أكاد أخفيها : أكاد أظهرها . وفي اللغة خَفَيْتُ الشيء اظهرته .
فلا يصرفنّك يا موسى عن الإيمان بالساعة والاستعدادِ لها من لا يؤمن بها ، ولا يصدِّق بالبعث ، فهو لا يرجو ثوابا ، ولا يخاف عقابا ، فإن فعلتَ ذلك يا موسى هلكتَ .
قراءات :
قرأ حمزة : فقال لأهلهُ امكثوا ، بضم هاء لأهله . والباقون لأهله بكسر الهاء . وقرأ ابن كثير وابو عمرو : أني انا ربك بفتح همزة اني . والباقون إني بكسر الهمزة . وقرأ حمزة : وأنّا اخترناك ، بصيغة الجمع . والباقون : وانا اخترتك كما هو في المصحف .

(2/406)


وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35)

أتوكأ عليها : اعتمد عليها في المشي . أهشّ بها على غنمي : اخبط بها ورق الشجر لتأكله الغنم . مآرب : واحدها مأرب ، ومأربة : الحاجة . سيرتها الأولى . تعود كما كانت عصا . جناحك : أصل الجناح للطائر ، والمراد به هنا : الإبط والجانب . من غير سوء : من غير عاهة كالبرص . آية اخرى : معجزة اخرى . طغى : تجاوز الحد . واحلل عقدةً من لساني : كان في لسان موسى حبسة ، وهو يسأل الله تعالى ان يطلق لسانه . يفقهوا قولي : يفهموه . وزيرا : معينا . وأشركه في أمري : اجعله شريكا لي في النبوة والرسالة . انك كنت بنا بصيرا : عالماً بأحوالنا .
{ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى } .
وبينما موسى مستغرقٌ في لحظاتٍ ربَّانية ، في نشوة روحانية مما سمع وما تلقّى ، قد نسي نفسه وما جاء من اجله ، كما نسيَ أهلَه وما هم فيه - إذا بنداءٍ قُدُسي وسؤال يلقى عليه : ماذا تحمل بيمينك يا موسى؛ واللهُ أعلمُ بما في يده . فقال موسى مجيبا : إنها عصايَ ، أعتمدُ عليها في سَيري ، وتوقفي ، واسوق بها غنمي ، وأضرب بها ورق الشجر ليسقط وتأكله الغنم ، وليَ فيها حاجاتٌ ومنافع اخرى .
وبعد ان ذكر هذه الأجوبة أمره تعالى بإلقائها لتتبين لها فوائدُ لم يعرفها موسى من قبل .
{ قَالَ أَلْقِهَا ياموسى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تسعى } .
قال الله لموسى : إرمِ بها على الأرض ، فألقها فإذا هي ثعبانٌ عظيم ينتقل من مكان الى مكان . وكانت مفاجأةً لموسى جعلتْه يهرب منها كما جاء في قوله تعالى : { فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ } [ النمل : 10 ] [ القصص : 31 ] .
فلما خافَ منها طمأنَهُ الله وأمره بأخذِها وهي على حالها :
{ قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأولى } .
خذها بيمينك ولا تخف منها ، إنا سنرجعها الى حالتها الأولى التي كانت عليها من قبل عصا .
{ واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء آيَةً أخرى } .
أدخِل يدك في جيبك ثم أخرجْها تخرجْ بيضاءَ ناصعةً من غير مرضٍ كالبرص وغيره وذلك لأن موسى كان أسمر ، وكان خروجُ يده بيضاء تتلألأ ويسطع منها النور - معجزةً ثانيةً جعلَها الله له بعد العصا . وذلك كله لترى يا موسى بعض معجزات الله الكبرى فتكون دليلاً لك أمام قومك على صِدقك في الرسالة .
وبعد ان زوّده بهذه المعجزات أمره بالذهاب الى فرعون الطاغية فقال :
{ اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى } .
اذهبْ الى الطاغية فرعون المتكبر ، وادعُه الى الإيمان بالله الواحد الأحَد ، فإنه تجاوز الحدَّ في كفره وطغيانه .
بعد هذا سأل موسى ربه بعض الأمور ليستعين على تبليغ رسالته فقال :
{ قَالَ رَبِّ اشرح لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لي أَمْرِي واحلل عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي واجعل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي . . . . } .
لقد طلب من ربّه أربعةَ أمور : أن يشرح له صدره فلا يغضبَ بسرعة حتى يؤدي رسالته ، ويسهّل له امره بأن يُمده بالعون والتوفيق لأداء ما كلّفه به ، وان يطلق حُبْسَة لسانه حتى يستطيع تبليغ رسالته ، ويُفهم الناس ما يقول .

(2/407)


أما الطلب الرابع فهو ان يمده بأخيه هارون يكون نبياً معه يُعينه ويساعده ، لأن هارون كان فصيحا ، وليّنا رقيقا ، ووسيما ، بخلاف موسى الذي كان حادَ الطبع سريع الغضب . وهذه امور تعين الانسان على أداء اكبر مهمة تناط به .
ثم قال : { كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً . . إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً } .
إننا اذا تعاونّا على أداء الرسالة ، بإمدادك لي بأخي ، فلسوفَ ننزّهك عما لا يليق بك ، ونذكُرك وحدك ابتغاء مرضاتك ، لأنك تفضّلتَ علينا وكنت دائماً عليما بأحوالنا ، ومتكفلاً بأمرنا .
قراءات :
قرأ ابن عامر : أشدد بهِ أزري بفتح همزة أشدد ، وأشركه في أمري : بضم همزة أشركه ، والباقون : اشدد بهمزة وصل ، فعل امر ، وأشركه : بفتح الهمزة .

(2/408)


قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)

سؤلك : مطلوبك . مننا : أنعمنا . أوحينا : ألهمنا . اقذفيه في التابوت : ضعي فيه . فاقذفيه في اليم : فألقيه في البحر . ولتُصنع على عيني : ولتتربى برعايتي . تقر عينها : تُسر به . وفتنّاك : اختبرناك . مدْين : ببلد في شمال الحجاز معروفة الى الآن .
{ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ } .
بعد ان سأل موسى ربه فأطال السؤال ، وبسط حاجته ، وهو لا يزال في ذلك الموقف الكريم في ضيافة ربه - من عليه ربُّه وأجابه على سؤاله ، قائلا : قد اعطيتُك ما سألتَ يا موسى . ولقد سبق ان تفضّلنا عليك بمنةٍ أخرى من قبل ، وذلك حين ألهمنا أُمَّك إلهاماً كريما كانت فيه حياتك ، ألهمناها ان تضعَك في التابوت ، ( وهو صندوق صغير ) ثم تلقي به في النِّيل ، حتى تنجو أنتَ من فرعون ، لأنه يقتل كُلَّ ذكر يولد في بني اسرائيل . وشاءت إرادتُنا أن يلقي النيل ذلك التابوت في بستانٍ لفرعون ، عدوّي وعدّوك . وبينما فرعون جالس في ذلك البستان مع زوجته إذا بالتابوت يجري به الماء ، فأمر فرعونُ غلمانه بإخراجه . وفتحوه ، فإذا فيه صبي لطيف . فأحبّه فرعون ، وأمر ان يكون تحت رعايته .
{ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ على عيني } .
وجعلتُ كل من رآك يُحبّك ، ومن ثم أحبَّك فرعونُ وزوجته حتى قالت : { قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عسى أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً } [ القصص : 9 ] . وحتى تتربَّى برعايتي وكما أُحبّ .
ورحمةً بأُمك ، هيَّأتُ الظروف حتى جمعتُك بها ، وكانت أُختك تمشي متتبّعةً التابوت حتى علمتْ أينَ ذهب . فجاءت متنكَرة الى قصر فرعون حيث وجدتْهم يطلبون لك مرضعا ، فقال : هل أدلُّكم على من يرضعه ويحفظه ويربيه؟ قالوا : نعم ، فجاءت بأُمك ، ورجعتَ إليها حتى تفرحَ وتُسَرَّ وتقر عينُها بك ، ويزول عنها الحزن والقلق عليك .
وكنتَ قد قتلتَ نفساً من أهل مصر فنجّيناك مما لحقَكَ من الخوْفِ والغم ، كما جاء في سورة القصص 15 : { فاستغاثه الذي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الذي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ موسى فقضى عَلَيْهِ } وهذا كما يأتي في سورة القصص : حين كبر وشبّ في قصر فرعون ، ونزل الميدنةَ يوماً فوجد فيها رجلَين يقتتلان : أحدُهما من شيعته والآخر من شيعة فرعون ، فاستغاثه الّذي هو من شِيعته ، فوكز موسى المصريَّ بيده فسقط ميتاً . ولم يكن موسى ينوي قتله ، فاغتمّ لذلك فهربَ الى مَدْيَن ، وهذا معنى قوله تعالى :
{ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً } .
اختبرناك اختباراً شديداً بالغُربة ومفارقة الأهل والوطن . وامتُحن بالخدمة ورعي الغنم ، وهو ربيبُ القصور عند الملوك ، وجازَ الامتحانَ ونجحَ في كل عمل عمله .
{ فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى ( * ) واصطنعتك لِنَفْسِي } .
ونجّيناك من الهمّ الذي لحق بك فذهبتَ الى مدين . وهناك لقيتَ شُعَيْب وتزوّجت ابنته على شرط ان ترعى له الغنم مدة ، وأمضيتَها على أحسنِ حال ، ثم عدتَ من مدين في الموعد الذي قدرناه لإرسالك ، وقد اصفيتك لنفسي وحملِ رسالتي . وفي هذا تشريف كبير لموسى عليه السلام .

(2/409)


اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48)

آياتي : المعجزات ، منها العصا واليد البيضاء . لا تنيا : لا تقصرّا ، لا تفترا . في ذكري : في تبليغ رسالتي . قولاً لينا : كلاما لطيفا لا عنف فيه ولا خشونة . ان يفرط علينا : ان يعجّل علينا بالعقوبة . والسلام على من اتبع الهدى : السلامة من العذاب لمن آمن وصدق .
بعد ان أجاب الله موسى ما سأله ، شرع الكتابُ الكريم يذكر الأوامر والنواهي التي طلب اليه الله ان يقوم بتنفيذها ويؤدي الرسالة على اكمل وجه .
اذهبْ انت وأخوك الى رفعون ، مؤيدّين بمعجزاتي التي زودتك بها : العصا واليد البيضاء ، وغيرها ، كما قال تعالى في الآية 101 من سورة الإسراء : { وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } ولا تتهاونا في تأديه الرسالة التي حمَّلتكم إياها .
إذهبا الى فرعون معاً وبلِّغاه الرسالة ، لأنه طغى وتجبرَّ حتى ادّعى الربوبية { فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى } [ النازعات : 24 ] . وكثيراً ما يخُصُّ فرعونَ بالدعوة لأنه كان متجبرا متألِّهاً ، فلو أنه استجابَ للدعوة لآمنَ قومُه جميعا .
ثم أرشدهما كيف يتكونُ دعوتُهما لفرعون بقوله :
{ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } .
فكِّلماه بكلامٍ رقيق لين ، ليكون أوقعَ في نفسه ، لعلَّه يجِيب دعوتكما الى الإيمان ، ويخشى عاقبة كفره وطغيانه .
قال موسى وهارون متضرّعَين الى الله : يا ربّنا ، إننا نعرف هذا الجبّارَ المتكبر ، ونخشى ان يبادرَنا بالأذى والعقوبة ، او يزدادَ طغياناً وكفرا .
وهنا يشجّعهما الله تعالى ، بأنه معهما . لا تخافا من فرعون ، إنني معكما بالرعاية والحفظ ، أسمعُ لكل ما يجري في هذا الكون ، وأُبصر ما يفعل فرعونُ وغيره ، فلا يستطيع ان يُلحق بكما أذى .
اذهبا إلى فرعون فقولا له : إننا رسولان إليك من ربك ، جئنا ندعوكَ الى الإيمان به ، وسنألك ان تُطلق بني إسرائيل من الأسر والعذاب . وقد أتيناكَ بمعجزةٍ من الله تشهد لنا بصدق ما دعوناك اليه ، { والسلام على مَنِ اتبع الهدى } .
والسلامةُ والأمنُ نم العذاب على من اتبع رسُلَ ربه ، واهتدى بآياته التي ترشد الى الحق .
وان الله قد اوحى الينا ان عذابه الشديد واقع على من كذّبنا واعرض عن دعوتنا .

(2/410)


قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (54) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55) وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آَيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56)

اعطى كل شيء خلقه : اتقن خلْق كل شيء واعطاه صورته وشكله . ثم هدى : ثم عرّفه كيف ينتفع بما أثعطي له . ما بالُ القرون الاولى : ما حال هؤلاء الماضين . لا يضل : لا يخطىء . مهداً : ممهدة كالفراش . وسلك لكم فيها سبلا : سهل لكم فيها طرقا . ازواجا : اصنافا . شتى : مختلفة النفع والطعم واللون . لأولي النهى : لأصحاب العقول ، مفردها : نُهْية .
ذهب موسى وهارون إلى فرعون . وتقول الرواية عن ابن عباس أنهما لما جاءا إلى باب فرعون اقاما مدّةً لا يُذون لهما ، ثم أُذِن لهما بعد حجاب شديد ، فدخلا ودار بينهما من الحوار ما قصَّه ربنا علينا .
قال فرعون وهو جالس في طغيانه وجبروته : مَن ربكمن الذي أرسلكما يا موسى؟ قالا : ربنا الذي منح نعمةَ الوجود لكل موجود ، وأودع في كل شيء صفاتِهِ الخاصة ، وخلَقَه على الصورة التي اختارها سبحانه له . { ثُمَّ هدى } ثم أرشده ووجَّه لما خُلق له .
فقال فرعون يحتج بالقرون الأولى الذين لم يعبدوا هذه الإله : وماذا جرى لها؟ فاجابه موسى : { قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى } .
ان عِلْمَ هذه القرون عند ربّي ، وهي من علوم الغيب ، وهي مسجَّلة لديه في كتاب لا يغيب عن علمه شيء منه ، ولا ينساه .
ثم عاد الى تتميم كلامه بإبراز الدلائل على الوجود فقال :
{ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً . . . . } .
انه هو الإله المتفضّل على عباده بالوجود والحفظ ، مهَّد لكم الأرضَ فبسطها بقدرته وجعلها لكم كالفراش ، وشقّ لكم فيها طرقاً تسلكونها . وأنزلَ المطر عليها تجري به الأنهار فيها ، فأخرج أنواعَ النبات المختلفة في ألوانها وطعومها ومنافعها .
وقال لخلقه يوجِّههم الى الانتفاع بما أخرج من النبات ، كلوا منها ، وارعوا أنعامكم . إن في هذا الخلْق والإبداع والإنعام به دلائلَ واضحة ، يهتدي بها أصحابُ العقول الى الايمان بالله ورسالاته .
ثم بين سبحانه أن هذه الدنيا ومن عليها دارُ ممر ، وان هناك حياةً أخرى هي الحياة الدائمة فقال :
{ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى } .
من تراب هذه الارض خلقَ الله آدم وذريته ، وإليها يردّهم بعد الموت ، ومنها يُخرجهم أحياء مرة اخرى للبعث والجزاء .
ولقد أرينا فرعون على يد موسى المعجزاتِ البينة المؤيدةَ لرسالته وصِدقه في كل ما اخبر به عن الله ، ومع هذا كله تمادى فرعون في كفره ، وكذّب بكل ما رأى ولم يؤمن .
قراءات :
قرأ الكوفيون : مهدا . والباقون : مهادا بالجمع .

(2/411)


قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (58) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64)

سُوى : مستوى من الارض . يوم الزينة : يوم عيدٍ كان لهم . يُحشر الناس : يجمعون فيه . فجمع كيده : ما يكيد به من السحرة وادواتهم . ويلكم : هلاك لكم . فيسحتكم : يستأصلكم بعذاب شديد . وأسرّوا النجوى : بالغوا في اخفاء كلامهم . بطريقتكم المثلى : بدينكم الصحيح . فأجمعوا كيدكم : اجعلوا كيدكم مجمَعاً عليه . صفّا : مصطفين . استعلى : غلب .
فلما رأى فرعونُ ما عند موسى من الحجج والآيات اتهم موسى بالسِّحر وانه يريد بسحره اخراجه وقومه من أرضه ، ويجعلها في يد بني اسرائيل ، وقال ذلك ليحمِّس شعبه ويحملَهم على السخط على موسى ، فلا يتبعه أحد منهم .
ثمقال : فوالله لنأْتينَّك بسحرٍ مثلِ سحرك ، فاجعلْ بيننا وبينك موعدا نجتمع فيه نحن وأنتم ، فنبطلَ ما ئجتَ به بما عندنا من السِّحر ، ولا يتخلَّفَ من اأحد عن ذلك الموعد في مكانٍ مستوٍ مكشوف حتى يحضُرَه اكبرُ عددٍ من الناس .
قال موسى : ميعادُكم للاجتماع يوم عيدكم الذي تسمّونه يوم الزينة ، فيجتمع الناس في ضحى ذلك اليوم ، ليكون الحف عاماً ، وليشهدَ الناس ما يكون بيننا وبينكم .
فانصرف فرعون من ذلك المجلس ، وأمر بجمع أعظم السحرة ، وأشرفَ بنفسه على جمْعِ كل وسائل السحر وأدوته . ثم أقبل في الموعد المحدد ، وجلس على سرير ملكه وحوله اكابر دولته وأعوانه ، واجتمع الناس ينتظرو ، ز وجاء موسى يتوكأ على عصاه ومعه اخوه هارون وحدَهما لا سند لهما ولا نصير الا الله يسمع ويرى .
ووقف موسى وحذر السّحرة { قَالَ لَهُمْ موسى وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افترى } .
لا تختلقوا على الله الكذب ، بزعمكم أن فرعون إله ، وتكذِّبوا رسلَ الله ، فإن فعلتم استأصلكم الله بعذابٍ شديد ، وقد خابَ من افترى على الله الكذب .
فلما سمع السحرةُ كلامَ موسى هاجوا وذُعروا ، فتشاوروا فيما بينهم ماذا يفعلو ، وبالغوا في كتمان ما يقولون عن موسى وأخيه حتى لا يسمعا ما يُقال عنهما .
ثم يبن الله خلاصة ما استقرّت عليه آراؤهم بعد التشاور السّريّ الذي خاضوا فيه .
{ إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ . . . . } .
إن هذا الرجلَ وأخاه ساحران خبيران بصناعة السِحر ، وهما يعملان على إخراجكم من أرضكم ، حتى تكون الرياسةُ لهم دونكم .
ثم بين السحرة ما يجب لمقابلة هذا الخطر الداهم فقالوا :
{ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائتوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى } .
اجعلوا ما تكيدون به موسى أمراً متفقاً عليه ، ثم احضُروا مصطفّين مجتمعين ، وألقوا ما في أيديكم دفعةً واحدة ، لتكون لكم في نفوس الناسِ الهيبةُ والغلبة ، وقد فاز اليومَ من غلب .
قراءات :
قرأ ابن عمر وعاصم وحمزة ويعقوب : يومُ الزينة بضم ميم يوم . والباقون : يوم الزينة بنصب الميم . وقرأ حمزة والكسائي وحفص ويعقوب : فيُسحتكم : بضم الياء وكسر الحاء والباقون : فيَسحَتكم : بفتح الياء والحاء . وقرأ ابو عمرو : ان هذين لساحران ، بتشديد ان ونصب هذين . وقرأ نافع وحمزة والكسائي ، وابو بكر عن عاصم : ان هذان لساحران .
باسكان نون ان . وقرأ ابو عمرو وحده : فاجمعوا كيدكم ، بهمزة الوصف واسكان الجمي . والباقون : فأجمعوا كيدكم : بهمزة القطع .

(2/412)


قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70) قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76)

فأَوجسَ في نفسه خيفةً : أحسن بالخوف . انت الاعلى : المنتصر . ما في يمينك : هي العصا . تلقف ما صنعوا : تبتلع كل حبالهم وعصيّهم . حيث اتى : اينما كان . انه لكبيركم الذي علّمكم السحر : ان موسى لَزعيمكم الذي علّمكم السحر . من خلاف : وذلك ان تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى مثلا . لن نُؤْرك على ما جاءنا : لن نفضلك على الايمان الذي حصلنا عليه . فَطرنا : خلقنا . فاقض ما انت قاض : اعمل ما تريد . تزكى : تطهر .
بعد ان اتفقوا على الموعد وهو يومُ الزينة ، جاؤا مصطفين مستعدّين أتم استعداد وسألوا موسى وخيّروه بين أن يبدأ فيُلقي عصاه ، او يكونوا هم البادئين .
قال موسى : بل ابتدئوا ، ألقوا ما عندكم . فالقوا حِبالهم وعصَّيهم فاذا هي افاعٍ تسعى .
وخُيّل لموسى أنها حقيقة من شدة سحرهم ، واحس بالخوف لِما رآه من أثر السحر . فأدركه الله بلطفه فأوحى اليه قائلا : { لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى } لا تخشَ شيئا ، إنك انت الغالب المنتصر على باطلهم . ألقِ العصا التي بيمينك فإنها تبتلع ما زوّروا من السحر ، فليس الذي فعلوه إلا كيد ساحر . وكانت صنعة السحر هي الغالبة في ذلك الزمان ، وكانوا يضعون الزئبق بطريقة خفية في الحبال والعصي ، فعندما تتأثر بحرارة الشمس ( وجوُّ مصرَ حارٌّ ) تضطرب الحبال وتتحرك فيظنُّ من يراها أنها تسعى .
فلا تخفْ يا موسى ، فالساحر لا يفلح امتثل موسى أمر ربه ، والقى عصاه فاذا هي حيذَة تسعى . بل إنها اخذت تلقف ما زوّروه من حبال وعصي وتبتلعها . فلما رأى السحرة تلك المعجزة آمنوا بموسى وربه وسجدوا لله قائلين : { آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى } وعلموا أن ما جاء به موسى ليس سحرا .
وقال رئيس السحرة : كنا نغلِب الناسَ بالسحر ، فلو كان هذا سحرا فأين الذي ألقيناه من حبال وعصي ، أي ذهبت؟ ما هذه العصا الصغيرة التي تأكل كل ما عندنا؟ ان هذا ليس سحرا ، انما هو شيء آلهي خارق للعادة؟ ولذلك آمنوا وخرّوا ساجدين .
قال صاحب الكشّاف : سبحان الله ، ما أعجبَ أمرهم ، قد القوا حبالهم وعصيَّهم للكفر الجحود ، ثم ألقوا رؤوسَهم ساعةٍ للشكر والسجود!! وقال ابن عباس رضي الله عنه : كانوا اول النهار سحَرة ، وفي آخره شهداء بررة ، لأن فرعون قتلهم .
ولما خاف فرعون أن يصير ايمانهم سبباً لاقتداء الناس بهم في الإيمان .
{ قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السحر } .
قال فرعون : كيف تؤمنون بهدون إذنٍ مني؟ إنكم تلاميذُ موسى في السحر وهو كبيركم الذي علمكم إياه ، وليس عمله معجزةً كما توهمتم .
ثم هددهم بالقتل والتعذيب تحذيراً لغيرهم من الاقتداء بموسى وهارون : فقال :
{ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ } .
وأقسم إني لأقطعنّ من كل واحدٍ منكم يدَه ورجلَه المتختلفتين ، يده اليمنى ، ورجله اليسرى .

(2/413)


ولم يكتفِ بذلك بل قال : { وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل } . زيادة في التعذيب والإيلام ، وتشهيرا بهم . ولاجعلنكم مُثْلَةً يتعجّب منها الناس .
ثم يزيد استعلاء بقوته وجبروته فيقول : { وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى } .
وسوف ترون من هو الذي يكون أشدَّ عذاباً ، انا ، أم آله موسى وهارون؟
لم يكن يعلم أنه فاتَ الاوان ، وان الإيمان قد بلغ ذِروتَه في قلوبهم ، وهانت عليهم نفوسُهم في الله ، فلن يأبهوا لوعيده وتهديده ، فأجابوه مطمئين :
{ قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ على مَا جَآءَنَا مِنَ البينات والذي فَطَرَنَا } .
اراد فرعون من السحرة ان يرجعوا عن إيمانهم ، فثبتوا عليه ، ودفعوا تهديده بقولهم : لن نختارك على ما جاءنا من الهدى ، وعلى خالِقنا الذي فطرنا وانشأَنا من العدم .
{ فاقض مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هذه الحياة الدنيآ . . . }
افعل ما تريد ، إن سلطانك وحكمك لا يتجاوز هذه الحياة الدنيا .
آمنّ بربنا الحق ، ليغفرَ لنا ما سلف من الخطايا ، وعن ممارسة السحر الذي أكرهَتنا على تعلُّمه والعملش به .
{ والله خَيْرٌ وأبقى }
خيرٌ منك يا فرعون ومن ثوابك ، وأبقى منك سلطانا وقدرة .
ثم ختم السحرة كلامهم بهذه الآيات التي تبيّن حال المجرمين ، وحال المؤمنين يوم القيامة وم ينتظر كلاً منهم .
{ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى } .
إن من يلقى الله وهو مجرم بكفره يكون مصيره الى جهنم لا يموت فيها فينتهي عذابه ، ولا يحيى حياة طيبة ينتفع فيها بالنعيم .
{ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات فأولئك لَهُمُ الدرجات العلى } .
أما من يلاقي ربه على الإيمان وصالح الاعمال ، فله المنازل الرفيعة ، والدرجاتُ العالية .
ثم فسر تلك المنازل والدرجات بقوله :
{ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا وذلك جَزَآءُ مَن تزكى } .
تلك المنازل هي جنات الاقامة الدائمة ، في نعيمٍ خالد ، تجري بين اشجارها الأنهار ، وذلك الفوز الذي أوتوه جزاءٌ لمن طهّر نفسه من الكفر بالايمان الطاعة والاعمال الصالحة .
قراءات :
قرأ حفص : تلقفْ بفتح القاف وسكون الفاء . وقرأ ابن عامر : تلقّفُ : بتشديد القاف ورفع الفاء . والباقون : تلقف : بتشديد القاف وسكون الفاء . وقرأ حمزة : كيد سحر . والباقون كيد ساحر . قرأ حفص وابن كثير وورش : أمنتم ، فعل ماض على انه خبر . وقرأ الباقون : أآمنتم بهمزتين .

(2/414)


وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82)

أسرِ بعبادي : سر بهم ليلا . اضرب لهم طريقا في البحر يَبَسا : افتح لهم طريقا يابسا لا ماء فيه . لا تخاف دَرْكا : لا تخاف ان يلحقك احد . دركا : لَحقا . فغضيهم من اليم ما غشيهم : فغمرهم من البحر ما علاهم . واضلّ فرعونُ قومه : صرفهم عن طريق الرشد والهداية . ولا تطغوا فيه : لا تأخذوه من غير حاجة اليه . هوى : سقط .
{ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي . . . الآية } .
لم يذكر في هذه السورة ما الذي حصل بعد مواجهة موسى لفرعون وقومه حيث آمن السحرة وبنو اسرائيل ( ولقد فصّل ذلك في سورة اخرى ) وانما انتقل الكلام هنا الى الهجرة والنصر الكبير الذي حصل عند عبور البحر وغرقِ فرعون وجنوده . ثم أتبع ذلك بتعدادِ نعمه على بني اسرائيل ، وذكّره بأن يكونوا معتدلين فلا يأتوا أعمالاً توجب غضبه ، وانه غفار لمن تاب وآمن .
وأوحى الله الى موسى ان يخرج ببني إسرائيل ليلا ، وان يشقّ لهم طريقا في البحر ، وطمأَنه ان لا يخاف من فرعون فإنه لن يدركهم .
وضرب موسى بعصاه البحر ، فانشق شقَّين ، كل جانب كأنه طودٌ عظيم كما جاء في سورة الشعراء { فانفلق فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم } ، واجتازه موسى ومن معه .
وتبعهم فرعونُ وجنوده ، ودخلوا الطريق نفسها فانطبق عليهم الماء ، وغشيَهم من اليمّ ما غشيَهم ، وغرقوا جميعا . هكذا اضل فرعون قومه عن الحق ، وغرّر بهم فهلكوا .
ثم عدد الله نعمه عليهم فقال :
{ يابني إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ . . . } .
لقد أنجيناكم من عدوّكم فرعونَ وجنودِهِ حين كانوا يسومونكم سوءَ العذاب ، وقد أقرّ الله أعينكم بغرقِهم وأنتم تنظرون ، كما قال تعالى : { وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } [ البقرة : 50 ] .
{ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطور الأيمن } .
وواعدناكم جانب الطور الأيمن بمناجاةِ موسى لربه وإنزال التوراة عليهم ، ونَزَّل عليكم المنَّ والسلوى رزقاً طيباً من الحلو ولحم الطير الشهي . وقلْنا لكم : كلوا من تلك اللذائذ التي أنعمنا بها عليكم ، ولا تطغوا فيه : لا تظلموا وتبطَروا فتركبوا المعاصي ولا تُسرفوا بل عيشوا في هذه النعم ، حتى لا ينزل عليكم غضبي ، ومن ينزل عليه فقد هلك .
وإني لذو مغفرة عظيمة لمن يتوب عن شِركه ، ويقلع عن ذنبه ، ويخلص في العمل ، ويؤدي فرائضي . فهذه أربعة شروط كاملة تتحقق بها التوبة الحقيقية .
قراءات :
قرأ الجمهور : قد انجيناكم ، وواعدناكم بنون الجمع . وقرأ حمزة والكسائي وخلف : قد أنجيتك من وواعدتكم ، وقرأ الجمهور : « ما رزقناكم » بنونالجمع ، وقرأ حمزة والكسائي وخلف : « ما رزقتكم » بتاء المفرد .
قرأ حمزة : لا تخف دركا . والقاون : لا تخاف دركا . وقرأ الكسائي : فيحلّ عليكم غضبي : بضم الحاء ، ومن يحلل عليه غضبي : بضم اللام . والباقون : بالكسر فيحِل ، ومن يحلِل عليه .

(2/415)


وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89)

ما أعجلك عن قومك : لماذا تركت قومك ، فلقد غيروا وبدلوا بعدك . على اثري : لاحقون بي . فتنّا قومك : اختبرناهم . وأضلّهم : اوقعهم في الضلال . السامريّ : دجال من شعب اسرائيل . أسِفا : حزينا . فاخلفتم موعدي : ما وعدتموني من الثبات على الايمان . بملكنا : بقدرتنا واختيارنا . اوزارا : اثقالا . من زينة القوم : من حليهم ومصاغهم . فقذفناها : طرحناها في النار . جسدا : جثة لا روح فيها . له خوار : لو صوت .
{ وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى } .
سأله ربه عن سبب تعجُّله بالمجيء إليه وتركِ قومه خلفه ، والله اعلم بما سأل . فقال موسى مجيبا :
{ قَالَ هُمْ أولاء على أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى } . انهم لاحقون بي ، وإنما عجِلتُ إليك وتقدمتُهم يا ربي رغبةً في رضاك .
يقول بعض المفسرين : ان موسى ذهب الى الميعاد قبل الوقت المحدد وترك قومه وراءه ليلحقوا به ، وهذا سببُ لومِ ربه له على الاستعجال بالمجيء .
والقصة هنا مختصرة ، وقد مرت مفصلة في سورة البقرة وسورة الأعراف ، وذلك ان موسى لما نجا هو وقومه من فرعون ، واستقر في سيناء ، واعَدَه ربه ، وضرب له ميقاتا كما جاء في سور الاعراف 142 { وَوَاعَدْنَا موسى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ . . . . الآية } فذهب إلى ربه عند الطور ، وكلّمه وتلقّى عنه . وكان استخلف أخاه هارون على بني اسرائيل . فجاءهم السامريّ وأضلهم بجعلِه لهم عِجلاً من الذهب له صوتٌ ، فعكفوا عليه يعبدونه ، ولم يستطع هارون ان يردّهم عن غيّهم وكفرهم . وقد اخبره ربه بأن قومه من بعده قد ضلّوا فقال :
{ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السامري } .
لقد أوصلهم الى اتخاذ العجلِ إلهاً والدعاء الى عبادته ، وظهر عندهم الاستعداد لذلك ، لأنهم حديثو عهد بالوثنية في مصر . وفي سورة الاعراف سألوا موسى ان يجعل لهم إلها كما للقوم الذين مرّوا عليهم آلهة : { فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ ياموسى اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } .
{ فَرَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً } .
عاد موسى الى قومه بعد ان قضى الميعاد وهو في غضبٍ شديد وحزنٍ لِما أحدثوه بعده ، وخاطب قومه منكِرا عليهم عملهم :
{ قَالَ ياقوم أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً } .
لقد وعدكم ربكم بالنجاة والهداية بإنزال التوراة ، والنصر ، فهل تناسيتُم وعدَ ربكم؟ .
{ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد } .
لم يطل عليكم العهدُ حتى تنسوا وعد الله لكم ، أم أردتم بسوء صنيعكم ان ينزل بكم غضبُ الله جزاء عبادتكم العجلَ ، فأخلفتم عهدَكم لي!!
فاعتذروا بعذرٍ عجيب إذ قالوا : { قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا } .
نحن لم نخلفْ موعدك باختيارنا ، { ولكنا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ القوم فَقَذَفْنَاهَا } وإنّما غَلَبَنا السامريّ وحملنا أثقالاً من حَلي المصريين الذي خرجنا به ، فقذفناها في النار بإشارة السامريّن فصاغ لنا عجْلاً جسدا له صوت .

(2/416)