صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35)

فتاها : عبدها قد شغفها حبا : شغاف قلبها ، والشغاف : حجاب القلب الذي يغشّيه . وأعتدت لهن متكأ : وهيأت لهن مجلسا مريحا فاخرا . وأكبرنه : أعظمنه ودُهِشْنَ من جماله . وقطّعن ايديهنّ : جرحن أيديهن من فرط الدهش . حاش لله : تنزيها له استعصم : عفّ وامتنع عن المعصية . أصبُ اليهن : أمِلْ اليهن .
شاع نبأ حادثة امرأة العزيز وفتاها في ارجاء المدينة ، ولاكته افواه النساء ، وشرعن يَلُمْنها على فعلتها . وبلغ ذلك امرأة العزيز فأخذت تكيد لهن حتى يَعْذُرنها . وهكذا ارسلت الدعوة الى طائفة من نساء عليه الوقم ، وأعدّت لهن مجلساً من الوسائد والنمارق وقدّمت اليهن طعاماً ، وأعطت كلاً منهن سكّينا تقشر بها الفاكهة . وحين اتخذْن مجالسهم قالت ليوسف : اخرج عليهن . فلما رأينه بهرنّ جماله ، وألهاهن عن تقطيع الطعام والفاكهة ، وجرحن أيديهن من فرط الدهشة والذهول ، واعلنَّ لذلك الجمال ، حتى قلن « حاش الله ، ما هذا بشراً إن هذا الا مَلَك كريم » .
حنيئذ باحت لهن امرأة العزيز بحبها ليوسف ، وقالت : إن هذا التفى الذي بهركنّ حُسنه ، هو الذي لمنَّني في شأنه ، { وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ } وحاولت إغراءه ، لكنه امتنع وعف ، { وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن الصاغرين } وان لم يقبل فانه سيُسجن ويكون من الاذلة المقهورين . ولما سمع يوسف هذا التهديد والوعيد قال : يا رب ، السجنُ احبُّ الى نفسي مما يطلبنه مني ، وان لم تُبعِدْ عنّي شرَّهن ، أمِلْ الى موافقتِهن ، وأقعْ في شباك مكرهنّ ، « وأكنْ من الجاهلين » الذين تستخفُّهم الاهواء والشهوات .
فاستجاب له ربه ، فصرف عنه شرّ مكرهن ، انه هو السميع لدعاء من تضرّع اليه ، العليم بصدق إيمانه .
{ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ حتى حِينٍ } .
ولما فشت الفضحية في الناس ، رأى العزيز ان يصدّع أمر زوجته ويسجنه ، وبذلك كيفّ ألسنة الناس عنه وعن زوجته ويخلصُ من العار . كانت الدلائل كلها تشير الى براءة يوسف وعفته وطهارته ، ولكن امرأة العزيز المتغطرسة أمرت بالسجن ، وزوجها نفّذ ذلك .
قراءات :
قرأ ابو عمرو ونافع : « حاشا » بالالف . والباقون : « حاش » بدون الف .

(2/251)


وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38)

وهكذا ، دخل يوسف السجنَ ظلماً ، وهذه هي المحنة الثالثة والأخيرة من محن الشدة في حياة يوسف ، فكل ما بعدها رخاء .
ودخل معه السجنَ فَتَيان ، كان أحدهما رئيس الخبازين عند الملك ، والثاني رئيسَ السقاة . وقد سُجنا لخيانة نُسبت اليهما كانت ستودي بحياة الملك .
وبعد ان استقر يوسف في السجن ظهر أمره للناس ، وانه يختلف عن السجناء الآخرين . وفي ذات يوم جاءه صاحب شراب الملك واخبرنه انه رأى في منامه انه يعصر خمراً للملك ، وجاءه الخباز وقال له : إني رأيتُ فوق رأسي طبقاً من الخبز تأكل منه الطيور ، وطلبا اليه ان يفسر لكل واحد منهما ما رأى في منامه .
فانتهز يوسف هذه الفرصةَ ليُعلنَ لهم دِينَه ويدعوهم اليه ، وقال لأهل السجن ينبئهم بمقدرته على تأويل الرؤيا : لن يأتيكما طعام الا نبأتكما بشأنه .
كل ذلك مما علّمني ربّي . ثم أضاف :
{ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ } .
إني برئت من ملّة مَن لا يصدّق بالله ولا يقر بوحدانيته ، ويعبد عدداً من الآلهة لا تضرّ ولا تنفع ، لأن هؤلاء الناس يكفرون بالآخرة والحساب والجزاء . وبدلاً من ذلك ، أجدُني اتبعتُ ملّة آبائي الذين دعوا الى التوحيد الخالص وهم : إبراهيم وإسحق ويعقوب .
ثم بيّن أساس الملّة التي ورثها عن آبائه الكرام بقوله :
{ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَيْءٍ } ؟
وذلك كلّه من فضل الله علينا أهل بيت النبوة ، { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ } .

(2/252)


يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40)

واسترسل يوسف يبيّن دينَه القويم . . . وبعد ان بين بُطلانَ الشِرك اتّجه الى السائلَين وقال لهما : يا رفيقيَّ في السجن ، هل عبادة أرابٍ كثيرين متفرّقين لا ينفعون ولا يضرون خيرٌ لكما ولغيرٍ كما ، ام عبادةُ الله الواحدِ القهّار الذي له ملك السماوات والارض وبيده كل شيء؟ .
ثم بيّن لهما ان ما يعبدونه ويسمّونه آلهةً انما هي من اختراعهم ، وتسميةٌ من تلقاء انفسِهم توارثَها خَلَفٌ من سلف ، ليس لها مستنَدٌ من عقلٍ ولا وحي سماوي . فقال :
{ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ } .
وان هذه الأربابَ ، سواءً كانت من البشرَ أم من غيرهم ، ليستْ من الربوبية في شيء . . . انظروا ، ليس لها قوّة ولا إرادة . اما الربوبية الحقّة فلا تكون إلا لله الواحِد القهار ، لقد أمر ان لا تعبدوا سواه .
{ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } . لا يدركون ماهم عليه من جهل وضلالة .

(2/253)


يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42)

بعد ذلك شرع يوسف يفسّر لهما الرؤيا فقال : يا صاحبي السجن ، ما أحدُكما فسيعود الى ما كان عليه ، ساقيَ الملك وصاحبَ شرابه ، واما الثاني فيُصْلَب ويُترك مصلوباً ، فتقع عليه الطير وتأكل من رأسه ، إن الأمر الذي يهُّمكما ويُشكل عليكما وتستفتيانني فيه قد اتّضح وانتهى حكمه .
ثم التفت يوسف الى الذي اعتقدَ انه ناجٍ منهما ، وهو ساقي الملك ، فقال له : اذكر حالي عند سيدك يا هذا ، عساه يُنصفني وينقذني مما أنا فيه .
فشغل الشيطان ذلك الرجلَ بعد أن خرج من السجن وأنساه ان يذكر للملك قصة يوسف . وهكذا مكث يوسف في السجن بضع سنين والبِضعُ من ثلاثٍ الى تسع ، ولا ندري كم المدة التي امضاها على التحديد .

(2/254)


وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)

سمان : جمع سمينة . عجاف : هزيلة مفردها اعجف وعجفاء . تعبرون : تفسرون . اضعاف احلام : احلام مضطربة يصعب تأويلها ، والضغثُ وجمعه اضغاث : الحزمة من النبات او من كل شيء . واذّكر : تذكّر بعد امة : بعد حين . تزرعون سبع سنين دأبا : دواما . سبع شداد : سبع سنين صاعب ، تشتد على الناس تحصنون : تدخرون . يغاث الناس : من الغيث ، وهو المطر والرحمة يعصرون : يستخرجون العصير مما يعصر كالزيت والعنب والتمر والقصب .
بعد أن أمضى يوسف عداً من السنين في السجن أراد الله ان يبعثَ بالفَرَج فهيَّأ الاسباب لذلك . اذ رأى الملك رؤيا أفزعته . لقد رأى سبع بقرات سمان ترعى في روضة ، ثم جاءت سبع بقرات اخرى هزيلات قبيحات المنظر خرجت من النهر وأكلت البقرات الاولى السمان . كذلك رأيى سبع سنابل خُضْر حَسَنة طالعةً في ساق واحدة ، واذا سبع سنابل يابسات خلفها قد فلحتْهن الريح تهجم على السنابل الخضر فتأكلها .
اسيتقظ الملك منزعجا لهذين المنامين ، وفي الصباح دعا اليه بالسحرة وكبراء دولته ، وقص عليهم الرؤيا وسألهم عن تأويلها فلم يجد عند احد جوابا . قالوا :
{ قالوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحلام بِعَالِمِينَ } .
هذه أحلام مضطربة ايها الملك .
وفي ذلك الوقت انتبه رئيس سقاة الملك ، رفيق يوسف في السجن الذي فسر الرؤيا ، وتذكّره ، فقال للملك : إن في السجن شاباً ذكياً له علم في تعبير الرؤيا ، فأرسِلوني اليه لأسأله عن تفسير هذهين المنامين . وأرسله الملك اليه فلما التقى بيوسف قال له :
{ يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لعلي أَرْجِعُ إِلَى الناس لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } .
قال يوسف : سيأتي على مصر سبعُ سنين مخصبات تجود الأرض فيها بالغلاّت الوافرة ، ثم يأتي ذلك سبع مُجْدِبة تأتي على المخزون من السِّنين السبع التي تقدمتها .
نصحهم أن يقتصدوا في السنين ويخزِنوا ما فضلَ عن القوت في سنبله ، حتى اذا حلّ الجدبُ وجدوا ما يسدّ الرمق الى أن يأتي الخصب من جديد .

(2/255)


وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)

ما بال النسوة : ما شأنهن . ما خطبكن : ما شأنكن : حَصْحَص الحق : ثبت واستقر .
ولما عاد رئيس السقاة الى الملك وأخبره بتأويل رؤياه سُرَّ الملك بذلك ، وعَلِمَ أنه تأويلٌ مناسب مع الرؤيا فقال : ائتوني بيوسف ، فلما جاؤوا ليوسف وطلبوا منه ان يخرج من السجن أبى حتى يعرف أمره على حقيقته . كذلك طلب الى الرسول ان يعود ويسأل عن النسوة اللاتي قطعّن أيديَهن ، فلما سألوهن قلن : حاشَ الله ما علمنا عليه من سوء ، وأنكرن ان يكنّ سمعن شيئا عن شأنه امرأة العزيز .
ولما سمعت امرأةُ العزيز بشهادة النسوة ، وان الأمر قد استبان على حقيته ببراءة يوسف ، ورأت انه اصبح من هَمِّ ان يأتي بيوسف من السجن ليستخلصه لنفسه - أقّرت بجرميتها وباحت بما كتمته عن زوجها عدة سنين . فقالت :
{ الآن حَصْحَصَ الحق أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } .
الحق أنني لم أنلْ من امانته أو أطعن في شرفه وعقته ، بل صرّحتُ للنسوة بأني قد راودته عن نفسه لكنه تعفّف ، وها أنذار أقرّ بهذا أمامَ الملِك ورجال دولته .
{ وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخائنين وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء إِلاَّ مَا رَحِمَ ربي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .
وبهذا الاقرار من امرأة العزيز انتهت تلك المحنة التي وقع فيها يوسف ، وجاءت خاتمتُها خيرا .

(2/256)


وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57)

أستخلصه لنفسي : أجعله خالصا لي . مكين أمين : ذو مكانة عالية وامانة . يتبوأ منها حيث يشاء : ينزل في اي مكان يشاء .
ولما ظهرت براءة يوسف للملك طلب إحضاره من السجن بعد أن وفّى له بما اشترط لمجيئه . فجاء يوسف ، وكلّمه الملك فأُعجب بكلامه لما رأى من حسن تعبير يوسف ووفرة عقله وحكمته وقال له : « إنّك اليومَ لدينا مَكِينق أمين » وسأله أي عمل يرضاه لنفسه ويكون فيه سروره؟ فقال يوسف : « اجعلّني على خزائنِ الأرض » وما يخرُجُ منها من الغلاّت والخيرات « غني حَفيظٌ عليم » .
وقبل الملك عرضَه ، فاستوزره ، وبذلك انعم الله على يوسف نعمة جليلة ، فجعل له سلطانا وقدرة في أرض مصر ، يتبوأ منها حيث يشاء .
وهذا شأن الله في عباده ، يهب نعمته لمن يختاره منهم ، ولا يُضيع أجر المحسنين . وان ثوابه في الآخرة لأفضلِ واوفى لمن صدقوا به وبرسهل ، وكانوا يتقون الشرك ، ويخافون يوم الحساب .
قراءات :
قرأ ابن كثير : « يتبوأ منها حيث نشاء » بالنون والباقون « حيث يشاء » .

(2/257)


وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (60) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62)

منكرون : لم يعرفوه . جهزهم بجهازهم : امر ان يعطوا من الطعام ما يريدون . خير المنزلين : خير من يضيف . سنراود عنه أباه : نخادع ونستميل برفق . لفتيانه : لغلمانه من الخدم . اجعلوا بضاعتهم في رحالهم : اجعوا ما جاؤا من البضاعة او اوعيتهم .
مرت السنينُ السبع المخصِبة وأعدّ يوسف عُدَّته فيها ، واتخذّ المخازنَ وملأها وخزو الغلاّتِ في غُلُفِها . ثم جاءت السني السبع المجدبة ، واشتدَّ المحلُ والجفاف في جيمع أمحاء الأرض . وجاء المصريون الى فرعون يطلبون القوتَ ، فأحالهم الجدبُ بلاد الشام وأحسَّ أهلُ فلسطين الجوع وعِلِموا أن الطعام بصر موفور . فأرسل يعقوب أولاده ومعهم الجمال والبهائم الى مصر لشراء القوت لأهلهم من هناك ، ولما دخلوا على يوسف عرفهم ولم يعرفوه . . وذلك طبيعي ، فقد فارقهم وهو غلام أضمرد ، وها هو الآن قاربَ الأربعين ، وقد كسته أبهة الملك مهابة ، اما هم فانهم على حالتهم في مَلْبَسهم ولغُتِهم ومنظرهم لم يتغير منهم شي .
وأمرَ يوسف ان يكرَّموا في ضيافته ، واعطاهم من المؤونة ما طلبوا ، واخذ يحدّثهم ويسأل عن احوالهم سؤالَ الجاهلِ بها وهو بها عليم . فأخبروه ان لهم اباً شيخاً كبيرا ولهم أخر صغير يحبه أبوهم حبا جما ولا يريد ان يفارقه . وهو بنيامين شقيق يوسف . فقال لهم بعد ان جهزهم الجهاز الكامل : احضِروا اخاكم الصغير في المرة القادمة ولا تخافوا شيئا ، وإلاّ فلا كيل لكم عندي ولا تأتوا الي ، فقال له اخوته : سنراود عنه أباه .
وقد اكرمهم يوسف غاية الإكرم ، وقال لفتيانه : ردوا اليهم بضاعتَهم التي دفعوها ثمناً للطعام ، واجعلوها في أوعيتهم ، فإنهم يعودون الينا .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي وحفص : « لفتيانه » كما هو في المصحف والباقون : « لفتيته » .

(2/258)


فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63) قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آَتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66)

متاعهم : اوعيتهم . يضاعتهم درت اليهم : هي ثمن ما كانوا أعطوه من الطعام . ما نبغي : ماذا نطلب وراء ما وصفنا لك من احسان الملك الينا؟ ونمِير أهلنا : نجلب لهم الطعام والمؤونة . عهدا . الا ان يحاط بكم : الا ان تغلبوا على امركم .
عاد إخوةٌ يوسف الى أبيهم وأخبروه ان الوزير المسئول اكرمهم غاية الاكرام وأخبرهم انه سيمنعهم من شراء الطعام في المرة الآتية حتى يأتوه بأخيهم بنيامين ، فتذكّر يعقوب امر يوسفَ ، وكيف فرطوا به فقال لهم : « له آمنكم عليه ( بنيامين ) الا كما أمِنْتُكم على أخيه من قبلُ » ؟! وفتح إخوة يوسف متاعهم لاستخراج الطعام الذي أتوا به من مصر ، فوجدوا نقودهم بحالِها ، وعرفوا ان ما جاؤا به من الطعام كان مجّاناً . فكان ذلك مما شدّد عزائمهم في الكلام مع أبيهم ، حين قالوا له : يا أبانا ، ماذا نطلب اكثر من ذلك! هذه بضاعتنا رُدَّت إلينا ، فاذا سمحتَ بأخينا يذهبُ معنا فاننا نشتري الميرةَ ( الطعام ) لأهلنا ، ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ، وهو شيء يسير عند الملك الكريم .
والظاهر ان القحط كان شديدا جعل يعقوب يسمح بسفر ابنه تحت شروط اشتراطها على اولاده ، فقال لهم : لن ارسله حتى تؤتوني عهداً بالله لتعودون به إليّ الا إن عجزتم عن ذلك . فأعطوه عهدهم ، وحينئذ قال : اللهُ على ما نقول وكيل .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : « يكتل » بالياء ، والباقون : « نكتل » بالنون .

(2/259)


وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (68)

اطمأنّ يعقوبُ الى عهد أبنائه ، ثم دفعتءه الشفقة والحرص عليهم الى ان يوصيهم بدخول مصر من ابواب متفرقة ، لكي يلفتوا الأنظار عنهم عند دخولهم ، ولا تترقّبهم أعين الطامعين . ثم قال : { وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ الله مِن شَيْءٍ } وليس في قدرتي ان ادفع عنكم أذى ، فالحكم في تدبير العالم ونَظْم الاسباب لله وحده ، { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون } .
ولقد استجابوا لوصية ابيهم ، فدخلوا من أبوابٍ متفرقة ، وما كان ذلك ليدفع عنهم أذًى كتبه الله لهم ، ولكنها حاجةٌ في نفس يعقوب ، وكان من باب شفقة الأب على أبنائه .

(2/260)


وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)

آوى اليه اخاه : ضمه اليه . لا تبتئس : لا تحزن السقاية : وعاء يسقى به ويُكال به الطعام ، وهو المراد الملك . العير : القافلة من الابل والبغال والحمير . زعيم : كفيل .
ولما دخل اخوة يوسف عليه انزلهم منزلا كريما ، واختص أخاه بنيامين بأن ضمّه إليه وأسرّ له قائلا : إني اخوك يوسف ، فلا تحزنْ بما كانوا يصنعون معك ، وما صنعوه معي .
ثم إنه أكرم وفادتهم ، وكال لهم الطعام ، وزادهم حِمْلَ بعير لأخيه وجهّزهم للسفر ، لكنّه أمر أعوانه ان يدسّوا كأس شراب الملك في أمتعة أخيه بنيامين . وغادر القومُ ، فنادى مناد : أيها الركْب القافلون بأحمالهم ، قِفوا إنكم لسارقون .
ارتاع إخوة يوسف للنداء ، واتجهوا الى المنادين يسألونهم : ما الذي ضاع منكم ، أي شيء تفقدون؟ فأجابهم هؤلاء : لقد سرقتم سقاية الملك يوسف ، ونحن نعطي لمن جاء به حِمل بعير من المؤونة .
فقال اخوة يوسف وقد فوجئوا بهذا الاتهام : إن اتهامكم ايّنا بالسرقة أمر عجيب . { مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرض وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ } .
فقال فتيان يوسف وقد فوجئوا بهذا الاتهام : إن اتهامكم ايّانا بالسرقة أمر عجيب .
فقال فتيان يوسف وأعوانه لإخوته : فما جزاء من سرق صواع الملك ان ظهر انه عند احدكم؟ قالوا : من وجدتم ذلك في رحله فجزاؤه ان يؤخذ عبدا للملك ، { كذلك نَجْزِي الظالمين } .
فتش كبير الأعوان وأحمالهم ، مبتدئاً بالكبير منتهيا بالصغير ، فوجد السقايةَ في عِدْل بنيامين . { كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ } وبذلك نجحت حيلته ، وحق له ان يحتجز أخاه . ورجع بقية الإخوة الى مصر ودخلوا على يوسف مستعطِفين مسترحِمين . عند ذاك لامهم يوسف على ما صنعوا بعد ان اكرمهم وأحسن اليهم .
ثم علّل الله ما صنعه من التدبير ليوسف بقوله : { مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الملك إِلاَّ أَن يَشَآءَ } ولولا هذا التدبير على يوسف ان يضم أخاه اليه . فنحن { الله نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ } بالعلم والنبوة ، { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } .

(2/261)


قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77) قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (79) فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80)

استيأسوا : يئسوا . خلصوا نجيا : انفردوا يتناجون ويتشارورن . موثقا : عهدا فرطتم : قصرتم . فلن ابرح الارض : فلن افارق مصر .
قال إخوة يوسف وقد ملئوا غيظا على بنيامين لما أوقعهم فيه من الورطة : إن يشرقْ فقد سرقَ* أخ له من قبل . يقصدون بذلك يوسف .
وفطن يوسف الى طعنِهم الخفيّ بقولهم : { إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } ساءه ذلك ، لكنّه أسرّها ، وقال في نفسه : { أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ } لانه العليم بحقائق الاشياء .
ثم أرادوا ان يستطعطفوه ليُطلقَ لهم بنيامين فيرِجعوا به الى أبيهم ، لأنه قد أخذ عليهم ميثاقاً بان يردوه اليه ، { قَالُواْ ياأيها العزيز إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً } طاعنا في السن لا يكاد يستطيع فِراقه ، { فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين } إلينا في ضيافتنا وتجهيزنا . قال : حاش لله ان نأخذ إلاّ م وجدْنا عندَه السقايةَ المسروقة . ولقد حكمتم بذلك حين قلتم : { قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ } .
فلما انقطع منهم الأمل ، ويئسوا من قبول الرجاء ، اختَلَوا بأنفُسهم يتشاورون في موقفهم من ابيهم . فقال كبيرهم : لقد أخذ أبوكم عليكم عهداً من الله بِردِّ أخيكم . وقد سبق ان فرّطتم في يوسف ، وعلى ذلك فإنني لي أبرح أرض مصر حتى يأذن لي أبي في القدوم عليه ، او يحكم اللهُ في شأني وهو خير الحاكمين .

(2/262)


ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)

سولت لكم : زينت . تولى : اعرض . ابيضّت عيناه : صار عليهما غشاوة بيضاء من كثرة البكاء ، او ما يسمى المياه الزرقاء . كظيم : مملوء غيظا . تفتأ تذكر : لا تفتأ تذكر ، لا تزال . حرضا : مشرفا على الهلاك . بثّي : همّي . تحسّسوا : ابحثوا بكل حواسكم .
بعد ان تشاور إخوةُ يوسف في أمرهم اشار عليهم أكبرُهم أن يعودوا الى أبيهم ويخبروه بالأمر على حقيقته ، فيقولوا له : ان ابنك سرق صواع الملك ، وعوقب على ذلك باسترقاقه ، { وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } وحدَث تحت سمعنا وبصرنا . فإذا كنا يا أبانا في شك مما بلّغناك ، فأرسل من يأتيك بشهادِة أهل مصر ، او اسأل رفاقنا في القافلة لتظهر لك براءتنا .
فلما سمع يعقوب مقالتهم لم يصدّقهم ، وقال في نفسه : هذا امر دبّروه لبنيامين كما دبروا أسوأ منه لأخيه يوسف من قبل . وزاد به الحزن حتى ابيضّت عيناه ، وعاوده من الوجد انقضى امره ، وقالوا : ألا تزال تذكر يوسف حتى تشرِف على الهلاك؟! فقال لهم : انما أشكوا ما بي من الحزن والحسرة الى الله ، وأعلم منه ما لا تعملون . يا بَنيّ ، ارجعوا الى مصر فانضموا الى أخيكم الكبير ، وابحثوا جميعا عن يوسف وأخيه ، ولا تقنطوا من رحمة الله أن يردَّهما ، فلا يقنط من رحمة الله الا الكافرون .

(2/263)


فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93)

الضر : المجاعة . ببضاعة مزجاة : قليلة آثرك : فضلك واختارك . لا تثريب عليكم : لا لوم ولا تأنيب .
واستجاب أبناء يعقوب لطلب أبيهم فذهبوا الى مصر ، ودخلوا على يوسف مسترحمين ، وقالوا : يا ايها العزيز ، مسّنا وأهلَنا الضرُّ والجوع ، وجئنا ببضاعة قليلة فأوف لنا الكيلَ وتصدَّق علينا ، ان الله تعالى يكافئ المتصدّقين بأحسن الثواب .
فاخذت يوسف الشفقة الأخوية ، وابتدأ يكشف امره لهم قائلا في عتب : هل أدركتُم قبح ما فعلتموه بيوسف من إلقائه في الجُبّ ، وبأخيه من أذى؟!
نبهتهم تلك المفاجأة السارّة الى إدراك ان هذا يوسف ، فقولوا مؤكدين : إنك لأنتَ يوسف حقا! فقال يوسف مصدّقا لهم : أنا يوسف ، وهذا أخي ، قد منّ الله علينا بالسلامة من المهالِك ، وبالكرامة والسطان { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } .
فقولوا : صدقت فيما قلت . . . إن الله فضَّلك علينا بالتقوى والصبر وحُسن السيرة ، وأثابَك بالمُلك وعلوّ المكانة ، وكنّا نحن آثمين .
فرد عليهم النبيّ الكريم قائلا : لا لومَ عليكم اليوم ، ولكم عندي الصفح الجميل ، وليغفر الله لكم { وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين } .
ثم سألهم يوسف عن ابيه ، فلما أخبروه عن حاله وسوءِ بصره ، أعطاهم قميصَه وقال لهم : عودوا به الى أبي فاطرحوه على وجهِه ، فسيفَرَح بسلامتي ويعودُ إليه بصرُه ، وحنيئذ تعالوا به وبأهلِكم أجمعين .
قراءات :
قرأ ابن كثير : « انك » بهمزة واحدة . والباقون « أإنك » بهمزتين .

(2/264)


وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98)

ولما توجهت القافلة نحو ديار الشام ، وكان يعقوب مسغرِقا في ترقُّب ما تأتي به رحلةُ بنيه ، قال : إني لأَشَمّ رائحة يوسف ، ولولا خشيةُ أن تتهموني في قولي لأنبأتُكم عن يوسف بأكثر من الشعورِ والوجدان .
فقال من حضر وسمع مقاله : { قَالُواْ تالله إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ القديم } يا يعقوب ، من حبِّ يوسف لا تسلوه . ولم يطل الانتظار حتى جاء البشير الى يعقوب بسلامة يوسف وأخيه ، والقى قميص يوسف على وجه يعقوب بصيراً وقرّت عينه وبشرّ نفسه باللقاء ، فقال لمن لاموه وفنّدوا رأيه : { أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إني أَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } .
فأقبلوا عليه معتذرِين عما كان منهم ، وطلبوا منه ان يستغفر لهم ذنوبهم ، واعترفوا بخطأهم ، فقال لهم : سأظلّ أطلب لكم العفو من الله عن سيئاتكم ، { إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم } .

(2/265)


فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102)

وتيهأ يعقوب وبنوه وأهله للسفر وشدّوا رحالَهم الى مصر ، فلما بلغوها دخلوا على يوسف ، فآوى إليه أبويه : يعقوب وزوجته ، خالة يوسف ، لان أمه ماتت وهو غصير ، ورفعهما على العرش . وسجد له ابوه وزوجته واخوته الاحد عشر ، وقال لابيه : يا أبت ، هذا تأويل رؤياي من قبلُ ، قد جعلها ربّي تتحقق ، وقد أكرمني وأحسنَ إليّ ، فأظهر براءتي وخلّصني من السجْن ، وأتى بكم من البادية لنلتقي بعد ان افسد الشيطان بيني وبين إخوتي ، وهذا كله من لطف الله بي وبكم ، إن ربي لطيفٌ لمن يشاء انه هو العليم الحكيم .
واتجه يوسف الى الله بشكره قائلا : ربِّ ما أكثر عليَّ ، وما أعظَمها! لقد منحتني المُلك ووهبتَني من العمل الكثير . يا خالق السماوات والأرض ، أنت مالكُ أمري ومتولي نعمتي في محيايَ وبعد مماتي { تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين } من آبائي ابراهيم واسحق ومن قبلهم ، واحشُرني في زمرتهم .
ذلك الذي قَصصنا عليك ايها النبيّ ( الرسول الكريم ) من أخبار الماضي البعيد ، لم يأتك الا عن طري الوحي منها ، وما كنتَ حاضراً إخوةَ يوسف وهم يدبّرون له المكائد ، وما علمتَ بكيدِهم الا عن طريقنا .
انتهت قصة يوسف اكبر قصة في القرآن الكريم كما تقدم .

(2/266)


وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104) وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107)

غاشية : عقوبة شاملة . الساعة : القيامة . بغتة : فجأة .
{ وَمَآ أَكْثَرُ الناس وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } .
انتهت قصة يوسف وبدأت بعد ذلك التعقيبات عليها ، ومعها لفتات متنوعة ، وجولات موحية في صفحة الكون وفي أغوار النفس ، وفي الغيب المجهور ، وكل هذا لولا وحيُ الله تعالى لما وصل الى علم النبيّ الكريم عليه الصلاة والسلام .
لقد كان رسولُ الله حريصاً على إيمان قومه ، رغبة في إيصيال الخير الذي جاء به إليهم ، ورحمة لهم مما ينتظرُ المشركين من نكد الدنيا وعذاب الآخرة .
وما اكثرُ مشكركي قومك يا محمد- ولو حَرَصت على ان يؤمنوا بك ويتبعوا ما جئتهم به من عندك ربك - بمؤمنين .
{ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ } .
أنت غنيّ عن ايمانهم يا محمد ، فلستَ تطلب منهم أجرا على الهداية ولا مالا ولا منفعة . انك انما تدعوهم ان يتبعوا أمر ربك ، وفي ما تعدوهم اليه تذكير وموعظة لارشاد العالمين كافة الا لهم خاصة .
{ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } .
ما اكثر الدلائل المبثوثة في تضاعيف الكون على وجود الخالق ووحدانيته وكماله . انها معروضة للابصار والبصائر ، في السموات والارض ، وهم يمرون عليها صباح مساء ، ولكنهم لا يروْنها ولا يسمعون دعاءها ولا يحسون ايقاعها العميق .
{ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } .
قال ابن عباس : هم اهل مكّة آمنوا وأشركوا وكانوا يقولون في تلبيتهم : لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك ، الا شريكاً هو لك ، تملكه وما ملك . وهذا هو الشِرك الاعظم .
فايمان اكثرهم لا يقوم على اساس سليم من التوحيد ، لأنهم لا يعترفون بوحدانية اله اعترافا خالصا ، ولكنه مقترن في نفوسهم بشوائب تسلكهم في مسلك المشركين .
والشرك انواع ، روى الامام احمد ان رسول الله قال : « انّ أخوفَ ما أخافُ عليكم الشركُ الاصغر ، قالوا : وما الشِرك الأصغر يا رسول الله؟ قال : الرياء ، يقول الله تعالى يوم القيامة اذا جاء الناس بأعمالهم : اذهبوا الى الّذين كنتم تراءون في الدّنيا فانظُروا هل تجشدون عندَهم من جزاء » .
وبعد ، فما الذي ينتظره أولئك المعرِضون عن آياتِ الله الناطقة في صفحات الوجود بعد اعراضهم عن آيات القرآن التي لا يُطلب منهم عليها أجر .
{ أفأمنوا أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ الله أَوْ تَأْتِيَهُمُ الساعة بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } .
افأمِنَ هؤلاء الذين يؤمنون بالله لكنهم يشركون به غيره في العبادة ، ان تاتيهم عقوبة شاملة تغشاهم ، او تأتيهم الساعة فجأة حيث لا يتوقعون!!

(2/267)


قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)

هذا سبيلي : السبيل يذكر ويؤنث ، هذا طريقي . على بصيرة : على حجة واضحة بأسنا : عقابنا عبرة : موعظة .
بعد ان بين الله تعالى ان اكثر الناس لايفكرون فيما في السموات والارض من آيات ، تدل على ان الله هو الخالق المدبر- امر رسوله ان يخبر الناس ان طريقه هي الدعوة إلى اخلاص العبادة لله وحده لا شريك له ، يدعو بها هو ومن ابتعه على بصيرة واضحة وبرهان .
{ قُلْ هذه سبيلي أَدْعُو إلى الله على بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتبعني وَسُبْحَانَ الله وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين } .
قل ايها الرسول : ان هذه الدعوة التي أدعو اليها هي سنتي ومنهاجي ، وهي الطريق الى الله ، وانا على يقين مما أدعو اليه ولديّ الحجّةُ والبرهان ، وكذلك يفعل كل من تبعني وآمن بشريعتي ، ونزه الله وعظمه عما لا يليق به ، { وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين } وأبرأ من أهل الشِرك لست منهم .
وكان المشركون في مكةَ يقولون : لو أراد الله بإرسال لبعث مَلَكا ، كما حكى عنهم سبحانه بقوله : { لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً فَإِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } [ فصلت : 14 ] فرد عليهم بقوله : { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ القرى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتقوا أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } .
نحن لم نرسل الى الأمم السابقة إلا رجالاً نُنزل عليهم الوحي ونرسلهم مبشّرين ومنذِرين ، فلم يكونوا ملائكة ولا خلقا آخر ، بل بشرا مثلك .
ثم أتبعَ ذلك بتأنيبهم على تكذيب الرسول بتوجيه نظرهم الى آثار الغابرين كيف تركوا ديارهم خاوية على عروشها ، فقال :
{ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض . . . . . الخ } .
افلم يسِرء هؤلاء المشرِكون المكذّبون في الارض فينظروا كيف أهلكْنا الّذين كفروا قبلَهم كقومِ لوطٍ وصالحٍ وسائرِ من عذبهم الله من الأمم!!
{ وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتقوا أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } .
ان ثواب الآخرة أفضلُ ، لأن نعيمها دائم ، أفلا تفكرون في هذا الفرق أيّها لمكذبون بالآخرة!!
ثم ذرك سبحانه ، تثبيتاً لفؤاد رسوله عليه الصلاة والسلام ، أن العاقبةَ دائما لرسُله ، وان نصرهُ تعالى ينزل علهيم حين يضيق الحال فقال :
{ حتى إِذَا استيأس الرسل وظنوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القوم المجرمين } .
لا تبتئس ايها الرسول ، فان نصري قريبٌ اكيد ، لكنه لا بدّ من الشدائد ، حتى إذا يئس الرسلُ من إيمان من يدعونهم ، وتيقنوا انهم جاءَهم نصرُنا ، أنعمنا بالنجاةِ والسلامة على المؤمنين ، ونَزَلَ عقابُنا بالمجرِمين المكذِّبين .
قراءات :
قرأ أهل الكوفة : كُذِبوا « بضم الكاف وكسر الذال بدون تشديد . وقرأ الباقون » كذّبوا « بتشديد الذال . وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب : » فَنُنْجِي « بضم النون وكسر الجيم وتشديدها .

(2/268)


وقرأ الباقون : « فنُجْى » بنونين على صغية الاستقبال .
{ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألباب مَا كَانَ حَدِيثاً يفترى ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } .
إن في أخبار الانبياء واقوامهم عبرة وموعظة يستنير بها أصحاب العقول ، وليس هذا القرآن حديثا مختلقا ولا أساطير مفتراة ، وانما هو وحي يؤكد صدق ما سبق من كتب السماء ومن جاء بها من الرسل ، ويبين كل ما يُحتاج الى تفصيله من أمور الدين ، انه هدى لمن تدبّره وامعنَ النظرَ فيه ورحمةٌ عامة للمؤمنين الصادقين .
وهكذا تختتم سورة يوسف بمثل ما بدئت ، وتجيء التعقيبات في أول القصة وآخرها وبين ثناياها متناسقةً مع موضوع القصة ، وطريقة أدائها . وكما قدمنأ ، بدأت القصةُ وانتهت في سورة واحدة ، فيها مشاهدُ وألوان م الشدائد ، ثم كانت العقابة خيراً للذين اتقَوا ربهم ، وهذا هو وعد الله الصادق الذي لا يخيب .
ولقد بدأت السورة بقوله تعالى : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هذا القرآن وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين } وخُتمت بقوله تعالى : { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألباب مَا كَانَ حَدِيثاً يفترى ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } .

(2/269)


المر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1)

ألفْ ميم راء صوتيّة ، وقد سبق الكلامُ عليها في سورة البقرة تبدأ بها بعض سورة القرآن ، وهي تشير الى أنه معجز مع انه مكوذن من الحروف .
إن تلك الآياتِ العظيمةَ هي هذا القرآن ، الكتاب العظيم الذي نزل عليك أيها النبي ، بالحق والصدق من الله الذي خلقك ، ولكنّ اكثرَ الناس لا يصدّقون بما جاء بهم من الحق .
هكذا تبدأ السورة بقضية من قضايا العقيدة : قضيةَ الوحي بهذا الكتاب ، والحق الذي اشتمل عليه ، وتكل هي قاعدةٌ بقية القضايا من توحيد الله ، والايمان بالبعث والجزاء ، والعمل الصالح في هذه الحياة - فكلُّها متفرعة عن الإيمان بالله ، وان هذا القرآن وحي من عنده .

(2/270)


اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)

بغير عمد : العمد جمع عمود وهي السواري . مد الارض : بسطها . رواسي : جبال ثابتة يغشى الليل النهار : يغطيه ويستره . جنات : بساتين . صنوان وغير صنوان : الصنو ، النظير والمثل ، وجمعنا صنوان . والمراد هنا النخلات الكثيرة يجمعها اصل واحد . وغير صنوان : متفرقات ومن اصول شتى . الأُكُل : ما يؤكل .
بعد ان ذَكّر اللهُ تعالى أن أكثر الناس لايؤمنون ، بدأ هنا باستعراض آياتِ القدرة ، وعجائب الكون الدّالة على قدرة الخالق وحمته وتدبيره ، وما في هذا الكون من امور تدل على وجوده ووحدانيته ، بعضها سماويّ ، وبعضها أرضي .
{ الله الذي رَفَعَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ استوى عَلَى العرش وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأمر يُفَصِّلُ الآيات لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } .
ان الله الذي أنزلَ هذا الكتابَ هو الذي رفع ما ترون من سمواتٍ تجري فيها النجوم بغير أعمدٍ تثرى ولا يعلمها الى الله ، ثم مَلَكَ هذا الكونَ باستيلائه على العرش ، وسخّر الشمس والقمر وجعلهما طائعين ، فكلُّ يسيرُ في مدارٍ له لوقتٍ معين بنظام عجيب . وهو سبحانه يدبرّ كل شيء ، ويبيّن لكم آياتِه الكونيةَ الدالة على القدرة الكاملة والحكمة الشاملة .
{ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } .
حين ترون هذه الآيات مفصّلة منسقة .
وبعد ان ذكر سبحانه الدلائل السماوية على وحادنيته أردفها بالأدلة الأرضية فقال : { وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثمرات جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثنين يُغْشِي الليل النهار إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } .
وهو سبحانه الذي بسط لكم الأرض ، وجعلا متَّسةً تسيرون فيها شرقا وغربا ، وهي لِعظَمِها تظهر مبسوطة مع أنها مكوّرة ( وهذا أيضاً من عجائب الكون ) وجعل فيها جبالاً ثابتة راسيات وانهاراً تجري لمنافع الانسان والحيوان . وقد جعل في هذه الأرض زوجين اثنين ، ذكراً ونثى ، من كل أصناف الثمرات . ويتم التلقيح بينهما تلقائيا اذا كان في شجرة واحدنة او بواسطة الهواء ، اذا كانا في شجرتين .
وانه تعالى يُلبِس النهارَ ظلمةً الليل فيستره فيصير الجو مظلماً ، وكذلك يلبس الليل ضياءَ النهار فيصير الجوُّ مضيئا ، ان في هذا الكون وعجائبه لَعلاماتٍ بينّةً تثبت قدرة الله ووحدانيته للذين يتفَكّرون .
{ وَفِي الأرض قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يسقى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِي الأكل إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } .
وفي الارض ذاتها عجائب ، فهنالك قطع من الأرض يجاور بعضُها بعضا ، ولكنها تختلف في التفاضُل ، فبعضها قاحل لا يُنبت ، وبعضها خِصب جيد التربة ينبت أفضل الثمرات ومنها صالحةٌ للزرع دون الشجر ، وأخرى مجاروة لها تصلُح للشجرة دون الزرع ، وفيها زرع من كل نوع وصنف ، وخيل صنوان يجمعها أصلٌ واحد وتتشعب فروعها ، وغير صنوانٍ متفرقة مخلتفة الاصول . . وذلك كلُّه يُسقى بماءٍ واحد لكنه يعطي طعوماً مختلفة .
{ إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } .
ويقدّرون قدرةَ الخالق وحكمته وله يشكرون .
قراءات :
قرأ ابن كثير وابو عمرو ويعقوب وحفص : « وزرعٌ ونخيل صنوان وغير صنوان » بالرفع والباقون بالجر . وقرأ ابن عامر ويعقوب وعاصم « يُسقى » بالتذكير كما هو في المصحف ، وقرأ حمزة والكسائي « يفضّل » بالياء والباقون : « نفضّل » بالنون .

(2/271)


وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7)

الاغلال : واحدها غُل وهو طوق من حديد . السيئة : النقمة . الحسنة : النعمة . المثلات : مفردها مثلة بفتح الميم وضم الثاء . العقوبة والتنكيل بحيث تترك اثرا من تشويه ونحوه .
{ وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ؟ } .
ان أمْرَ المشركين مع كل هذه الدلائل لَعَجَب ، فإن كنت تعجب يا محمد ، فالعجب هو قولُهم : أبعدَ الموت وبعد ان نصير ترابا سوف نخلق من جديد؟ ان الذي خلق هذا الدون ودبره قادر على إعادة الناس في بعث جديد .
{ أولئك الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ وأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدونَ } .
كل هذه أوصافٌ للمنْكِرين للبعث ، فمثل هذه الاقوال لا تصدر الا عن الذين كفروا بربِّهم ، لقد أغلقوا عقولهم وقيدّوها بالضلال وجزاؤهم يوم القيامة أغلالٌ في أعناقِهم يقادون فيها إلى النار .
قراءات :
قرأ ابن عامر : « إذا كنا » بهمزة واحدة والباقون « أإذا » بهمزتين على الاستفهام . وقرأ نافع وابن كثير ورويس « أاذا » بتخفيف الهمزة الأولى وتليين الثانية .
{ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب } .
ثم العجبُ منهم أنهم يستعْجِلونك يا محمد أن تأتيَهم بعذابِ الله ، بدلاً من ان يطلبوا هدايتَه ورحمته .
لقد مضت العقوباتُ الفاضحة النازلةُ على أمثالهم ممّن أهلكهم الله ، وان ربَّك لذُوا عفوٍ وصفحٍ عن ذنوب التّوابين من عباده وان ظَلموا أنفسضهم فترة ، لكنه شديد العقاب لِمَن يستمر على ضلاله .
{ وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لولا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } .
وهم يطلبون منك آيةً خارقة ، والخوارق ليست من عَمَلِ الرسل ولا اختصاصهم . انما يبعث الله بها مع الرسولِ ولا اختصاصهم . انا يبعث الله بها مع الرسول حين يرى بحكمتِه أنها لازمة . ولستَ ايها النبي الا منذراً لهم ومحذراً ولكل قومٍ هاد يهديهم الى الحق ويدعوم الى سبيل الخير .

(2/272)


الاغلال : واحدها غُل وهو طوق من حديد . الس

(2/273)


اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11)

وما تغيض الارحام : ما تنقص غاض : نقص وغاب . عالم الغيب والشهادة : الغيب كل ما هو غائب عنا ، والشهادة : الحاضر المشاهد . المتعالي : المستعلي على كل شيء . سارب : ذاهب على وجهه ، ويقال سرب في حاجته . معقبات : ملائكة يحفظونه . من وال : من ناصر .
الله يعمل ما تحمله كل انثى في غيابات الأرحام من ذَكرٍ أو أنثى ، واحداً أو اكثر ، وما تنقصه تلك الارحام من خلوِّها من الولد ، وما تزداد بولادتها وقتاً بعد آخر . . كلُّ شيء عنده بقَدْرٍ معلوم وله زمان معلوم .
{ عَالِمُ الغيب والشهادة الكبير المتعال } .
هو الذي يعمل ما احتجَبَ وغاب عن حِسِّنا ، كما يعمل ما نشاهده في حاضِرنا عِلماً أعظمَ مما نشاهد ونرى ، وهو سبحانه الكبيرُ العظيمُ المستعلي على كل شيء .
قراءات :
قرأ ابن كثير : « المتعالي » باثبات الياء .
ثم بين الله تعالى ان عِلْنه شاملٌ لجميع الأشياء فقال :
{ سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ القول وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بالليل وَسَارِبٌ بالنهار } .
ان عِلْمَه شاملٌ لكلّ شيء في هذا الوجود ، يعلَم كلَّ أحوالِكم وأقوالكم في حياتكم ، ومن أسرَّ القولَ او جَهَر به عندَه ، سواءٌ ، لأنه يعلم استخلفاءَكم باللَّيل ، وظهروكم بالنهار .
{ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ . . . . } .
كل واحدٍ من الناس له ملائكة تحفَظه بأمرِ الله ، وتتناوبُ عل حفظه في كل حال .
{ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ } .
ان الله تعالى لا يغير النعمة علة قوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهِم ، وكذلك لا يغير ذلة او مهانة الا ان يغير الناس من اعمالهم وواقع حياتم ، وأكبر دليلٍ على ذلك واقُعنا اليوم من تفكّك وتمزق . . . فنحن العربَ والمسلمين نملك اكبر ثروة في العالم ، ونعيش على أعظم بقاع الارض ، ومع ذلك نعاني من الذل والفقر والمرض والجهل وكل ذلك بسبب تردي أحوالِنا وبُعدِنا عن ربّنا ، وفي ذلك عبرة كبيرة لنا .
{ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سواءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ } .
اذا أراد اللهُ ان يُنزلَ بقومٍ ما يسوءهم فليس لهم ناصرٌ يحمِيهم من أمْرِه ، ولا من يتولّى امورَهم فيدفع عنهم ما ينزل بهم .

(2/274)


هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (15) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16)

شديد المحال : شديد القوة والكيد . الضلال : جمع ظل وهو خيال الشيء . الغذو : اول النهار . الآصال : جمع اصيل ، وهو ما بين العصر والمغرب .
{ هُوَ الذي يُرِيكُمُ البرق خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِىءُ السحاب الثقال } .
ان آثاره قدرةِ الله في الكون ظاهرة ، والبرقُ من هذه الظواهر الكونية العجيبة ، فهو الذي يسخّر البرقَ فيخافه بعضُ الناس خشية الضرر على محصوله من نزولِ المطر او ما يترتّب عليه من الصواعق ، ويطمع فيه بعضُهم رجاءَ نزول الغيث لسقي الزرع . . فبعضهم يخاف وبعضُهم يطمع في الخير من ورائه ، والله تعالىهو الذي ينشء السحابَ المملوءة بالأمطار فيغيث بها الزرعَ والضرع .
{ وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي الله وَهُوَ شَدِيدُ المحال } .
ويسبِّح الرعدُ بدَلالتِه على وحدانية الله بحمدِه وتقديسه ، فهذا الصوتُ المدوِّي في السماوات إنما هو حمدٌ وتسبيحٌ بالقدرةٍ التي صاغت هذا النظام ، ويسبِّح الملائكةُ الكرامُ من هيبته وجلاِله . ثم تتم الصورةُ الرهيبة المشمولة بالرهبة والابتهار والبقرِ والرعدِ والسحابِ الثقال ، بإرسال الصواعق ، فيُصيب الله بها من يشاء .
ومع كل هذه الآيات والظواهر الكونية العجيبة يجادلُ الكفّار في شأن الله ووحدانِته وتفرُّدِه بالمُلْك ، وهو سبحانه لا يغالب ، فهو شديدٌ في عقوبة من طغى عليه وتمادى في كفره .
روى الإمام أحمد والبخاري والترمذي والنَّسائي عن ابن عمر : « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا سمعَ صوتَ الرعد والصواعق يقول : اللهمَّ لا تقتلْنا بغضَبك ، ولا تُهلكنا بعذابك وعافِنا قبلَ ذلك » .
{ لَهُ دَعْوَةُ الحق والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى المآء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَآءُ الكافرين إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ } .
المشرِكون المعاندون يجادلون في الله وينسبُون إليه شركاءَ يدْعونهم معه ، ودعوةُ الله هي وحدَها الحق ، وما عداها باطلٌ ذاهب . وفي هذا وعيدق للكفار على مجادَلَتهم الرسولَ الكريمَ في الله . هذا ما ان الّذين يدعونهم من الآلهة المزيَّفة من دونِ الله لا يَستجيبون دعاءَهم ولا يُنجِدونهم بشيء ، ومثلُهم في ذلك كَمَن يبسُط كفّيه ليأخذَ بهما ماءً الى فمه ، وهياتً ان يحصَل على شيء .
{ َمَا دُعَآءُ الكافرين إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ } . في ضياعٍ وخسارة بدون فائدة .
ثم بيَّن الله تعالى عظيم قدرته فقال :
{ وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السماوات والأرض طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بالغدو والآصال } .
في الوقت الذي يتّخذ الجاحدون آلهة من دون الله ، ويتوجَّهون إليهم بالرّجاءِ والدعاء ، نرى كلَّ من في هذا الكون يخضعُ لإرادته ويعنُون لعَظَمته من أناس وجِنّ وملائكةٍ طائعين أو كارهين ، حتى ظِلالُهم خاضعةٌ لأمرِ الله ونَهْيِهِ في جميع أوقات النهار ، وفي هذا تعميم لكل شيء .
عند قراءة هذه الآية يُسَنّ للقارئ والمستمع ان يسجد .

(2/275)


أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17) لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18)

زبدا : هو ما يطفو على وجه الماء كالرغوة . رابيا : منفخا عاليا . جفاء : الجفاء هو كل ما رمى به الوادي من زبد وفتات الاشياء مما لا نَفْعَ فيه . بئس المهاد : بئس القرار .
{ أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فاحتمل السيل زَبَداً رَّابِياً } .
في هذه الآية ضرب الله مثلَين الأول هنا وهو المقارنةُ بين الماء الذي يمكثُ في الأرض وينتفع الناس به من سقي الزرعِ والشجر والشُّرب وما فيه من الخير للناس ، وبين الزَبَد الذي يعلو على وجه الماء وليسَ فيه نفعٌ . . وهي مقارنةٌ بين الحق والباطل .
والمعنى أن الله تعالى أنزلَ عليكم من السماءِ غيثاً تسيل به الوديانُ والأنهار ، كلُّ بالمقدارِ الذي قدّره اله تعالى لفائدةِ الناس ، وهذا السيولُ في جَرَيانها تحملُ ما لا نفع به من الزبَد الذي يعلُو سطحها .
والمثل الثاني أيضا للمقارنة بين الحقّ والباطل قولُه تعالى :
{ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار ابتغآء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ } .
كذلك المعانُ الّتي تُذيبونها في النارِ من ذَهَب او فضةٍ او نحاس وغيرِها مما تصنعون منها حِليةً أو آلةً او آنيةً فإن المعدنَ يبقى لمنفعة الناس . وما فيه من زبد وخَبَثٍ يذهب ، فالحقُّ كالمعدنِ النافع ، والزَبدُ كالباطل .
{ كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل } .
يعني أن الحقَّ مثلُ الماءِ النافع الذي يمكث في الأرض والمعدن المفيدِ للناس ، والباطلَ مثلُ الزَبِد الذي يطفو على سطحِ الماء لا نفع فيه ، وهذا معنى قوله تعالى :
{ فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض } .
كذلك الامر في العقائد ، منها ما هو ضلالٌ فيذهبُ ، ومنها ما هو صِدق فيبقى .
{ كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال } .
وبمثلِ هذا يبيّن اللهُ سبحانَه للناسِ ما أشكلَ عليهم من أمورِ دينهم وتظهرُ الفوارقُ بين الحقّ والباطل .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي وحفص : « يوقدون » بالياء ، والباقون : « توقدون » بالتاء .
وبعد ان بين الله تعالى شأن كل من الحق والباطل ، شرع يبين حال أهل الحق والباطل وما يؤول اليه حالهم ترغيبا ، فقال :
{ لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبِّهِمُ الحسنى والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أولئك لَهُمْ سواء الحساب وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المهاد } .
فمن أطاع اللهَ ورسولَه وانقاد لأوامره فلهم العاقبةُ الحُسنى في الدنيا والآخرة ، ومن لم يجبْ دعوةَ الله ولم يطع أوامره فلهم العاقبةُ السّيئة . ولو ان لهم مُلْكَ ما في الأرض ومثلَه معه وقدّموه قِديةً لما نفعَهم أو دفع عنهم العذاب ، ومصيرهم جهنم وبئس القرار .

(2/276)


أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)

يدرأون : يدفعون عن انفسهم . جنات عدن : جنات الاقامة . لهم عقبى الدار : خاتمة مكانهم الجنة وهي سعادة الدنيا والآخرة .
{ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحق كَمَنْ هُوَ أعمى } .
لا يستوي المهتدي والضالُّ ، فالّذي يعلم ان الوحَي حق ، وإن اللهَ تعالى الذي اصطفاكَ أنزلَ إليك هذا الوحيَ- مهتدٍ وبصير ، والذي كذّب وعاند فهو أعمى ضال .
{ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الألباب } .
انما يؤمنُ ويعتبر بهذه الأمثال ويتّعظُ بها ، أهلُ العقول السليمة التي تفكّر وتُبصِر .
ومن ثم بيّن أولي الألباب فقال :
{ الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله وَلاَ يِنقُضُونَ الميثاق } .
هؤلاء هم أولو الالبابِ ، فهم الّذين آمنوا بربِّهم وعَقَدوا الميثاقَ بينّهم وبينَه على أن يقوموا بأوامره ويبتعدِوا عن كلِّ ما خالفَ الشرع ، ولا ينقضون هذا العهد .
{ والذين يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ } .
ومن صفاتِ أولي الألباب : انهم يَصِلون الرَّحمَ ويُعاملون الأقاربَ بالمودَّةِ والحسنى ويُحسِنون الى الناس بقدْرِ ما يستطيعون ، ويُعينون المحتاجَ ، ويكونون في خدمة دينِهم وأُمّتهم ووطنهم ، كل ذلك ضِمنَ خشية الله ، ومخافةِ العقاب .
{ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابتغاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة أولئك لَهُمْ عقبى الدار } .
وكذلك من صفات أولي الألباب : أنهم ثَبَتوا على العهد ، فصَبروا على أداء التكاليف والواجبات وصبروا في خِدمة الناس ما استطاعوا ، لا يُريدون في ذلك كلِّه إلا وجه الله ، وأدَّوا الصلاةَ أتمَّ أداء ، وأنفقوا من أموالِهم وجاهِهم في سبيلِ الله في السرِّ والعلَن ، ويقابلون الاساءةَ بالإحسان . { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً } [ الفرقان : 63 ] .
{ أولئك لَهُمْ عقبى الدار } .
هؤلاء الّذين تحلَّوا بكلَّ هذه الصفات هم أولو الألباب ولهم سعادةُ الدارَين .
{ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار } .
أولئك الّذين وصفْناهم بتلكَ المحاسنِ لهم عقبى الدار : جناتُ عَدْنٍ للإقامة الدائمة والخلودِ ، وفي هذه الجنات يأتَلِفُ شَمْلُهم مع الصالحين من آبائهم وأزواجِهم وذريّاتم ، فيجتمع الأحبابُ ويتلاقون في جوٍ من السعادة ، وترحِّبُ بهم الملائكة ويدخلون عليهم بالتحية والإكرام من كلّ باب قائلين لهم : { سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار } .
{ والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض أولئك لَهُمُ اللعنة وَلَهُمْ سواء الدار } .
بعد ان بين الله تعالى صفات المتقين ، وما أعَدَّ لهم عندَه في دارِ الكرامة ، بيَّن هنا حالَ المكذِّبين الجاحدين وما ينتظرُهم من العاب وأن مقرَّهم النارُ ، فهذه الصفاتُ التي وصفَ بها أولئك الأشقياءَ هي السببُ في خُسرانهم . إنّهم الّذِين لا عهدٌ لهم ولا ميثاق ، ولا إيمان ، ولا يَصِلون أرحامهم ، وليس لأحدٍ عندهم نفعٌ ولا رجاءٌ ، يعيشون لأنفسِهم ولا يعلمون أن الدنيا أخذٌ وعطاء ، ومع كلِ هذا فهم مفسدون في الأرض فلهم اللعنةُ وسوءُ العاقبة في جهنم .

(2/277)


اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآَبٍ (29)

يبسط الرزق : يوسعه . ويقدر : يضيق . أناب : رجع اليه بالتوبة . طوبى لهم : العيش الطيب . وحسن مآب : المنقلب الحسن .
{ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ } .
ان الله تعالى يُعطي الرزقَ الواسعَ لمن يشاء إذا أخذَ في الاسباب ، ويضيِّقه على من يشاء ، فهو يعطيه للمؤمِن وغيرِ المؤمن ، لا يظنَّ احدٌ ان كثرة المال دليلٌ على أنه على الحق .
{ وَفَرِحُواْ بالحياة الدنيا وَمَا الحياة الدنيا فِي الآخرة إِلاَّ مَتَاعٌ } .
والذين يفرحَون بما أُوتوا من مالٍ في هذه الحياةٍ الدنيا ، ويعتبرون ذلكَ أكبرَ متاعٍ وأعظمً لذّة ولا يفيدون غيرَهم منها . يَقعون في غرورٍ باطل ، لأن الحياةَ الدنيا بدونِ عملٍ صالحٍ ونفعٍ للناس متاعٌ زائل ، والدنيا مزرعةُ الآخرة ، والعمر مهما طال فيها قصير .
« روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال : نام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصر فقام وقد أثّر في جنبه ، فقلنا : يا رسول الله ، لو اتّخذنا لك فراشاً ناعما ، فقال : مالي وللدنيا ، ما أنا في الدنيا الا كراكبٍ استظلَّ تحت شجرة ثم راح وتركها » .
{ وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ويهدي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ } .
ويلحّ المشركون في طلب آيةٍ من السّماء . والجوابُ على طلبهم هذا ان الآياتِ ليست هي التي تقودُ الناسَ الى الإيمان ، وأن هذا الطلبَ وأمثاله من العناد والتعجيز ، فللإيمان دواعيه الأصليةُ في النفوس ، وأسابهُ المؤدّية اليه . فالله يهدي من يُنيبون إليه ، فاسألوا الله الهداية .
{ الذين آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب } .
وأما الذين اتّجهوا الى الله ، وأقبلوا على الحقّ فهم الّذين آمنوا واطمأنّتْ قلوبُهم بذِكر الله ، ألا بذِكر اللهِ وحدَه تطمئنُّ قلوبُ المؤمنين .
{ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات طوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ } .
هؤلاء الذين أنابوا الى الله ورجعوا اليه واطمأنت قلوبهم بذكره ، وعملوا الصالحاتِ ، يُحسن اللهُ مآبَهم إليه ، ولهم الفرحُ وقُرَّةُ العين عند ربهم .

(2/278)


كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30) وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31)

خلت : مضت . متابي : مرجعي . سيرت به الجبال : سارت بسببه . قطعت به الارض : شققت . كلِّم به الموتى : جعلهم يتكلمون . ييأس : يعمل وهو لغة هوزان من العرب . قارعة : مصيبة .
{ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ . . . } .
كما أرسلنا إلى الأمم من قبِلك وأعطيناهم كتباً تتلى عليهم ، ارسلناك يا محمد في أمة لاحقة واعطيناك القرآن معجزة لتقرأه عليهم . { وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن } فقل لهم ايها النبي الله الذي خلقني هو ربي لا إله بحق غيره ، { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ } عليه وحده توكلت في جميع أموري ، واليه توبتي ومرجعي .
{ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبال أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرض أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى } .
يعني : إنما أرسلناك لتتلوَ عليهم هذا القرآنَ العجيب ، الذي لو كانَ من شأن قرآن ان تُسَيَّرَ به الجبالُ ، او تقطَّع به الأرض ، او يكلَّم به الموتى لكان في هذا القرآن من الخصائص والمؤثّرات ما تَتِمُّ به هذه المعجزات ، ولكنَّهم معاندون بل للهِ الأمرُ جميعاً بل مرجعُ الأمورِ كلّها بيدِ الله .
{ أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعاً } .
أفَلَم يَعلم الذين آمنوا أن الله تعالى لو شاءَ هِدايةَ الناس أجميعين لهداهم .
{ وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حتى يَأْتِيَ وَعْدُ الله إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد } .
ان قدرةَ الله ظاهرةٌ بين أيديهم ، فلا يزالُ كفَروا تُصيبهم بسبب عنادِه وكفرِهم المصائبُ الشديدةُ التي تُهلكهم ، او تنزل قريباً منهم فتردعُهم وتُقلقهم ، حتى يأتَي وعدُ الله الذي وعدَهم به ، واللهُ تعالى لايخلف موعده .

(2/279)


وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (34)

فأمليت : فأمهلت . قائم : رقيب . واق : حافظ .
{ وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } .
في هذه الآيةِ تسليةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم ، على سفاهة قومه ، فإذا كان أولئك الجاحدون قد استهزأوا بما تدعو إليه يا محمد وبالقرآن فقد نالَ الانبياءَ الذي قبلك من أقوامهم كذلك ، فلا تحزّن . فإني أمهلتُ الذين كفروا ثم أخذتُم بعقابٍ شديد .
{ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } .
أفمن هو قائمٌ حفيظٌ على كلّ نفسٍ لا يخفى عليه شيء ما كسبت كَمَن ليس كذلك! فالجواب محذوف وهو : كمن ليس كذلك . وهذا من بلاغة القرآن .
{ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ } .
وقد جعل هؤلاء الكفرةُ لِله شركاءَ فعبدوهم ، فقل أيها النبي : صِفُوهم بأوصافِهم الحقيقة ، { أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأرض } أتخبرونه بشركاءَ يستحقَّون العبادة في الرض وهو لا يِعلَمُهم . { أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القول } أم تدَّعون أنهم آلهةٌ بالقول الباطلِ من غير حقيقة .
{ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السبيل وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } .
بل الحقيقةُ أنه زُيِّن للذين كفروا تَدبيرُهم الباطلُ ، فتخيَّلوا أباطيلَ ثم ظَنُّوها حقاً ، وصُرِفوا عن السبيل وتاهوا ، ومن يخذلْهُ اللهُ فما له من هادٍ يَهديه الى الصواب .
قراءات :
قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر : « وصدوا عن السبيل » بفتح الصاد . والباقون « وصدوا عن السبيل » بضم الصاد وهي القراءاة في المصحف .
{ لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الحياة الدنيا وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ الله مِن وَاقٍ } .
لهم العذابُ في الدنيا بالهزيمةِ والأَسرِ والقتل ، ولَعذابُ الآخرةِ أشدُّ وأدوم ، وما لهم حافظ يعصِمُهم من عذاب الله .

(2/280)


مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (35) وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآَبِ (36) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38)

الأكل : ما يؤكل . الاحزاب : الكفرة الذين تحزبوا على رسول الله . المآب : المرجع . الواقي : الحافظ .
{ مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عقبى الذين اتقوا وَّعُقْبَى الكافرين النار } .
بعد ان ذَكَر اللهُ تَعالى ما أعَدّه للكافرين من العذاب في الدُّنيا والآخرة ، أتْبعَهُ بذِكر ثوابِ المتقين ، فإذا كان لِلجاحدينَ العذابُ الدائم ، فإن للؤمنين الجنةَ ونعيمَها ، وتجري تحت أشجارها هذه الجنة ، أنهار عذبة الماء ، وثمراتُها دائمة لا تنقطع ، وظِلُّها ظليلٌ دائم . هذه عاقبةُ المؤمنين الذي وَقَوا أنفُسَهم بالإيمان والصلاح ، أما الذي كفروا فلهم النارُ وبئس القرار .
{ والذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ } .
إن فريقاً من الذين أُوتوا الكتابَ من اليهود والنصارى الذين آمنوا وصدّقوا يفرحون بما أُنزل من القرآن ، لأنّهم يَجِدون فيه مصداقاً للقواعد الأساسية في عقيدة التوحيد وامتداداً للرسالة الالهية ، ومن هؤلاء مَن آمن مثل عبد الله بن سلام واصحابه ، وبعض النصارى من الحبشة ونجران واليمن .
{ وَمِنَ الأحزاب مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ } .
ومن الّذين تحزَّبوا ضدَّ الإسلام من كفارِ قريش وغيرهم من أهل الاديانِ السابقة مَنْ ينكِر بعضَ ما أُنزلَ إليك عناداً وكفرا .
{ قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ولا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ } .
قلْ أيّها النبي : إنّي أُمرت بأن أعبدَ الله حدَه ، ولا أُشرِكَ في عبادتِه أحداً ، الى عبادته وحدَه أدعو الناس وإليه مرجعي ومصيري .
{ وكذلك أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً } .
وكما أرسلْنا قبلك المرسَلين ونزلْنا عليهم الكتبَ ، أنزلنا عليك القرآن حكماً عربياً بِلسانك ولسن قومك ، فهو حاكمٌ لأن فيه بيانَ الحلال والحرام وجميعَ ما يَحتاجُ اليه المكلَّفون مما يوصِلُهم إلى السعادة في الدُّنيا والآخرة .
{ وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ } .
لئن اتّبعت أهواءَ الاحزابِ ابتغاءَ رِضاهم بعد ما منحك اللهُ من العلم اليقين ، فليس لك من دون اللهِ وليُّ ولا ناصرٌ ينصرك . ان ما يقولُه الأحزابُ اهواءٌ لا تستندُ إلى عِلم أو يقين .
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً } .
اذا كان هناك اعتراضٌ على بشريّةِ الرسول الكريم ، وانه تَزوَّج النساءَ ، وله أولادٌ وذرية ، فقد كان الرسُل الذين أرسلناهم من قبلِه بشراً وكانوا يتزوَّجون ولهم نساءٌ وذرية .
{ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ } .
اذا كان يعترضُ بعضُهم من المتعنِّين ويطلب من الرسول ان يأتيَ بخارقةٍ ماديّة ، فذلك ليسَ من شأنِه ، إنّما هو من شأنِ الله ، وهو الذي يقدّر ذلك يدبّره بحكمتِه ومشيئتنه ، ولكل أمرٍ كبته اللهُ اجلٌ معين ووقت معلوم .

(2/281)


يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39) وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43)

الاطراف : الجوانب . لا معقب لحكمه : لا راد له . ام الكتاب : أصله .
{ يَمْحُواْ الله مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب } .
ينسَخُ الله ما يشاء من الشرائع ، ويُحِلُّ محلَّها ما يشاء ويثبته ، وعنده أصلُ الشرائع الذي لا يتغيّر ، فما انقضَتْ حكمتُه يمحوه ، وما هو نافعٌ يثبته حسبما تقتضيه حكمتُه ، ولا رادَّ لقضائه .
{ وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب } .
ولئن أَرَيْناك ايها الرسول بعض الذي نَعِدُ هؤلاء المشركين من العقاب ، او توفَّيناك قبل ان نُريَك ذلك ، فليس عليك الا تبليغُ رسالةِ ربك ، لا طَلَبَ صلاحِهم ، وعلينا محاسبتُهم ومجازاتهم باعمالهم .
{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا والله يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الحساب } .
ألم يروا ان قوةَ الله فوق كل شيء ، فهي تأتي الأممَ القوية الغنية حين تَبْطَر وتكفر وتفسِد فَتُنقِص من قوتها ومن ثرائها وقدرتها ، وتحصرها في رقعة من الأرض ضيقة بعد ان كانت ذات سطان وحكم وامتداد! وإذا حكَمَ الله عليها بالنقص والتدهور فلا رادَّ لحكمه ، وهو سريع الحساب .
وللمفسرين القدماء آراء كثيرة ومتعددة ، وكذلك لبعض المفسّرين المعاصرين تأويل عن سرعة دوران الارض وما ينتج عنها من تفلطح ونقص في طرفيها ، وكل ذلك حَدْس وخبط .
وبعدَ ذلك بَيّن اللهُ ان قومَ النبيّ عليه الصلاة والسلام ليسوا ببِدْعٍ في الأمم ، فقد مكر كثيرٌ ممن قبلَهم بأنبيائهم فأخذَهم اللهُ فقال :
{ وَقَدْ مَكَرَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المكر جَمِيعاً يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الكفار لِمَنْ عُقْبَى الدار } .
وقد مكر كثير من كفار الأمم الماضية بانبيائهم ، ثم دارت الدائرة على الظالمين ، وأهلك الله المفسدين ، ولله سبحانه تدبير الامر كله في حاضر الكافرين ومستقبلهم ، وهو يعمل ما تعمله كل نفس ، وسيعلمون يوم القيامة لمن تكون العاقبة الحسنة .
وفي هذا تسلية للرسول الكريم وتعبير بان العاقبة له لا محالة ، وقد حقق الله له وعده .
{ وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب } .
عن ابن عباس رضي الله عنه قال : قدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقف من اليمن فقال له الرسول الكريم ، هل تجِدني في الإنجيل رسولا؟ قال : لا فنزلت هذه الآية ، وتكون ختام سورة الرعد بإنكار الكفار للرسالة ، وقد بدأها الله تعالى بإثبات الرسالة ، فيلتقي البدءُ والختام بقوله تعالى : { قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } اي حسْبي الله شاهدا بتأييد رسالتي { وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب } وهو من اسلم من اليهود والنصارى وغيرهم .
اخرج انب جرير وابن المنذر عن قتادة قال : كان من أهلِ الكتاب قوم يشهدون بالحق ويعرفونه منهم عبدُ الله بن سلام والجارودُ وتميم الداري وسلمان الفارسّي رضي الله عنهم .

(2/282)


الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (3) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)

{ الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ العزيز الحميد } .
الف . لام . را . لقد أنزلنا اليك يا محمد هذا الكتاب المؤلف من جنس هذه الأحرف لتخرجَ به البشريةَ من ظلمات الكفر والجهل الى نور الإيمان والعلم ، وذلك بإذن الله وتوفيقه ولطفه بهم ، وتقودهم الى الطريق الى الله .
{ الله الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } .
إن العزيزَ الحميد هو الله ، مالكُ ما في السموات وما في الأرض ، الغنيُّ عن الناس ، والمسيطر على الكون وما فيه ، والويل والعذاب للكافرين يوم القيامة لأنهم لم يستجيبوا لدعوة الرسول الكريم .
ثم وصف الله أولئك الكافرين بصفات ثلاث .
الأولى : { الذين يَسْتَحِبُّونَ الحياة الدنيا عَلَى الآخرة } .
يختارون الحياة الدنيا ومتعها ولذّاتِها دون ان يعملوا لآخرتهم شيئا .
والثانية : { وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } يمنعونِ الناس عن شريعة الله .
والثالث : { وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً } ويردون ان تكون الشريعة معوجّة لا استقامة فيها لينفّروا الناس منها .
{ أولئك فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ } اولئك الموصوفون بهذه الصفات قد ضلّوا عن الحق ، وبعُدوا عن الطريق المستقيم .
قراءات :
قرأ نافع وابن عامر : « الله » بالرفع ، والباقون « الله » بالجر كما هو في المصحف .
{ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ العزيز الحكيم } .
وفي ذلك نعمةٌ من الله واحسانٌ إلى عباده ، فهو يرسل كل رسول الى قومه بلسانهم الذي يفهمونه ، وليس على الرسول هدايتُهم ، فالله تعالى يضلّ من يشاء لعدم استعداه ، ويهيد من يشاء لحسن استداده ، وهو العزيز الحكيم ، فلا يهدي ولا يُضل الا لحكمة .

(2/283)


وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8)

أيام الله : وقائعه في الأمم السابقة . يسومونكم : يذيقونكم أشد العذاب . ويستحيون : يبقون نساءكم أحياء والاسترقاق . تأذَّن : أعلم .
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظلمات إِلَى النور وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } .
يذكُر الله تعالى هنا بعضَ قَصصَ الأنبياء ، وما لا قوه من أقوامهم من الأذى والتمرَد والناد تسليةً للرسول الكريم والمؤمنين ، وأنّ المقصودَ من إرسالِ الرسُل هو هدايةُ الناس وإخراجهم من الظُلمات والضلال إلى النور والإيمان .
ولقد أرسلْنا موسى مؤيَّداً بمعجزاتنا ، وقلنا له : يا موسى ، أخرج قومك من ظلمات الكفر والجهل الى نور العلم والايمان ، وذكّرهم بوقائع الله في الأمم السابقة ، ان في لك التنبيه والتذكير دلائل عظيمةً على وحدانية الله ، تدعو كلَّ من تحلَّى بالصبر والشكر الى الايمان .
{ وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذلكم بلاء مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ } .
واذكر أيها النبي لقومك لعلّهم يعتبرون : اذكر ما قاله موسى لقومه يذكّرهم بنعمة الله عليهم يوم أنجاهم من سوء العذاب الذي كانوا يلقونه من آل فرعون . فقد كان هؤلاء يذبحون الذكور من أولادهم حتى لايتكاثروا ، ويُبقون الإناث أحياء للخدمة والاسترقاق . . . وفي ذلك كله ابتلاء واختبار شديد .
ويمضي موسى يبين لقومه ما رتّبه الله جزاءً على الشكر والكفران :
{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } .
واذكروا يا بني إسرائيلَ حين أَعلمَكم ربُّكم أن الشكر على ما أنعمَ يجلبُ زيادةَ الخير ، وأن جحود النعمة يوجبُ العذابَ الشديد .
{ وَقَالَ موسى إِن تكفروا أَنتُمْ وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً فَإِنَّ الله لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ } .
ان الله تعالى غنيُّ بذاتِه محمودٌ بذاته لا بحمدِ الناس وشكرهم ، واذا كفر جميعُ أهل الأرض فلن يضروا الله شيئا ، انه غني حميد .

(2/284)


أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)

ردوا أيديهم في أفواهم : جعلوا أيديهم على أفواههم من التعجب او الغيظ . وهذا تفعله العرب . مريب : مقلق . سلطان : حجة .
{ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ والذين مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ وقالوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ } .
ويستمر موسى في بيانه وتذكيره لقومه فيقول : ألم يصِلْكم خبرُ الأقوام الماضين من قبلِكم مثل قوم نوح وعاد وثمود ، والأمم الذين جاؤا من بعدِهم ، امم كثيرة لا يعلمها الا الله ، وقد جاءتهم رسُلهم بالحجج الظاهرة والمعجزات فوضعوا أيديَهم على أفواهِهم استغراباً واستنكارا وقالوا للرسل : إنّا كفرنا بما جئتم به من أديان جديدة ، وانا لَنَشُكُّ في كل ما تدعوننا اليه من الإيمان والتوحيد .
{ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي الله شَكٌّ فَاطِرِ السماوات والأرض } .
قالت لهم رسُلهم : أفي وجودِ الله شك! إنه خالقُ السماوات والأرض على غير مثال ، وهو { يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ } يدعوكم الى الإيمان ليغفر لكم بعضَ ذنوبكم ، { وَيُؤَخِّرَكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } ويؤخركم الى وقت محدَّد معلوم لديه .
فردّ اولئك المنكِرون الجاحدون على الرسل بتعنّت :
{ قالوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } .
كيف نصدِّقكم وأنتم بشر مثلنا لا فضلَ لكنم علينا ، وتريدون ان تمنعونا من عبادِة الآلهة التي كان آباؤُنا يعبدونها!؟ إن كنتم صادقين في دعواكم فأْتونا بدليلٍ ظاهر واضح .
{ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ولكن الله يَمُنُّ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } .
فكان جوابُ رسُلهم : نعم إننا بشر مثلكم ، ولكن الله يصطفي من يشاءُ من عباجِه فيخصّهم بالنبوةَ والرسالة ، ولي في قُدْرَتِنا أن نأتيَكم بآيةٍ معجزة أو حُجّةٍ إلا بتَيسيرِ الله ومشيئته .
{ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ على مَآ آذَيْتُمُونَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون } .
لقد أجابهم الانبياءُ على أقوالهم وما فيها من عناد بأن قولوا : إنا قد أبلَغْناكم رسالتَنا ، ونحن لا نخاف في سبيلها أحدا ، بل نتوكّل على الله ، وأيُّ عذرٍ لنا في تركِ التوكل عليه! لقد هدانا إلى الحق ، وأنارَ لنا سبلَ الخير ، وسنصبرُ على أذاكم .
ثم ختموا كلامهم بمدح التوكل وبيان ان ايذاءهم لا يثنيهم عن تبليغ رسالة ربهم فقالوا : { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون } .

(2/285)


وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)

الملة : الدين والشريعة . استفتحوا : طلبوا النصر . كل جبار عنيدك كل عال متكبر معاند . ماء صديد : ماء قبيح الطعم في جهنم . لا يكاد يسيغه : لا يستطيع ان يبلعه . عذاب غليظ : شديد .
بعد ان ذكر اللهُ ما دار من الحِوزار والجَدَل بين الرسُل وأَقوامهم ، وبيّن الحججَ المقْنعة التي جاء بها الرسل الكرام ، ولم يستطع الذين كفروا ان يردّوا عليها- لم يجودا وسيلةً الا استعمال القوّة مع أنبيائهم ، وتلك حجة المغلوب ، فخيّروا رسُلَهم بين أمرين : الخرود من الديار ، أو العودة الى ملّة الآباء والأجداد . فأوحى الله تعالى الى أنبيائه أن العاقبة لهم .
{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين } .
وقال الطغاة من زعماء الكافرين لما أعْيَتْهُم الحيلةُ ، وعجزوا عن مقاومة الدليل . . قالوا لرسلهم : لكم احد امرين ، إما ان نُخرجَكم من أرضِنا ، أو أن تعودوا إلى عبادةِ الأوثان ، ديننا القائم ، فأوحى الله الى رسُله مثبتا لهمك لا تخافوا ، سنُهلك الظالمين .
{ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرض مِن بَعْدِهِمْ ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ } .
إننا سنجعلكم تسكنون ارضهم بعد اهلاكهم . . . هكذا أفعل بمن خاف موقفه بني يديّ يوم القيامة ، وخاف وعيد فاتّقاني بطاعتي ، فلم يفسد في الأرض ، ولم يظلم الناس .
ووقف الطغاة المتجبّرون ، ووقف الرسُل المتواضِعون ومعهم قوة الله ، ودعا كلاهما بالنصر والفتح ، وكانت العقابة للرسُل .
{ واستفتحوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } .
وطلب الرسُلُ على أقوامهم من الله لما يئسوا من إيمانهم ، وطلبت تلك الأقوامُ النصر لنفسِها ، فنصر اللهُ رسلضه ، وخسِر كلُّ جبار متكبر عنيد .
{ مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ } .
إن جهنم لذلك الجبَّار الخاسر بالمرصاد ، سيصلاها يوم القيامة وشرابُه فيها ماء كريه .
{ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ } .
إنها صورةٌ مرعبة وخيبة أمل لهؤلاء الكفار المعاندين ، يتجرّعون ذلك الماء الكريه فلا يكادون يستسيغونه لقذراته ، وتحيط بهم أسبابُ الموت من كل جهة ، وما هم بميتين في جهنم ، ولهم عذابٌ مؤلم شديد .

(2/286)


مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (18) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21)

برزوا : ظهروا جميعا يوم القيامة . تبع : جمع تابع . مغنون عنا : دافعون عنا . محيص : مهرب .
{ مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الريح فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَيْءٍ ذلك هُوَ الضلال البعيد } .
مثلُ أعمالِ الكافرين التي كانوا يعملونها في الدّنيا كَمثَلِ رمادٍ حملتْهُ الريحُ في يومٍ عاصف وأسرعتء بالذهابِ به فلم يبقَ له أثر ، وهم لا يستفيدون شيئاً يوم القيامة مما عملوا في الدنيا .
{ ذلك هُوَ الضلال البعيد } .
ومثل هذا السعي والعملِ على غير أساسٍ ولا استقامة ، هو الضلالُ البعيد عن الحق .
{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله خَلَقَ السماوات والأرض بالحق إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } .
ألم تعلم أيها الرسول أن الله خلقَ السمواتِ والأرضَ لتقومَ على الحقّ بمقتضى حكمته ، ومن قَدَرَ على هذا العمل العظيم لهو قادرٌ على إهلاك الكافرين ، والإتيان بخلقٍ جديد غيرهم .
{ وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ } .
وليس بمتنعٍ على الله ولا متعذِّرٍ ان يستخْلِفَ قوماً مكان قوم من قريشٍ او غيرهم من المعاندين الجاحدين .
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي : « خالق السماوات والارض » والباقون « خلق » كما هو في المصحف .
{ وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضعفاء لِلَّذِينَ استكبروا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ } .
هذه صورة حيّة لموقف هؤلاء المجرمين وأتباعهم والحوارِ بينهم ، فحين يقفون جميعاً بين يدي الله يوم القيامة ، يقول الضعفاءُ التابعون للزعماءِ المستكبرين : لقد كُنا تابعين لكم في تكذيب الرسُل ومحاربتهم ، فهل تدافعون عنا اليومَ في هذا الموقف الرهيب؟ فيقول المستكبرون : لو أن الله هدانا لأرشدناكم ، ولكن ليس بيدِنا أيةُ حيلة ، ولي لنا مهربٌ ولا خلاصٌ مما نحن فيه جميعا ، وسِيّان الجزعُ والصبر ، فلا نجاةَ لنا من عذاب الله .

(2/287)


وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (23)

ما كان لي عليكم من سلطان : من تسلط . ما انا بمصرخكم : ما انا بمغيثكم . استصرخني : استغاثني .
{ وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ } .
وجاء دورُ الشيطان ، كل عظَمته وحِيَله قد ذهب الآن ، وهو يقف موقف الذليل وتنصل من أتباعه . انه يعترف بصراحةٍ أنه كان كذّابا ، وعد أتباعه كذباً وزوراً ويتسرسل قائلا :
{ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ } .
ما كان لي عليكم قوةٌ أُجبِركم بها على اتّباعي ، لقد دعوتُكم الى الضلال فأسرعتم الى إجابتي ، فلا تلوموني بِوَسْوَستي ولوموا أنفسَكم لأنكم استجبتم لي .
ثم يتبرأ منهم وتنصّل .
{ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ } .
أنا لا أستطيع اليوم ان أُغيثكم ، ولا انتم تستطيعون إغاثتي من العذاب .
ثم يتبرّأ من كفرهم وإشراكهم ويكفرُ بهذا الإشراك فيقول :
{ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
فأنا لا أقبلُ أن أكونَ شريكاً لله فيما أشركتُموني فيه من قبلِ هذا اليوم ، ان الكافرين لهم عذابٌ شديد مؤلم .
ثم لمَّا جَمَعَ الله تعالى الخلْقَ وذكر ما لقيَ الأشقياءُ وصَفَهم بأسوأ حال ، ذكر حال السّعاداء ، وما أعدَّ لهم من نعيمٍ مقيم في ذلك اليوم فقال :
{ وَأُدْخِلَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ } .
وهكذا يقابل الله تعالى بين حال الأشقياء والسّعداء ، ويبيّن ان الذين آمنوا وصدّقوا وعملوا الأعمالَ الصحالة في جنّاته ناعمين مسرورين ، خالين فيها على أحسن حالٍ بإذن الله تعالى ، تحّيييهم الملائكةُ بالسلام ، وهو شعارُ الإسلام .
قراءات :
قرأ حمزة : « وما انتم بمصرخيِّ » بكسر الياء المشددة . والباقون بفتحها . « بمصرخيَّ » كما هو في المصحف .

(2/288)


أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)

كلمة طيبة : كلمة الحق ويدخل فيها الايمان وجميع الاعمال الصالحة . كلمة خبيثة : الباطل ويدخل فيه كل شر .
بعد ان بيّن اللهُ حالَ الأشقياء وحالَ السعداء ومآل كلٍ منهم ضربَ هنا مثلا يبيّن فيه الحقَّ من الباطل ، ويوضح الفرقَ بين الفئتين .
{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السمآء } .
هنا شبّه اللهُ تعالى كلمةَ الإيمان التي هي كلمةُ الحقّ بشجرةٍ طيبةٍ ثبتَتء جذورثها في الأرض وارتفعت اغصانها في السماء ، فهي :
{ تؤتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } .
فهي تعطي ثمرها الدائم في كل وتق بإذن ربّها . كلذلك تكون الهداَيةُ إذا ملأتء قلباً فاضت منه على غيره وملأت قلوباً كثيرة ويبيّن الله الأمثال للناس ليتعظوا ويؤمنوا .
{ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجتثت مِن فَوْقِ الأرض مَا لَهَا مِن قَرَارٍ } .
وان الكلمة الخبيثة ، كلمةَ الباطل ، كالشجرة الخبيثة التي لا تنفع الناس ، لي لها قرارٌ ثابت وقد اقتُلعت من فوق الأرضِ لأن جذورها غير قوية ، فكما ان هذه الشجرة لا ثبات لها ولا دوام ، فكذلك الباطلُ لا يدوم ولا يثبت .
وبعد ان وصف الكلمة الطيبة بالوصف الجميل أخبر بفوزِ اصحابها في الدنيا والآخرة :
{ يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ بالقول الثابت فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة وَيُضِلُّ الله الظالمين وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَآءُ } .
يثبت الله الذين آمنوا في الحياة الدنيا بكلمةِ الإيمان المستقرَّة في الضمائر ، الثابة في قلوبهم ، المثمرةِ بالعمل الصالح ، والفوزِ في الآخرة ، ويُضلُّ الظالمينَ بظُلمهم وشِركهم ، وبفعل ما يشاءُ بإرادته المطلقة .
وبهذه الخاتمة يتم التعقيب على القصة الكبرى للرسالات والدعوات ، وقد استغرتقت الشطر الأكبر من سورة إبراهيم . والكملةُ الطيبة تحتوي دائما على الحقيقة الكبرى ، حقيقة الرسالة الواحدة التي لاتتبدّل ، وحقيقة الدعوة التي لا تتغير ، وحقيقة التوحيد لله .

(2/289)


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30) قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31)

دار البور : دار الهلاك . يصْلونها : يدخلونها ويقاسون حرها . اندادا : امثالا . لا بيع فيه ولا خلال : لا فدية ولا صداقة تنفع او تشفع .
{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ القرار } .
الم تَرَ وتعلم يكف تصرَّف هؤلاء القومُ! لقد تنكروا لنعمة الله الممثَّلة في دعوة رسوله إلى الإيمان ونبذوها ( وأولئك هم السادة من قريش وكبراء قومهم ) ، بعد ما رأوا ما حلَّ بمن قبلَهم . وقد عرض القرآن عليهم مشاهدَ تلك القصة التي مرت في هذه السورة!! لقد استبدوا بنعمة دعوة الرسول إياهم كفرا ، وأنزلوا أتباعَهم من قومهم دارَ الهلاك ، جهنم يدخُلونها ويقاسُون حَرَّها وبئس المنزل والقرار .
{ وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار } .
وجعلوا لله الواحدِ في العبادة نظراءَ ، ليُضلوا الناس عن دينه القويم فقل لهم أيها الرسول ، تمتّعوا قليلاً في هذه الحياةِ الى الأجلِ الذي قدّرنه الله لكم ، وعاقبتُكم ومصيركُم إلى جهنّم .
{ قُل لِّعِبَادِيَ الذين آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصلاة وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ } .
بعد ان هدّد الله الكفارَ على جحودهم وانغماسهم في اللذات خاطبَ نبيَّه الكريمَ أن يأمر المؤمنين من عبادهِ أن أحسِنوا وأقيموا الصلاةَ وأنفقوا بعض ما رزقكم ربُّكم في وجوه البِر في السر والعلَن ، من قبلِ أن يأتي يومُ القيامة الذي لاتنفع فيه صداقة ولا شفاعة ولا بيعٌ ولا عمل ، انا ينفع ما تقدّمون من اعمال طيبة .

(2/290)


اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)

الفلك : السفينة للواحد والجمع والمذكر والمؤنث . دائبين : دائمين في الحركة لظلوم : ظالم لنفسه . كفار : شديد الكفر والجحود .
في هذه الآيات الكريمة يذكِّر اللهُ تعالى بنعمهِ الكثيرة التي لا تُحصى ، فإنه خلَق السمواتِ والأرضَ لبني الإنسان ليتمتع بخيراتها ، وأَنزل من السماءِ غيثاً عميماً أحيا به الشجر والزرعَ فأثمرت لكم رِزقاً تأكلون منه وتعيشون به ، وسخّر لكم السفنَ لتجريَ في البحر بأمرِه ، تحملُ أرزاقكم وتحملكم ، وسخر لكم الأنهارَ العذبة لتنتفعوا بها في رَيِّ الأنفس والزروع .
{ وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَآئِبَينَ } .
لا يفتُران عن الدوران ، { وَسَخَّرَ لَكُمُ الليل والنهار } يتعاقبان ، تستريحون في اللّيل ، وتعملون في النهار { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } وهيّأ لكم كل ما تحتاجون ، سواء أسألتُموه ام لم تسألوه . . . لأنه قد وضع فيه هذه الدنيا منافع يجهلُها الناس وهي معدَّة لهم ، فلم يسأل الله أحدٌ قديما ان يعطيَهم الطائرات والكهرباء وغير ذلك من الأشياء الجديدة ، ولم يزل هناك عجائب ستظهر فيما بعد ، { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [ النحل : 8 ] .
{ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا } . ان حاولتم ان تعدُّوا نعمةَ الله فإنكم لا تستطيعون حَصْرَها ، فهي أكبرُ وأكثر من ان يحصيّها البشر .
وبعد هذا كلّه تجعلون لله أنداداً ، ولا تشكرون نِعَم الله { إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } فالإنسان الذي بدّل نعمة الله كُفراً بعد كل هذه النعم لهو شديد الظلم والجحود .

(2/291)


وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41)

واجنُبني : وأبعِدني . تهوي اليهم : تسرع شوقاً وحبا .
في هذه الآيات يتجلى النموذج الكامل للانسان الذاكر الشاكر في شخصية ابي الانبياء ابراهيم عليه السلام ، فهو يدعو الله تعالى ان يجعل مكة بلداً آمناً مطمئنّاً ، ويسأله ان يبعده هو وابناءه عن عبادة الأصنام ، ثم يذكر مساوئ الاصنام وكل ما عُبد من دون الله بقوله :
{ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس }
ويبين الدين الحق الذي هو عليه ويتابع الدعاء فيقول :
{ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .
فأما من تبع طريقي فهو منّي ، ينتسب إليّ ويلتقي معي ، وأما من عصاني منهم فأُفوّض أمره إليك ، فأنتَ غفور رحيم .
وهنا تتجلّى رحمة ابراهيم وعطفه ورأفته ، فهو لم يطلب الهلاك لمن يعصيه من نسله ، كما أنه لا يستعجل العذاب لهم ، وانما يَكِلُهم الى غفران الله ورحمته .
{ رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة } .
وهنا يمضي في دعائه : بأنه أسكنَ من ذرتيه بمكة ، وهي بوادٍ قاحلٍ لا زرعَ فيه عند بيت الله المحرّم ، ثم يبين الوظيفةَ التي أسكنَهُم في هذا المكان القف ليقوموا بها ، وهي عبادةُ الله وإقامة الصلاة على حقيقتها .
ثم يدعو تلك الدعوة اللطيفة التي استجابها الله ، بقوله : { فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ } اي تميل بشوقٍ إلى ذلك البيتِ العتيق واهلِه في ذلك الجديب ، { وارزقهم مِّنَ الثمرات لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } وقد اجاب الله دعاءه ، فألهم الناس الحجَّ منذ آلاف السنين إلى ما شاء الله ، وفي أي وقت ذهب الانسان الى الحجاز يجِد فيه أنواع الثمار والخيرات . وفي هذا اظهارٌ لقدرة الله وصِدق وعده .
{ رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَيْءٍ فَي الأرض وَلاَ فِي السمآء } .
إنك يا ربنا تعلَم ما تُخفي نفوسنا وما تظهره مجاهرةً به ، فليس يخفى عليك شيء في هذا الكون .
ثم يتوجه ابراهيم الى الله ويذكر نعمة الله عليه ، فيلهج لسانه بالحمد والشكر فيقول :
{ الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدعآء } .
فإن هِبةَ الذرّية على الكِبَر أوقعُ في النفس ، فهو يحمد اللهَ تعالى على هذه النِعم ويطمع في رحمته .
{ رَبِّ اجعلني مُقِيمَ الصلاة وَمِن ذُرِّيَتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ } .
بعد الحمد والشكر الذي قدّمه على ما وهبه الله من الذرّية على الكِبَر ، يطلب ابراهيم من ربّه ان يُعينه على مداومة شكره بإقامةِ الصلاة هو وذرّيته ، وان يتقبّل دعاءَه . والدعاءُ هو العبادة كما جاء في الحديث الصحيح .
{ رَبَّنَا اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحساب } .
بهذا الدعاء يختم ابراهيمُ شكره وتضرّعه الى الله ، ويطلب المغفرةَ له ولوالديه ولجميع المؤمنين ، يوم القيامة .

(2/292)


وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45)

تشخص : ترتفع . مهطعين : مسرعين الى الداعي . مقنعي رؤوسِهم : ارفعين رؤوسهم كثيرا . لا يرتد اليهم طرفهم : لا يرجع ، كأن ابصارهم جامدة من الهول . وافئتدتهم هواء : خالية من العقل والفهم لفرط الدهش والحيرة . من زوال : من انتقال .
{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون } .
الخطاب في صورته للنبيّ عليه الصلاة والسلام ، والمراد به جميع الناس . وفيه تسليةٌ للمؤمنين ، وتهديد للكافرين . . . فإن الله لا يغفل عما يعمل الظالمون في محاربة الاسلام . { إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار } .
إنما يُمْهِلهم ويمتّعهم بكثيرٍ من لذات الحياة ، ليوم شديد الهول تبقى فيه أبصارُهم شاخصةً مفتوحة من الفزع .
{ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ } .
إنها صورةٌ رهيبة وهم معروضون رافعين لرؤوسهم ، وطرفهم جامد لا يتحرك من شدة الهول ، وأفئتدتهم خاوية مضطربة لا إدراك فيها ولا وعي . . . هذا هو اليوم الذي يؤخّرهم الله إليه ، والذي ينتظُرهم بعد الإمهال .
{ وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب فَيَقُولُ الذين ظلموا رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ } .
وانذِر الناس ايها الرسول أنه إذا جاء اليوم فلا اعتذارَ ولا نكال ، يوم يقول الظالمون الجاحدون حين يرون ذلك الهول : ربّنا ارجعْنا الى الدنيا ، وأمهلْنا امداً قريبا حتى نجيب فيه دعوة الرسل الى توحيدك ، فيأتيهم الرد : ألم تَحلِفوا في الدنيا أنكم إذا متُّم لا تُخرَجون لبعثٍ ولا حساب ، فكيف ترون الآن ، ويان قولكم « ما لنا من زوال »؟!
{ وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظلموا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمثال } .
وسكنتم في الدنيا في مساكن الذين ظَلموا أنفسَهم بالكفر والمعاصي من الأمم قبلكم ، وقد ظهرلكم بمشاهدة آثارِهم كيف عاقبناهم ، وضربنا لكم الأمثالَ الواضحة ، ثم بعد لك كله تُقسِمون « ما لكم من زوال » فلم ترعووا ولم تتوبوا من كفركم ، والآن تسألون التأخير للتوبة حين نزل بكم العذاب .
قراءات :
قرأ أبو عمرو : « انما نؤخرهم » بالنون والباقون « يؤخرهم » .

(2/293)


وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51) هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52)

مقرنين : مربوطين . في الاصفاد : في القيود . سرابيهم : ثيابهم . من قطران : نوع من الزيوت شديدة الاشتعال اسود اللون تدهن به الابل عندما يصيبها الجرب . تغشى وجوههم النار : تعلوها وتغطيها . هذا بلاغ للناس : كفاية في الموعظة .
{ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال } .
ولقد مكروا ودبّروا في إبطال الحق وبالرسول الكريم ، وعند الله علمُ مكرهم ، وان كان مكرهم من القوة والتأثير حتى لَيؤدي إلى زوال الجبال ، والله تعالى محيطٌ بهم وبمكرِهم .
قراءات :
قرأ الكسائي : « لتزول » بفتح اللام الاولى ، وضم اللام الاخيرة . وقرأ الباقون : « لتزول » بكسر اللام الاولى وفتح اللام الاخيرة كما هو في المصحف .
{ فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ الله عَزِيزٌ ذُو انتقام } .
لا تظنَّ ايها الرسول ان الله تعالى مخلفٌ رُسُلَه ما وعدَهم به من النصر ، فما لهذا المكرِ من أثر ، وما يعوق تحقيقَ وعد الله لرسله بالنصر ، وأخذِ هؤلاء الماكرين أخْذَ عزيز مقتدر ، ان الله شديدُ الانتقام لا يدع الظالمَ يفلت ، ولا يدع الماكر ينجو .
{ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات } .
ان الله تعالى سينتقم من هؤلاء الكفارِ يومَ القيامة يوم تتبدَّل الأرضُ والسموات . ولا ندري كيف يتم هذا ، ولا طبيعةَ الأرض الجديدة وطبيعةَ السموات ، وكلُّ ما بعدَ الموت شيء غير عاديّ بالنسبة إلينا واللهُ أعلمُ بذلك .
{ وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ } خرجوا من قبورهم ، ووقفوا مكشوفين بارزين لا يستُرهم ساترٌ بينَ يدي الله الواحد القهار .
وبعد ان وصف نفسه بكونه القهار ، بين عجز المجرمين وذلتهم فقال :
{ وَتَرَى المجرمين يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد } وهي صورة عن مَشاهدِ يوم القيامة فيها منظرٌ واقعي للمجرمين كأنك تراه ، وهم يخبُّون في قُيودِهم .
{ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وتغشى وُجُوهَهُمْ النار } .
وهذا مشهد آخر لباسهم فيه من هذا الزيت القبيح ، والنارُ تغشى وجوههم ، وفي ذلك ما فيه من الذل والتحقير .
{ لِيَجْزِيَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } .
لقد فعل الله بهم ذلك ليؤديّ الى كل نفس جزاءَها بما فعلت ، إن خيراً فخير وان شرا فشر ، ان الله سريع الحساب يوم القيامة .
{ هذا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وليعلموا أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب } .
هنا يختم الله السورة بمثل ما بدأت . . . بإعلانٍ لجميع البشرية في الكون أجمع .
هذا القرآن بلاغ لجميع الناس ، لنُصحِهم وإنذارِ هم من عذاب الله ، وليكون لديهم العلمُ الحقيقي أن الله إلهٌ واحد عِدة آلهة كما يقول المشركون ، وليتذكَّر اولو العقول عظَمةَ ربهم ، ويتَّعظوا فيبتعدوا عما فيه هلاكهم ، ويرجعوا الى ربهم في كل احوالهم .

(2/294)